Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
دراسة في كامبردج
غادر نيوتن جرانتام في يونيو سنة ١٦٦١ وهو في التاسعة عشر إلى كامبردج وهناك التحق بكلية (ترنتي) كطالب خادم يقوم بتقديم الطعام لزملائه في نظير أكله بدون أجر. ولا يعلم إلا القليل عن سنواته الأولى في كامبردج، ومن ذلك انه اعفي من حضور محاضرات المنطق لأنه كان يعرف منه قدر ما يعلم أستاذه، وانه درس بنفسه كتاب البصريات لكبلر قبيل إلقاء محاضرات هذا الموضوع حتى دهش أستاذه من مقدار تمكنه من هذا الموضوع، وقد لازمه هذا الميل إلى البصريات طوال حياته. وقد كان يتتلمذ لأستاذ هو أحد أعلام عصره في الرياضيات يدعى (إسحاق بارو) وقد عرف القدرة الرياضية الكامنة في تلميذه فشجعه على التقدم فقرأ كل الكتب الرياضية، إلا انه كان دائماً ضعيفاً في الهندسة، حتى انه ممتحنيه عابوا عليه هذا الضعف في أحد امتحاناته. وقد نال درجته الجامعية في ١٦٦٤ وغادر كامبردج إلى مزرعته قبل أن يصل إليها الطاعون التاريخي المشهور الذي سبب ترحيل كل طالب إلى بلدته.
وقد قضى نيوتن في المزرعة مكرها سنتين كاملتين كان فيهما بعيداً عن مكتبة الجامعة وأجهزتها ولكنه استعاض عن ذلك بما كان قد حفظ من معلومات في ذلك العقل الراجح الذي اخرج للعالم في هاتين السنتين أربعة اكتشافات كل منها يكفي للتخليد لو انه صدر من شخص غير نيوتن.
اكتشافاته الرياضية الأولى
النظرية ذات الحدين: ظهرت عبقرية نيوتن عند أول ظهورها في الرياضيات مع أن لم تبد عليه وهو في كامبردج علائم هذا النبوغ، وقد كان أول إنتاج رياضي له هو اكتشافه (نظرية ذات الجدين) وهي النظرية التي نتمكن بواسطتها بدون إجراء عملية ضرب من إيجاد حاصل ضرب مقدار على صوره (س + ص) في نفسه أي عدد من المرات، أو بمعنى رياضي آخر إيجاد ناتج رفع هذا المقدار إلى أي أس وترتيب حاصل الضرب في شكل منتظم سهل.
قد يكون هذا الاكتشاف طبيعياً مع شخص له نباهة نيوتن الرياضية ودقة ملاحظته، ولكن
стр. 4272
اكتشاف الرياضي الآخر كان نتيجة حبه للظواهر الطبيعية وميله لفهم دقائقها وحل معضلاتها.
حساب التفاضل والتكامل:
كان ارشميدس واقليدس قد حاولا أن يقدرا بالضبط مساحات الأشكال المحاطة بخطوط منحنية ولكنهما لم يفلحا، وجاء بعدهما كبلر وجاليلو واشتدت بهما الحاجة إلى ذلك لتطبيق قانون كبلر الثاني في حركة الكواكب وهو القائل (إن المستقيم الواصل بين الكوكب والشمس يمسح في الفضاء مساحات متساوية في أزمنة متساوية) فنالهما من الفشل ما نال ارشميدس واقليدس. فجاء ذلك الشاب الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وحل ما عجز عنه هؤلاء، وذلك باكتشافه نوعاً آخر من الرياضة هو حساب التفاضل وحساب التكامل.
فإذا أعطينا معادلة رياضية تشمل مقدارين أحدهما يتغير بالنسبة لتغير الثاني، وذلك كتغير المسافة التي يقطعها قطار بتغير الزمن فان حساب التفاضل يمكننا من معرفة معدل تغير المسافة المقطوعة بالنسبة إلى الزمن في أية لحظة كانت، أي معرفة سرعة القطار في أي لحظة.
أما حساب التكامل فهو الذي تمكن به نيوتن من إيجاد مساحات الأشكال المحدودة بمنحن أو اكثر وذلك بتقسيمها إلى أشكال متناهية في الصغر، ثم إيجاد مجموع مساحتها في حدود معينة وهو ما يمكن الفلكيين الآن من معرفة وقت حدوث الخسوف والكسوف بتلك الدقة التي تذهلنا أحياناً.
قانون الجذب العام:
والآن جاء دور ذلك الاكتشاف الهائل الذي تضمحل بجواره دائماً اكتشافاته الأخرى على خطورتها. ذلك القانون الذي غير نظر الإنسان إلى الكون.
كان كبلر قد عرف قوانين حركات الكواكب حول الشمس ولكنه لم ير علاقة بين حركات الكواكب وحركة الأجسام التي تسقط على الأرض. وجاء جاليلو فدرس قوانين سقوط الأجسام بالتفصيل وعرف أن الأجسام تقصر قصوراً ذاتياً عن أن تغير حالتها من السكون
стр. 4273
إلى الحركة المستقيمة. ثم جاء نيوتن فرأى من خلال ذلك اخطر قانون انقلابي وصل إليه الإنسان. لقد ربط بين قوانين كبلر الفلكية وقوانين جاليلو الديناميكية فكشف عن النظام الكوني العام في قانون الجذب العام.
فانه كما يريدنا فولتير أن نعتقد، كان جالساً في حديقته بعد عناء صرفه في حل مشكلة رياضية أو صقل عدسة زجاجية عند ما رأى تفاحة تسقط من أعلى الشجرة. فسأل نفسه ذلك السؤال القديم الذي لم يكن قد أجاب عنه أحد، سال نفسه عن علة سقوط التفاحة. وهنا كان قد قدر لتفسير الحركة الكونية إلا أن تظل لغزا فاشتغل بها عقل ذلك الشاب الصغير. لقد ذهب عقله إلى ما هو ابعد من التفاحة وسقوطها. هي تسقط لان الأرض تؤثر فيها وهي بعيدة عنها في أعلى الشجرة، فماذا يحدث أن هي ارتفعت إلى ما هو ابعد من ذلك؟ لقد رآها نيوتن بعيني عقله لا تزال تميل إلى السقوط على الأرض، ولكن بقوة تصور أنها تتناقص تبعاً لقانون التربيعي العكسي. حتى إذا ما وصل بتفاحته إلى القمر تركها ليأخذ القمر، فرآه لابد وان يكون متأثرا هو الآخر بقوة الأرض، إذن لا يمكن أن تكون حركة القمر حول الأرض، وتقيده بهذه الحركة وعدم انطلاقه في خط مستقيم على حسب قانون القصور الذاتي، ألا يمكن أن يكون ذلك راجعاً إلى تأثره بنفس القوة التي تؤثر بها الأرض على التفاحة؟
كان في هذا الإلهام بدء ظهور القانون العام الذي يحكم حركة الماديات في الكون، فانطلق نيوتن يستعين بالرياضة على تحقيق ما وصل إليه فكان في الحاجة إلى معرفة نصف قطر الكرة الأرضية حتى يقارنه ببعد القمر عن مركز الأرض، وهنا شاء القدر ألا يظهر هذا القانون في سنة ١٦٦١ بل بعدها بستة عشر عاماً فخانت نيوتن ذاكرته في تذكر نصف قطر الأرض فاعتبره ٣٤٤٠ ميلاً وهو ٣٩٦٠ ميلاً، ولم يتمكن من التحقق من صدق ذاكرته لانزوائه في مزرعته وبعده عن كامبردج ومكتبتها ومراجعها فكان ما وصل إليه رياضياً لا يتفق مع المشاهدات العملية. عند ذلك شعر بالخيبة في ذلك الأمل البراق الذي كان يراه، وهو الوصول إلى قانون طبيعي عام، فذهب يبغي التسلية في تجاربه العملية الضوئية حيث قدر له أن يصل إلى اكتشاف لا يقل في خطورته عن قانون الجذب العام، ولكنه هذه المرة وان كان قد أتم اكتشافه فانه أخفاه عن العالم لمخالفته الآراء المأخوذ بها
стр. 4274
في وقته.
كشفه عن طبيعة الضوء الأبيض:
عندما وجه جاليليو أول تلسكوب صنعه إلى السماء ألهاه ما شاهده من عجائب غير منتظرة عن آن يعنى بكون الصورة ممسوخة أو أن ضوءها مشوه، وهو ما نلاحظه في المناظير غير الدقيقة الصنع من تعدد الألوان. ولكنه حاول بعد قليل أن يعرف سبب هذا التشوه وطريقة تلافيه، وكان المظنون أن السبب في ذلك راجع كله إلى ظاهرة (الزيغ الكري)، وهي أن الأشعة الآتية من الجسم البعيد عند مرورها في عدسة التلسكوب تنكمش ولكن لا تتجمع كلها في البؤرة. وقد دفع نيوتن حبه للسماء إلى محاولة معرفة سبب هذا التشوه اللوني للصور فقاده ذلك إلى معرفة أن ضوء الشمس الأبيض يتركب في الواقع من عدة ألوان تبتدئ بالأحمر وتنتهي بالبنفسجي وهي ما تسمى بألوان الطيف، وذلك بان أمر الضوء الأبيض في منشور ثلاثي من الزجاج. وبذلك إن عيب التلسكوب ذي العدسة راجع إلى تفرق الضوء الأبيض الذي يمر في العدسة فيسبب ما يسمى (بالزيغ اللوني). لذلك حاول أن يصنع تلسكوباً آخر لا يستخدم فيه عدسة لامة للاشعة، بل يستخدم مرآة مقعرة تلم الأشعة أيضاً، وقد نجح في ذلك، ولا يزال أحد تلسكوباته محفوظاً في الجمعية الملكية بلندن. وتستخدم الآن المرآة المقعرة بدلاً من العدسات في صنع اكبر تلسكوبات العالم. فتلسكوب مرصد (مونت ويلسون) له مرآة يبلغ قطرها ١٠٠ بوصة ويصنع الآن تلسكوب آخر قطر مرآته ٢٠٠ بوصة.
انقضت سنتا العزلة الإجبارية وبلغ نيوتن الخامسة والعشرين وحان له أن يعود ممتلئ الرأس بكل الآراء الخطيرة التي وصل إليها إلى كامبردج حيث الكتب المحبوبة والأجهزة المطلوبة لإجراء التجارب، وسنتركه الآن لنتم تاريخ حياته في مقال قادم
مصطفى محمود حافظ
стр. 4275
الخبز الأسود
لأناتول فرانس
ترجمة حبيب المعوشي
كان في مدينة فلورانسا العظيمة بتقادم عهدها، الخالدة بنفيس متاحفها، رجل وافر الثراء يقال له نقولا نزلي، وكان إذا طلعت الشمس يتزوى في مخدعه، ويلبث سحابة نهاره جالساً إلى مكتبه يخط في دفاتره أرقاماً وينقل أخرى. وكان عاهل البلاد وبابا الكثلكة مدينين له بمبالغ باهظة، ولم يكن يعامل المراوغين والمكرة وخافري الذمم محاذرة منهم، ومخافة أن يقع في حبائلهم ويعرض أمواله للضياع. وكان من اجل هذا يقظاً حذراً، وقد جمع أموالاً وافرة، وجرد مدينيه الكثيرين من أملاكهم ومتاعهم ومقتنياتهم. وكان أهالي فلورانسا يجلونه ويخصونه بالاحترام من اجل ثرائه، وكان يقطن قصراً له لا يدخله النور إلا من كوى ضيقة مستديرة، لان الحرص والحرس يحدوان الأغنياء إلى تحصين دورهم وإيصاد أبوابها ليصونوا ما حشدوه فيها من أموال وكنوز وحلي، جمعوها بالإفك والمخاتلة والخداع. ومن اجل هذا أيضاً كان قصر نقولا نزلي محاطاً بالأسوار العالية المنيعة والسلاسل الحديدية الصلبة الثقيلة.
وكان قد استقدم امهر الفنانين وأحذقهم، فرسموا على جدران القصر الداخلية صور فتيات فاتنات، يرمزن إلى أسنى الفضائل واسماها، وصور أحبار إسرائيل وأنبيائه وملوكه. وكان معلقاً على جدران بعض الغرف كثير من النسائج الموشاة بفتوحات الإسكندر وتربستيان ووقائع حروبهما العظيمة كما هي متناقلة بالتواتر ومدونة في بطون التواريخ.
وكان يطيب لنقولا نزلي هذا أن يظهر سواطع ثروته بما كان يأتيه من أعمال الخير: فأنشأ على نفقته خارج أسوار المدينة مستشفى نقشت على أفاريزه رسوم ترمز إلى امجد أعمال حياته. وقد علق الفلورانسيون رسمه في محراب المعبد الجديد المشيد على اسم العذراء مريم، عرفاناً بجميله، وتخليداً لذكرى مبالغ وافرة تبرع بها لإتمام بناء هذا المعبد. وقد مثل في هذا الرسم مضموم اليدين جاثياً على قدمي العذراء. وكان يدل عليه في صورته هذه وجهه الشاحب الكالح، وعيناه الحادتان، وقبعته الحمراء، ودثار مفري اعتاد الظهور به في المجتمعات. وكان رسم زوجه (منى يسمانتونا) معلقاً في المحراب أيضاً في الجهة المقابلة،
стр. 4276
قرب صورة العذراء، وكان الرسم يمثلها في موقف الصلاة وعلى وجهها بادية سمات الكابة والخفر والخشوع دلالة على احتفاظها بعفافها.
وقد كان نزلي فوق هذا في طليعة المواطنين الذين أسسوا الجمهورية؛ فلم يخالف يوماً شيئاً مما سن في البلاد من شرائع ووضع من نظم، ورسم من المراسيم، وفرض من قوانين. ولم يعن قط بشؤون البؤساء والمعوزين، ولم يتدخل في أمر من قضى عليهم رجال الحل والعقد بالعقاب أو التغريم أو الأبعاد، بحيث لم يفقد في أعين القضاة ورجال السلطة شيئاً مما أحرزه لديهم من مكانة ومقام، بوافر ثروته وحسن سيره وانقياده.
ففي ذات مساء من أيام الشتاء عاد إلى قصره متأخراً على غير عادته، فوجد نفراً من المتسولين نصف العراة محتشدين أمام الحديقة. فلما أبصروه احتاطوا به وبسطوا له أيديهم مستجدين. فزجرهم بعنف وانهال عليهم بالسب والشتم وأقصاهم عنه بفظ الكلام وقارسه فتفرقوا حلقات واجمين جزعين - غير أن الجوع وقد اخذ مأخذه منهم حملهم على لم شعثهم وإعادة الكرة على نزلي فرجعوا كأنهم مراجل تغلي واحتاطوا به ثانية بشكل نصف دائرة وطفقوا يضجون ويولولون ويلغطون ويصيحون صيحات تماثل عواء الذئاب الضارية واخذوا يسألونه بأصوات ملؤها التهدج والتهديد خبزاً يأكلونه فهم بالانحناء على الأرض ليلتقط حجارة يرشقهم بها، ولكنه ابصر أحد غلمانه آتيا وعلى رأسه طبق عليه أرغفة من الخبز الأسود جاء بها ليفرقها على المشتغلين في اصطبلات القصر ومطبخه وحديقته فأومأ إليه كي يدنو منه، ولما اقترب شرع نزلي يلقي بملء يديه على أولئك الجياع ذلك الخبز الأسود فهاجوا وماجوا وهجموا في هرج ومرج يدفع بعضهم بعضاً متزاحمين متسابقين على تلقف تلك الأرغفة والتقاطها، ولما خف صخبهم وسكن لغطهم وهدأت ثورتهم وحنقهم دخل نزلي في داره ونام، وفيما هو مستغرق في رقاده أصيب بضربة مخية أودت بحياته وكان موته سريعاً جداً بحيث خيل إليه انه لم يزل بعد على قيد الحياة. وبعد هنيهة شعر انه في مكان مقفر مظلم ثم ابصر ميكائيل رئيس الملائكة أتيا إليه قدماً وهو يحمل قسطاساً ذا كفتين، فلما أدركه الملك اخذ يضع في إحدى الكفتين ما كان في حيازة نزلي من حلى أرامل وأموال أيتام وقطع ذهبية وحجارة كريمة ونقود مختلفة كان أحرزها بالغش والربا الفاحش - ففهم نزلي انه قبض وانه إنما جيء به إلى ذلك المكان ليحاسب
стр. 4277
فقال للملك: أما وقد وضعت في هذه الكفة ما جمعته بالغش والحرام فمن العدل أن تجعل في الكفة الأخرى ما عملتهمن مبرات وصنعته من حسنات فأرجو منك يا سيدي أن تجعل فيها ما شدته من معاهد للبر والعبادة: ضع المستشفى العظيم الذي أقمته خارج أسوار المدينة، ضع القبة الضخمة التي أنشأتها لمعبد العذراء مريم، ضع. . . فقاطعه الملك وقال: هدئ روعك يا نقولا واخلد إلى السكينة فلن اغفل شيئاً من صالح أعمالك. قال هذا ووضع بيده اللبقة اللطيفة ذينك المستشفى والقبة في الكفة الأخرى ولكن الأولى ظلت راجحة. فقال نزلي: فتش جيداً لعلك تجد لي أعمالاً صالحة أخرى، ومع هذا أراك أهملت جرن الماء المبارك الذي قدمته لكنيسة القديس يوحنا، وغاب عنك منبر الخطابة الذي صنع على نفقتي في معبد القديس اندراوس، ونسيت بنوع خاص تمثال عماد السيد المسيح فهو عظيم جداً وقد كلفني نحته الدقيق البديع المتقن مبالغ طائلة. فجعل الملك كل هذا في الكفة أيضاً ولكن رجحان الأولى مازال عظيماً - فامتقع وجه نزلي روعة وجزعاً وغشى جبينه عرق بارد فأدرك انه هالك، وتدبران الجحيم المعد للخطاة والأشرار سيكون مصيره، ثم التفت إلى الملك وقال: أأنت واثق يا مولاي من ميزانك وصحته؟ فابتسم الملك وقال: إن قسطاسي وان خالف بشكله موازين مرابي باريس وصيارفة البندقية إلا انه في منتهى الدقة والضبط: فقال نزلي أنى يكون هذا؟ أفلا يزيد في قسطاسك وزن القبة الضخمة والمنبر الكبير والتمثال العظيم والمستشفى الفسيح العالي بكل ما فيه من أسرة وعدد ومعدات على وزن قلامة الظفر وقشة الحقل وريشة الطائر؟ فقال الملك: لست ادري ولكن الأمر كما ترى، فمساويك وآثامك لا تزال حتى الآن ترجح كثيراً على مباراتك وحسناتك. فقال نزلي: وهو يصر بأسنانه وفرائصه ترتعد وركبتاه تصطكان هلعاً ورعباً: يا لشقائي! وما عسى أن يكون مصيري؟ أأنا هالك؟ وهل إلى النار مآلي؟ فقال الملك: رويدك يا نقولا إني لم أنجز بعد عملي إذ بقى وزن هذه، مشيراً إلى أرغفة الخبز الأسود التي ألقاها نزلي مكرهاً على الفقراء المعوزين في مساء اليوم السابق، ثم جمع الملك تلك الأرغفة وضمها إلى ما في كفة الأعمال الصالحة فإذا بهذه الكفة قد تحركت وبدأت تثقل وتهوي إلى أسفل، بينا الكفة الأخرى أخذت تخف وتشيل، ولبثت حركة الكفتين تتراوح هنيهة بين هبوط وصعود حتى سكنت، فإذا الكفتان متعادلتان وزناً ومستوىً. فدهش نزلي مما رأى وكأنه لا يصدق عينيه.
стр. 4278
فقال له الملك: انك والأمر كما ترى لا تستحق الجنة جزاء ولا تستوجب النار عقاباً، فعد إذن إلى فلورانسا، وواصل الإحسان على الفقراء عن رضىً ولو بالخبز الأسود، ولا تدع أحداً يحس بالخير الذي تصنعه، وثق بأنك إن فعلت هذا وواظبت عليه تخلص، إذ لا يكفي أن يفتح الله أبواب الجنة للص النادم وللبغي التي تحوبت بغاها وندمت عليه وبكت من اجله وتابت عنه، بل يجب أن يخلص بواسع رحمته من النار غنياً أيضاً، فكن أنت هذا الغني ووال الإحسان ولو بالخبز بعد أن تبينت مبلغ وقعه وثقله في قسطاس العدل الإلهي.
قال الملك هذا واختفى، وبعد قليل أفاق نزلي من رقدة الموت وجلس في سريره يتأمل في ما حدث ويعجب مما رأى. ثم نهض بعد أن وطد النفس على العمل بنصح الملك وموالاة المعوزين بالصدقات والحسنات لينال الخلاص - وهكذا لبث طيلة ثلاث سنوات قضاها على الأرض بعد موته الأول كثير الإشفاق على الفقراء، وافر الرحمة على البؤساء والمعوزين، مواظباً على فعل الخير مواصلاً أعمال البر والصلاح.
حبيب المعوشي
стр. 4279
الكتب
المسرح الغنائي
على ذكرى (غرام الشعراء)
تأليف الأستاذ احمد رامي
كتب مرة أديب من الشبان مقالاً في جريدة السياسية الأسبوعية الغراء منذ سنوات عدة حاول فيه أن يلفت أصحاب الغناء المبرزين إلى أن المرتبة التي وقفوا عندها ليست جديرة بهم، وان الغناء على تخت مكون من (أساطين رجال الفن) ليس قصارى ما يصل إليه فن الموسيقى، بل إن الميدان الفسيح للغناء هو المسرح والأوبرا. غير أن تلك النصيحة آلمت كبيراً من كبراء أهل صناعة الغناء وظن أنها تمس كرامته وفنه، وإلا فهل يليق أن يقول أحد أن غناءه يقصر عن غاية؟ أو أن في الإمكان أبدع مما كان؟ فهب إلى الرد على الكاتب واقبل على تجريحه بما لا يتفق ووداعة الفن الجميل. وإنني اليوم اجرؤ أن اكرر ما قال ذلك الأديب في مقاله السالف، فان أغاني هذه الأيام تكاد تجعل السماع حملاً ثقيلاً، وتكاد تجعل الاهتزاز إليه نوعاً من الصناعة المتكلفة. ولا شك انه قد آن لمصر أن يكون لها مسرح ثابت للأوبرا يجول عليه كبار المغنين من الجنسين ويمدهم فيه بالوحي والروح شعراء مصر المبرزون.
والحق أن موت المسرح الغنائي هو الذي أمات الرواية الشعرية، وهاهي آية تدل على استعداد شعرائنا للتأليف والإبداع إذا وجد من يغرد بقولهم ويصدح بشعرهم.
وهاهو الأستاذ رامي يترك المقطعات حيناً ليظهر للملأ انه يستطيع إذا وجد من المسرح حاجة إليه أن يخلق قصة شعرية رائعة. فان بين أيدينا اليوم قطعة (غرام الشعراء) تجمع بين ما اعتاده الناس من عذوبة شعر رامي وما يتطلبه المسرح الغنائي من تصوير بديع وتأليف متسق. وقد جعلها الشاعر فصلا واحداً ونظنه قد قصد إلى ذلك قصداً. فما نظنه إلا عارضاً على أصحاب الغناء بضاعة جديدة لعله يستطيع أن يرغبهم في ترك البسائط والطموح إلى آفاق أعلى واكثر سمواً.
وان رامي إذا فعل ذلك فإنما يرجى منه أن يلقي إلى الأدب بالآية الكاملة: بالقصة الشعرية
стр. 4280
الطريفة: بما هو جدير به
م. ف. ا
كتاب القاهرة
للأديب عبد الرحمن زكي
ملازم أول بالأشغال العسكرية
هاهو ذا مؤلف يريد أن يقول شيئاً فيعرب في قوله. إن كثيراً مما نسمع من الأقوال لا يعدو أن يكون صوت أنين غير معرب، أو صوت نشوة لا يتبين السامع منها إلا صيحة تدوي في الفضاء، ولكن مؤلف (القاهرة) أراد أن يصف القاهرة فرسم خطة ثم أنفذها، وعرض على الناس كتاباً أن يقول لهم أن يقرأوه.
بدا بوصف فسطاط عمرو، ثم عسكر بني العباس ثم قطائع ابن طولون، ثم القاهرة المعزية، ثم ما طرأ عليها من الزيادة في أيام الدول التركية المتعاقبة. ثم أردف ذلك بوصف مختصر عن المقريزي لما كان في أيامه من خطط القاهرة، وأوضح ذلك كله بخرائط دقيقة واضحة.
ففكرة الكتاب فكرة علمية بديعة يشكر المؤلف عليها شكراً عظيماً.
غير انه لم يوفق في إنفاذ الخطة كما نظنه رسمهاً لنفسه، فان كتابا يصف القاهرة ينبغي أن يغلب عليه الوصف لما في القاهرة، وما اكثر ما فيها من مخلفات العصور المتعاقبة! غير انه قنع بان يغلب على كتابه ذكر تاريخالقاهرة وتطور عمرانها. فالكتاب اجدرأن يعد كتاب تاريخ نمو القاهرة لا كتاب وصف لها. ولسنا بسبيل التماس الأسباب التي دعت المؤلف إلى ذلك، غير أننا نرجو أن يوفق في مستقبل أيامه - واغلب الظن انه لا يزال في شبابه الأول القوي - إلى أن يكمل هذا البحث الطريف فيجعلنا نرى مميزات كل عصر ومخلفات كل دور من أدوار نمو القاهرة حتى يصبح ذكر القصة التاريخية ثانويا في ظهور الصورة بدل أن يكون كما هو الآن ابرز شيء فيها.
م. ف. ا
стр. 4281
روائع من قصص الغرب
ترجمة الأستاذ كامل كيلاني
اذكر أنني منذ سنوات خمس، كنت أتحدث مع صديق حول رسالة الغفران التي هذبها الأستاذ كامل كيلاني، فقد كنت أقرا الرسالة مع الصديق قراءة الدرس والتحليل، فلما أن فرغنا من تلاوتها، قلت لصاحبي: والله إن الأستاذ كيلاني ليستحق منا الشكر لما صادفنا في هذه الرسالة من لذة وجمال. قال بل إن أبا العلاء لأجدر منه بذلك الثناء، أما الأستاذ كيلاني فماذا قدم إلينا إلا أن تناول رسالة أبي العلاء، فحذف منها شيئاً واثبت شيئا؛ قلت أن رسالة أبي العلاء لبثت مطمورة بين أكداس الكتب لا يجرؤ عليها إلا صفوة الخاصة وهم قليلون. أما وقد هذبها الأستاذ كيلاني، وشذب أطرافها النابية، وأزال ما يعترض سبيلها من عثرات، فقد باتت معبدة ميسرة للكثرة الغالبة من القراء، تتداولها أيدي الطبقة الوسطى من المتأدبين، بعد أن كانت أرستقراطية مقصورة على طبقة الأشراف! وإذن فمن الأسرف في الغبن وإنكار الجميل إلا نعترف بذلك المجهود - وأشباهه - الذي يهيئ للقراء ما لم يكن لهم إليه من سبيل.
وإذا كانت التجارة في عالم الاقتصاد دعامة قوية يرتكز عليها البناء الاقتصادي بأسره، وهي ليست إنتاجاً في ذاتها، إنما هي وساطة بين المنتج والمستهلك، ففيهم الكفر بقيمة الوساطة الأدبية بين الكاتب والقارئ؟ ولولاها لما اتصل القراء بأكثر ما تسيل به الأقلام في أنحاء الأرض إلا في دائرة ضيقة وحيز محدود. وان صح هذا القول بصفة عامة، فهو اشد صدقاً واثبت يقيناً بالنسبة إلى مصر، لأنها اليوم في عصر ترجمة اكثر منه عصر تاليف، فالمترجم الذي يقدم إلى قراء العربية صوراً من أدب الغرب، إنما يسدي إليهم يداً بيضاء، لأنه يقدم إليهم غذاء صالحاً ما كانوا ليوفقوا إليه لولا ما بذل من مجهود.
نقول ذلك بمناسبة مجموعة القصص التي عربها الأستاذ كامل كيلاني. فهي من روائع الأدب الغربي حقاً، قد وفق في اختيارها وتعريبها إلى حد بعيد. وحسبك أن تعلم أنها طائفة من قصص بوكاتشو، وفولتير، وديدرو، وسرفنتس، وفلوبير، وسويفت، وروسو وغير هؤلاء من أئمة الأدب في الغرب!
стр. 4282
ولسنا نشك في أن القصة القوية الرائعة التي تحلل النفس الإنسانية في أعماقها، وتحرج سرها الدفين من مكمنه، فتضع تحت أبصارها ما استتر في أحنائها حتى نلمس مواضيع النقص بارزة واضحة، لهي من افعل الأدواء لما ينتاب جيلنا من أمراض خليقة تكاد تهز كياننا من أساسه، والتي تدعو إلى تضافر الأقلام جميعاً في درء خطرها الداهم.
فهذه المجموعة القيمة وعاء اجتمعت فيه مجموعة مختلفة من طباع الإنسان، وتلمح في ثناياها مثلا عليا تؤثر في نفس القارئ من حيث يدري ولا يدري. ولا بد أن نذكر - ونحن بصدد هذا الكتاب - جودة الطبع والورق، وجمال التنسيق وسلامة الذوق.
ز. ق. م
стр. 4283
العدد ٥١ - بتاريخ: ٢٥ - ٠٦ - ١٩٣٤
стр. 4284
ذكرى المولد
كان الناس في أبريل من عام ٥٧١، والطبيعة المشفوفة تنتظر انبثاق الروح المبدع، وانبعاث الربيع الممرع، وانتعاش الحياة الجديدة في الأرض الهامدة؛ والخليقة المئوفة ترسل النظر الحائر في الآفاق الغائمة، ترتقب لمعة النور من الشرق، ونفحة القوة من الحق، وكلمة الهدى من الله؛ والجزيرة المجهودة تصهرها الشدائد، وتطهرها الدماء، وتهيئها الأقدار ليهبط فوقها الوحي، ويتجلى لها الخالق، وتتصل عندها السماوات بالأرض؛ والهواتف الطائفة تعلن في رؤوس الجبال، وسفوح الأودية، ومدارج السبٌل، وسوابيط المعابد، وأواوين القصور، بشرى الرسالة الأخيرة، وظهور الرسول المنتظر؛ والشياطين الآلهة تئن في أجواف الأصنام المنكسة أنين الخيبة والهيبة واليأس؛ وأجنحة الأملاك تخفق من وراء البصر في جو مكة القائض المغبر، فتنفض عليه النور والسرور والدعة؛ وأرواح الأنبياء من حول الكعبة تضوع بالحمد والدعاء احتفالاً بختام النبوة، وقيام الدعوة مرة أخرىفي بيت إبراهيم؛ وومضات من روح القدس وأشعة الخلد تنعقد هالات مشرقات على (شعب بني هاشم) وفوق دار آمنة؛ والنبي الوليد الذي خنس لمولده الشيطان، واعتدل بمقدمه الزمان، وخشع لذكره الكاهن والموبذان، وتصدّع من خشيته الدست والإِيوان، يفتح عينيه للوجود في بيت العُدم، ويلقى ارواقه الكريمة على نهاد اليتم، ولا يظفر بمرضع إلا لأنها لم تظفر آخر الأمر بغيره!!
تبارك الله ما أبلغ حكمة وأجل شأنه! شاء لنوره وبرهانه أن يشرقا في هذا المنزل المتواضع، ولمجده أن يظهرا في هذا اليتيم الوادع، ولعلمه وقراّنه أن ينزلا على هذا الأمي الحي، لتكون آيته أبهر للعيون، ودعوته أبرع في العقول، وكلمته أنْوط بالأفئدة؛ ولو اتخذ رسله من الملوك العواهل لاٌّتهمت المعجزة، والتبس على الناس فعل القدرة.
كان محمد بن عبد الله مثَل الله الأعلى للإنسان الكامل.
صوره خلقاً سويّاً ليرسم الأخلاق بالمثل، ويعلم الدين بالعمل، وينظم الحياة بالقدوة. وإلا فكيف اجتمع فيه ما تفرق في جميع الناس من خصال الرجولة، وخلال البطولة، وخلائق النبل، وبيئته لا تملك من بعض ذلك ما تعطيه؟
رعى على بعض أهله، وسعى لبعض قومه، واتجر بمال زوجه، فكان في جليل الأمر كما كان في ضئيلة صادق العزم، كريم العهد، وثيق الذمة، راجح الحلم، شاهد اللب، لين
стр. 4285
العِطف، حلو المعاشرة (يحمل الكَلَّ، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق)
ثم اصطنعه الله لحقِّه، وحَّمله الرسالة إلى خلقه، فكان في غار حراء، وفي دار الأرقم، وفي جبل ثور وفي دار أبى أيوب، وفي المسجد الجامع ثم في الرفيق الأعلى، مظهرا صحيحا لروح الله، وإعلانا صريحا لسر الدين، ومثالا عاليا لصدق الجهاد، واحتمالا ساميا لمكاره الدعوة، وأسوة حسنة لجميع الناس!
جهر الرسول بالدعوة بعد أن خافت بها في قريش ثلاث سنين، فضلل الأقوام وسفه الأحلام وهاجم الشرك في معقله، وليس وراء ظهره إلا عمه! فتألبت عليه عناصر الشر جمعاء فما أفكتْه عن عزمه، ولا خلجته عن همه. ثم تجلت فيه الكمال الإنساني فحشد للخصومة قوى النفس وقوى الحس فجاهد بالصدق، وجالد بالصبر، وجادل بالمنطق، وصاول بالرأي، وأثَّر باللسان، وقهر باليد، وتلك مزيته الظاهرة على النبيين والرسل، فكل نبي وكل رسول إنما بان شأوه على قومه في بعض المزايا، إلا الرسول العربي فقد تم فيه ما نقص في غيره من معجزات الرجولة، فكان رسولاً في الدين، وعلَماً في البلاغة، ودستوراً في السياسة، وإماماً في التشريع، وقائداً في الحرب.
إن حياة الرسول قانون إلهي خالد لصاحب الدين وصاحب الدنيا، وان وسائل الجهاد التي جدد بها أسلوب العيش وأقام بها ميزان المجتمع لا تزال عناوين ضخمة في صفحات العلم والسياسة والخلق، وان من أساس الإسلام أن نطيع الله في كتابه، ونطيع الرسول في سننه وآدابه، فليت شعري أكان في حدود الإمكان أن يرتطم العرب والمسلمون في مراغة الخمول، فيرضون بالهُون، ويقنعون بالدون، ويتخلون عن مكانهم من صدر الوجود، لو أنهم اتخذوا من أحكام ربهم منهاجا، ومن كلام رسولهم علاجا، ومن حياة السابقين الأولين من رجالهم قوة وقدوة؟؟
أليس من خذلان الله لنشئنا الجُدُد أن يلوكوا جاهدين أسماء فلان وفلان ممن رأى رأيا أو أنشأ قصيدة أو ألف كتابا، ثم يتركوا عامدين اسم محمد الذي جمع العرب من شتات، وأيقظ العالم من سبات، أقام للسماء دينا في الأرض، وأسس للأرض دنيا في السماء؟
احمد حسن الزيات
стр. 4286
الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
كما تطلع الشمس بأنوارها فتفجر ينبوع الضوء المسمى النهار، يولد النبي فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمى في الدين وليس النهار إلا يقظة الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها.
والشمس خلقها الله حاملة طابعه الإلهي في عملها للمادة تُحَوِّل به وتُغَيِّر، والنبي يرسله الله حاملاً مثل ذلك الطابع في عمله للروح تترقى فيه وتسمو.
ورعشات الضوء من الشمس هي قصة الهداية للكون في كلام من النور وأشعة الوحي في النبي هي قصة الهداية لإنسان الكون في نور من الكلام.
والعامل الإلهي العظيم يعمل في نظام النفس والأرض بأداتين متشابهتين: أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرسل والأنبياء.
فليس النبي إنسانا من العظماء يُقرأ تأريخُه بالفكر مع المنطق، ومع المنطق الشك، ثم يُدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشرية العامة؛ ولكنه إنسان نجميٌّ يُقرأ بمثل (التلسكوب) في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان، ثم يُدرس بكل ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها.
والحياة تنشئ علم التأريخ ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء صلوات الله عليهم - تجعل التأريخ هو ينشئ علم الحياة؛ فإنما النبي إشراق إلهي على الإنسانية يقومها في فلكها الأخلاقي، ويجذبها إلى الكمال في نظام هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب.
ويجيء النبي فتجئ الحقيقة الإلهية معه في مثل بلاغة الفن البياني، لتكون أقوى أثراً. وأيسر فهماً، وأبدع تمثيلاً؛ وليس عليها خلاف من الحس. وهذا هو الأسلوب الذي يجعل إنسانا واحداً فنَّ الناس جميعاً، كما تكون البلاغة فن لغةٍ بأكملها؛ هو الشخص المفسِّر إذا تعسَّف الناس الحياة لا يدرون أين يؤمون منها، ولا كيف يتهدَّون فيها، فتضطرب الملايين من البشرية اضطرابَها فيما تنقبض عنه وتتهالك فيه من أطماع الدنيا؛ ثم يخلق رجل واحد ليكون هو التفسير لما مضى وما يأتي، فتظهر به حقائق الآداب العالية في قالب من الإنسان العامل المرئيّ، أبلغ مما تظهر في قصة متكلمة مرويّة.
стр. 4287
وما الشهادة للنبوة إلا أن تكون نفس النبي أبلغَ نفوس قومه حتى لَهو في طباعه وشمائله طبيعة قائمة وحدها كأنها الوضع النفساني الدقيق الذي يُنصب لتصليح الوضع المغلوط للبشرية في عالم المادة وتنازع البقاء. وكأن الحقيقة السامية في هذا النبي تنادى الناس: أن قابلوا على هذا الأصل وصححوا ما اعترى أنفسهم من غلط الحياة وتحريف الإنسانية.
ومن ثم فنبي البشرية كلها من بُعث بالدين أعمالاً مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت المستقر تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، ويدع للحياة عقلها العلميَّ المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى، وهذه هي حقيقة الإسلام في أخص معانيه، لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدى تأديته في هذه الحاجة أدب ولا علم ولا فلسفة، كأنما هو نَبعٌ في الأرض لمعاني النور بازاء الشمس نبعِ النور في السماء.
وكل ذلك تراه في نفس محمد ﷺ ؛ فهي في مجموعها أبلغ الأنفس قاطبة؛ لا يمكن أن تعرف الأرض أكمل منها؛ ولو اجتمعت فضائل الحكماء والفلاسفة والمتأهلين وجعلت في نصاب واحد - ما بلغت أن يجئ منها مثل نفسه ﷺ . ولكأنما خرجت هذه النفس من صيغة كصيغة الدرة في محارتها، أو تركيب كتركيب الماس في منجمه، أو صفة كصفة الذهب في عرقه. وهي النفس الاجتماعية الكبرى، من أين تدبّرتها رأيتها على الإنسانية كالشمس في الأفق الأعلى تنبسط وتَضحي وتلك هي الشهادة له ﷺ بأنه خاتم الأنبياء، وأن دينه هو دين الإنسانية الأخير. فهذا الدين في مجموعه إن هو إلا صورة تلك النفس العظيمة في مجموعها، صلابته بمقدار الحق الإنساني الثابت، لا بمقدار الإنسان المتغير الذي يكون عند سبب جبلاً صلداً يشمخ، وعند سبب آخر ماءً عذباً يجري.
وهو دين يعلو بالقوة ويدعو إليها، ويريد إخضاع الدنيا وحكم العالم، ويستفرغ همه في ذلك، لا لإعزاز الأقوى وإذلال الأضعف، ولكن للارتفاع بالأضعف إلى الأقوى. وفرقُ ما بين شريعته وشرائع القوة، أن هذه إنما هي قوة سيادة الطبيعة وتحكمها، أما هو فقوة سيادة الفضيلة وتغلبها؛ وتلك تعمل للتفريق، وهو يعمل للمساواة؛ وسيادة الطبيعة وعملها للتفريق هما أساس العبودية، وغلبة الفضيلة وعملها للمساواة هما أعظم وسائل الحرية.
стр. 4288
ومن هنا كان طبيعياً في الإسلام ما جاء به من أنه لا فضيلة إلا وهو يطبع عليها صورة الجنة بنعيمها الخالد، ولا رذيلة إلا وهو يضع عليها صورة النار الأبدية وقودها الناس والحجارة؛ فلا تنظر العين المسلمة إلى أسباب الحياة نظرة الفكر المنازع يحرص على ما يكون له، ويَشرَه إلى ما ليس له، ويمكر الحيلة، ويبدع وسائل الخداع، ويزيد بكل ذلك في تعقيد الدنيا - بل نظرة القلب المسالم بخلع الدنيا، ويسخو بكل مضنون فيها فيعف عن كثير؛ ويعرف الانسانية، ويطمع في غاياتها العليا، فيعفو عن كثير؛ ويدرك أن الحلال وإن حل فوراءه حسابه، وأن الحراموإن غر ليس إلا تعلل ساعة ذاهبة ثم من ورائه عقاب الأبد.
ويخرج من ذلك أن يكون أكبر أغراض الإسلام هو أن يجعل من خشية الله تعالى قانون وجود الإنسان على الأرض، فمن أي عطفيه التفت هذا الإنسان وجد على يمينه ويسرته ملكين من ملائكة الله يكتبان أعماله بخيرها وشرها، فهو كالمتهم المستراب به في سياسة النفس لا يمشى خطوة إلا بين جاسوسين يحصيان عليه حتى أسباب النيه، ويجمعان منه حتى نزوات الكبد، ويترجمان عنه حتى معاني النظر. وإذا قامتهذه المحكمة الملائكية وتقررت في اعتبار النفس - قام منها على النفس شرع نافذ هو قانون الإرادة المميزة، تزيد الحسنات وتعمل لها، وتخشى السيئات وتنفر منها، فإذا معا عضها بعضاً، لا لتحقيق الحكومة والسلطة، ولكن لتحقيق الخير والمصلحة؛ وإذا نواميس الطبيعة المجنونة في هذا الحيوان قد نهضت إلى جانبها نواميس الإرادة الحكيمة في الإنسان، وإذا كل صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادة تهمة عند قاضيها في محكمتها، وإذا كل ما في الإنسان، وما حول الإنسان - لا يراد منه إلا سلام النفس في عاقبتها؛ وإذا معني السلام هو المعنى الغالب المتصرف بالإنسانية في دنياها.
وكل أعمال الإسلام وأخلاقه وآدابه، فتلك هي غايتها، وهذه هي فلسفتها؛ لا يقررها للإنسانية حسْب، بل يغرسها في الوراثة غرساً بالاعتياد والمران الدائم، لتكون علماً وعملاً، فتمكن لسلام النفس بين الأسلحة المسددة إليها من ضرورات الحياة في أيدي الأعداء المتالبة عليها من شهوات الغريزة.
فليس يعم السلام إلا إذا عم هذا الدين بأخلاقه فشمل الأرض أو أكثرها، فان قانون العالم
стр. 4289
حينئذ يصبح منزعاً من طبيعة التراحم، فأما انتسخ به قانون التنازع الطبيعي، وإما كسر من شِرتَّه، ويولد المولود يومئذ وتولد معه الأخلاق الإنسانية.
تقرير معنى الدوام لكل أعمال النفس حتى مثقال الذرة من الخير والشر، وضبط ذلك برياضة عملية دائمة مفروضة على الناس جميعاً - هذا هو أساس العقيدة الإسلامية. ولا صلاح للإنسانية بغيره يردّها إلى سبيل قصدها، فان من ذلك تكون الصفة العقلية التي تغلب على المجتمع وتجانس بين أفراده، فتوجّه الإنسانية كلها نحو الممكن من كمالها، ولا تزال توجَّهها نحو ما هو أعلى، وتحكم فاسدها بصالحها، وتأخذ عاصيها بمطيعها، وتجعل الشرف الإنساني غرضها الأول، لأن الله الحقّ غرضُها الأخير؛ فيصبح المرء - وهذا دينه - كلما تقدم به العمر كمل فيه اثنان: الإنسان، والشريعة. ولا يعود طالب السعادة النفسية في الدنيا كالمجنون يجري وراء ظله ليمسكه؛ فلا يدرك في الآخر شيئاً غير معرفته أنه كان في عمل باطل وسعى ضائع.
والإسلام يحرص أشد الحرص وأبلغه على تقرير ذلك المعنى الإلهي العظيم، لا بالمنطق ولكن بالعمل؛ ثم في النفس وعواطفها لا في العقل وآرائه؛ ثم على وجه التعميم دون الاستثناء والخصوص، وذلك هو سر مشقته على النفس بما يفرضه عليها؛ فان فلسفته أن هذه النفس هي أساس العالم، وأن النظام الخلقي هو أساس النفس، وأن العمل الدائم هو أساس النظام، وأن روح العمل الدائم تكون فيما يشق بعض المشقة ولا يبلغ الكسل والإهمال. وللنفس وجهان: ما تعلن، وما تُسرّ. ولا صدق لإعلانها حتى يصدق ضميرها، ولا صلاح لجهرها حتى يصلح السرّ فيها، ولا يكون الإنسان الاجتماعي فاضلاً بِمشَهدهِ حتى يكون كذلك بغيبه. وللعالم كذلك وجهان: حاضره الذي يمر فيه، وآتيه الذي يمتد له. ولا يفلح حاضر منقطع لا يُوَرِّث ما بعده كما وَرِث ما قبله، وما حاضر الإنسانية إلا جزء من عمل الناس في استمرار فضائلهم باقية نامية. وللنظام أيضاً وجهان: نظام الرغبة على الطاعة والاطمئنان لها، ونظام الرغبة على الخشية والنّفْرة منها. ولا يستقيم شأن ليس أساسه الطاعة في النفس، ولا يستمر نظام عليه خلاف من فكر العامل به. وللعمل الدائم طريقتان: إحداهما طريقة الجادّ يعمل للعاقبة يستيقنها، فلا يجد مما يشق عليه إلا لذة المغالبة للنصر، كل مرارة من قبله هي حلاوة فيه من بعد، ولا يعرف للمحنة يبتلى بها إلا
стр. 4290
معناها الحقيقي وهو إيقاظ نفسه، فيصبح الصبر عنده كصبر المحب على أشياء ممن يحبه؛ صبر فيه من السحر ما يكسو الحرمان في بعض الأحيان خيال الاستمتاع، ويذيق النفس في العجز عن بعض أغراضها - لذةّ كلذة إدراكه.
تلك هي فلسفة الإسلام؛ لا قوام للأمر فيها ولامساك له إلا بتقرير الدوام لكل أعمال النفس، ووضع طابع الجنة على أعمال الجنة، وطابع النار على أعمال النار - وحياطة كل فرد من الناس حياطة رياضية عملية بين الساعة والساعة، بل بين الدقيقة والدقيقة، بما يكلف من أعمال جسمه وحواسه، ثم أعمال قلبه ونيته - وتعظيم الشخصية الروحية دون الشخصية المادية، فلا يحاول كل إنسان أن يجعل بطنه في حجم مملكة أو مدينة أو قرية بما ينتقص من حقوق غيره؛ بل تتسع ذاتية كل فرد بما يجب له على المجتمع من الواجبات الإنسانية. وبهذا لا بغيره تتعين مقاييس الأخلاق في الأرض - بالمصلحة لا باللذة - فلا يقع الخطأ ولا التزوير، وتنحل المشكلة الاجتماعية مادامت الحياة لا تجد من أهلها كل ساعة عقدا فيها.
والاستيلاء بذلك المعنى على العقل والعاطفة هو وحده الطريقة لإنشاء طبيعة الخير في الناس على نسقها الطبيعي، كما أنه هو وحده الطريقة لتطهير التأريخ الإنساني من أوبائه الاقتصادية التي جعلته كأنما هو تأريخ الأسنان والأضراس. . وتركت الناس يهدم بعضهم بعضاً، كما يهدم الجار حائط جاره ليوسع بيته!
وأساس العمل في الإسلام إخضاع الحياة للعقيدة، فتجعلها العقيدة أقوى من الحاجة، فيكون الفقير معدماً ويتعفف، ويكون الغني موسوراً ويتصدق، ويكون الشرهُ طامعاً ويمسك، ويكون القوي قادراً ويحجم؛ وكما قال العرب في تحقيق ناموس الأنفة والحمية وغلبته على الناموس الاقتصادي: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.
تريد الإنسانية امتداداً غير امتدادها التجاري في الأرض، وتحتاج إلى معنى يقود إنسانها غير الحيوان الذي فيه، وإذا قاد الغراب قوما ً - كما قال شاعرنا يمر بهم على جيف الكلاب. .
والإنسانية اليوم في مثل ليل حَوْشىِّ مظلم اختلط بعضه في بعض، وليست معاني الإسلام إلا الإشراق الإلهي على هذه الكثافة المادية المتراكمة، وإذا رفع المصباح لم تجد الظلام إلا
стр. 4291
وراء الحدود التي تنتهي إليها أشعته.
وقد علمنا من طبيعة النفس أن إنسانية الفرد لا تعظم وتسُمو وتتخيل وتفرح فرحها الصادق وتحزن حزنها السامي إلا أن تعيش في محبوب؛ فإنسانية العالم لا تكون مثل ذلك إلا إذا عاشت في نبيها الطبيعي، نبي أخلاقها الصحيحة وآدابها العالية ونظامها الدقيق؛ وأين تجد هذا المحبوب الأعظم إلا في محمد ودين محمد؟
وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل يوم ينادى باسمه الشريف ملء الجو، ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة يهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يوما واحداً من التأريخ، ولا جزءاً واحداً من اليوم، فيمتد الزمن مهما امتد والإسلام كأنه على أوله، وكأنه في يوم ولا في دهر بعيد. والمسلم كأنه مع نبيه بين يديه تبعثه روح الرسالة، ويسطع في نفسه إشراق النبوة، فيكون دائماً في أمره كالمسلم الأول الذي غير وجه الأرض؛ ويظهر هذا المسلم الأول بأخلاقه وفضائله وحميَّته في كل بقعة من الدنيا مكان إنسان هذه البقعة لاكما نرى اليوم؛ فان كل أرض إسلامية يكاد لا يظهر فيها إلا إنسانها التاريخي بجهله وخرافاته وما ورث من القدم؛ فهنا المسلم الفرعوني، وفي ناحية المسلم الوثني، وفي بلد المسلم المجوسي، وفي وجهة المسلم المعطل. . . وما يريد الإسلام إلا نفس المسلم الإنساني.
أيها المسلم!
لا تنقطع من نبيك العظيم، وعش فيه أبدا، واجعله مثلك الأعلى، وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بين يديه؛ كن دائماً كالمسلم الأول؛ كن دائماً ابن المعجزة.
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4292
(محمد)
للأستاذ علي الطنطاوي
منذ أربعة عشر قرناً ونيف ولد محمد، فلم يكد يفطن إلى ولادته إلا قليل، وبعد أربعة عشر قرناً ونيف - استضاءت فيها الدنيا بنور محمد، واهتدت الإنسانية بهدْى محمد - مرت بالدنيا ذكرى مولد محمد، فلم يكن يفطن إليها إلا قليل!
بل لم يعرف بعدُ من هو محمد!
على أن العظماء في التأريخ كثيرون، وقد عرفهم التأريخ، ولكنه لم يعرف محمداً، لأنه ليس فيهم مثل محمد!
عظمة أولئك أنهم سبقوا أوانهم، فعظموا لسبقهم، ثم جاء أوانهم فساواهم أبناؤه جميعاً، ثم جاء أوان بعده ففاقهم أهله جميعاً، ولم يبق لهم إلا عظمة الذكرى.
وان التلميذ اليوم يعرف من الطبيعة أكثر مما كان يعرف جاليليو، والضابط يعلم من فنون الحرب أكثر مما كان يعلم اينبال وطالب الفلسفة يدرك من حقائقها أكثر مما كان يدرك أفلاطون وكذلك سائر العظماء.
أما محمد فطراز من البشر لا تحتمل الدنيا منه أكثر من واحد، ولا يمتد عمرها حتى ترى مثل محمد، فمحمد عظيم كل عصر، وعظمته لا تبلى على الدهر.
وإن كثيراً من العظماء قد سنوا سنناً، وشرعوا شرائع، ولكنهم سنوها ناقصة فكملت، وقاصرة على زمان واحد فعدلت، ومحدودة ضيقة فوسعت، وما زالت أبداً في حاجة إلى التكميل والتوسيع والتعديل. أما شريعة محمد فجاءت كاملة، وعاشت كاملة، وستخلد كاملة، لأنها من عند الله الكامل، لا من عند العقل الناقص.
وستموت الشرائع كلها، والعاقبة لشريعة الله
إن روحية الشرق ستطحن مادية الغرب، ومادية الغرب ستقتل روحية الشرق، ولا يبقى إلا الأصلح، والأصلح هو الإسلام.
أي دين غير الإسلام يستطيع المرء أن يتمسك بأحكامه كلها، ثم يكون امرأً صوفياً قوياً غنياً؟
أي دين غير الإسلام يعرف للبدن حق البدن، وللروح حق الروح، ويعرف للدنيا حقها،
стр. 4293
وللآخرة حقها؟
أي دين غير الإسلام فيه الوحدانية في الإيمان، والشورى في الحكم، والاخوة في الحياة، والجهاد في المبدأ، والقوة والاعتدال في كل شيء؟
أي دين غير الإسلام يحل المشكلة الاجتماعية الكبرى، التي ولدت الشيوعية والفاشية والنازية، وستلد الموت الأحمر، والخراب الأكبر؟
إن العظماء كثيرون، ولكن العظيم عظيم في ناحية، صغير في سائر النواحي، فهو عظيم في العلم، أو في الحرب، أو في الأدب، أو في السياسة. أما محمد فعظيم في كل شيء.
وآثار العظماء في البشر واضحة جلية، ولكن لم يعمل أحد أجل ولا أجمل مما عمل محمد.
نفخ في هذه البادية القاحلة، وهذه الأمة المتفرقة الجاهلة، فاخرج منها أمة قوية عالمة عاملة. . . حملت مشكاة النور، في وقت عم فيه الظلام، وبنورها اهتدى ويهتدي كل إنسان في كل مكان إلى آخر الزمان، ولولا محمد ما كانت أوربة ولا الأميركتان!
كانت الدنيا في نظر قريش مكة، كما أن الدنيا في نظر الفرنسيس باريس، ولكن دنيا محمد أوسع، ومحمد لا تسعه مكة، فأم غار حراء ليشرف على الأفق الواسع، ثم سما على معراج إلى السماء، فرأى الأرض كيراعه مضيئة، فاستصغرها، ولم يحفل بما عليها من ذرات هينة. .
هكذا عاش محمد، وهكذا انتقل
عاش محمد في الأرض وهو أكبر من الأرض، وترك في الأرض أثراً أكبر من الأرض، ولم يعرفه في الأرض أحد من أبناء الأرض - ذلك لأنه كان كما قال لامارتين:
(فوق البشر، ودون الإله، فهو رسول الله ﷺ
علي الطنطاوي
стр. 4294
إحياء المولد النبوي الكريم
بعض رسومه ومناظره في مصر الإسلامية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت ليلة الثاني عشر من ربيع الأول - ليلة مولد النبوي الكريم - دائماً من المواسم والأعياد المشهودة في جميع الأمم الإسلامية؛ ومازال مولد النبي العربي من الذكريات الخالدة في المجتمع الإسلامي؛ ولكن الاحتفال بذلك الحادث العظيم في تأريخ الإنسانية كان يقترن في العصور الخالية، أيام عز الإسلام ومجده، بضروب من الجلال والبهاء والبذخ، ذهبت بها حوادث الزمن وتقلباته، وما انتهت إليه الأمم الإسلامية من الاضمحلال والتأخر. وقد بدأ هذا الاحتفال المقدس في عصر الإسلام الأول بسيطاً متواضعاً، كباقي المواسم والاحتفالات الدينية، فلما بلغت الخلافة ما بلغت من العظمة والبهاء، ظهرت فخامة الملك وروعته في الأعياد والحفلات الرسمية، وجرت الشعوب على سنة ملوكها وأمرائها في هذا الموسم من الظهور والبذخ. وكان شأن مصر الإسلامية في ذلك شأن باقي الولايات الإسلامية في عصر الخلافة الأول من بساطة في الرسوم والمظاهر؛ فلما استحالت مصر من ولاية خلافية إلى دولة مستقلة في عهد بني طولون وبني الأخشيد وقامت فيها قصور ملوكية باذخة، ظهر أثر هذا الانقلاب في رسوم الدولة ومظاهرها العامة، وغدت المواسم والاحتفالات الدينية حوادث عامة يحييها الشعب، كما تحييها الحكومة في كثير من الرونق والبهجة والحبور.
وقد بلغت هذه المظاهر والرسوم الفخمة ذروة البهاء والروعة في عهد الدولة الفاطمية، وكانت هذه الدولة القوية الشامخة تتخذ من المواسم والأعياد الدينية والقومية فرصاً للظهور في أبدع مظاهر القوة والغنى والترف، وتغمر الشعب في هذه الأيام المشهودة بوافر بذلها وعطائها؛ فكان الشعب يستقبل هذه المواسم باهتمام وحماسة ويكثر فيها من الاحتشاد والإنفاق والمرح، تشجعه الدولة على ذلك وتحثه بقدوتها ومثلها. وكان للاحتفال بهذه المواسم رسوم وتقاليد معينة تختلف باختلاف أهميتها الدينية أو القومية. وقد بلغت في ظل الدولة الفاطمية من الكثرة والانتظام ما لم تبلغه في أية دولة إسلامية أخرى. ذلك أن الخلافة الفاطمية شرعت لنفسها، إلى جانب الأعياد الدينية المأثورة، أعياداً خاصة بها
стр. 4295
وبدعوتها ومذهبها الديني، فقررت أن تحتفل إلى جانب المولد النبوي، بموالد خمسة أخرى هي مولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومولد زوجه السيدة فاطمة الزهراء التي ينتسب الفاطميون إليها، ومولد الحسن، ومولد الحسين ابني علي، ومولد الخليفة الفاطمي القائم في الملك؛ هذا إلى مواسم وأعياد أخرى كيوم عاشوراء (عاشر محرم) الذي قتل فيه الحسين، وليلة أول رجب ونصفه وليلة أول شعبان ونصفه وهي ليالي الوقود الشهيرة؛ ثم كانت هنالك أعياد قومية أخرى كيوم فتح الخليج، ويوم الميلاد النصراني ويوم النوروز، ويوم الغطاس؛ ذلك أن الخلافة الفاطمية لم تنس أن تشمل رعاياها النصارى برعايتها وتسامحها في إحياء هذه الأعياد القومية القديمة بصفة رسمية، وفي أن تسبغ عليها من البهجة والبهاء ما يسبغ على الأعياد الأخرى.
وكان المولد النبوي الكريم في مقدمة الأعياد الإسلامية المقدسة، تحتفل به الدولة طبق رسوم معينة، ويحتفل به الشعب في فيض من الضجيج والمرح. وقد وصف لنا مؤرخو الدولة الفاطمية المعاصرين، كابن زولاق، والمسبحي، وابن الطوير، وابن المأمون، طرفاً من هذه المناظر والرسومالشائقة؛ وخلاصة هذه الرسوم، هو أنه إذا حل المولد النبوي، يطلق من الخزينة مبلغ كبير برسم الصدقات، ويطلق من دار الفطرة أربعون صينية فطرة ومن الخزائن سكر ولوز وعسل وزيت برسم خدمة المزارات التي بها - حسب قولهم - بعض أعضاء آل البيت، ويوزع من الحلوى بضع مائة ألف رطل، وكذا من الخبز كمية كبيرة. وفي يوم المولد النبوي - الثاني عشر من ربيع الأول - يخرج الخليفة في موكبه ليجلس في المنظرة الخلافية المجاورة للمشهد الحسيني؛ وهي أقرب المناظر إلى القصر؛ وتكون دار الفطرة قد أعدت ثلاثمائة صينية مجهزة بالحلوى اليابسة لتفرق في كبار الموظفين والقضاة، وفي مقدمتهم قاضي القضاة وداعي الدعاة، وقراء الحضرة وخطباء المساجد الجامعة. وعند الظهر يركب قاضي القضاة في موكبه من عند القصر، ويخلى ميدان القصر من الجماهير، ويترك للجمهور السلوك من ناحية أو اثنينْ، ويقوم والي القاهرة بالمحافظة على النظام مع رجاله؛ ويصل موكب قاضي القضاة من ناحية، ويصل موكب الحاجب الكبير من ناحية أخرى إلى ساحة المنظرة الخلافية وقد فرشت بالرمل؛ ويقف الجميع في الساحة متشوقين لرؤية الخليفة. وبعد نحو ساعة يطل الخليفة من إحدى
стр. 4296
الطاقات وعلى رأسه المنديل الخلافي، ومن ورائه بعض الأستاذين المحنكين ويطل أحد الأساتذة من طاقة أخرى ويقول: (أمير المؤمنين يرد عليكم السلام) ويسلم على الحضور؛ ثم يبدأ قراء الحضرة بالقراءة وقوفاً، ووجوههم إلى الجمهور، وظهرهم إلى المنظرة؛ ثم يلقى خطباء المساجد الجامعة خطبهم، فيبدأ خطيب الجامع الحاكمي، ثم خطيب الجامع الأزهر، ثم خطيب الجامع الأقمر؛ وتدور الخطبة حول المولد النبوي وقدسيته وفضله؛ فإذا انتهت الخطابة، أخرج الأستاذ رأسه من الطاقة ويده في كمه ورد على الجماعة السلام، ثم تغلق الطاقتان. ويحتجب الخليفة والأستاذ، وينتهي الاحتفال، وينفض الناس.
هذا، وإلى جانب الاحتفال الرسمي، يحتفل الشعب في كل مكان بإقامة المآدب الخاصة ليلة المولد النبوي، وفي مساء يوم المولد، وتسطع القاهرة في الليل بالأنوار الباهرة، وتغص الساحات والدروب بالجماهير المحتشدة، وتكثر النفقة والنزهة، وتقام أنواع الملاهي والمطاعم العامة، وتسير السفن في النيل والخليج محملة بالمتنزهين، ويكثر البر بالفقراء والمساكين.
وكان الاحتفال بالمولد النبوي في دول السلاطين المختلفة دائماً من الأعياد الرسمية، تحييه الحكومة والشعب، ويشهده السلاطين أحياناً؛ ولكنه لم يبلغ في ظل هذه الدول ما كان يبلغه من الفخامة والبهاء في ظل الدولة الفاطمية.
وفي عصر الحكم التركي، ذوى بهاء المواسم والأعياد الدينية كما ذوى كل شيء في الحياة العامة المصرية، وغلبت عليها التقاليد السخيفة، ولم يبق لها شيء من تلك الروعة التي كانت تهز قلوب المسلمين، وتبعث إليها الجلال والخشوع.
ويصف لنا الجبرتي طرفاً مما كانت عليه رسوم الاحتفال بالمولد النبوي في أواخر الحكم التركي وأيام الحملة الفرنسية، فيقول مثلاً في وصف احتفال سنة ١٢١٤هـ ما يأتي:
(وفي يوم الثلاثاء حادي عشره (أي حادي عشر ربيع الأول) عمل المولد النبوي بالأزبكية ودعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلاً وإسراج قناديل واصطناع مهرجان).
ويقول في وصف احتفال سنة ١٢١٦هـ ما يأتي:
стр. 4297
(وفيه (أي ربيع الأول) نودي بتزيين الأسواق من الغد تعظيما ليوم المولد النبوي الشريف فلما أصبح الأربعاء كررت المناداة والأمر بالكنس والرش فحصل الاعتناء وبذل الناس جهودهم وزينوا حوانيتهم بالشقق الحرير والزردخان والتفاصيل الهندية مع تخوفهم من العسكر. وركب المشار إليه عصر ذلك اليوم وشق المدينة وشاهد الشوارع. وعند المساء أوقدوا المصابيح والشموع ومنارات المساجد وحصل الجميع بتكية الكلشني على العادة، وتردد الناس ليلاً للفرجة وعملوا مغاني ومزامير في عدة جهات، وقراءة القرآن، وضجت الصغار في الأسواق وعم ذلك سائر اخطاط المدينة القاهرة، ومصر وبولاق. وكان من المعتاد القديم ألا يعتني بذلك إلا بجهة الأزبكية حيث سكن الشيخ البكري لأن عمل المولد من وظائفه وبولاق فقط).
وفي وصف احتفال سنة ١٢١٧هـ ما يأتي:
(فيه (ربيع الأول) شرعوا في عمل المولد النبوي وعملوا صواري ووقدة قبالة بيت الباشا وبيت الدفتر دار والشيخ البكري ونصبوا خياماً في وسط البركة ونودي في يوم الخميس بتزيين البلد وفتح الأسواق والحوانيت والسهر بالليل ثلاث ليال، أولها صبح يوم الجمعة وآخرها الأحد ليلة المولد الشريف فكان ذلك) ونستطيع أن نلمح في الاحتفال الرسمي الذي يقام في أيامنا احتفاء بالمولد النبوي الكريم بعض رسوم العصور الخالية، وبالأخص بعض المناظر التي ينقلها إلينا الجبرتي عن هيئة الاحتفال في أواخر العصر التركي، ولكنا لا نستطيع أن نلمح فيه كثيراً من تلك الروعة التي كانت تطبعه في عصور المجد والاستقلال، ولا نستطيع بالأخص أن نلمس آثار ذلك الصدى العميق الذي كان يتردد بين طوائف الشعب ويجعل من المولد النبوي الكريم عيداً دينياً وقومياً عاما يحتفي به الشعب بأسره).
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4298
من وراء البحر
للدكتور محمد عوض محمد
عزيزي الزيات
لقد غادرت القاهرة وأنا حانق عليك، غاضب ثائر. وكان مثلي كمثل هذا البحر - بحر الريفييرا - الذي ما برح هائجاً صاخباً. فاستحال علىّ أن أقضي الوقت في السباحة والاستحمام، واضطررت أن أقطع الوقت في الكتابة إليك كما ترى.
أجل! لقد تركت السواحل المصرية وأنا غاضب منك، ولحسن حظك أن بيني وبينك هذا البحر الطويل المديد العريض وإلا نالك مني بعض الأذى. فانك حاولت في العدد السابع والأربعين من (الرسالة) أن تفسد على عيشي، وتقطع عني الخبز الذي أتبلغ به في هذه الحياة الدنيا،
وتفصيل الحديث - إن كنت لم تدرك بعد ما جريرتك - أنك في العدد الأخير - الأخير بالنسبة إلي - حاولت أن تقطع عني وسائل عيشي؛ بأن تناولت أفاضل الشعراء بالنقد الشديد. لا لسبب سوى أنهم اتخذوا لأشعارهم عنوانات اقتبسوها من بيئة غير بيئتهم وأرض غير أرضهم؛ وقد تناولتهم من أجل ذلك باللوم ما شاء لك ذلك القلب القاسي الذي أتخذ جوانحك مستقراً ومقاماً.
وكأنما جهلت - يا أبا رجاء - أو تجاهلت أنني بحمد الله - الذي يحمد على الخير وعلى الشر - ما أكلت الخبز والملح (ومعهما - أحياناً - قليل من الجبن الدمياطي والخيار المصري) إلا بأمر واحد أؤديه في هذه الحياة، وهو تعليم الناس تقويم البلدان. ولست أدري أدفعتني في هذا الطريق ملائكة الرحمة أم شياطين العذاب. لكنه على كل حال هو الطريق الذي سلكت، والذي آكل منه الخبز والملح فكان الأجدر بمثلك لو انك ترى للمودة عهداً أن تشجع الشعراء على أن يقبلوا ما استطاعوا على تلك البيئات البعيدة، والأقطار النائية، يلتمسون فيها عنواناتهم وموضوعاتهم، فيضطرون إلى دراسة البلدان والأقاليم، ويبحثون في أسفار الجغرافيا عن صفة كل قطر وكل ظاهرة طبيعية، حتى إذا استوعبوا فهمها واستطاعوا الإحاطة بأسرارها سالت خواطرهم في وصفها قريضاً بديعاً. . . وهكذا يصبح الشعراء والكتاب طلبة يدرسون علم تقويم البلدان، ورسلاً لنشر الدعوة الجغرافية وبثها بين
стр. 4299
طبقات الأمة. وهكذا تروج بضاعتنا التي نأكل منها الخبز والملح، ومن يدري، فقد ينتهي بنا هذا لأن نصبح قادرين على التنعم بأشياء غير الخبز والملح - مما نجهله الآن كل الجهل.
إن واجب الجغرافيا - يا أبا رجاء - هو أن تدنى البعيد وأن تقرب أطراف العالم بعضها من بعض، وأن تعلمك وأمثالك كيف تتخذون الناس كلهم سكناً، وكيف تجعلون الأرض كلها داراً.
نريد لكم اليسر والسعة، ولا نريد لكم العسر والضيق، نريد أن يطلق سراح الكتاب، وألا يتقيدوا بسلاسل المكان وأغلال الزمان، فتنطلق أرواحهم في العالم الفسيح، وتشرب من كأس الحرية حتى تروى وتشفى.
أن الجغرافيا هي علم الكون، علم الوجود، ولهذا كانت أهم ما في الوجود من علم. ولهذا وجب على من كان مثلك - مهنته نشر الثقافة - ألا يقول كلمة واحدة تثبط همة المشتغلين بهذا العلم العظيم. .
لهذا أريد منك أن ترجع إلى الحق، وأن تعترف معي بأن (وراء الغمام) و (الملاح التائه) وما شابه ذلك عنوانات بديعة، وأنه لا يضير الكاتب الذي يستخدم مثل هذه العنوانات أن ليس في سماء القاهرة غمام كثير - مع أن في سماء الإسكندرية من الغمام ما يكفي لألف عنوان! - كذلك لا ضير على الكاتب أن يتحدث عن البراكين وجبال النار، والزلازل، وأمثال تلك الظاهرات التي لا نحسها في مصر إلا نادراً. ذلك لأننا معشر الجغرافيين نريد أن نبصر ثمار ما بذرناه من علم ونراها تؤتي أكلها في كل مكان.
هذا ما عنّ لي أن أقوله تأنيباً لك على أن حاولت أن تقطع عيشنا في هذا البلد الأمين. وأريد أن أزيد في التنكيل بك بأن أرسل إليك قصيدة كنت نظمتها في وصف (نهر في جبال الألب) فهي كما ترى لم تكتب عن نهر النيل. فإذا أردت أن تلومني في هذا، وليس هذا على جرأتك بعزيز - فاذكر أنني كتبت عن نهر النيل كتاباً كاملاً؛ قد أتعبني في النهار وأسهرني الليل أعواماً طوالاً. أما النهر في جبال الألب فما كان له مني سوى جلسة قصيرة جلستها بجانبه أراقب مجراه، وأصغي إلى خريره وزئيره. لم يسهد له طرف، ولم يدمع له جفن.
стр. 4300
وعندي أن الذين يبحثون عن موضوعاتهم في غير بيئتهم لا يضربون لنا مثلاً لما نسميه (الامتيازات) في الأدب؛ بل للاستعمار في الأدب. فمادام الأسلوب عربياً، والصبغة والنزعة عربيتين؛ فلن يضير الشاعر أن يفتش أرجاء العالم في سبيل البحث عن موضوعه، أو عن استعاراته أو معانيه. والذي قد يعاب على الكاتب العربي هو هذا الولع باصطلاحات غربية تبدو للعربي بادية السخف، مثل قولهم (كوبيد رماني بسهم) أو ما شاكل ذلك من الاصطلاحات التي لا طلعت ولا نزلت. وليست عبادة الغربيين مقصورة على شعرائنا بل هي كذلك شائعة في سائر الكتاب ورجال السياسة. فكل نغمة - مهما كانت سخيفة - مطربة لهم مادامت خارجه من قيثارة غربية. وكل حكم نافذ مادام صادراً من محكمة غربية. وأكبر عار على الأديب المصري أن يكون إلمامه بأدب الغرب أكبر من إلمامه بأدب الشرق.
والآن ما خطب تلك القصيدة التي أريد أن أثأر بها منك: والتي موضوعها (نهر في جبال الألب)؟ إنها ليست من جليل الشعر ولا خطيره، ولكني مادمت أرسلها إليك للتنكيل بك فلن أهتم بتنقيحها وتهذيبها. فهاكها:
يحار لبي إذ أرى … مَسيلَ هذا الجدول
وإذ أرى انحداره … يسبق لَْمح المُقل
لا يستقر في المس … سير لحظةٍ بمنزل
كأنه مُندفعٌ … بالخوف أو بالأمل
أو سائر لغاية … بعزمة لم تُفْلل
ينقض في انسيابه … مثل هُوِيِّ الأجدل
مِن مَدْفَع لمدفع … وجندل لجندل
فاعجب لماء شبمٍ … يجيش مثل المرْجل!
مصطخب مضطرب … محتدم منفعل
وهائج في مائج … ومدبر في مقبل
وعابس في ضاحك … ومنجد في مسهل
وأول في آخر … وآخر في أول
стр. 4301
مستعجلاً وليس يخ … شى زلة المستعجل
وليس يُعييه المسيرُ … في الضحى والأصُل
عليه من حبابه … ثوب كأبهى الحلل
رذاذه مثل شرار … ناره لم تشعل
منتثرٍ منتشرٍ … في السهل أو في الجبل
شلاّلهُ يهوى هو … ى شُهب ليل أليل
كعمد من فضة … أو كملاء مًسدل
أو حائط من مرمر … يلمع كالسجنجل
أو ذوب بلور هوى … من حالق لأسفل
في صخب ولجب … متصل منفصل
يكاد أن يسمع من … بالمشترى أو زحل!
زئيره يطغى على=خريره المتصل
مثل زئير الأسد يخ … في شدو كل بلبل
أصغي إليه صامتاً … في هيبة ووجل
أسمع في خريره … ذكرى العصور الأول
كأنه صوت الزمان … من قديم الأزل
ينبئ بالماضي وقد … يهمس بالمستقبل
سفر يخط الدهر فيه … كل سطر منزل
من كل معنى مُذْهل … وكل سر مُعضل
يا ليت شعري إذ أرا … هـ في سراه المعجل
هل هو رمز للخلو - د والوجود الأزلي
أم هو رمز للفنا … يبدو وللتحول؟
وقد أراه قدوةً … لنا وخير مَثَل
لو أن فينا بعض ما في … هـ الخُلقِِ العلى
من شدة وعزمه … وقوةٍ وعمل
стр. 4302
إذن لكنا دولة … بين كرامِ الدول
والآن أيها الصديق تحية وسلاماً. . . أرجو أن أكون قد نكلت بك كما أردت واشتهيت؛ وان عدتم عدنا. وإلى اللقاء
أخوك المخلص
جوان لي بان في ٦ حزيران
محمد عوض
стр. 4303
بين العلم والأدب
هل يميت العلم الشعور؟
بقلم محمد روحي فيصل
(العلم يجفف القلب ويميت الشعور)
رأى أملاه على منذ سنوات أحد أساتذتي الأدباء ممن لا بأس بلبه وعقله، ولايتهم في فطنته وبصيرته، ثم سمعته من بعض الشباب الناهض المتأدب وقرأته لغير واحد من كبار الكتاب في مصر والشام والعراق. فإذا الرأي شائع معروف، ثابت الأصول منبسط الفروع يرد أبداً على طرف اللسان وشق القلم، وإذا الناس يخشون العلم ويخافون على قلوبهم ونفوسهم من بأسه وضرره، وإذا هوة سحيقة المنأى بعيدة المستقر تفصل العلم عن الأدب وتباعد بين أسبابهما وأدواتهما، أما أن بعض مصطلحات العلم جاف شديد الجفاف فهذا ما لا يختلف فيه اثنان، وأما أن قوام العلم المنطق والعقل فهذا حق إلى حد ما، وأما أن العلم ذاته يميت الشعور فهذا ما نحب أن نعالجه الآن في جرأة وإخلاص، ونناقشه في روية وهدوء ونحن نغتبط كل الغبطة حين تعنى الصحف والمجلات بالأدب، تعقد له الفصول الطوال وتدعو إلى تفهمه ودراسته، وتبذل لهذا كله قوتها وجهودها ونرجو ان تكون النهضة الأدبية مقدسة مباركة تحفها أشعة من نور وهالة من بهاء، فليس أدل على حياة الأمة من الفن والأدب يعرض عليك، في وضوح ودقة، ميولها وأهواءها وأفكارها وسائر ما يتردد بين قلبها وعقلها من الخواطر والانفعالات. ولكن مفهومه على النحو الصحيح ما يزال مبلبلاً مهلهلاً. ما هو افقه وغايته؟ ما هو مقياسه وحدوده؟ ما صلته بالعلم؟ ما قيمته في عالم المعرفة؟ هذه أسئلة يختلف كتابنا في الإجابة عليها تمام الاختلاف، ويذهبون فيها شتى المذاهب.
أما نزال بسطاء سذجاً تخدعنا البهرجة الكاذبة، والطلاوة العابثة، وتفتننا الألاعيب اللفظية والأناقة الكلامية؟ ألسنا على ثقافتنا وجلال نهضتنا نجهل مقاييس الأدب الصحيحة، وحدود الجودة والرداءة، ومواطن الجمال والدمامة؟ ألسنا نستحسن ما تغثي منه النفس؛ وما هو حقيق بالنبذ والإهمال، ثم نستقبح ما قد يكون في الذروة من البلاغة الجميلة الرائعة؟
ذلك ناشئ عن فساد في الذوق، وجدب في التربة، وكره للعلم وابتعاد عن دراسته وتحصيله، وعندي أن كل إنتاج في الأدب. لم يبدأ بإصلاح هذا الرأي فإنما هو محاولة
стр. 4304
فاشلة فائلة، ومضيعة للجهود المبذولة في غير طائل ولا نفع.
في الدنيا جمال، وفي الدنيا حقيقة، وفي الدنيا خير. أقانيم ثلاثة تتحد في السبب وتتصل في الجوهر والعرض، أو هي مثل عليا متداخلة متشابكة، ففي الجمال حقيقة، وفي الحقيقة جمال وهكذا. . . فالأدب إنما ينبغي أن يستند إلى شئ من العلوم التجريبية والنفسية والاجتماعية، ويعتمد على ما أثبته العلم في مختلف الميادين والموضوعات، والأديب والعالم إنما يجب ان يتصالحا ويتصاحبا فكلاهما ينظر إلى الطبيعة والحياة من ناحية، هذا يكشف عن حقيقتها وذاك عن جمالها، وهما بعد يتعاونان على بحثها واجتلائها.
فالعلماء مجمعون فيما بينهم على ان غاية العلم إنما ينبغي أن تكون البحث عن الحقيقة الخالدة يتحرونها في كل مظهر من مظاهر الوجود، لا لنتائجها العملية يستخدمونها في حياتهم ومعاشهم، بل حباً في الإطلاع وإشباعا للنفس. هم يطلبون العلم لذات العلم لا لآراب أخر، ويلحون في أن يكون خلواً من الأغراض والمنافع، بريئاً من كل نزعة تطبيقية. يريدون ان يكون العلم نظرياً محضاً يستهدف الحقيقة في كنهها وصفاتها ودلائلها ونسبها. يقول هنري بوانكاريه (إن معرفة الحقيقة يجب أن تكون غاية نهضتنا) ويقول شالي (كلما سما العلم وتجرد عن المقاصد والأغراض في العصر الحاضر كان للأجيال الآتية اكثر خيراً وأعظم نفعاً).
وليست المادة وحدها بالتي يتناولها العلم فيدرسها وإنما هو يبحث أيضا في حياة النفس وأحداثها، فهي في نظره موضوع للتفكير كالمادة سواء بسواء. . فالعلوم على اختلافها إنما هي دروب ما تتشعب وتنحرف إلا لتلتقي في نقطة واحدة هي (الحقيقة). أفتظن إن معرفة هذه الحقيقة التي يبذل العالم لها جهوداً جبارة هي سبيل لتجفيف قلبه، وإطفاء معنى الشعر فيه!! لا! لعمري إن العالم الذي يصل إلى حقيقة من الحقائق إنما تمتلئ نفسه في الحال بهذا السرور وهذه النشوة العلوية، فليس أدعى للذة ولا اكثر مجلبة للسعادة من عرفان الحقيقة!! أذكر عالماً من العلماء - وأظنه الكيميائي داوي قد أخذ نفسه بدراسة (البوتاسيوم) في مخبره، فلما عرف حقيقة الجسم قام حول الطاولة يرقص بهجاً طروباً!! وكان أرخميدس يوماً في الحمام يجري عمليته في سبيكة المعدن ليعرف مقدار الذهب فيها والفضة، حتى إذا لاحت له الحقيقة خرج في شوارع المدينة عارياً حافياً يصيح: وجدتها. ففي خروجه على
стр. 4305
هذه الحال من العرى والحفاء، وفي صراخه القوي البهيج، صورة جامعة تامة الخطوط والألوان للذهول الشديد الناشئ من اللذة الفجائية الطافرة التي بعثت في قلبه المشاعر والعواطف، وأسالت منه أقصى حدود الفرح والبشر، وطبعت على شفتيه المنفرجتين بسمة حلوة مشرقة!!
ولعل الحقيقة النفسية اكثر الحقائق مدعاة للسرور، فهي التي تهمنا قبل كل شيء لأنها تتصل بنا وتؤلف الجانب الأكبر من حياتنا، فالكشف عنها إنما هو اجتلاء أفق فسيح عجيب، ملؤه الجمال والجلال.
إن العلوم التجريبية تسمو دوماً من الحوادث والواقع إلى القانون. هي تعلو وتعلو في جو التجريد حتى تحصر مظاهر الكون في هذا الرمز الصغير المدعو (قانون). فالقانون علاقة بسيطة تريك هذا النظام الدقيق الذي تتقيد به الطبيعة، وتخضع له من غير شذوذ ولا مصادفة. فنحن حين نقرر سقوط الأجسام كلها نحو مركز الأرض نوضح هذا التجاذب القوي العام الذي يحصل بين الكتلات، نوضح ناحية من نواحي الوجود لها قيمتها ولها أثرها. وهذا التجاذب هو في الحق حلقه من سلسلة النظام الطبيعي. فالقانون هو، على حد تعبير هنري بوانكاريه، أحدث وسيله لجأ إليها العقل البشري للتعبير عن هذا النظام الطبيعي. أفلا يروقك أن تلحظ أن في هذا العالم الذي تعيش بين جوانبه، والذي أنت عنصر كريم من عناصره العديدة - اتساقاً وانسجاماً بديعينً؟!
لقد كان الناس في العصور الخوالي يتطلبون من آلهتهم معجزات خوارق يثبتون بها وجودهم وقدرتهم، وإنما الأعجوبة الرائعة حقاً ألا يكون هناك أية معجزة خارقة، وأن يكون كل شيء في الطبيعة يسير على خط منتظم في حركة منتظمة، لا اعوجاج في الخط ولا تزايد في الحركة!! فنظام الطبيعة الذي يكشف عن العلم شيئاً فشيئاً هو مصدر كل جمال وكل شعر، يبعث في القلب أسمى الشعور وأدق النزوات. . .
لعل الذي يقول بتجفيف العلم للقلب إنما ينظر إلى هذه المجازر البشرية، وإلى تلك الشرور والآثام التي كان العلم فيها عاملاً قوياً لهتك الفضيلة وسفك الدماء. . هذا صحيح، ولكن العلم في ذاته لا يبغي إلا هدفاً شريفاً منزهاً عن كل النزعات البشعة، فهو يصلح للخير ويصلح للشر، ويستخدم لرفع مستوى الإنسانية ويستخدم لتدنيسها، فليس الذنب ذنبه وإنما
стр. 4306
هو ذنب من حمله! فأنت تستطيع أن تنقم عليهم، وتستطيع أن تكيل لهم أشنع النعوت والصفات ولكنك، مضطر إلى أن تقف في محراب العلم خاشعاً متصدعاً، تتلو آي الحمد والإجلال، وترتل أناشيد الحب والإعجاب!!
أو لعل الذي يقول بتجفيف العلم للقلب إنما يزن الحقائق التي اجتلاها الإنسان خلال هذه العصور الطويلة، فوجدها ضئيلة هزيلة لا تعدل ما بذل في سبيلها من جهود. . وهذا صحيح أيضاً، فالحقيقة لا تطفو على ظاهر الأشياء ولا تستبين بارزة عارية وإنما هي خيال ما يكاد يتراءى للعين والبصيرة حتى يختفى، ولقد يضطر العالم إلى اللحاق به فيعدو ويعدو ثم يعود في الأعم من الأحوال خاسراً خائباً. فتحري الحقيقة عمل شاق مضن، ولذا اشترط على العالم الصبر والأناة والجلد. على أن ما علمناه يزيد في ثراء خزانة المعارف، ويهيب إلى القول أن الإنسان الحاضر أرقى من الإنسان الأول، واكثر منه كمالاً. أقول كمالاً ولا أقول سعادة، لأن السعادة غير منوطة بالعلم أو ناتجة عنه، ولعلها بالجهل أجدر واليق، ولعل العلم يبعث القلق والاضطراب، ويثير أحلام النفس لغافية ووساوسها الكامنة.
اكتشاف الحقيقة لا يتم إلا بالخيال والعاطفة، وهما أهم مقومات الشعر والأدب، يتخذهما العلم في البداءة جناحاً يطير به، ووسيلة يلجأ إليها، فهما أداتان لا غنىله عنهما، أفيستطيع العالم تبيان مجاهل الكون إلا بالتخيل والتصور، يرسم حدودها وأشكالها على صحيفة مخيلته قبل أن يعرفها بالواقع والمحسوس؟ أفلم تكن العاطفة والرغبة حافزاً للمعرفة وداعياً إلى الإحاطة بها؟. . ومع أن العلماء حددوا مدى الخيال، وألزموا الحس بالبرهان فلقد راضوهما كثيراً واستنهضوهماً كثيراً.
فالمعهود أن ملكة التخيل والفرض قوية نامية عند العلماء والمفكرين، والمعهود أن كبار الأدباء كانوا علماء أو مثقفين ثقافة علمية متينة واسعة. فهذا جيتي الأديب العبقري كان عالماً من علماء القرن الثامن عشر، له في النبات نظرية (التحور) وله في طبقات الأرض والأحجار الكريمة آراء محترمة، يعتقد ببساطة النور ويقول إن جمجمة الرأس إنما هي حلقة من حلقات العمود الفقري تطورت ونمت فصارت إلى ما هي عليه الآن من التجسم والضخامة. أما بساطة النور فلا يؤمن بها أحد من العلماء اليوم، وأما نظرية الجمجمة فلا تتلاءم مع علم الرشيم الحديث فعدل عنها، وان شئت فقل أنها تحورت إلى نظرية أخرى.
стр. 4307
كان جيتي أديباً كبيراً وكان عالماً حقاً، لم يمنعه علمه من الإنتاج في الفن والأدب، ولم يمنعه علمه من الاسترسال وراء الخيال الصادق الصحيح، وهل الخيال الصادق الصحيح إلا ظل الحقيقة وصورة الواقع؟؟
إنما يكشف العلم عن مصادر خصبة للجمال يجدر بالأديب أن يتأملها ويستوحيها، يهيج الخيال وينشط العاطفة ثم يسبغ عليها من روعة الحقيقة ما يلهبها ويؤججها.
حمص
محمد روحي فيصل
стр. 4308
في الأفق الدولي
جبهة أوربية جديدة
كان اعتراف دول الاتفاق الصغير بروسيا السوفيتية واجتماع السينور موسوليني والهر هتلر أهم الأحداث الدولية التي وقعت في الأسبوعين الأخيرين. وتوجد بين الحادثين صله وثيقة، وكلاهما يرجع إلى نفس البواعث والظروف التي تدفع أوربا اليوم إلى منحدر شديد الحلك. وقد بينا في مقال سابق في الرسالة أن التأريخ يعيد نفسه، وأن أوربا القديمة تعود فتبدو للعالم كما كانت قبل الحرب مسرحاً للتنافس الحربي وعقد المحالفات السرية، وتنظيم الجباه الخصيمة. وقد بدأت فرنسا مذ رأت تصميم ألمانيا على تسليح نفسها بتنظيم جبهه سياسية عسكرية تستطيع ان تعتمد عليها في مقاومة ألمانيا إذا ما نشبت بينهما الحرب؛ ولما كانت العلائق قد فترت بين ألمانيا وروسيا على أثر قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا وسحقه للحركة الديمقراطية ومجاهرته بخصومة روسيا السوفيتية، فقد رأت فرنسا أن تعود فتتقرب من روسيا وأن تحاول إحياء التحالف الذي كان معقوداً بينهما قبل الحرب ضد ألمانيا. فبعثت مسيو هريو رئيس الوزارة الأسبق إلى روسيا ليمهد السبيل لهذا التحالف، ورأت روسيا من جانبها أنها في حاجة لتوطيد مركزها بين الدول الغربية، وتأمين سلامة حدودها الأوربية لكي تستطيع التفرغ نوعاً لمقاومة الخطر الياباني في الشرق الأقصى، فرحبت بهذه الخطوة؛ واستمرت فرنسا في سعيها لتنظيم هذه الجبهة الشرقية ضد ألمانيا، حتى استطاعت أن تحمل دولتين من دول الاتفاق الصغير هما رومانيا وتشيكوسلوفاكيا على الاعتراف بروسيا السوفيتية تمهيداً لعقد التحالف بينهما وبين روسيا. وقد جاء اعتراف الدولتين بروسيا على أثر الزيارة التي قام بها مسيو بارتو وزير الخارجية الفرنسية لكل منهما. ونفوذ فرنسا في رومانيا وتشيكوسلوفاكيا معروف، وهو الذي يوجه سياستهما الخارجية منذ نهاية الحرب الكبرى. ونستطيع أن نقارن بين رحلة مسيو بارتو التي أسفرت عن التمهيد لهذا التحالف برحلة مسيو بوانكاريه التي قام بها قُبيل الحرب الكبرى في روسيا وما انتهت إليه من توثيق التحالف بين روسيَا وفرنسا.
اجتماع هتلر وموسوليني
وقد كان لهذه الحركة التي قامت بها فرنسا في تنظيم الجبهة الجديدة وقع عظيم في ألمانيا
стр. 4309
لأنها هي المقصودة بها قبل كل شيء. وقد شعرت ألمانيا الآن بخطر العزلة السياسية والاقتصادية التي انتهت إليها، وكان للسياسة الهتلرية وما أبدته من العنف وقصر النظر أكبر أثر فيها. ففي عام ونصف عام فقط، منذ قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا، فقدت ألمانيا كثيراً من عطف الرأي العالمي، وفقدت صداقة روسيا السوفيتية وما كانت تتمتع به فيها من مركز اقتصادي ممتاز، وأثار عنف السياسة الهتلرية عليها كثيراً من الأحقاد في النمسا وتشيكوسلوفاكيا، ودفعها بسرعة إلى طريق الخراب الاقتصادي. وقد شعر الهتلريون بخطورة المأزق الذي دفعوا إليه ألمانيا، ولم يجدوا قبلة يتجهون إليها اليوم في أوربا غير إيطاليا. والسياسة الإيطالية تشعر بعطف خاص نحو ألمانيا الهتلرية أولا لما بين الطغيان الفاشستي والطغيان الإيطالي من وجوه الشبه في الوسائل والغايات، وثانياً لاتفاق الرأي بينهما في بعض المسائل الخارجية مثل وجوب تنقيح معاهدة الصلح، وميثاق عصبة الأمم، وتسوية مسألة نزع السلاح على قاعدة المساواة بين الدول العظمى. هذا وإيطاليا تشعر نحو السياسة الفرنسية في القارة بغيرة شديدة وتتوجس من عواقبها ولاسيما في أوربا الوسطى، وتحقد على فرنسا لأنها تحول دون توسعها الاستعماري في أفريقية؛ والخلاصة أن هنالك أسبابا وبواعث كثيرة تجمع بين ألمانيا وإيطاليا في الظروف الحالية؛ وتقرب بينهما في الرأي والغايات.
تلك هي العوامل التي حملت هتلر زعيم الوطنية الاشتراكية الألمانية، وموسوليني زعيم الفاشستية على اللقاء بسرعة للبحث والتفاهم. وقد تم اللقاء بين الزعيمين في مدينة البندقية (فنيزيا) وأستمر يومي ١٤و١٥يونيه. ولم تذع تفاصيل شافية عما دار عليه البحث أو تقرر؛ ولكن المفهوم أنه تناول كل الوسائل الخطيرة التي تهم البلدين، وفي مقدمتها مسألة التوازن الأوربي، ومقاومة السياسة الفرنسية في تنظيم الجبهة الخصيمة، ومسالة نزع السلاح وعصبة الأمم، ومسألة استقلال النمسا وضمان السلم في أوربا الوسطى. وقد أفاضت الصحف الألمانية في أهمية هذا الاجتماع وخطورة أثره في مستقبل السياسة الأوربية؛ وكانت الصحف الإيطالية أكثر تحفظاً. ولا ريب في أهمية الاجتماع وخطورته؛ ولكنه من جهة أخرى دليل على خطورة المأزق الذي صارت إليه ألمانيا في ظل الوطنية الاشتراكية، وعلى جزعها من عواقب العزلة السياسية التي انتهت إليها، وشعورها بالحاجة
стр. 4310
إلى التعاون الخارجي.
(ع)
следующие страницы →