← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

هو ذنب من حمله! فأنت تستطيع أن تنقم عليهم، وتستطيع أن تكيل لهم أشنع النعوت والصفات ولكنك، مضطر إلى أن تقف في محراب العلم خاشعاً متصدعاً، تتلو آي الحمد والإجلال، وترتل أناشيد الحب والإعجاب!! أو لعل الذي يقول بتجفيف العلم للقلب إنما يزن الحقائق التي اجتلاها الإنسان خلال هذه العصور الطويلة، فوجدها ضئيلة هزيلة لا تعدل ما بذل في سبيلها من جهود. . وهذا صحيح أيضاً، فالحقيقة لا تطفو على ظاهر الأشياء ولا تستبين بارزة عارية وإنما هي خيال ما يكاد يتراءى للعين والبصيرة حتى يختفى، ولقد يضطر العالم إلى اللحاق به فيعدو ويعدو ثم يعود في الأعم من الأحوال خاسراً خائباً. فتحري الحقيقة عمل شاق مضن، ولذا اشترط على العالم الصبر والأناة والجلد. على أن ما علمناه يزيد في ثراء خزانة المعارف، ويهيب إلى القول أن الإنسان الحاضر أرقى من الإنسان الأول، واكثر منه كمالاً. أقول كمالاً ولا أقول سعادة، لأن السعادة غير منوطة بالعلم أو ناتجة عنه، ولعلها بالجهل أجدر واليق، ولعل العلم يبعث القلق والاضطراب، ويثير أحلام النفس لغافية ووساوسها الكامنة. اكتشاف الحقيقة لا يتم إلا بالخيال والعاطفة، وهما أهم مقومات الشعر والأدب، يتخذهما العلم في البداءة جناحاً يطير به، ووسيلة يلجأ إليها، فهما أداتان لا غنىله عنهما، أفيستطيع العالم تبيان مجاهل الكون إلا بالتخيل والتصور، يرسم حدودها وأشكالها على صحيفة مخيلته قبل أن يعرفها بالواقع والمحسوس؟ أفلم تكن العاطفة والرغبة حافزاً للمعرفة وداعياً إلى الإحاطة بها؟. . ومع أن العلماء حددوا مدى الخيال، وألزموا الحس بالبرهان فلقد راضوهما كثيراً واستنهضوهماً كثيراً. فالمعهود أن ملكة التخيل والفرض قوية نامية عند العلماء والمفكرين، والمعهود أن كبار الأدباء كانوا علماء أو مثقفين ثقافة علمية متينة واسعة. فهذا جيتي الأديب العبقري كان عالماً من علماء القرن الثامن عشر، له في النبات نظرية (التحور) وله في طبقات الأرض والأحجار الكريمة آراء محترمة، يعتقد ببساطة النور ويقول إن جمجمة الرأس إنما هي حلقة من حلقات العمود الفقري تطورت ونمت فصارت إلى ما هي عليه الآن من التجسم والضخامة. أما بساطة النور فلا يؤمن بها أحد من العلماء اليوم، وأما نظرية الجمجمة فلا تتلاءم مع علم الرشيم الحديث فعدل عنها، وان شئت فقل أنها تحورت إلى نظرية أخرى.

стр. 4307

كان جيتي أديباً كبيراً وكان عالماً حقاً، لم يمنعه علمه من الإنتاج في الفن والأدب، ولم يمنعه علمه من الاسترسال وراء الخيال الصادق الصحيح، وهل الخيال الصادق الصحيح إلا ظل الحقيقة وصورة الواقع؟؟ إنما يكشف العلم عن مصادر خصبة للجمال يجدر بالأديب أن يتأملها ويستوحيها، يهيج الخيال وينشط العاطفة ثم يسبغ عليها من روعة الحقيقة ما يلهبها ويؤججها. حمص محمد روحي فيصل

стр. 4308

في الأفق الدولي جبهة أوربية جديدة كان اعتراف دول الاتفاق الصغير بروسيا السوفيتية واجتماع السينور موسوليني والهر هتلر أهم الأحداث الدولية التي وقعت في الأسبوعين الأخيرين. وتوجد بين الحادثين صله وثيقة، وكلاهما يرجع إلى نفس البواعث والظروف التي تدفع أوربا اليوم إلى منحدر شديد الحلك. وقد بينا في مقال سابق في الرسالة أن التأريخ يعيد نفسه، وأن أوربا القديمة تعود فتبدو للعالم كما كانت قبل الحرب مسرحاً للتنافس الحربي وعقد المحالفات السرية، وتنظيم الجباه الخصيمة. وقد بدأت فرنسا مذ رأت تصميم ألمانيا على تسليح نفسها بتنظيم جبهه سياسية عسكرية تستطيع ان تعتمد عليها في مقاومة ألمانيا إذا ما نشبت بينهما الحرب؛ ولما كانت العلائق قد فترت بين ألمانيا وروسيا على أثر قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا وسحقه للحركة الديمقراطية ومجاهرته بخصومة روسيا السوفيتية، فقد رأت فرنسا أن تعود فتتقرب من روسيا وأن تحاول إحياء التحالف الذي كان معقوداً بينهما قبل الحرب ضد ألمانيا. فبعثت مسيو هريو رئيس الوزارة الأسبق إلى روسيا ليمهد السبيل لهذا التحالف، ورأت روسيا من جانبها أنها في حاجة لتوطيد مركزها بين الدول الغربية، وتأمين سلامة حدودها الأوربية لكي تستطيع التفرغ نوعاً لمقاومة الخطر الياباني في الشرق الأقصى، فرحبت بهذه الخطوة؛ واستمرت فرنسا في سعيها لتنظيم هذه الجبهة الشرقية ضد ألمانيا، حتى استطاعت أن تحمل دولتين من دول الاتفاق الصغير هما رومانيا وتشيكوسلوفاكيا على الاعتراف بروسيا السوفيتية تمهيداً لعقد التحالف بينهما وبين روسيا. وقد جاء اعتراف الدولتين بروسيا على أثر الزيارة التي قام بها مسيو بارتو وزير الخارجية الفرنسية لكل منهما. ونفوذ فرنسا في رومانيا وتشيكوسلوفاكيا معروف، وهو الذي يوجه سياستهما الخارجية منذ نهاية الحرب الكبرى. ونستطيع أن نقارن بين رحلة مسيو بارتو التي أسفرت عن التمهيد لهذا التحالف برحلة مسيو بوانكاريه التي قام بها قُبيل الحرب الكبرى في روسيا وما انتهت إليه من توثيق التحالف بين روسيَا وفرنسا. اجتماع هتلر وموسوليني وقد كان لهذه الحركة التي قامت بها فرنسا في تنظيم الجبهة الجديدة وقع عظيم في ألمانيا

стр. 4309

لأنها هي المقصودة بها قبل كل شيء. وقد شعرت ألمانيا الآن بخطر العزلة السياسية والاقتصادية التي انتهت إليها، وكان للسياسة الهتلرية وما أبدته من العنف وقصر النظر أكبر أثر فيها. ففي عام ونصف عام فقط، منذ قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا، فقدت ألمانيا كثيراً من عطف الرأي العالمي، وفقدت صداقة روسيا السوفيتية وما كانت تتمتع به فيها من مركز اقتصادي ممتاز، وأثار عنف السياسة الهتلرية عليها كثيراً من الأحقاد في النمسا وتشيكوسلوفاكيا، ودفعها بسرعة إلى طريق الخراب الاقتصادي. وقد شعر الهتلريون بخطورة المأزق الذي دفعوا إليه ألمانيا، ولم يجدوا قبلة يتجهون إليها اليوم في أوربا غير إيطاليا. والسياسة الإيطالية تشعر بعطف خاص نحو ألمانيا الهتلرية أولا لما بين الطغيان الفاشستي والطغيان الإيطالي من وجوه الشبه في الوسائل والغايات، وثانياً لاتفاق الرأي بينهما في بعض المسائل الخارجية مثل وجوب تنقيح معاهدة الصلح، وميثاق عصبة الأمم، وتسوية مسألة نزع السلاح على قاعدة المساواة بين الدول العظمى. هذا وإيطاليا تشعر نحو السياسة الفرنسية في القارة بغيرة شديدة وتتوجس من عواقبها ولاسيما في أوربا الوسطى، وتحقد على فرنسا لأنها تحول دون توسعها الاستعماري في أفريقية؛ والخلاصة أن هنالك أسبابا وبواعث كثيرة تجمع بين ألمانيا وإيطاليا في الظروف الحالية؛ وتقرب بينهما في الرأي والغايات. تلك هي العوامل التي حملت هتلر زعيم الوطنية الاشتراكية الألمانية، وموسوليني زعيم الفاشستية على اللقاء بسرعة للبحث والتفاهم. وقد تم اللقاء بين الزعيمين في مدينة البندقية (فنيزيا) وأستمر يومي ١٤و١٥يونيه. ولم تذع تفاصيل شافية عما دار عليه البحث أو تقرر؛ ولكن المفهوم أنه تناول كل الوسائل الخطيرة التي تهم البلدين، وفي مقدمتها مسألة التوازن الأوربي، ومقاومة السياسة الفرنسية في تنظيم الجبهة الخصيمة، ومسالة نزع السلاح وعصبة الأمم، ومسألة استقلال النمسا وضمان السلم في أوربا الوسطى. وقد أفاضت الصحف الألمانية في أهمية هذا الاجتماع وخطورة أثره في مستقبل السياسة الأوربية؛ وكانت الصحف الإيطالية أكثر تحفظاً. ولا ريب في أهمية الاجتماع وخطورته؛ ولكنه من جهة أخرى دليل على خطورة المأزق الذي صارت إليه ألمانيا في ظل الوطنية الاشتراكية، وعلى جزعها من عواقب العزلة السياسية التي انتهت إليها، وشعورها بالحاجة

стр. 4310

إلى التعاون الخارجي. (ع)

стр. 4311

صور من الحياة البائدة للآنسة أسماء فهمي درجة الشرف في الآداب على ضفاف (بحر يوسف) حيث قام في العصور السحيقة قصر (التيه) أو (اللابرنته) وفي وسط الحقول النظرة ظهر في جلال على ربوة تناثرت فوقها نباتات برية مزدهرة يقوم قصر آل عباد الفخيم. ولم يشأ القصر أن ينسجم مع ما يحيط به من بساطة فأغرق في الزخرف والزينة وأبى إلا أن يجمع بين إسراف الفن القوطي من تماثيل رمزية وأبراج، وروعة الفن العربي من نقوش وعمد، فبدا وكأنه الحسناء التي طمعت أن تزداد حسناً فأسرفت في الزينة والتبرج، فهوى جمالها النظر في خضم من الأصباغ والمساحيق الجامدة. . . ولكن سكان القصر واغلب زائريه كانوا يقفون مبهوتين أمام فخامته، لأن البذخ والإسراف كانا لديهم مقياس الفن والجمال. ولم يكن داخل القصر بطبيعة الحال اقل زخرفا أو إغراقاً في التجمل من خارجه. وكان المبدأ الذي أتبع في تأثيث القصر المنيف هو اقتناء أثمن الأشياء من بلاد الشرق وممالك الغرب وتكديسها في الغرف دون مراعاة لما بين أنواعها من تفاهم أو تنافر، والواقع أن أثاث المنزل كان دوليا بكل ما في الكلمة من معنى التباين والتنافر! وسكان الدار؟ كانت أيضاً خصالهم وعاداتهم خليطاً من صفات الشعوب في عصور التاريخ المختلفة، فلقد جمعوا بين ديمقراطية العرب وسخائهم وتعصب أهل القرون الوسطى في الدين واحتقارهم للمرأة، وبين زخرف القرن الثامن عشر وانغماسه في التزين , وأضافواإلى كل ذلك تفانى أهل القرن العشرين في عبادة المادة. . وكان رب هذه الدار عميد آل عباد الشهيرة في الفيوم شيخاً مسناً معروفاً بالتقى والكرم في عناد وصلابة. ولكن على الرغم من تقواه كان لا يتورع من أن يزيد في ثروته الطائلة بأي وسيلة تصادفه، وكان إذا اصبح الصباح بادر بالجلوس على حصير متواضع في أحد أجرانه الفسيحة، وسرعان ما يجتمع حوله فلاحوه واتباعه يبسطون أمامه خصوماتهم ومشاكلهم فيقضي بينهم في وقار وحزم كما كان يفعل النبيل في عهد الإقطاع. . حتى إذا ما حان وقت الغداء، أمر بإعداد الموائد للاتباع والفقراء، ويأبى السيد إلا أن يأكل معهم برغم احتجاج أبنائه الذين أخذوا بقسط من مظاهر المدنية الحديثة، ودرسوا علم الجراثيم

стр. 4312

الاجتماعية ووقفوا على أن الفقراء والمعوزين من أفتك أنواعها! ولكن الشيخ كان يرد على مثل هذا الاحتجاج باسماً قائلاً: إن الفقراءأحباب الله. . وإذا ما نادى مناد للصلاة هرول الشيخ إلى مسجد القرية تتبعه جموع الرجال. وقد أدى ورع السيد إلى تورع الأتباع حتى أكثر الأشقياء جبروتاً وعتواً. . أما زوجة السيد فلم تكن على شيء من نشاطه وبساطته؛ قضت حياتها كلها قعيدة دارها لم تخرج منه إلا يوم وفاة أمها من أكثر من عشرين عاما. وكانت على جانب عظيم من البدانة لا ترتدي من الأثواب غير الحرائر النادرة التي يطول ذيلها أمتاراً وراءها. . وتحمل حول عنقها وأناملها ومعصميها وفي أذنيها أرطالا من اللؤلؤ والماس والذهب، فضلا عما أكثرت من الأصباغ المختلفة الألوان في الرأس والوجه واليدينوالقدمين فغاصت شخصيتها في ضخم من المساحيق والحرائر والجواهر. . وبدت في مجلسها كصنم هائل تكدست فوقه قرابين الحلي والجواهر وضعت حيثما اتفق لإرضاء عاطفة الورع.! وقد كانت بطبيعة الحال لفرط بدانتها وثقل أحجارها الكريمة بطيئة الحركة تشتد ضربات قلبها لأقل مجهود، وقد ترتمي على مقعدها إعياء لمجرد محاولتها النهوض، فيأتي رهط من الخدم للأخذ بيدها وإنهاضها كما لو كانت عجوزاً شمطاء قد قطعت شوطاً بعيداً في طريق العدم. وعلى مقربه من الأم كانت تجلس أبنّتها (سمر) وهي غادة هيفاء لولا ضعفها البادي وشحوبها لما بخل عليها حتى أقسى حسادها بوصف الحسن الرائع، ولكنها كانت كالزهرة التي أقصيت عن الضوء والهواء فذبلت وتهدلت أوراقها. ولم تحاول الفتاة أن تخفي الشحوب بالأصباغ (وإن قد اجتهدت في إخفاء النحول بكثرة الكرانيش والذيول) لأن ذلك العهد لم يبح للمرأة أن تتجمل إلا إذا كانت ذات بعل. . أما المذهب الذي يدعو إلى الاهتمام بالفن للفن، فلم يكن مألوفاً عند بنات ذلك العصر، وإنما من مستحدثات هذا القرن! كرت الأعوام على هذه الأسرة والحياة تسير على وتيرة واحدة لا تنوع فيها إلا تغيير أنواع الطعام الكثيرة، وتبديل الملابس والجواهر التي اكتظت بها الصناديق والخزائن - ولكن لم تلبث الأيام التي تلد العجائب أن تمخضت عن حادث هام أدخل في حياة الأسرة الراكدة انتعاشاً وجدة. . وحول تفكيرها إلى مجرى غير مجرى الطعام والشراب والملبس. . فلقد

стр. 4313

خطب الشاب مراد ابنة عمه (سمر) إلى أبيها، وقبل الشيخ عباد راضياً مسروراً، لأن مرادا كان يمتاز بأسمى صفات الرجولة من نبل وشجاعة وقوة فوق جاهه العريض وجماله. وقد فرحت الفتاة سمر عند وقوفها على هذا النبأ، لأن مراداً كان رفيقها في عهد الطفولة، وهي وان كانت لم تره منذ زمن بعيد كانت تسمع الكثير عن خصاله وجماله. وكانت الأم منذ إعلان الخطبة لا تطيق ابتعاد ابنتها عن مجلسها، وفي ذات يوم فاضت عاطفة الأم عند ما تذكرت انه لم يبق على زفاف ابنتها سوى أيام قلائل، فجّرت نفسها نحوها بمجهود غير يسير، ووضعت ذراعها الغليظة حول جسم الفتاة النحيل، وقالت وهي تلهث من التعب: - أواه يا ابنتي! عما قليل ستزفين إلى ابن عمك مراد، لا يحزنني أمر فوق ما يحزنني منك هذا النحول. . أتوسل إليك يا سمر أن تأكلي وتشربي كل ما آتيك به. . وليس هناك من دواء للنحول كشرب كوبه من السمن الخالص أو المحلى بالعسل كل صباح وكل مساء. . انظري إلى أمك! إنها لم تستمتع بهذا الهيكل العظيم من اللحم الذي يحسدها عليه جميع نساء آل عباد إلا بفضل هذا الدواء الناجع الذي أشير به عليك الآن. . فقالت الفتاة وقد توردت وجنتاها حياء لذكر موضوع الزفاف، آسف لإيلامك يا أماه. . سأحاول مرة أخرى تعاطي هذا الدواء، ولكني أوثر البقاء بجانبك طول الحياة. . . إني لأرتعد فرقا عندما أفكر أني سأغادر هذه الدار المحبوبة قريبًا لأذهب إلى دار غريبة لا أعلم من أمرها أو من أمر ساكنيها إلا ما أسمعه من أفواه الرواة. . أني لم أر عمي (قاسما) إلا مرات معدودة، كنت فيها لا أجسر على مخاطبته أو النظر في وجهه استحياء. . أهوَ طيب القلب يا أماه؟ وزوجه؟ أحقاً ما نسمعه من أنها شديدة الورع؟. . أجابت الأم وهي تحاول إخفاء تأثرها: عمك يا ابنتي كأبيك نبيل كريم. أما زوج عمك فهي شديدة التقى كثيرة التعبد، ولكن ذلك قد لا يمنعها من أن تتصف برذائل الحماة. . وما أدراك يا سمر ما الحماة. . إنها نار الله الموقدة، أو أحد شياطين الجحيم المردة. . أني يا ابنتي لم أتذوق طعم الحياة الرغيدة إلا بعد أن ماتت حماتي! ارتعدت فرائص الفتاة عند سماع هذا القول وأبرقت عيناها ببريق الكره والخوف معاً، وقالت والعبرات تكاد تحبس صوتها: - وماذا أنا فاعله يا أماه؟. . اخضعي لحكم القدر، واستعيني برب الفلق على شر ما خلق!. .

стр. 4314

انهمرت عبرات الفتاة على الرغم من أيمانها الشديد. ودخل أبوها مهرولاً في تلك اللحظة فانقطع مجرى الحديث، لان الفتاة أسرعت بالاختفاء إذ أصبحت لا تجرؤ على مواجهة أبيها منذ خطبتها مدفوعة بعامل الحياء الشديد. . . ولم يحاول الأب استبقاء فتاته وان كان الموضوع الذي أتى ليعالجه مع امرأته يعني الفتاة دون سواها، لأنه أتى طبعاً ليتكلم في موضوع العرس، هذا الأمر الذي كان محور حديث الأسر، ماعدا الفتاة قضت عليها التقاليد بكتمان آرائها ورغائبها وعدم الخوض في موضوع الزواج. . قال الأب بعد فترة سكون لم تحاول ألأم بدء الحديث في أثنائهابرغم تشوقها للوقوف على احدث تفاصيل موضوع العرس، لأنها كانت تهاب الزوج وتخشاه. سيتم كل شي بعد أيام بأذن الله على رغم تجدد الخلاف بيني وبينهم أخي قاسم من جراء اقتسام تركه أمنا المتوفاة. انه يصر على أن يأخذ منها ما وقع عليه اختياره، وينتهز فرصة العرس ليحملني على التساهل. . كلا. . ومن بيده الملك، ولو آل الأمر إلى دك أعلام الزينة وإطفاء أنوار الأفراح. . قالت ألام بصوت خافت لا يخلو من رعشة الوجل: - ولكنا لا نجد عريساً لأبنتنا خيرا من مراد، فلا تحجم عن التضحية من اجله. فأجاب الأب وهو يرتجف من شدة الغضب: انك شديدة الغباوة يا (مُنى). . أني قادر على مصاهرة من يدفع لي من المهر أضعاف اضعاف ما دفع أخي لابنتي - لقد كانت على عيني غشاوة عندما قبلت هذا المهر من اللئيم أخي. . أخذت الأم تحس بالجبن والخوف أمام غضبه، فقالت باستسلام انك على حق دائماً يا سيدي. . نهض الشيخ بخفة الشباب وأسرع للإشراف على معدات العرس، إذ كان قد وطد العزم على إتمامه في اليوم التالي منتظراً من ورائه إتمام صفقة رابحة، وهذا نفس ما كان يرجوه أخوه. . نصب السرادق وسطعت الأنوار، وصدحت الموسيقى، وأطلقت البنادق وزغردت النساء، وظهر قصر آل عباد في حلة قشيبة من الزينة والبهاء في ليلة الزفاف. أسرع وجهاء القوم بالحضور إلى الفيوم من الدلتا والصعيد، ليروا ابرع نموذج في البذخ والإسراف، إذ كان

стр. 4315

لآل عباد من الشهرة ومن الثروة ما كان لخمارويه وكافور الأخشيد. . واكتظت حجرة العروس بكرائم العقائل وكرائم الجواهر، وتعالت أصوات المغنيات البدينات بالغناء، وأخذن في الرقص والانثناء أمام العروس كالحيات. . ولكن العروس كانت عن كل ذلك في شغل، فقد غلب عليها الخوف فتركت العنان لعبراتها، ولم يستغرب منها أحد هذا الأمر، لان بكاء العروس في ليلة الزفاف كان من الأشياء المألوفة المرغوبة، إذ كان يعد رمز الحياء ودليل الوفاء والطهر. . . ومن جفت دموعها في تلك الليلة فقد حكم عليه بالجرأة وغلظة القلب. . ولم تلبث الحياة أن استعادت مجراها الطبيعي الهادئ وانقشعت سحب الرهبة والخوف التي طالما تجمعت في سماء حياة الفتاة قبل الزواج، إذ وجدت في قرينها من العطف والود ما أنساها شكوكها وملأها سعادة وحباً وإخلاصًا له. وفي ظل زوجها ورعايته نسيت أقوال أمها عن الحماة الشريرة، بل إنها وجدت في حماتها قديسة طاهرة لا تحمل في نفسها إلا التسامح والعطف. . وهكذا نعمت الفتاة بعيشها، وساعدتها وداعتها ورقتها وطيب عنصرها على إدخال السرور من حولها. . ومضت اشهر قلائل والفتاة لا تفكر في مرور الوقت ولا تكترث لمعرفة الايام، اذ لم تكن ترقب حدوث تغييًر أو وقوع جديد، لأنها كانت راضية عن حياتها كل الرضا، لا تعرف ولا تطمع في خير منها. . ولكن هل يغر بطيب العيش إنسان؟ خرج مراد كعادته مبكراً مشرق الجبين للإشراف على شؤون مزارعه، وجلست الفتاة في ردهة فسيحة أنيقة تخيط بعض الثياب لأطفال الفقراء، إذ كان لا يسعدها اكثر من رؤية ابتهاج الأطفال عند ارتدائهم الثوب الجديد، وإذا بها تسمع جلبة أصوات في فناء الدار، فأرهفت السمع، وسرعان ما تبينت صوت أبيها يتهدج بالغضب وعمها يجيبه بحدة، ثم انقلبت المحاولة إلى شجار عنيف وتقاذف بالتهم والعبارات الجارحة، فاضطرب فؤادها ونزلت مسرعة تبحث عن من يأتي بزوجها، إذ توقعت حدوث أمر رهيب، وشعرت بحاجتها لحمايته. ولكنها لم تكد تخطو خطوات حتى سمعت أباها يناديها بصوته الهائل الأجش فوقفت مذعورة لا تبدي حراكا. .

стр. 4316

وسرعان ما وقعت على مسامعها كلمات كانت كالحكم عليها بالموت (هيا معي يا سمر. . ليس لك بقاء بعد اليوم في هذا البيت. . الترمل خير لك من العيش في هذا الجو الموبوء بالخداع واللؤم. . عمك يأبى إلا الاستيلاء على أطيب جزء من ميراث جدتك. . لقد أنذرته بفسخ زواجك من قبل إن هو أصر. .) ولكن يا أبت. . ألا ننتظر عودة مراد؟. أليس له في الأمر شيء. .؟ له في الأمر شيء؟! ما هذا الجرأة يا بنية؟ أتجرئين على مجادلة أبيك ابتغاء مرضاة زوجك؟ - لا تزيدي حرفاً. انطلقي أمامي إلى دار أبيك. أصابت الفتاة رعشة واعتراها دوار، فسارت أمامه متثاقلة وضاق أبوها ذرعاً بهذا البطء، فجذبها مسرعاً إلى حيث كانت بانتظاره المركبة. . انطلقت الخيل تنهب الأرض نهباً، ولزمت الفتاة الصمت، بينما كان أبوها يصب جام غضبه على الحوذي ويتهمه بالبلادة والبطء ويتوعد باستعمال السوط! تزاحمت الأفكار السوداء في رأس الفتاة الصامتة فداخلها الندم، لأنها تذوقت طعم السعادة، وودت لو أنها كانت تعسة في حياتها الزوجية، حتى كانت تفرح بالفرار منها والعودة إلى دار أبيها. . وأحزنها أنها لم تجد في حماتها شيطاناً مريداً، وأن زوجها لم يكن جبارا عتياً. . وأخيراً عندما لاحت أبراج القصر خاطب الوالد فتاته بعطف إذ كانت قد بردت ثورة الغضب: ألا تبتهجين بمرأى أمك يا سمر؟ ولما لم تنجح الفتاة في تكلف الانشراح خاطبها قائلا: لا أشك في أن عمك قاسما وزوجك مراداً سيحضران إلينا خاضعين ذليلين عندما يشعران بفقدك، ولا أخالهما إلا قادمين قبل انطواء أسبوع واحد. . ولكن مرت أسابيع واشهر، واكتملت دورة الأرض حول الشمس ومراد وأبوه لم يقدما، على أن الفتى كان يرغم إرغامًا على الخضوع لأبيه، إذ كان كالفتاة عبداً للتقاليد الجائرة. وكانت الفتاة تتظاهر بالشجاعةوالابتهاج عندما شعرت بحزن أمها من اجلها. ولكن مجهود التكلف المضني والآلام المبرحة التي كانت تأكل قلبها سرعان ما أنهكت قواها وأفسحت

стр. 4317

الطريق للمرض العضال الذي لا يعرف الرفق بالشباب ولا الجمال، ولما اشتد بها أشفق عليها ملاك الموت فأسرع لنجدتها وبسط على تلك النفس الطيعة الوفية جناح الرحمة الأبدية. . أسماء فهمي

стр. 4318

العلم يبحث عن الله ترجمنا هذا المقال لكاتبإنكليزي بالعنوان المتقدم، وعنينا كل عناية بالمحافظة على معانيه وبإفراغها في قالب عربي أقرب ما يستطاع من القوالب الأصلية، ولزمنا هذه القوالب أحياناً إذ لم نجدها مختلفة عن العربية، لأننا كثيراً ما نرى الترجمة تخالف الأصل في المعاني وفي الألفاظ. وليس لذلك من سبب سوى مبالغة المترجم في تقريبها من العربية فتكون النتيجة شرودها عنهما جميعاً جلست ذات ليلة شديدة البرد بجانب الأب رولند العالم اليسوعي عند قاعدة التلسكوب الكبير في مرصد ستونيهرست في آكام لنكشير. ولم يكن هناك نور سوى وهج سيجارتينا وبعض النجوم المتلألئة التي كنا نرعاها من الشق المعقوف في قبة المرصد. ولم يسمع حس سوى دوي الجهاز المعد لإدارة التلسكوب وجعل حركته مطابقة لدوران الأرض. وكنت قد رأيت جبال القمر ومجموعة الكواكب الذرية المعروفة باسم الثريا. فجعلت الآن أمتع بصري بذلك السدام الغريب في برج الجوزاء، وأنا بين عاملين من الخوف والدهش مما لا تجلبه المناظر الأرضية. فالتفت إلى صاحبي وقلت: (تعلم عن هذا الفلك المدار ما لا يعلم معظم الناس، لأنك قضيت ردحاً من عمرك في رصد النجوم فأصبحت لذلك أكثر إدراكاً منهم لصغر شأن الإنسان بالنسبة إلى سائر الكون. فان الأرض ليست سوى ذرة من الغبار وهي عائمة في الفضاء الخصم غير المحدود، والنوع الإنساني كله صغير القدر بالنسبة إلى قدر الأرض. فلست أفهم كيف تؤمن أنت من بين سائر الناس بالله واهتمامه بأناس مثلنا). ولما فرغت من سؤالي هذا بقي القسيس العالم صامتاً هنيهة ثم قال: (أفهم حقارة شأن الأرض لا حقارة النوع الإنساني ولا حقارة أرواح الناس). فلم أحِرْ جواباًحينئذ، ولاجواب عندي الآن، لأني أدرك اكثر مما أدركت قبلاً أنه إذا كان العالم متديناً كان احسن ديناً لأنه عالم. وهو يرى حيثما كان أن البرهان يدعم إيمانه لا لأنه يحتاج إلى البرهان، ولكنه يسرّ إذ يجده هناك طالعت منذ عهد قريب كتاباً اسمه (القصد الأعظم) وفيه فصول كتب كلا منها عالم

стр. 4319

معروف، أبان في الفصل هذا كتبه إن يد الله وعقل الله وراء كل نظام ورقي في الطبيعة. وقد جاء في مقدمته (إن غرض الكتاب أن يبين أن العلم ليس بهادم للدين ولا بحال محله، بل انه يكشف له الحجاب عن عالم للغيب أوسع من عالم الشهادة هذا واجل شأناً فيضع بذلك أساساً اثبت للإيمان) إن الكون بالرغم من عظم اتساعه وتعقد تركيبه وتعدد محتوياته إلى ما لا حد له هو جسم كلي عضوي متسق التركيب، ومصنوع من عناصر واحدة جوهرية، وخاضع لنواميس واحدة. ومن أدلة النظام والعقل في الكون إن عقل الإنسان استطاع أن يستخرج هذه القواعد العظيمة العامة ويتوسل بها إلى بلوغ قوة الأنباء بالمستقبل. فهذا الكون كون مصحوب بالفكر واكثر من الفكر - كون يمثل روح واجب الوجود وغير محدود. كتب البروفسور كروذر من جامعة رد نج فصلاً عن الإشعاع فعرفه بأنه (المادة الأساسية التي صنع الكون منها) فالنور والحرارة وأمواج اللاسلكية وأشعة اكس - هذه كلها صور للإشعاع واقعة تحت حسنا. والمادة نفسها مصنوعة من إشعاع مقيد بقيود كهربائية. قال: (في زمان بعيد جداً اهتز ذلك الخلاء الفارغ فظهر فيه البروتون والإلكترون فتكون من بعضها تلك النظم الثابتة المعروفة باسم الجواهر الفردة التي صنعت المادة منها. وانحل البعض الآخر على مر الزمان إلى إشعاع صرف. وقد قطع العلم منذ ابتدائه أجوازاً كثيرة وكشف بقاعاً كثيرة كانت مجهولة، ودار دورته حتى جابه العلم الحديث سر عمل الخلق فلا يجد لوصفه كلاماً اكثر مطابقة له من قول الشاعر العبري (وقال الله ليكن نور فكان نور) (يريد بالشاعر العبري موسى الكليم) وخذ البروتوبلازم - أي المادة التي تكونت الحياة منها. فقد عرف تركيبها الكيميائي، ولكننا لم نستطع تركيب الحياة: فالأميبا أدنى أنواع الحيوان وابسطها تركيباً مؤلفة من بروتوبلازم صرف، وهي قطرة صغيرة من المادة الجلاتينية تعيش في الماء. وقد حاول كثيرون أن يصنعوا الأميبا من المواد الكيمائية التي يتألف البروتوبلازم منها فعجزوا عن ذلك. فالمواد مضبوطة والنسبة بينها صحيحة والأحوال المحيطة بها ملائمة تمام الملاءمة، ولكن الشرارة الحيوية لاوجود لها، إذ الله وحده هو الذي يصنع الحياة.

стр. 4320

قال البروفسور آرثر طمسن: (لامناص لنا من التسليم بالأولية التي وضعها أرسطو طاليس وهي انه في كل سلسة من الأعمال المتصلة لا يمكن أن يظهر في آخرها شيء لم يكن نوعه موجوداً في أولها. ولذلك فان عقلنا وقصة تحرره يقوداننا راجعين بنا شيئاً فشياً إلى العقل الأعظم الذي بغيره لم يكن شيء مما كان) وبعبارة أخرى انه كيفما فحص العالم تركيب الكون ونواميس الطبيعة ونشوء الحياة حتى عقل الإنسان لم ير مفرا من التسليم بأن وراء القصد الأعظم يد الله. ق. س

стр. 4321

٥ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور الشيخ محمد العباسي المهدي الحنفي هو ابن الشيخ محمد امين، ابن الشيخ محمد المهدي الكبير الشافعي، كان جده المذكور من الأقباط، فأسلم على يد الشيخ العلامة محمد الحفني، وقرأ عليه وعلى أخيه الشيخ يوسف الحفني وغيرهما حتى صار من كبار العلماء، وترشح لرياسة الأزهر بعد الشيخ الشرقاوي ولكنها لم تتم له، وتولاها الشنواني، وقد أطال الجبرتي في ترجمته. ثم نشأ ولده الشيخ محمد أمين عالماً حنيفاً وتولى الفتوى بمصر زمناً، وتوفي سنة ١٢٤٧. وولد المترجم بإسكندرية سنة ١٢٤٣ فقرأ بها بعض القرآن، ثم حضر إلى القاهرة سنة ١٢٥٥ فأتم حفظه، واشتغل بالعلم سنة ١٢٥٦ فقرأ على الشيخ إبراهيم السقاء الشافعي، والشيخ خليل الرشيدي الحنفي، والشيخ البلتاني وغيرهم، ثم صدر أمر إبراهيم باشا بن محمد علي بتوليته إفتاء الديار المصرية في منتصف شهر ذي القعدة سنة ١٢٦٤ وهو في نحو الحادية والعشرين من سنيه، ولم يتأهل بعد لمثل هذا المنصب الكبير، ويقال انه السبب في ذلك عارف بك الذي تولى القضاء بمصر، وكانت له الصلة بأبي المترجم. فلما ذهب إبراهيم باشا إلى القسطنطينية ليتسلم من السلطان مرسوم ولايته على مصر قابله عارف بك، وكان إذ ذاك شيخاً للإسلام وأوصاه خيراً بذرية الشيخ المهدي، وان يولي منهم من يصلح لمنصب أبيه، فكان همه السؤال عنهم عودته لمصر، وطلب المترجم لحضرته فصادفوه في درس الشيخ السقاء يحضر مقدمة مختصر السعد، فركب إليه وهو بين الخوف والرجاء، ولما قابلة أثنى عليه لاشتغاله بالعلم، ثم أنباه بأنه ولاه منصب الفتوى بمصر، وعزل عنه الشيخ احمد التميمي الخليلي وخلع عليه خلعة هذا المنصب، ثم عقد له مجلساً بالقلعة حضره حسن باشا المنسترلي والشيخ مصطفى العروسي وغيرهما، فأقروا على إقامة أمين للفتوى يقوم بشؤونها حتى يتأهل صاحبها لها ويباشرها بنفسه، واختاروا له الشيخ خليلاً الرشيدي الحنفي بدل الشيخ علي البقلي أمين فتوى التميمي، ونزل المترجم من القلعة بموكب كبير من العلماء والأمراء ووفد الناس على داره للتهنئة، ومدحه الشعراء، فمن ذلك قول الشيخ محمد شهاب:

стр. 4322

عز يا عزة الحمى أن تقاسي … بمهاة الصريم فيما تقاسي ومنها قوله: تب مفتي الهوى وتبت يداه … ضل شرعي نهجه والسياسي فدعيه يا عز اصطباري … إن فتواه فتنة للناس ولئن قلت أي فتوى البرايا … حكمت بالنصوص دون التباس وارتضاها الزمان قل لي وأرخ … قلت فتوى مهديه العباسي ١٢٦٤ وهي قصيدة طويلة ألحق بها هذه الأبيات الثلاثة مشيراً فيها إلى التميمي وإلى الرشيدي أمين الفتوى الجديد. قلت لما أن تمبدر التميمي … واعتراه نقص الخسوف الشديد رجع الدر بالفتاوى إلى ما … كان فيه من المكان المشيد فلنعم الرشيد يا ابن أمين … ولنعم الأمين يا ابن الرشيدى وروى الفاضل محمد أفندي التميمي في الترجمة التي جمعها لأبيه الشيخ احمد التميمي أن سبب عزله عن الإفتاء أحقاد قديمة كانت في صدر إبراهيم باشا منه بسبب معارضته له في أمور تخالف الشرع كان يريدها ويعارضه الشيخ فيها، فلا يجد بداً من الإذعان بسبب إقبال أبيه محمد علي على الشيخ، فلما تخلى عن ولاية مصر وتولاها إبراهيم كان اكبر همه عزله عن الإفتاء. انتهى. ثم أكب المترجم على الاشتغال بالعلم خصوصاً الفقه حتى نال منه حظاً وفيراً، وجلس للتدريس بالأزهر لاقراء الدر المختار فقرأ منه إلى كتاب الطلاق وأكمل قراءته في داره، وقرأ الأشباه والنظائر في داره أيضاً، وباشر أمور الفتوى بعفة وأمانة وتدقيق وتحقيق، واشتهر بين الناس بالحزم والعزم وعدم وممالأة الحكام، وحسبك وقوفه في وجه عباس باشا الأول وتعريضه نفسه للتهلكة صيانة لما استودع من أمانة العلم، وسبب ذلك ان هذا الوالي أراد أن يمتلك جميع ما بيد ذرية جده محمد على مدعياً انه ورد مصر لا يمتلك شيئاً، فكل ما خلفه لذريته إنما هو من مال الأمة يجب رده إليها، ووضعه بيد أمينها المتولي شؤونها، واستفتى المترجم فلم يوافقه وأصر على الامتناع، ولم يحفل بوعيده وتهديده حتى طلبه فجأة

стр. 4323

إلى بنها فسافر إليها وهو موقن بالهلاك، وكان معه عند طلبه الشيخ أبو العلاء الخلفاوي، فسافر معه لمؤانسته ومواساته، فلما وصلا قصر بنها روجع المترجم في الفتوى فأصر على قوله الأول، فأُمر بهما فانزلا إلى سفينة بخارية سافرت بهما ليلاً لنفي المترجم إلى أبى قير؛ واعتراه لشدة وجله زحير كاد يودي به وهو مع ذلك مصر على قوله، والشيخ أبو العلاء يهوُن عليه الأمر ويؤانسه بالكلام إلى أن صدر الأمر بإرجاع السفينة، وانزلا منها وأمرا بالسفر إلى القاهرة وسلم الله. فكانت هذه الحادثة سبباً لعلو المترجم في النفوس وأعظام الولاة فمن دونهم لشأنه؛ وتسبب منها إقباله على الشيخ أبي العلاء المذكور وسعيه له في المناصب التي تولاها وعظم بها أمره بعد ذلك. ثم لما كانت سنة ١٢٨٧ والمتولي على القطر الخديو إسماعيل باشا، وكان انحرف عن الشيخ مصطفى العروسي شيخ الأزهر، فأراد عزله ولكنه خشي الفتنة، لأنه شيء لم يقع من قبل لأحد من مشايخ الأزهر، فأخذ في جس نبض العلماء وسبر غورهم في ذلك، فهون عليه الشيخ حسن العدوى الأمر، وأوضح له انه وكيل الخليفة أن يعزل من يشاء والوكيل له ما للأصيل، فسر الخديو وبادر إلى عزل الشيخ العروسي في أواخر السنة المذكورة، وكان العدوى يطمع فيها، وما قال ما قال إلا توطئة لنفسه فأخلف الله ظنه، وصدر أمر الخديو في منتصف شوال بتولية المترجم والجمع له بين منتصب الإفتاء ومنصب الأزهر، فاستدعاه وخلع عليه وأنزله من عنده بالموكب المعتاد. فباشر شؤون منصبه بحزم وعزم وتؤدة وتعقل، وكان أول ما صدر منه سعيه لدى الخديو بإعادة ما كان لأهل الأزهر من المرتبات التي أبطلت زمن عباس باشا، فوافقه على ذلك وأعيدت المرتبات الشهرية والسنوية، ثم استصدر أمراً من الخديو بوضع قانون للتدريس، فأجابه إلى ذلك ووضع قانون الامتحان، وكانوا قبل ذلك لا يمتحنون بل كان من تأهيل للتدريس تصدّر له، فيحضر له، فيحضر أول درس له شيوخه وغيرهم من كبار العلماء، ويناقشونه فان وجدوه أهلاً أقروه وإلا أقاموه. ولم يزل المترجم سائراً في طريقة المحمود، ملحوظاً بعين التبجيل من الحكام، وبين الخاص والعام، حتى ثارت الثورة العرابية المشهورة، ورأى فيه العرابيون أنه ليس بالرجل الذي يوافقهم ويساعدهم في مطالبهم، فكان من جملة ما طلبه عرابي باشا من

стр. 4324

الخديو لما زحف بالجيش على قصر عابدين عزل المترجم من الأزهر، فعزل عنه المحرم سنة ١٢٩٩، وتولى عليه بدله الشيخ محمد الانبابي، وانفرد هو بالافتاء، ثم تجسمت الفتنة وجاهر العرابيون بطلب عزل الخديو، وكتبوا قراراً بذلك اجبروا العلماء والوجهاء على التوقيع عليه، فامتنع المترجم من موافقتهم على ذلك، وقال لحامل القرار: أنا لا أوقع بيدي، فإذا كان في الأمر غصب فان خاتمي معه خذوه ووقعوا انتم بأيديكم كما تشاءون. فانحرف عنه العرابيون وضايقوه وبثوا عليه العيون حتى احتجب في داره التي على الخليج بالقرب من مدرسة الفخري المشهورة بجامع البنات، وتحامى الناس زيارته، وصار لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة في أقرب مسجد إليه؛ ومرت عليه أيام وليال قضاها في انتظار حتفه في كل ساعة تمر به، حتى كانت الهزيمة الكبرى على العرابيين، وتشتت شملهم، وعود الخديو إلى مقر ملكه في ١٢ ذي القعدة من تلك السنة، فذهب المترجم فيمن ذهب للسلام عليه وتهنئته بالظفر، ودخل مع العلماء فخصه الخديو بترحيب ورعاية زيادة عمن معه من العلماء تقديرا لحسن بلائه في الإخلاص له مدة الفتنة؛ ولحظ الشيخ الانبابي شيخ الأزهر إغماضا عنه من الخديو، وخشي أن يعزله ليعيد العباسي، فقال بيدي لا بيد عمرو، واستقال بعد أيام؛ فأصدر الخديو أمره يوم الأحد ١٨ منه بإعادة المترجم إلى الأزهر، علاوة على منصب الإفتاء الذي بيده، ونصه موجها لرئيس النضار: (انه بناء على استعفاء حضرة الأستاذ الشيخ محمد ألانبابي من وظيفة مشيخة الجامع الأزهر، ووثوقنا بفضائل وعالمية حضرة الأستاذ الشيخ محمد العباسي المهدي، قد اقتضت إرادتنا توجيه هذه الوظيفة لعهدته كما كانت قبلا، علاوة على وظيفة إفتاء السادة الحنفية المتحلي بها من السابق، وصدر امرنا للمومى إليه بذلك في تاريخه، ولزم إصدار هذا لدولتكم إشعارا بما ذكر في ٢ أكتوبر سنة ٨٢ الموافق ١٨ ذي القعدة سنة ٩٩) فتمت للمترجم رياسة الأزهر على رغم انف كثيرين، فان بعض علماء الأزهر سعوا لتنصيب الشيخ عبد الهادي نجا الابياري، وكتبوا كتابة بذلك واخذوا يوقعون عليها، ويطوفون بها علىالعلماء، فلم يشعروا إلا وقد فاجأهم الأمر بإعادة المترجم، وذهب سعيهم وتعبهم أدراج الرياح. ثم استمر المترجم جامعاً للمنصبين قائماً بشؤونهما أتم قيام، حتى كانت سنة ١٣٠٤ وفيها

стр. 4325

بلغ الخديو أن جماعة من الأعيان والتجار مثل محمد باشا السيوفي، وأخيه احمد باشا يجتمعون للسمر بدار المترجم في اغلب الليالي، فيتكلمون في الأمور السياسية ويظهرون أسفهم من وجود الإنجليز بمصر، وموافقة الحكومة لهم فيما يحاولون، وغير ذلك من هذه الشؤون، فحنق الخديو أرسل لمحمد باشا السيوفي بالحضور فلم يجدوه، بل وجدوا أخاه احمد باشا، فحضر إلى القصر وقابل الخديو، فوبخه توبيخاً شديدا وقال له: يخيل إليً أنكم تريدون إعادة الثورة العرابية، فتبرأ من ذاك وحلف أن اجتماعهم لم يكن إلا بقصد السمر واللائتناس، ثم قابل الخديو المترجم في إحدى المقابلات الاعتيادية فلم يهش له كعادته، بل قال له وقت الانصراف: يا حضرة الأستاذ، الأجدر بالإنسان أن يشتغل بأمور نفسه، ولا يتدخل فيما لا يعنيه ويجمع الجمعيات بداره. فلميجبه المترجم إلا بقوله: أطال الله عمر أفندينا وأدام عليه العافية، إنني ضعفت عن حمل أثقال الأزهر، فأساله أن يعفيني منه. ولم يكن الخديو يتوقع منه هذا الكلام، بل كان يظنه يجيب بجواب يصرف المسألة بسلام، فغضب وقال مستفهما: ومن الإفتاء أيضاً؟ فقال له نعم يا أفندينا ومن الإفتاء أيضاً، ثم انصرف. ولم يكن المترجم ممن يعزب عنهم أن مثل هذا السبب لا يدعو إلى الاستقالة، وخصوصاً أن الخديو صرفه بالحسنى مع من اتهم معه، ولكن كان هناك سبب أقوى أغضب رئيس النظار نوبار باشا الأرمني، وذلك لحادثة رفعت عنها دعوى أمام المحاكم الأهلية، واستدعى الأمر طلب كشف وجه إحدى المخدرات للتحقق منها فامتنعت عن الأسفار محتجة بعدم جوازه في الشريعة، واستفتى المترجم في النازلة، فأفتى بعدم الجواز وشدد في المسألة؛ فشكا رئيس النظار للخديو وأوضح له أن الشيخ أصبح عقبة أمام القضاة معارضاً لأحكام القضاء؛ ويقال انه طلب منه إما أن يقيله من الوزارة، أو يعزل المترجم. فلما قال الخديو للمترجم ما قال تيقن أن المراد عزله فاستقال. فأمر الخديو يوم الثلاثاء ٣ ربيع الثاني من السنة المذكورة بإعادة الشيخ محمد الانبابى للأزهر، وإقامة الشيخ محمد البناء للإفتاء. وبقى المترجم بداره التي على الخليج واشتغل بإصلاح قسم منها تشعث فأعاده إلى رونقه الأول، وصبغ حيطانه بالأصباغ، وهو القسم المطل على الخليج، وصار يمضي وقته بالنظر في شؤونه الخاصة والاشتغال بالعلم، إلى أن أعيد إلى الإفتاء فقط في. . .

стр. 4326

فبقى به إلى وفاته، وأصيب في آخر أيامه بفالج وهو يتوضأ لصلاة الجمعة أبطل حركته، ثم تعافى قليلاً وصار يخرج في عجلته للتنزه بدون فرجية بل بعباءة بيضاء من الصوف، وأشير عليه بالإقامة بحلوان لجفافها، فانتقل إليها وأقام بها برهة لم يستفد فيها شيئاً، فعاد لدارهبالقاهرة، ووافته منيته في الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء ١٣ رجب سنة ١٣١٥ عن اثنتين وسبعين سنة، بعد أن لازمه المرض نحو أربع سنوات، فأذن له على المآذن، وحزن الناس لموته حزناً شديداً، وتكاثرت الجموع على داره لتشييع جنازته، فقيل إن عدد المشيعين بلغ نحو أربعين ألفاً، والمصلين عليه نحو خمسة آلاف، ثم دفن بقرافة المجاورين في زاوية الأستاذ الحفني جنب أبيه وجده، ورثاه كثير من الشعراء جمعت مراثيهم في رسالة ألفها الشيخ عثمان الموصلي نزيل القاهرة، وسماها (المراثي الموصلية في العلماء المصرية)، لأنه أضاف إليها ما رثي بها الشيخ عبد الرحمن الرافعي مفتي الإسكندرية، والشيخ سليم القلعاوي شيخ مسجد القلعة، والشيخ محمد المغربي المتوفون هذه السنة أيضا. وكان المترجم ﵀ ربعة إلى الطول، مليح الوجه، منور الشيبة، معتدل القامة، ذا هيبة ووقار، مات عن ثروة طائلة وولدين هما الشيخ عبد الخالق المهدي والشيخ أمين، ماتا بعده الواحد تلو الآخر. ولم يؤلف من التأليف سوى مجموع فتاواه الذي سماه (الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية)، طبع بمصر سنة ١٣٠١ في ثمانية أجزاء كبار. وعاش في عز وتبجيل مدة حياته، وتولى الإفتاء مدة إبراهيم باشا وعباس باشا الأول وسعيد باشا وإسماعيل باشا وتوفيق باشا، أي أربعين سنة من سنة ١٢٦٤ إلى سنة ١٣٠٤ لم يعزل فيها، فلم تحفظ عليه بادرة خطأ أو مخالفة للشرع، وسبب ذلك انه تولاه وهو صغير والعيون شاخصة إليه، فكان لا يفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير، فحصلت له بذلك ملكة فيه حتى صار معدوم النظير، لا يجاريه مجار في هذا المضمار وأضيف إلى ذلك ما كان عليه من التقوى والتشدد في أمر الدين، حتى كانت مواقفه أمام الولاة لا تزيده إلا رفعة في عيونهم لعلمهم أنه لا يريد إلا نصرة الحق، فأحبوه وأغدقوا عليه بالإنعام. ومن مواقفه غير ما ذكرناه أن الخديو إسماعيل باشا أراد مره ان يستولي على الأوقاف الأهلية ويعوض عنها أهلها ما يقوم بمعاشهم، فاستفتاه في ذلك فتوقف، وأفتاه بعضهم بالجواز، فتكدر منه وجمع بينه وبين مخالفيه، فناظرهم وفاز عليهم بعدما ألفوا

стр. 4327

رسائل في الحادثة وأكثروا من الجلبة. ولم يقتصر الولاة على مشاورته في الأمور الدينية المختصة بمنصبه، بل كانوا يستشيرونه في غيرها من معضلات الأمور لما عرفوه فيه من سعة المدارك وجودة الرأي، حتى أن إسماعيل باشا لما عزل عن مصر قال لولده توفيق باشا فيما أوصاه به: احتفظ يا بني بالشيخ المهدي فأنه رجل لا نظير له. وبالجملة فمحاسن المترجم كثيرة، ولم يكن فيها ما يشينه، سوى ما كان يرميه به بعض شانئيه من الإمساك والتقتير، ويضعون عليه النوادر الخارجية عن حد المعقول، والمعروف عنه المشاهد للقاصي والداني أن داره كانت مفتوحة للصادر والوارد، لا تخلو مائدته يوماً عنهم، وحسبنا أنه كان يخرج زكاة أمواله كل سنة ويفرقها على المستحقين ﵀ رحمة واسعة وأكثر في الأمة من أمثاله. وكان حائزاً لكسوة التشريف من الدرجة الأولى، ومنحه الخديو عباس باشا الثاني الوسام العثماني الأول في ٢١ صفر سنة ١٣١٠ وهو شيخ الأزهر الشيخ محمد الانبابي، وقاضي القضاة جمال الدين افندي، وسبب ذلك ان السيد توفيقاً البكري نقيب الأشراف سافر في هذه السنة إلى دار السلطنة، وبرتبة قضاء عسكر الأناضول، وبرتبة قضاء عسكر الأناضول، فلما بلغ مسامع الخديو أحب أن لا يكون ممتازاً من كبار الشيوخ وهم القاضي والمفتي وشيخ الأزهر، فأنعم عليهم بهذا الوسام، وأرسل إلى السلطان ملتمساً الأنعام على المفتي وشيخ الأزهر برتبة قضاء عسكر الأناضول، وعلى القاضي برتبة قضاة عسكر الرومللي، لأنه كان حائزاً لرتبة الاناضول، لكن طلبه لم يصادف قبولاً. أحيل على المترجم قديماً أمر انتقال القضاة الشرعيين والمفتين الذين يقامون في ولايات القطر ومراكزه، فكان يختار ذوي الكفايات يتحرى فيهم النجابة والذكاء والديانة، ويحامي عنهم لدى الحكام، ويشد أزرهم، فحصل له بذلك مقام لدى أهل العلم المرشحين لهذه المناصب، وقصدوه ووجهوا وجوههم شطر داره، وهو مع ذلك لا يميل مع الهوى في تنصيبهم، ولو كان ممن يمد اليد لجمع من هذا الوجه شيئاً كثيراً، ثم رأت الحكومة أن يكون أمر تنصيبهم منوطاً بلجنة تؤلف من بنظارة الحقانية برياسة وكيلها إذ ذاك بطرس غالي باشا، وعرضوا على المترجم أن يكون من أعضاء تلك اللجنة فأبى. وكان له في المحاماة عن أهل الأزهر ومساعدتهم القدح المعلى، ونروي عنه مواقف في

стр. 4328

ذلك: منها أن الشيخ مصطفى العروسي مدة توليه على الأزهر استصدر من الخديو إسماعيل باشا أمراً بنفي الشيخ حسن العدوى إلى أسنا وكاد ينفذ فيه لولا أنه استغاث بالمترجم فقام بناصره وذهب للخديو مستشفعاً، ولجّ وألحّ حتى عفى عن الشيخ.

стр. 4329

الأديب الحائر قصة تمثيلية للأستاذ توفيق الحكيم للدكتور طه حسين لم يكتبها بعد، ولست ادري إن يرد أن يكتبها أم لا؟ ولكن الشيء الذي لاشك فيه هو انه قد مثلها ومثلها تمثيلاً رائعاً، احب أن تشعر بروعته في هذا الحديث الذي أسوقه اليك، ولست آسف إلا لشيء واحد، وهو أنك ستشعر بهذه الروعة جملة وفي وقت قصير هو وقت نظرك في هذا الحديث، على حين شعرت أنا بهذه الروعة واستمتعتُ بلذتها الفنية تفصيلاً وفي وقت طويل، يبلغ العام أو يكاد يبلغه. ولم يمثل الأستاذ توفيق الحكيم قصته هذه التي لم تكتب بعد، في ملعب من ملاعب القاهرة المعروفة، ولو قد فعل لشهدتها أنت وغيرك من الناس من النظارة. فأي الناس يستطيع أن يتخلف عن شهود قصة للأستاذ توفيق الحكيم يمثلها بنفسه، ويشترك معه في هذا التمثيل جماعه من المصريين المعروفين، أنا أحدهم. لم يمثلها إذن في ملعب ضيق محدود، وإنما مثلها في ملعب واسع جداً بعيد الأقطار والآماد هو ملعب الحياة. وما دام لم يمثلها في ملعب معروف، ومادام لم يخرجها للناس في كتاب، فأنا بالطبع عاجز عن أن أحدثك برأي النقاد فيها. لأن النقاد أو لأن كثرة النقاد لم يشهدوها. وأنا أريد أن أحتاط فلا أحدثك برأي في هذه القصة، من جميع وجوهها وأنحائها لان الحر شديد، ولأن للحر الشديد تأثيراً في نفس الأستاذ توفيق الحكيم وقلمه. والناس جميعاً يعلمون أنى محبٌ للأستاذ معجب بقلمه، وأقل ما يوجبه على الحب والإعجاب أن أكون رفيقاً شفيقا، حين يشتد القيظ ويخشى من شره على الرؤوس والنفوس والأقلام. وهذا العنوان الذي وسمت به هذه القصة لا يعدو أن يكون اقتراحاً قد يعدل عنه الأستاذ توفيق الحكيم إن خطر له أن يكتب قصته فما ينبغي لمثلك ولا لمثلي، بل ما ينبغي لخير منك ولا خير مني، أن يقترح على الأستاذ أو ينصح له، فالأستاذ اكبر من ان يقترح عليه مقترح، وأن ينصح له ناصح، مهما يكن مخلصاً أميناً. وما دامت هذه القصة لم تمثل في ملعب محدود، ولم تخرج للناس في كتاب، فان نظامها وترتيب فصولها وتنسيق مناظرها وما يكون بين أشخاصها من حركاتُ متكلفة، وحوار

стр. 4330

مصطنع، كل ذلك مشكوك فيه، قابل للتغيير والتبديل، إن أراد الأستاذ توفيق الحكيم. وإنما الشيء الوحيد الذي لاشك فيه هو هذا الهيكل الذي تقوم عليه القصة ان صح هذا التعبير، فهذا الهيكل يفرض نفسه على الأستاذ الأديب وعليّ أنا الناقد المسكين فرضاً، لأنه شيء لا تملك له تغييراً ولا تبديلاً، شيء قد كان وليس للإنسان حيلة في تغيير ما كان، حتى ولو كان هذا الإنسان أستاذنا وكاتبنا الأديب توفيق الحكيم. أما الفصل الأول من هذه القصة كما كانت لاكما ستكون يوم يكتبها الأستاذ توفيق إن أراد، فيقع في العام الماضي في أوائل الربيع في حجرة من حجرات البيت الذي كنت اسكنه في هليوبوليس. إذ يقبل علي صديقان يحبان الأدب لأنهما أديبان، ويعجبان بالأستاذ توفيق الحكيم لأنه أديب. وهما يتحدثان إلى عن هذا الأستاذ الذي لم أكن أعرفه ولا سمعت من حديثه شيئاً. فيثنيان عليه بما هو أهله، أو بما هو أهل لأكثر منه، ثم يدفعان إلى كتاباً وضعه الأستاذ توفيق الحكيم، وكان يود أن يهديه إلي بنفسه لولا أنه لايعرفني، ولايريد أن يلقاني حتى اقرأ كتابه وأكون لنفسي رأياً فيه، ثم يقصان عليّ الكثير من أطواره الغريبة حتى يثيرا في نفسي الشوق إلى لقائه، وإلى النظر في كتابه، فإذا انصرفا اقبل صديق ثالث فلا أكاد أحدثه بما كان من أمر الصديقين حتى يثني على الكاتب ويثني على الكتاب، ويزعم لي انه قرأ الكتاب مخطوطاً قبل أن ينشر، لأن صاحبه لا ينشر شيئاً حتى يستشير فيه أصدقاءه، وينبئني كذلك بأن هذا الكتاب لم ينشر إلا نشراً ضيقاً، لأن صاحبه يريد ان يعرف رأي المثقفين قبل أن يعرض نفسه على كثرة القراء. فإذا كان الفصل الثاني فقد أخذت اقرأ في الكتاب فأرضى عنه، ثم أعجب به، ثم أكتب عنه فصلاً في (الرسالة) أسجل فيه هذا الإعجاب، وذلك الرضى، وملاحظات يسيرة لا بأس منها على الكاتب ولا على الكتاب. وما يكاد يلقى الستار على هذا الفصل، ويستريح النظارة في وقت الراحة بين الفصول، حتى أتلقى رسالة برقية ملؤها الشكر وعرفان الجميل ومصدرها الأستاذ توفيق الحكيم. ثم يكون فصل ثالث والخير في ألا نقسم القصة إلى فصول، بل إلى مناظر يتبع بعضها بعضاً، وليعذرنا الأستاذ توفيق الحكيم فنحن لا نحسن الكتابة في التمثيل. يكون منظر ثالث أو رابع لا أدري، وإذا الأستاذ توفيق الحكيم قد سعى إلى من إقليمه الذي كان يعمل فيه،

стр. 4331

وهو يشكر لي تشجيعي له، ويغلو في هذا الشكر ثم يلقى أموره الأدبية كلها إلي، ويطلب مني أن أكون له مرشداً وحامياً، فأقبل منه هذا كله سعيداً به، مبتهجاً له، وأتحدث إلى الأستاذ حيث الصديق المحب المعجب، ويتكرر هذا المنظر مرات كلما اقبل الأستاذ من إقليمه الذي كان يعمل فيه إلى القاهرة ليقضي فيها بين أصدقائه يوماً أو يومين، والحديث والود يتصلان ويشتد اتصالهما بيننا وتظهر آثار هذا الاتصال فيما يكون من كتب تنشرها لنا (الرسالة)، ومن لقاء يشهده الأصدقاء. ثم يكون منظر آخر من هذه المناظر الكثيرة التي سيؤلف الأستاذ منها قصته إن أراد. نجتمع فيه مع أصدقاء لنا يعرفهم الأستاذ، ونتشاور في أمره هو لا في امرنا نحن، فهو يريد إن ينتقل من الأقاليم إلى القاهرة، لأنه ضيق بحياة الريف التي لا يجد فيها ما يلائمه من البيئة المثقفة المتحضرة وما يحتاج إليه من الكتب، ولأنه يلقى فيها بعض العناء، فحياة وكلاء النيابة في الأقاليم مضنية شاقة، وفي وزارة المعارف عمل قد يلائمه وهو يميل إلى هذا العمل، ولكني أنا لا أميل إليه، وأنا أوافق على ان بيئة القاهرة وحياتها خير للأستاذ من بيئة الأقاليم وحياتها، ولكني أشفق عليه من وزارة المعارف لأني اعلم الناس بوزارة المعارف، ولاني واثق بأن الهواء الذي يملأ غرفاتها وحجراتها لا يلائم حياة الأديب المنتج وإنما هو هواء خانق لكل أدب ولكل إنتاج. والأستاذ وأصدقاؤه يلحون في العرض وأنا ألح في الرفض، ثم اقترح مكاناً آخر يستطيع الأستاذ أن يعيش فيه عيشة تلائم الإنتاج الأدبي، فيظهر أن تحقيق هذا الاقتراح غير ميسور، ثم يلقى الستار ويتم انتقال الأستاذ من الريف إلى القاهرة في هذه الراحة التي تكون بين الفصول، ثم يكون منظر آخر أو مناظر أخرى نجتمع فيها لنقرأ بعض الكتب التي يريد الأستاذ إخراجها للناس، ومنها شهرزاد. فالأستاذ شديد الشك في نفسه، ضئيل الثقة بفنه، لا يظهر آثاره إلا إذا أقرها أصدقاؤه الأقربون. وهو لا ينشر فصلاً في (الرسالة) إلا إذا قرأته وأذنت بنشره. وهو لا يرى أنه قادر على أن يحتمل وحده تبعة الإذاعة والنشر. ثم نقر من هذه الكتب ما نقر، ونرجئ منها ما نرجئ ونتحدث عن أهل الكهف وعن طبعة ثانية تذاع بين الناس. فاقترح أنا أن أقدمها إلى الجمهور فيظهر الأستاذ وأصدقاؤنا الرضا بذلك والابتهاج له، ثم يلقى الستار ويرفع وقد تمت الطبعة الثانية من أهل الكهف، وأبطأت أنا بالمقدمة أسبوعين أو نحو أسبوعين.

стр. 4332

فينشر الكتاب بغير مقدمة، وبغير أن يتحدث إلى أحد في ذلك، فيسوءني ذلك بعض الشيء فيسعى إلي الأستاذ في منظر جديد، ويعتذر إلي بمحضر من بعض الأصدقاء، فأسمع منه وأبسم له وأتجاوز عن استعجاله، وينصرف راضياً. فإذا أصبحت تلقيت منه هذا الكتاب باللغة الفرنسية وأنا أترجمه فيما يأتي: أنا محزون حقاً. فقد فكرت، فإذا خطيئتي بديهية: فقد كان يجب على الأقل أن أستشيرك قبل أن أخرج كتبي. فماذا ترى في موقفي منك؟ ويزيدني حزناً لطفك حين تجاوزت في سهولة وكرم عن كل هذا. إنما أنت في حقيقة الأمر فنان كبير، فنان حقاً وإني لأعترف بأني لم امنح هذه النفس، ولست أنا خليقاً بالفن ولا بك. واليك الآن ما تمت عزيمتي عليه إذا احتفظت بغضبك على فسأعرض عن كل حياة أدبية. وتقبل ت. الحكيم وأخشى أن أكون قد أسأت الترجمة فأنشر معها النص الفرنسي لهذا الكاتب الكريم: , - - ? ' , ' ' ' , ' ' ' , ثم يكون منظر آخر يراني الله فيه حزيناً أسفاً ومشفقاً جزعاً لأني صدقت هذا الكلام، وخفت أن يكون صاحبه جاداً فيه فأنكرت من نفسي ما أظهرت من غضب، وهأنذا أسرع إلى التليفون فألتمس صاحبي في مظاله كلها، حتى يصلني به التليفون، فأداعبه ألاعبه، وأترضاه، وأتلطف له، وأقبل منه، وأهدي إليه حتى يرضى. وتطمئن نفسه الثائرة أو التي كنت أحسبها ثائرة، ويهدأ قلبه المضطرب أو الذي كنت أظنه مضطرباً، ويستريح ضميره المتعب أو الذي كنت أراه متعباً.

стр. 4333

ثم تكون مناظر أخرى تجرى الحياة فيها بيننا كما تجري بين الأصدقاء الذين تؤلف بين قلوبهم المودة والحب والإعجاب، الا منظراً واحداً انكرته، ولكني لم اظهر إنكاري له، كان في مجلس لنا بغرفة من غرفات لجنة التأليف وكنا كثيرين، وكنا نتحدث عن الكتاب والشعراء المحدثين، وعن أصحاب القصص خاصة، وكنت أريد ان أعنى بآراء هؤلاء الكتاب والشعراء وان أتبين وأبين للناس مالهم من المحاسن والعيوب او ما أرى لهم من المحاسن والعيوب. وهنا يثور ثائر الصديق الأديب ويأبى لي العناية بهذا الأدب الحديث لأنه لا يصلح أن يكون أدباً حديثاً أو قديماً، ولأن الطابع الفني الصحيح ينقصه، فنختلف في ذلك ونفترق على غير اتفاق؟ ثم يكون منظر آخر وما اكثر هذه المناظر التي ستتألف منها هذه القصة، والتي ستقيم لأصدقائي ولخصومي أدلة قاطعه على أني من المكر والدهاء والحذر بحيث يظنون. أراني في حجرة من حجرات البيت الذي أسكنه الآن في الزمالك، وقد أقبل الصديق الأديب ومعه اثنان من أصدقائنا، وكنا على موعد لنقرأ فصلاً كان الصديق الأديب يريد أن ينشره في الرسالة. ولكن أصدقاء آخرون قد اقبلوا، وليس يعنيهم أن يقرأوا آثارنا الأدبية أو يسمعوها قبل أن تذاع فنتحدث إليهم، ونسمع منهم، ويطول الحديث حتى إذا تمت الساعة التاسعة انصرف الأصدقاء، وبقينا نحن فنقرأ الفصل على طوله، ونحاور فيه، ثم لا نفترق حتى تنتصف الساعة الحادية عشرة، وشهد الله لقد كان في بيتي تلك الليلة مرض هو آثر عندي من ألف أدب وأدب ومن ألف أديب وأديب، ومن الحياة والأحياء جميعاً، فما ترددت مع ذلك في أن أسمع، وأحاور، وأقترح التغيير والتبديل، كما لو كنت مستريحاً فارغ البال: ثم تكون مناظر أخرى أسمع في بعضها اللوم لأني احب توفيق الحكيم واقرأ في بعضها الشتم لأني اكبر توفيق الحكيم، وأنا أبسم للوم اللائمين، وأضحك لشتم الشاتمين، لأني لم أحب هذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الحب، ولم أعجب بهذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الإعجاب: ثم أكتب إلى المصور فصلاً عن الأدب التمثيلي في مصر فلا يكاد ينشر حتى يتحدث إلي من يتحدث بأن الكاتب الأديب مغضب من هذا الفصل لأني لم أنصفه فيه، ولأني زعمت أن قصصه التمثيلية على جمالها وروعتها قد لا تلائم الملعب المصري. فلا أحفل بحديث المتحدثين، ولا بنقل الناقلين، واقرأ في المصور بعد ذلك رداً من توفيق فيه عوج كثير

стр. 4334

فأقوم هذا العوج مداعباً لصاحبه، ملاطفاً له، ثم يبلغني أنه قد سعى إلي في بيتي مساء الاثنين الماضي فلما لم يجدني فيه ترك لي تحيته ومودته وانصرف. ثم أكتب عن شهرزاد، فلا يكاد يظهر حديثي عن شهرزاد حتى أتلقى من صديقي توفيق هذا الكتاب صباح الخميس. لا يحمله إلي البريد، وإنما يحمله ساع خاص ولا يكتبه توفيق بخطه وإنما يضربه على الآلة الكاتبة ضرباً، ويتفضل الصديق فيمضيه بخطه. ولست اعرف آية في الأدب والمودة والوفاء وصدق الرأي في الأدب والنقد، والصلة بين الكتاب والناقدين تشبه هذا الكتاب. ولا غرابة في هذا، فتوفيق قد عاهدنا على ألا يكتب إلا كان مبدعاً مبتكراً. وأنا أنشر نص هذا الكتاب لأنه سيكون باقياً على الدهر، ولأنه سيقع من الكتاب والناقدين في هذا العصر موقع تلك الوصية التي زعموا أن عبد الحميد قد أذاعها في الكتاب القدماء آخر أيام بني أمية. قال الصديق توفيق الحكيم: عزيزي الدكتور طه حسين يظهر أني سيئ الحظ معك أو أنك سيئ الحظ معي هذا الأسبوع، فلقد قرأت مقالك عن شهرزاد وما أحسبنا تلاقينا فيه عند رأي، فأما قولك أنى أدخلت في الأدب العربي فناً جديداً وأتيت بحدث لم يسبقني إليه أحد، فهذا إسراف سبق لي أن أشرت إليه في خطاب مني إليك عن أدب الجاحظ ذكرت فيه يومئذ أن للجاحظ ملكة في إنشاء الحوار تذكرنا ببعض كتاب المسرح من الغربيين. فما أنا إذن بمبتدع وإنما أنا أحد السائرين في طريق شقه الشرق من قبل. وأما نصيب قصصي من البقاء فلست اعتقد أن لنا قد معاصر حق الجزم به، وما بلغت من البساطة حد تصديق ناقد يتكلم في هذا. فان الزمن وحده هو الكفيل بالحكم للأعمال بالبقاء. فأنا كما ترى لا اسمح لنفسي بقبول مثل هذا الثناء. كذلك لست اسمح لأحد أن يخاطبني بلسان التشجيع، فما أنا في حاجة إلى ذلك، فإني منذ أمد بعيد اعرف ما اصنع. ولقد أنفقت الأعوام أراجع ما أكتب قبل أن انشر وأذيع. كما أنى لست في حاجة إلى أن يملي علي ناقد قراءة بعينها، فإني منذ زمن طويل اعرف ماذا اقرأ. وما أخالك تجهل إني قرأت في الفلسفة القديمة والحديثة وحدها ما لا يقل عما قرأت أنت: - وما أحسبك كذلك تجهل أني اعرف الناس بما عندي من نقص، واعلم الناس بما احتاج إليه

стр. 4335

من أدوات، فأرجو منك أن تصحح موقفي أمام الناس وألا تضطرني إلى أن أتولى ذلك بنفسي. توفيق الحكيم وأنا أسرع قبل كل شيء إلى تصحيح موقف توفيق لا أمام الناس، بل أمام نفسه وأمام رؤسائه في وزارة المعارف. فقد كنت أشفق عليه من هؤلاء الرؤساء كما كنت أشفق عليه من نفسه إذا اتصل بهؤلاء الرؤساء. فالذين يعملون في وزارة المعارف لا ينبغي أن تظهر الصلة بينهم وبيني، لان هذه الصلة خطرة حقاً. وما رأيك في قوم يعملون في هذه الوزارة ثم يتصلون برجل لا يزال من يوم إلى يوم ينال هذه الوزارةورؤساءها بالنقد الشديد. وأؤكد لصديقي توفيق إني لم انشر كتابه هذا إلا تصحيحاً لموقفه أمام رؤسائه وأمام نفسه، فسيعلم رؤساؤه منذ اليوم انه قد أساء إلي عمداً وفي غير ما يبيح الإساءة، وانه قد قطع ما بينه وبيني من صلة، وانه قد سجل هذه القطيعة في كتاب، أني قد سجلت هذه القطيعة في صحيفة سيارة. ليشيع أمرها بين الناس. واضن أن رؤساءه منذ اليوم سيرفقون به، ويعطفون عليه، ويحسنون الرأي فيه. وأظن انه سيحس منهم ذلك فيطمئن على منصبه ويستريح إلى رضى رؤسائه عنه، ويبتسم له الأمل بالمستقبل القريب والبعيد. والآن وقد صححت موقف توفيق أمام نفسه وأمام رؤسائه أريد أن أصحح موقفه أمام الناس وأمام الأخلاق وأمام الأدب أيضاً. فموقفه أمام هؤلاء جميعاً في حاجه إلى تصحيح لم يخطر لصديقنا ببال فيما يظهر لانه كان مشغولاً بنفسه ورؤسائه، ولعله كان مشغولاً بذلك القيظ الشديد، الذي أخرج كثيراً من الناس عن أطوارهم منذ أيام. فأما قول توفيق إني قد أسرفت حين زعمت انه احدث بالأدب العربي حدث لم يسبقه إليه احد، فإني احمده له وإني كنت اعرف أن هذا الكلام كان يرضيه، وانه كان يحب أن يسمعه وأن يقرأه قبل هذا الأسبوع الذي هاجمت فيه وزارة المعارف مهاجمة عنيفة، ومن الحق انه تحدث إلي بان للجاحظ ملكة حوار ولكن من الحق أيضاً أنه نبهته إلى أن الحوار شيء والتمثيل شيء آخر، وإلى أن الكاتب يستطيع أن يكون محاوراً مجيداً دون أن يبلغ من التمثيل شيئاً. فإذا كان الجاحظ قد أتقن الحوار وبرع فيه فلا ينبغي أن يفهم من هذا بحال أن الجاحظ قد عرف التمثيل أو ألم به أو كان يمكن أن يخطر له التمثيل على بال. وانه

стр. 4336

لمن المؤلم حقاً أن احتاج إلى أن أسوق مثل هذا الكلام إلى كاتب أديب كتوفيق قرأ من آثار القدماء والمحدثين مثل ما قرأت على الأقل. وأما أن توفيقاً ينكر على أن احكم لقصصه بالبقاء، فهذا إسراف منه كثير، فنحن الناقدين أحرار فيما نعرف من ذلك وما ننكر، وفيما نثبت من ذلك وما نمحوه، ومادام الزمان هو الحكم الأخير في هذا كله فيما يضير صاحبنا أن نحكم له أو أن نحكم عليه. واغرب من هذا كله أن يرفض توفيق ما أهديت إليه من ثناء، فليعلم إني لم اهدِ الثناء إلى شخصه ليرفضه أو يقبله، وأن شخصه لا يعنيني إلا قليلاً منذ الآن، وإنما أهديت الثناء إلى فنه ومازلت أهديه اليه، ولن يستطيع هو أن يرده. وكنت احب له أن يرفق بين شخصه الفاني وفنه الباقي. وأما أنه لا يسمح لأحد أن يحدثه بلغة التشجيع فقد كنت أحب أن يكون أذكى في حياته العملية من أن يشارك رئيس الوزارة في لغته، (فلا أسمح) هذه كلمه يملكها رئيس الوزراء القائم وحده. ولكن الذي يجعل نفسه دولة لا يتردد في أن يستعير لغة الوزراء وهو بعد حر في أن يسمح أو لا يسمح فسنشجعه على رغم منه، لأن فنه يستحق التشجيع، ولأن واجبنا الأدبي يفرض علينا تشجيع المجيدين فرضاً. وأما أنه لا يسمح لأحد بأن يدله على ما يقرأ، وأنه قرأ في الفلسفة القديمة والحديثة مثل ما قرأت على الاقل، فإنني احب أن يعلم أن ما قرأته لا يرضيني لنفسي ولا لغيري، وإني ابذل ما أملك من جهد لأقرأ أكثر مما قرأت ومما قرأ غيري. وأسأل الله أن يقيني وأن يقيه شر الغرور، فهو مهلك للنفوس حقاً. وأما انه اعرف الناس بما ينقصه، وأعلم الناس بما يحتاج إليه من الأدوات وانه لا يحتاج مع ذلك إلى نقد ناقد، فهذا رأيه في نفسه منذ الآن ولا يشرفه ولا يرفع منزلته عند أحد. أما أنا فأرى لنفسي الحق في أن أدل كل كاتب يخرج للناس كتاباً على رأي فيما ينقصه وفيما يحتاج اليه، وهو حر في أن يقبل أو يرفض، ولكني حر كذلك في أن أقول له ما أريد. أما بعد، فهل صححت موقف توفيق أمام الناس، أم هل ما يزال مضطراً إلى أن يصححه بنفسه؟ أحب أن يعلم توفيق إني لن أرد عليه بعد الآن، ولن أحفل به إلا يوم يخرج لنا كتاباً نقرؤه، ويومئذ سأعلن رأيي في هذا الكتاب سواء رضى توفيق أو سخط، وأنا أرجو أن يكون رأي في كتبه المقبلة حسناً كرأيي في أهل الكهف وشهرزاد. وأرجو بعد هذا كله

стр. 4337

أن يتدبر الكتاب والشعراء هذه القصة التمثيلية فان فيها عبراً وعظات، وأن أمثالها مع الأسف في مصر ليس بالقليل. طه حسين

стр. 4338

من طرائف الشعر عطيل للأستاذ فخري أبو السعود قليل رقاد الليل نابي المضاجعِ … يبيت على مضٍّ من الشك لاذعِ على حُرَقِ: لا الظن قاتلُ حُبِّهِ … ولا حُبُّهُ للظن عنهُ بِدَافِعِ دجا عَيْشُهُ جَرّاَء من كان ذكرهُا … ضياءًَ له في داجيان المعامعِ أطاع مقالاً للحسود أهاجه … ولم يك لو قال النصيحُ بِطَائع يقول: إِذَنْ قد نازعتْها صبابةٌ … وغَىُّ فألقَتْ قيدَها للنوازع وأصبحَ عِرضي في بني الرُّوم مُثْلَةً … وهُزْأةَ مِهْذَارٍ وَمَلْهاةَ صافِع جَزَائَيِ هذا: إنني كنت غافلا … فأقحمتُ نفسي في وخيم المراتع حسبتُ قلوبَ الغيدِ بالبأس تُستَبَي … وتُملك بالبِيض الخفاف القواطع جَزَائَيِ عَدْلَا: مالمِثْليِ وللهوى؟ … لقد قذفتْ بي في المرامي مطامعي ولم يك وجهي للحسان بفاتن … ولا لونُ جلدي في الغرام بشافعي ألا ليتني لم ألق أشْرَاكَ حُسْنها … فقد كنتُ في أشراكها شَرَّ واقع ألا ليتني لم أدِْر أنباَء بغيِها … وكفَّتْ جفوني دونه ومسامعي لقد أنكرتْ خَلْقي وضاقت بِكَبْرتي … ومنظر شَيبْاتٍ برأسي طَوَالع وماسَرَّها أني بلوْنَي مُعْلَمٌ … لَدَى الحرب بَطَّاشٌ بكل مُقارع ولاغُدُوَاتى في البحار زواخراً … ولا دَلجَاتي في الفَلا والبلاقع ولا أَوبتى بالغار في كل موكب … ولاخطرتي بين السيوف السَّوَاطع فلم يَثْنها عهدٌ وجٌنَّ جنونُها … بغَضِّ الصِّبا من قومها الصُّفرِ يافع سباها بطبع منه هَيْنٍ ومنظرٍ … طَرِيرٍ وخلاَّبٍ من القول رائع تهيم به دونى وإن يك خادمي … وتمنحه حقَّي وإن يك تابعي ولم يَبقَ لي في قلبها اليومَ موضعٌ … وما كان فيه أمس إلا مَوَاضعي نعم هي تلقاني بنظرة مُغْرَمِ … وبسمةِ مفتونٍ وعَطفةِ خاشع نعم وَهْيَ تسقيني خَدُوعَ رُضابها … كما مَجَّت الأفعى الخَؤُونُ بناقع

стр. 4339

وتوهمني الطُّهْرَ الذي يدعينه … وليس سوى آلٍ بصحراَء لامع وتُوشك - لولا الرشد - أن تَسْتِخَّفنيِ … ويَسْتَلَّ حقدي سِحرُها من أضالعي ويوُشك ذاك الحُسْنُ أن يستهزني … فأنسي لديها كيدَها وهَو فاجعي أتْبسَمُ لي غِشاَّ ومحضُ ودادها … لَدَى قاهري في حُبهِّا ومنازعي؟ لَعمَرْىَ ماذا يدعُوَاني إذا خلَعتْ … إليه بمنأى عن رقيب وسامع؟ أتدعِينَني فَدْماً؟ أتُفُضْيِنَ للفتى … بشجوِى ولأَوائي وجَمِّ مواجعي؟ أيَضْحك من جهلي؟ أيزعم أنني … بليدٌ غليظ الحِسِّ غيرُ مُدافع؟ حَنانَيْكُما - قد جُرْ تُما وغلوتما … ورفقاً بهذا المسْتغَرِّ المخادَع سيأتيكما أمري فيَدْري كلاكما … بأنَّ حِمَى الوَحْشِيِّ ليس بضائع سأنقع ممن خانت العهد غُلتَّي … وهيهات ما غيرُ الحِمام بِناقع سأمنحها كأس المنية مُوقفاً … بأني لتلك الكأْس أوَّلُ جارعُ سأُسلِمُها للموتِ أوَّلَ نادمِ … لتلك الحُليَ تَقْضي وتلك البدائع سأقتل مَن لو أستطيع فديتها … بِبَتِّ نِيَاطي أو بِقَطْعِ الأخادع فخري أبو السعود

стр. 4340

الإنسان الآلي للأستاذ محمود غنيم ماذا أُشاهد؟ لا طيناً ولا ماَء … وليس هذا الفتى من نسل حواَء لا يشبه الناس إحساساً وعاطفة … ويشبه الناس تركيباً وأعضاء فتى عريق بحبل العلم متصل … إن عدد الصيد أجداداً وآباء هي الحضارة أُمٌّ أنجبته وما … زالت كمريم ذات الطهر عذراء خلق جديد إذا شاهدت طلعته … تكاد تومئ بالتسليم إيماء لا يشتكى مثلما يشكو الورى سقما … ولا يهاب رسول الموت إن جاء يرى ويسمع لكن لا يحس وإن … هم قطعوه بحد السيف أجزاء فياله ساعياً يمشي على قدم … لا تشتكى إن شكت أقدام وجناء وياله خازناً لا تستبيه ولا … تغريه بالمال إن حاولت إغراء وياله حارساً لم يشك من أرق … ليلا ولا حاولت عيناه إغفاء لن ترهب العقم بعد اليوم والدة … أو يعدم الشيخ بعد الشيب أبناء للشيخ ما يشتهيه الشيخ من عقب … ولليتيم من الآباء ما شاء لينفخوا الروح فيه مثلما خلقوا … له يدين وشقوا العين حوراء قم سائل العلم إذ سوى جوارحه … هل رام هدماً به أم رام إنشاء؟ يشكو البطالة غادينا ورائحنا … فهل نضيف إلى أدوائنا داء؟ أما ترى الأرض قد ضاقت بمن حملت … فثارت الحرب حول القوت شعراء؟ حسب البرية أن الطب يكلؤها … وأن سهم الردى يخشى الأطباء يا أيها الرجل الآليّ هل لك في … ود أساقيكه ماء وصهباء تشابه الناس عندي في المذاق وإن … تعدد الناس ألواناً وأسماء لأَنت أسلم يا ابن الصلب عاقبة … من أنفس ملئت حقداً وبغضاء أقسمت أنك بين الناس أنزههم … يداَ وأطهرهم قلباً وأحشاء حببت فيك فتى ما قال فاحشة … يوماً ولا عاب إنساناً ولا ساء محمود غنيم

стр. 4341

فولتير العظيم حتى بموته ١٦٩٤ - ١٧٧٨م بقلم مهدي الجم الطرابلسي ما أنا أول الذين يتحدثون إليك عن فولتير ولا آخرهم. بل أنا من هؤلاء الذين تلح على عواطفهم إشعاعات من أرواح العظماء فتبعثهم حينا راضين وآخر كارهين لينشروا ماضي هؤلاء العظماء ويتغنون بعبقريتهم ويسجلونهم في سجل الأفذاذ الخالدين. أطل فولتير على الحياة سنة أربع وتسعين وستمائة وألف فشب ورأى من حوله فساد الحكومة والبيئة فعظم عند نفسه أن يرى أفراد الشعب يتضورون جوعاً والملك والحاكم ينزلون بهم أنواع العذاب عاتين جائرين. وكان كاتباً رائع الكتابة رائق الأسلوب قوي العارضة سيال القريحة سياسي المبدأ لاذع النقد. وكانت الصحف التي تنشر رسائله رائجة نافقه اكثر من غيرها، لان الشعب كان يُقبل على كل رسالة له أو كتاب فيطالعه، فتنشيه نغمة العبارات ولحن الأسلوب فيعيد مطالعته، فيؤثر في نفسه، فيهيج هياجاً شديداً، لأنه ضد الحكومة. وقد كان الشعب الباريسي يضمر لفولتير حباً شديداً حتى أضحت كلمته فوق كل كلمة، وأسمه فوق كل اسم، وحتى أضحى رسمه زينة، تحلى بها الأكاليل والمتاحف، وحتى أضحى الشعب يمحص كل كلمه من كلماته تمحيصاً ويعربها ويردها إلى اصلها مستمتعاً مغتبطاً بذلك. وهكذا استأثر فولتير بقلوب أبناء وطنه وجعل من نفسه قائداً محبوباً يشير فيطاع. والشعب لم يقبل على فولتير ومؤلفات فولتير ولم يهتف له إلا لنقده الملك والملكة والبلاط وما فيه، النقد اللاذع الذي دعا الملك أن ينفيه من اجله. كانت الكونت لدلنفيليه قد تكهن أن فولتير صديقه سيموت في الثلاثين من عمره، لكن فولتير الجبار لم يكن ممن يتأثرون بتنبؤات الكهنة والمنجمين، فأستمر لا يحيد عن سمته في النقد والفلسفة، ولما جاوز الثلاثين كان يداعب صديقه الكونت قائلاً: (لقد خدعتك أيها الصديق بثلاثين عاماً وخدعت نفسي بالباقي) وأخيراً لم يرى الملك بداً من إخراجه عن فرنسا. وهكذا قضى فولتير حياته شريداً طريداً يتنقل من بروسيا إلى إنكلترا إلى غيرهما. وقد قضى اكثر أيامه على ضفاف بحيرة جنيف في (فرني) وغيرهما حيث سالت نفسه

стр. 4342

حنينا إلى وطنه، فرق أسلوبه كثيرا وبرعت ديباجه. ألف فولتير من الكتب والقصص (محمداً، زاير، ميروب، عصر لويس السابع عشر، تأريخ شارلي الثاني عشر، كالديد، ميكروموكاس، زاديك، القاموس الفلسفي، ملاحظات على نظريات باسكال) وغير ذلك من المؤلفات التي جعل بعضها قصصاً تخيل وقائعها في بلدان شرقية وعصور خاليه، فقصته (زاديك) جعل وقائعها في بلاد فارس في عصور ما قبل الميلاد، فقارئها يرى من طرف خفي وظاهر ان فولتير ينتقد الملك والبلاط النقد الجارح الأليم. لأضرب لك مثلاً في كتابه زاديك: - (زاديك شاب غني فيلسوف هجر المجتمع الخاطئ واعتزل في قصر له في البرية، فانه ليتجول يوماً في الغابة إذ مر به خصيان البلاط والحرس الملكي يسألونه متلهفين أريت كلب الملكة وحصان الملك؟ فيقول هي كلبة لا كلب، ولكن لم أرها، فيكبلونه إلى الحاكم فيحكم عليه بالجلد والنفي إلى سيبيريا فما يكاد يفعل حتى توجد الكلبة والحصان فيعفو عنه، ولكنه يحكم علية بغرامه قدرها أربعمائة من الذهب) وهكذا يريد فولتير أن ينقل البلاط وأن يقولَ إن الداخل فيه خاسر ما في ذلك شك، مدعياً كان أو مدعى عليه. لقد كان منظر فولتير يدل على غير ما يختلج في نفسه، فقد كان الناظر إليه يحسبه سعيداً مغتبطاً، على حين أن فولتير قضى حياته بين عبرة مهراقة، وزفرة مصعدة، بدليل عبارات تقرأ في رسائله. وكان فولتير هزيلاً ناحلاً، وكثيراً ما كان يشكو ألماً في جسمه يقول ان الأطباء لم يهتدوا إليه بعد. فكان يئن في نفس، فتبدو انته على ثغره ابتسامة عذبة هادئة تجتذب إليه النفوس، وقد نعته، فكتور هوجو بالرجل الكئيب الباكي. وفولتير وان كان أكثر الشعب مناصراً له فقد كان له أعداء كثيرون يتسخطون عليه ويتبرمون بكتاباته النارية الحماسية التي كانت إحدى الشرارات الرئيسية التي أضرمت نار الثورة الكبرى من بعد. فكان هؤلاء السادة يجادلونه فلا يقف عن مجادلاتهم، ويغالبونه فلا يفتى عن مغالبتهم، وهو مع ذلك لم يهن، فهم ما كانوا ليزدادوا إلا موجدة عليه، وهو ما كان ليزداد إلا استهزاءً واستخفافاً بهم. ولما مات لويس الخامس عشر وتربع على العرش لويس السادس عشر كان فولتير في

стр. 4343

منفاه، فاستأذن الملك الجديد العودة إلى وطنه فإذن له، ولكن بعد ان تهدده الملك وتوعده بالنفي والتشريد إن هو عاد سيرته الأولى. فعاد إلى باريس برفقته كاتبه الخاص. وكانت قد سبقته إليها زوجه والمدام دنس حفيدته التي كان يحبها كثيراً وصديقه المركيز دي فيلت ليعدوا المنزل ويهيئوا المستقر. وفولتير إذا أتى باريس فقد أشرقت باريس وهب الناس كلهم هبة واحدة محللين فرحين. فلما أن أقبل كانت المحطة مزدحمة بالناس حتى لا مسير. وقد أخذ مخبرو الصحف يكتبون عنه الرسائل المسهبة الطويلة ويصفونه جزءاً جزءاً فقالوا انه اقبل وكان على رأسه قلنسوة أرجوانية صوفية. وانه كان مرتدياً برداء من الفرو المخطط، وانه زار صديقه الحميم القديم (دارجنتال) في شارع (اورسه)، وانه خرج بعد ذلك يقصد منزله، وان الأولاد الصغار إذا رأوا منظره الغريب أخذوا يهتفون بحياته ويصفقون، وانه لما انتهى إلى منزله اخذ الناس يفدون عليه أفواجاً فيستقبلهم بثياب المنزل معتذراً بمرضه. وحقاً لقد امتلأ المنزل افناؤه وحجراته وأروقته بالناس من جميع الطبقات. فكان فولتير يبسم لهم ويستقبلهم بأحسن ما يستقبل مزور زائراً، وقد قيل انه لم يبق أحد في باريس إلا واقبل يهنئه بالعودة السالمة ويدعو له بطول العمر. وذلك مما دعاه أن يسن دستوراً للزيارة. فأمر حفيدتهأن تقيم في القاعة الكبرى ففعلت تستقبل الزائرين عوضاً عنه وتعتذر لهم بمرضه إلا العظماء منهم فقد كانت تقدمهم إليه فيجالسهم ساعة ثم يعود إلى غرفته يتسلى بالقراء والكتابة. وممن زاره منهم سفير إنكلترا وفرانكلن الشهير وغيرهما، لكن كان يستقبل الكل بثوب المنزل لا يخلعه إلا للنساء فقد كان يجهلن. فلما زارته الكونتيس دي باري لم يشأ أن يبدو إليها بهذا الثوب، فلم يقابلها اولاً، فرجته وألحت في الرجاء، ورجاه أصدقاؤه وألحوا في ذلك أيضاً أن يفعل فاقبل كارهاً متعثراً، فقال له من حوله انك تقول أن ثوب العقل خير من ثوب الجسد فماذا دهاك اليوم؟ ولقد كان الناس يجتمعون حول منزله كل يوم فلا يزالون يهتفون به حتى يخرج إلى النزهة فيركب عجلته فيزدحم الناس من حولها ويقبل بعض المتحمسين يدفعون الناس بمناكبهم يريدون أن يحملوا العجلة فلا يمتنعون حتى يرجوهم فولتير الامتناع شاكراً، لكن وا أسفاه! إن هذه الاستقبالات والمهرجانات أمرضته، ولا سيما حين سمع إن صديقه (لكن)

стр. 4344

قد قضى. ولقد كان مرضه انحباس البول، وتورم الرجلين، وقد منع طبيبه كل إنسان، وحال بينه وبين أصدقائه، فعكف فولتير في سريره يؤلف القصص ويكتب الرسائل، ويئن بين الحين والحين أنة لاشك سامعها، في أنها أنة عظيم. عناية طبيب فولتير بفولتير وعنايته بنفسه بدت نتيجتها، فابل ونقه، وشرع يطبع روايته التي وضعها أثناء المرض وسماها - أرين - وقبل أن تعرض للتمثيل جهد فولتير جهداً عظيماً في تدريب الممثلين وتعليمهم إتقان ادوارهم، ولم تكن صحته قد عادت إليه كاملة، فرماه الكد والتبذل في سرية، فإذا الحمى تدور في جسمه، وهذا صداع شديد يهز جمجمته، وهذا ورمشديد في قدميه، وانحباس موجود في كليتيه، ثم هذا دم يخرج من رئتيه، ثم هاهو ذا يهذي ويصرخ الصرخات الداوية: وطبيبه لم يدر أصل الداء ومنبت العلة، فلجأ إلى الحكمة والدراية. فاستأجر ممرضة صبية جميلة أعجبت فولتير وسر بها كثيراً. أما الصحف فكانت تملأ أعمدتها في الحديث عنه، فإذا أكل فولتير دوى في أفق باريس إن فولتير أكل وإذا شرب فولتير قد شرب. ولم يزل الداء يلح به ويضعف من جسمه ومن حواسه حتى كاد لا يقدر أن يقرأ كتابا أو صحيفة ولا أن يستوي جالساً في سريره. لكن ماذا؟ ها هو ذا فولتير يصح وينشط فلا دم يبصق ولا قدم تتورم وها هو ذا الطبيب قد أذن له بأكل بيضة وقطعة من الخبز، وحسو كأس من الماء ومثلها من الخمر كل يوم. وإذا عادت إلى فولتير صحته فقد عادت إلى الناس المسرات والأفراح. وأما الأطباء فوقفوا وقفة الحائر أمام هذا المرض العجيب وسرعة شفائه. وكان تمثيل الرواية قد تأجل ليشهده فولتير بنفسه، فلما شفى حكم الأدباء والفلاسفة فيها فأعجبوا بها إعجاباً شديداً فمثلت، ولكن فولتير لم يشهد التمثيل فقد سقط مرة أخرى وخيف أن تكون السقطة الأخيرة الهائلة. فعاده الأطباء فوصفوا لبن اتانٍ يتناوله فشفى بعض الشيء، وخرج إلى متنزه الشانزلزيه بعربته، فالتف الناس من حولها هاتفين: ليعش فولتير! ليعش فولتير! وقد كان السعيد منهم من يحظى بشعرة من ردائه. لكن مما يؤلم أن فولتير أمسى بعد ذلك هائج البال، فاسد الرأي فقد سأل ان يبدلوا الممرضة بأخرى غيرها قائلاً أنى استحي أن اخلع ثيابي أمام تلك الفاتنه، فأبدلت بأخرى. ولكن هاهو ذا المرض يطل عليه زائراً مرة اخرى، ولكن هاهو ذا الشفاء يأتيه عائداً ثانية.

стр. 4345

أما الرواية (ارين) فقد مثلت ست مرات، وفي الأخيرة تجلت عظمة فولتير وكبر نفسه واضحين وقد شهدها فولتير، فلما انتهى التمثيل قام الشباب وجعلوا يتمسحون به ويلثمون يديه ويهتفون باسمه، ووصل إلى منزله تلك الليلة وما احسب أن أحداً وصل في الدنيا ليلاً إلى منزله وصوله. أفاق الناس صباح ٢٣ أيار من سنة ثماني وسبعين وسبعمائة وألف، فإذا هم يتحدثون أن فولتير قد تورمت قدماه وانحبس بوله واصبح يبصق أفلاذ كبده وانه لا يرجى له شفاء. وحقاً لقد وقع فولتير هذه المرة ويأس طبيبه من نجاته، أعاده الماريشال ريشيليو، وصف له دواءً يدفع عنه الأرق فتناوله فولتير دفعة واحدة فتعقد داؤه وعز دواؤه. أضحى فولتير بعد هذه السقطة فارغ الصبر ضيق الصدر، هلوع النفس متلكئ الجسم يسب من حوله، ويضرب ممرضته، ويجافى حفيدته، وينظر إلى الناس بغير العين التي كان ينظر بها إليهم وكان يصرخ بين الحين والحين صراخاً عظيماً احتار في تعليله الأطباء، ولم يعرفوا إلى شفائه من سبيل. وممرضته كلت وملت وأسلمته إلى يد القدر إلا قليلاً. وأشار عليه صيدلي أن ينشق الأفيون، ففعل دون أن يدري طبيبه. والأفيون أنامه إنامة طويلة استفاق بعدها فإذا معدته لا تهضم اللبن الرائب. ومر به جراح شهير يدعى (ترى) وفحص مثانته وكليتيه وتوصل بحيلته وحدة ذكاءه ان يفتح للبول طريقاً بواسطة أنبوب طبي. وارتفعت درجة حرارته بعد ذلك كثيراً فأرقدوه في الجليد فما أفادوا شيئاً!! وا حسرتاه! لقد فقد فولتير عقله أو كاد! لقد أضحى يرجع إلى أحشائه من فيه ما يخرج من احشائه، فكانت حفيدته تبكي كثيراً وتقبل عليه وتقول: مسيو فولتير! مسيو فولتير! لقد كنت مثال النظافة فانظر إلى أية حال مؤلمة قد صرت. ومن الأطباء الذين اعتنوا بفولتير كثيراً ترونشين طبيبه الخاص وبلوري وتياري. وقد بذل هؤلاء الأطباء الحكماء أقصى ما وهبوا من حيله وذكاء لشفائه، فخاب سعيهم وما ازدادوا إلا جهلاً بالداء. ودخلوا عليه ذات ليله فإذا هو حائل اللون، ازرق الشفتين متصلب اليدين والقدمين، فأخذوا يعالجونه ساعة حتى أفاق وقال: آه! دعوني أسير إلى ربي. ثم اخذ يصيح صياحاً شديداً تهتز له النفس، وتسيل له الأفئدةهولاً وجزعاً. فعلل أطباؤه صراخه بوجع شديد لا يعرفون مصدره، وخافت الممرضة إذ رأته على هذه الحال، وخاف الأطباء
следующие страницы →