← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

نزع السلاح للأستاذ محمد عبد الله عنان سمعنا خلال الأعوام الأخيرة كثيراً عن مسألة نزع السلاح، وعن اللجان المؤتمرات العديدة التي عقدت في جنيف وغير جنيف لبحثها؛ ومنذ أسابيع يدور حديث نزع السلاح في جنيف مرة أخرى، وتعرض مختلف الاقتراحات والتصريحات. ولكن مؤتمر نزع السلاح يعقد هذه المرة في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وسير العلائق الدولية أشد ما يكون اضطراباً، والدول الكبرى أشد ما يكون رغبة في التسليح؛ وليس في مناقشات جنيف ما يؤذن بتفاهم الدول على أية قاعدة أو مبدأ، بل كل ما هنالك يدل بالعكس على أن مفاوضات نزع السلاح غدت مناقشات فقهية عقيمة، تستتر وراءها الدول لتؤكد من الوجهة النظرية نياتها السلمية، بينا هي تتسابق جميعاً في فتح الاعتمادات الحربية والاستزادة من التسليح سواء في البر أو الحر أو الهواء. وقد كان رأينا دائماً، مذ بدأت أعمال مؤتمر نزع السلاح، أن هذه المناقشات الفقهية لا يمكن أن تؤدي إلى أية نتيجة عملية، وان الدول المتفوقة في سلاحها واهباتها الدفاعية لا يمكن أن تفرط في هذا التفوق مختارة، وان أساليب السياسة القومية لم تتغير كثيراً عما كانت علية قبل الحرب، وما زالت القوة المادية عمادها. ولقد انتهى مؤتمر نزع السلاح أحياناً إلى بعض نتائج عملية خيل للعالم معها أنه سائر إلى تحقيق الغاية المنشودة من عقده، ولكن هذه النتائج لم تتعد الاتفاق على بعض المسائل التمهيدية كأنواع الأسلحة ومعيارها، وتعريف بعض الهيئات العسكرية؛ وأسفرت المفاوضات بين الدول العظمى عن عقد معاهدة تحدد نسب التسليح البحري بينها؛ ولكن هذه المعاهدة لم تحترم ولم تنفذ، ولا تعتبر اليوم سوى قصاصة ورق لا قيمة لها. وقدمت إلى مؤتمر نزع السلاح اقتراحات رسمية عديدة لتخفيض التسليح، فكانت تقابل دائماً حين عرضها ومناقشتها بكثير من التأييد والحماسة، ولكنها لم تسفر عن أي اتفاق عملي. كانت فكرة نزع السلاح من أجل الفكر التي ظهرت عقب الحرب في أفق السياسة الدولية، وكانت المنافسة في التسليح قد بلغت أثناء الحرب مدى هائلاً استنفد موارد الامم، وحطم، إنتاجها الزراعي والصناعي، وأرهقت من جرائه بصنوف المغارم والاعباء، واضطربت

стр. 4202

أحوالها المالية والاقتصادية؛ فكان طبيعياً أن تفكر الدول الكبرى في وسيلة لتخفيف هذه المنافسة وتدارك آثارها المخربة؛ ولم تك ثمة سوى وسيلة واحدة لتحقيق هذه الغاية، هي اتفاق الدول فيما بينها على تحديد التسلح بطريقة تراعي فيها ظروف كل دولة وحاجاتها إلى السلامة والدفاع القومي؛ وظهرت هذه الفكرة في نفس الوقت الذي ظهرت فيه فكرة عصبة الامم، واتصلت بها حتى صارت بعد جزءاً منها، ثم أدمجت في ميثاق العصبة ذاته. وكان قيام عصبة الأمم رمزاُ لانتصار الدعوة إلى السلام والوئام بين الامم، والى تغليب التحكم والحسنى في فض المنازعات الدولية؛ وكان تحقيق فكرة نزع السلاح من أهم الوسائل العلمية لتحقيق المثل والأماني السلمية التي علقت على قيام عصبة الأمم. ويجب أن نعلم أن ميثاق العصبة هو قطعة من معاهدة صلح فرساي ذاتها، بل هو الفصل الأول من معاهدة الصلح؛ وفي هذا الميثاق ذاته يذكر مشروع نزع السلاح اكثر من مرة، باعتباره من وسائل تحقيق السلام بين الأمم. واليك النصوص التي وردت بشأنه في الميثاق: نصت المادة الثامنة من ميثاق عصبة الأمم على (إن أعضاء العصبة يعترفون بان استتباب السلام يقتضي تخفيض التسليحات القومية إلى أدنى حد يتفق مع السلامة القومية، ومع تنفيذ التعهدات الدولية التي يفرضها العمل المشترك. (ومجلس العصبة مع تقديره للمركز الجغرافي والظروف الخاصة لكل دولة، يعد برامج هذا التخفيض لتبحثه وتبث في شأنه الحكومات المختلفة. (ويجب أن نبحث هذه البرامج من جديد، وأن تنقح إذا اقتضى الأمر في كل عشرة أعوام. (ومتى وافقت عليها الحكومات المختلفة فان نسب التسليح التي تقررت على هذا النحو لا يمكن تخطيها دون موافقة مجلس العصبة). (ولما كان صنع الذخائر وأدوات الحرب بصفة خاصة يثير اعتراضات خطيرة، فان أعضاء العصبة يعهدون إلى المجلس بان يتخذ الإجراءات اللازمة لتلافي نتائجه السيئة، مع مراعاة حاجات أعضاء العصبة الذين لا يستطيعون صنع ما يجب لسلامتهم من الذخائر وأدوات الحرب. (ويتعهد أعضاء العصبة بان يتبادلون بمنتهى الصراحة والدقة، كل البيانات المتعلقة بنسب تسليحاتهم، وبرامجهم الحربية والبحرية والجوية، والظروف التي يمكن بها استخدام

стр. 4203

صناعاتهم لأغراض الحرب). تلك هي القواعد الأساسية التي أدمجت في ميثاق العصبة بشأن نزع السلاح أو تخفيضه. وقد نصت المادة التاسعة من الميثاق على إنشاء لجنة دائمة تمد العصبة بآرائها عن تنفيذ هذه القواعد وعن المسائل العسكرية والبحرية والجوية بصفة عامة. وهذه هي اللجنة الدائمة لمؤتمر نزع السلاح. ونصت المادة الحادية عشرة على أن كل حرب أو خطر حرب يهم العصبة كلها، وعلى أنه يجب عليها في هذه الحالة أن تتخذ ما يجب لتأييد سلام الأمم؛ ونصت المادة الرابعة عشرة على إنشاء محكمة دائمة للعدل الدولي، وفصلت المادة الخامسة عشرة الإجراءات السلمية التي يجب اتباعها لتسوية المنازعات الدولية بين أعضاء العصبة. هذا وقد ذهبت معاهدة الصلح في التنويه بنزع السلاح إلى ابعد من هذه النصوص النظرية، وأرادت أن تعطيه صبغة عملية، فقررت في ديباجة الفصل الخامس منها وهو الخاص بنزع سلاح ألمانيا (انه لكي يمكن أن يعد مشروع بتحديد عام لتسليحات جميع الأمم، يجب على ألمانيا أن تنفذ بمنتهى الدقة ما تقرر من النصوص العسكرية والبحرية والجوية) أو بعبارة أخري، جعلت معاهدة الصلح، نزع سلاح ألمانيا مقدمة عملية لنزع السلاح العام، تحذوها بعد ألمانيا جميع الدول الأخرى، والمفروض أن الدول الظافرة التي أملت شروط معاهدة فرساي، ونصت على نزع السلاح، ستكون في مقدمة الدول التي تقوم بتخفيض سلاحها وكان مشروع نزع السلاح في مقدمة المسائل التي عنيت ببحثها عصبة الأمم؛ ففي فبراير سنة ١٩٢١، انتدب مجلس العصبة (لجنة مختلطة مؤقتة) للنظر في تخفيض التسليحات، ولكن هذه اللجنة الأولى لم تستطع أن تتخذ أية خطوة عملية لبحث المسألة؛ وكانت الدول الغالبة ما تزال متوترة الأعصاب بعيدة عن التفكير في النزول عن المراكز الممتازة التي دفعها إليها الظفر، وكانت بالعكس قد بدأت تتسابق في وضع البرامج العسكرية والبحرية الضخمة؛ فلم تر (اللجنة المختلطة المؤقتة) أمامها سبيلاً للعمل، وقدمت تقريرها إلى العصبة بأنه لا سبيل لوضع اى مشروع عملي لتخفيض التسليح ما لم تراع فيه الحاجات السلامة القومية بادئ بدء، ثم وضعت فعلاً مشروع ضمان وتعاون متبادل وافقت عليه

стр. 4204

العصبة. ولكنها كانت خطوة نظرية أيضاً، وكان اسطع دليل على عبثها إقدام فرنسا في الوقت نفسه على احتلال وادي الروهر لإرغام ألمانيا على أداء تعويضات الحرب، وما قامت به يومئذ من المظاهرات العسكرية الضخمة. بيد أن الدول البحرية استطاعت أن تتخذ من جانبها خطوة عملية لتحديد التسليحات البحرية، إذ عقدت في واشنطون (سنة ١٩٢٢) مؤتمراً بحرياً شهدته بريطانيا العظمى وأمريكا وفرنسا واليابان وإيطاليا، وعقدت فيها بينها ميثاقاً حددت فيه نسب التسليحات البحرية لكل منها؛ فكان لهذا الميثاق اثر كبير في تلطيف المنافسة البحرية بينها. ولما هدأت أعصاب الأمم الغالبة نوعاً وسوي كثير من المشاكل التي خلقتها الحرب، واتخذت مسألة نزع السلاح أهمية خاصة، ولكنها قرنت يومئذ بمسألة القومية والتحكيم باعتبارها مسائل ثلاثة لا يمكن التفريق بينها. وكانت فرنسا دائماً من اشد الدول تمسكاً بالجمع بين المسائل الثلاثة. وأخذت عصبة الأمم بهذه النظرية، وانتهت إلى وضع بروتوكول جنيف الشهير (سنة ١٩٢٤)، وفيه نص على مشروعية الحرب إلا في بعض الأحوال وعولجت مسألة السلامة ومسألة التحكيم؛ ولكنه رفض من جانب بريطانيا العظمى لأنه لم يعالج مسألة نزع السلاح، ونص من جهة أخرى على جعل عصبة الأمم هيئة دولية لرقابة التسليح نزولاً على النظرية الفرنسية؛ وفي سنة ١٩٢٥ عقد ميثاق لوكارنو لتأمين منطقة الرين بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا، وحلت بذلك مسألة السلامة القومية نوعا، ولكن الميثاق كان محدود المدى والاثار، ولم يتعرض بشيء لمسألة نزع السلاح. بيد أن عقده كان عاملاً كبيراً في صفاء الأفق الدولي، والتقريب بين ألمانيا والحلفاء، وبث روح من التفاهم بين خصوم الأمس لم تعرف منذ معاهدة الصلح. وكان هذا التفاهم مشجعاً لعصبة الأمم على التقدم في معالجة مشكلة نزع السلاح، خصوصاً بعد أن انضمت ألمانيا إلى العصبة. ففي سنة ١٩٢٦ انتدبت العصبة لجنة تمهيدية لتنظيم مؤتمر عالمي لنزع السلاح؛ وأنفقت هذه اللجنة جهوداً كبيرة في بحث المسائل الفنية المتعلقة بأنواع الأسلحة والذخائر وعدد الجيوش والجمعيات العسكرية. وبدئ منذ العام التالي بعقد مؤتمر السلاح الذي استمر يعقد كل عام مرة أو اكثر حتى يومنا. ومن المستحيل أن نتتبع في هذا المقام الضيق أعمال مؤتمر نزع السلاح خلال الأعوام الأخيرة،

стр. 4205

فهي في الواقع أعمال ومفاوضات تسير في دور لا ينتهي. ويكفي أن نقول انه قدم إلى مؤتمر عشرات المشاريع من مختلف الدول لتخفيض التسليح أو نزعه، وبحثت مسألة السلامة وعدم الاعتداء مراراً ولقيت وعود وتصريحات لا نهاية لها من مختلف الدول، وفي كل مرة تنتهي الجهود والمفاوضات المستفيضة بالفشل المطلق، وفي كل مرة نشعر بحق أن مؤتمر نزع السلاح قد اختتم حياته. وانتهى مؤتمر نزع السلاح الذي عقد في لندن سنة ١٩٣٠ إلى نتيجة ضئيلة هي عقد اتفاق جديد بين بريطانيا العظمى وأمريكا واليابان على تخفيض التسليح البحري في حدود معينة، أبت فرنسا وإيطاليا أن تدخلا في هذا الاتفاق لتمسك إيطاليا بالمساواة مع فرنسا، وتمسك فرنسا بتفوقها في نسب التسليح البحري. وفي العامين الأخيرين دخلت مسألة نزع السلاح في دور جديد، وزادت تعقيداً وصعوبة، أولاً لان ألمانيا بعد طول التسويف في نزع السلاح رأت من حقها أن تطالب بالمساواة في التسليح بالاعتماد على نصوص معاهدة الصلح ذاتها إذ اعتبرت تجريد ألمانيا من السلاح مقدمة لنزع السلاح العام كما قدمنا، ومادامت الدول لم تقم بتعهداتها في هذا الشأن فمن حق ألمانيا أن تعود إلى تسليح نفسها كباقي الدول؛ وثانياً لان فرنسا ازدادت تمسكاً بنظريتها في جعل حل مسألة نزع السلاح متوقفاً على مسألتي السلامة القومية والضمان المتبادل بعدم الاعتداء. وقد اشتد الخلاف بين ألمانيا وفرنسا في العام الماضي إلى حد رأت معه ألمانيا أن تنسحب من عصبة الأمم ومن مؤتمر نزع السلاح حتى تجاب إلى وجهة نظرها. وبدأت ألمانيا بالفعل بتسليح نفسها رغم احتجاج فرنسا؛ ودبت روح جديدة من المنافسة بين الدول في تقرير الاعتمادات العسكرية وزيادة التسليحات؛ وحاولت إيطاليا وبريطانيا غير مرة أن تقوم كلتاهما بمهمة الوساطة وتذليل الخلاف بين فرنسا وألمانيا، فذهبت جميع الجهود سدى. وعقد مؤتمر نزع السلاح في خريف العام الماضي في جو قاتم يفيض بالتشاؤم، وظهر منذ المناقشات الأولى انه يستحيل أن يوفق المؤتمر إلى شيء جديد، فأجل ليتفادى الموت النهائي. وعقد هذا العام، منذ أسابيع قلائل، وعدنا نسمع الحوار العقيم بين مختلف المندوبين؛ وما زالت ألمانيا خارج المؤتمر، ومازالت فرنسا تؤكد إصرارها على تحقيق الضمانات المتعلقة بالسلامة القومية قبل اتخاذ أية خطوة في سبيل نزع السلاح.

стр. 4206

لقد استمرت هذه الجهود والمفاوضات العقيمة في نزع السلاح أكثر من عشرة أعوام؛ وربما استمرت حيناً آخر. ولكن المحقق أن مؤتمر نزع السلاح صائر إلى موت لا ريب فيه، وانه لم يكن قط ابعد عن غايته مما هو عليه. ويرجع هذا الفشل قبل كل شيء إلى موقف فرنسا وألمانيا؛ فقد جردت ألمانيا من سلاحها طبقاً لمعاهدة الصلح وانتظرت أعواماً طويلة، وفرنسا وباقي الدول تجد في تسليح نفسها، ولم تتقدم أعمال مؤتمر نزع السلاح تقدماً يذكر؛ وكانت فرنسا بإصرارها خلال هذه الأعوام هي الصخرة التي تحطمت عليها كل الجهود التي بذلت في هذا السبيل؛ ولكن ألمانيا الهتلرية جاءت بسياستها العنيفة فزادت المسألة حرجاً وتعقيداً، وألفت فرنسا في تلك الروح العسكرية التي يبثها النظام الهتلري في ألمانيا، وفي تلك المظاهرات العنيفة التي تجري في ظله، وفي ذلك الوعيد الذي يلقيه زعماء ألمانيا الحاليين هنا وهناك، وما يبرر موقفها في التمسك بسياستها العسكرية والمطالبة بتأمين سلامتها ضد الخطر الألماني. وهكذا بينما يمضي مؤتمر نزع السلاح في جدله العقيم، إذا بالمنافسة في التسليح بين الدول العظمى تبلغ ذروة الاضطرام، وإذا بسياسة المعاهدات السرية والعسكرية وتعود فتغدو سبيل التوازن الأوربي، وإذا بشبح الحرب يلوح بين آونة وأخرى. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 4207

عتاب بقلم محمد قدري لطفي ليسانسييه في الآداب كان النبي ﷺ يود لو انهم اسلموا ليعتز بهم الإسلام، ويدعو الله أن يهبه من لدنه حكمة لعله يصرفهم عن الضلالة أو يجعلهم من المهتدين؛ وكان النبي ﷺ حريصاً على إسلامهم ملحاً فيه، لان أشخاصهم عند قريش مهيبة، وأسماءهم عند العرب رفيعة؛ فلما دخل عليهم وقد اجتمعوا عنده، حياهم فردوا عليه تحيته، مخلصين أو غير مخلصين، ثم اخذ مكانه بينهم، فكان صمت، وكان جلال رهيب، ولم يلبث أن سرى بين الجمع صوت مهيب، فيه قوة لأنه صوت الحق، وفيه إيمان لأنه وحي القلب؛ وكان الصوت متجهاً نحو عتبة بن ربيعة وأخيه، يقول: أما آن يا عتبة أن تدخل أنت وأخوك شيبة في دين الله؟ ما دعوتكما لأمري ولا لشيء هو من عندي، ونما دعوتكما لأمر الله رب العالمين؛ وهذا كلامه بين يدي فاستمعاه وأصغيا إليه لعله تعالى يهديكما فتكونا من عبادة المسلمين. ولكن عتبة وأخاه لم يلبثا أن جادلاه فجادلها، واخذ النبي منهما وأخذا منه، حتى إذا غلبهما الرسول بمنطقه وقوة حجته، لم يلبثا أن عقد الصمت لسانهما، فالتفت النبي إلى العباس بن عبد المطلب وكان مصغياً يستمتع إلى قوله لابني ربيعة، وقال له انك يا ابن عبد المطلب لو اهتديت بهدى الإسلام وانه من صناديد قريش لاهتدى معك جميع كثير، فلا تكونن بصدك عن دين الله حائلاً بين الناس والجنة، ولا تضربن لقريش مثلاً من الغي والضلال، فتضل وتضل، وأنت حري أن يكون لهم منك هاد معين. فلم يرفع العباس رأسه ولم تتحرك له شفتان، ونما ود لو أن النبي تركه إلى الوليد بن المغيرة أو إلى أمية بن خلف، فلما شعر النبي أن العباس حائر بين عقله وعاطفته، ورآه مطرقاً إلى الأرض، لم يلبث أن تحول عنه إلى أمية بن خلف، قال: يا أمية، ما كان لسادة الناس أن يكفروا بسيد العالمين، الله الذي فضلهم على عشيرتهم وذوي قرباهم، وما كان لك أن تكون لقومك قدوة سوء، لعمر الله ليس بعد الكفر ذنب، وما ينبغي لك أن ترغب عن دعوة الله وتصد قومك عن الدين بإعراضك عنه. قال يا محمد أمهلني يوماً أو بعض يوم، فان الأمر اعسر عندي من يسره لديك. واتجه الرسول إلى أبي جهل بن هشام وكان يجلس بجوار الوليد بن

стр. 4208

المغيرة، فقال لهما وقد دنا منهما: أيحق لكما أن تسبقا الناس في الدنيا حتى إذا كانت الآخرة كنتما آخر الناس عند الله؟، الله ما لكما في آلهتكم غناء، وما كنتما لتجعلا رضى الشيطان في عصيان الله. ولكن أبا جهل لم يكن ليصبر كما صبر العباس، أو يسكت كما سكت، ونما جادل النبي في عنف، فجادله النبي في لين، وآثر أبو جهل الحدة، ولم يكن النبي ليتحد. واتجه الرسول إلى القوم جاداً في دعوتهم، ملحاً في اقناعهم، يمنعهم بالوعود يوم الدين، ويحذرهم عاقبة الكفر يوم القامة، وأخذ النبي يفيض عليهم من بيانه، ويشع على القوم قبساً من إيمانه، حتى أقبل الكل عليه يستمعون له ويصغون إليه، وبينما النبي يدعوهم فينصرف إلى الدعوة بكل إيمانه، كان يسعى إليه رجل يتوكأ على عصاه يتحسس بها الطريق إليه حتى إذا بلغ مجلس النبي لم يستمع إليه ولم يلق بالا إلى قوله، ولم يدر أن النبي يدعو صناديد قريش إلى ما دعا الله، ونما بادر النبي يسأله أن أيقرئني وعلمني مما علمك الله؛ وكان النبي عنه في شغل، وكان ضيوف النبي قد تلهوا عنه بما هم فيه، فلم يلتفت إليه أحد، ولم يرد عليه مجيب؛ فقال أقرئني وعلمني مما علمك الله، فلم يكن حظه في الثانية خيراً منه في الأولى، والرجل واقف في مكانه لا يريم، ملح في طلبه لا يسأم، فأخذ يعيده، وطفق يكرره، حتى كره النبي ﷺ أن يقطع عليه الحديث، وأي حديث، أو يلقى عليه قول ولما ينتبه من قوله، فعبس في وجه الرجل وأعرض عنه، ولم يلبث النبي أن انصرف القوم من عنده، فيهم الذي أوشك أن يقتنع، وفيهم الذي مازال متبرماً بالدعوة ساخطاً، وفيهم الذي ينكر على الرسول قوله، وفيهم الذي يحب أن يتريث في الأمر فلا يقطع فيه برأي؛ وكان النبي قد ظن انه بالغ منهم في يومه ما لم يبلغه في أمسه، وانه لابد اليوم مقنعهم حتى يسلموا، فلم يدر بعد ذهابهم ماذا اخذ عليه نفسه وقد كانت معه وله؟ ولا كيف ضاق صدره وقد كان واسعاً لا يضيق بشيء ولا يتبرم بسوء؟ وشعر النبي بحرج لم يدر ما هو ولا من أين اتاه، فقد كان عند أمر ربه يؤدي الرسالة في صدق وأمانه، لم يدع سبيلاً لهداية القوم إلا سلكها، أو باباً إلى قلوبهم الغليظة إلا طرقه؛ ولم يلبث النبي إذ خلا لنفسه أن أحس بما يحس به حين يريد الله أن يبعث إليه بحديث أو ينزل عليه شيئاً من آية، وإذا الوحي له لا للمسلمين، وإذا القول له لا للمشركين، وإذا الله عاتب عليه يقول انه: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) ويقول له (وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى،

стр. 4209

أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) وإذا ربه يلومه ويقول في لومه (وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة). عند ذلك ذكر النبي قوم قريش وما كان بينه وبينهم من حديث، وهتف هاتف كأنه عمرو بن قيس يقول: أقرئني وعلمني مما علمك الله، وتصور النبي حال الرجل يسأل وليس من مجيب، ويقف وليس من يأذن له بالجلوس؛ ولكنه لم يكن يدري انه أساء إلى الرجل أو قصد إلى إساءته، فليس النبي من يسيء إلى أحد، وليس النبي من يصد عن الناس بله عن السائلين، ونما شغله أمر ربه فاشتغل عن عمرو واقبل على سادة قريش، فألهاه حرصه على إسلامهم وهم كفرة عمن اسلم، ونما يريد أن يقرأ وأن يستزيد من العلم. وبات النبي ليلته مسهد الجفن قلقاً، يفكر فيما سمع من ربه، وفيمن عبس بالأمس في وجهه، واعرض عنه، حتى إذا طلع الفجر كان النبي يلتمس ابن أم مكتوم يلقاه هاشاً باشاً، يسلم عليه ويشد على يده ويقول له: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي؛ وكان النبي يلقاه بعد ذلك فيكرمه ويسأله حاجته، وكأنما أراد الله أن يصبح إعراض النبي عنه إقبالاً عليه، وان يغدو عبوس النبي في وجهه بشاشة له وارتياحاً للقائه، وإذا عمرو ابن قيس مؤذن لرسول الله ﷺ ، وإذا عمرو بن قيس خليفة رسول الله على المدينة، لم يستخلفه النبي عليها مرة أو مرتين، ونما استخلفه عليها في غزواته ثلاث عشرة مرة، وإذا النبي يخرج إلى الحجة الوداع فلا يستخلف على المدينة إلا عمرو بن قيس. وكان حقاً قول المصطفى: أدبني ربي فاحسن تأديبي محمد قدري لطفي

стр. 4210

استدانة إسماعيل باشا (١٨٦٣ م - ١٨٧٩ م) بقلم عبد العزيز عبد الكريم إن ما قام به إسماعيل باشا من جليل الأعمال لا يضارع، وما تم في عصره من المشروعات والإصلاحات العامة لا يتسنى لأي حاكم آخر في مركزه أن يأتي بمثلها. بيد أن خطأ إسماعيل باشا كله يرجع إلى السرعة وتعدد المشروعات، وفرط الثقة بدهاة أوربا السياسيين والماليين، وعدم الاحتياط في الإنفاق على الأعمال، وخلو البلاد من المستشارين المخلصين. أسباب الاستدانة: كانت زيادة الثروة في البلاد في أوائل حكم إسماعيل بسبب ارتفاع أثمان القطن المصري لنشوب الحرب المدنية في أمريكا في ذلك الوقت أول عامل على تشجيع الوالي في سياسته، فعقد قرضاً كبيراً لتوهمه أن الحرب ستستمر طويلاً، ولكن الحرب وقفت فجأة في عام ١٨٦٥م. ولم يقف إسماعيل باشا عند هذا الحد بل أخذ يعقد القرض بعد القرض، بشروط فادحة حتى عجز عن سداد الدين بل عن فوائده التي بلغت الخمسة أو الستة ملايين من الجنيهات في العام. وكان إسماعيل يجد من أوربا التشجيع في سياسة الاقتراض طمعاً في ثروة مصر، ولأن كبار الماليين كانوا يبحثون عن البلاد الصالحة لاستثمار رؤوس أموالهم فيها، فوفد الكثيرون منهم إلى الإسكندرية في أوائل حكم إسماعيل، وأسسوا فيها الشركات، واخذوا يتصلون بالوالي، ولجأ كثير من الأجانب في ذلك الوقت إلى مصر لطلب الرزق، وقد أخذت مصالح الأوربيين تنتشر في مصر من ذلك الوقت. وبعد أن فتحت قناة السويس التي أصبحت أهم طريق للمواصلات بين الشرق والغرب وظهرت مطامع إنجلترا وفرنسا الاستعمارية نحو مصر، فأخذتا تتنافسان في استغلال مصر وامتلاكها وكان إسماعيل مسرفاً في الواقع، فكان ينفق الأموال الطائلة في إكرام الضيوف الأوربيين،

стр. 4211

والهدايا، والقصور، والحفلات وغير ذلك؛ ولكنه انفق معظم الأموال التي حصل عليها في الإصلاحات، وكان إسماعيل سليم الطوية، على حين أن دهاة أوربا كانوا ينصبون له الحبائل بطرق غير شريفة. ديون إسماعيل باشا: كانت ديون إسماعيل ثابتة وسائرة؛ فالثابتة هي القروض المحدودة التي عقدها في بنوك إنجلترا وفرنسا، وقد بلغت حتى عام ١٨٦٨م نحو ٢٠. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات، وتراكمت عليه الديون السائرة الصغيرة المستحقة الدفع، فكان يجددها بفوائد باهظة حتى بلغت ثلاثة أو أربعة أضعاف المبلغ المقترض. وفي عام ١٨٦٨م ابتدأت الحكومة تتوقف عن دفع مرتبات الموظفين، فأخذ مركزها المالي يتزعزع، وكانت الضرائب تجبى مقدماً، فساءت أحوال البلاد، فأصدر الباب العالي في تلك السنة فرماناً يحرم تقديم أي قرض إلى مصر بدون استئذان الحكومة التركية، لكن إسماعيل عقد سلفة جديدة برهن إيرادات أملاكه الخاصة ومقدارها ٧ ملايين من الجنيهات بفائدة ١٣ % فاحتج الباب العالي على ذلك لدى الحكومة الإنجليزية. واستمرت الحكومة في عقد القرض إلى ان اقترح إسماعيل صديق (المفتش) وزير المالية في عام ١٨٦٨م فكرة (المقابلة) وكان المقصود منها أداء ديون الحكومة كلها، وذلك بان يقوم الأهالي بدفع ضرائب ستة أعوام مقدماً نظير إعفائهم من نصف الضريبة بصفة دائمة. فحصلت الحكومة على ٨. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات ولكن الدين الثابت بلغ في ذلك الوقت ٢٧. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات؛ ولشدة حاجة الحكومة إلى المال الوفير لسداد بعض الديون عقدت سلفة جديدة تبلغ ٤. ٠٠٠. ٠٠٠ من الجنيهات. وسافر إسماعيل باشا إلى الأستانة وحصل من الباب العالي في عام ١٨٧٢م على فرمان خول له حق عقد القروض بدون قيد ولا شرط، فرجع الوالي إلى مصر فوجد الحكومة في ضائقة شديدة فعقد سلفة مع أحد البيوت المالية الإنجليزية مقدارها ٣٢. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات بفائدة ٨ %. وقد باعت الحكومة المصرية أسهمها في القناة بثمن بخس لإنجلترا، وكانت هذه الصفقة اكبر غلطة سياسية ومالية ارتكبها إسماعيل باشا في حياته.

стр. 4212

بعثات حكومات أوربا: (١) بعثة كيف: وبعد مضي أيام قليلة على شراء الأسهم تألفت لجنه إنجليزية برئاسة (كيف) لدرس الحالة المالية في مصر في عام ١٨٧٦م، وكان هذا العام بدء التدخل الفعلي في مصر وإرسال البعثات المختلفة التي كان الغرض منها إصلاح الإدارة بوضعها تحت المراقبة الأوربية ضماناً للدائنين. وقد اقترح (كيف) توحيد الديون المصرية كلها على أساس فائدة معتدلة تتناسب وحالة البلاد، وتأجيل الاستحقاقات لخطورة الحال، ووضع الإدارة المالية تحت رقابة أحد رجال المال الإنجليز في ذلك الوقت، ولكن إسماعيل لم يوافق على هذا النشاط الأخير واتفق مع الماليين الفرنسيين واصدر في مايو مرسومين بإنشاء (صندوق الدين العمومي) وتحويل جميع الديون السائرة والثابتة إلى دين موحد بفائدة ٧ %؛ وقد عين في صندوق الدين مندوبون عن الحكومات الفرنسية والنمساوية والإيطالية. (٢) بعثة جوش: وقد امتنعت الحكومة الإنكليزية عن تعيين مندوب لها، وعارضت المشروع في بادئ الأمر، ثم تم الاتفاق على إرسال بعثة مؤلفة من (جوش) ممثلاً للدائنين الإنكليز و (جوبير) ممثلاً للدائنين الفرنسيين لإجراء تصفية عامة، واصطحب تلك البعثة سياسيون من ذوي الخبرة لتمثيل إنجلترة وفرنسا في مصر، ووضع قواعد المراقبة الثانية (كوندومنيوم).

стр. 4213

وقد كانت أهم نتائج بعثة (جوش - جوبير) المالية إيجاد دين ممتاز قدرة ١٧. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات بفائدة ٥ % وتخفيض الدين الثابت إلى ٥٩. ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات بفائدة ٧ % فأصبح مجموع ما يدفع من فوائد الدين سنوياً لا يبقي لمصر من الإيرادات ما يكفي للأنفاق على الإدارة وتعهد الأعمال الهامة مثل الري وغيرها التي هي عماد الثروة في البلاد. أما نتائج البعثة السياسية فتتلخص في نظام المراقبة الثانية (الكوندومنيوم) الذي يشكر إنجلترا وفرنسا في إدارة مصر على الوجه الآتي: (أولاً) بتعين مراقبين إنجليزي وفرنسي عامين للمالية المصرية. (ثانياً) بتعيين مندوبين من الأجانب للدين العام تعرض أسماءهم الحكومات الأجنبية على الحكومة المصرية، وتنحصر مهمتهم في تسليم إيرادات الجهات المرهونة ضمانة لسداد أقساط الدين السنوي من يد مراقب الإيرادات العام، وتسليمها لبنكي إنجلترا وفرنسا، واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستهلاك ذلك الدين. (ثالثاً) بتعيين مندوبين آخرين لإدارة مصلحتي السكك الحديدية وميناء الإسكندرية، مصريين وفرنسي وإنجليزيين تحت رياسة العضوين الإنجليزيين. وتنحصر مهمتهم في تسليم إيرادات هاتين المصلحتين إلى مندوبي الدين العام وذلك علاوة على الأشغال الإدارية. (٣) بعثة ريفرس ولسن: ظلت إدارة البلاد وأحوالها وماليتها في ارتباك مستمر، وعمت الشكوى فطلب إسماعيل باشا إرسال بعثة جديدة فأصدر في عام ١٨٧٨م مرسوماً يقضي بتعيين (لجنة للتحقيق) تحت رياسة المسيو دي لسبس لفحص الحالة المالية فحصاً دقيقاً، وفوض لهذه اللجنة السلطة المطلقة لإجراء ما تراه كفيلاً لتحقيق الغرض الذي أنشئت من اجله.

стр. 4214

وقد تألفت هذه اللجنة وكان وكيلاها السير ريفرس ولسن ورياض باشا وأعضاؤها مندوبي الدول الأربعة في صندوق الدين، وكان رئيسها الفعلي ريفرس ولسن. وقد رفعت اللجنة تقريرها التمهيدي إلى الخديو وطلبت أن تدفع إلى الموظفين مرتباتهم، وختمت تقريرها بقولها (إن الحاكم الأعلى يتمتع بسلطة لا حد لها). وبناء على ذلك كلف إسماعيل بتكوين وزارة مسئولة، فأصدر مرسوماً في ٢٨ أغسطس عام ١٨٧٨م بتأليف وزارة برياسة نوبار، وريفرس ولسن في المالية، ودي بلينيير المراقب المالي الفرنسي في الأشغال. وألغيت المراقبة الثنائية التي قام عليها (الكوندومنيوم)، وضمنت إنجلترا لنفسها النفوذ الأول في الوزارة الجديدة، وبذلك انتقل الحكم المطلق من إسماعيل إلى الأجانب أو إلى السير ريفرس ولسن وزير المالية الإنجليزي. وقد واصل ولسن خطة إسماعيل فعقد قرضاً جديداً مع بيت روتشلد مقداره ٨. ٥٠٠. ٠٠٠ من الجنيهات بضمانة أملاك الخديو، واستخدمت الوسائل القديمة في جباية الضرائب، فعم البؤس البلاد. وأخذ السير ريفرس السير ولسن يفكر في تسوية الدين بطريقة نهائية بعد أن تحققت أغراض السياسة الإنجليزية، وانتزع السلطة من يد الحاكم الشرعي؛ فاقترح على إسماعيل إعلان إفلاسه وتأجيل دفع بعض الديون وتخفيض الفوائد الفادحة إلى ٥ % بيد أن هذا الحل جاء بعد ما ساءت أحوال البلاد وتدخل الأجانب في شؤون المصريين، فثارت حمية القومية في نفوس المصريين، واضطر إسماعيل إلى المقاومة فعز الوزارة الأوربية في عام ١٨٧٩م، وعين وزارة وطنية بحتة برياسة شريف باشا. وقد اشترك إسماعيل باشا مع نواب الأمة في وضع خطه مالية جديدة، وكانوا هم الضامنين لها، ولكن الدول لم تغفل عن هذه الإهانة، فسعت لدى الباب العالي إلى أن تمكنت من عزل إسماعيل في عام ١٨٧٩م. وكان من الممكن حل الأزمة المالية بوضع الإدارة تحت رقابة مالية أو أوربية كما حصل عند إنشاء صندوق الدين؛ ولكن طمع إنجلترا وفرنسا أدى إلى تحويل المسألة المالية إلى مسألة سياسية وحال دون انفراج الأزمة. وختمت الكارثة بقانون التصفية في عام ١٨٨٠م والاحتلال في عام ١٨٨٢م.

стр. 4215

إسكندرية عبد العزيز عبد الكريم

стр. 4216

مشروع القرى الأمية في مصر والعالم للأستاذ محمد مظهر سعيد أستاذ علم النفس بمعهد التربية وكلية أصول الدين الأمم كألافراد، تقاس مدنيتها ومبلغ رقيها وتقدمها بمقاييس معقولة، لعل اصدقها حكماً وأصحها نظراً - وإن كان أقساها وأبعدها عن التحيز - مقياس الأمية. ولا أخال فرداً واحداً من أبناء النيل المخلصين لبلادهم، الذين لم تفسد النزعة الوطنية الجانحة حكمها على الأشياء، وتقديرهم للظروف، يكاد ينكر أن مصر على الرغم مما بلغته من الرقي المطرد في عصرها الحاضر الزاهر، وأخذها بجميع أسباب المدنية في العالم لا يزال ينظر إليها بغير العين التي نرضى أن ينظر لبلادنا بها، مادامت وصمت الأمية عالقة بجبينها، وظل الجهل مخيماً على السواد الأعظم من أهلها. ولقد أصبحنا الآن في زمن يشعر فيه الرجل الذي لا يعرف القراءة والكتابة ومبادئ الحساب - مهما كان نابهاً مستنيراً واسع الخبرة والاطلاع - أنه تحت رحمة المتعلم، بل هو قدي يكون في اغلب الأحيان تحت رحمة الطفل الصغير في الكتاب الذي لا يستطيع أن (يفك الخك) إلا في صعوبة وعسر؛ فإذا أراد أن يحرر خطاباً لأحد أقاربه أو معارفه في جهة بعيده، أو يكاتبهم في مسألة هامة لا قبل له بتأجيلها إلى زيارة أو مقابلة فيتحدث عنها شفوياً، أو إذا أراد أن يحسب حسبة بسيطة مستعجلة كبيع القطن أو المحصول، أو تحرير مستند هام يضمن له حقوقه، أو الرد على إشارة من المركز أو العمدة، وجده نفسه مضطراً إلى ارتكاب الصعب، وإراقة ماء الوجه في استعطاف من يستطيع أن يقوم له بهذه الخدمة البسيطة من أهل القرية، ويكافئه عليها بما يزيد على قيمتها من اجر أو كلمات الشكر على الأقل. ولذلك يشعر رجال القرية جميعهم بأنهم مدينون بالشكر طول حياتهم لفقيه الكتاب، أو مأذون القرية، أو كاتب المحكمة، أو المجاور الأزهري القديم، أو غيرهم ممن يقضون لهم هذه الحاجات ولو بلغة ركيكة وعبارة سقيمة. فإذا انتقل من هذه الأمور البسيطة إلى أمور اشد خطراً واعظم قيمة، كتحرير عقد بيع وتسجيله، والإطلاع على منشورات

стр. 4217

الداخلية وأوراق الانتخابات، وتعليمات وزارة الزراعة عن الطيور والحشرات، ونشرات مصلحة الصحة عن الأمراض المتفشية وطرق مكافحتها. كانت المهمة اشق، وإراقة ماء الوجه اشد، والمكافأة المالية اكبر. وكثيراً ما يدفع الفلاحون - بل قل العمد والمشايخ - الجنيهات الكثيرة في هذه الأزمة الطاحنة أجراً للكاتب العمومي، أو مندوب المحضر الذي يقوم بتحرير محضر البيع، أو العقد، أو الشروط الوقفية؛ على ما في هذا كله من خطر كبير. فقد يحدث أن يكتب الكاتب شيئاًغير الواقع، أو يزور في العقد شيئاً لمصلحة الخصوم، فيشتري الرجل عقاراً غير موجود، أو حقلاً تقل مساحته عن المساحة الأصلية بكثير. والرجل مسكين يقبل هذا في حينه بالبركة، ثم يضع الختم أو يبصم ولا تنكشف له الحيلة إلا بعد أن يكون العقد قد استوفى سائر الإجراءات القانونية التي تجعل مطالبته بحقه أمام الناس والمحاكم أمراً عسيراً. ناهيك عن العلم بالمخترعات وما جريات الامور، وتتبع الحوادث وتذوق طعم الفن والأدب، مما يجعل رقي الأمة حقيقة ملموسة. ويكفي أن ندلل على أهمية تثقيف الأمة، وان الجهود التي تبذل في هذا السبيل مهما كانت جبارة ومضنية ومستنفذة لمالية الدولة، ومهما كانت العقول جامدة، والقرائح مطموسة، والشعب نفوراً بطبيعته من التعليم؛ لا يمكن أن تذهب سدى، ولا بد أن تأتي آكلها بعد حين. أنا نذكر المصريين بان الأمم لا تقاس ثروتها بمقدار ما يملكه أغنياؤها من مال، ونما بمقدار نصيب كل فرد من أفرادها عامه وخاصة من هذا المال ومن الثروة القومية، فهي كذلك من الناحية العلمية لا تقاس ثقافتها ومدنيتها ورقيها بعدد من فيها من كبار المتعلمين، ونما بمقدار ما ينال كل فرد من أفرادها من مجرد التعليم الأولى. فالأمة التي يحسم كل أبنائها مجرد فك الخط هي افضل من المستوى الاجتماعي الدولي، وأرقى حضارة وأسرع تقدماً، واجدر بالاعتبار من أمة عشرها علماء وتسعة أعشارها أميون. فلا عجب إذا تسابقت الأمم القوية الناهضة في سبيل تعميمه لكل أبنائها وإجبارهم عليه بالقانون من بدء طفولتهم، وتسهيل سبل تحصيله إلى آخر مراحله، وأرقى درجاته للنابهين الممتازين من أبناء العامة والدهماء من غير أن تكلفهم شيئاً، أو تثقلهم بالنفقات، ولو استنفذت جل مواردها ومخصصاتها. وما على المتشكك إلا أن يلقي نظرة واحدة على جدول الأمية في العالم، وان يقابل بين نصب الأمم الأخرى التي كنا نحسب أنفسنا ارقي

стр. 4218

منها تعليما وأسرع منها تقدما. ناهيك بالأمم العظمي كإنجلترا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة واليابان وإيطاليا التي محت أو كادت تمحو وصمة الأمية عن جبينها، فتحكم الأرقام الناطقة الصادقة علية وعلى حكما لا يرضاه، ويكفيه أن يعرف أن مصر ذات المجد الأثيل والتاريخ المجيد النبيل قد دار بها الزمن دورته، فأصبحت في القرن العشرين اقل شأناً وأبطأ تقديماً من شيلي وجبل طارق وارجنتينا وباراجواي وتركيا وحتى كوبا واليونان وسيام. ويهوله الأمر إذا قارن نسبة التلاميذ في مصر إلى من هم في سن التلمذة وهي (١٢. ٤ %) بالسويد وهي (٩٨ %) وتشيكوسلفاكيا وهي (٦٠ %) وحتى بلغاريا وهي (٣١) واليونان وهي (٣١ %) وكولومبيا وهي (١٧) والبانيا وهي (٢٥ %). ولا ضير علينا من اتخاذ نسبة التلاميذ دليلاً على الأمية مادامت نسب الأميين ذاتهم في ممالك العالم المختلفة تعوزنا. إحصائيات التعليم العالم الدرجة البلد نوع التعليم سن التعليم عدد السكان عدد التلاميذ عدد في سن التلمذة النسبة لسن التلمذة النسبة لعدد السكان ١ الدنمارك م ج ٦ - ١٤ ٣. ٤٤١

стр. 4219

٧٥٨ ٢٣ % ٢ كندا م ٩. ٥٠٤ ٢. ٠٥٢ ٣. ٠٠٠ ٦٨ ٢١ ٣ هولنده ج ٧ - ١٦ ٦. ٨٦٥ ١. ٣٤٦ ٢. ٣٧٧ ٥٨ ٢٠ ٤ ارلنده م ج ٦ - ١٤ ٣. ٠٠٠ ٥٤٧

стр. 4220

٩٢٠ ٥٨ ١٨ ٥ تشيكوسلوفاكيا م ج ٦ - ١٤ ١٤. ٠٠٠ ٢. ٤٠٠ ٤. ٠٠٠ ٦٠ ١٧ ٦ لكسمبورج ٢٦١ ٤٣ ٧٠ ٦١ ١٦ ٧ النرويج ج ٧ - ١٤ ٢. ٦٥٠ ٤١٨

стр. 4221

٩٠٤ ٤٦ ١٦ ٨ سويسره م ج ٦ - ١٥ ٣. ٨٩١ ٦١٠ ١. ٠٨٣ ٥٧ ١٦ ٩ إسبانيا م ج ٦ - ١٤ ٢١. ٠٠٠ ٣. ١٥٢ ١٥ ١٠ شيلي م ج ٣. ٧٥٤ ٥٧٠ ١٥

стр. 4222

١١ جبل طارق ج ٥ - ١٤ ١٧ ٣ ب ١٥ ١٢ النمسا م ج ٦ - ١٤ ٦. ٥٣٦ ٨٦٦ ١. ٥٣٣ ٥١ ١٤ ١٣ ارجنتينا م ٦ - ١٤ مليون ١٠ ألف ١. ٢٠٤ ١٤ ١٤ بولنده

стр. 4223

م ج ٧ - ١٤ ٢٩. ٢٤٩ ٣. ٥٨٦ ١٢. ٠٠٠ ٣٠ ١٢ ١٥ بلغاريا م ج ٧ - ١٤ ٥. ٤٨٤ ٦٦٧ ١. ٧٥١ ٣١ ١٢ ١٦ باراجواي ج ٧ - ١٤ ٨٠٠ ٨٩ ١١ ١٧ السويد

стр. 4224

ج م ٧ - ١٤ ٦. ٠٠٠ ٧٠٥ ٧٢٥ ٩٨ ١١ ١٨ تركيا م ج ٧ - ١٤ ١٣. ٠٠٠ ١. ٣٣١ ١١ ١٩ مالطة م ٢٢٥ ٢٢ ١٠ ٢٠ بلجيكا ج ٦ - ١٤ ٧. ٨١٢

стр. 4225

٨٣٣ ١. ٩٥٣ ٤٣ ١٠ ٢١ لاتفيا ١. ٨٤٥ ١٩٩ ٥٥٠ ٣٦ ١٠ ٢٢ كوبا م ج ٦ - ١٤ ٣. ٤٧٠ ٣٢٠ ب ٩ ٢٣ كوستاريكا م ج ٤٩٨ ٤٢ ب ت ٨ ٢٤

стр. 4226

اليونان ج ٦ - ١٠ ٦. ٦٠٠ ٥٣٢ ١. ٧١٨ ٣١ ٨ ٢٥ بناما ج ٧ - ١٥ ٤٤٢ ٣٥ ٨ ٢٦ بوراجواي ج ٥ - ١٤ ١. ٦٧٨ ١٢٩ ٨ ٢٧ اسلننده م ج

стр. 4227

١٠ - ١٤ ٩٥٤ ٧ ٧. ٣ ٢٨ المكسيك م ج ٦ - ١٢ ١٤. ١٣١ ٩٧٥ ٧ ٢٩ الصرب م ج ١٢. ٠٠٠ ٨٥٦ ب ت ٧ ٣٠ سيام م ج ٩. ٨٣١ ٦١٧ ٦ ٣١ مصر

стр. 4228

م ج ١٤. ١٧٨ ٨٤٢ ٦. ٧٧٥ ١٢. ٤ ٥. ٧ ٣٢ لتوانيا م ج ٧ ٢. ٢٣٠ ١٢٤ ٦٥٠ ١٩ ٥ ٣٣ كولومبيا ٧. ٠٠٠ ٣٦١ ب ٢. ١٦٨ ١٧ ٥ ٣٤ اكوادور م ج

стр. 4229

٦ - ١٢ ٢. ٠٠٠ ١٠٩ ٥ ٣٥ جواتمالا م ج ٦ - ١٤ ٢. ٠٠٠ ٩٧ ٧٥٨ ١٣ ٤. ٥ ٣٦ رومانيا م ج ٧ - ١٥ ١٧. ٣٩٣ ٧٣٨ ٤. ٣ ٣٧ البرازيل م ٣١. ٠٠٠ ١. ٢٧٠

стр. 4230

٤ ٣٨ البوغاز ج م ٩٦١ ٤٠ ٤ ٣٩ ملقا ج ١. ١٤٧ ٦١ ٣٤٩ ١٨ ٣. ٧ ٤٠ البانيا م ٦ - ١٤ ٨٥٠ ٣٢ ١٢٥ ٢٥ ٣. ٦ ٤١

стр. 4231

الكونغو ٨. ٠٠٠ ٢٦٥ ٢. ٥٥٠ ١٠ ٣. ٥ ٤٢ سلفادور ج ٧ - ١٤ ١. ٥٨٢ ٤٩ ٣. ١ ٤٣ البرتغال م ٧ - ١٥ ٦. ٠٠٠ ١٨٣ ٣ ٤٤ الهند ٣١٩. ٠٠٠ ٩. ٦٠٠ ١٢٣. ٠٠٠

стр. 4232

٧. ٨ ٣ ٤٥ بوليفيا ج م ب ٣. ٦٦٠ ٨٤ ٢. ٦ ٤٦ هايتي م ج ٢. ٥٠٠ ٤٨ ٢ ٤٧ بيرو م ج ٧ - ١٤ ٦. ٠٠٠ ١٠٧ ب ١. ٥ ٤٨ الصين ٣٤٣. ٠٠٠

стр. 4233

٤. ٠٠٠ ١. ٢ ٤٩ ليبريا ج ١. ٧٥٠ ٩ ١٢ (ج) تعليم إجباري. (م) مجاناً. (ب) ابتدائي. (ث) ثانوي. (و) متوسط. هذه الحقائق الملوسة هي التي جعلت جماعة مشروع القرى يؤمنون بأن التعليم هو أس التقدم وسبيل الرقى، وكل ما عداه ثانوي لاحق. وأهابت بهم أن يجعلوا نداءهم فوق كل نداء، وعملهم الزم لمصر من كل عمل، فقاموا زرافات ووحدانا منظمين ومتطوعين يحاربون الأمية في القرى بكل ما لديهم من حول، وما يستطيعون من سبل، وأيدهم الله بروح من عنده، وثبت أقدامهم في جهادهم، وقوى ايمانهم، وانجلت تجربتهم الأولى في صيف العام الماضي عن تعليم أربعين ألفاً من القرويين، ردهم المتطوعون إلى حظيرة النور، واخذوا بيدهم في سبيل الحياة. وها نحن أولاء نوطن النفس على أن نتعاون مع وزارة المعارف في جهادها العظيم لنشر التعليم الإلزامي، والعمل معها جنباً لجنب تاركين لها من هم في سن التعليم مركزين جهودنا فيمن فاتتهم الفرصة من البالغين. ولكن سيل الأمية جارف وتيارها قوي في أمة كمصر فيها من الذكور البالغين الأميين ممن تجاوزا التاسعة عشرة وفاتوا سن التعليم ٧٩ % أي حوالي ٢. ٨٥٣ مليون من مجموع الذكور البالغين ٣. ٥٨٥ ناهيك بالبنات والنساء الأميات اللاتي لم ندخلهن في حسابنا هذا. تصور بعد مراجعة جدول الأمية في محافظات القطر المصري ومديرياته مبلغ ما سيجده مشروع القرى من صعوبات جمة وما يحتاج إليه من جهود جبارة في مكافحة الأمية في مديرية كأسوان تبلغ فيها نسبة الأمية بين الذكور ٩١ % وأسيوط ٩٠ % وجرجا وقنا وغيرها. ولا يحسبن أحد أن انتشار التعليم الإلزامي سينجح وحده في قطع دابر الأمية في عشر

стр. 4234

سنوات لان المدارس محدودة وعدد الذكور كثير. أو، ن التوسع في سياسة التعليم في مراحله الأخرى يخفف الوطأة. فجملة التلاميذ الآن ٦٥٥ ألفاً من الذكور أي حوالي ٢٧ % من مجموعة الأحداث الذين في سن التلميذة من ٥ - ١٩. البالغ عددهم ٢. ٤٨٧ مليون والمدارس الأولية بأنواعها فيها ٤٧٠ ألفاً. وسينضم المتخلفون من الأحداث الذين لا تتسع لهم مدارس التعليم الإلزامي عاماً بعد عام إلى مجموع البالغين الأميين مادامت قد فاتتهم فرصة التعليم. ودليلنا على ذلك انه مع ارتفاع نسبة الأمية في مصر وعلى الرغم من التوسع في إنشاء المدارس فقد زاد تلاميذ المدارس من جميع أنواعها ١٨٧٣٥ تلميذاً في مدى أربع سنوات من سنة ١٩٢٧ إلى سنة ١٩٣١. خص التعليم الإلزامي منهم ٧٣٧٠ تلميذاً وتلميذة فقط أي نسبة ١. ٥ %. (جدول تعداد الذكور الأميين من سن ١٩ فما فوق) المنطقة عدد الذكور عدد الملمين بالقراءة والكتابة عدد الأميين نسبة الأميين للذكور القاهرة ٣٢١٧٨٦ ١٥٢١١٠ ١٦٩٦٧٦ ٥٣ % الإسكندرية ١٦٨٧٦٦ ٨٥١٥٩ ٨٣٦٠٧ ٥٠ %

стр. 4235

القنال ٣٨٣٥٣ ١٣٤٢٥ ٢٤٩٢٨ ٦٦ % السويس ١٣٣٢٠ ٥٦٩٦ ٧٦٢٤ ٥٧ % دمياط ٨٣٧٨ ٨٩٦ ٧٢٨٢ ٨٧ % الحدود ٢٩٨٢٦ ٣٧١٢ ٢٦١١٤ ٨٧ % مديريات الوجه البحري البحيرة ٢٢٠٦٩٦ ٤٢١٢٦ ١٧٨٥٧٠

стр. 4236

٨١ % الدقلية ٢٥٠١١٢ ٥٥٦٣٠ ١٩٤٤٨٢ ٧١ % الشرقية ٢٤٢٨٣٦ ٥١٦٧٧ ١٩١١٥٩ ٧٨ % الغربية ٤٠٩٤٨٥ ٨٠٥٩٢ ٣٢٨٨٧٣ ٨٠ % القليوبية ١٤٣٨٩٣ ٢٥٦٩٧ ١١٨١٩٦ ٨٢ المنوفية ٢٧٨٣٩٧ ٥١٢٨٦ ٢٢٧١٠١

стр. 4237

٧٢ % مديريات الوجه القلبلي اسوان ٦٠٧٥٥ ٥١٥٠ ٥٥٦٠٥ ٩١ % اسيوط ٢٨١٢٥١ ٢٧٠٨٣ ٢٥٤١٨٨ ٩٠ % بني سويف ١٣١٤٩٨ ١٨٣٥٨ ١١٣١٤٠ ٨٧ % جرجا ٢٣٩٨٧١ ٢٣٦٥١ ٢١٦٢٢٠ ٩٠ % الجيزة ١٥٢٦٩٢ ١٩٧٦٨

стр. 4238

١٣٢٩٢٤ ٨٥ % الفيوم ١٤١٥٤٢ ٣٢٨٣٠ ١٠٨٨٩٢ ٧٧ % قنا ٢٣٠٦٣٠ ٢٢٣٧١ ٢٠٨٢٥٩ ٩٠ % المنيا ٢٢١٤٨٥ ٣٥٤٥٠ ١٨٦٠٣٥ ٨٤ % الجملة العمومية ٣. ٥٨٤. ٩٨٣ ٧٣٢٠٦١ ٢. ٨٥٢. ٩٢٢ ٧٩ % فإذا أضفنا مجموع الأميين من الذكور البالغين (سن ١٩ فما فوق) وعددهم ٢. ٨٥٣ مليوناً إلى المتخلفين عن المدارس من الأحداث (سن ٥ - ١٩) وعددهم الآن ١. ٨٢٣ مليوناً وما يستجد عليهم ممن لا تتسع لهم مدارس التعليم الإلزامي من الأحداث الذين تقل سنهم عن

стр. 4239

خمس وأسقطنا من يموتون هؤلاء يكون لدينا على اقل تقدير خمسة ملايين من الذكور البالغين الذين يحتاجون إلى معونة مشروع القرى، فإذا صحت النية على قطع دابر الأمية في مصر بين الذكور البالغين في سن ١٥ سنة ولا أقول عشر أو سبع سنوات يكون لدينا في كل عام حوالي ٣٠٠ ألف قروي يحتاجون على اقل تقدير إلى ١٥ ألف متطوع من التلاميذ المدارس الثانوية والعالية والأزهر وغيرهم ممن يهمهم مستقبل مصر وسمعتها يعلم كل منهم عشرين قروياً. فلا عجب إذا رفعنا صرختنا عالية داويه في القطر من أقصاه إلى أقصاه نطلب المتطوعين. فيا أيها المصريون المخلصون لبلادهم. المعترفون بما لها عليهم من جميل. العارفون مالها في أعناقهم من دين بادروا بالتطوع. وسارعوا إلى سداد الدين. يرده الله لكم أضعافاً مضاعفة وما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط. ملاحظة: إحصائيات التعليم في مصر استقيتها من الأرقام التي أمكنني الانتفاع بها من إحصاء سنة ١٩٢٧م وهو الأخير. ولذلك حرصت على أن تكون أرقام الأمية في العالم من إحصاء ١٩٢٧م أو يقرب منها لبلاد العالم حتى تكون المقارنة صحيحة على قدر الإمكان.

стр. 4240

مشروع القرى روح الاجتماع تدعو إليه فيلبيها الشباب للأستاذ محمد فريد وجدي ما تمخضت أفكار المصلحين بشيء اكبر اثراً، واجل خطراً، تمخضها بمشروع تعليم أهل القرى بوساطة النجباء من أهلها من طلبة الجامعة وسائر المدارس في هذه البلاد، فان مصر التي تتوثب الآن للحصول على مكانتها بين الأمم الراقية، وتحاول أن تسرد مجدها التاريخي الأقدم، لا تستطيع أن تحقق أمانيها القومية هذه وتسعة أعشارها أميون لا يعرفون من أمر الوجود إلا ما تدعوهم إليه الحاجات الجسدية، فأما النواحي العقلية وما يتجلى فيها من ثمرات البحوث الأدبية، وما تنكشف فيها من أسرار الوسائل العلمية، والأصول الإصلاحية، والمبادئ الاجتماعية والعمرانية، فهم بمعزل عنها، وإذا كلفوا بشيء منها لم يفقهوا له حكمة فلا يندفعون فيه عن اقتناع وروية. ألم تضطر الحكومة إلى الاعتماد على نوع من الإجبار حين نصت للفلاحين بجميع الديدان من شجيرات القطن وإبادتها، فتلكأوا فيها لاعتبارات خرافية حتى اضطرت لإنفاق أموال طائلة لمراقبتهم في القيام بهذه المهمة؟ أما تذهب اكثر النصائح الطبية سدى فيما يختص بوجوب تصفية مياه الشرب وفي عدم التبرز في المياه الجارية اتقاء لمرض البلهارسيا والانكلستوما اللذين يفتكان بهم فتكا ذريعا؟ ألم تفشل اكثر المحاولات التي أريد بها تخليصهم من العادات السيئة والتقاليد الضارة، حتى ولو جاءتهم من ناحية الدين الذي يقدسونه ويتفانون في المحافظة عليه؟ وكيف كانت تروج حيل الدجالين، وأحابيل المتطببين، إذا كان القرويون يقرأون ما يكتبه عنهم العارفون، وما تنشره الجرائد عن جرائمهم في العواصم والأقاليم؟ أن الجو القاتم الذي يعيش السواد الأعظم من الأميين فيه يجعل منهم كتلة متحجرة لا تستطيع بل ولا تفكر في أن تتابع خطوات المتعلمين في التقديم إلى الأمام، فيكون مجموع الأمة في حالة تخاذل: بعضه يحاول السير ويقدر عليه، وبعضه جامد حيث هو لا يستطيع انتقالاً من مكانه، بل الخير كل الخير في الإقامة على ما وجد أبويه عليه، فان حاول أن يتشبه بالمتعلمين خيل إليه أن ذلك يكون بتقليدهم في بعض القشور فيشذ عن الجماعتين، وينتهي أمره إلى حالة من الضياع يضطر معها أن يلتحق بالمجرمين ليعيش.
следующие страницы →