Полный текст (65 431 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
في الربيع. . .
منذ أيام تيقظت الطبيعة من رقادها الطويل، وأخذت تنضح جفنها الوسنان بأنداء الربيع، وتبحث عن حللها وحلاها في خزائن الأرض، وتأهب كل حي ليحتفل بشبابها العائد وجمالها المبعوث. فالحياة الهامدة تنتعش في الغصون الذابلة، والطيور النازحة تعود إلى الأعشاش المقفرة، والأفنان السليبة تتفطر بالأوراق الغضة، وبأرض النبت يحوك على أديم الثرى أفواف الوشى، والنسيم الفاتر يروض أجنحته ليحمل إلى الناس رسالة الزهور، وسر الحياة يستعلن في الحي فينتشي ويمرح، وطيوف الهوى تمس القلوب فتهفو وتختلج، والعالم كله يسبح في فيض سماوي من الجمال والنشوة والغبطة؛
اللهم إلا الإنسان!!
فقد حاول بادعائه وكبريائه أن يكون عالماً بذاته، فكان نشوزاً في نغم الكون، ونفورا في نظام العالم، فلو أنه اقتصد في تصنعه وائتلف كما كان بالطبيعة، لاتَّحَدَ الآن مع الربيع فشعر بتدفق الحياة في جسمه، وإشراق الصفاء في نفسه، وانبثاق الحب في قلبه، وأحس أنه هو في وقت واحد زهرة تفوح، وخضرة تروق، وطائر يشدو، وطلاقة تفيض على ما حولها البشر والبهجة!
لا يكاد يقبل على أوربا الربيع حتى تختلط أناشيد الشعراء وأغاريد البلابل في تمجيده وإعلانه، لأنه يفد إليهم فيرد عليهم النور والدفء والزهر والجمال والحركة.
أما نحن فلا نكاد نفطن لحلوله ولا لرحيله، لأن العالم كله على ضفاف الوادي يوم من أيام الربيع: فجره النديُّ يناير، وضحاه الزاهر أبريل، وظهره الساطع يوليو، وأصيله الرخيُّ أكتوبر!
فليس للربيع المصري على سائر الفصول فضل إلا بذلك السر الإلهي الذي تتشقق عنه الأرض، فيسري في العود، ويشيع في الجو، ويدب في الأجسام، وينشأ عنه هذا البعث الصغير!
ففي الربيع يشتد الشعور بالجمال وبالحاجة إلى التجمل، فترى الشباب بجنسيه يستعير ألوان الرياض، وعبير الخمائل، ومرح الطيور، ويحتشد في دور الملاهي، وصدور الشوارع، فيخلع على الوجود وضاءة الحسن، وعلى الحياة رونق السعادة!
وأجمل شيء في ربيع القاهرة أصائله وأماسيه!
стр. 457
ففي هذين الوقتين تزدهر شوارع القاهرة الحديثة بزهرات شتى الألوان من بنات الإنسان، فتملأ الجو عطراً، والعيون سحراً، والقلوب فتنة!
وهنالك على أفاريز الطرق، ومشارف المقاهي، تقف أبصار الكهول والشيوخ حائرة مبهورة تلسع بالنظر الرغيب هذا الحسن المصون! وبين النظرة والنظرة عَبرة جافة تَصعَّد أسى على شباب ذاهب لا يرجع، وجمال رائع لا يُنال!
وفي الربيع تضطرم العواطف والعزائم في الشباب، فينفحون بالأمل والطموح والحب نَفَحان الورُود النِواضر بِعَرْف الطيب! فقصائدهم الغزلية تنثال كل يوم على بريد (الرسالة) فيحول بينها وبين استيعاب (نشرها) العَطِرِ صفحاتها المعدودة.
وكتبهم القيمة تظهر فياضة بالأفكار الوثابة، والعواطف المشبوبة: كالفكر والعالم، والشعبية، وعلى طريق الهند، والحياة الثانية، والربيع، والضحايا، وغير ذلك مما نقرأه الآن لنعود إلى نقده وتحليله بعد.
ومشروعاتهم الاقتصادية والثقافية تظهر موسومة بطابع الإقدام والإخلاص والوطنية؛ كمشروع تعاون الشباب لمزاولة الأعمال الحرة، ومشروع القرى لتثقيف العامة.
وفي الربيع تحتدم الطباع في الأدباء الكهول، فيثب بعضهم على بعض بالهجو المقذع والنقد اللاذع، ويتنافرون تناقر النسور على الصخور، والطيور الوديعة جاثمة في ظلال الغصون ترقب المعركة على بعد، فكلما رأوا الريش المنتوف والدم المنزوف، كبّروا واستبشروا، ودعوا الله في أغرودة شامتة أن يتفانى الفريقان، ليخلو الجو من البزاة والعقبان!
وأدباؤنا الكهول شديد بعضهم على بعض! فهم يسخون بالنقد الممِض، ويضنون بالتقريظ العادل، كأنما العصر لا يحتمل غير كاتب من الكتاب، والمكاتب لا تحتمل لغير كتاب من الكتب!
ويعجبني الأستاذ صاحب رواية (الهادي): عرف أن الأدباء ربما خرجوا عن نقدها وتقريظها بالصمت كالعادة، فكتب هو في مدحها فصلا في البلاغ. والإنسان أولى الناس بخيره، وأعرف بقيمة عمله من غيره.
وفي الربيع تتقد حَمِية العروبة في العرب. فتسمع اليوم في فلسطين والشام أبناء الشعب
стр. 458
الخالد، ووراث المجد التالد، يصرخون صراخ الأسد في راقد العدل أن يستيقظ، وفي غائب الحق أن يثوب!
وترى في العراق حطام السياسة البالية تكسحه الريح كسحها للهشيم، ثم تقوم على هذا الطلل المنسوف حكومة فيها حيوية الربيع، ولكن ليس فيها شبابه!
والشباب في العراق كالشباب في مصر منذ سنين: يحاول القائمون على أمره أن يربوه تربية الدجاج: ينقنق دائراً بين الحَب والماء، ويبحث في الأرض ليذهل عن السماء، ويأبى الشباب إلا أن يكون طيراً يحتقر القفص، ويقتحم الجو، ويسمو إلى الغاية! والغد على كل حال يومه!.
أحمد حسن الزيات
стр. 459
الخجول
خجول بطبعه، ضعيف الثقة بنفسه، إن تحدث ظن حديثه مملولا فيقتضبه، أو معروفاً فتحمر بالخجل وجنتاه، ويبتل بالعرق جبينه. . ويحاول التخلص من موضوعه فلا يعرف، فيتلعثم لسانه، ويموت على شفتيه كلامه.
إذا أراد شراء حاجة، كان كمن يحاول فعل شيء محرَّم، فهو يخرج من شارع إلى شارع، ويمر من أمام حانوت إِلى أمام حانوت، دون أن يجرؤ على دخول واحد منها!! ولا يزال كذلك حتى تكل رجلاه، فينكفئ راجعاً إلى بيته؛ فإذا كانت الحاجة شديدة، نسي خجله لحين، ثم استجمع ما استطاع من الشجاعة، ودخل رابع حانوت يقابله. فيطلب ما يشاء في صوت المسترحم، فإذا ما أحضر إليه، لم يفكر في جودة الصنف ولا في غلاء الثمن. . بل يؤدي الثمن فوراً. . ويغادر المحل منتصرا. .!!
إذا قابل صديقاً انضمت يمناه إلى يسراه وأخذتا تتحاكَّان! فإذا كانت إحداهما مشغولة، ارتفعت الثانية إلى ذقنه. . أو إلى طربوشه. . أو إلى أذنه. . . .
والسلام! أمر ما أشقه! فهو يبدأه والصديق على مسافة طويلة، ثم يحيي بصوت خافت لا يكاد هو يسمعه.
هذا إذا كان الصديق بازائه، ولا مفر له من لقائه، أما إذا استطاع أن يهرب فهو يوفر على نفسه كل هذا العناء في خفة يحسده عليها اللص!
إذا دعوته إليك، اعتذر وبالغ في الاعتذار، فإذا ألححت في الدعوة، دفعه خجله إلى الإجابة، وكم تكون تضحيته عظيمة في هذه الحالة! فهو يتحمل ساعة ما أشقها على نفسه! كلها عمل وإجهاد فكر. . . لا يكاد يدخل الحجرة حتى يصطدم بأول كرسي يقابله، فإذا ما حاول إعادته إلى وضعه الأول اصطدمت يده بالمنضدة. . . .
إذا قدمت إليه القهوة اعتذر عن شربها. . ولكنه يتناول الفنجان عندما يقدمه إليه صديق، ولا يكاد يمسكه حتى تقوم في الفنجان عاصفة تدفع بالقهوة يمينا وشمالا، ولا مفر لها من هذا الاضطراب، ما دام هو بعينه حال يده. .!!
إذا طلب إليه صديق أن يقرضه مبلغا من المال، امتدت يده إلى جيبه فأخرج المطلوب دون وعي ولا تفكير!!
وقد يحتاج هذا المال بعد أيام، وتضطره الحاجة إلى الذهاب إلى صديقه، فإذا ما بلغ البيت
стр. 460
نسي سبب المجيء، وكاد يعود أدراجه. . . ولكن الحاجة تلح عليه. . فتدفعه إلى داخل المنزل. . فإذا ما قابل الصديق نسي كل شيء. . .!!
وهو شاب مثقف، له غرام بالأدب الحديث، وله آراء سديدة فيه، ولكنه عندما يعارَض، ينسى آراءه ويعتقد أنها خاطئة، وإن كان لا يعرف وجه الخطأ فيها. . .!!
قدِّر لي أن أسمع حديث حبه وغرامه. .، وقد كان هذا منه غريبا، ولكن أغرب منه غرامه، فقد رأى حبيبته مارة أمام بيته في خفة الغزال، وجمال الزهرة، فأعجب بها، ووقع في شراك حبها. .، وكان يظفر منها كل يوم بنظرة في هذا المكان وفي هذا الوقت. . أما اسمها ومنزلها وأسرتها فذلك أبعد شيء يفكر فيه. . .
أليس الخجل كالتردد (مرضا من الأمراض يصيب المرء في حياته العملية فيغل يده ويشل عقله) ويجعل الحياة في نظره عبثا لا يحتمل، ولغزا لا يحل؟
سليمان محمود جاد
стр. 461
الزهرة
الزهرة ابنة الصباح، وجمال الربيع، ومنبع العطر، وظرف العذارى، وغرام الشعراء!
هي كالإنسان، قليلة البقاء، سريعة الفناء. ولكنها تُساقط أوراقها على الأرض في أناقة ولين!
كان القدماء يُجملون بها كؤوس موائدهم، ويتوجون بها رؤوس حكمائهم، ويجلّلون بها أجساد شهدائهم. أما اليوم، فتذكارا لهذه الأيام الغابرة نضعها نحن في معابدنا، ونعبر بألوانها عن مشاعرنا: فالأمل باخضرارها، والطهر بياضها، واشتعال الحب باحمرارها، والغيرة باصفرارها. فهي كتاب رشيق أنيق. يجمع بين دفتيه تاريخ الحب وثورات القلوب، ولكن لا أثر فيه للفتن والحروب!
محمد توفيق يونس
стр. 462
من رسالة إلى صديق
حول التجديد
. . . الجديد جديد في مظهره، قديم في جوهره، لا يصلح موضعاً لدرس ولا موضوعاً لحديث.
ستقول: إذن ما بال هذه القصائد الرائعة التي يجلوها الشعراء والمقالات الرائقة التي يدبجها الكتاب؟ فأقول لك إنك إذن تفهم من كلمتي القديم والجديد غير ما أفهم، وتريد من مدلولهما غير الذي أريد. كأنك تريد بهما ما كان يريده الأقدمون حين كانوا يتمارون في شعر امرئ القيس وجرير وأبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي وابن هانئ. والأقدمون كما تعلم إنما كانوا يختلفون في شكل الشعر لا في موضوعه، فهم يتكلمون في اللفظ الجزل والركيك، والأسلوب الرصين والمهلهل، والمعنى المسروق والمطروق، والتشبيه المنتزع من وجوه البادية أو من صور الحضر، والمطلع الجيد والرديء، والتخلص الحسن والقبيح، ويجرون في كل ذلك على أذواق تختلف باختلاف الطبقات والبيئات والصناعات والأجناس. وعذرهم في ذلك واضح. فالشعراء لأسباب فطرية واجتماعية، لم يقدموا إليهم الا نوعاً واحداً من الشعر هو ما يتعلق بالوجدان والعاطفة. فكان النقاد أمام وحدة الشعر العربي ونقصه، مسوقين إلى أن يقصروا جهودهم على لفظه: يحكون معدنه، ويعجمون عوده، ويسبرون غوره بالموازنة والمقارنة والتعقب. والشكل الخارجي حكمه حكم اللباس والأثاث والآنية: يتغير بتغير الزمان والمكان والحالة، ليس لأحد في ذلك حيلة.
فهل ترى أن أبا نواس مجدد بالإضافة إلى أمرؤ القيس، لأنه بدأ قصيدة بوصف الخمر، وتكلم في الغلمان والطرد؟ أو أن المتنبي مجدد بالإضافة إلى أبي نواس، لأنه داف شيئاً من فلسفة اليونان في شعره؟ أو أن مطرانا مجدد بالإضافة إلى المتنبي، لأنه ذكر القطار والكهرباء، ولوّن أدبه بأدب الغرب؟ أني لا أرى في مثل هذا التفاوت الظاهري تجديداً، ما دام الشعر قد ظل في كل هذه العصور واحداً في موضوعه وطريقه ونوعه ووزنه. . أما تغير الشكل فذلك فعل القانون العام الذي يغير أبدا كل شيء.
وهل قصد أحد من هؤلاء وأولئك إلى هذا التجديد المزعوم فجاهد في سبيله أهل جيله، كما
стр. 463
فعل أرباب المذهب الاتباعي والابتداعي والواقعي في فرنسا مثلا؟؟ لم يكن شيء من ذلك، لأنهم لم يختلفوا كما اختلف الفرنج في الموضوع والينبوع حتى تتباين الأغراض من تلك المواضيع، وتتشعب المسالك إلى هذه الينابيع. وهل سمعت أن الناس اختلفوا يوم تركوا العلبة إلى الكوز والكوب والقدح والجام؟ أم علمت أنهم اختصموا كلما تغيرت موادها من الجلد إلى الخشب، ثم إلى الخزف. ثم إلي الزجاج، ثم إلى المعدن؟ كلا! لم يسمع أحد بذلك، لأن اللبن والماء وهما القصد والغاية لم يتغيرا منذ خلقهما الله. أما حين تغير الشراب من اللبن إلى الخمر فقد حدث الخلاف وتشعب الرأي وتعددت المذاهب.
الحق أن التجديد لا يحدث، والجديد لا يكون، الا متى وجد القِصص والتمثيل في الشعر فيكمل، ودخلت الأقصوصة والقصة والرواية في النثر فيتم. أما ادعاء التجديد بالدعوة إلى العامية وترجمة الأساليب الغربية فعجز يتظاهر بالقدرة، وجهل يتستر بالتحذلق!
ا. الزيات
стр. 464
السائل
بينما كنت أسير في إحدى الطرق، وقفني سائل مسكين بوجه شاحب، وعينين داميتين، وشفتين متقلصتين، وقدمين مرتجفتين. فقلت في نفسي:
أُوه! ما أتعس هذا الشقي!
قدَّم إليَّ يده الحمراء النحيلة القذرة، وطلب مني صدقة بصوت يخنقه بالبكاء.
فوضعت يدي دون أن أفكر، وقد أخذتني الشفقة على هذا البائس، وضعتها في جيوبي، ثم جعلت أبحث فيها عن شيء أعطيه إياه، ولكني وا أسفاه لم أجد شيئاً، لا نقوداً ولا ساعة، حتى ولا منديلا!
صار موقفي حرجا، وما زال السائل ماداًّ إليَّ يده واثقاً كل الثقة من العطية!
لم أعرف ماذا أعمل!. وفي النهاية أخرجت يدي وأنا حيران خجل، ثم مددتها وصافحت يده الممدودة قائلا:
(أنا آسف يا أخي فليس معي شيء).
ولم أكد أتم هذه الجملة حتى رأيت عيني السائل وشفتيه تفترَّان عن ابتسامة رقيقة، وإذا به يضغط على يدي شاكراً ممتنا وهو يقول:
(حسناً يا أخي! شكراً لك! إن هذه أيضاً صدقة!)
م. يونس
стр. 465
التجديد في الأدب
للأستاذ أحمد أمين
- ١ -
موضوع ثار فيه الجدل بين الكتَّاب، واحتدم فيه الخلاف بين الباحثين. هل أدبنا العربي يحتاج إلى تجديد؟ وهل سواء في ذلك شعره ونثره؟ وتعصب قوم للقديم يذودون عنه ويحافظون عليه، ولا يسمحون بأي تغيير فيه. وهب المحدثون ينعون علىالمحافظين جمودهم، وينذرونهم بسوء العاقبة إن هم ظلوا متمسكين بالقديم معرضين عن الجديد.
ولكن أسوأ ما يسوئني في هذا الموضوع وأمثاله الغموض والإبهام؛ فإذا سألت المجددين ماذا يريدون بالتجديد وما ضروبه وما مناحيه وماذا يقترحون أن يدخلوه على الأدب العربي جمجموا بالقول وأتوا بكلمات غير محدودة المعنى، ولا واضحة الدلالة. وقد يجوز إذا حددوا أغراضهم وأبانوا عن مقاصدهم، أن يوافقهم المحافظون أو أكثرهم، ولا يكون ثمة خلاف، وإن يكن فخلاف معروف تقام عليه حجج واضحة.
من أجل هذا كله أحاول أن أعرض لوجوه التجديد التي يخيل إليّ أنهم يريدونها، وأدلي برأيي فيها، وأدعو الكتاب أن يساهموا فيها بآرائهم، ويستدركوا ما يفوتني من حججهم وأغراضهم:
في أدب كل لغة عناصر ثابتة لا يعتريها تغير ولا ينالها تجدد، هي قدر مشترك من الأسلوب والتراكيب وتأليف الجمل؛ به تمتاز اللغة من سائر لغات العالم. وينفرد أدب الأمة عن آداب العالم، وقدر مشترك من الفن، نتبين به الجيد من الأدب في كل عصر وكل جيل، هو فوق البيئة وفوق العوامل السياسية والاجتماعية، وفوق ما يطرأ عليها من كل تغيير.
وهذا وذاك هما اللذان يجعلاننا نتذوق الأدب الجاهلي، وندرك ما فيه من جمال، ونشعر بما فيه من نقص. ويستطيع الأديب منا أن يعرف خير ما قال امرؤ القيس، وما قال طرفة، وما قال زهير؛ وهو الذي يجعلنا نتذوق ما في القرآن الكريم من جمال في الأسلوب والمعنى. وندرك ما في العصر العباسي إلى عصرنا هذا من نثر وشعر، ونزنه ونقومه، ونحكم على بعضه بالحسن والجمال والقوة، وعلى بعضه بالضعف والقبح والغموض.
стр. 466
ولولا هذا القدر المشترك لانقطعت الصلة بيننا وبين القديم فلا نحس له جمالا، ولا نتذوق له طعما.
وهذا النوع من العناصر لا يقبل تجديداً ولا تغييرا، إذ بتغييره تضيع اللغة وتفقد مشخصاتها، فلو قلبنا تركيب الجمل رأساً على عقب، أو لم نراع الوضع الذي تسير على نهجه اللغة، لكان لنا من ذلك لغة جديدة، ليس بينها وبين الأولى نسب.
وهناك نوع آخر من العناصر في اللغة والأدب، خاضع للتغيير، قابل للتشكل، يتأثر بالبيئة وبدرجة الحضارة، وبالأساليب السياسية، وبالحياة الاجتماعية، وغير ذلك.
وفي هذا النوع يكون التغيير والتجديد. ومن أجل هذا التغيير كانت الفروق واضحة بين الشعر العباسي والشعر الجاهلي، في التعبير والتشبيه والأسلوب والموضوع ونحو ذلك. ومن أجل هذا أمكن الأديب إذا عرض عليه نوع من الأدب، أن يعرف عصره ولو لم يعرف قائله؛ لأنه يستطيع أن يتبين خصائص كل عصر ومميزاته، ويطبق ذلك على ما يعرض عليه من شعر أو نثر. ومن أجل هذا أيضاً ترى الفرق واضحاً بين لغة الأدباء الآن وبين لغتهم منذ عشرين عاماً. وتجد الفرق واضحاً بين لغة الجرائد المصرية اليوم، وبين لغة الجرائد السورية والعراقية، وإن كانت كلها تصدر باللغة العربية، وتشترك في العناصر الأساسية.
وهذا التغيير أو التجديد في الأدب وتأثره بما حوله خضع له الأدب العربي وكل أدب على الرغم من المحافظين والجامدين؛ فقد رأينا في العصر العباسي مدرسة وعلى رأسها الأصمعي لا تحب إلا الشعر الجاهلي، ولا تحب من المحدثين إلا من قلّد القدماء. ورأينا من كان يُنْشدُ الشعر فيستحسنه، فإذا قيل له انه محدث استهجنه واتهم ذوقه؛ ولكن هذه المدرسة أخضعها الزمن لحكمه، ونشأ أدب عباسي جديد، احتفظ بالعناصر الأساسية للأدب العربي ولم يأبه لما عداها وكان الفرق كبيراً بين الأدبين كما قال الجاحظ: كم من الفرق بين قول امرئ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً
وقول علي بن الجهم:
فبتنا جميعاً لو تُراق زجاجة … من الماء فيما بيننا لم تَسَرَّبِ
стр. 467
وجاء المتنبي وعلى أثره المعري فجددا في الشعر من ناحية الأسلوب ومن ناحية المعاني، فأنكر عليهما أدباء عصرهما نزعتهما الجديدة، حتى رأينا من بين العلماء من أبوا أن يعدوهما في الشعراء. ثم حكم الزمن على هؤلاء العلماء ووضع المتنبي والمعري في مكانهما اللائق بهما.
وكان هذا هو الشأن في كل عصر، حتى عصرنا الحديث، نشأ قوم تأثروا بالأدب العربي القديم وحذوا حذوه، ولم يخرجوا قيد شعرة عنه. فلو ركبوا الطائرة قالوا ركبنا الهودج والبعير، وإذا استهلكت البنزين قالوا رعت السَّعدان، وسموا الجنيهات الإنجليزية وعملة الورق دراهم ودنانير، وإذا لم يكن لهم من الأمر شيء قالوا لا ناقة لنا ولا جمل، إلى كثير من أمثال ذلك.
وتأدب قوم بالأدب الغربي إلى ثقافتهم العربية، فثاروا على كل ذلك واختلفوا بينهم في مقدار هذه الثورة، فقوم يريدون أن يتحرروا من الأوزان والتزام القوافي، وآخرون يريدون أن يتحرروا من التشبيهات البالية والمجاز العتيق، وآخرون يعافون بعض الأساليب القديمة، والموضوعات التي جرى عليها السابقون. وكان صراع بين الطائفتين نعرض له بعد.
على كل حال دلتنا أحداث الزمان على أن عوامل البيئة في التغيير والتجديد لا يمكن أن تقاوم، كما دلتنا على أن ليس كل تجديد يصادفه التوفيق ويتسع له صدر الزمن، وأن نجاح من نجح من دعاة التجديد وفشل من فشل منهم إنما كان خاضعا لقوانين طبيعية ظاهرة حيناً وخافية أحياناً، وأن نوع التجديد إن كان صالحا وكان مما تسمح به القوانين الطبيعية للأدب فمعارضة المعارضين لا يكون لها من أثر إلا أن تؤخر زمن الإصلاح، وهو واقع لا محالة يوما ما، وإذا لم تسمح بها هذه القوانين كانت دعوة التجديد صيحة في فضاء، أو خطاً في ماء.
وبعد فأي أنواع التجديد يتطلبه المجددون؟ وهل من خير الأدب العربي قبوله أو رفضه؟
إن أول أنواع التجديد وأبسطها تجديد الألفاظ، لأنها مادة الأديب الأولية، وخيوطه التي ينسج منها قطعته الفنية.
وتجديد الألفاظ على ضربين:
стр. 468
(١) اختيار الألفاظ التي تناسب العصر ويرضاها ذوق الجيل الحاضر، لأن لكل أمة في كل عصر ذوقاً خاصاً بها تختار ألفاظا تناسبها وتأنس بها، وتمج ألفاظا لا تستحسنها ولا تستسيغها، وذوق الأمة في حياة مستمرة، فهو كذلك في عمل مستمر إِزاء الألفاظ، وأدباء كل عصر لهم معجم يخالف معاجم اللغة القديمة. فلو أن أديباً استعمل كلمة (هَبَيَّخ) للجارية الحسناء لكفت في إسقاط قصيدته أو مقالته. ولو استعمل كلمة بُعاق للمطر أو السيل لدل على فساد ذوقه، وسوء أدبه، ومن أجل ذلك لا يستحسن في هذا العصر بعض ما كان يستحسن في عصور سابقة. فقد كان يستحسن من أبي الطيب قوله:
وترى الفضيلة لا ترد فضيلة … الشمس تشرق والسحاب كَنَهْورا
ولكن كنهورا الآن ثقيلة في اللفظ كريهة على السمع، وهذا بديهي لا يحتاج إلى إطالة. وكل من جهل هذه الحقيقة لا يفلح أن يكون أديباً، لقد أراد الأستاذان الشنقيطي وحمزة فتح الله أن يحييا غريب الألفاظ ويستعملاه في قولهم وكتابتهم ففشلا كل الفشل، وكان الناس يستظرفون ذلك منهما كما نستظرف فتاة حضرية لبست ثياب بدوية، وفهموا أن ذلك ليس جدا من القول، وليس طبيعيا أن تعيش بداوة القرن السابع في حضارة القرن العشرين. إنما يحيا الأديب يوم يوفق لاختيار الألفاظ الرشيقة التي تناسب ذوق عصره، والعصر الآن أميل إلى السرعة والاقتصاد، وكلاهما يتطلب الوضوح والجلاء لا الغموض والغرابة.
لذلك أصبحت في معاجم لغتنا ألفاظ كثيرة ليس لها قيمة إلا أنها أثرية تحفظ فيها كما تحفظ التحف في دار الآثار.
والضرب الثاني: ألفاظ تخلق خلقا، تلك الألفاظ التي تساير المدنية الحديثة بكل ما اخترعت من أدوات وصناعات، وما ابتكرت من فن وعلم ومعاني وآراء، واللغة العربية اليوم، قاصرة كل القصور في هذا الباب، فليس لدينا ألفاظ لكثير مما اخترع وابتكر، وهذه مشكلة المشاكل اليوم وقبل اليوم تجادل العالم العربي فيها طويلا ولما يستقر على حال.
وكان لقصور الألفاظ أثر كبير في ضعف الأدب. فكيف يستطيع الأديب أن يصف حجرة وكل ما فيها من أثاث ليس له ألفاظ تدل عليه؟ وكيف يستطيع الكاتب أن يؤلف رواية، وهو في كل خطوة يعثر بمسميات لا أسماء لها؟ ولذلك يهرب كثير من الأدباء من التعبير الخاص إلى التعبير العام، فإذا أراد أن يصف رجلا يلبس طربوشاً قال انه يلبس عمارة أو
стр. 469
قلنسوة، والحقيقة انه لا يلبس عمارة ولا قلنسوة، وإنما يلبس طربوشا، وإذا أراد أن يقول انه يضرب على البيانو قال إنه عزف على آلة موسيقية، وهذا منتهى الفقر في التعبير.
كل هذا حقن الأفكار في أدمغة الأدباء، وسبب ضعف الوصف والرواية وغيرهما في الأدب العربي الحديث، وجعل الأدباء يفرون إلى الموضوعات الإنسانية العامة، والأفكار الميتافيزيقية، فان نحن شئنا أن يكون الأدب ظلاً لحياتنا، وحياتنا الآن، وجب أن نحل مشكلة الألفاظ حتى يطلق الأدباء من أغلالهم، وإلا ظلوا يدورون حول أنفسهم، وظل أدبهم غذاء ناقصا للأمة ليس فيه كل العناصر التي لا بد منها للحياة.
وهناك تجديد في مناحي أخرى غير الألفاظ نعرض لها في مقالات تالية إن شاء الله.
стр. 470
الثور في مستودع الخزف
للدكتور محمد عوض محمد
جعل الثور يطوف في نواحي المدينة، ويجول في طرقاتها في ساعة غفل فيها الرعاة، وغاب الحراس. فلم يزل يمشي على غير هُدىً، حتى ساقه القدر المحتوم إلى مستودع الخزف:
في دار صغيرة متعددة الحجرات، جمع أهل المدينة تراثهم الخالد (أو الذي حسبوه خالداً) من خَزَف قديم وحديث.
وصناعة الخزف أقدم صناعات الإنسان جميعاً. بدأ يمارسها منذ آلاف السنين، وهو بعد في مثل سذاجة الأطفال، فكانت في العصور الأولى شكولاً ساذجة، وصوراً بسيطة. يراد بها النفع والفائدة، لا الزينة والحسن، فلا نقش فيها ولا تزويق، ولا إتقان في الصنع ولا إبداع. ثم لم تزل ترقى برقي الإنسان، وتمشي وإياه جنبا إلى جنب، وتحاكيه في تقدمه ورفعته، حتى غدت فناً من أجلّ الفنون، وصناعة من أشرف الصناعات. وأبدع فيها الخيال البشري أيَّما إبداع، فأصبح منها اليوم ما يعد تحفة القرون وفخار الفنون.
وهذه المدينة عريقة في صناعة الخزف البديع، قد نبغ فيها في جميع العصور، رهط من كبار رجال الفن، فرفعوا في العالم ذكرها. وحلقت شهرتها في سماء الفنون. ولم يكن لها في هذه الصناعة ضريب.
وفي هذه الدار الصغيرة، قد أودع أهل المدينة خير ما أنتجته قرائح بنيها على مدى القرون، لكي تكون معرضاً لهذه الصناعة، يزورها الناس في كل آونة، فتنعم عيونهم بما فيها من جمال باهر، وتنعم نفوسهم بما يبعثه الجمال في النفس من سعادة وغبطة. فكان بابها مفتوحاً النهار كله، يقصد إليها الناس على الرحب والسعة، في كل ساعة من الزمان.
وفي ساعة نامت فيها ملائكة السعد واليمن، واستيقضت أبالسة النحس والشؤم، ساقت المقادير العجيبة الغريبة، ذلك الثور العنيف المخيف، إلى هذه الدار - من دون الديار جميعاً!
ولم يلبث طويلاً حتى حملته أرجله إلى داخل الدار. فأجال عينيه فيما حوله، فإذا أمامه آيات الفن، مصفوفة على المناضد والرفاف: من أواني قد ألبستها الحسن يد صناع،
стр. 471
وتعاونت على نقشها وتصويرها البراعة والخيال. . . ها هنا صور تمثل الطبيعة بزهرها ونَوْرها، وخضرتها ونضرتها، وأنهارها وعينها، ونبتها ودوحها، ومائها وسمائها. . . وهناك صور تمثل الطبيعة كما يراها خيال العبقري، لا كما يراها الناس، فيزيد في حسنها حسناً، وفي شكولها أشكالا وضروباً. . .
وها هنا صور للحياة، تذكرنا وصف أبي نؤاس للكؤوس، تتمثل فيها الناس في جدهم ولعبهم، وفي سرورهم وكمدهم؛ وحين يريحون وحين يسرحون؛ وحين يدأبون وحين يمرحون. . ومن تماثيل ذات حسن عزيز؛ كأنما نصبت هناك لتقيم المعاذير لمن عَبَدَ الأوثان، ومجَّد الأصنام: منها القائم الناهض، والجاثم الرابض، والمتكئ والمستلقي، والساكن الهادئ، والثائر النافر. . بعضها قد ألبس ثوباً أو بعض ثوب. وبعضها عارٍ إلا من الحسن. وكلها آيات في الإبداع والابتكار.
فتباركت الأيدي القديرة، التي أحالت الطين والصلصال، إلى كل هذا الجمال والجلال!.
رأى الثور هذا كله، وما برأسه إدراك للفن أو تقدير للحسن؛ وما في غريزته فهم لهذا الجمال المتَّسِقِ المؤتلف، وهذه الصناعة الباهرة الساحرة. . .
كلا. . . بل في غريزته عنف وبطش، وتحطيم وتدمير، فأجال فيما حوله نظرة بهيم. ثم تراجع إلى الوراء قليلا، شاهراً قرنين حديديين كالفولاذ. واندفع نحو تلك التحف والطرف وصال فيها وجال. . وهي (وا أسفاه!) هَشَّة ضعيفة، سهلة المكسر، لا حول لها أمام العنف ولا قوة. فطاحت تلك الآيات إلى الثرى، وتناثرت قطعها الغالية في جوانب الدار!
وحملق الثور في التدمير الذي أحدثه، وكأنما راقه منظره. فأعاد الكرة، المرة بعد المرة.
وما هي الا دقائق معدودة، حتى لم يبق بالدار تمثال قائم، ولا إناء منصوب؛ بل استحالت جميعا إلى شظايا مبعثرة، وأجزاء متناثرة. وقد اختلط بعضها ببعض، فما تميز العين جديدها من قديمها، ولا طارفها من تليدها؛ ولا آنيةً من تمثال، ولا رأساً من جسم. . . لقد صارت جميعاً أكداساً من الخزف المحطم، ليس فيها من الجمال أثر، ولا يرى فيها شاهد على براعة الصناعة.
في بضع دقائق استطاع هذا البهيم العنيف أن يقضي على تراث القرون، وثمار القرائح، وخلاصة الفن؛ وأن يحيل هذه الدار، ولم يكن لها نظير في جمال التنسيق، إلى دار فوضى
стр. 472
قد شاع فيها الخراب والدمار!
ولم يكن بالدار غير فتاة ترعاها. هالها أن رأت ذلك الثور المخيف، وأحست بالشر، يوشك أن يحدق بالدار ومن بها. فغافلته وهو يلهو بالكسر وبالتحطيم؛ وانطلقت تنشد النجدة والمعونة. . .
وبعد لأى أقبل الناس، علَّهم أن ينقذوا البقية الباقية. فلم يجدوا بقية باقية. . .
وهل شفي الغليل أن قُتل الثور ومُزِّق كل مُمَزق؟
إن دماء ثِيَرَةِ الأرض جميعا لا تعادل آية واحدة من آيات الفنون!
ويلُ الورى من عَنيفٍ أحمقٍ خَرِفِ، … كأنه الثورُ في مستودع الخزفِ
رأى جمالا وفناً ليس يفهمه … وهاله ما رأى من مُبْدَع الطُّرَفِ
فلم يزل مُرْهِفاً قَرْنَيه، مندفعاً … يجري، فيكسر ما ألْفَى من التحف
كأن في صدره حقداً ومَوْجِدة … لكل شيء بديع الصنع مؤتلف
وكيف يدرك (ثور) أنَّ ذي تُحَف … للحفظ والصون، لا للمحوَ والتلفِ؟
стр. 473
فلسفة برجسون
نشرت (الرسالة) بحثاً قيما لحضرة الأستاذ زكي نجيب محمود لخص فيه فلسفة برجسون أحسن تلخيص وأوفاه، وهي تلك النظرية التي تسود عالم العلم الآن، والتي صار لها الرجحان التام على كل ما خالفها من المذاهب والآراء.
وإنني على شدة إعجابي بالطريقة الشيقة الواضحة التي عرض فيها بحثه، وبما دعمه من الحجج القوية، والأدلة الساطعة التي تثبت بأجلى بيان إن الأصل في الكائن الحي هو الروح لا الجسم، وإن الروح كائن مستقل بذاته، وأنه هو الذي يسيطر على الجسم، وهو الذي يديره ويوجهه حسب إرادته الذاتية. وإن الكائنات الحية من نبات وحيوان وإنسان، خلقت أنواعها خلقاً مستقلا، ووضعت في الدرجات والمنازل التي عينتها لها الروح بمطلق إرادتها، لا بطريق النشوء والتطور؛ كما كانت تذهب إلى ذلك الآراء المادية البائدة. أقول مع إعجابي بذلك وبغيره مما شيد به أركان النظرية، وأقام عليه بناءها المحكم. أراه قد انتهى إلى نتيجة لا تتفق مع هذه المقدمات، ولا تسير مع أحكام العقل؛ بل بعضها يناقض بعضا.
تلك النتيجة هي قوله في ختام بحثه: (هذه الحياة التي لا تفتأ تخلق وتغير وتبتدع، والتي تلتمس الحرية من قيود المادة هي الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) فالله والحياة اسمان على مسمى واحد؛ ولكنه إله ذو سلطان محدود بقيود المادة، وليس مطلق الإرادة كما تصوره الأديان؛ إلا أنه دائب في التخلص من أغلاله وأصفاده. وأغلب الظن أن الحياة ستظفر آخر الأمر الخ. . .)
فنرى من ذلك أنه جعل الله والحياة شيئاً واحدا، وبعد أن وصف هذا الشيء بأنه أساس الوجود وبأنه هو الخالق وهو الذي عيّن الحياة درجاتها ومراحلها وخلق لها أعضاءها ووظائفها، وسخر لها المادة تسخيرا، عاد فجعل هذا الشيء الذي هو الحياة، وهو الروح، وهو الله، خاضعا لقيود المادة، وأنه يجاهد ليتخلص منها. وهذا لعمر الحق تناقض لا يقبله العقل ولا يقول به أحد.
إنه لا بد من أحد أمرين: فأما أن تكون الروح هي الأصل في الوجود والمادة طارئة عليها أو العكس، فإذا كانت الروح هي الأصل (كما ذهب الأستاذ إلى ذلك وبرهن عليه) فلا ريب في أن هذه الروح مستقلة الإرادة مالكة لتمام حريتها، وأن وجودها لذاته لا يحتاج في قوامه
стр. 474
إلى شيء، وانه مطلق. فليت شعري ما هي العوامل التي جاءت بعد ذلك وأخضعت الروح للمادة الطارئة وقيدتها بأغلالها وأصفادها؟. أما إذا كان العكس أي إذا كانت المادة هي الأساس، فهذا ما لا يسعنا فرضه، لأن النظرية لا تقول بذلك، بل أنها قامت على هدم هذا الأساس، وقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا، حتى لا يكاد يوجد الآن من يقول به.
وعلى هذا يكون الغرض الأول (وهو أساسية الروح واستقلالها عن المادة وتسلطها عليها) هو الواجب التسليم به، ولا يكون ثمة معنى لارتباط هذا الروح بالمادة ارتباط خضوع، ثم لا أدري ماذا يريد الأستاذ بقوله: أن الله أو الحياة يجاهد ليتخلص من قيود المادة. فإذا فرضنا أنه نجح (كما توقع هو ذلك) فماذا يكون بعد نجاحه؟ وأي حالة يصبح عليها؟ أهي شيء غير استقلاله بذاته ونيله حريته التامة؟ ولماذا لم يكن ذلك من الآن بل ومن قبل ما دام هو الأساس في الوجود؟
أما اعتباره الحياة كائناً مستقلاً ذا شخصية موجودة تدافع وتناضل عن نفسها فما ذلك الا وهم، لأن الحياة أمر معنوي لا يقوم الا في الذهن وليس له وجود في الخارج، وكذلك سائر المعاني الكلية مثل العلم والإرادة والقوة فأنها لا توجد في الخارج، بل الذي يوجد منها إنما هو أفراد موصوفون بالحياة أو العلم أو الإرادة أو القوة، وذلك مبسوط في كتب المتكلمين والمناطقة فلا حاجة للتوسع في شرحه هنا؛ وإذا كان المر كذلك فما هي تلك الحياة التي يقول بوجودها وأنها هي الله؟ مع أننا لا نرى الا أفراداً من الأحياء سواء أكانوا من نوع الإنسان أم الحيوان أم النبات، وفي غير أفراد هذه الأنواع لا نرى للحياة وجودا.
الحقيقة أننا لا يمكننا إساغة النتيجة التي انتهى إليها حضرة الأستاذ الباحث بالصورة التي هي عليها، ولا يمكن التوفيق بينها وبين المقدمات التي وضعت بين يديها. فدفعا لهذه الإشكالاات، وتخلصا من هذه المتناقضات، يجب أن نضعها على النحو الذي يحكم به العقل والمنطق، بل الذي تقضي به البديهة: وهو أن نميز الروح التي قلنا إنها أساس الوجود، وأنها تخلق وتدبر من الروح المخلوقة والخاضعة لقوانين الوجود ونواميس المادة، ثم نميز كذلك هذه الروح المخلوقة والتي لها صفة الحياة من المادة المائتة، ونعتبرهما متباينين في الجوهر وفي درجة الوجود، وبعبارة أخرى تكون النتيجة هكذا:
إن للعالم روحاً هي أساس وجوده، وهذه الروح موجودة لذاتها لا عن شيء آخر، ولا لعلة،
стр. 475
وإن وجودها مطلق، وسلطانها غير محدود، وأنها هي التي أوجدت كل شيء بمحض إرادتها، وهي التي خلقت المادة وخلعت عليها الحياة بجميع مراتبها، وهذه الروح يجب أن يكون لها كل صفات الكمال والبراءة من جميع شوائب النقص، تلك الروح هي ذات الله ﵎.
وما نظن هذه النتيجة تكون موضع بحث فضلاً عن أن تكون موضع خلاف، لأنها هي التي يحتّمها العقل والتي أجمع عليها رجال العلم والفلسفة في كل عصر - الا شواذ لا يعتد بهم ممن يقولون بالحلول أو بوحدة الوجود كسبينوزا وجيوردانو وأضرابهما.
تلك هي ملاحظتنا نقدمها إلى الأستاذ الفاضل عن إخلاص، راجين أن يحلها محلها من الاعتبار، ولا يفوتنا هنا أن نكرر إعجابنا وعظيم اغتباطنا بمبحثه النفيس ومجهوده الموفق.
سيد أحمد فهمي
стр. 476
خواطر!
ضجة!
هي موسيقى كلها نشوز، موسيقى خفاقة مضطربة؛ يثيرها فرد بل تثيرها في الفرد يده اليمنى، وليست الموسيقى الا تعبيراً عن الذوق والإحساس. وقد اشتهر المصريون من يوم خوفو وأترابه بالذوق الرفيع، والإحساس السامي. . .
والمصريون أمة مرحة طروب؛ وإذا كان هناك شك فقد بطل الشك، وأثبت نزعة المرح في أمتنا بائع العرقسوس!
في أحيائنا الوطنية وأنصاف الوطنية يسير هذا الرجل يحمل إلى صدره آنية ضخمة، خرج من فوهتها لوح من الثلج طويل يترجح بين البياض والسمرة. . . ويمسك بيده اليمنى وعاءين من النحاس الأصفر، يتنافران أحياناً؛ فإذا تجاذبا تعانقا، وكانت قبلتهما تلك الموسيقى التي يضج لها الشارع، وتطل عليها الملاليم، وتملأ لها الكوبات، ويحسوها الناس فرحين، وتنفرج الشفاه عن لفظ الجلالة. .!!
وعلم الله أن بائع العرقسوس وشراب العرقسوس، لا يستحقان هذا التقدير، وليس من الذوق أن يثيرا هذه الضجة المزعومة، وإلا كان لبائع التمر هندي أو الرمالي أو جروبي أن يسير وفي معيته طبل بلدي.!!
تقليد!
يزعمون أن التقليد لا يفيد، وأن المقلد أعرج بالقياس إلى صاحب الفكرة، أو كالتل بالنسبة للجبل، ويعطينا الزاعمون أمثلة من الأدب، فيقولون: إن الأدب الروماني ظل للأدب اليوناني، ولهذا كان الأدب الروماني ضعيفاً بالقياس إلى أدب اليونان. ثم يعرجون على حياة الجماعة، فيقولون: إن تقليد الناس للناس في مظاهر حياتهم معناه أن المقلد يستمر على ذيل القافلة يتطلع ولا يتقدم، ويبصر ولا يفكر.
وسواء أكان هذا الرأي صواباً أم خطأ فأنا أرى أن تقليد الإنسان للإنسان هو قضاء على تفكير المقلد، وعبودية لعبقريته الكامنة. وأن النفس التي تعيش على تفكير نفس أخرى، أجدر بالزراية وأحق بالتثريب.
فتياتنا في مصر أردن خلع البراقع وأردن تقليد الغربيات، فماذا اخترن لرؤوسهن من
стр. 477
لباس؟ اخترن (البيريه) وما أعجب وضع هذا البيريه على الرأس! ذلك الوضع الذي يحتاج إلى حارس يراقب رأس الآسنة! محافظة على ذلك البيريه الذي تنافر مع معظم الرأس وتجاذب مع بعضه، مصغياً إلى الشمال جدا. .! وحسب موقع البيريه من الرأس أنه يترجح بينها وبين الأرض، وأنه في حاجة إلى إنسان يراقبه من عثرة السقوط! أما لون البيريه فأغلب الظن أنه تقليد أعمى لجوارب كرة القدم في ملاعب القاهرة. .!
أنا لا أكره البيريه وإنما أكره وضعه من الرأس ولونه السخيف. . .
سخاء!
لعل طبيعة السخاء في المصريين تغلب على طبائعهم جميعا، وليس يشك عاقل في أن السخاء طبيعة محبوبة ترضاها الإنسانية المعذبة التي لا تجدها في كثير من الأحيان. ولكن، نعم، ولكن السخاء قد يركب العقل والقلب ويصبح نوعا من الإسراف، فيه ثورة على أمن الناس وراحتهم!. .
في الترام أو في السيارات العمومية تجد هذا السخاء يمتط ويعرض وتطول حباله فإذا به ثورة. . سحاء يدفعه الوفاء حيناً وتدفعه المظاهر أحياناً، هذا يريد أن يكلف نفسه ما وسعت فيتحمل عن صديقه عبء التذكرة. . . والصديق يأبى أن يستغرقه هذا الفضل!. ويرغب في أن يكون سباقاً في هذا المضمار!
وتقوم ثورة تحسها في اللسان، وقد اجتمعت عنده أغلظ الايمان، وتراها في العينين الزائغتين، وفي اليدين المندفعتين، تحمل القروش إلى المحصل! وتبدأ الثورة رويداً رويداً ثم تتكاتف الألسنة، وتبرق العيون، وتندفع الأيدي؛ هذا يريد أن يدفع، وذاك يود أن يسبق صاحبه، والمحصل يظل حائرا، وقد وسعت يده أكثر مما يطلب، ويرجو إن أمكن أن تصل يد قبل أختها. فأغلب الظن أن يدي الصديقين تصلان معاً في فترة واحدة، وفي عاصفة من التهليل والتكبير!. أما الراكبون فلست أشك أنهم لا يغضبون، لأنهم في هذا السخاء سواء يعلنونه ما ملكت إيمانهم وما وسعت جيوبهم، وكم أخاف أن تقوم هذه الضجة فلا يجد أحدهما في جيبه غير ثمن تذكرته، وتصبح ثورة السخاء هباء في هباء، والناس من حولهما يضحكون أو يأسفون؟!.
إبراهيم عبده
стр. 478
باقة من حديقة أبيقور
لأناتول فرانس
- ١ -
ماهية الحقائق العلمية
انه لخطأ كبير أن نظن الحقائق العلمية تختلف اختلافا جوهريا عن تلك التي نشاهدها كل يوم وهي إن امتازت بشيء فبسعة إحاطتها ومبلغ دقتها، أما من الوجهة العملية فالاختلاف عظيم الأهمية، ويجب أن لا ننسى في نفس الوقت أن قوة الملاحظة عند العالم مقصورة على ظواهر الأشياء وما يجري في الطبيعة، ولكنها لن تستطيع أن تنفذ إلى باطن المادة أو تعرف شيئا عن حقائق الأشياء؛ والعين التي تستعين بالمجهر ما تزال عينا إنسانية؛ نعم أنها أكثر إبصارا من العين المجردة، ولكنهما لا تختلفان في الوسيلة. وان العالم ليزيد من صلات الإنسان بالطبيعة ومعرفته بها، ولكن يستحيل عليه بأي حال أن يحدد الخواص الجوهرية لتلك العلاقات المتبادلة بين الأثنين، وهو يشاهد كيفية حدوث بعض الظواهر الطبيعية ولن سبب حدوثها بمثل هذه الكيفية يبقى عليه كما هو علينا سرا محجوبا وبابا مغلقا.
وإننا لنبوء بالخيبة اللاذعة حين نتطلب في العلم قانونا أخلاقيا، فقد كان الناس يعتقدون منذ ثلاثمائة سنة أن الأرض مركز الكون، ولكننا نعلم الآن أنها جزء من الشمس قد انفصل عنها وأن هذا الكون الذي نحن فيه كذرة التراب الهائمة إنما هو في حركة دائمة وعمل مستمر لا ينفك ينشأ ثم يبيد، وأن الأجرام السماوية لا تفتأ تموت ثم تولد. ولكن من أية ناحية قد تغيرت طبائعنا وأخلاقنا بهذه الاستكشافات العظيمة؟ أترى الأمهات قد تأثر حبهن لأطفالهن قوة وضعفا؟ أم ترى تقديرنا لجمال المرأة قد كثر أو قل؟ أم أن نبض قلب البطل المغوار في صدره قد اختلف عن ذي قبل؟ كلا! فلتكن الأرض كبيرة أو صغيرة فماذا يعني الناس من كل هذا؟ أن في سعتها ما يكفي ليجعل منها مسرحاً للألم والحب، فهما منبعان متلازمان لجمالها الذي لا ينفد، نعم الألم ما أجله وأقدسه! وما أجهلنا بقدره وقيمته! فنحن ندين له بكل ما هو حسن فينا وكل ما يجعل الحياة جديرة بالعيش فيها، ندين له بعاطفة الرحمة والشجاعة وسائر الفضائل، وما الأرض الا ذرة من الرمل في اللانهاية المجدبة
стр. 479
للعوالم التي تحيط بنا.
ولكن إذا كان على الأرض وحدها نقاس الخلائق المتعددة فهي أعظم قدراً من تلك العوالم بأجمعها، بل هي كل شيء والباقي لا شيء، فبدونها لن يكون للفضيلة ولا للعقل وجود. وما هو الذكاء إذا لم يكن فناً يقصد به إبعاد الألم؟ على إنني أعلم أن هناك عقولا كبيرة قد تطلعت إلى آمال أخرى غير هذا، فقد كان رينان يعلل نفسه في فرح الواثق بحلم هو انتظار قانون أخلاقي مؤسس على العلم إذ كان يثق به ثقة لا حد لها، وكان يعتقد أنه ما دام العلم قد استطاع أن يتخذ في الجبال نفقاً فلن يعجز عن تغيير العالم برمته في المستقبل، ولكنني لا أظن مثله أنه قادر على أن يجعل منا آلهة كاملة، والحق أقول أنني لا أريد ذلك ولا أرغب فيه، فإنني لا أحس في نفسي عناصر الألوهية بعد غض النظر عن بساطتي، فضعفي عزيز عليّ محبب ألي وهو نقص ولكنه أهم مميزات وجودي.
سذاجة العلماء
لقد عهدت العلماء كالأطفال في سذاجتهم وبعدهم عن الادعاء، وفي كل يوم نلقى أدعياء يتوهمون أنهم محور العالم، ومن المؤسف أن يعتبر كل منا نفسه مركز الكون. وهذا وهم شائع في جميع الناس لا يخلو منه الكناس العابر تنبئه به عيناه حين ينظر حوله فيرى قبة السماء تستدير به من كل الجهات، جاعلة إياه مركز السماء والأرض، وقد يتزعزع هذا الاعتقاد في نفس من يفكر تفكيراً عميقاً، فالتواضع وهو شيء نادر بين المتعلمين ما زال أندر منه بين الجاهلين!
ماهية الجهل
الجهل شرط ضروري لا بد منه لا للسعادة فحسب بل للحياة نفسها. فلو أحطنا بكل شيء علماً لما استطعنا احتمال الوجود ساعة واحدة، لأن الشعور الذي يحببه إلينا أو يجعله محتملا على الأقل إنما ينبع من الأباطيل ويتغذى بالأوهام، فلو استطاع إنسان أن يستحوذ كمالا له على الحق المطلق ثم يفلته من يديه لبادت الدنيا واختفى العالم كما يختفي الظل، فالحق الإلهي كيوم القيامة يسحق هذا الوجود سحقاً.
حنفي غالي
стр. 480
في الأدب العَرَبي
القصة المصرية
للأستاذ جيب. أستاذ الأدب العربي في مدرسة اللغات الشرقية بجامعة
لندن
جاء ابتداء ظهور القصة كفن من فنون الأدب في مصر متأخراً، إلى حد أننا نلتمس العذر لمن يدرس الأدب المصري، إذا هو رجع إلى ما أنتجته من قبل (مدرسة الكتاب السوريين) من الآثار ليبحث عما إذا كان هناك في الأصل علاقة بينها وبين نمو القصة.
وفيما عدا ما يحتمل من أن نجاح القصصيين السوريين قد شجع الكتاب المصريين على إنتاج نوع من القصص يلائم شعبهم، ستبقى (القصة المصرية) وهي موضوع هذا المقال، أثناء البحث مستقلة تمام الاستقلال عن تاريخ القصة السورية.
أما المؤثرات الغربية، فقد ظهرت بوضوح فيما ولى ذلك من الأطوار كما أنها استخدمت استخداما مباشرا، ولكن على الرغم من هذا فان (آداب التسلية) في مصر قد ظلت لمدة طويلة تعتمد على ما خلفه العرب من النماذج الأدبية العالية، والنماذج العرفية التي درج الناس عليها. فلما آن لها أن تتحرر من تبعيتها لتلك النماذج، كان تحررها ببطء وبعد تردد، ومن ثم كان نجاحها في ذلك الاتجاه فردياً موزعا، ولم يكن نتيجة لحركة تطور مستقيمة.
ونحن في الواقع إذا أردنا أن نتحدث عن (نمو) القصة في مصر، فلا بد أن نمد في معنى هذا اللفظ (القصة) حتى يشمل شعبة واسعة من فنون الكتابة يربطها جميعا رباط الخيال القصصي، وإن كان بينها كثير لا يمكننا مطلقا أن نعتبره قصة إذا قصدنا المعنى الحقيقي لهذا اللفظ.
ويعزى تأخر مصر في هذا الميدان، ميدان القصة، إذا هي قورنت بتركيا والهند (وهما المركزان الأساسيان الآخران للثقافة الإسلامية) إلى عدة عوامل أوضحناها في مقال سابق في صدد الكلام عن الأسباب الأدبية، والأسباب التعليمية التي كانت عقبة في سبيل ظهور آداب للتسلية من نوع جديد في مصر. ونستطيع أن نضيف اليوم إلى تلك العوامل أن المصريين وجدوا غنية ومتاعا فيما خلفه العرب من آداب عالية متنوعة، مما لم يكن له
стр. 481
مثيل في كلتا اللغتين التركية والأردية. وهناك بعض عوامل محلية خاصة سنعرض لها في شيء من التفصيل في بحثنا هذا، ولكننا نحب أن نشير الآن إلى تلك الحقيقة التي تحوي شيئاً مما سنعرض له، وهي أن تلك الطبقة المحصورة التي تعلمت تعلما حديثاً في مصر، كانت تستطيع أن تجد بغيتها في الأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي، ومن أجل ذلك انعدمت في الدوائر الأدبية البواعث التي تشجع على تأليف كتب التسلية بالعربية. فلما أمست الحاجة إلى هذا النوع من الكتب، كان المسلك الطبيعي الذي سلكه الأدباء هو إقبالهم على ترجمة القصص الفرنسية والإنجليزية، وفضلوا ذلك على أن يقوموا بإنتاج أدب قصصي جديد لا يرجون له انتشاراً، إذ كان ذلك العمل يتطلب منهم خلق فن جديد من فنون الكتابة.
ولما كانت هذه القصص قد ترجمت ترجمة سقيمة، ولم يراع في اختيارها حالة مصر الاجتماعية، ولا حالة الثقافة العامة، ولا الذوق الأدبي في البلاد. فان قبول القراء لها على الرغم من عيوبها ليدل على انه كان هناك شعب يتذوق هذا النوع من الأدب ويقدره حق قدره.
على أن هناك كتاباً يصح اعتباره مقياسا للكياسة والمهارة اللتين ينبغي أن يتصف بهما من يريد القيام بترجمة قصة أوربية، بحيث يجعلها تلائم ذوق شعب ثقافته إسلامية كالشعب المصري، ذلك الكتاب هو ترجمة عثمان جلال لقصة (بول وفرجيني) فان تلك الترجمة على ما فيها من الاختصار والتصرف في الجملة ظلت محافظة على الروح الأصلية وعلى ما جاء في الأصل من المعاني. أضف إلى ذلك أن استعمال السجع في عبارات سهلة. ووضع المؤلف بعض المقطوعات الشعرية محل الأفكار الفلسفية التي وردت في الأصل، قد أكسب هذه الترجمة مسحة عربية، لم توجد مع الأسف في معظم ما عاصرها أو جاء بعدها من الكتب المترجمة. ويمكننا أن نستشهد على ذلك بالفقرة الآتية:
(وما أنت أيتها الصغيرة فلا عذر لك في السفر، ولا بد من تسليمك للقضاء والقدر، وأن تطيعي أمر الأقارب وإن ظلموا وأن تسلمي لمل به حكموا، فإن سفرك وإن كان لا أحد يرضاه، فهو على ما حكم الله. فلقد أنزل تعالى في كتابه العظيم، على لسان نبيه الكريم: قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى، وإن سفرك إن شاء الله لنعم العقبى، أفتعصين الله ما أمر، أم تسلمين للقدر).
стр. 482
وهناك غير هذا الكتاب مئات أخرى بينها عدد ليس بالقليل حرص فيه المترجمون على الأصل إلى درجة تختلف قلة وكثرة عما ذكرنا، ونخص بالذكر تلك التراجم التي قام بها المنفلوطي، وإن كان ينقصها كثير من مزايا ترجمة عثمان جلال، على الرغم من براعة أسلوب المنفلوطي. والذي يعنينا في هذا الصدد الكتب المترجمة من أنها كثيرة وأنها صادفت رواجا عظيما.
ونستطيع أن نتبين ميل الكتاب المصريين إلي المحافظة على ما خلفه لهم العرب من الأوضاع الأدبية التقليدية، (الا أن يضيفوا إليه بعض العناصر الجديدة) في تلك القصة التي تعد أول قصة مصرية بالمعنى الذي أشرت إلى وجوب اعتباره في صدد الكلام عن القصة المصرية، وهي (رواية عذراء الهند أو تمدن الفراعنة لمنشئها الضعيف احمد شوقي) عام ١٨٩٧. وهي من أوائل مؤلفات الشاعر النابه احمد شوقي. ولم توضع هذه القصة على نمط قصص ألف ليلة وليلة أو على طراز قصص السيرة، وإنما وضعت على نمط تلك الأقاصيص الخرافية الشهيرة التي تعرف (بالحواديت). وقد سار المؤلف في توسيعها على الطريقة التي تتبع في (القصص التاريخية). على أني أقرر صراحة أن هذه القصة مما لا يمكن أن يستسيغه العقل، من حيث الخطة ومن حيث ما حشر فيها حشراً من المخلوقات الخرافية كالسحرة والعرافين، مما لا تكاد تخلو منه صفحة من صفحاتها، ولكنها ورثت مما سبقها من (الحواديت) المشهورة ميلاً شديداً إلى الحركة والمخاطرة فعوض ذلك عليها بعض مساوئها، وإننا لنشعر بشيء من اللذة أثناء قراءة الصفحات التي لم تحشر فيها الخرافيات لأنها تعد بين القصص الحي.
أما ما تدين به تلك القصة (للقصة التاريخية) فهو طريقة سرد التاريخ في ثنايا القصة. ولقد تعرضت هذه القصة لشرح عظمة مصر القديمة. وهي جديرة بالاعتبار من هذه الناحية. على أن خطرها الحقيقي إنما يرجع إلى أنها كتبت بذلك الأسلوب الفخم الذي قلد شوقي زعامة الشعر في الأدب المصري. ويعد النثر المسجوع فيها من أفصح ما عرف من هذا النوع ولقد كانت الفقرات تجري على روى واحد أربع مرات أو خمسا في غير إملال. وكانت تتخلل هذه الفقرات بعض المقطوعات الشعرية الرائعة للمؤلف. وأن الإنسان ليأسف على انه لم يتح لهذا الأسلوب موضوع آخر ومواد أخرى غير التي استعمل فيها.
стр. 483
بجانب تلك المحاولة التي قام بها شوقي، ظهرت محاولة أخرى بعد ذلك ببضع سنوات كانت أبعد نجاحا وأعظم أثراً وهي التجاء الكتاب إلى ذلك الضرب المعروف بالمقامات، وهي تعد في نظر من يدرسون الأدب العربي في العصور الوسطى أقرب ضروب الكتابة في ذلك الوقت إلى القصة بمعناها الحقيقي. ولقد ظلت المقامة تستعمل في شكلها التقليدي حتى أواخر القرن التاسع عشر. وعلى الأخص على يد ناصيف اليازجي وعبد الله باشا فكري، ولكنها كانت في يدي هذين الرجلين وغيرهما من كتاب مدرستهما مقصورة على الموضوعات القديمة ولم يكن لها بحياة عصرهم غير ارتباط قليل.
ولكن ظهر بجانب هذه المقامات نوع آخر لجأ إليه الكتاب فيما طرقوه من الموضوعات وعلى الأخص في النقد الاجتماعي؛ وأقبل عليه عدد من الكتاب المصريين فأخرجوا طائفة من الآثار الأدبية؛ كانت إحدى المظاهر الخاصة التي امتاز بها الإنتاج الأدبي في السنوات العشر التي سبقت عام ١٩١٤.
ويعد (حديث عيسى ابن هشام) لمحمد إبراهيم المويلحي (١٨٥٨ - ١٩٣٠) أقدم وأحسن تلك المجموعة الجديدة، بل أن هذا الكتاب في تصوراته وطريقته ليكاد يصل إلى القصة بمعناها الحقيقي. ولقد لجأ المويلحي أيضاً في ذلك الكتاب إلى الخرافيات، لأن الخيط الذي يربط أجزاءه، هو تجارب أحد الباشوات الذين عاشوا في عهد محمد علي، وقد بعث هذا الباشا من مرقده فهاله ما وجد من الظروف الاجتماعية الغريبة التي لم يألفها في القاهرة التي استحالت إلى مدينة أوربية. وبهذه الوسيلة تسنى للمؤلف أن ينتقد في حوار ممتع حالة عصره، وأن يقارن ذلك بالماضي مظهرا ما في الحاضر من مساويء، أهمها ولع أهله بتقليد الأوربيين تقليدا مرذولا. على أن هذا الكتاب، كما لاحظ محمود تيمور، ينقصه الخواص الجوهرية للقصة، وأعني بها الخطة البسط، ولكنه في تصوير الأشخاص قد نجح إلى درجة جديرة بالاعتبار. ولقد أضيف إلى الطبعة الأخيرة لهذا الكتاب جزء آخر سمي (بالرحلة الثانية) غيرت فيه المناظر الأولى بمناظر باريس أبان المعرض العظيم عام ٩٠٠، وبذلك تسنى للمؤلف انتقاد مساوئ التشبه بالغربيين، وأوضح معايب المدنية الغربية لدى منابعها. ومما هو جدير بالملاحظة أن الباشا لم يرجع ثانية إلى قبره، ذلك إلى مثله في الكتاب ما يحملنا على الظن بان المؤلف قد نسى الفكرة التي بدأ بها كتابه.
стр. 484
ولا يعزى نجاح هذا الكتاب وشهرته إلى القصة نفسها ولا إلى مغزاها بقدر ما يعزى إلى براعة الأسلوب والمقدرة على الوصف، فإن المؤلف يقلد تقليدا متقنا الخصائص الحسنة التي يمتاز بها أسلوب المقامة مضافا إلى ذلك سهولة حديثة وظرف. ويتخلل عباراته المسجوعة حوار في لغة سهلة حديثة. ولقد يلجأ المؤلف إلى اللفظ العامي الاصطلاحي فيستعمله في غير تردد، وذلك على الرغم من أن الحوار نفسه كان يتطرق كثيرا إلى عبارات وصفية مسهبة. وكان السجع مزيجا متقنا من القديم والحديث مما أكسب الأسلوب طرافة ورونقا، وجعل القارئ يستمتع بأثر من الآثار الأدبية الحية جدير بأن ينافس آثار المنفلوطي في الأسلوب مع تفوقه عليها في عمق الحس وحسن الترتيب.
وتستطيع أن تضيف إلى كتاب المويلحي كتابين آخرين، جرى فيهما صاحباهما على سنّة المويلحي في اختيار طريقة المقامة للكتابة في النقد الاجتماعي، وإن كانا أقل منه لباقة ورقة، أولهما (ليالي سطيح) لمحمد حافظ إبراهيم وهو أقوى منافس لشوقي في زعامة الشعر العصري (١٨٧١ - ١٩٣٢) وظهر هذا الكتاب عام ١٩٠٧. وخطة هذا الكتاب بسيطة تتلخص في أن جماعة من الناس كانوا يشكون في ليالي متوالية ما يلاقونه من مساوئ الأحوال السائدة في مصر، فيجيبهم على التوالي صوت خفي مبيناً أسباب ما يضجون منه من المساوئ في نثر مسجوع تتخلله بعض المقطوعات الشعرية، واصفاً لهم الدواء. على أن خطة الكتاب تأخذ بعد ذلك في التغير تدريجا حتى يصير الجزء الأكبر منه عبارة عن محاورات في نثر مرسل سهل تضيع فيه المعالم الأصلية للكتاب. ولقد قوبل هذا الكتاب بحماس وإقبال في الدوائر الأدبية المصرية ولكن مما تلذ ملاحظته في هذا المقام أن أصواتا عالية قد ارتفعت في ذلك الوقت منددة باستعمال السجع في مثل هذه المؤلفات.
أما ثاني هذين الكتابين فهو (ليالي الروح الحائر) للكاتب السياسي والمؤلف المسرحي محمد لطفي جمعة. ولقد سار المؤلف في هذا الكتاب على طريقة المقامة بالدقة، دون أن يلجأ إلى السجع. ويلاحظ في كتابه أثر كتّاب (المدرسة السورية الأمريكية) واضحا خصوصا في هذا النوع من الإنشاء المعروف باسم الشعر المنثور أو الشعر الحر. أما المتحدث في هذا الكتاب فهو روح غير مجسمة كما يفهم من اسمه، وأغلب هذا الحديث في انتقاد الأحوال الاجتماعية في مصر، ولقد أشار زيدان بحق إلى جمال هذا الكتاب وفصاحة أسلوبه. وفي
стр. 485
نظري أنه في هذه الناحية أهم منه في الناحية الأخرى: ناحية التعمق في الأفكار التي تعرض لشرحها.
وقبل أن أترك هذه المجموعة المتشابهة أحب أن أشير هنا إلى كتاب آخر عظيم الشبه بها وإن امتاز منها في الروح ثم في الأسلوب إلى حد كبير، ذلك هو مجموعة الفصول التي جمعت تحت عنوان (أين الإنسان) لمؤلفها الشيخ طنطاوي جوهري. ولقد قدمت هذه الرسالة إلى المؤتمر الدولي الذي انعقد في لندن عام ١٩١١. أما المتكلم في هذه الرسالة فهي روح سماوية، وأما الحديث فانه يدور حول التقدم العالمي والإخاء البشري. ولم يلجأ الكاتب إلى استعمال السجع، وهذه الرسالة مفخرة للأدب العربي العصري، وهي جديرة بأن تكون موضوع دراسة خاصة، ولكني أكتفي هنا بالإشارة إليها لخروجها عن موضوع بحثي.
ويمكننا أن نتبين في هذه المؤلفات عدة محاولات مجتمعة لإيجاد نوع جديد من الأدب، يسد حاجة جمهور قارئ جديد، ويتصل بعض الاتصال بمشاكله ونظراته إلى الحياة، بحيث يسهل تناوله، ويثير اهتمامه، ويلائم خياله. على أن أصحابها لم يصادفوا نجاحا في تلك المحاولات لأنها كانت أقرب إلى الأدب العالي منها إلى آداب التسلية، فلم يقبل عليها الا عدد صغير من خاصة القراء.
وبدل أن يطرقوا موضوعات جديرة طريفة تسري عن الجمهور ما يلاقيه من متاعب الحياة نراهم يوجهون اهتمامهم إلى هذه المتاعب نفسها فيتناولها بالدرس والتحليل، وأدهى من ذلك انهم كانوا يسلكون في كتاباتهم طريقة الوعظ الجافة، أضف إلى ذلك انهم لم يسلموا من تسلط الفكرة القديمة، فكرة العصور الوسطى، التي تنظر إلى الأدب كوسيلة من وسائل المباهاة والظهور، سواء في ذلك ساروا على الطريقة القديمة أو من قاموا بترجمة بعض المؤلفات الغربية كعثمان جلال والمنفلوطي، ولم يخل الكتاب السوريون من التشيع بهذه الفكرة أيضاً وحتى كتاب الأقاصيص التافهة التي تركت في زوايا النسيان الذي استحقته منذ ظهورها، قد قصدوا في كتاباتهم إلى ذلك الغرض الوعظي الخلقي. ويظهر لنا من هذا أن أولئك الكتاب كانوا ينظرون إلى القصص التي تكتب للجمهور نظرة ازدراء مما كان له أكبر الأثر في تأخر نمو القصة كفن من فنون الأدب العربي.
стр. 486
ابن خلدون في مصر
للأستاذ محمد عبد الله عنان
(٢)
وانه لمنظر شائق ذلك الذي يقدمه إلينا ابن خلدون عن مجلسه في ذلك اليوم ومن حوله العلماء والأكابر يشهدون الدرس الأول لذلك المفكر المبدع. وهو يحرص على تدوينه كما يحرص على تدوين الأثر الذي يعتقد أنه أحدثه إذ يقول: (وانفض ذلك المجلس وقد شيعتني العيون بالتجلة والوقار). وفي ذلك ما يدل على ما كان يشعر به ابن خلدون من كبرياء وثقة من أنه كان شخصية ممتازة تجب أحاطتها بمظاهر خاصة من التكريم والرعاية. ثم كانت الخطوة الثانية في ظفره بمناصب الدولة، وتعيينه قاضيا ًلقضاة المالكية في أواخر جمادى الآخرة سنة ٧٨٦ (أغسطس ١٣٨٤م) مكان القاضي المعزول جمال الدين بن خير السكندري. وكان ارتفاعه إلى هذا المنصب الذي هو رابع أربعة تعتبر من أهم مناصب الدولة إيذانا بوثوب العاصفة من حوله، واضطرام تلك الخصومات التي كدرت صفو مقامه، وادالت نفوذه، واقتلعته من المنصب غير مرة. يقول ابن خلدون في سخرية: (وأقمت على الاشتغال بالعلم وتدريسه إلى أن سخط السلطان قاضي المالكية يومئذ في نزعة من النزعات الملوكية. فعزله واستدعاني للولاية في مجلسه وبين أمرائه. فتفاديت من ذلك، وأبى الا مضاءه). وقد عرف ابن خلدون هذه (النزعات الملوكية)، وعرف أنها تبطن من الشر والنقم في معظم الأحيان أكثر مما تسبغ من العطف والنعم. ولكنه يريد أن نفهم أن ارتفاعه إلى منصب القضاء لم يكن نزعة ملوكية فقط. وإنما أختاره السلطان كما يقول (تأهيلا لمكانه وتنويهاً بذكره).
ونستطيع أن نقدر أن ولاية ابن خلدون لخطة القضاء لم تكن حادثاً عادياً، فقد كان أجنبياً. وكان تقدمه في حظوة السلطان، وفي نيل الناصب سريعاً. وكانت مناصب التدريس والقضاء دائما ًمطمح جمهرة الفقهاء والعلماء المحليين؛ ولم يكن مما
يحسن وقعه لديهم أن يفوز بها الأجانب الوافدون دونهم. وإذا فقد تولى العلامة المغربي منصبه في جو يشوبه كدر الخصومة والحسد. وجلس بمجلس الحكم في المدرسة الصالحية بحي بين القصرين، فلم يمض سوى قليل حتى ظهرت من حوله بوادر الحقد والسّعاية
стр. 487
ويقول لنا أبن خلدون في سبب هذه العاصفة التي ثارت حول توليه القضاء، كلاما طويلا عما كان يسود القضاء المصري يومئذ من فساد وأضطراب، وما يطبع الأحكام من غرض وهوى، وعما كان عليه معظم القضاة والمفتين والكتاب والشهود من جهل وفساد في الذمة؛ وأنه حاول إقامة العدل الصارم المنزه عن كل شائبة، وقمع الفساد بحزم وشدة، وسحق كل سعاية. وغرض: (فقمت في ذلك المقام المحمود، ووفيت عهد الله في إقامة رسوم الحق وتحري العدالة. . . . لا تأخذني في الله لومة. ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة، مسويا بين الخصمين، آخذ الحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبت في سماع البينات، والنظرة في عدالة المنتصبين
لتحمل الشهادات؛ فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب متلبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم فيتجاوزون عما يظهر عليهم من هناتِهم. لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة، فأن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن وأئمة للصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة فيضنون بهم الخير، ويقسمون الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم؛ ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجب العقاب، ومؤلم النكال. . .) ثم يعدد نواحي الفساد التي شهدها، وجدّ في إصلاحها وقمعها، وكيف مضى في سبيله (من الصرامة وقوة الشكيمة) وكيف احتقر شفاعات الأعيان والأكابر خلافاً لما اصطلح عليه زملاؤه القضاة من قبولها، حتى ثار عليه السخط من كل ناحية، وسلقته جميع الألسن وكثرت في حقه السعاية لدى البلاط.
وهذا التعليل الذي يقدمه لنا أبن خلدون عن سبب الحفيظة عليه، واضطرام الخصومة حوله، معقول يحمل طابع الصراحة والصدق. بل هذا ما تسلم به التراجم المصرية المعاصرة والقريبة من عصره. فيقول أبو المحاسن مثلاً مشيراً إلى ولايته للقضاء: (فباشره بحرمة وافرة، وعظمة زايدة، وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة، وشفاعات الأعيان، فأخذوا في التكلم في أمره. . .) ويقول ابن حجر والسخاوي: (فتنكر (أي ابن خلدون) للناس بحيث لم يقم لأحد من القضاة لما دخلوا للسلام عليه، مع اعتذاره لمن عيبه عليه في الجملة، وفتك في كثير من أعيان الموقعين والشهود، وصار يعزر بالصفع، وشبهة
стр. 488
الزج، فإذا غضب على إنسان، قال زجوه فيصفع حتى تحمر رقبته) وفيما ينقل السخاوي قصد إلى التعريض والانتقاص، وسنرى أنه شديد الوطأة على أبن خلدون يشتد في نقده وتجريحه؛ ولكن في قوله ما يؤيد أن ابن خلدون كان يصدر في قضائه عن نزاهة وحزم وصرامة؛ بل هو يشهد لابن خلدون بذلك صراحة، حينما يقول عنه في موضع آخر: (ولم يشتهر عنه في منصبه الا الصيانة. .).
انقضت العاصفة على ابن خلدون إذا لأشهر قلائل من ولايته وكثر السعي في حقه والإغراء به حتى (أظلم الجو بينه وبين أهل الدولة) على حد تعبيره، وفقد حظوته وما كان يتمتع به من عطف ومؤازرة. وأصابته في ذلك الحين نكبة أخرى هي هلاك زوجه وولده وماله. وكان منذ مقدمه ينتظر لحاق أسرته به؛ ولكن سلطان تونس حجزها عن السفر ليرغمه بذلك على العودة إلى تونس فتوسل إلى السلطان الظاهر أن يشفع لديه في تخلية سبيل أسرته به، ففعل، وأطلق سراح الأسرة وركبت البحر إلى مصر. ويروي لنا ابن خلدون نبأ الفاجعة في قوله: (ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد. وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح، فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود؛ فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب) ولم يمض سوى قليل حتى أقيل المؤرخ من منصب القضاء، أو بعبارة اخرى، حتى عزل. بيد أنه يريد أن نفهم أن هذا العزل جاء محققاً لرغبته إذ يقول: (وشملتني نعمة السلطان أيده الله في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت فيما زعموا مصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول وأنشطني من عقالها؛ فانطلقت حميد الأثرة مشيعاً من الكافة بالأسف والدعاء وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة، وتتناجى الآمال في العودة) والخلاصة أن ابن خلدون يؤكد لنا إن عزله كان نتيجة التحامل والحقد والسعاية فقط، وأنه أثار استياءً وأسفاً في المجتمع القاهري، وأنه غادر منصبه موفور الكرامة والهيبة. بيد أننا سنرى، حسبما يشير في قوله المتقدم، أنه كان يرمى بجهل الأحكام والإجراءات وأنه لم يكن بذلك أهلا لتولي القضاء، وانه كان مشغوفاً بالمنصب، أشد ما يكون حرصاً عليه.
وكان عزل ابن خلدون عن منصب القضاء لأول مرة في السابع من جمادى الأولى سنة ٧٨٧ هـ (يوليه ١٣٨٥م)، أعفي لنحو عام فقط من ولايته، فأنقطع إلى الدرس والتأليف
стр. 489
كرة أخرى.
على أن هذا العزل لم يكن إيذاناً بسخط السلطان ونقمته؛ فقد لبث ابن خلدون في منصب التدريس بالقمحية؛ ولم يمض سوى قليل حتى عينه السلطان أيضاً لتدريس الفقه المالكي بمدرسته الجديدة التي أنشأها في حي بين القصرين (المدرسة الظاهرية البرقوقية). واحتفل ابن خلدون كعادته بالدرس الأول، وألقى خطابا بليغا يدعو فيه للسلطان، ويعتذر عن قصوره في تواضع ظريف. وشغل بالدرس في المعهدين حتى كان موسم الحج عام تسعة وثمانين، فأعتزم عندئذ أداء الفريضة، وأذن له السلطان وغمره بعطائه، وغادر القاهرة في منتصف شعبان؛ وقصد إلى الحجاز بطريق البحر؛ ثم عاد بعد أداء الفريضة، بطريق البحر أيضاً حتى القصير؛ ثم أخترق الصعيد بطريق النيل، فوصل القاهرة في جمادى الأولى سنة تسعين (٧٩٠ هـ)؛ وقصد السلطان تواً واخبره بأنه دعا له في الأماكن المقدسة، فتلقاه بالعطف والرعاية. ثم خلا كرسي الحديث بمدرسة صرغتمش فولاه السلطان إياه بدلا من تدريس الفقه بالمدرسة السلطانية؛ وجلس للتدريس فيها في المحرم سنة إحدى وتسعين، وألقى خطاب الافتتاح كعادته في حفل فخم، وأعلن أنه قد قرر للقراءة في هذا الدرس كتاب الموطأ للإمام مالك؛ ويعرفنا ابن خلدون بموضوع درسه الأول في ذلك اليوم، فقد تكلم فيه عن مالك ونشأته وحياته وكيفية ذيوع مذهبه، ثم يقول لنا في كبريائه المعهود: (وأنقض ذلك المجلس، وقد لاحظتني بالتجلة والوقار العيون، وأستشرت أهليتي للمناصب القلوب، وأخلص النجا في ذلك الخاصة والجمهور).
стр. 490
أثر اللغة العربية في العالم الإسلامي
للسير دنسون روس. مدير مدرسة اللغات الشرقية بلندن
- ٢ -
الهند:
سأبدأ الآن بالهند مبيناً ما تدين به تلك البلاد للعرب. وكلكم تعلمون أن الفتوح الأولى للقوات الإسلامية في الهند، لم تذهب بهم بعيداً داخل تلك البلاد، ومن ثم كانت قليلة الأثر هناك، ولكن الأتراك في القرن العاشر استطاعوا أن يتوغلوا بالإسلام إلى مسافات بعيدة داخل الهند، إلى أن كان القرن الثالث عشر، وهنا نرى أول ملك إسلامي يتبوأ عرش (دلهي).
ولننظر الآن ما كانت عليه أحوال تلك البلاد في ذلك الوقت، نرى قبل كل شيء أنه كان يوجد في الهند آداب واسعة، هندوكية وبوذية، وكانت تتجلى في اللغات الكلاسيكية التي لم يكن يفهمها الا طائفة محصورة من الناس. ثم يأتي بعد ذلك أن الهنود كانوا وثنيين، وأنهم كانوا أول عدو من غير أهل الكتاب صادفهم المسلمون.
ويعتبر في الحقيقة أتراك أواسط آسيا أول من نشر الإسلام بشكل واسع في الهند، وكان هؤلاء الأتراك يتكلمون التركية بينما كانت ثقافتهم فارسية، وهي تلك الثقافة الفارسية الحديثة، التي ظهرت فجأة في بلاط (سميندس) في بخارى.
وعلى ذلك يكون الإسلام قد أدخل في الهند لغتين: العربية لغة الدين، والفارسية لغة الشعر؛ وكانت العلاقة الوثيقة بين اللغة الفارسية، واللهجات السائدة في الهند الشمالية، هي بلا شك السبب في أن مسلمي الهند قد اختاروا الفارسية واسطة لآدابهم دون العربية والتركية، واستمر الحال كذلك بينهم حتى القرن الخامس عشر، إذ لم تصل اللغة الأردية (وهي خليط من الهندية والفارسية، إلى المستوى الذي تصلح معه لأن تكون واسطة أدبية) الا في ذلك القرن.
ولم يك مسلمو الهند قادرين على تذوق العبقرية التي امتازت بها العربية بالسرعة التي كانت عند غيرهم من الفرس، ولكن حدث على مر الأيام أن أنجبت الهند أدباء نابهين، ومما هو جدير بالملاحظة أن بعضاً من النصوص العربية الأنيقة كان من وضع أدباء الهند
стр. 491
في العصور الأخيرة.
وإني أميل بعد ذلك إلى أن أقرر أن أعظم تغيير أحدثته الثقافة الإسلامية، بعد ذلك التغيير الهائل، وهو دخول هذا العدد العظيم من الهند في دين التوحيد، إنما هو ما طرأ على الهند من الميل إلى تذوق التاريخ.
فإن هذا العلم لم يصادف هوى في قلوب الهنود من قبل، إذ كان يعتبر أمراً مادياً صرفا في نظر قوم مفكرين وفلاسفة بالسليقة. وهذا هو السبب في أن التاريخ الهندي القديم قد جمع بصعوبة عظيمة، وكان الاعتماد في جمعه على ما عثر عليه من السكة والتماثيل، دون أن يكون هناك بجانب هذه الأشياء مخلفات كتابية.
ولا تزال التواريخ بل القرون التي ظهر فيها بعض الحكام الأولين موضع جدل ومناقشة. فلما ظهرت الهند الإسلامية، دبت الحماسة في قلوب الناس فجأة نحو كتابة التاريخ، وكان من نتيجة ذلك أن دونت مع التوسع أخبار جميع ملوك دلهي ابتداء من القرن الثالث عشر.
وينبغي أن لا يفوتني هنا أن أذكر إدخال الحروف الهجائية العربية في الهند، وانتشار الكتابة بين الناس على العموم، في بلد كان كلما يتعلق بالعلم والكتابة فيه محصوراً في أيدي البراهمة.
أواسط آسيا وبلاد فارس:
مهما أطنبنا في وصف الأثر الذي تركه تعلم اللغة العربية في عقول سكان أواسط آسيا والهند، فلن يعد ذلك منا إسرافا أو مبالغة، فإن الأثر الذي تركته العربية في عقول الأتراك والفرس، ومسلمي الهند، كان أجل شأنا وأعظم خطراً من الأثر الذي تركته اللاتينية في عقول الأدباء من أهل أوربا في العصور الوسطى.
فمع أن اللاتينية كانت الواسطة للكتابات الدينية والعلمية، لم يكن هناك ميزة أخرى من ورائها سوى تلك المهارة الأدبية التي كان يتصف بها كل من ثقفها. إذ كان قبل حركة الأحياء الكاثوليكية بزمن طويل، نصف سكان أوربا ينظمون الشعر ويتغنون به، كما أن بعض اللغات كانت قد اتخذت فعلا شكلا محدوداً، واصطبغت بصبغة البيئة التي وجدت فيها.
ولم يكن الأمر كذلك في العربية، فان العربية قد أمدت المستنيرين في أواسط آسيا بثقافة
стр. 492
تعتبر جديدة من جميع الوجوه. وبثت في قلوب هؤلاء أفكارا طريفة، وفتحت أمام أعينهم عوالم جديدة، وبعبارة أخرى، فان العربية أمدت الفرس والأتراك والهنود (بلغة جديدة) ولا غرابة في ذلك، فانه بالقضاء على الديانات القديمة قضاء ظاهراً، وبحلول العربية محل اللغات القديمة في المسائل الأدبية، ثم باستبدال الثقافة الإسلامية بكل ما يرجع في أصله إلى الثقافة الآرية، كل أولئك يحملنا على القول بأن العربيةأمدت بلاد فارس بخزائن جديدة من العلم، إلى جانب لغة مكتوبة منظمة. أو قل أمدت الفرس (ببعث قومي جديد مع ثقافة حديثة) وكل ذلك في وقت واحد، فلقد أتحفت العربية أواسط آسيا بالشعر العربي الذي غيّر وجه الشعر هناك، ثم بالفلسفة اليونانية، وغيرها من العلوم.
ونستطيع أن نقول أن المجوسية لم يكن لها الا معنى ضئيل في عقول معظم الرعايا الساسانيين، وكان لا يفهمها الا طائفة الكهنة، بينما كانت لغة الكتب المقدسة وهي الفهلوية لا يكاد يفهمها إلا رجال الدين، وطائفة الموظفين الرسميين.
فمن السهل أيضاً أن نتصور الأثر المباشر الذي أحدثته العقائد الإسلامية في الفرس، بله الروعة والدهشة للتي تركهما في نفوسهم ذلك الكتاب المقدس الذي نزل بلسان سهل مبين.
هذا وينبغي أن لا ننسى أنه في الأيام الأولى قبل إدخال الشكل، وخلو العربية من الحروف التي تعين الساكن والمتحرك لم يكن من السهل قراءة اللغة العربية، ولكن العربية كانت على أي حال أسهل من الفهلوية، إذ كان نظام هذه الأخيرة في الكتابة أصعب نظام عرف حتى ذلك الوقت. ولكن حينما ظهرت مدارس النحو في الكوفة والبصرة، أصبح من السهل ضبط العربية واستيعابها.
وهذا البحث يؤدي بنا إلى الهجاء العربي، وإلى فن الإملاء، ذلك الفن الذي كان حتى ذلك الوقت مجهولا تمام الجهل في فارس والهند.
أحس الناس وعلى الخصوص غير العرب منهم فضلا عن الزهو الذي داخل نفوسهم بتعلم اللغة العربية، سرورا وميلا عظيما نحو تلك الحروف المرنة السهلة وهي الحروف الهجائية العربية. ولقد كان لهذه الحروف في نفوسهم مثل ما للصور من الجمال الفني ولا سيما إذا نقشت على ظاهر المباني، أو إذا حفرت على الأضرحة والمقابر سواء ما كان منها ثلثاً أو كوفياً أو نسخاً.
стр. 493
ولست (إلى حد كبير) أشك في أن هذه الزخرفة الأنيقة في رسم الحروف العربية إنما كانت نتيجة لتحريم تصوير الأشخاص في العهود الأولى. ولكن بحث هذه النقطة ربما يخرج بي بعيداً عن الموضوع.
ويجب ألا ننسى أن العرب لم يدخلوا معهم إلى تلك البلاد أي شيء في شكل فني، وأن الفرس كانت لهم تقاليد فنية ترجع إلى ما يزيد على ألف سنة. ومما يدعو إلى الدهشة أن الإغريق وقد حكموا الفرس فعلا نحو قرنين لم يتركوا فيها أي أثر أدبي، كما انهم لم يتركوا شيئا من هذا في الهند. وكذلك لم يترك فتح الفرس لمصر أي أثر في تلك البلاد. وهكذا استمر الفرس حتى الفتح الإسلامي محتفظين بآدابهم منعزلة تماما عن أي تأثير من غيرهم.
وكانت آداب الفرس محدودة من جهة الانتاج، فلم يكن لديهم عدا بعض الكتب الدينية الا مجموعة من السير والتواريخ كما أنهم ترجموا أمثال بيدبا عن السنسكريتية.
على إن بعض القطع الفهلوية تدلنا على أن الفرس قد أكثروا من الشعر، وربما كانت (المناظرة) ترجع في أصلها إلى الفرس ولكن الأوزان والقوافي العربية كانت أمرا جديدا بالنسبة لهم. وان المرء ليعجب لتلك السرعة التي أخذ بها الفرس هذه الأشياء.
وأريد أن أختتم كلامي بكلمة عما تدين به العربية للفرس. كلنا نعرف أن خلفاء المسلمين في دمشق وبغداد كانوا يدينون للفرس بكل المسائل المتعلقة بالحكم ونظام الملك، ومما يذكر عن أحد الخلفاء الأمويين أنه قال: (أني لأعجب من أمر هؤلاء الفرس: لقد حكموا ألف سنة دون أن يحتاجوا إلينا مرة. بينما نحن لم نستطع مدة المائة سنة التي حكمناها أن نستغني عنهم لحظة).
إن العلم الإسلامي في القرون الأولى كان يدين للإغريق بالمسائل العلمية والفلسفية، ولكنه كان يدين للفرس بما وصل إليه من الآداب الجميلة. وما علينا لكي نفهم أثر الفرس في تلك الثقافة العربية الفخمة إلا أن نستعيد أسماء هؤلاء الشعراء والكتاب المجيدين لنرى عدد من يرجع منهم إلى الفرس من حيث الأصل أو المولد.
(محمود الخفيف)
стр. 494
طرائف من شعر الشباب
عتاب
للأستاذ محمود الخفيف
أي ذنب جنيت؟ أن فؤادي … مذ أردت الجفاء يخفق رغبا
أي ذنب جنيت غير ودادي … أيكون الوداد عندك ذنبا؟
ذاك ذنبي وكيف أقلع عنه؟ … إن ذنبي تعلتي ورجائي
ذاك دائي ولست أشفق منه … فهو برئي وسلوتي وعزائي
كيف أُجْزَى على الوداد جفاء! … وأُسام العذاب من غير ذنب!
كيف أرجو مع الجفاء عزاء! … إن هذا الجفاء يُذهب لبي
يخفق القلب إن خطرت ويهفو … وتَمُرين في سكون غريب
وتظنين أنني عنك أغفو … كيف أغفو ومهجتي في لهيب؟
لست أنسى وقد مررت سريعا … لم تبالي بحيرتي واضطرابي
نظرة منك خلفتني صريعا … نظرة الهجر والجفا والتغابي
أزجر القلب إذ أراك وأبدى … غضبة الحر وابتئاس الوَلوع
أكتم الحزن والتألم جهدي … فإذا ما مضيت فاضت دموعي
كنت قبل الجفاء طلق المحيا … أنهب اللهو والسعادة نهبا
كنت طوع الشباب حرا قويا … لا أرى في الحياة سهلا وصعبا
كنت كالسيل دافقاً لا أبالي … بملام ولا أخاف رقيبا
هادئ النفس لا أهاب الليالي … لا أرى في الوجود شيئاً رهيبا
كنت كالطائر المغرد ضحكا … مستفيض السرور عذب الشباب
كنت كالطفل لست أعرف شكا … مطمئن الفؤاد جم التصابي
أسبق الشمس كل يوم شروقا … فأحيي الصباح فوق التلال
أنزل السهل حيث شئت طليقا … مشرق الوجه سابحاً في الخيال
يرقص الزهر عن يميني اختيالا … وتغني الطيور صوب يساري
ويفيض الغدير عذباً زلالا … رائع الحسن مثل وجه النهار
стр. 495
كنت جم النشاط أقضي نهاري … (كفَراش الربيع بين الزهور)
دائم الوثب لا يقر قراري … أملأ السمع من غناء الطيور
جعل الحب كل شيء نضيرا … وأثار الجمال كامن حسي
وسها الدهر فاغتدوت قريرا … كل ما في الوجود يبهج نفسي
كنت أنت الجمال ملء عيوني … كنت أنت الحياة تملك لبي
كنت أنت الهناء ملء جفوني … كنت أنت الشعور يملأ قلبي
كنت وحي القريض ينفث سحرا … في فؤادي فيستجيب لساني
أنظم الدر من حديثك شعرا … أين من وقعه رقيق الأغاني؟
أعشق الكون كله في هواك … إذ أرى الكون في هواك جميلا
أطلب المجد كي أنال رضاك … لا أرى في الجهاد عبئاً ثقيلا
كم سقانا السرور كأساً دهاقا … وحبانا الشباب عيشاً رضيا
كم نهلنا من الوداع رحيقا … وشربنا الغرام عذبا شهيا
ويح نفسي أذاك عهد تولى؟ … أم تريدين بالجفاء عتابي؟
ولعمري لقد سئمت فهلا … آمل الوصل بعد طول العذاب؟
من رآني يهوله اليوم لوني … واكتئابي ولوعتي وذبولي
وهن العظم في الصبابة مني … ودهى الناس حيرتي وذهولي
يهمس الناس: قد علاه اصفرار … ويشير العليم في غير همس
أيها الناس إن دائي خطير … أو ليس الغرام يضني ويؤسي؟
قتل الحب كم أحل دماء … من دماء الشباب في غير حق!
ولكم أورث النفوس عناء … واستباح القلوب في غير رفق!
ليت قلبي يطيعني في غرامي … حطم القلب في الهوى كبريائي
أيها القلب أنت أصل سقامي … واكتئابي ومحنتي وبلائي
ويح نفسي! أما لهمي انتهاء؟ … كدت أقضي صبابة ونحولا
ويح قلبي! أما لقلبي ارعواء؟ … أو لم يأن أن يثوب قليلا؟
شهد الله، لو تحرر قلبي … لتمنيت أن يعود أسيرا
следующие страницы →