← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

٨١ % الدقلية ٢٥٠١١٢ ٥٥٦٣٠ ١٩٤٤٨٢ ٧١ % الشرقية ٢٤٢٨٣٦ ٥١٦٧٧ ١٩١١٥٩ ٧٨ % الغربية ٤٠٩٤٨٥ ٨٠٥٩٢ ٣٢٨٨٧٣ ٨٠ % القليوبية ١٤٣٨٩٣ ٢٥٦٩٧ ١١٨١٩٦ ٨٢ المنوفية ٢٧٨٣٩٧ ٥١٢٨٦ ٢٢٧١٠١

стр. 4237

٧٢ % مديريات الوجه القلبلي اسوان ٦٠٧٥٥ ٥١٥٠ ٥٥٦٠٥ ٩١ % اسيوط ٢٨١٢٥١ ٢٧٠٨٣ ٢٥٤١٨٨ ٩٠ % بني سويف ١٣١٤٩٨ ١٨٣٥٨ ١١٣١٤٠ ٨٧ % جرجا ٢٣٩٨٧١ ٢٣٦٥١ ٢١٦٢٢٠ ٩٠ % الجيزة ١٥٢٦٩٢ ١٩٧٦٨

стр. 4238

١٣٢٩٢٤ ٨٥ % الفيوم ١٤١٥٤٢ ٣٢٨٣٠ ١٠٨٨٩٢ ٧٧ % قنا ٢٣٠٦٣٠ ٢٢٣٧١ ٢٠٨٢٥٩ ٩٠ % المنيا ٢٢١٤٨٥ ٣٥٤٥٠ ١٨٦٠٣٥ ٨٤ % الجملة العمومية ٣. ٥٨٤. ٩٨٣ ٧٣٢٠٦١ ٢. ٨٥٢. ٩٢٢ ٧٩ % فإذا أضفنا مجموع الأميين من الذكور البالغين (سن ١٩ فما فوق) وعددهم ٢. ٨٥٣ مليوناً إلى المتخلفين عن المدارس من الأحداث (سن ٥ - ١٩) وعددهم الآن ١. ٨٢٣ مليوناً وما يستجد عليهم ممن لا تتسع لهم مدارس التعليم الإلزامي من الأحداث الذين تقل سنهم عن

стр. 4239

خمس وأسقطنا من يموتون هؤلاء يكون لدينا على اقل تقدير خمسة ملايين من الذكور البالغين الذين يحتاجون إلى معونة مشروع القرى، فإذا صحت النية على قطع دابر الأمية في مصر بين الذكور البالغين في سن ١٥ سنة ولا أقول عشر أو سبع سنوات يكون لدينا في كل عام حوالي ٣٠٠ ألف قروي يحتاجون على اقل تقدير إلى ١٥ ألف متطوع من التلاميذ المدارس الثانوية والعالية والأزهر وغيرهم ممن يهمهم مستقبل مصر وسمعتها يعلم كل منهم عشرين قروياً. فلا عجب إذا رفعنا صرختنا عالية داويه في القطر من أقصاه إلى أقصاه نطلب المتطوعين. فيا أيها المصريون المخلصون لبلادهم. المعترفون بما لها عليهم من جميل. العارفون مالها في أعناقهم من دين بادروا بالتطوع. وسارعوا إلى سداد الدين. يرده الله لكم أضعافاً مضاعفة وما استحق الحياة من عاش لنفسه فقط. ملاحظة: إحصائيات التعليم في مصر استقيتها من الأرقام التي أمكنني الانتفاع بها من إحصاء سنة ١٩٢٧م وهو الأخير. ولذلك حرصت على أن تكون أرقام الأمية في العالم من إحصاء ١٩٢٧م أو يقرب منها لبلاد العالم حتى تكون المقارنة صحيحة على قدر الإمكان.

стр. 4240

مشروع القرى روح الاجتماع تدعو إليه فيلبيها الشباب للأستاذ محمد فريد وجدي ما تمخضت أفكار المصلحين بشيء اكبر اثراً، واجل خطراً، تمخضها بمشروع تعليم أهل القرى بوساطة النجباء من أهلها من طلبة الجامعة وسائر المدارس في هذه البلاد، فان مصر التي تتوثب الآن للحصول على مكانتها بين الأمم الراقية، وتحاول أن تسرد مجدها التاريخي الأقدم، لا تستطيع أن تحقق أمانيها القومية هذه وتسعة أعشارها أميون لا يعرفون من أمر الوجود إلا ما تدعوهم إليه الحاجات الجسدية، فأما النواحي العقلية وما يتجلى فيها من ثمرات البحوث الأدبية، وما تنكشف فيها من أسرار الوسائل العلمية، والأصول الإصلاحية، والمبادئ الاجتماعية والعمرانية، فهم بمعزل عنها، وإذا كلفوا بشيء منها لم يفقهوا له حكمة فلا يندفعون فيه عن اقتناع وروية. ألم تضطر الحكومة إلى الاعتماد على نوع من الإجبار حين نصت للفلاحين بجميع الديدان من شجيرات القطن وإبادتها، فتلكأوا فيها لاعتبارات خرافية حتى اضطرت لإنفاق أموال طائلة لمراقبتهم في القيام بهذه المهمة؟ أما تذهب اكثر النصائح الطبية سدى فيما يختص بوجوب تصفية مياه الشرب وفي عدم التبرز في المياه الجارية اتقاء لمرض البلهارسيا والانكلستوما اللذين يفتكان بهم فتكا ذريعا؟ ألم تفشل اكثر المحاولات التي أريد بها تخليصهم من العادات السيئة والتقاليد الضارة، حتى ولو جاءتهم من ناحية الدين الذي يقدسونه ويتفانون في المحافظة عليه؟ وكيف كانت تروج حيل الدجالين، وأحابيل المتطببين، إذا كان القرويون يقرأون ما يكتبه عنهم العارفون، وما تنشره الجرائد عن جرائمهم في العواصم والأقاليم؟ أن الجو القاتم الذي يعيش السواد الأعظم من الأميين فيه يجعل منهم كتلة متحجرة لا تستطيع بل ولا تفكر في أن تتابع خطوات المتعلمين في التقديم إلى الأمام، فيكون مجموع الأمة في حالة تخاذل: بعضه يحاول السير ويقدر عليه، وبعضه جامد حيث هو لا يستطيع انتقالاً من مكانه، بل الخير كل الخير في الإقامة على ما وجد أبويه عليه، فان حاول أن يتشبه بالمتعلمين خيل إليه أن ذلك يكون بتقليدهم في بعض القشور فيشذ عن الجماعتين، وينتهي أمره إلى حالة من الضياع يضطر معها أن يلتحق بالمجرمين ليعيش.

стр. 4241

كل ما في الوجود يحفزنا لان نقضي على الأمية في بلادنا بكل الوسائل الممكنة، فالحكومة سائرة في طريقها من ناحية، ولكن أعباء تفريج الأزمة الاقتصادية قد لا يسمح لها ببذل الوسع في هذا السبيل، فلا بد من عامل جديد يتناول ما لا تمتد يدها إليه، وهذا العامل هو ما فكرت فيه الشبيبة المتعلمة تحت قيادة رجال مثقفين من العمل على تعليم القرويين، وتقويم أخلاقهم، واشراكهم في ثمرات العرفان الذي نالوه، ليكون اتصال أجزاء المجتمع بعضه ببعض حاصلاً ومنتجاً للغاية التي تتوخاها جميعاً، وهي أن تأخذ الأمة المصرية مكاناً بين الأمم يسمح لها أن تشاطرها العمل في خدمة الإنسانية، وإبلاغها أقصى ما ترجوه من الكمال العالمي المنشود. هذه النزعة من الشبيبة المتعلمة ليست بثمرة تفكير عميق فحسب، ولكنها نفحة من روح الاجتماع تنزلت على اكثر النفوس حساً، وأدقها شعوراً، فحركتها إلى الوجهة التي سلكتها كل أمة نهظت قبلنا نهوظاً ثابتاً مضطرداً. فهذه النفحة التي تجعل عملنا هذا أشبه بالأمور الطبيعية الاضطرارية، منه بالأمور التفكيرية الاختيارية، وهي في الوقت نفسه تدل على أن المجتمع المصري اصبح حاصلاً على جميع المقومات الاجتماعية التي تجعل منه جسماً مترابط الأعضاء، متكافل القوة، متماسك الأجزاء، متأثراً بحياة صحيحة تدفعه النهوض دفعاً طبيعياً متزناً لا تقوى العوامل المحللة على صرفه عنه مهما تسلطت عليه. فإذا كان اكثر محاولاتنا التي أنتجها التفكير المحض قد حبطت فأن هذه المحاولة الأخيرة التي بعثت إليها روح الاجتماع لا يجوز عليها الحبوط، بل هي ستتطور في أدوار التكمل حتى تبلغ ما بلغته أمثالها في الأمم التي سبقتنا إلى الكمال المدني. ان جميع الأمم التي ضربت في المدنية بسهم قد ألهمت هذه الطريقة في إيقاظ عامتها، وإشراكها في نعمة الحياة الأدبية، فأن الإنجليز قد نشطوا بتعليم الشعب نشاطاً كانوا فيه المثل الأعلى، إذ تطوعت الطبقة المتعلمة لتعليم الطبقة الجاهلة، فأسسوا الدور الأهلية لتعليم الليلي وإلقاء المحاضرات التي تعين على ترقية مستواهم الأدبي. وكذلك فعل الأمريكانيون والالمان وغيرهم. وفي ألمانيا اليوم حركة اكبر لزيادة رفع المستوى الأدبي لأهل القرى بعد أن نجحوا في رفع الأمية عنهم، علماً منهم بان كل عمل يبذل في سبيل إصلاح القرى، وتحبيب سكانها لأهلها، وترقية مداركهم، يعود بأكبر النفع على مجموع

стр. 4242

الأمة لأنهم الحجر الأساسي في بنائها، وإذا كان الأساس قوياً ركيناً كان كل ما يبنى عليه متيناً ثابتاً. فنحن ألان حيال نهضة أدبية خاصة بالقرى، مقبلون منها على حالة مليئة بكبار الآمال، يقوم بها شباب تخفق بين جوانحهم قلوب يعمرها حب الوطن، وإيمان راسخ في النجاح، فلحي فيهم هذه الهمة الوثابة، والإخلاص الذي تضرب به الأمثال، كلل الله أعمالهم بالنجاح، أمدهم الله بروحه وعونه، انه ولي الصادقين محمد فريد وجدي

стр. 4243

٩ - بين المعرى ودانتي في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة بقلم محمود احمد النشوي قد وعدنا أن نحدثك عن خيال دانتي في الانتحار والمنتحرين وعما وصف به ما هم فيه من عذاب. فلعلك على ذكر من أن أبا العلاء لم يتبع سبيل الخيال إبان ذلك، بل سلك طريق الحكماء، ولعلك على ذكر أيضاً من تعليله. فأما دانتي فقد انتحى نحو الخيال يستمد منه الزراية بالانتحار والمنتحرين، فبينما هو في الدرك السابع من جهنم إذ رأى غابة موحشة، أشجارها متجعدة الأغصان، متجردة إلا من أشواكها المسممة الأطراف، وقد ملئت وحوشاً أنصاف جسومها في زي الأناسي، وأنصافها الأخرى على هيئة طيور، وهي ترفع صوتاً تنخلع منه القلوب عن أبدانها، فسار في جنبات تلك الغابة على خيفة من وحوشها، وهو يسمع أنات وزفرات لا يعلم طريقها، فسأل عنها فرجيل فأجابه: أن اقطع طرفاً من هذه الغصون لعلك تتعرف تلك الأنات، فصدع بالأمر، وامتدت يده إلى غصن لم يكد يجتذه حتى نطقت له تلك الشجرة صاحبة الغصن قائلة: لم نزعتني؟ أليس في حنايا قلبك شيء من الرحمة؟ لقد كنا رجالا مثلكم، وقد صرنا نباتاً، فأما شجرات تلك الغابة فهم المنتحرون نبتوا اشجاراً كان مأواها جهنم وبئس القرار وأما تلك الشجرة التي قطع دانتى غصنها فهي الشاعر (بيير ديللي فيني وقد كان في حياته الدنيا مستشاراً لحكومة الإمبراطور فردريك الثاني، فخدم مليكه مخلصاً في خدمته، ولكن السنة السوء عبثت به فتقولت عليه الأقاويل، فأصاخ لها الإمبراطور وفقأ عيني مستشاره، وألقى به في ظلمات السجن، فأكبر بيير ما حاق به وهو الشاعر الملتهب العاطفة، فضرب برأسه في جدران السجن ضربة أودت بحياته، وختم أيامه بتلك الجريمة الكبرى، فلم يك ينفعه إخلاصه، ولم تك تنفعه أمانته، بل دخل النار مع الداخلين، وكان شجرة في تلك الغابة الموحشة التي تنخلع لهولها القلوب. في الطريق إلى الفردوس لقد كان طريق الفردوس في خيال المعري مليئاً بالمفاجآت الطريفة، وبالدعابة الساخرة، ينبعث من كل عبارة فيها ما يضحك الثكلى. وسندع ابن القارح يقص علينا حديث ذلك

стр. 4244

الطريق، وما تذرع به لدخول الجنة، إذ يحاور تميماً بن أبي ويسأله عما يريده بكلمة (المرانة) من قوله: يا دار سلمى خلاء لا أكلفها … إلا المرانة حتى تسأم الدنيا فيجيبه تميم بان الحساب العسير أنساه كل شيء، فلم يدخل الجنة ومعه كلمة من الشعر أوالرجز، ثم يقول لابن القارح أن حفظك لمبقي عليك كأنك لم تشهد أهوال الحساب، فيقص عليه ابن القارح حديث الموقف، وحديث دخوله فراديس الجنان، وانه يمم شطر رضوان خازن الجنان يمتدحه بشعره، فلا يزداد رضوان إلا إعراضاً عنه، وصدا دونه، ولما لم تجد مع رضوان ضراعة الشعر، صاح ابن القارح قائلا: يا رضوان! استطالت مدة الحساب، ومعي صك التوبة، وقد امتدحتك بأشعار كثيرة، فيستجيب دعاءه ثم يحاوره، لا في دخول الجنة بل في تعريف الشعر وفائدته. وفي جمع كلة شعر، ثم ينتهي بينهما الحوار إلى منعه من دخول الفردوس دون إذن من رب العزة. فلا تنقطع أطماعه بل يذهب إلى خازن آخر اسمه زفر يمتدحه بالشعر فيقول له زفر احسب هذا الذي تجيئني به قرآن إبليس المارد، ولا ينفق عن الملائكة. فمن أي الأمم انت؟ فيقول له من أمة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فيقول له زفر: صدقت ذلك نبي العرب، ومن تلك الجهة أتيتني بالقريض، لأن إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب، وقد وجب علي نصحك، فعليك بصاحبك لعله يتوصل إلى ما ابتغيت. فيتركه ابن القارح غضبان أسفاً، ثم يسير في طريقه فيرى حمزة بن عبد المطلب فتتجدد آماله، وترجع له ثقته بالشعر: يأمل أن يجد له نفاقاً لدى ابن عبد المطلب، فيناديه وينشده، فيقول له حمزة: ويحك! أفي مثل هذا الموقف تحييني بالمديح؟ إني لا اقدر لك على ما تطلب. بيد انه يرسل مع رسولا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ليخاطب النبي ﷺ في أمره، فلما قص عليه القصص، قال له: أين صحيفة حسناتك؟ فيبحث عنها فإذا بها سقطت في شجار بين أبي علي الفارسي وبين شعراء حرف كلامهم، وأول أغراضهم، تدخل ابن القارح في فضه قائلاً: يا قوم، هذه أمور هينة، فلا تعنتوا الشيخ فانه ما سفك لكم دماً ولا احتجن عنكم مالاً. وعاد إلى كتاب التوبة يبحث عنه فلم يجده، فجزع وهلع؛ ولكن أمير المؤمنين قال له: لا عليك، ألك شاهد بالتوبة؟ فقال له نعم، يشهد لي عبد المنعم بن عبد الكريم قاضي حلب (حرسها الله) في أيام

стр. 4245

شبل الدولة، فيناديه الهاتف فيجيبه بعد لأي شاهد بتوبته. ولعل أمير المؤمنين كرم الله وجهه اتهم تلك الشهادة فأعرض عنه. بيد أن اليأس ولم يخامر قلبه، فذهب إلى العترة متوسلاً بهم، قائلاً: إني كنت في الدار الذاهبة إذا كتبت كتاباً وفرغت منه قلت في آخره: وصلى الله على سيدنا خاتم النبيين، وعلى عترته الأخيار الطيبين؛ وهذه حرمة لي ووسيلة. فقالوا ما نصنع بك؟ فقال أن مولاتنا فاطمة ﵍ تخرج من الجنة كل حين مقداره أربع وعشرون ساعة من ساعات الدنيا الفانية، فتسلم على أبيها وهو قائم لشهادة القضاء، فإذا هي خرجت كالعادة فاسألوها في أمري باجمعكم، فلعلها تسأل أباها في ذلك. فلما جاءت قال لها جماعة الأبرار: هذا ولي من أوليائنا قد صحت توبته ولا ريب انه من أهل الجنة، وقد توسل بنا إليك (صلى الله عليك). فقالت لأخيها إبراهيم دونك الرجل، فقال له إبراهيم: تعلق بركابي، وطارت الخيل في الهواء من الزحام حتى بلغ الركب الرسول ﷺ . فقالت له فاطمة ﵂: هذا رجل سأل فيه فلان وفلان. فقال حتى ينظر في عمله: فسأل عن عملي فوجد في الديوان الأعظم وقد ختم بالتوبة، فشفع لي، فأذن لي في الدخول. (يتبع) محمود احمد النشوي

стр. 4246

٤ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور الشيخ محمد الاشموني الشافعي أصله من اشمون جريس، قرية من أعمال المنوفية، وقد اخبر انه من نسل أبي مدين التلمساني، ولد سنة ١٢١٨م، وحضر إلى الأزهر لطلب العلم، فتلقى عن القويسني، والبولاقي، والفضالي، والامير، والباجوري، والمرصفي وغيرهم. وكان اكثر حضوره على البولاقي، والباجوري، واشتهر بالذكاء، وجودة التعليق وإتقان التحصيل، إلى أن تأهل للتدريس فدرس الكتب المتداولة بالأزهر من صغيرة وكبيرة وقرأ المطول، وجمع الجوامع، وكتب التفسير، والحديث، والعقائد وغيرها مرات بعذوبة منطق وحسن إلقاء، ولم يؤلف كتباً ونما كتب عنه بعض الطلبة تقييدات عن قراءته للعقائد النسفية، وكذلك قيدوا عنه نحو ثلاثين كراسة حال قراءته لمختصر السعد، واخذ عنه كثيرون من كبار علماء الأزهر، وعمر عمراً طويلاً حتى الحق الأجداد بالأحفاد وصار جميع من بالأزهر إما تلاميذه أو ممن في طبقتهم، وروى عنه أن الشيخ محمد الانبابي الذي كان شيخاً على الأزهر كان ممن تلقى عنه، إلا أن الشيخ الانبابي كان ذلك. ولم يعقب المترجم لأنه لم يتزوج قط، وكان القائم بخدمته في داره أخت له وجارية سوداء وعبد اسمه محبوب تبناه وزوجه من الجارية، وفتح له حانوتاً بالتربيعة وصيره من التجار، ثم وقف على الثلاثة داره التي يسكنها بالباطنية بالقرب من الأزهر. ولم ينقطع عن التدريس والإفادة إلا قبل موته ببضع سنوات لضعف أصابه من الكبر، وابطل حركته في آخر أيامه، وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع ذي القعدة سنة ١٣٢١ عن مائة سنة وثلاث سنوات، وأمر الخديو بتجهيزه من الأوقات الخيرية، وأطلقوا منادين في الطرق للإنباء بوفاته، فسار مثنى رافعين أصواتهم بالنعي واجتمع في صبيحة الوفاة الألوف من صنوف الناس لتشييع جنازته قيل انهم بلغوا نحو أربعين الفاً، وحضر أيضاً الوزير المنبهي المراكشي وزير الحرب بالغرب، وكان ماراً بمصر للحج واحب أن تكون نفقة التجهيز والمأتم من عنده فاخبروه بأمر الخديو، وتقدم شيخ الأزهر السيد علي الببلاوي للصلاة عليه بالأزهر، وتولوا قبيل الصلاة مرثية من نظم الشيخ إبراهيم راضي مطلعها:

стр. 4247

لا قلب للإسلام غير حزين … فاليوم فيه انهد ركن الدين ثم خرجوا بالجنازة إلى القرافة ودفنوه في مقبرة الشيخ الانبابي وكان ﵀ أنيس المحضر، كثير الدعابة والمزاح مع الطلبة شديد الورع متصفاً بالزهد والتقشف وقلة الاحتفال برفاهة العيش إذا سار في الطريق توكأ على عصاه بيد ووضع الأخرى على كتف من يسايره، لاسيما بعد علو السن وضعف القوة. حضر مرة احتفالاً مما يقام لكسر السد أو المولد النبوي، ورموا بالسهام النارية كعادتهم، فتجاوز سهم منها مداه ووقع على الحاضرين، فأصاب المترجم في إحدى عينيه وذهب بها، فرق له الخديو إذ ذاك، ورتب له راتباً شهرياً علاوة على راتب الأزهر، رحمه الله تعالى.

стр. 4248

الغازي احمد مختار باشا: ولد في بروسة من مدائن آسيا الصغرى شهر (سبتمبر سنة ١٨٣٧) وقدم الأستانة صغيراً، فدخل المكتب الحربي العالي، فنبغ من بين أقرانه، ولم يخرج منه حتى نال رتبة قائمقام وحضر حرب القرم، ثم انتظم في عداد أركان حرب السردار الأكرم عمر باشا حين حمل على الجبل الأسود سنة ١٨٦٠ وامتاز بالبسالة خصوصاً في مضايق اوستروك، وكوفئ وقتئذ بترقية رتبة ثم ما لبث أن عاد إلى الأستانة عقب ابرام الصلح فجعل أستاذاً في المكتب الحربي. وفي سنة ١٨٦٦ جعله السلطان عبد العزيز مربياً لنجله البكر يوسف افندي عز الدين، فرافقه إلى إيطاليا، وفرنسا، وانكلترا، وألمانيا، والنمسا فنال في أثناء ذلك وسام (اللجيون دونور) وغيره من فرنسا وسواها، وعاد إلى الأستانة سنة ١٨٦٧م فجعل مأموراً لتحديد التخوم بين بلاد الدولة والجبل الاسود، فرجحت بسببه كفة الأولى إذ أبقى في حوزتها عدة مواقع حربية مهمة، وقوبل عمله هذا بترقية لرتبة أمير اللواء وجعله عضواً في المجلس الحربي، وفي ختام سنة ١٨٧٠ أرسل مع ضباط الجيش المرسل إلى اليمن تحت إمرة رديف باشا، فاستولى على مدينة يدى، ونال رتبة فريق، ثم أقيم مقام رديف باشا في القيادة الكبرى لنقله والياً على الحجاز، فتمكن من الفوز على أهل اليمن، فرقي إلى رتبة مشير وجعل والياً على اليمن. ثم لما رجع إلى الأستانة أقيم وزيراً النافعة فاستقال منها ثم جعل والياً لكريد، ثم مشيراً للفيلق الثاني في شوملة سنة ١٨٧٣م، ثم مشيراً للفيلق الرابع في ارزروم سنة ١٨٧٤م، ثم قائداً لجيش الهرسك بدلاً من رؤوف باشا سنة ١٨٧٥م فحصن مواقعها، وقاوم الثورة حتى عقدت في ختام سنة ١٨٧٦م فأعيد إلى كريد والياً عليها، ولكنه لم يبق بها شهراً واحداً حتى أمر بالذهاب إلى ارزروم لقيادة الفيلق الرابع وحماية المواقع العثمانية عند حدود القوقاز. واشتهر بالفوز في الوقائع الحربية مع الروسيا في جهة قرص، والكسندر، وبول وغيرها، خصوصاً بمعسكر جديكلر في شهر أغسطس سنة ١٨٧٧ حتى استحق لقب الغازي، ولما قطع الغراندوق ميخائيل الصلات بين فرقته وسائر الجيوش العثمانية تمكن هو من النجاة، ثم استدعى إلى الأستانة فجعل ناظراً (للطوبخانة) وكان ذلك في شهر افريل سنة ١٨٧٨م، وبعد ذلك عين قائداً لجيش يانيا، ثم والياً لكريد مرة ثالثة في ٢٨ أغسطس سنة١٨٧٨ فتمكن من توطيد الأمن بها وألف بين أهلها المسلمين والمسيحيين فكتبوا عريضة رفعوها للباب العالي في شهر أكتوبر

стр. 4249

سنة ١٨٧٨ بالثناء عليه وبعد ذلك أرسل إلى البانيا لتنفيذ العهدة البرلينية المتعلقة بها، فدوخ الثائرين، وعاد بعد حين إلى الأستانة ولبث يقوم فيها بالمهام الجسيمة في الجيش حتى أرسل إلى مصر معتمداً عالياً. الشيخ حسونة النواوي: الحنفي هو حسونة بن عبد الله، أصله من نواي، قرية تابعة لملوي، من أعمال أسيوط، ولد سنة ١٢٥٥م، ولما ترعرع حضر إلى الأزهر، وتلقى به العلم على شيوخ وقته، وكان حضوره الفقه الحنفي على الشيخ عبد الرحمن البحراوي، والمعقول على الشيخ محمد الانبابي والشيخ على بن خليل الاسيوطي. ثم درس به، وأحيل عليه تدريس الفقه بمدرسة دار العلوم ومدرسة الإدارة التي سميت بعد ذلك بمدرسة الحقوق، ودرس آخر بمسجد محمد علي بالقلعة فكان له من مجموع وظائف هذه الدروس ما حسن به حاله، وألف في أثناء ذلك كتابه (سلم المسترشدين في الفقه الحنفي) لتلاميذ مدرسة الإدارة، ونال في شهر شعبان سنة ١٣٠٢م كسوة التشريف من الدرجة الثانية. ثم لما شرع الخديو عباس باشا الثاني في أوائل توليته في تحسين حال الأزهر، وإصلاح نظامه، وطريقة التدريس فيه، وإبدال بعض الكتب التي تقرأ فيه بغيرها، وإدخال بعض العلوم فيه كالرياضيات، وتقويم البلدان والتاريخ وغيرها وذلك بسعي الشيخ محمد عبده وغيره رأى الساعون تعذر ذلك مع وجود الشيخ محمد الانبابي شيخاً عليه، ولم يشأ الخديو عزله دفعاً للقيل والقال، فألف مجلساً من العلماء ينظر في شؤونه سمى بمجلس الاداره، والتمس رئيساً له يعين على أحداث النظام المطلوب فأشير عليه بالمترجم لما عهد فيه من الشهامة والصرامة، وسعى له بعض كبار رجال الحكومة ممن سبق لهم التلقي عليه بمدرسة الإدارة فأقيم رئساً لهذا المجلس، واخذ من الاستبداد بأمور الأزهر حتى انحصرت فيه كلياتها وجزئياتها، وصار هو الشيخ في باطن الأمر حتى ضجر الشيخ محمد الانبابي ثم اعتلت صحته، فاستقال في ٢٥ ذي الحجة سنة ١٣١٢، وأقيل في ثاني المحرم سنة ١٣١٣. فجاءت استقالة الشيخ على وفق مأمولهم، وأقيم المترجم شيخاً على الأزهر بدله، فكانت

стр. 4250

توليته كالشجا في حلوق أهله لأسباب منها انهم يرون فيهم من هم اكبر سناً، واكثر علماً، وأحق بالرئاسة عليهم منه. ومنها انه جاء مؤيداً لإدخال بعض العلوم المسماة عندهم بالجديدة كالحساب والهندسة والجبر وتقويم البلدان وما هي إلا علوم قديمه اشتغل بها المسلمون وألفوا فيها، وكانت تدرس بالأزهر قبل انحطاطه، ونما نفروا منها لطول عهدهم بها وحسبانها من علوم الإفرنج، وأنها ما أدخلت فيه إلا للقضاء على العلوم الشرعية أو تقليل الرغبة فيها. ومنها انه تولى بعد الشيخ الانبابي المشهود له بالعلم والفضل والتقوى بن الخاصة والعامة بل لأنه كان سبباً من باطن الأمر على إرغامه على الاستقالة. ومنها اشتهاره بشيء من الشدة والجفاء في مخاطبة الناس ومعاملتهم مع ما داخله بعد تولي من الزهو والخيلاء، وما كان يشيعه أعداؤه عنه من ممالأته للإنكليز على هدم أركان الدين بإدخال العلوم الجديدة بالأزهر حتى كثرة القالة فيه، ويعلم الله انه بريء مما يأفكون. وحدثت في مدته حادثة الوباء التي امتنع فيها المجاورون بإغراء بعض متهوريهم من الخضوع لأوامر الحكومة، واعتصموا بالأزهر، وقاوموا رجال الشرطة ورموهم بالأحجار حتى أصيب محمد ماهر باشا محافظ القاهرة بحجر أدمى وجهه، فأحيط بهم ورموا بالرصاص، فجرح منهم من جرح، ثم قبض عليهم وحكم على البعض بالسجن وعلى البعض بالنفي، واغلق رواق الشوام لان اصل الحركة كانت منهم، وهال الناس وقوع هذه الحادثة وانتصروا للمجاورين، ووجدوا منها باباً للكلام في الشيخ ورميه بالضعف والتهاون في الدفاع عن حرمة المسجد والمحاماة عن أهله. ثم لما توفي الشيخ محمد المهدي العباسي مفتي القطر سنة ١٣١٥ أضيف منصب الإفتاء للمترجم فجمع له بينه وبين رئاسة الأزهر كما كان يجمع بينهما للشيخ العباسي احياناً، واستمر المترجم جامعاً للمنصبين واكثر القلوب منصرفة عنه حتى وقع الخلاف الكبير بين جمال الدين أفندي قاضي قضاة مصر وبين الحكومة أواخر سنة ١٣١٦ بشأن إصلاح المحاكم الشرعية واقتراح انتداب قاضيين من مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية ليشاركا قضاة المحكمة الشرعية العليا في الحكم، فلما عرض الاقتراح في مجلس شورى القوانين أبى قاضي القضاة قبوله، وقام المترجم بنصرته وشد أزره، وأراد رئيس النظار مصطفى فهمي باشا مناقشته فبدرت منه كلمات عدها الوزير مهينة له، ولم يقتصر على ذلك بل

стр. 4251

أرغى وأزبد وخرج من المجلس مغضباً وهو يتلو قوله تعالى () وشاع بين الناس ما اقدم عليه فأكبروه منه وحمدوا موقفه فيه، لاسيما وقد سرى إلى الأذهان أن الحكومة تريد هدم الشريعة لهذا المشروع، فانقلب ذمهم له مدحاً، وبغضهم محبة، ولكنهم لم يغنوا عنه شيئاً لان النظار احفظهم ما واجه به رئيسهم وحرك ذلك ما كان في صدورهم منه يوم أردوا منع الحج احتجاجاً بالوباء واستفتوه ليجعلوا فتواه عصا يتوكئوون عليها كلما أرادوا منع الحج وظنوا انه يوافقهمفاخلف ظنهم، وأفتى بعدم جواز المنع فكانت حادثته مع الوزير من احسن ما يتوصل به إلى التخلص منه، فشكوه إلى الخديو وطلبوا منه عزله، فاستدعاه يوم الثلاثاء ٦ المحرم سنة ١٣١٧ إلى مصيفه بالإسكندرية ومعه القاضي وألان لهما القول وناقشهما في تعديل الاقتراح، وتغيير ما يخالف الشرع منه، فأصر القاضي على الامتناع، وتكلم المترجم منتصراً له، فقال في عرض كلامه أن المحكمة الشرعية العليا قائمة مقام المفتي في اكثر أحكامها، ومهما يكن من التغيير في الاقتراح فانه لا يخرجه عن مخالفته للشرع لان شرط تولية المفتي مفقود في قضاة الاستئناف، ثم التفت إلى القاضي وسأله هل هو مولى من الخليفة أم من الخديو؟ فقال من الخليفة، فقال إذن يجب لمن يريد مولانا الخديو إشراكه معه ولو كان هلاً ثم انصرفا. وكان كلام المترجم فيه شيء من الشدة تألم منها الخديو فمال لرأي نظاره فيه، ولكنه أسرها في نفسه حتى حسم نازلة القاضي بالحسني، ثم اصدر أمره يوم السبت ٢٤ المحرم سنة ١٣١٧ بفصله من الأزهر والإفتاء، وإقامة ابن عمه الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي شيخاً على الأزهر، والشيخ محمد عبده المستشار بالاستئناف الأهلي مفتياً للقطر، بعدما انتقل من مذهب الإمام مالك لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة. ولما أشيع الأمر كثرت وفود العلماء والوجهاء على دار المترجم وانطلقت الألسن بمدحه والثناء عليه وتعلقت به القلوب، واقبل الناس عليه أي إقبال، وتحققوا أن ما كانوا يتهمونه به من قبل لم يكن إلا عن محض توهم. والحقيقة أن الرجل وان لم يبلغ شأو طبقته في العلم لم يعهد عليه ما يشين دينه ولا دنياه. بل عرف بالعفة، وعلو الهمة، ونقاء اليد من الرشى لولا جفاء يبر بعض الأحيان في منطقه، وشدة فيه يراها بعض الناس غلظة ويعدها البعض شهامة لحفظ ناموس العلم، خصوصاً مع الكبراء الذين أفسدهم تملق علماء السوء

стр. 4252

وحملهم على الاستهانة بهذه الطائفة. ولم يزل المترجم عاكفاً في داره، مقبلاً على شأنه، وحببت إليه العزلة فابتنى داراً بجهة القبة انتقل إليها وسكنها، ولم يقم ابن عمه في الأزهر طويلا بل توفي فجأة بعد نحو شهر من ولايته سنة ١٣١٧، فولى على الأزهر الشيخ سليم مطر البشري المالكي ثم استقال فأقيل يوم الأحد ٢ ذي الحجة سنة١٣٢٠، وأراد الخديو إعادة المترجم أو تولية الشيخ محمد بخيت فلم يوافق النظار وتولى الشيخ على بن محمد الببلاوى المالكي نقيب الأشراف على الأزهر ثم استقال يوم الثلاثاء ٩ المحرم سنة ١٣٢٣ فأقيل يوم السبت ١٢ منه، وصدر الأمر العالي يوم الأحد ١٣ منه بإقامة الشيخ عبد الرحمن الشربينى الشافعي ثم استقال فأقيل بأمر صدر يوم الأربعاء ١٦ ذي الحجة سنة ١٣٢٤ وصدر أمر آخر في ذلك اليوم بإعادة المترجم شيخاً على الأزهر وهى توليته الثانية، ولكنه لم يمكث فيها طويلاً بسبب اختلال الأحوال، ونزوع المجاورين للفتن، وذهاب هيبة المشايخ، فاستقال سنة ١٣٢٧ ورتب للشيخ الشربيني ١٥ ديناراً مصرياً في الشهر من الأوقاف الخيرية ليكمل مرتبه ٢٥ ديناراً. وأعيد إلى الأزهر الشيخ سليم البشري، ولزم المترجم داره التي بالقبة يزوره محبوه ويزورهم، ونال في توليته الأولى الوسام المجيدي من الدرجة الثانية، وجعل حينذاك عضواً من الأعضاء الدائمين بمجلس شورى القوانين ومن شرط هؤلاء الأعضاء انهم لا يعزلون، ولهذا بقى المترجم به بعد عزله من الأزهر والافتاء، حتى الغي المجلس واستعيض عنه بالجمعية التشريعية سنة ١٣٣٢ فانفصل عنه بحكم الإلغاء. وظل مقيماً في داره التي بالقبة في عزلة على الناس إلى آخر حياته، وقد أصيب بأمراض ووهن في القوى وضعف في النظر حتى توفي صباح يوم الأحد ٢٤ شوال سنة ١٣٤٣، ودفن في العصر بالمجاورين تغمده الله برحمته.

стр. 4253

طرائف الشعر الذكري للعالم الشاعر الراوية الأستاذ احمد الزين أدّكاراً بعد ما وَلى الشباب … ومن الذكرى نعيمٌ وعذاب لا تقُلْ تعزيةٌ عن فائت … كم عزاءٍ في ثناياه المصاب وإذا الدار جفاها أُنسُها … فمغانيها مع التُّرْب تراب وإذا الروض ذوت أوراقهُ … فغناء الوُرق في الروض انتحاب وإذا ما الزهر وَلّى حُسنهُ … فبقاياه عبُوسٌ واكتئاب واحمرارُ الشمس في مغربها … دمعُها القاني أو القلبُ المذاب إنما الذكرى شجونٌ وجوًى … يسكن القلبٌ لها وهي حِراب رُبَّ نفسٍ عشقتْ مصرعَها … كفَراش النار يغريه الشِّهاب ولكَم أُنسٍ وفيه وحشةٌ … واقترابٍ هو نأْىٌ واُغتراب عاِّلِي القلبَ بذكراكِ وإن … كان لا يغني عن الماء السّراب وصلينا في الكرى أو في المُنى … مَن أباه الصدقُ أرضاه الكذِاب أو عِدينا عِدة ممطولةً … قد يشام البرقُ إِن ضنَّ السحاب كم تَمنَّينا عقيمات المنى … ودعونا وصدى الصوت جواب ورضينا بقليلِ منكِ لو … أن مشتاقاً على الشوق يثاب لا أرى بَعدكِ شيئاً حَسَنا … آهل الأرض بعينيّ يَباب رنّةُ العود بسمعي أنّةٌ … وسُلافُ الخمر في الأقداح صاب يا زماناً صَفِرتْ منَه يدي … غير ما تُبقي الأمانُّي الكِذاب ليت نفسي ذهبتْ في إثره … فذهاب الصّفو للمرء ذهاب مَن لقلبٍ حاملٍ من وجده … ما يذوب الصخر منه والهضاب حَمَّلَ الأيام ذكرَى ومنًى … ضاقت الدنيا بها وهي رحاب والمنى عذرُ الليالي إن جنتْ … وهي للشاكي على الدهر عتاب ونعيمٌ يَعِدُ القلب به … نفسَه حين المقاديرُ حجاب

стр. 4254

ليتها دامت على خدعتهِا … أحسب الخير ويعدوني الحساب ربّما رفّه ظنٌ خاطىءٌ … ولقد يجني على النفس الصواب غير أن اليأس قد أبقى بها … مثلَما يبقي من الشمس الضباب لم يدَعْ لي اليأسُ ما أحيا به … غيرَ قد كنَّا وقد كان الشباب! احمد الزين

стр. 4255

حلم للأستاذ محمود خيرت هذا الجميل هو الذي وصَلَ الهوى … حظِّي به فكُتبْتُ من عُشَّاقِه ولقد شَقِتُ بهجره حتى إذا … بلغ المدى ويئَسْتُ من إشْفاقه نادى علىَّ فلم أُصدِّق مَسمعي … في ليلةِ كَرُمت على مُشتاقه وقد استقلَّ البدرُ عرشَ سمائه … وأطلَّ ضافي الزّهر من أوراقه فطفقْتُ أشرح والدموعُ هواطل … ما جَرَّعَتْ شفتيَّ كأسُ فِراقه وأبثُّهُ عَتْبي علىَ إعراضه … لما وَشَى بي عاذِلي بِنِفَاقه وأخذتُ أرْوِي مِن جِنَي قُبُلَاته … ظَمَئيِ وأُطفئ لوْعتي بِعنِاقه حتى إذا نفخ الصبَّاح ببُوقه … في النائمين وهلَّ من آفاقه أدركتُ أنّي عِند حُلمٍ طائفٍ … لم يَبْقَ مِنهُ غيرُ مُرُّ مَذاقه إِنّي المَلُومُ عرضْتُ قلبي سِلْعَةً … عند الهوى فخَسِرْتُ في أسْوَاقه

стр. 4256

البليارد له أيضاً تمشَّتْ إلى بليارها ذاتَ ليلةٍ … تُعالج في لُطفٍ صوالَجِه لَمسْا ومالَتْ بِنَهْديها عليه فعِندهَا … أرتْني كُرَاتِ العاجِ من فوقه خمسا محمود خيرت

стр. 4257

من الأدب الغربي سانت بوف وفن النقد بقلم علي كامل النقد قبل بوف: كان النقد في القرنين السابع عشر والثامن عشر قائماً على تلخيص أعمال الكتاب وإيراد مقتطفات من كتاباتهم مصحوبة ببعض تعليقات عليها. وكانت هذه التعليقات على تفاهتها وقلة اهتمام النقاد بإيرادها تمثل الفوضى المطلقة. فكان كل ناقد ينظر إلى الكتاب المنقود بمنظار فكره الخاص. فإذا اتفق تفكير الكاتب وتفكير الناقد كان الكتاب ناجحاً في نظر الناقد فيهلل له تهليلاً. وإذا خالفه كان سقوط الكتاب هو المصير الأكيد! كان النقد إذن نظرياً فلم تكن له قواعد يتبعها الناقد في نقده. ولم تكن هناك شروط معينة من المفروض توفرها فيمن يتصدرون لنقد أعمال كبار الكتاب والأدباء، لذا كان ينزل إلى ميدانه كل من ظن في نفسه القدرة على مسك القلم وتسويد بضعة سطور على القرطاس. واستمر الحال هكذا حتى صاح (جرم) قائلاً (إن الأعمال الأدبية العظيمة لا ينبغي أن تدرس بالاطلاع على ملخصاتها بل يجب أن تقرأ جيداً. أما الأعمال الأدبية التافهة فلا تستحق إلا الإهمال المطلق، إن النقد الصادق هو الدراسة والإصلاح. والناقد يجب أن يفهم المؤلف حق الفهم. ويتغلغل إلى أعماق تفكيره لا أن يخضع لفكرة الخاص). على هذا الأساس نشأت بذرة فن النقد الحديث في أوائل القرن التاسع عشر. وكانت أول مظاهره نشوء ما سمي بالنقد التأريخي والفكرة في ذلك أن العمل الأدبي خاضع بالضرورة للحالة الاجتماعية في العصر الذي كتب فيه. فلكي نحكم على الكتاب حكما عادلاً وجب أن نقيم وزناً للظروف التي عاصرته. . . تلك كانت وجهة النظر الجديدة وكان أول من عمل على تطبيقها الأستاذ فليمان فكان النقد في نظره صورة من تأريخ، وقد اتبع طريقته في النقد عند كتابته عن الأدب الفرنسي والآداب الأوروبية كالأدب الإنجليزي والإيطالي والإسباني. ومن أوائل المجددين في النقد سان مارك (١٨٠١ - ١٨٧٣) وقد اشتهر بمحاضراته في السوربون وبكتابه الذي قال عنه معاصره الناقد المجدد (انه كتاب أدبي ولكنه يسمو

стр. 4258

إلى مصاف الكتب الأخلاقية العظيمة). إذن كان فيلمان وسان مارك جيراردن صاحبي الفضل الأول في الخروج بالنقد من فوضاه القديمة، وذلك بمزج النقد بالتاريخ واعتبار الأول صورة مصغرة من الثاني. على أن فضلهما كان أشبه بمناورات طفيفة إذا قورنا بالفاتح الجديد سانت بوف. سانت بوف وأعماله الأدبية كان سانت بوف - مبدأ حياته طبيباً ثم انضم إلى جماعة فكتور هوجو. وفي عام ١٨٢٨ نشر كتابه ثم ارتفع اسمه كشاعر عندما نشر عام ١٨٢٩ مجموعة الشعرية الأولى ثم مجموعته الشعرية الثانية (١٨٣٠) وفي عام ١٨٣٤ نشر قصته عام ١٨٣٧ نشر مجموعته الشعرية الثالثة ' وابتداء من عام ١٨٤٠ تفرغ سانت بوف للنقد الأدبي الذي نبغ فيه بسرعة نبوغاً عجيباً فلم يكن ينافسه فيه منافس. وفي عام ١٨٤٥ انتخب عضواً في الأكاديمي. وفي عام ١٨٥٧ عين أستاذاً في مدرسة النورمال فألقى سلسلة من المحاضرات نشرت فيها بعد بعنوان (دراسات عن فرجيل) ولقد كتب سانت بوف ما يقرب من ثلاثمائة ترجمة أدبية جمعت تحت أسماء مختلفة منها (أحاديث الاثنين) و (صور أدبية) و (صور معاصرة) و (صور من النساء) وغيرها. عبقرية سانت بوف: إذا كان لفيلمان وسان مارك فضل النهوض بالنقد كفن له قواعد وأصول، فان لسانت بوف فضل المجدد الطليق الذي لا يلتفت لحظة إلى الوراء ولا يرعى تقاليد الماضي. فهو الرجل الذي قلب بحق فن النقد في القرن التاسع عشر فلم يبلغ أحد ما بلغة في تطبيق طريقة (النقد التاريخي) ولم يكن هناك من يفوقه فهما لمهمة الناقد الوفي. كان سانت بوف ناقداً بالسليقة إذ كان يجمع كل الصفات التي يجب أن تتوفر في كل من يجرؤ على خوض غمار فن النقد. ذلك الفن الذي يعتبر - إذا استثنينا بلادنا! من اصعب فنون الأدب. وهذه الصفات الضرورية التي كانت من أخص سجايا سانت بوف هي: أولاً: حب الاطلاع. فكان يجد السعادة كلها في دراسة كل أنواع الكتاب - من يحبهم ومن

стр. 4259

لا يحبهم - وقراءة الأعمال الأدبية من جميع العصور. ثانياً: الجلد الذي كان يجعله لا يمل قراءة ابسط التفصيلات والإصغاء لكل كلمة قبل أن يقدم على نقد عمل أدبي. وكانت ابعد الصفات عن طبيعته أن يفر من الصفحات المملة أو أن يكتفي بقراءة الفهرس ودراسة المقدمة كما يفعل الكثيرون! ثالثا: الذكاء الوافر الذي يهئ له القدرة على فهم نفسه والتخلص من سيطرة رأيه الخاص في المؤلف وفي الموضوع الذي يبحثه المؤلف. وكانت عبقرية سانت بوف من هذه الناحية تنحصر في أمرين. الأمر الأول في مهارته في أن يلبس شخصية المؤلف الذي ينقده فيزول بذلك ما قد يوجد بينهما من اختلاف في وجهات النظر ويصبح المؤلف في نظره رجلاً عادياً لا غرابة في أفكاره فينقده في هدوء وصفاء. والأمر الثاني في أن يخلق حول نفسه نفس الجو الذي كتب فيه الكتاب حتى تكون مواضيعه كأنها حقائق واقعة. وعندئذ يقدم على دراسة الكتاب دراسة عميقة ناظراً إليه من كل النواحي مشدداً عليه الخناق. وكان هذا في نظر سانت بوف هو الوسيلة الوحيدة لفهم الكتاب. رابعاً: الليونة في التفكير. كانت لسانت بوف القدرة العجيبة على نقد كتاب ما، ثم الانتقال إلى نقد كتاب آخر على أتم خلاف في الرأي مع الكتاب الأول. خامساً: عاطفة العدل. وهي سجية طبيعية نادرة الوجود لدى الناس. ويقصد بها أن الشخص إذا عهد إليه القضاء في أمر من الأمور فانه يكون أسير عاطفة تجعله لا يقضي إلا بالحق والعدل. وهذا هو السبب في أن جل أحكام سانت بوف على مئات الكتب التي نقدها كانت أحكاماً عادلة سليمة من اللوم رغم تضارب أنواع الكتب واختلاف مذاهب مؤلفيها. استغل سانت بوف هذه المواهب النادرة في علمه كناقد. على انه كان إلى جانب ذلك مبتدعاً لطرق جديدة في النقد لم تكن معروفة من قبل. فادخل على النقد شيئين: أولاً: الصورة ثانيا: الترجمة ولنشر الآن ماذا يقصد سانت بوف بالصورة ثم ماذا يقصد بالترجمة. كان سانت بوف إذا أراد نقد كتاب من الكتب ساءل نفسه: ما هي أخلاق الكاتب؟ وما هي ميوله، وما هي طباعه؟ وكان يلح في الوصول إلى حقيقة هذه الأشياء التي قد يظن البعض

стр. 4260

أن لا علاقة لها بالكتاب المنقود. على أنها كانت في نظر سانت بوف أهم ما يساعد على فهم الكتاب علاوة على فهم المؤلف نفسه. وكانت هذه الفكرة هي الباعثة لسانت بوف على كتابة عشرات الصور لمختلف الكتاب والأدباء. وقد كتب سانت بوف يشرح فكرته في تلك فقال (إنني احب دائماً الرسائل والأحاديث والأفكار وكل الدقائق التي تعين على فهم أخلاق الكاتب. وبكلمة واحدة احب دراسة تراجم كبار الكاتب. ولقد احبس نفسي خمسة عشر يوماً محاطاً بكتب شاعر أو فيلسوف مشهور توفي فأدرسه وأعيد قراءة ما قرأته وأسائل نفسي في هدوء وروية، وعندما انتهي من دراستي أرى أن هذه الدراسة قد أوصلتني في النهاية إلى كشف عوالم خفية فأجد أن ذلك الكاتب الغامض الذي كان في البداية لا يختلف في نظري عن نوعه من الكتاب يضم من السجايا الفنية الخاصة به ما لا يمكن تجاهله ونسيانه). ولقد ظهرت هذه الطريقة الجديدة في النقد التي اتبعها سانت بوف ظهوراً قوياً في مجموعته الشهيرة (صور أدبية) على أن هذا النوع من الدراسة لنفسية الكتاب وأخلاقهم كان يعتبر في نظر سانت بوف سطحياً لا يكفي لكي يكون النقد كاملاً غير منقوص، لذا كان يرى ضرورة التوسع في دراسة الكاتب وإتمام ما كان يعتبره نقصاً بإضافة ما سماه (التاريخ الطبيعي للأفكار) وذلك أن بين (أفكار) الكتاب نواحي من التشابه وأخرى من الاختلاف، فواجب النقد أن يفتش عن هذه النواحي حتى يعثر عليها ويميزها ويبين من خلالها خصائص كل كاتب واوجه التشابه والاختلاف في الأفكار بينه وبين غيره من الكتاب الذين يكونون معه أسرة فكرية واحدة. وقد لجأ سانت بوف لتحقيق ذلك إلى طريقة ما ترجمة حياة الكاتب تحت ضوء الملاحظة الصادقة والتحليل الدقيق وذلك للوصول إلى أغوار فكرة، واكتشاف (الفروق العظيمة الطبيعية) - كما يقول سانت بوف - بين العقول المختلفة. ولقد تضمنت مجموعتاه الخالدتان التراجم الفكرية الفائقة التي تعتبر بما احتوته من الأفكار الغزيرة، والذوق السليم، خير نموذج لفن النقد الحديث. علي كامل

стр. 4261

في الأدب الفرنسي ٧ - الدوق دي لاروشفو - كو للدكتور حسن صادق إننا نعجب باحتقار حطام الدنيا والزهد فيها، ونعد ذلك فضيلة، ولكن لاروشفوكو يقول عنها: (احتقار الثروة كان عند الفلاسفة رغبة مستترة في الانتقام لجداراتهم من الحظ، باحتقار النعم التي حرمهم منها، يدفعون به عن أنفسهم ذل الفقر، كان سبيلاً ملتوية يسلكونها لاكتساب الاعتبار الذي حرمتهم منه رقة العيش) (موعظة رقم ٥٤). ومعنى قوله إن بعض الناس يزهدون في الثروة انتقاماً لجداراتهم من الحظ، وهذا كبرياء. وبعضهم يتخذون هذا الزهد سلاحاً يدفعون به أنفسهم ذل الفقر، وهذا خداع. وبعضهم يتخذونه مجازاً إلى الاعتبار، وهذا طموح؛ أي أن لاروشفوكو يجعل مصدر هذه العاطفة الراقية الكبرياء والخداع والطموح. الاعتدال فضيلة جميلة، ولكن لاروشفوكو يقول عنها: (الاعتدال هو خوف الوقوع في جحيم الحسد واتقاء الازدراء الذي يستحقه من تثمله السعادة، انه تفاخر جديب بقوة العقل، وعلى الجملة اعتدال الناس في أرقى درجات علوهم هو الرغبة في الظهور اكبر من حقيقة مركزهم وثروتهم) (موعظة رقم ١٨) (الاعتدال لا يستطيع أن يتطلع إلى مناجزة الطموح واخضاعه، لأنهما لا يجتمعان مطلقاً. هو فتور النفس وكسلها، كما أن الطموح نشاطها وتوقدها) (موعظة رقم ٢٩٣). (عد الاعتدال فضيلة ليخفف من غلواء الطموح الذي يتملك العظماء، وليتعزى به صغار الناس عن ضآلة ثروتهم وجدارتهم) (موعظة رقم ٣٠٨). فالخوف والغرور والكبرياء والكسل هي جوهرة فضيلة الاعتدال. وهذه الفكرة برهان آخر على أن لاروشفوكو استخلص مواعظه من عصره، لأنها تنطبق على خلق مازاران. كان هذا الوزير يتكلف البشر إذا اختلت مصالحه ليظهر للناس أن المحن لا تروعه، ويتصنع الرزانة إذا كلل النجاح أعماله، ليظهر أن الرفاهية لا تستخفه طرباً. ولكن اعتداله الكاذب لم يخف على أحد معاصريه. أما (فوكيون) الإغريقي - مثلاً - فقد اشتهر بالاعتدال النقي وشهد له به أهل أثينا وأيدت حياته شهادتهم. ولما حكم عليه بشرب السم قال لابنه والكأس في يده: (آمرك وأرجو منك إلا تحمل للاثنين في صدرك غلا أو ضغينة من اجل موتى)

стр. 4262

جلد الحكماء يستدر إعجابنا، ولكنه في اعتقاد لاروشوكو (ليس إلا فن كتمان اضطرابهم في دخيلتهم) (موعظة رقم ٢٠)، أي أن الحكمة ليست شيئاً آخر غير النفاق. ولو قيد لاروشفوكو هذه الفكرة قليلاً ولم يضعها في صيغة عامة لكان اصح. إذ يروي التاريخ أخبار حكماء كان الجلد عندهم غراماً بالفضيلة لا ينال منه خوف أو أمل. ولنضرب مثلاً: سقوط الحكيم الذي جلس في سجنه قبيل إنفاذ حكم الموت فيه يحدث أصحابه عن موضوعات فلسفية هامة، وهو اشد ما يكون هدوءاً واطمئناناً (راجع فيدون لأفلاطون). وكيف نعرف أن الهدوء الظاهر يخفي اضطراباً باطنياً؟ انه في هذه الحالة ينم عن نفسه مهما حاول المضطرب إخفاءه. ومثل هذا الإنسان لا يسمى حكيماً. وإذا لم يبد لنا اثر من آثار الاضطراب، فليس من حقنا الجزم بوجوده. وماذا يقول لاروشفوكو عن فضيلة العدل؟ (حب العدل ليس عند كثرة الناس إلا الخوف من وقوع ظلم عليهم) (موعظة رقم ٧٨). وهو لم يميز العدل الذي يصدر عن إيهام نفساني وما يسمى صرخة الضمير وينتج الأعمال الكريمة، من العدل الذي يصدر عن التفكير والروية وينتج القانون الذي يمنع أعمال الظلم من الوقوع. ثم يقول عن الطيبة: (الإنسان العاجز عن أن يكون شريراً، لا تستحق طيبته المديح، والطيبة في هذه الحالة - أي حالة العجز عن فعل الشر - ليست في الأغلب إلا خمولاً أو ضعف إرادة) (موعظة رقم ٢٣٧). وهذه الفكرة نقد لخلق الملكة ان دوتريش ونذكر عقب الطيبة قوله عن الفضيلة التي تمت إليها بصلة كبيرة، وهي الشفقة: (الشفقة في الأغلب شعور بآلامنا في آلام الغير. إنها تبصر ما هو في عواقب المحن التي قد تصيبنا. إننا نقدم المعونة للغير لنضمن معونته في ظروف مماثلة لظروفه. وهذه الخدمات التي نسديها إليه هي في الواقع معروف نسديه إلى أنفسنا مقدماً) (موعظة رقم ٢٦٤). وهذه الفكرة لا تدعو إلى العجب بعد الذي ذكره عن الشفقة في معرض حديثه عن نفسه. وقولة (في الأغلب) يدل على إيمانه بوجود الشفقة النقية التي تتفجر من القلب وتسبق كل تفكير وتأمل، وتنتج الخير من تلقاء نفسها، وفي بعض الأحايين على الرغم مما تتطلبه المصلحة الذاتية. وهذه العاطفة الزم ما يكون للإنسانية لأنها بلسم البائسين، تربط القوي بالضعيف، والمجدود بالمحدود، ولن يصيبها العفاء مادام على الأرض بشر.

стр. 4263

وتأتي عقب الشفقة فضيلة الشكر على المعروف، فيقول عنها: (شكر الكثرة من الناس إلا رغبة خفية في الحصول على معروف اكبر من الذي حصلوا عليه) (موعظة رقم ٢٩٨). ومن الطيبة والشفقة المتبادلة والشكر تنتج الصداقة: (إننا لا نستطيع أن نحب شيئاً لا تربطنا به اصرة، ولا نتبع غير ذوقنا ولذتنا لما نفضل أصدقاءنا على أنفسنا. وهذا التفضيل فقط هو الذي يجعل الصداقة حقة كاملة) (موعظة رقم ٨١)، أي أننا ننسى مصلحتنا الذاتية في سبيل أصدقائنا ونجد في هذا النسيان لذة. وهو يذكر هذه الكلمة للحط من قيمة هذه العاطفة، ولكنها لذة فيها نبل وبطولة. ولم يلبث أن أنكر وجود الصداقة التي توهب ولا تباع، فقال: (الصلح مع أعدائنا ليس إلا رغبة في إصلاح حالنا، والملل الناشئ من عناء الحرب، والخوف من وقوع حادث سيئ) (موعظة رقم ٨٢). وهذه الفكرة مأتاها الحرب الأهلية التي سبق الكلام عنها. فان لاروشفوكو الذي دفعته مصلحته الذاتية إلى الاشتراك في هذه الحرب، رغب في الصلح بعد أن جرح رأسه وهلك زرعه ودمر قصره، خشية أن تصيبه ملمات أخرى. وكانت الملكة ان دوتريش أثناء هذه الحرب لا تثق بمن يلتفون حولها لأنها لم ترض طموحهم، وتوجس منهم خيفة كما يدل على ذلك قولها: (متمناي أن يبقي الليل في مجثمه أبداً لأني لا أرى في النهار إلا أناساً يدأبون على خيانتي). فالبلاط والثائرون لم يلجأوا إلى الصلح إلا فراراً من الملل الناشئ من عناء الحرب، وخوفاً من وقوع حوادث أليمة، ورغبة في إصلاح حالهم). ثم قال في موضع آخر: (إن ما يسميه الناس صداقة ليس إلا شركة، أو إدارة وتدبير مصالح ذاتية متبادلة، أو تبادل ضروب المعروف. وهي على الجملة ليست إلا تجارة يتطلع حب الذات فيها دائماً إلى شيء يربحه) (موعظة رقم ٨٣). (إننا نقنع أنفسنا في اكثر الأحايين بأننا نحب من هم اكثر منا قوة واشد بأسا. وفي الحق أن المنفعة هي فقط التي تنتج صداقتنا؛ ونمنحهم هذه الصداقة ابتغاء خير نروم الحصول عليه منهم، لا في سبيل خير نريد أن نهديه إليهم) (موعظة رقم ٨٥). تتمه البحث في العدد القادم حسن صادق

стр. 4264

العلوم ما هو الزمن؟ للدكتور عبد الله صبري كثرت المناقشات في الأيام الأخيرة بين العلماء والمفكرين في موضوع الزمن حتى سرى الاهتمام بهذا الموضوع إلى عامة الجمهور مما دعاني إلى ذكر بعض الحقائق والملاحظات التي اسردها هنا مقتبسة من المصادر العلمية الصحيحة. لا شك أن كلامنا يعرف الوحدات العادية للزمن. ولا أظننا ناسين انه يجب علينا أن نستيقظ غداً في ساعة معينة من الصباح (مع الأسف!). وبالرغم من كراهيتنا للمنبه فنحن مضطرون لطاعته - ليس منا من يتجاهل سلطة الزمن، ذلك السيف الجبار الذي إذا لم تقطعه قطعك، وليس منا من يتجاهل أحقيته ووجوده ودقته وتأثيره في أعمالنا اليومية. غير أننا بالرغم من اعترافنا به لهذا الحد قد نقع في الحيرة عندما يطلب إلينا تعريفه أو ذكر كنهه فبالرغم من وجود الأجهزة الدقيقة التي تبين لنا مقادير الزمن، كثيراً ما نشعر في أنفسنا باختلاف تقدير هذه الأجهزة في أحوالنا النفسية المختلفة. فكثيراً ما نشعر بطول الوقت وبطء مروره عندما نكون في انتظار صديق في موعد، وعلى العكس نشعر بسرعة مروره عندما نكون سعداء أو منهمكين في عمل هام. فهل خاننا إحساسنا الزمني في هذا الشعور؟ أم هل خانتنا الأجهزة التي تبين لنا الزمن؟ وعلى أي قياس ينبغي لنا أن نعتبر الزمن؟ أبأنفسنا أم بالساعات؟ إذا رضينا بالساعات مقاييس حقيقية للزمن، فكيف يمكننا أن نتلاعب بها إلى الحد الذي نقدمها ونؤخرها فيه حسب أرادتنا كما جرت العادة في أوروبا عند اعتبار الزمن الصيفي الذي تقدم فيه الساعات ساعة زمانية في أبريل من كل عام؟ وكيف يمكننا أن نتلاعب بالتقاويم السنوية فنضبطها ونغيرها حسب الإرادة من غير أن يؤثر ذلك كله في العالم. أن حكاية تعديل التقويم السنوي في أوائل القرن السادس عشر حكاية معروفة. إذ اتضح في ذلك الوقت أن التقويم الجريجوري قد اخطأ في مدة أحد عشر يوماً، وقررت الحكومات حينئذ تقديم التاريخ بمقدار هذا الزمن، وبذلك حدث هياج كبير في الرأي العام، واعتقد

стр. 4265

الناس أن الحكومة قد استقطعت من حياتهم هذه المدة لغير ما سبب، وتظاهروا صائحين: أعطونا الأيام التي اتخذتموها من عمرنا، ألا يكفيكم أن تسلبوا منا نقودنا فتسلبوا منا أيامنا كذلك؟ وفي الحقيقة أن تعيين وحدة حقيقة ثابتة للزمن من الأمور العسيرة. فقد ثبت لعلماء الفلك أن المدة اللازمة لدوران الأرض حول الشمس تزداد عاماً بعد عام، أي أن السنة الزمنية ليست ثابتة إذ كانت أطول في الزمن الغابر منها في الزمن الحاضر بمقدار محسوس. فهناك اتجاه حديث لاعتبار سرعة تحلل عنصر الراديوم مبدأ لتقدير الزمن إذ ثبت أن الراديوم في تحوله إلى الرصاص يستغرق أزمنة متساوية تماماً. غير أن هذه الوحدة الزمنية سواء اعتبرت من الجهة الفلكية لدوران الأرض حول الشمس أو من الجهة الطبيعية لسرعة تحلل الراديوم فإنها في النهاية متوقفة على إدراك الإنسان وتابعة لاحساسه، وقد تكون هي في ذاتها خدعة عقلية. وهذا مما جعل كثيراً من المفكرين يتساءلون إذا كان في أجسامنا جهاز طبيعي لتقدير الزمن؟ ومن التجارب التي تدل على احتمال وجود ساعات حيوية في أجسامنا إمكاننا الاستيقاظ مثلاً في ساعة معينة من الصباح بمجرد حصر ذهننا في ذلك قبل النوم. وهنالك كثير من الناس الذين يمكنهم الحصول على هذه النتيجة بغاية الدقة. وهنالك تجربة مشهورة أخرى أجريت مراراً عديدة بحضور الشهود وهي بان ينوم شخص تنويماً مغناطيسياً، ويؤمر أثناء نومه بان يكتب كلمة (الزمن) بعد استيقاظه بعد تمام مليون ثانية تماماً (أي بعد حوالي عشرة أيام). وفعلاً يحدث. فمهما كانت ظروف المنوم في حياته العادية بعد هذه المدة فانه في تمام الثانية المليون تماماً يأخذ قلمه ويكتب الكلمة المطلوبة. وبديهي أن المنوم لا يتذكر شيئاً بعد استيقاظه مما قيل له أثناء تنويمه. ويميل كثير من المفكرين على ضوء هذه التجربة ومثيلاتها أن يعتقدوا بوجود هذا الجهاز الحيوي الذي يعد الزمن في أجسامنا. وقد اكتشف أخيراً تيار كهربائي منتظم يمر في الجسم في كل من لحظات الحياة سواء أكان الإنسان نائماً أم مستيقظاَ ومهما كانت حالته العصبية أو الصحية مستمراً إلى لحظة الموت. فمن الجائز أن يكون هذا التيار هو الذي يعد الثواني والزمن الذي يمر ونحن أحياء. ومن البديهي انه لا يمكن اعتبار دقات القلب مقياساً للزمن

стр. 4266

إذ أن هذه الدقات يتغير عددها وانتظامها بين آن وآخر تبعاً لظروف الإنسان وحالته العصبية. غير أن احتمال وجوده هذا الجهاز الحيوي الذي يقيس الزمن في أجسامنا لا يفسر لنا كنه كثير من التجارب الشخصية التي تحدث لكل واحد منا بين آن واخر، الا وهي معرفة بعض حوادث المستقبل قبل وقوعها. فكلما شعر أن كثير من أحلامنا تصور لنا صوراً جلية واضحة من المستقبل. وقد أجريت عدة تجارب علمية لإثبات ذلك واتضح منها صحة هذه النظرية، ويظهر أن الاعتقاد بإمكان رؤية المستقبل قد صادف ميلاً كبيراً عند كثير من المفكرين والمؤلفين وعند الجمهور في الأيام الأخيرة. فهناك كثير من الروايات التي تكتب على هذا الأساس وهناك الكثير من المؤلفات العلمية التي تبحث في هذا الموضوع الغريب. فمن اشهر ما كتب حديثاً عن ذلك كتاب (تجربة عن الزمن) تأليف الكاتب الإنجليزي ج. و. دن وهذا الكتاب يفسر تجارب المؤلف الشخصية في إمكان رؤية المستقبل، ويوضح ذلك بنظرية المتواليات الزمنية. وهناك كذلك كتاب المفكر الإنجليزي المعروف هـ. ج ولز عن كنه المستقبل وهو يعطى في هذا الكتاب تاريخ العالم في المستقبل القريب لا كخيال يتوهمه، بل كحقيقة واقعية رآها صديق له عند قراءته لكتاب حقيقي للتاريخ مكتوب في سنه مقبلة والعلم الحديث لا ينكر رؤية المستقبل. إذ لو أننا تصورنا إمكان وجودنا في طيارة سائرة بسرعة اكبر من سرعة الضوء لما أيمكننا أن نرى أو ندرك شياً من العالم الزمني الموجود، بل إننا نصبح خارج نفوذ الزمن ونصبح أبديين. وهذا مما يقرب إلى العقل البشري إمكان خروج المادة والإنسان عن نفوذ الزمن وتقديره، ويمكن الإنسان من تصور رؤية المستقبل كحقيقة واقعية تحدث عند خروج الفكر وقتياً عن دائرة الزمن ويميل بعض المفكرين إلى تفسير رؤية المستقبل بافتراض طبقتين للعقل الإنساني - الطبقة الأولى وهي التي نحس بها بالمقاييس الثلاثة المعروفة والتي نستعملها في حياتنا اليومية، وهي التي تشعرنا بمرور الزمن. والطبقة الثانية وهي التي نحس بها بالمقياس الرابع (وهي نتيجة نظرية اينشتين المعروفة التي ينسب فيها الزمن للمسافة) والتي تعطينا في بعض الأوقات قوة على إدراك المستقبل إذ تخرجنا وقتياً عن نفوذ الزمن وتجعلنا جزءا

стр. 4267

من الأبدية اللازمنية. ومهما كان مقدار الصحة في هذه الافتراضات والنظريات، فليس هناك من شك في أن هذه المعضلة الغريبة المبهمة، ألا وهي الزمن ستكون بيت القصيد في كثير من الأبحاث العلمية والاكتشافات التي قد يتم بها تغيير جوهري في تفكير البشر في المستقبل القريب والتي قد توصلنا إلى بداية الطريق الطويل الذي أراد الله أن يصل البشر في نهايته إلى الحق المطلق. عبد الله صبري دكتور في الهندسة من جامعة كامبردج

стр. 4268

إسحاق نيوتن ١٦٤٢ - ١٧٢٧ (من فاق جميع الرجال في النبوغ)؟ بقلم مصطفى محمود حافظ العالم قبل نيوتن: قد يبدو أن في دراسة حالة العالم العلمية كما وجدها نيوتن، وذكر الحقائق التي كانت معروفة ومتراكمة من قبله، والتي درسها نيوتن فاخرج منها للعالم تلك القوانين التي رفعته إلى الذروة، قد يبدو أن في ذلك غضاً من عبقريته. ولكن ذلك غير حقيقي، فالرجل الذي تمكن أن ينتزع من الرءوس الأفكار التي كانت تجول فيها حيرى لا تدري سبيلاً إلى الظهور، يستحق كل ما أعطي من شرف حتى ولو جاء مبالغاً من أبناء جلدته الذين يجعلون منه اكبر مفكر ظهر على الأرض. كانت أوربا قد أخذت تتحرر في أوائل القرن السابع عشر من الجمود العلمي الذي لازمها في العصور الوسطى، والذي كان سببه الأعظم محاربة رجال الكنيسة لكل فكرة علمية فيها مخالفة لتعاليمهم الدينية، وكذلك اقتصار المتعلمين على البحث الكلاسيكي ودراسة كتب الأقدمين الفلسفية دون الاستعانة بالملاحظة والتجربة. فكان العالم قد بدا ينبذ (نظرية بطليموس) في تركيب الكون، وهي التي كانت تقول بان الأرض وهي مهبط ارقي المخلوقات (الإنسان المفكر) يجب أن تكون مركز الكون، تدور حولها الشمس والكواكب والنجوم، ويرحب بنظرية (كويرنيج) التي تقول بان الأرض كرة تدور حول نفسها فيحدث الليل والنهار، وتدور حول الشمس مع الكواكب فيحدث اختلاف الفصول. وكان الخطأ الذي وقع فيه (كويرنيج) من اعتباره مدارات الكواكب حول الشمس دوائر قد أصلحه (تيخوبراه) و (كبلر)، الأول بما سجله من مشاهدات والثاني بما استنتجه رياضياً من هذه المشاهدات. فوصلا إلى معرفة أن مدار الكوكب حول الشمس قطع ناقص والشمس في إحدى بؤرتيه. وجاء جاليليو وتمكن بمنظاره من تأييد فكرة النظام الشمسي الجديد برؤية مثل هذا النظام في الكون في المشتري وأقماره. وكذلك عرف معنى القصور الذاتي، ووضع أساس علم

стр. 4269

الديناميكا بتوصله إلى قوانين الحركة التي تنسب خطأ إلى نيوتن. وبذلك يكون نيوتن قد ولد وكيفية تحرك الآجام على الأرض وتحرك الكواكب حول الشمس قد عرفت، ولكن السبب في ذلك لم يصل إليه غيره. ولقد حاولوا قديماً معرفة ذلك السبب ولكن كل ما وصلوا إليه هو انه إذا اختارت الأجرام السماوية أن يتحرك بعضها حول بعض بنظام خاص فهذا من شأنها لا من شأن الإنسان ساكن أحد هذه الأجرام. تلك كانت حالة علم الفلك بغض النظر عن خزعبلات ما كان يسمى (علم) التنجيم. أما في الرياضة فقد كانت كتب إقليدس في الهندسة وأرشميدس في الرياضيات معروفة من زمن بعيد. والجبر كان يشارك الهندسة في قدمها إلا انه كان معقداً ليس بالسهولة التي نعرفها عنه الآن. والحساب كان مهمة شاقة، حتى أن مستر صمويل بييس الذي صار فيما بعد رئيساً للجمعية الملكية بلندن يقول في يومياته انه كان بعد أن نال درجته من جامعة كامبردج يسلي نفسه كل مساء يحفظ جدول الضرب! أما حساب اللوغريتمات فكان نابيير قد اخترعه في سنة ١٦١٧ وفي الكيمياء كان العلماء لا يزالون في بحثهم وراء حجر الفلاسفة، وتحويل المعادن الخسيسة إلى أخرى ثمينة، ولو أن بعض العناية كانت قد اتجهت إلى استخدام الكيمياء في صنع الأدوية. ولكن حال هذا العلم لم يصلح إلا بعد أن اثبت نيوتن أن العالم مساق بقانون طبيعي عام، فاتجهت العناية إلى إيجاد القوانين إلى تحكم العالم المادي والتغيرات إلى تطرأ عليه، حتى امسك دالتون بطرف الخيط في سنة ١٨٠٨ فوضع مبادئ النظرية الذرية. أما في البصريات فقد كان قانونا الانعكاس معروفين لدى العالم العربي الحسن بن الهيثم في أوائل القرن الحادي عشر وكذلك تركيب العين وكيفية رؤيتها للأجسام. وقد ذكرنا أن جاليلو كان قد اخترع التلسكوب، وفي نفس الوقت تقريباً اخترع صانع نظارات يدعى (زكريا يوانيدس) الميكرسكوب. وقبيل زمن نيوتن توصل (سنل) إلى معرفة قانوني الانكسار، ولو أن الذي وضعهما في صيغتهما المعروفة الآن هو (ديكارت). تلك فكرة موجزة عن حالة العلوم التي اشتغل فيها نيوتن وكان موفقاً كل التوفيق. طفولة وأيام المدرسة في جرانتام: في يناير سنة ١٦٤٢ وف ي مزرعة صغيرة تدعى (وولثورب) جنوب (جرانتام) ابصر

стр. 4270

إسحاق نيوتن الدنيا بعد أن كان إسحاق نيوتن الأب قد اغمض عينيه إلى الأبد. ولا يعرف شيء عن سنواته الثلاث الأولى التي تزوجت بعدها أمه فنزحت مع زوجها إلى مقر عمله تاركة نيوتن في كفالة جدته من أمه، وأرسلته إلى مدرسة القرية الصغرى لينال من التعليم ما كان يضن أن فيه الكفاية لذلك العقل الصغير الذي خلق ليكون جباراً ولكن خاله رأس قبساً من عبقريته فكان سبباً في إرساله إلى مدرسة الملك في (جرانتام)، تلك المدرسة التي رأت بزوغ نجم من المع النجوم في العلوم، والتي لا تزال تحتفظ حتى اليوم على خشب إحدى نوافذها باسم (أ. نيوتن) محفوراً فيه. كان في أول أمره خجولاً غبيا بعض الشيء يناله من زملائه الشيء الكثير من الاستهزاء الذي ازداد حتى وصل إلى أن ركله زميل ضخم الجثة في فناء المدرسة. عند ذلك انفجر ما كان كامناً فيه من عبقريته، لأنه لم يكتف بان ثأر لنفسه من هذا الزميل الضخم بان تغلب عليه جثمانياً وجعله يدلك انفه في حائط المدرسة، بل كان عليه أن يفوقه في الشئون المدرسية لأنه كان يفوق نيوتن في ذلك. وقد نال ما ابتغى واصبح (أول) المدرسة التي كانت تتكون من فصل واحد فيه عدة مجاميع، واحتفظ بذلك اللقب حتى غادرها كان نيوتن مغرماً في طفولته بصنع الألعاب والآلات الصغيرة ليعرضها على صديقاته الصغيرات، وكانت أحبهن إليه كما يقول سير. ج. ج. تومسن (مس ستوري) التي ظلت حبيبته الوحيدة، والتي لم يتزوجها لأنه لم يتزوج. فكان يصنع الطيارات من الورق ويضع فيها شمعاً موقداً فيضنها الفلاحون البسطاء مذنبات. وكان ماهراً في عمل المزاول والساعات المائية، وقد أدار طاحونه هوائية بأن حبس بعض الفيرات في صندوق وجعلها في حركة دائمة، وكان ينتهز هبوب العاصفة ليقفز في الهواء مرة مع الريح وأخرى ضده ليقدر سرعته. ولما بلغ الرابعة عشر من عمره رجع مكرهاً من المدرسة في (جرانتام) إلى المزرعة الصغيرة في وولثورب) ليساعد أمه التي رجعت إليها بعد وفاة زوجها مع ولد وابنتين كانا ثمرة هذا الزواج الثاني. ولكنه لم يلبث بمعونة خاله أن رجع إلى (جرانتام) في السادسة عشرة وظل ثلاث سنوات يعمل استعداداً للذهاب إلى (كامبردج) مكافحاً الفقر الذي ظل ملازماً له زمناً طويلاً.

стр. 4271

دراسة في كامبردج غادر نيوتن جرانتام في يونيو سنة ١٦٦١ وهو في التاسعة عشر إلى كامبردج وهناك التحق بكلية (ترنتي) كطالب خادم يقوم بتقديم الطعام لزملائه في نظير أكله بدون أجر. ولا يعلم إلا القليل عن سنواته الأولى في كامبردج، ومن ذلك انه اعفي من حضور محاضرات المنطق لأنه كان يعرف منه قدر ما يعلم أستاذه، وانه درس بنفسه كتاب البصريات لكبلر قبيل إلقاء محاضرات هذا الموضوع حتى دهش أستاذه من مقدار تمكنه من هذا الموضوع، وقد لازمه هذا الميل إلى البصريات طوال حياته. وقد كان يتتلمذ لأستاذ هو أحد أعلام عصره في الرياضيات يدعى (إسحاق بارو) وقد عرف القدرة الرياضية الكامنة في تلميذه فشجعه على التقدم فقرأ كل الكتب الرياضية، إلا انه كان دائماً ضعيفاً في الهندسة، حتى انه ممتحنيه عابوا عليه هذا الضعف في أحد امتحاناته. وقد نال درجته الجامعية في ١٦٦٤ وغادر كامبردج إلى مزرعته قبل أن يصل إليها الطاعون التاريخي المشهور الذي سبب ترحيل كل طالب إلى بلدته. وقد قضى نيوتن في المزرعة مكرها سنتين كاملتين كان فيهما بعيداً عن مكتبة الجامعة وأجهزتها ولكنه استعاض عن ذلك بما كان قد حفظ من معلومات في ذلك العقل الراجح الذي اخرج للعالم في هاتين السنتين أربعة اكتشافات كل منها يكفي للتخليد لو انه صدر من شخص غير نيوتن. اكتشافاته الرياضية الأولى النظرية ذات الحدين: ظهرت عبقرية نيوتن عند أول ظهورها في الرياضيات مع أن لم تبد عليه وهو في كامبردج علائم هذا النبوغ، وقد كان أول إنتاج رياضي له هو اكتشافه (نظرية ذات الجدين) وهي النظرية التي نتمكن بواسطتها بدون إجراء عملية ضرب من إيجاد حاصل ضرب مقدار على صوره (س + ص) في نفسه أي عدد من المرات، أو بمعنى رياضي آخر إيجاد ناتج رفع هذا المقدار إلى أي أس وترتيب حاصل الضرب في شكل منتظم سهل. قد يكون هذا الاكتشاف طبيعياً مع شخص له نباهة نيوتن الرياضية ودقة ملاحظته، ولكن

стр. 4272

اكتشاف الرياضي الآخر كان نتيجة حبه للظواهر الطبيعية وميله لفهم دقائقها وحل معضلاتها. حساب التفاضل والتكامل: كان ارشميدس واقليدس قد حاولا أن يقدرا بالضبط مساحات الأشكال المحاطة بخطوط منحنية ولكنهما لم يفلحا، وجاء بعدهما كبلر وجاليلو واشتدت بهما الحاجة إلى ذلك لتطبيق قانون كبلر الثاني في حركة الكواكب وهو القائل (إن المستقيم الواصل بين الكوكب والشمس يمسح في الفضاء مساحات متساوية في أزمنة متساوية) فنالهما من الفشل ما نال ارشميدس واقليدس. فجاء ذلك الشاب الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وحل ما عجز عنه هؤلاء، وذلك باكتشافه نوعاً آخر من الرياضة هو حساب التفاضل وحساب التكامل. فإذا أعطينا معادلة رياضية تشمل مقدارين أحدهما يتغير بالنسبة لتغير الثاني، وذلك كتغير المسافة التي يقطعها قطار بتغير الزمن فان حساب التفاضل يمكننا من معرفة معدل تغير المسافة المقطوعة بالنسبة إلى الزمن في أية لحظة كانت، أي معرفة سرعة القطار في أي لحظة. أما حساب التكامل فهو الذي تمكن به نيوتن من إيجاد مساحات الأشكال المحدودة بمنحن أو اكثر وذلك بتقسيمها إلى أشكال متناهية في الصغر، ثم إيجاد مجموع مساحتها في حدود معينة وهو ما يمكن الفلكيين الآن من معرفة وقت حدوث الخسوف والكسوف بتلك الدقة التي تذهلنا أحياناً. قانون الجذب العام: والآن جاء دور ذلك الاكتشاف الهائل الذي تضمحل بجواره دائماً اكتشافاته الأخرى على خطورتها. ذلك القانون الذي غير نظر الإنسان إلى الكون. كان كبلر قد عرف قوانين حركات الكواكب حول الشمس ولكنه لم ير علاقة بين حركات الكواكب وحركة الأجسام التي تسقط على الأرض. وجاء جاليلو فدرس قوانين سقوط الأجسام بالتفصيل وعرف أن الأجسام تقصر قصوراً ذاتياً عن أن تغير حالتها من السكون

стр. 4273

إلى الحركة المستقيمة. ثم جاء نيوتن فرأى من خلال ذلك اخطر قانون انقلابي وصل إليه الإنسان. لقد ربط بين قوانين كبلر الفلكية وقوانين جاليلو الديناميكية فكشف عن النظام الكوني العام في قانون الجذب العام. فانه كما يريدنا فولتير أن نعتقد، كان جالساً في حديقته بعد عناء صرفه في حل مشكلة رياضية أو صقل عدسة زجاجية عند ما رأى تفاحة تسقط من أعلى الشجرة. فسأل نفسه ذلك السؤال القديم الذي لم يكن قد أجاب عنه أحد، سال نفسه عن علة سقوط التفاحة. وهنا كان قد قدر لتفسير الحركة الكونية إلا أن تظل لغزا فاشتغل بها عقل ذلك الشاب الصغير. لقد ذهب عقله إلى ما هو ابعد من التفاحة وسقوطها. هي تسقط لان الأرض تؤثر فيها وهي بعيدة عنها في أعلى الشجرة، فماذا يحدث أن هي ارتفعت إلى ما هو ابعد من ذلك؟ لقد رآها نيوتن بعيني عقله لا تزال تميل إلى السقوط على الأرض، ولكن بقوة تصور أنها تتناقص تبعاً لقانون التربيعي العكسي. حتى إذا ما وصل بتفاحته إلى القمر تركها ليأخذ القمر، فرآه لابد وان يكون متأثرا هو الآخر بقوة الأرض، إذن لا يمكن أن تكون حركة القمر حول الأرض، وتقيده بهذه الحركة وعدم انطلاقه في خط مستقيم على حسب قانون القصور الذاتي، ألا يمكن أن يكون ذلك راجعاً إلى تأثره بنفس القوة التي تؤثر بها الأرض على التفاحة؟ كان في هذا الإلهام بدء ظهور القانون العام الذي يحكم حركة الماديات في الكون، فانطلق نيوتن يستعين بالرياضة على تحقيق ما وصل إليه فكان في الحاجة إلى معرفة نصف قطر الكرة الأرضية حتى يقارنه ببعد القمر عن مركز الأرض، وهنا شاء القدر ألا يظهر هذا القانون في سنة ١٦٦١ بل بعدها بستة عشر عاماً فخانت نيوتن ذاكرته في تذكر نصف قطر الأرض فاعتبره ٣٤٤٠ ميلاً وهو ٣٩٦٠ ميلاً، ولم يتمكن من التحقق من صدق ذاكرته لانزوائه في مزرعته وبعده عن كامبردج ومكتبتها ومراجعها فكان ما وصل إليه رياضياً لا يتفق مع المشاهدات العملية. عند ذلك شعر بالخيبة في ذلك الأمل البراق الذي كان يراه، وهو الوصول إلى قانون طبيعي عام، فذهب يبغي التسلية في تجاربه العملية الضوئية حيث قدر له أن يصل إلى اكتشاف لا يقل في خطورته عن قانون الجذب العام، ولكنه هذه المرة وان كان قد أتم اكتشافه فانه أخفاه عن العالم لمخالفته الآراء المأخوذ بها

стр. 4274

في وقته. كشفه عن طبيعة الضوء الأبيض: عندما وجه جاليليو أول تلسكوب صنعه إلى السماء ألهاه ما شاهده من عجائب غير منتظرة عن آن يعنى بكون الصورة ممسوخة أو أن ضوءها مشوه، وهو ما نلاحظه في المناظير غير الدقيقة الصنع من تعدد الألوان. ولكنه حاول بعد قليل أن يعرف سبب هذا التشوه وطريقة تلافيه، وكان المظنون أن السبب في ذلك راجع كله إلى ظاهرة (الزيغ الكري)، وهي أن الأشعة الآتية من الجسم البعيد عند مرورها في عدسة التلسكوب تنكمش ولكن لا تتجمع كلها في البؤرة. وقد دفع نيوتن حبه للسماء إلى محاولة معرفة سبب هذا التشوه اللوني للصور فقاده ذلك إلى معرفة أن ضوء الشمس الأبيض يتركب في الواقع من عدة ألوان تبتدئ بالأحمر وتنتهي بالبنفسجي وهي ما تسمى بألوان الطيف، وذلك بان أمر الضوء الأبيض في منشور ثلاثي من الزجاج. وبذلك إن عيب التلسكوب ذي العدسة راجع إلى تفرق الضوء الأبيض الذي يمر في العدسة فيسبب ما يسمى (بالزيغ اللوني). لذلك حاول أن يصنع تلسكوباً آخر لا يستخدم فيه عدسة لامة للاشعة، بل يستخدم مرآة مقعرة تلم الأشعة أيضاً، وقد نجح في ذلك، ولا يزال أحد تلسكوباته محفوظاً في الجمعية الملكية بلندن. وتستخدم الآن المرآة المقعرة بدلاً من العدسات في صنع اكبر تلسكوبات العالم. فتلسكوب مرصد (مونت ويلسون) له مرآة يبلغ قطرها ١٠٠ بوصة ويصنع الآن تلسكوب آخر قطر مرآته ٢٠٠ بوصة. انقضت سنتا العزلة الإجبارية وبلغ نيوتن الخامسة والعشرين وحان له أن يعود ممتلئ الرأس بكل الآراء الخطيرة التي وصل إليها إلى كامبردج حيث الكتب المحبوبة والأجهزة المطلوبة لإجراء التجارب، وسنتركه الآن لنتم تاريخ حياته في مقال قادم مصطفى محمود حافظ

стр. 4275

الخبز الأسود لأناتول فرانس ترجمة حبيب المعوشي كان في مدينة فلورانسا العظيمة بتقادم عهدها، الخالدة بنفيس متاحفها، رجل وافر الثراء يقال له نقولا نزلي، وكان إذا طلعت الشمس يتزوى في مخدعه، ويلبث سحابة نهاره جالساً إلى مكتبه يخط في دفاتره أرقاماً وينقل أخرى. وكان عاهل البلاد وبابا الكثلكة مدينين له بمبالغ باهظة، ولم يكن يعامل المراوغين والمكرة وخافري الذمم محاذرة منهم، ومخافة أن يقع في حبائلهم ويعرض أمواله للضياع. وكان من اجل هذا يقظاً حذراً، وقد جمع أموالاً وافرة، وجرد مدينيه الكثيرين من أملاكهم ومتاعهم ومقتنياتهم. وكان أهالي فلورانسا يجلونه ويخصونه بالاحترام من اجل ثرائه، وكان يقطن قصراً له لا يدخله النور إلا من كوى ضيقة مستديرة، لان الحرص والحرس يحدوان الأغنياء إلى تحصين دورهم وإيصاد أبوابها ليصونوا ما حشدوه فيها من أموال وكنوز وحلي، جمعوها بالإفك والمخاتلة والخداع. ومن اجل هذا أيضاً كان قصر نقولا نزلي محاطاً بالأسوار العالية المنيعة والسلاسل الحديدية الصلبة الثقيلة. وكان قد استقدم امهر الفنانين وأحذقهم، فرسموا على جدران القصر الداخلية صور فتيات فاتنات، يرمزن إلى أسنى الفضائل واسماها، وصور أحبار إسرائيل وأنبيائه وملوكه. وكان معلقاً على جدران بعض الغرف كثير من النسائج الموشاة بفتوحات الإسكندر وتربستيان ووقائع حروبهما العظيمة كما هي متناقلة بالتواتر ومدونة في بطون التواريخ. وكان يطيب لنقولا نزلي هذا أن يظهر سواطع ثروته بما كان يأتيه من أعمال الخير: فأنشأ على نفقته خارج أسوار المدينة مستشفى نقشت على أفاريزه رسوم ترمز إلى امجد أعمال حياته. وقد علق الفلورانسيون رسمه في محراب المعبد الجديد المشيد على اسم العذراء مريم، عرفاناً بجميله، وتخليداً لذكرى مبالغ وافرة تبرع بها لإتمام بناء هذا المعبد. وقد مثل في هذا الرسم مضموم اليدين جاثياً على قدمي العذراء. وكان يدل عليه في صورته هذه وجهه الشاحب الكالح، وعيناه الحادتان، وقبعته الحمراء، ودثار مفري اعتاد الظهور به في المجتمعات. وكان رسم زوجه (منى يسمانتونا) معلقاً في المحراب أيضاً في الجهة المقابلة،
следующие страницы →