Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
بإصبع مماثلة لتلك الإصبع القبيحة تماماً، وفوق ذلك فإننا نرى كوويه يقول إن المرأة يمكنها أن تلد ما تشاء من ذكر أو أنثى وما تشاء من محاسن وصفات إذا تخيلت رغبتها طول مدة الحمل
وليس هذا الأمر بغريب علينا نحن الشرقيين فإننا كثيراً ما نسمع عما يسمونه (الوحم) هذا فيما يتعلق بتأثير الإيحاء على الجنين، أما تأثيره على الشفاء من المرض فليس هذا بغريب علينا أيضاً لأننا كثيراً ما نقرأ في الكتب القديمة عن شفاء بعض الأمراض بالطلاسم والرقي والبخور، وهذه هي الأشياء التي نسميها الآن شعوذة وتدجيلا، مع أنها مدرسة قائمة بذاتها بتعاليمها وتلامذتها وأساتذتها الخ. . والواقع أنها كانت في العصر القديم لها من الأهمية بالنسبة إليه ما للإيحاء في العصر الحاضر من أهمية بالنسبة إلينا. والفرق بين طريقة اليوم وطريقة الأمس هو أن الشخص الذي يقوم بالإيحاء الآن رجل متعلم يعمل بوازع من ضميره الإنساني النبيل ويوحي إلى مرضى مثقفين أيضاً يعرفون قيمة ذلك الإيحاء ويعرفون أن قوة الشفاء موجودة في أنفسهم إذا أمكنهم أن يتخيلوا الشفاء أو إذا أمكنهم أن يتحكموا في مخيلتهم. وهكذا نرى أننا بعد أن وصلنا إلى هذه الدرجة من المدنية والعلم قد رجعنا إلى الطرق التي كان يعالج بها في الأزمنة القديمة والتي لا نزال نرى بقاياها. والتاريخ يعيد نفسه، فالمريض يشفى في العصر الحاضر إذا أوحى إليه بالشفاء بأذن الله على شرط أن يحمل حجاباً أو يحرق بخوراً. وهو بعد أن ينفذ هذه الشروط يتخيل الشفاء فيتم له. وقد تكون هذه الطريقة القديمة أجدى وأنفع للإنسان لأنها تجعله يضع ثقته في خالقه تعالى فيستمد من هذه الثقة كل معاني القوة والاطمئنان والراحة والمواساة. بدل أن يضعها في نفسه وهو كثيرا ما يشعر بضعفها.
وقد يساعد الإيحاء أو الإيهام على استفحال الداء، وذلك إذا كانت الفكرة الموحاة مخطئة كما يحدث في بعض حالات السل. ذلك لأن لفظة (سل) مخيفة عند الكثيرين الذين يعتقدون أنه لا سبيل إلى شفاء المريض به، وبمجرد معرفة أحدهم بأن هناك شكاً في تشخيص مرضه من هذه الناحية لا يلبث أن يعتقد بأنه مريض بهذا المرض فيتحقق له اعتقاده ويستفحل الداء ويسير به إلى الهلاك بخطى سريعة واسعة. ومع ذلك فمن منا سلمت رئتاه من هذا المرض؟ وكم رئة إذا شرحت وجدت خالية من التدرن أو من آثاره؟ فالسل مرض قابل
стр. 4167
للشفاء ما لم يعتقد المريض بخلاف ذلك.
عبد الفتاح سلامه
стр. 4168
بين الدين والعلم
كتاب عن فساد الداروينية
كان من نتائج الحرب العالمية الماضية طغيان موجة الكفر والالحاد، والمذهب الدهري الذي شعار أنصاره: (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)؛ وزوال فكرة الألوهية من بعض الرءوس الصغيرة والأحلام الضعيفة. ذلك بأن الناس تناحروا وتطاحنوا في الحرب، ثم لما رأوا أهوالها جعلوا يضرعون إلى الله أن يحقن دماء الباقين منهم وينجيهم من شر المخبأ لهم في عالم الغيب كما يقول شحاذونا. فلما لم يسمع لهم نادوا بالكفر، وطلقوا البقية الباقية في صدورهم من الإيمان، فكان هذا الاستهتار وكانت هذه (الكلبية) التي رانت على القلوب وبلغت أقصاها في روسيا البلشفية
لكن يظهر إن رد الفعل هذا سيعقبه رد فعل آخر من الجهة المقابلة،
ويعيد الناس إلى صوابهم مرة أخرى. ففي كل بلد من بلاد أوربا يقظة
دينية، وفي كل قلب ندامة، وفي كل ضمير شيء من الوخز يبشر
بانتعاش الإيمان من إغماء كان يخشى أن يكون طويل الأمد، وأن
ينتهي بموت الأبد، وبيقظته من سبات كان يخشى أن يكون دائماً، وأن
يليه مرض خبيث كمرض النوم لا يخلّص صاحبه منه إلا الموت
لكن أغرب من هذا كله أن يقوم من يقول لنا إن أعظم حوادث القرن العشرين فقد الناس إيمانهم بالعلم بعد عودة إيمانهم بالدين، وكما أن العلم هد أركان الدين في بعض البلدان وفي خلال القرن الماضي، كذلك نرى الأديان الآن تنتقم من العلم بتقويض أركانه، والبناء على أطلاله. فقد أعطانا العلم الحرب العالمية بفظائعها وأهوالها، فضربت أركان الديانة ضربة شديدة، ولكنها ضربت العلم ضربة أشد منها
قال أحد الكتاب: لما أعلن اينشتين مذهب النسبية الذي قلب به مذهب نيوتن، قلت في نفسي ومن يدرينا متى يقوم مذهب من نوع سوبر اينشتين يقضي على مذهب اينشتين؟
ظهر بالأمس كتاب جديد عنوانه (هذا التقدم - مأساة مذهب النشوء) أي مذهب داروين الذي ينكر الخلق الفجائي، ويقول إن أنوْاع الحيوان والنبات حتى الإنسان متسلسل بعضها
стр. 4169
من بعض، وان بيننا وبين القرود لذلك لحمة نسب وصلة قرابة. ولا يزال مذهب داروين ناقصاً ما يسمونها (الحلقة المفقودة) التي تثبت قرابة الإنسان للقرد، ومادامت مفقودة يبقى مذهباً، ويبقى لذلك خارجاً عن دائرة اليقينيات المثبتة إذ يعوزه البرهان
ومؤلف هذا الكتاب عالم إنجليزي اسمه الكبتن اكوارت، وهو يقول فيه: إن الداروينية كذبة كانت السبب الأول في تدهور الحضارة الغربية، بانياً حكمه هذا على اكتشاف اكتشفه وبرهن فيه على أن نشوء الطيور خرافة لا كما يقول المذهب الدارويني
وقد عرض المؤلف فكرته التي بنى عليها مؤلفه على بعض أصحابه النشوئيين فأقروه عليها، ولم يستطع أحد منهم أن يبين وجه الخطأ فيها وهزأ في كتابه ببعض الآراء الشائعة بين علماء الطبيعة عن النور ونهاية الفضاء والأثير والفراغ والسدام
وأبان في كتابه أن النشوئيين لم يهتدوا بعد إلى الحلقة المفقودة التي تصل الإنسان بالقرد كما يزعمون، مع انهم قلبوا بطن الأرض يبحثون عنها، ولكن الجيولوجيا تضحك من بحثهم عن شيء لا وجود له. وقد اعترف داروين نفسه في زمانه بأن (الجيولوجيا لا تؤيد وجود تلك السلسلة الدقيقة المتدرجة التي يتطلبها ناموس النشوء نفسه) بل بالضد من ذلك تثبت ان الداروينية غير صحيحة، لأن وجود بقايا الحيوانات في الصخور لا يمكن تعليله بأي مذهب من المذاهب، فان عظام الفرس مثلاً كانت موجودة في قلب الصخور قبل ظهور ما زعموا أنها أسلافه لا بعد ظهورها
وقد هدم مندل بناموسه عن الوراثة ناموس الانتخاب الطبيعي الذي هو أساس الداروينية. ويقول المؤلف إن الداروينية زعزعت أسس الدين، فلو أمكننا التخلص منها لمهدنا الطريق إلى إحياء الإيمان بالخالق. وان من الغربة بمكان ان يبنى الناس تزعزع إيمانهم بالله مدة قرن كامل أو نحو ذلك على مذهب لم يثبت بالبرهان ولا يمكن إثباته.
فالأيمان بالله أسهل كثيراً من الإيمان بخدع العلم وأوهامه.
ق. س
стр. 4170
القصص
النفس الرقيق. . .
لايفان بونين
ترجمة ع. الحمدي
في المقبرة فوق أكمة نضرة مخضرة صليب جديد مصنوع من خشب البلوط، قوي ثقيل، ثابت راسخ، ناعم الملمس، بهيج المنظر. وكان الشهر أبريل ولكن الأيام غائمة كالحة. فكنت ترى من مراحل شاسعة خلال الأشجار الجرداء شواهد الأجداث قائمة في المقبرة - مقبرة رحبة ريفية أو اكبر من الريفية بعض الشيء - والريح الباردة القاصفة تصفر صفيراً مخيفاً كلما مرت من تجاويف الإكليل المصنوع من الخزف الصيني عند قاعدة الصليب. وفي الصليب نفسه ركب إطار مستدير من النحاس الأصفر. وفي الإطار صورة لفتاة حسناء فاتنة من طالبات المدارس، مهندمة الملبس، لها عينان فرحتان براقتان تنمان على الحياة والغضارة
هذه الصورة هي صورة (أولجا مسجرسكي)
لما كانت بنتاً صغيرة لم يكن لها ما يميزها في ذلك الجمع الصاخب من ذوي الأثواب السمراء الذين كان لغطهم المتنافر يدوي في ابهاء المدرسة وصفوفها. وكل ما كان يستطيع الإنسان ان يقوله عنها هو أنها ليست إلا واحدة من هؤلاء الفتيات الكثيرات الجميلات السعيدات، وإنها ذكية، لكنها لعوب كثيرة الحركة، لا تصغي لما يلقيه عليها العلم في الصف من دروس. ثم صارت إلى النمو، وأخذت تتفتح أكمامها لا بالأيام بل بالساعات. وفي سن الرابعة عشرة، وقد أصبح لها خصر أهيف، وساقان جميلتان متسقتان، برز نهداها ولاحت عليها تلك الرسوم والملامح الدالة على النضوج، ولم تستطع لغة البشر بعدُ أن تصف فتنتها وسحرها. وفي سن الخامسة عشرة قيل عنها إنها حسناء. . . وكم كان أترابها ورفيقاتها في المدرسة شديدات العناية بتنظيم شعورهن، وكم كن نظيفات محترسات في حركاتهن! ولكنها ما كانت لتخشى شيئاً فهي دائماً نظيفة الثياب حسنة الهندام، متوردة الوجه من غير قصد فمنها ولا عناء من جانبها، اجتمع لها في سنتيها الأخيرتين كل ما
стр. 4171
يميزها من باقي المدرسة، اجتمع لها الظرف والأناقة وخفة الروح وإشراق الطلعة وبريق الذكاء. . . ذلك إلى أن أحدا لا يستطيع الرقص مثل (أولجا مسجرسكي)! ولا يستطيع العدو أو الانزلاق مثلها! ولسبب ما لم تكن لأحد تلك الألفة التي كانت لها مع صفوف الصغار والأحداث في المدرسة. ومن غير أن تشعر أصبحت فتاة، ومن غير أن تشعر ذاعت شهرتها في المدرسة. ولم يمض قليل حتى أخذت الألسن تلوك عنها الأحاديث بأنها نزقة متقلبة لا تستطيع أن تحيا بغير عشاق، وأن التلميذ (شنسين) مدله في حبها مأخوذ بجمالها، وأنها هي أيضاً لعلها تحبه ولكنها لكثرة تقلبها وسوء معاملتها جعلته يحاول الانتحار غيرة مرة. .
في خلال شتائها الأخير جن جنونها بذلك الفيض من السعادة الذي غمرها. . . كذلك قالوا عنها في المدرسة. . . وكان هذا الشتاء مثلجا قارساً تنزل الشمس فيه مبكرة وراء الأيكة الكثيفة من أشجار الشربين الباسقات خلف بستان المدرسة المكسوة بحلل من الثلج الناصع. ولكن الجو كان رائعاً بساماً على الدوام. اليوم ثلج وغدا شمس. نزهة قصيرة في شارع الكنيسة. انزلاقة في متنزه المدينة. غروب وردي دافئ؛ موسيقى. . . ثم ذلك الجمع الدائم الحركة الذي كانت (أولجا) تلوح من بينه أخفه روحاً وأشده نزقاً وأوفره سعادة. وفي ذات يوم بينما كانت مندفعة كالإعصار في غرفة الألعاب تعدو في أثرها الفتيات الصغار يصرخن ويهتفن مبتهجات استدعتها رئيسة المدرسة على حين غرة. فوقفت بغتة وتنفست نفساً عميقاً ثم رتبت شعرها وسحبت أطراف مئزرها كي توصله إلى كتفيها. وبعينين مضيئتين هرعت إلى فوق. كانت الرئيسة صغيرة السن، لكن شعرها كان أبيض، وكانت جالسة بهدوء إلى الطاولة تحت صورة القيصر وفي يديها تطريز قد انكبت عليه واستغرقت فيه.
قالت الرئيسة بالفرنسية دون أن ترفع عينيها عن التطريز (عمى صباحاً يا (مس. مسجرسكي) - إنني آسفة لأن هذه ليست المرة الأولى التي اضطررت فيها لاستدعائك إلى هنا لأكلمك في سلوكك) فأجابت (اولجا) - لقد أخذت بإرشادك أيتها السيدة - قالت ذلك وهي تقترب من المنضدة تنظر إليها بإشراق باد وسرور ظاهر، وفكر شارد، ولم تؤد إليها من التحية إلا طرفاً ضئيلاً ظريفاً هو كل ما تستطيع تأديته من التحيات.
стр. 4172
فقالت الرئيسة (انك لم تسمعي ما أقول - وقد اقتنعت وا أسفاه بهذا) قالت ذلك وسحبت الخيط سحبة تدحرجت لها كرة الخيوط على البلاط الصقيل اللامع، وتبعتها أولجا بنظرة مستطلعة. ثم رفعت الرئيسة عينيها إليها وقالت (سوف لا أكرر ما أقول. سوف لا أكثر من القول).
راق (اولجا) غرفة المطالعة هذه، وراقتها نظافتها الغريبة واتساعها غير المألوف. وأعجبتها زنابق الورد الجنية الزاهية التي كانت موضوعة في زهرية فوق المكتب. جلت بنظرها إلى القيصر الشاب وقد صور بكامل جسمه في بهو فاخر، ولبثت ساكتة لا تنبس ببنت شفة.
قالت الرئيسة في لهجة تدل على معنى مقصود منها. وقد شعرت في نفسها بسورة من الغضب: (انك لم تعودي الآن بنتاً صغيرة)
فأجابت أولجا في سذاجة يغلب عليها الحبور. (نعم. سيدتي!)
قالت الرئيسة ولا يزال في لهجتها معنى تقصده، وتتعمد الإلماع إليه (لكنك لم تصبحي امرأة بعد) واحمر وجهها الشاحب بعض الحمرة وقالت (خبريني أولاً: لماذا تصففين شعرك بهذا الشكل؟ انك لتصففينه كالمرأة).
فأجابت أولجا (ليس من ذنبي يا سيدتي أن يكون شعري جميلاً) وأمسكت شعرها المنظم الجميل بكلتا يديها وبشكل لا يخلو من دلال.
فقالت الرئيسة (أحقاً ما تقولين؟ أصحيح أنه لا لوم عليك؟ - ألا تلامين على الطريقة التي تنظمين بها شعرك؟ ألا تلامين على هذه الأمشاط الغالية؟ ألا تلامين إذا أفقرت أبويك باقتناء حذاء بعشرين روبلا؟ ولكني أكرر القول بأنه قد غاب عن بالك انك لا تزالين طالبة ليس إلا). وهنا قاطعتها أولجا فجأة بأدب ومن غير أن تفقد شيئاً من بساطتها وهدوئها قائلة (عفواً يا سيدتي انك خاطئة، إنني في الواقع امرأة، وهل تعلمين من يلام على ذلك؟ انه صديق أبي وجاره أخوك (الكسي ميكالوفتش). . . وقد وقع ذلك في الريف في الصيف الماضي).
بعد هذا الحوار بشهر أطلق ضابط من أجلاف القوزاق سمج أخرق، في هيئة السفلة من الرعاع والأفاقين، على أولجا عياراً نارياً أرداها قتيلة وهي في جمع من الناس على
стр. 4173
رصيف المحطة وقد وصلوا تواً بالقطار. وهكذا تحقق بهذا الحادث اعتراف (أولجا) الذي صعق الرئيسة. فقد قال الضابط للمحقق إن (مسجرسكي) قد أخرجته عن وعيه، وإنها فيما مضى كانت لها به صلة من صلات العشق الخفي، وإنها وعدته بالزواج منه، وفي محطة القطار في يوم مقتلها عند ما رأته يغادر المدينة إلى (نوفوجركاسك) أخبرته بغتة بأنها لن تفكر في الزواج منه، وان كل ما قالته له من أمر الزواج لا يتعدى السخرية منه والهزء به، وإنها ناولته مذكرتها ليقرأ فيها تلك الصفحات التي كانت قد كتبتها عنه.
قال الضابط (ألقيت نظرة عجلى على تلك الصفحات - وذهبت إلى الرصيف حيث كانت تخطر جيئة وذهاباً تنتظرني ريثما أفرغ من قراءتها وسددت إليها مسدسي فقتلتها. وتلك هي المذكرة في جيب معطفي، انظر تحت تاريخ ١٠ يوليو من السنة الماضية. . .). وهذا ما قرأه المحقق:
(الساعة الآن الثانية صباحاً، استغرقت في نوم عميق لكنني ما لبثت أن استيقظت مرة أخرى. . . أصبحت اليوم امرأة. أبي وأمي و (توليا) كلهم سافروا إلى المدينة وبقيت وحدي. ما أسعد الإنسان أن يكون وحده. آه لو أستطيع أن أصف مبلغ سعادتي بوحدتي هذا اليوم. في الصباح أخذت أتمشى في البستان بالمزرعة. دخلت في الأيكة الوارفة الظل. خيل إليّ أنني وحدي في هذا العالم كله. ليس فيه غيري. لم تلم بي قبل اليوم أمثال هذه الخواطر والأفكار اللذيذة. . . ما أحلاها. . . تناولت طعام الغداء وحدي، ثم لعبت ساعة من الزمن. . . وألقت الموسيقى في روعي بأنني يجب أن أعيش أبداً وأن أكون أسعد مخلوق على وجه الأرض! ثم أخذتني سنة من الكرى في غرفة الاستقبال الخاصة بأبي. وفي الساعة الرابعة أيقظتني (كيت) وقالت لي إن (الكس ميكالوفتش) قد حضر إلى هنا. كم سررت بلقائه. كم كان جميلا أن استقبله وأكرم مثواه. جاء ومعه جوادان مطهمان. ما أجملهما؟ ظلا طيلة لبثه واقفين عند الباب الأمامي. لكنه لبث هنا لأن المطر كان ينهمر كأفواه القرب وأنه يرجو انقطاعه وجفاف الطريق عند المساء. أسف أشد الأسف لعدم لقائه أبي في البيت، كان مبتهجاً خفيف الروح مترعاً بالحياة، عاملني بكل لطف وأدب. وصار يتنادر معي ويذكر في دعابه وفكاهة أنه وقع في شراك حبي من زمن بعيد. وقبيل تناول الشاي أخذنا نخطر في البستان بين الرياحين والأغصان المتمايلة وكان الجو رائعاً فاتناً،
стр. 4174
ولكن الرد طفق يشتد، وظللنا نمشي معاً ذراعاً بذراع، وقال كأنه معي فاوست مع مرجريت!. هو في السادسة والخمسين، إلا أنه لم يزل وسيماً جذاباً. حسن الهندام دائماً - والشيء الذي أنكرته عليه هو أنه جاء اليوم متلفعاً بملفعة تفوح منها رائحة عطر انكليزي ولا تزال عيناه عيني شاب يافع. . لحيته طويلة مسترسلة. مفروقة في وسطها فرقاً جميلا - هي فضية لامعة. - تناولنا الشاي في الشرفة الزجاجية، وشعرت بغتة أن وعكاً خفيفاً عراني فاستلقيت على السرير وظل هو يدخن. ثم جلس بقربي وشرع يقول أقوالاً لذيذة، فيها متعة، وفيها ما يستثير كامن الوجد ومكبوت الهيام. ثم تناول يدي فطبع عليها قبلة حارة. . . فجعلت من منديلي الحريري الكبير ستراً أسدلته على وجهي، وجع ينهال بالقبلات إثر القبلات من فوق المنديل على شفتي. . . لا أدري كيف وقعت الواقعة!. لا أستطيع أن أقول كيف حدثت، قد جن جنوني!. . ما كنت لأحلم يوماً أنني أكون كتلك اللحظة. . والآن لا أشعر نحوه بغير شيء واحد: الاشمئزاز الذي لا قبل لي بحمله. أواه! ما أشد ما ثار في نفسي بعد ذلك من المقت له!!
المدينة في هذه الأيام من أبريل نظيفة نقية، قد ذهبت بأدرانها وأقذارها أمطار الشتاء، وبدت حجارتها بيضاء ناصعة، وأصبح السير فوقها محبباً شهيا. . . في كل يوم أحد بعد القدّاس ترى في شارع الكنيسة المؤدي إلى خارج المدينة امرأة قِمئة ضئيلة الجسم تلبس الحداد، في يديها قفازان من جلد المعز الأسود، تحمل مظلة مقبضها من الأبنوس، تراها تسير في الشارع وما تنتهي منه حتى تجوز ساحته، ثم تعبر السوق المتهدمة حثت الحدادون الكثيرون، وحيث النسيم يهب رقيقاً عليلاً من الحقول القريبة. وهناك على بعد كبير بين الدير والسجن ترى العين المنحدر الأبيض من القبة السماوية، والحقول المترامية تغتسل في تلك القتمة الرمادية. . . وبعد ذلك، بعد أن تجوز البركة الكدرة خلف الدير ترى ما يبدو لك كأنه حديقة فسيحة واطئة محاطة بسور أبيض كتب على بابه: (صعود سيدتنا إلى السماء هناك تقف المرأة وقفة قصيرة ترسم مسرعة بيديها صليباً على صدرها وتسير سالكة الطريق الأصلي؛ ومتى وصلت المقعد إزاء الصليب الجديد المصنوع من خشب البلوط، جلست في تلك الريح الشديدة وذلك الهواء القارس ولبثت كذلك ساعتين. . حتى تؤلمها قدماها من شدة البرد، وهما في ذلك الحذاء الخفيف، وحتى تكاد تجمد يداها من
стр. 4175
قسوته ولذعته. وبينا هي تستمع لأطيار الربيع تصدح بالغناء العذب، والصوت الرخيمالرقيق حتى في ذلك البرد القارس. وبينا هي تصغي إلى صفير الريح تمر من تجاويف إكليل الخزف وتضاعيفه تبرق في رأسها فكرة أنها تقدم نصف حياتها لو أن ذلك الإكليل البارد الميت لا يكون أمام عينيها. ثم إن (أولجا مسجرسكي هي التي دفنت في ذلك القبر)، هذه الفكرة وحدها، تغمرها في لجة من الدهش البالغ والحيرة المتناهية، فيبدو عليها وجوم عميق وذهول غريب وجزع مروع: كيف يستطيع الإنسان أن يجمع بين طالبة غضة بضة لا تتجاوز سنها السادسة عشرة، كانت قبل شهرين أو ثلاثة تتفجر حياة، وتسطع فتنة، وترفل بأزهى حلل السعادة والهناء. كيف يستطيع الإنسان أن يوفق بينها وبين تلك الأكمة من التراب وذلك الصليب الخشبي؟ أممكن أن تكون هذه هي نفس هذه الفتاة التي تشع عيناها بالخلود الأزلي من هذا الإطار النحاسي؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يجمع بين هذه الطلعة المشرقة الوضاءة وتلك الحادثة الفظيعة التي توافق الآن اسم (اولجا مسجرسكي)؟ رحماك يا رب! إن هذا ليعجز الإفهام. . ولكن هذه المرأة القمئة الضئيلة الجسم سعيدة في قرارة نفسها، سعيدة كأولئك العاشقين الذين وقفوا حياتهم على حلم عاطفي جميل. .
هذه المرأة هي معلمة (أولجا) في المدرسة. فتاة أربت على الثلاثين، ظلت منذ زمن بعيد عائشة على هوس في قرارة روحها كان هذا الهوس أول الأمر ينتاب أخاها - وهو ملازم في الجيش ليس فيه ما هو جدير بالاهتمام أو قمين بالالتفات - كل روحها كانت معلقة به، متصلة بمستقبله بأمتن الصلات، اتصالا تتصور أنه لابد يوماً مود بها إلى أرض من أراضي عبقر. وبعد ذلك لما قتل أخوها في (موقدن) أقنعت نفسها بأنها - ويا للسعادة ولحسن الحظ - ليست كالأخريات، وإنها بدلاً من الجمال، وبدلاً من أن تكون امرأة حقيقية تتمتع بما للمرأة من أنوثة، بدلاً من ذلك لها عقل راجح، وفكر ثاقب، هو أسمى من هذه الدنيويات السافلة، هي عاملة من عمال المثل الأعلى.
وأولجا الآن محور أفكارها وخيالها ومبعث كل إعجابها وسرورها، في كل عيد أو عطلة أن تهرع إلى قبرها - وقد ألفت الذهاب إلى المقبرة بعد موت أخيها - تظل ساعات طوالا شاخصة إلى الصليب الخشبي. تذكر وجه (أولجا مسجرسكي) الشاحب المصفر وسط
стр. 4176
الأزاهير في النعش وتذكر أيضاً ما سمعته ذات مرة: ذات مرة في فرصة الغداء بينما كانت (أولجا مسجرسكي) تتمشى في بستان المدرسة تقول مسرعة عجلي لصديقتها الحميمة (سبوتين) الطويلة البادنة: (كنت أقرأ في كتاب من كتب أبي - وأن لأبي لكتباً قديمة لا تحصى، أكثرها غريب نادر فيه الوفير من المتعة وفيه الجزيل من اللذة - قرأت عن الجمال الذي يجب أن تمتلكه المرأة، وما أكثر ما هو مسطور هناك، لست أذكره كله، لكنني أحفظ منه بعض الشيء؛ اسمعي: عينان سوداوان فاحمتان كالقار يغلي في جفنه، صدقيني، هكذا كان مكتوباً هناك. . . كالقار يغلي في جفنة!! حاجبان سوداوان كالليل البهيم، حمرة غضة تخضب الاهاب، قد اهيف، يدان أطول من المعتاد، قدمان صغيرتان، نهدان بارزان، ساقان مستديرتان متسقتان، ركبتان يحكى لون رضافهما لون داخل الأصداف. كتفان عاليان لكنهما منحدران - لقد كدت أحفظ أكثره غيباً، كله صحيح، ما أشده انطباقاً على الواقع، ولكن أتدرين ما هو أهم من كل هذا، هو النفس الرقيق الناعم اللين، وليس هو إلا هذا الذي أتنفسه أنا. . . . من الأعماق، أصغ إليّ، ألا تجدينه عندي!!. . أليس هو رقيقاً)
والآن قد تلاشى النفس الرقيق مرة أخرى في العالم، في ذلك اليوم الأشهب الغائم في ريح الربيع البادرة القارسة. . .
بغداد
ع. الحمدي
стр. 4177
المارد الأناني
لأوسكار وايلد
ترجمة عبد القادر صالح
أوسكار وايلد من أبرز رجالاتِ الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، نعم في حياته يما لم ينعم به الكثيرون من مشاهير الأدب: شهرة واسعة وحسن تقدير مصحوب بالحب والإعجاب. ولكن الدهر الذي لا يستقر على حال قلب له ظهر المجن في الشطر الأخير من حياته، فقاسى من الهوان والفاقة ما حطم جناحيه، وطمس عبقريته، فمات شريداً طريداً في باريس.
ولد أوسكار وايلد من أبوين إرلنديين في سنة ١٨٥٤ في دبلن حيث قضى سني دراسته الأولى، فورث عن أبيه الدكتور (ويليام وايلد) إفراطه في الميل الجنسي، وعن أمه ميلها للفن، فقد كانت شاعرة نائرة، لها مكانتها.
أتم دراسته في أوكسفورد؛ وهنالك أعجب بالآداب اليونانية والحياة اليونانية القديمة التي أوحت إليه مذهبه في الأدب، وهو: الفن للفن. وفي أوكسفورد نما فيه ميله الجنسي الشاذ، الذي كان الصخرة التي تحطم عليها مجده
اشتهر (أوسكار) منذ أيام دراسته الأولى بطلاوة الحديث ورقة المداعبة، يعبد الجمال ويمقت القبح؛ لم يتحدث إلى إنسان إلا وود المحدث إليه أن لو يعيد أوسكار الأحدوثة من أولها. فشهرته في الدرجة الأولى ترتكز على طلاوة حديثه وظرفه، ثم على أدبه، ولا سيما رواياته التمثيلية وقصصه البديعة.
ترجمت في (الرسالة) قطع من كتابات هذه الشخصية العجيبة التي كانت تفتخر البيوتات الأرستقراطية في إنجلترا بزيارته لها. وهأنذا أترجم لقراء الرسالة قطعة أخرى من غرر ما كتب، تتجلى فيها روح الكاتب بأجلى بيان. على أنني تصرفت في ترجمة بعضها تصرفاً قليلا:
حديقة غناء، مترامية الأطراف، يكسوها العشب الأخضر الغض، ويزيد في جمالها ما يبدو فوق الحشائش هنا وهنالك من الزهور الشبيهة بالنجوم. فيها اثنتا عشرة شجرة من الخوخ، تزهر في الربيع أزهارها البهية، وفي الخريف تنوء بحمل ثمرها اليانع.
стр. 4178
تلك الحديقة هي جنينة المارد التي اعتاد الصبية أن يلعبوا فيها بعد ظهر كل يوم إثر انتهاء وقت المدرسة. وكثر ما كان أولئك الصبية يقفون ألعابهم ليصغوا إلى أغاريد الطيور العذبة التي كانت تنبعث من بين الأغصان. ولكم كان يخاطب بعضهم بعضاً: (ما أسعدنا هنا!)
عاد المارد من زيارته لصديقه عفريت (كورنول) التي استغرقت سبع سنوات تحدث فيها إليه بما طاب له من الحديث. فلما قدم إلى قصره ورأى الأطفال يلعبون في الحديقة انتهرهم قائلاً: (حديقتي! حديقتي! كل فرد يستطيع أن يفهم ذلك، ولن أسمح لأحد أن يلعب فيها). فلاذ الأطفال بأذيال الفرار.
وعلى أثر ذلك أحاط الحديقة بسور عال علق عليه لوحة أعلن فيها أن كل من ينتهك حرمة حديقته بدخوله إليها يحاكم. فكان بذلك مثال المارد الأناني.
لم يكن للصبية مكان يلعبون فيه. حاولوا أن يلعبوا في الطريق، ولكنها كانت مملوءة بالحجارة القاسية والتراب، فلم ترق لهم؛ فصاروا يطوفون بجدران الحديقة آسفين على تلك الأيام السعيدة التي قضوها فيها.
ورد الربيع وأخذت الأزهار تشقق عن أكمامها، والطيور تغرد على الأفنان في طول البلاد وعرضها. ولكن الشتاء ما زال ضارباً بجرانه فوق جنينة المارد الأناني. فقد أنفت الطيور أن تغرد على أشجارها والأطفال بعيدون عنها، ونسيت الأشجار أن تزهر.
نجمت زهرة من بين الأعشاب اتفاقاً، فلما رأت الإعلان أسفت لما حل بالصبية فعادت أدراجها الى بطن الأرض. ولم ينعم بتلك الجنينة في غياب الأطفال سوى الثلج والصقيع اللذين استبشرا قائلين: (هجر الربيع هذه الجنينة وسنتمتع بها طيلة السنة.)
غطى الثلج أعشابها ببساطه الأبيض، وصبغ الصقيع الأشجار بصبغة الفضة. وما لبثا أن دعوا (الريح الشمالية) لتشاطرهما الإقامة في تلك الحديقة فلبت الريح الدعوة مزملة بالفراء، وأخذت تزأر طيلة النهار فتقتلع المداخن وتطوح بها.
(هذه بقعة جميلة. فلندع البَرَد إلى زيارتنا.) وسرعان ما لبى (البرد) الدعوة فصار يقارع سطح القصر ثلاث ساعات متتاليات يومياً ثم يجري بعد تحطيم كثير من البلاط حول الجنينة مزبداً.
(لا أدري لماذا تأخر قدوم الربيع: على أين وطيد الأمل بأن الجو سيتغير). بمثل هذا كان
стр. 4179
يتحدث المارد إلى نفسه لما طال انتظاره للربيع ولكن الربيع ظل على هجرانه وتمادى الصيف في صده.
قدم الخريف وأينع ثمر الأشجار في كل الجنائن المجاورة. لكن جنينة المارد ظلت خلواً من الثمر لأنانيته. ترقص خلال أشجارها الثلوج والأمطار، وتعبث بها الريح الشمالية والصقيع.
استيقظ المارد صباح يوم على موسيقى عذبة، خيل إليه من حسن وقعها في نفسه، أنها فرقة الملك تصدح مارة بقصره. ولم تكن في الواقع سوى ألحان طائر صغير يغرد خارج نافذته، حمله طول عهده بأغاريد الطيور في جنينته على الاعتقاد بأنها أعذب موسيقى في العالم.
وقفت الأمطار وسكنت الرياح الشمالية وأخذت النسائم تحمل إليه ريا عطرا خلال نافذته المفتوحة، فتمتم قائلاً: (ها هو الربيع قد قدم.) نهض من فراشه وأطل من النافذة. فماذا رأى؟ منظراً عجباً.
رأي الأطفال الذين قد تسللوا من ثغرة في الجدران جلوساً على أغصان الأشجار. كل شجرة تضم بين أغصانها طفلا. فكأنها اغتبطت بمرآهم فتفتحت أزهارها ومادت أغصانها فوق رؤوسهم، وكانت العصافير تحوم حولهم تشقشق شقشقة الفرح. وصارت الزهور تتسابق للظهور من بين الأعشاب ضاحكة. لكن الشتاء ما زال ماثلاً في أبعد نقطة من الجنينة حيث وقف طفل صغير لم يساعده قصره على تسلق أغصان الشجرة القريبة منه. فأخذ يدور حولها وهو يبكي أمر بكاء. عز على الشجرة أن تظل مغطاة بالثلج، وأن تظل الريح تصفر فوقها فأخذت أغصانها تدنو من الطفل وأفنانها تتدلى، ولكنه لم يستطع تسلقها لفرط قصره.
ملئ قلب المارد حناناً وهو ينظر إليه فثاب إليه رشده وأخذ يقول: (ما كان أشد أنانيتي!) الآن أدركت سبب تأخر الربيع. سأضع ذلك الصبي الصغير على قمة الشجرة وسأهدم السور (وستصبح حديقتي ملعباً دائماً للأطفال.)
هبط الدرج ودخل الحديقة بلطف، فلما رآه الصبية ذعروا وفروا. فعاد الشتاء إلى الجنينة. غير أن الطفل الصغير لم يفر. لان عينيه كانتا مغرورقتين بالدموع فلم يرد المارد عند
стр. 4180
قدومه.
أتاه المارد من خلفه وأمسك به برفق ثم وضعه فوق الشجرة فاستحالت إلى أزاهير جميلة، وتهافتت العصافير لتغرد عليها، فتح الطفل ذراعيه من شدة الفرح وطوق بهما عنق المارد ثم قبّله، فلما رأى الأطفال الآخرون ان المارد فقد فظاظته عادوا إلي الحديقة سراعاً وعاد معهم الربيع، فهش المارد إليهم، وخاطبهم بقوله: (هذه جنتكم أيها الأطفال الصغار) ثم أخذ بمعوله الكبير يقوض الجدار.
ظل الأطفال يلعبون مع المارد في حديقته البديعة حتى المساء فأتوا يودعونه (ولكن أين رفيقكم الصغير الذي وضعته فوق الشجرة؟). فأجابه الأطفال: (لا نعرف. لقد ذهب) (احرصوا على مجيئه غداً). فأخبروه بأنهم لا يعرفون مسكنه وانهم لم يروه قبل ذلك اليوم، فحزن المارد حزناً شديداً لأنه أحب ذلك الطفل الذي قبّله حباً جماً.
صار الأطفال يأتون كل يوم بعد الظهر ويلعبون مع المارد، لكن الطفل المحبوب لم يُرَ ثانية، كان المارد لطيفاً معهم جميعاً ولكنه ما زال يحن الى صديقه الطفل الصغير، وكثيراً ما كان يذكره قائلاً: (ما أشد شوقي لرؤيته!)
تعاقبت السنون وشاخ المارد وضعف، فلم يقو على اللعب، ولذا كان يجلس في كرسيه يرقب الأطفال وهم يلعبون معجباً بهم وبجنينته:
(لدى زهور جميلة، ولكن لا ريب في أن هؤلاء الأطفال أجمل أنواع الزهور) أطل صباح يوم ماطر من نافذته وهو يرتدي ثيابه، فأخذ يمرس عينيه وينظر فيطيل النظر كأنما وقعت عيناه على شيء عجيب، ولقد كان عجيباً حقاً. رأى من طرف من أطراف الحديقة النائية شجرة مكتظة بالزهور، يتدلى من أغصانها الذهبية ثمرها الفضي، ورأى تحتها الطفل الذي أحبه.
هرول إلى الجنينة مسرعاً، فلما دنا من الطفل صعد الدم إلى وجهه، واحمرت عيناه غضباً، إذ رأى راحة الطفل دامية (من نجاسر أن يجرحك؟ اخبرني لكي أذبحه بسيفي الكبير.)
فأجابه الطفل (لا. هذه جراح الحب!) فاستولى على المارد خوف غريب، ثم جثا أمام الطفل قائلاً: (من أنت؟) فأجابه الطفل مبتسماً:
(سمحت لي أن ألعب مرة في جنينتك، والآن ستذهب معي الى جنينتي التي هي الفردوس)
стр. 4181
تراكض الأطفال بعد الظهر كعادتهم فوجودا المارد الميت تحت الشجرة مكفناً بالزهور البيضاء.
نابلس
عبد القادر صالح
стр. 4182
الكتب
مواقف حاسمة من تاريخ الإسلام
تأليف الأستاذ محمد عبد الله عنان
(الطبعة الثانية) نقحت وحققت وضمت إليها بحوث جديدة
لئن كان لهذا القلم الضعيف أن يطمح الى ما هو أبعد من غايته، فان مما يبهج نفسي أن أتحدث عن هذا الكتاب القيم، وقصاراي أن أتم هذا الحديث على خير ما أرجو من دقة، وعلى أحسن ما أحب من إنصاف.
الكتاب كما يتضح من عنوانه، يصور لك أدوار ذلك الصراع العظيم الذي قام بين الإسلام والنصرانية منذ أن وثب العرب من صحرائهم، وأثخنوا في أراضي الدولتين الفارسية والرومانية، والذي تجلى في عدة مواقف مشهورة كحصار العرب للقسطنطينية ولقائهم أعداءهم في الغرب في موقعة بلاط الشهداء، ثم ما كان من بسط العرب سيادتهم على البحر الأبيض المتوسط واحتلالهم اقر يطش، وصقلية، وروما، وجنوب إيطاليا، إلى أن تطور هذا النزاع إلى دور الحروب الصليبية وما تخللها من لقاءات هائلة بين قوى الإسلام والنصرانية، وأخيراً ما كان من أمر العرب في الأندلس، وتقوض دعائم ملكهم العريض هناك.
وتلك المواقف الحاسمة التي يتخذ منها المؤلف الفاضل عنواناً لكتباه هي في الواقع موضوع واحد، فهو وان اختلفت مظاهره وتعددت ميادينه، وتسلسلت عصوره، لا يخرج في جوهره عن الصراع بين الإسلام والنصرانية، ولقد أعجبني من المؤلف تنبيهه الأذهان إلى ذلك في مواطن كثيرة.
ولقد صور الأستاذ المؤلف كل هاتيك المواقف تصويراً دقيقاً رائعاً، مبيناً أثرها في مصاير كل من الطرفين في وضوح يؤيد ما اشتهر به من بسطة في فنه، وسعة في اطلاعه، وإلمام عجيب بالمواضيع التي يطربها؛ ولقد أضاف إلى تلك المواقف طائفة من الفصول سماها (بحوثاً مفردة) والواقع أنها ليست مفردة، وأن اتصالها بالموضوع وثيق، بل إنها لتعد ضرورية له، ومن أمثلة تلك البحوث الهامة (الدبلوماسية في الإسلام) و (الفروسية) و
стр. 4183
(الرقي في العصور الوسطى) وغيرها مما يلقى ضوءاً على الموضوع الأصلي؛ ولا يفوتنا أن نذكر مع مزيد الإعجاب أن المؤلف مهد لكتابه بفصلين في غاية الأهمية هما (وثبة العرب) و (سياسة العرب الدينية)؛ فأرانا في الفصل الأول، في تعمق ودقة وقوة بيان، تلك الروح التي سيطرت على العرب في جزيرتهم، وأرانا في الفصل الثاني، روح الإسلام في معاملة الأمم التي كانت تدخل في حوزته مورداً في ذلك كثيراً من الأمثلة والاقتباسات، شارحاً الأحوال الاجتماعية والسياسية التي كانت تسود ذلك العصر.
فأنت ترى من هذا الوصف الموجز أن الكتاب يجمع بين الفائدة واللذة، أبو بعبارة أخرى فهو للثقافة والاستمتاع.
أما طريقة الأستاذ في كتابة التاريخ فجديرة بالإعجاب حقا، فهو لن يسرد عليك الحوادث سرداً مملا، بل ترى له طريقة انقادت له وسهلت في يديه وأصبحت وقفاً عليه، طريقة طالما تطلعنا إلى وجودها في كتابه التاريخ باللغة العربية، فهو يحلل ويدقق، ويمحص الحوادث في نظام علمي دقيق، دون أن يملك أو يطوح بك في مجاهل مطموسة الصوى، جائرة السبل، وإنك لتحس شخصيته في كل عبارة من عباراته، لأنه يفرغ على القرطاس صور ذهنه، وحماس قلبه، كما أنك تلمس آثار جهوده في كل فقرة من فقراته، فتراه يعرض عليك الروايات المختلفة، والآراء المتنوعة، ثم يقف منها موقت الناقد الذي يمكنه من الحكم والفصل، ذاكرة قوية، وقراءة واسعة، وصبر شديد؛ ولن تراه يتهرب من نقطة أو يتحيز إلى رأي؛ كل ذك في فطنة ونفاذ بصيرة، فإذا أضفت إلى هذا أن الأستاذ عناناً مشغوف بموضوعات التاريخ الإسلامي، وأنه لن يكتب إلا ما جاشت به نفسه ونبض به قلبه، أمكنك أن تفهم الروح التي يكتب بها الأستاذ التاريخ، والواقع أننا لا نعدو الحقيقة إذاقلنا إن طريقة الأستاذ عنان في كتابة التاريخ قد ثبتت عندنا ناحية من نواحي الحركة الفكرية، كما أن الأستاذ نفسه قد صار ركناً وعلماً نفاخر به أهل الغرب، فطريقته العلمية الدقيقة في كتابة التاريخ تضع آثاره في صف مثيلتها في لغة الغرب، مما يعد مفخرة للعربية وأهلها.
وهناك ناحية أخرى في كتابة الأستاذ عنان جديرة بالتنويه، تلك هي أسلوبه، فللأستاذ أسلوب خاص، تحار إن أردت شرحه؛ فعباراته قوية وسط بين المقبوضة والمبسوطة، لا
стр. 4184
ترى فيها حشواً ولا تجد كلمة تستعمل في غير موضعها، أو تجد لفظاً يقصر عن أداء معنى، أو يتسع حتى يطغى على ذلك المعنى فيضيعه، كذلك لن تجد عبارة فاترة في موقف حماسي، أو جملة حماسية من غير داع، هذا إلى جمال ورونق في غير تكلف أو إسفاف.
أما عن مظهر الكتاب وطبعه وترتيبه، فحسبك منه أنه مطبوع في مطبعة دار الكتب، على ورق جيد من القطع الكبير، ولقد ختمه المؤلف الفاضل بثبت للمراجع العربية والإفرنجية، ثم بفهرس للأعلام التاريخية والجغرافية ومقابلها الإفرنجي، ثم بفهرس عام للكتاب.
ونحن لا يسعنا إلا أن نتقدم بعظيم الشكر للأستاذ المؤلف على مجهوداته التي ترفع رأس العربية، وتشرف أهل الضاد جميعاً.
محمود الخفيف
стр. 4185
العدد ٥٠ - بتاريخ: ١٨ - ٠٦ - ١٩٣٤
стр. 4186
صفاء الأفق في الجزيرة العربية
عقد الصلح بين زعيمي الجزيرة، جلالة عبد العزيز بن السعود، عاهل المملكة السعودية، وسيادة الإمام يحيي حميد الدين ملك اليمن، فصفا أفق الجزيرة العربية، وقرت عيون العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بعد أن جزعت قلوبهم حيناً لتلك الحرب التي كادت تهدد أمن الجزيرة وسلامها، وتفسح مجالاً لسعي الطامعين والمتربصين من خصوم القضية العربية. وعقدت معاهدة الطائف بين الفريقين لتنشأ بين المملكتين العربيتين صداقة دائمة، وتحتم عليهما العمل المشترك في الشؤون الاقتصادية المشتركة، وفي تنظيم العلاقات الخارجية، فلا يعقد أحدهما معاهدة مع دولة أجنبية تؤثر في مصالح الطرف الآخر إلا بإذنه وبعد مشاورته؛ ويجب على الطرفين أن يتعاونا في العمل لحماية المصالح المشتركة والدفاع عن استقلال الجزيرة العربية ضد أي خطر خارجي.
ولقد قلنا منذ البداية أن هذا الخلاف الخطير لا يعني المملكة السعودية أو اليمن فقط، ونما يعني مستقبل الجزيرة العربية باسرها، وناشدنا الزعيمين أن يتذرعا بالرواية والحكمة، وان يغلبا التفاهم والحسنى. ولكن الظروف كانت أقوى من أي إرادة، فوقعت المعارك الأولى، وتطورت الحوادث بسرعة، ووقف العالم العربي والإسلامي مدى حين ذاهلاً يتساءل عما يمكن أن ينتهي الخطب إليه. وكان اشد ما يزعجه أن يرى بعض الدول الأجنبية تتربص وتتحفز لانتهاز الفرص والظروف. ولم يكن يومئذ ثمة مجال لتحديد المسؤوليات أو توجيه اللوم؛ وكل ما كان يشغل العالم الإسلامي ويهمه، هو أن يعقد السلام بأية وسيلة؛ وعود السلام إلى الجزيرة هو السبيل الوحيد للقضاء على تلك المطامع والآمال الأجنبية التي تزدهر إلا في الكدر والخصام، والتي خشينا عواقبها حينما رست بعض السفن الأجنبية في مياه الحديدة يوم أن استولت الجنود السعودية عليها، واحتج مرسلوها بذلك العذر الخالد الذي نسمعه في مثل هذه الظروف دائماً، وهو حماية الرعايا الأجانب؛ وقرأنا في الصحف الاستعمارية غير مرة أن بعض الجهات المعروفة بمطامعها في الشرق تهتم أيما اهتمام بتطور الحوادث في الجزيرة. ولكن تفاقم الحوادث على هذا النحو كان نذيراً بركود العاصفة ثم هدوئها، فضوعفت الجهود في سبيل السلام والتفاهم، وأدرك إمام اليمن خطورة الموقف، وخطر التردد، وعبث الخصومة والمقاومه؛ فأقر الملك الوهابي على مطالبه التي اشترطها منذ البداية لوقف القتال، وهي إخلاء الجبال التي احتلتها القوات اليمنية في عسير
стр. 4187
ونجران، وإطلاق الرهائن، وتسليم الأدارسة سادة عسير السابقين؛ وبدأ الإمام بتنفيذ الشروط المطلوبة، واستؤنفت المفاوضات بين الفريقين يحدوها الرجاء تارة واليأس أخرى، حتى شاء ربك أن تحقن الدماء وان يعقد السلام، وان تصان الجزيرة من شر الطامعين والمتربصين.
وعقد معاهدة الطائف حادث عظيم في تأريخ الجزيرة العربية، ومهما قيل عن نصوص المعاهدة وأثرها في مركز اليمن، وكونها ترتب للمملكة السعودية عليها نوعاً من الأشراف، فلا ريب أنها لخير الجزيرة بصفة عامة ويكفي أنها حسمت نزاعاً كان يضطرم منذ عشرة أعوام، ويهدد الجزيرة بشره بين آونة وأخرى، ويفسح المجال لسعي الكائدين، وأنها قررت حدوداً كانت دائماً مثار الأخذ والرد. وهذه الخاتمة السعيدة لحوادث الجزيرة العربية تحمل على كثير من الغبطة والتفاؤل: أولاً لأنها كشفت مرة أخرى عن المعاني السامية التي يحملها التضامن الإسلامي، وثانياً لأنها ستوحد بين الجهود التي تبذل لصون استقلال الجزيرة. فأما التضامن الإسلامي فقد ظهر في هذه الحوادث بمظهر رائع، وكان لصوت الرأي العام الإسلامي اكبر اثر في تلطيف حدة الخلاف وفي تحذير الزعيمين من عواقبه؛ وكان الرأي العام الإسلامي حكما في الواقع يحتكم إليه الزعيمان، فيذيع عليه جلالة ابن السعود وثائقه ومراسلاته مع سيادة الإمام ليشهده على ما بذل من الأناة والصبر، ويرجوه سيادة الإمام إلا يقف عند الإشاعات والأراجيف المزعجة؛ وكان وفد الأمم الإسلامية الذي سافر إلى الحجاز يبذل جهده لتقريب مدى الخلاف بالنصح والتوسط والرجاء. وفي ذلك اقطع حجة لدحض مزاعم أولئك الذين ينكرون قوة الرأي العام الإسلامي وقوة أثره في توجيه الأمم الإسلامية.
وأما عن توحيد الجهود العربية فيكفي أن
نتلو نصوص معاهدة الطائف لنقدر ما يترتب على تنفيذها من تنظيم لجهود الأمتين العربيتين المستقلتين في سبيل خيرهما وخير الجزيرة العربية؛ ولنقدر ما تدلي به هذه النصوص من فهم الأمتين لما يهدد استقلالهما ومصالحهما المشتركة من العوامل والدسائس الخارجية. ولا ريب أن
اليوم الذي يدرك فيه العرب والمسلمون قيمة التضامن والاتحاد بصورة عملية، هو اليوم
стр. 4188
الذي تتعثر فيه مشاريع الاستعمار وتتحطم، ويبزغ فجر النهضة الحقيقية للعالم الإسلامي، وتستطيع الأمم العربية والإسلامية أن تنظم جهودها لاسترداد استقلالها وحرياتها.
فإلي الزعيمين العربيين والى العالم الإسلامي كله نرفع خالص التهنئة على تلك الخاتمة السعيدة؛ ونرجو أن يوفق الزعيمان إلى خدمة الإسلام والعرب متصافيين متضامنين، ومن ورائهما عطف العالم الإسلامي.
стр. 4189
الراحة في التغيير
للأستاذ احمد أمين
خلق الإنسان ملولاً، يمل النعيم إذا طال، ويمل الشقاء إذا طال، يمل الحر إذا دام، ويمل البرد إذا دام، يمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه، ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه.
وقديماً ملّ بنو إسرائيل أكل المن والسلوى، وقالوا: (لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها). ولست أدري لم لامهم موسى ﵇ على ذلك والملل طبيعي في الإنسان، إلا أن
تكون صيغة الطلب رذيلة مذمومة: (فادع لنا ربك) ليس الصيغة المؤدبة التي تصدر من المؤمنين.
من أجل هذا استعان الناس على درء بالتنويع والتنقل ولو من حسن إلى رديء، فاشتهوا أتفه الطعام بجانب أجوده، واشتهوا عشش رأس البر وأكواخ أبي قير فراراً من القصور الشامخة والبنيان المشيد - وروعي هذا في برامج الدراسة: فحط بعد لغة، ورسم بعد حساب، ولغة إنجليزية بعد لغة عربية، دفعاً للملل من الدرس ومن المدرس؛ وروعي كذلك في برنامج الحياة: فلعب بعد عمل، ومزح بعد جد؛ وراعت الطبيعة هذا في برنامجها: فليل ونهار، وحر وبرد، وسلطان للقمر بعد سلطان للشمس وهكذا - ولولا ذلك لعرى الناس ملل لا يطاق، ولكانت الحياة عبئاً ثقيلاً لا يحتمل، ولفر الناس منها إلى الموت طلباً للتغيير والتنويع.
اخطأٍ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل، والإضراب عن العمل، والتمدد على سرير مريح، أو الاتكاء على كرسي مُجنح أو نحو ذلك؛ وليس هذا بصحيح دائماً، ولو كان كذلك لما مل الناس هذه الراحة، ولما فروا منها إلى العمل، واستروحوا بالجد والتعب، إنما الراحة التغيير من حال إلى حال، من عمل إلى لا عمل، ومن لا عمل إلى عمل، ولو كان عدم العمل هو الراحة لكان السجن أروح مكان - ألا ترى الراحة تكون في الأشياء وأضدادها باستمرار؟ فلو ركب سيارة من مصر إلى الإسكندرية لأحسست التعب من الركوب، أحسست الراحة من المشي، ولو مشيت طويلاً لأحسست التعب من المشي،
стр. 4190
والراحة في الركوب؛ وما أحلى النوم بعد التعب، وما أحلى اليقظة بعد النوم - وفي الجلوس راحة إذا طال الوقوف، وفي الوقوف راحة إذا طال الجلوس، وفي العمل راحة بعد طول فراغ، وفي الفراغ راحة بعد طول العمل، وفي نظر الصحراء لذة بعد طول النظر إلى البحر، وفي البحر لذة بعد طول النظر إلى الصحراء - ومنظر البحر ابعد عن السأم لأنه في تغير مستمر وحركة دائمة: موجة تعلو ثم تهبط، وموجة تتكسر على الصخر أو الرمل، ثم تسير إلى الشاطئ وتفنى، وتتجدد أخرى وهكذا. ومنظر الأرض ليس نصيبه كذلك من التغير، فالإنسان به أسرع مللاً وأقرب سأماً - وهكذا كل نظام الحياة: الملل من الدوام، والراحة في التغيير.
ما أصعب الحياة الرتيبة وأشقها على النفس! إنها تميت القلب وتبعث على الخمود، ولابد لعلاجها من التجديد، وليس التجديد إلا نوعاً من التغيير، يبعث عليه السأم من القديم، فإذا مل الناس الأدب القديم جدد زعماء الأدب في الأدب. وأتوا للناس بفن جديد يستروحون به، وإذا مل الناس نوعاً من النظام الاجتماعي أتى المجددون بشيء جديد ونظام جديد يذهب بالملل ويجدد النشاط، وليس تغيير الأزياء - وخاصة عند النساء - إلا ضرباً من هذا، هن أسرع خلق الله إلى الملل، وأدعاهم إلى التغير والتجديد؛ فهن يطلعن على الناس كل عام بزي جديد في القبعات والأثواب وكل ما يتصل بهن، شعر قصير بعد شعر طويل، وفستان طويل بعد فستان قصير، وهكذا كثير ما لهن فكثر تغييرهن فراراً من السأم وطلباً للراحة لهن ولغيرهن.
وأقدر الناس في هذه الحياة من استطاع أن يتغلب على السأم والملل بالتغيير المناسب في نفسه وفي غيره. فالأديب القديم من استطاع أن ينوع نفسه وينوع كتابه حتى لا يمل ولا يُملّ، وخير المجلات من استطاعت أن تجدد نفسها من حين إلى حين تجديداً يتفق ومنفعة الناس، ويتفق والرقي؛ فتتغير في أسلوبها وتتغير في موضوعاتها، وتتغير من حين إلى لآخر في كّتابها حتى لا يسأم قراؤها؛ وخير القادة من استطاع أن يجدد في دعوته، فإذا كان له مبدأ واحد يدعو إليه استطاع أن يبرزه كل يوم في شكل جديد يستلفت النظر، ويبعث فيه حياة جديدة تدعو إلى النشاط والحركة.
وكثير من شرور هذا العالم سببه الملل، فكسل التلميذ وانصرافه عن الدرس نوع من الملل،
стр. 4191
وخمول الموظف وقعوده عن الجد في العمل نوع من الملل، والخمود السياسي والفكري والاجتماعي نوع من الملل، والرغبة في الانتحار نوع من الملل، وكثيراً ما يكون الميل إلى الكيوف والإدمان عليها نوعاً من الملل، وكثيراً ما يكون الشقاق العائلي وشقاء المنزل والمشادة بين الزوجين أحياناً والأبوين وأولادهما أحياناً نوعاً من الملل، إلى كثير من أمثال ذلك، وكلها أمراض صعبة التشخيص صعبة العلاج، تحتاج إلى نوع من الطب النفسي أدق من طب الأجسام، وتحتاج إلى مهارة في علم النفس لا تقل أهمية عن المهارة في علوم الطب.
من اجل هذا أصبحت الحياة فناً يجب أن يدرس، وأصبحت طريقتنا في الحياة طريقة بالية، إذا ارتقى وتعقد اصبح فناً يحتاج إلى الدراسة، وأصبحت الطريقة الساذجة فيه لا تغني، فأمهاتنا يربين أولادهن حسبما اتفق، ثم أصبحت التربية فناً، ومعلمونا كانوا يعلمون حيثما اتفق، ثم اصبح فناً؛ ومغنونا كانوا يغنون حسبما اتفق، ثم صار الغناء فناً - كذلك الحياة نفسها نحياها الآن حيثما اتفق، ولكنها تعقدت واصبح حل عقدها يحتاج إلى دراسة ودراسات - وأصبحت المرأة في حاجة لان تتجدد في بيتها حتى لا يمل زوجها، والزوج يتجدد حتى لا تمل زوجته، والمعلم يتجدد حتى لا يمل طلبته، ورئيس الحزب يتجدد حتى لا يمل اتباعه، وأصحاب الملاهي يتجددون حتى لا يملوا.
والتغلب على الملل ليس من الأمور الهينة، فليس كل تغيير يصلح لإزالة السام، إنما يصلح التغيير يوم تدرس النفس ويدرس نوع التغيير، كما يدرس المرض ويدرس نوع العلاج، ويكون الدواء طبق الداء.
عن الإسكندرية
أحمد أمين
стр. 4192
مسلمو السودان الغربي يحاولون كشف أمريكا في
أوائل القرن الثامن الهجري.
للدكتور عبد الوهاب عزام
عثر كريستوف كلمب على أمريكا على غير قصد إليها، بل كان يرجو أن يبلغ الهند من الغرب فأتيح له هذا الكشف العظيم.
وقد حاول مسلمو السودان الغربي في أوائل القرن الثامن الهجري أن يبلغوا الشاطئ الغربي من المحيط الأطلنطي (بحر الظلمات) برأي أسد من رأي كلمب، وفكرة أصح من فكرته؛ قبل كشف أمريكا بنحو قرنين.
كانت عظمى ممالك المسلمين في السودان في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة بلاد ماليّ ومضافاتها. وكانت تعرف في ذلك الحين باسم بلاد التكرور. والتكرور كان أحد أقاليم هذه المملكة الواسعة.
وكان ملكهم أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون منسا موسى، قال في صبح الأعشى نقلاً عن العبر: (وكان رجلاً صالحاً وملكاً عظيماً له أخبار في العدل تؤثر عنه، وعظمت المملكة في أيامه إلى الغاية، وافتتح الكثير من البلاد. قال في مسالك الأبصار: حكى ابن أمير حاجب والي مصر عنه انه فتح بسيفه أربعاً وعشرين مدينة من مدن السودان ذوات أعمال وقرى وضياع.)
وقد حج منسا موسى أيام الناصر بن قلاوون سنة أربع وعشرين وسبعمائة. قال في صبح الأعشى نقلاً عن مسالك الأبصار. (قال لي المهمندار: خرجت لملتقاه من جهة السلطان فأكرمني إكراماً عظيماً وعاملني بأجمل الآداب. ولكنه كان لا يحدثني إلا بترجمان مع إجادته اللسان العربي. قال ولما قدم قدمّ للخزانة السلطانية حملاً من التبر ولم يترك أميرا ولا رب وظيفة سلطانية إلا وبعث إليه بالذهب. وكنت أحاوله في طلوع القلعة للاجتماع بالسلطان حسب الأوامر السلطانية فيأبى خشية تقبل الأرض للسلطان ويقول جئت للحج لا لغيره.
فلما صار إلى الحضرة السلطانية قيل له قبل الأرض فتوقف وأبى إباء ظاهراً وقال كيف يجوز هذا؟ فأسر إليه رجل كان في جانبه كلاماً، فقال أنا اسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم
стр. 4193
سجد. وتقدم إلى السلطان فقام له بعض القيام وأجلسه إلى جانبه. وتحدثا طويلاً.
ومقصدنا من هذا الكلام في الرواية آلاتية عن صبح الأعشى:
(قال في مسالك الأبصار قال ابن أمير حاجب سألته عن سبب انتقال الملك إليه فقال إن الذي قبلي كان يظن أن البحر المحيط له غاية تدرك فجهز مائتي سفينة، وشحنها بالرجال والأزواد التي تكفيهم سنين، أمر من فيها إلا يرجعوا حتى يبلغوا نهاية أو تنفد أزوادهم. فغابوا مدة طويلة ثم عاد منهم سفينة واحدة، وحضر مقدمها فسأله عن أمرهم فقال سارت السفن زماناً طويلاً حتى عرض لها في البحر في وسط اللجة وادٍ له جرية عظيمة فابتلع تلك المراكب، وكنت آخر القوم فرجعت بسفينتي. فلم يصدقه فجهز ألفي سفينة: ألفاً للرجال وألفاً للأزواد. واستخلفني وسافر بنفسه ليعلم حقيقة ذلك. فكان آخر العهد به وبمن معه) اهـ
فما رأى المؤرخين والجغرافيين في هذه الرواية العجيبة؟
قد قرأنا في الجرائد قبل سنة أو سنتين أن بعض الباحثين صادف في أمريكا الجنوبية قبائل تشبه أن تكون عربيه مسلمة. فهل بلغ ملك السودان الغربي وأصحابه أمريكا في القرن الثامن الهجري وانقطعت الطريق بينهم وبين أفريقية فأقاموا هناك؟ أو ماذا؟
لعل سعادة شيخ العروبة العلامة احمد زكي باشا يدلي برأيه في هذه المعضلة.
عبد الوهاب عزام
стр. 4194
لا تجني الصحافة على الأدب ولكن على فنيته
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قالوا إن الأصمعي كان ينكر أن يقال في لغة العرب (مالح)، ويقول إنما هو ملح، وان (مالح) هذه عامية، فلما أنشدوه في ذلك شعراً لذي الرمّة يحتجون به عليه قال: إن ذا الرمّة قد بات في حوانيت البقالين بالبصرة زماناً. . . .
يريد شيخنا هذا: أن (المالح) في الأكثر الأعم يكون مما يبيعه البقالون، ولغتهم عامية مُزالة عن سننها الفصيح، مصروفة إلى وجهها التجاري. ولكن كيف بات ذو الرمة في حوانيت البقالين زماناُ حتى علقت الكلمة بمنطقه وجذبه إليها الطبع العامي، ولم يخالط عربيته غير هذه الكلمة وحدها؟ لم يقل الأصمعي شيئا، ولكن روايته تخبّر أن ذا الرمة انحدر من البادية إلى البصرة يلتمس ما يلتمسه الشعراء، فلما كان بها استضاق فلم يصب لجوفه غير الخبز، ولم يجد للخبز غير (المالح) يُسيغه به ليجد المسلك في حلقه، قالوا فيأتي البقالين فيبتاع منهم السمكة (المالحة) والبقلة (المالحة)، ويعرفونه مضيقاً إلى فرج، فيُنسئون له في الثمن إلى أجل، حتى يمتدح وينال الجائزة. قالوا ثم يمطره الممدوح ويلوي به ولا يرى في تلفيق العيش رخصاً إلا في (المالح) فيتتابع في الشراء ويمضون في أسلافه إبقاء عليه وحسن نظر منهم لمنزلته وشعره، ويرى هو أن لا ضمان للوفاء بما عليه إلا نفسه، فما بدٌّ أن يتراءى لهم بين الساعة، فيخالطهم فيحدثهم فيسمع منهم، وهم على طبعهم وهو على سجيته. ثم لا يقتضونه ثمناً، ولا يزالون يمدون له، فلا يزال (المالح) أيسر منالاً عليه، كما هو إلى نفسه أشهى وفي جوفه أمرأ، لمكان أعرابيته، وخشونة عيشه، فيصيب عندهم مرتعه من هذا (المالح). قالوا ثم يرى البقالون أن لا ضمان لما اجتمع عليه إلا أن يكون الشاعر معهم، فيلزمونه الحوانيت بياض يومه، ويغلقونها عليه سواد ليلته، فهم يمسكونه بالنهار، وتمسكه الحيطان والأبواب بالليل.
فلما عظم الدين وبلغ الجملة التي فاتت حساب الأيام إلى حساب الأهلة أُحضر الشاعر كربه وهمه، ولم يعد (المالح) ينجع فيه، ولا يجد به غذاء بل حريقاً في الدم، ورأى أنه قد امتحن بهذا. (المالح) الخبيث، واشرط نفسه فيه، وارتهنها به، فلا يزال من (المالح) هم في نفسه، ومغص في جوفه، ولفظ على لسانه ودين على ذمته؛ ولا يزال مهموماً به، إذ كان على
стр. 4195
طريق من طريقين: إما الوفاء ولا قدرة عليه من مفلس، وأما الحبس ولا طاقه به لشاعر. وحبس ذي الرمة في ثمن (المالح) هو حبس عند الشرطة، ولكنه قتل أو شر من القتل عند صاحبته مية إذا ترامى إليها الخبر، والأعرابي الجلف الذي يحبس في ثمن (المالح) عند الوالي بعد أن بات زماناً رهناً به في حوانيت البقالين لا يصلح عاشقاً لميّ، وهي من هي! (لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي) فلا (المالح) من غذائها، ولا لفظ (المالح) من الكلام الذي يكون في فمها العذب. وأبعد الله جاريتها الزنجية إن لم تأنف لنفسها ومكانها من عشق هذا الأعرابي الغليظ الخشن الذي ألحقه (المالح) باللصوص والعارمين، وأخزاها الله إن لم يكن عشق هذا الأعرابي لها سواداً على سوادها في الناس، فكيف بمي وهي أصفى من المرأة النقية، وابيض من الزهرة البيضاء؟
قالوا: ويصنع الله لغيلان المسكين، فيمدح وينافق ويحتال، ويعده الممدوح بالجائزة إذا غدا عليه، ويكون ذلك والشمس نازلة إلى خدرها، فينكفئ الشاعر إلى حوانيت غرامائه من البقالين يبيت فيه أخرى لياليه، ويغلقون عليه وقد سئموه آكلاً وماطلاً، وهان عليهم فلا يعتدونه لا فأراً من فئران حوانيتهم، غير أنه يأكل فيستوفي، ولم يعد اسمه عندهم ذا الرمة، بل ذا الغمة. . . فلم يعطوه لعشائه هذه المرة لا ما فسد وخبث من عتيق (المالح)، فهو نتن يسمى طعاماً، وداء يباع بثمن، وهلاك يحمل عليه الاضطرار كما يحمل عل أكل الجيفة، وكانوا قد وضعوه في آنية قذرة متلجنة طال عهدها بالغسل والنظافة، وفيها بقية من عفن قديم، فلصق بها ما لصق، وتراكب عليها ما تراكب، ووقع فيها ما وقع.
ثم يتهيأ الشاعر لصلاة العشاء يرجو أن تناله بركتها فيستجيب الله له ويفرّج عنه، وقد كان لديه قدح من الماء لوضوئه، ولكن (المالح) الذي تغذى به كان قد أحرق جوفه وأضرم على أحشائه وهو صيف قائظ، فما زال يطفئه بالشربة بعد الشربة، والمصة بعد المصة، حتى اشتف القدح وأتى عليه، فيكسل عن الصلاة ويلعن (المالح) وما جر عليه. ثم يعضه الجوع فيكسر خبزته ويسمي ويغمس اللقمة ثم يرفعها فيجد لها رائحة منكرة، فينظر في الآنية وقد نفذ إليه الضوء من قنديل الحارس فإذا في (المالح) خنفساء قد انفجرت شبعاً، ويدقق النظرة فإذا دويبة أخرى قد تفسخت وهرأها (المالح) وفعل بها وفعل. قالوا وتثب نفسه إلى حلقه ولا يرى الطاعون والبلاء الأصفر والأحمر إلا هذا (المالح) فيتحول إلى كوة الحانوت
стр. 4196
يتنسم الهواء منها ويتطعم الروح وهي مضببة بالحديد، ولا يزال يراعي منها الليل ويقدره منزلة منزلة بحساب البادية، وهو بين ذلك يلعن (المالح) عدد ما يسبح العابد القائم في جوف الليل. ويطول ذلك عليه حتى إذا كاد ينشق لمع الفجر لعينه فلا يراه الشاعر إلا كالغدير يتفجر بالماء الصافي ويود لو انصب هذا الضوء في جوفه ليغسله من (المالح) وأوضار (المالح). ثم يأتي الله بالفرج وبصاحب الحانوت فيفتح له، ويغدو ذو الرمة على الممدوح فيقبض الجائزة وينقلب إلى حوانيت البقالين فيوفي أصحابها ما عليه ولا يبقى معه إلا دراهم معدودة، فيخرج من البصرة على حمار اكتراه وقد فتحت له آفاق الدنيا، وكأنما فر من موت غير الموت. ليس اسمه البوار ولا الهلاك ولا القتل، ولكن اسمه (المالح).
قالوا: ويحركه الحمار للشعر كما كانت تحركه الناقه فيقول: أخزاك الله من حمار بصري، إن أنت في المراكب إلا (كالمالح) في الأطعمة. ثم يغلبه الطبع، وينزو به الطرب، وتهزه الحياة فيهتاج للشعر ويذكر شوقه وحبه ودار ميّ، وفي (عقله الباطن) حوانيت وحوانيت من (المالح)، فيأتي هذا (المالح) في شعرة ويدخل في لغته فيقول الشعر الذي أهمل الأصمعي روايته لأن فيه (المالح)، وما أدري أنا ما هو، ولكن لعله مثل قول الآخر:
ولو تفلت في البحر والبحر (مالح) … لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا
أو مثل قول القائل:
بصرية تزوجت بصريا … يطعمها (المالح) والطريا
هذه هي الرواية التمثيلية التي تفسر كلام الأصمعي ولا مذهب عنها في التعليل إذا صار (المالح) كلمة نفسية في لغة ذي الرمة على رغم أنف الأحمر والأسود، والأصمعي وأبى عبيدة، فالرجل من الحجج في العربية إلا في كلمة (المالح) فإنه هنا عامي بقال حوانيتي نزل بطبعه على حكم العيش، وغلبه ما لابد أن يغلب من تسلط (وأعيته الباطنية)
والحكمة التي تخرج من هذه الرواية أن ابلغ الناس ينحرف بعمله كيف شاءت الحرفة، ولابد أن تقع المشابهة بين نفسه وعمله، فربما أراد بكلامه وجهاً وجاء به الهاجس على وجه آخر.
وإذا كان في النفس موضع من مواضعها أفسده العمل - ظهر فساده في الذوق والإدراك فطمس على مواضع أخرى، فلا تنظر من صحافي قد ارتهن نفسه بحرفة الكلام إلا يكون
стр. 4197
له في الأدب والبلاغة (مالح) كمالح ذي الرمة وإن كان ابلغ الناس لا ابلغ كتاب الصحف وحدهم.
و (المالح) الذي رأيناه لكاتب بليغ من أصحابنا أنه كتب في إحدى الصحف عن ديوان هو في شعر هذه الأيام كالبعث بعد موت شوقي وحافظ رحمهما الله، فيأتي بالمجاز بعد الاستعارة بعد الكناية مما قاله الشاعر ثم يقول: هذا عجيب تصوره، لا أعرف ماذا يريد، البلى للشعاع غير مقبول. ولا يزال ينسحب على هذه الطريقة من النقد ثم يعقب على ذلك بقوله: (والأصل في الكتابة أنها للافهام، أي نقل الخاطر أو الإحساس من ذهن إلى ذهن ومن نفس إلى نفس، ولا سبيل إلى ذلك إذا كانت العبارة يتعاورها الضعف والإبهام والركاكة وقلة العناية بدقة الأداء، وإذا كنت تستعمل اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد به، فكيف تتوقع مني أن افهم منك.)
لا، لا، هذا (مالح) من مالح الأدب، فإذا كان الضعف والإبهام والركاكة وسوء الإفهام وضعف الأداء - آتية في رأي الكاتب من استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له - فان محاسن البيان من التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية ليس لها مأتى كذلك إلا استعمال اللفظ في غير موضعه ولغير ما أريد له.
وعلى طريقة الكاتب كيف يصنع في قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً).
أتراه يقول: كيف قدم الله، وهل كان غائباً أو مسافراً، وكيف قدم إلى عمل، وهل العمل بيت أو مدينة؟
ثم كيف يصنع في هذه الآية: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) أيسأل: وهل للأرض حلق تحركه عضلاته للبلع، وإذا كان لها حلق أفلا يجوز أن ترمي فيه فتحتاج إلى غرغرة وعلاج وطب؟
وماذا يقول في حديث البخاري: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت الدم، أو صوتاً يقطر منه الدم (كما في الأغاني) أيوجه الاعتراض على الصوت وجرحه ودمه، ويسأل: بماذا جرح، وما لون هذا الدم، وهل للصوت عريق فيجري الدم فيها؟
إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وان كانت منها، وإلا فكتابة الصحف
стр. 4198
كلها آيات بينات في الأدب، إذ هي من هذه الناحية لا يقدح قيها ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام.
ههنا خوان في مطعم كمطعم (الحاتي) مثلاً عليه الشواء والملح والفلفل والكواميخ أصنافاً مصنفة، وآخر في وليمة عرس في قصر وعليه ألوانه وأزهاره ومن فوقه الأشعة ومن حوله الأشعة الأخرى من كل مضيئة في القلب بنور وجهها الجميل. أفترى السهولة كل السهولة إلا في الأول؟ وهل التعقيد كل التعقيد إلا في الثاني؟ ولكن أي تعقيد هو؟ إنه تعقيد فني ليس الا، به ينضاف الجمال إلى المنفعة فتجتمع الفائدة والاستمتاع وتزين المائدة والنفس معاً، وهو كذلك تعقيد فني لاءم بين إبداع الطبيعة وإبداع الفكر وجاء بروح الموسيقى التي يقوم عليها الكون الجميل فبثها في هذه الأشياء التي تقوم بها المائدة الجميلة، واستنزل سر الجاذبية فجعل للمائدة بما عليها شعوراً متصلاً بالقلوب من حيث جعل للقلوب شعوراً متصلاً بالمائدة.
وهذا التعقيد الذي صور في الجماد دقة فن العاطفة هو بعينه فنية السهولة وروحيتها. وتلك السذاجة التي في المائدة الأخرى هي السهولة المادية بغير فن ولا روح، وفرق بينهما أن إحداهما تحمل قصيدة رائعة من الطعام وما يتصل به، والأخرى تحمل من الطعام وما يتصل به مقالة كمقالات الصحف.
والوجه في الشوهاء وفي الجميلة واحد لا يختلف بأعضائه ولا منافعه، ولا في تأديته معاني الحياة على أتمها وأكملها، بيد أن انسجام الجميل يأتي من إعجاز تركيبه وتقدير قسماته وتدقيق تناسبه، وجعله بكل ذلك يظهر فنه النفسي بسهولة منسجمة هي فنيته وروحيته؛ أما الآخر فلا يقبل هذا الفن ولا يظهر منه شيئاً إذ كان قد فقد التدقيق الهندسي الذي هو تعقيد فن التناسب، وجاء على المقاييس السهلة من طويل إلى قصير، إلى ما يستدير وما يعرض، إلى ما ينتأ من هنا وينخسف من هناك، كالوجنة البارزة، والشدق الغائر، فهذه السهولة المطلقة في الوضع كما يتفق هي بعينها التعقيد المطلق عند الفن الذي لا محل فيه للفظة (كما يتفق).
والطريقة التي يكون بها الجمال جميلاً هي بعينها الطريقة التي يكون بها البيان بليغاً، فالمرجع في اثنيهما إلى تأثيرهما في النفس.
стр. 4199
وأنت فقل: إن هذا مفهوم وهذا غيرمفهوم، وذاك سهل والآخر معقد، وواضح ومغلق، ومستقيم على طريقته ومحول عن طريقته. انك في ذلك لا تدل على شئ تعيبه أو تمدحه في الجمال أو البلاغة اكثر مما تدل على ما يمدح أو يعاب في نفسك وذوقها وإدراكها.
ومعاني الاختلاف لا تكون في الشيء المختلف فيه، بل في الأنفس المختلفة عليه، فان محالاً أن تكون الجميلة ممدوحة مذمومة لجمالها في وقت معاً، وإلا كانت قبيحة بما هي به حسناء، وهذا شد بعداً في الاستحالة، وحكمك على شئ هو عقلك أنت في هذا الشيء.
ومتى اتفق الناس على معنى يستحسنونه وجدت دواعي الاستحسان في أنفسهم مختلفة، وكذلك هم في دواعي الذم إذا عابوا. ولكن متى تعينت الوجوه التي بها يكون الحكم، ورجع إليها المختلفون، والتزموا الأصول التي رسمتها وتقررت بها الطريقة عندهم في الذوق والفهم فذلك ينفي أسباب الاختلاف لما يكون من معاني التكافؤ وخاصة المناسبة. ولهذا كان الشرط في نقد البيان أن يكون من كاتب مبدع في بيانه لم تفسده نزعة أخرى، وفي نقد الشعر أن يكون من شاعر علت مرتبته وطالت ممارسته لهذا الفن فليس له نزعه أخرى تفسده.
وما المجازات والاستعارات والكنايات ونحوها من أساليب البلاغة إلا أسلوب طبيعي لا مذهب عنه للنفس الفنية، إذ هي بطبيعتها تريد دائماً ما هو اعظم، وما هو اجل، وما هو أدق. وربما ظهر ذلك لغير هذه النفس تكلفاً وتعسفاً ووضعاً للأشياء في غير مواضعها؛ ويخرج من هذه انه عمل فارغ، وإساءة في التأدية، وتمحل لا عبرة به. ولكن فنية النفس والشاعرة تأبى لا زيادة معانيها فتصبح ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف احساسها، فمن ثم لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وإدارة معانيه إلا تهيئة لهذه الزيادة في شعور النفس. ومن ذلك يأتي الشعر دائماً زائداً بالصناعة البيانية لتخرجه هذه الصناعة من أن يكون طبيعياً في الطبيعة إلى أن يكون روحانياً في الإنسانية. والشعور المهتاج المتفزز غير الساكن المتبلد، والبيان في صناعة اللغة يقابل هذا النحو، فتجد من التعبير ما هو حي متحرك، وما هو جامد مستلق كالنائم أو كالميت، وبهذا لا تكون حقيقة المحسنات البيانية شيئاً اكثر من أنها صناعة فنية لابد منها لأحداث الاهتياج في ألفاظ اللغة الحساسة كي تعطي الكلمات ما ليس في طاقة الكلمات أن تعطيه.
стр. 4200
لقد تكلموا أخيراً في جناية الصحافة على الأدب. والصحافة عندي لا تجني على الأدب ولكن على فنيته، فلها من الأثر على سليقة البليغ وطبعه قريب مما كان لحوانيت البقالين في البصرة على طبع ذي الرمة وسليقته. وكلما قرب الصحافي من الصنعة وحقها على الجمهور بعد عن الفن وجماله وحقه على النفس، وهذا واضح بلا كبير تأمل، بل هو بغير تأمل. . .
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4201
نزع السلاح
للأستاذ محمد عبد الله عنان
سمعنا خلال الأعوام الأخيرة كثيراً عن مسألة نزع السلاح، وعن اللجان المؤتمرات العديدة التي عقدت في جنيف وغير جنيف لبحثها؛ ومنذ أسابيع يدور حديث نزع السلاح في جنيف مرة أخرى، وتعرض مختلف الاقتراحات والتصريحات. ولكن مؤتمر نزع السلاح يعقد هذه المرة في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وسير العلائق الدولية أشد ما يكون اضطراباً، والدول الكبرى أشد ما يكون رغبة في التسليح؛ وليس في مناقشات جنيف ما يؤذن بتفاهم الدول على أية قاعدة أو مبدأ، بل كل ما هنالك يدل بالعكس على أن مفاوضات نزع السلاح غدت مناقشات فقهية عقيمة، تستتر وراءها الدول لتؤكد من الوجهة النظرية نياتها السلمية، بينا هي تتسابق جميعاً في فتح الاعتمادات الحربية والاستزادة من التسليح سواء في البر أو الحر أو الهواء.
وقد كان رأينا دائماً، مذ بدأت أعمال مؤتمر نزع السلاح، أن هذه المناقشات الفقهية لا يمكن أن تؤدي إلى أية نتيجة عملية، وان الدول المتفوقة في سلاحها واهباتها الدفاعية لا يمكن أن تفرط في هذا التفوق مختارة، وان أساليب السياسة القومية لم تتغير كثيراً عما كانت علية قبل الحرب، وما زالت القوة المادية عمادها. ولقد انتهى مؤتمر نزع السلاح أحياناً إلى بعض نتائج عملية خيل للعالم معها أنه سائر إلى تحقيق الغاية المنشودة من عقده، ولكن هذه النتائج لم تتعد الاتفاق على بعض المسائل التمهيدية كأنواع الأسلحة ومعيارها، وتعريف بعض الهيئات العسكرية؛ وأسفرت المفاوضات بين الدول العظمى عن عقد معاهدة تحدد نسب التسليح البحري بينها؛ ولكن هذه المعاهدة لم تحترم ولم تنفذ، ولا تعتبر اليوم سوى قصاصة ورق لا قيمة لها. وقدمت إلى مؤتمر نزع السلاح اقتراحات رسمية عديدة لتخفيض التسليح، فكانت تقابل دائماً حين عرضها ومناقشتها بكثير من التأييد والحماسة، ولكنها لم تسفر عن أي اتفاق عملي.
كانت فكرة نزع السلاح من أجل الفكر التي ظهرت عقب الحرب في أفق السياسة الدولية، وكانت المنافسة في التسليح قد بلغت أثناء الحرب مدى هائلاً استنفد موارد الامم، وحطم، إنتاجها الزراعي والصناعي، وأرهقت من جرائه بصنوف المغارم والاعباء، واضطربت
стр. 4202
أحوالها المالية والاقتصادية؛ فكان طبيعياً أن تفكر الدول الكبرى في وسيلة لتخفيف هذه المنافسة وتدارك آثارها المخربة؛ ولم تك ثمة سوى وسيلة واحدة لتحقيق هذه الغاية، هي اتفاق الدول فيما بينها على تحديد التسلح بطريقة تراعي فيها ظروف كل دولة وحاجاتها إلى السلامة والدفاع القومي؛ وظهرت هذه الفكرة في نفس الوقت الذي ظهرت فيه فكرة عصبة الامم، واتصلت بها حتى صارت بعد جزءاً منها، ثم أدمجت في ميثاق العصبة ذاته. وكان قيام عصبة الأمم رمزاُ لانتصار الدعوة إلى السلام والوئام بين الامم، والى تغليب التحكم والحسنى في فض المنازعات الدولية؛ وكان تحقيق فكرة نزع السلاح من أهم الوسائل العلمية لتحقيق المثل والأماني السلمية التي علقت على قيام عصبة الأمم. ويجب أن نعلم أن ميثاق العصبة هو قطعة من معاهدة صلح فرساي ذاتها، بل هو الفصل الأول من معاهدة الصلح؛ وفي هذا الميثاق ذاته يذكر مشروع نزع السلاح اكثر من مرة، باعتباره من وسائل تحقيق السلام بين الأمم. واليك النصوص التي وردت بشأنه في الميثاق:
نصت المادة الثامنة من ميثاق عصبة الأمم على (إن أعضاء العصبة يعترفون بان استتباب السلام يقتضي تخفيض التسليحات القومية إلى أدنى حد يتفق مع السلامة القومية، ومع تنفيذ التعهدات الدولية التي يفرضها العمل المشترك.
(ومجلس العصبة مع تقديره للمركز الجغرافي والظروف الخاصة لكل دولة، يعد برامج هذا التخفيض لتبحثه وتبث في شأنه الحكومات المختلفة.
(ويجب أن نبحث هذه البرامج من جديد، وأن تنقح إذا اقتضى الأمر في كل عشرة أعوام.
(ومتى وافقت عليها الحكومات المختلفة فان نسب التسليح التي تقررت على هذا النحو لا يمكن تخطيها دون موافقة مجلس العصبة).
(ولما كان صنع الذخائر وأدوات الحرب بصفة خاصة يثير اعتراضات خطيرة، فان أعضاء العصبة يعهدون إلى المجلس بان يتخذ الإجراءات اللازمة لتلافي نتائجه السيئة، مع مراعاة حاجات أعضاء العصبة الذين لا يستطيعون صنع ما يجب لسلامتهم من الذخائر وأدوات الحرب.
(ويتعهد أعضاء العصبة بان يتبادلون بمنتهى الصراحة والدقة، كل البيانات المتعلقة بنسب تسليحاتهم، وبرامجهم الحربية والبحرية والجوية، والظروف التي يمكن بها استخدام
стр. 4203
صناعاتهم لأغراض الحرب).
تلك هي القواعد الأساسية التي أدمجت في ميثاق العصبة بشأن نزع السلاح أو تخفيضه. وقد نصت المادة التاسعة من الميثاق على إنشاء لجنة دائمة تمد العصبة بآرائها عن تنفيذ هذه القواعد وعن المسائل العسكرية والبحرية والجوية بصفة عامة. وهذه هي اللجنة الدائمة لمؤتمر نزع السلاح.
ونصت المادة الحادية عشرة على أن كل حرب أو خطر حرب يهم العصبة كلها، وعلى أنه يجب عليها في هذه الحالة أن تتخذ ما يجب لتأييد سلام الأمم؛ ونصت المادة الرابعة عشرة على إنشاء محكمة دائمة للعدل الدولي، وفصلت المادة الخامسة عشرة الإجراءات السلمية التي يجب اتباعها لتسوية المنازعات الدولية بين أعضاء العصبة.
هذا وقد ذهبت معاهدة الصلح في التنويه بنزع السلاح إلى ابعد من هذه النصوص النظرية، وأرادت أن تعطيه صبغة عملية، فقررت في ديباجة الفصل الخامس منها وهو الخاص بنزع سلاح ألمانيا (انه لكي يمكن أن يعد مشروع بتحديد عام لتسليحات جميع الأمم، يجب على ألمانيا أن تنفذ بمنتهى الدقة ما تقرر من النصوص العسكرية والبحرية والجوية) أو بعبارة أخري، جعلت معاهدة الصلح، نزع سلاح ألمانيا مقدمة عملية لنزع السلاح العام، تحذوها بعد ألمانيا جميع الدول الأخرى، والمفروض أن الدول الظافرة التي أملت شروط معاهدة فرساي، ونصت على نزع السلاح، ستكون في مقدمة الدول التي تقوم بتخفيض سلاحها
وكان مشروع نزع السلاح في مقدمة المسائل التي عنيت ببحثها عصبة الأمم؛ ففي فبراير سنة ١٩٢١، انتدب مجلس العصبة (لجنة مختلطة مؤقتة) للنظر في تخفيض التسليحات، ولكن هذه اللجنة الأولى لم تستطع أن تتخذ أية خطوة عملية لبحث المسألة؛ وكانت الدول الغالبة ما تزال متوترة الأعصاب بعيدة عن التفكير في النزول عن المراكز الممتازة التي دفعها إليها الظفر، وكانت بالعكس قد بدأت تتسابق في وضع البرامج العسكرية والبحرية الضخمة؛ فلم تر (اللجنة المختلطة المؤقتة) أمامها سبيلاً للعمل، وقدمت تقريرها إلى العصبة بأنه لا سبيل لوضع اى مشروع عملي لتخفيض التسليح ما لم تراع فيه الحاجات السلامة القومية بادئ بدء، ثم وضعت فعلاً مشروع ضمان وتعاون متبادل وافقت عليه
стр. 4204
العصبة. ولكنها كانت خطوة نظرية أيضاً، وكان اسطع دليل على عبثها إقدام فرنسا في الوقت نفسه على احتلال وادي الروهر لإرغام ألمانيا على أداء تعويضات الحرب، وما قامت به يومئذ من المظاهرات العسكرية الضخمة. بيد أن الدول البحرية استطاعت أن تتخذ من جانبها خطوة عملية لتحديد التسليحات البحرية، إذ عقدت في واشنطون (سنة ١٩٢٢) مؤتمراً بحرياً شهدته بريطانيا العظمى وأمريكا وفرنسا واليابان وإيطاليا، وعقدت فيها بينها ميثاقاً حددت فيه نسب التسليحات البحرية لكل منها؛ فكان لهذا الميثاق اثر كبير في تلطيف المنافسة البحرية بينها.
ولما هدأت أعصاب الأمم الغالبة نوعاً وسوي كثير من المشاكل التي خلقتها الحرب، واتخذت مسألة نزع السلاح أهمية خاصة، ولكنها قرنت يومئذ بمسألة القومية والتحكيم باعتبارها مسائل ثلاثة لا يمكن التفريق بينها. وكانت فرنسا دائماً من اشد الدول تمسكاً بالجمع بين المسائل الثلاثة. وأخذت عصبة الأمم بهذه النظرية، وانتهت إلى وضع بروتوكول جنيف الشهير (سنة ١٩٢٤)، وفيه نص على مشروعية الحرب إلا في بعض الأحوال وعولجت مسألة السلامة ومسألة التحكيم؛ ولكنه رفض من جانب بريطانيا العظمى لأنه لم يعالج مسألة نزع السلاح، ونص من جهة أخرى على جعل عصبة الأمم هيئة دولية لرقابة التسليح نزولاً على النظرية الفرنسية؛ وفي سنة ١٩٢٥ عقد ميثاق لوكارنو لتأمين منطقة الرين بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا، وحلت بذلك مسألة السلامة القومية نوعا، ولكن الميثاق كان محدود المدى والاثار، ولم يتعرض بشيء لمسألة نزع السلاح. بيد أن عقده كان عاملاً كبيراً في صفاء الأفق الدولي، والتقريب بين ألمانيا والحلفاء، وبث روح من التفاهم بين خصوم الأمس لم تعرف منذ معاهدة الصلح.
وكان هذا التفاهم مشجعاً لعصبة الأمم على التقدم في معالجة مشكلة نزع السلاح، خصوصاً بعد أن انضمت ألمانيا إلى العصبة. ففي سنة ١٩٢٦ انتدبت العصبة لجنة تمهيدية لتنظيم مؤتمر عالمي لنزع السلاح؛ وأنفقت هذه اللجنة جهوداً كبيرة في بحث المسائل الفنية المتعلقة بأنواع الأسلحة والذخائر وعدد الجيوش والجمعيات العسكرية. وبدئ منذ العام التالي بعقد مؤتمر السلاح الذي استمر يعقد كل عام مرة أو اكثر حتى يومنا. ومن المستحيل أن نتتبع في هذا المقام الضيق أعمال مؤتمر نزع السلاح خلال الأعوام الأخيرة،
стр. 4205
فهي في الواقع أعمال ومفاوضات تسير في دور لا ينتهي. ويكفي أن نقول انه قدم إلى مؤتمر عشرات المشاريع من مختلف الدول لتخفيض التسليح أو نزعه، وبحثت مسألة السلامة وعدم الاعتداء مراراً ولقيت وعود وتصريحات لا نهاية لها من مختلف الدول، وفي كل مرة تنتهي الجهود والمفاوضات المستفيضة بالفشل المطلق، وفي كل مرة نشعر بحق أن مؤتمر نزع السلاح قد اختتم حياته. وانتهى مؤتمر نزع السلاح الذي عقد في لندن سنة ١٩٣٠ إلى نتيجة ضئيلة هي عقد اتفاق جديد بين بريطانيا العظمى وأمريكا واليابان على تخفيض التسليح البحري في حدود معينة، أبت فرنسا وإيطاليا أن تدخلا في هذا الاتفاق لتمسك إيطاليا بالمساواة مع فرنسا، وتمسك فرنسا بتفوقها في نسب التسليح البحري.
وفي العامين الأخيرين دخلت مسألة نزع السلاح في دور جديد، وزادت تعقيداً وصعوبة، أولاً لان ألمانيا بعد طول التسويف في نزع السلاح رأت من حقها أن تطالب بالمساواة في التسليح بالاعتماد على نصوص معاهدة الصلح ذاتها إذ اعتبرت تجريد ألمانيا من السلاح مقدمة لنزع السلاح العام كما قدمنا، ومادامت الدول لم تقم بتعهداتها في هذا الشأن فمن حق ألمانيا أن تعود إلى تسليح نفسها كباقي الدول؛ وثانياً لان فرنسا ازدادت تمسكاً بنظريتها في جعل حل مسألة نزع السلاح متوقفاً على مسألتي السلامة القومية والضمان المتبادل بعدم الاعتداء. وقد اشتد الخلاف بين ألمانيا وفرنسا في العام الماضي إلى حد رأت معه ألمانيا أن تنسحب من عصبة الأمم ومن مؤتمر نزع السلاح حتى تجاب إلى وجهة نظرها. وبدأت ألمانيا بالفعل بتسليح نفسها رغم احتجاج فرنسا؛ ودبت روح جديدة من المنافسة بين الدول في تقرير الاعتمادات العسكرية وزيادة التسليحات؛ وحاولت إيطاليا وبريطانيا غير مرة أن تقوم كلتاهما بمهمة الوساطة وتذليل الخلاف بين فرنسا وألمانيا، فذهبت جميع الجهود سدى. وعقد مؤتمر نزع السلاح في خريف العام الماضي في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وظهر منذ المناقشات الأولى انه يستحيل أن يوفق المؤتمر إلى شيء جديد، فأجل ليتفادى الموت النهائي. وعقد هذا العام، منذ أسابيع قلائل، وعدنا نسمع الحوار العقيم بين مختلف المندوبين؛ وما زالت ألمانيا خارج المؤتمر، ومازالت فرنسا تؤكد إصرارها على تحقيق الضمانات المتعلقة بالسلامة القومية قبل اتخاذ أية خطوة في سبيل نزع السلاح.
следующие страницы →