Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
فولتير العظيم حتى بموته ١٦٩٤ - ١٧٧٨م
بقلم مهدي الجم الطرابلسي
ما أنا أول الذين يتحدثون إليك عن فولتير ولا آخرهم. بل أنا من هؤلاء الذين تلح على عواطفهم إشعاعات من أرواح العظماء فتبعثهم حينا راضين وآخر كارهين لينشروا ماضي هؤلاء العظماء ويتغنون بعبقريتهم ويسجلونهم في سجل الأفذاذ الخالدين.
أطل فولتير على الحياة سنة أربع وتسعين وستمائة وألف فشب ورأى من حوله فساد الحكومة والبيئة فعظم عند نفسه أن يرى أفراد الشعب يتضورون جوعاً والملك والحاكم ينزلون بهم أنواع العذاب عاتين جائرين. وكان كاتباً رائع الكتابة رائق الأسلوب قوي العارضة سيال القريحة سياسي المبدأ لاذع النقد. وكانت الصحف التي تنشر رسائله رائجة نافقه اكثر من غيرها، لان الشعب كان يُقبل على كل رسالة له أو كتاب فيطالعه، فتنشيه نغمة العبارات ولحن الأسلوب فيعيد مطالعته، فيؤثر في نفسه، فيهيج هياجاً شديداً، لأنه ضد الحكومة. وقد كان الشعب الباريسي يضمر لفولتير حباً شديداً حتى أضحت كلمته فوق كل كلمة، وأسمه فوق كل اسم، وحتى أضحى رسمه زينة، تحلى بها الأكاليل والمتاحف، وحتى أضحى الشعب يمحص كل كلمه من كلماته تمحيصاً ويعربها ويردها إلى اصلها مستمتعاً مغتبطاً بذلك.
وهكذا استأثر فولتير بقلوب أبناء وطنه وجعل من نفسه قائداً محبوباً يشير فيطاع. والشعب لم يقبل على فولتير ومؤلفات فولتير ولم يهتف له إلا لنقده الملك والملكة والبلاط وما فيه، النقد اللاذع الذي دعا الملك أن ينفيه من اجله.
كانت الكونت لدلنفيليه قد تكهن أن فولتير صديقه سيموت في الثلاثين من عمره، لكن فولتير الجبار لم يكن ممن يتأثرون بتنبؤات الكهنة والمنجمين، فأستمر لا يحيد عن سمته في النقد والفلسفة، ولما جاوز الثلاثين كان يداعب صديقه الكونت قائلاً: (لقد خدعتك أيها الصديق بثلاثين عاماً وخدعت نفسي بالباقي)
وأخيراً لم يرى الملك بداً من إخراجه عن فرنسا. وهكذا قضى فولتير حياته شريداً طريداً يتنقل من بروسيا إلى إنكلترا إلى غيرهما.
وقد قضى اكثر أيامه على ضفاف بحيرة جنيف في (فرني) وغيرهما حيث سالت نفسه
стр. 4342
حنينا إلى وطنه، فرق أسلوبه كثيرا وبرعت ديباجه.
ألف فولتير من الكتب والقصص (محمداً، زاير، ميروب، عصر لويس السابع عشر، تأريخ شارلي الثاني عشر، كالديد، ميكروموكاس، زاديك، القاموس الفلسفي، ملاحظات على نظريات باسكال) وغير ذلك من المؤلفات التي جعل بعضها قصصاً تخيل وقائعها في بلدان شرقية وعصور خاليه، فقصته (زاديك) جعل وقائعها في بلاد فارس في عصور ما قبل الميلاد، فقارئها يرى من طرف خفي وظاهر ان فولتير ينتقد الملك والبلاط النقد الجارح الأليم.
لأضرب لك مثلاً في كتابه زاديك: - (زاديك شاب غني فيلسوف هجر المجتمع الخاطئ واعتزل في قصر له في البرية، فانه ليتجول يوماً في الغابة إذ مر به خصيان البلاط والحرس الملكي يسألونه متلهفين أريت كلب الملكة وحصان الملك؟ فيقول هي كلبة لا كلب، ولكن لم أرها، فيكبلونه إلى الحاكم فيحكم عليه بالجلد والنفي إلى سيبيريا فما يكاد يفعل حتى توجد الكلبة والحصان فيعفو عنه، ولكنه يحكم علية بغرامه قدرها أربعمائة من الذهب) وهكذا يريد فولتير أن ينقل البلاط وأن يقولَ إن الداخل فيه خاسر ما في ذلك شك، مدعياً كان أو مدعى عليه.
لقد كان منظر فولتير يدل على غير ما يختلج في نفسه، فقد كان الناظر إليه يحسبه سعيداً مغتبطاً، على حين أن فولتير قضى حياته بين عبرة مهراقة، وزفرة مصعدة، بدليل عبارات تقرأ في رسائله. وكان فولتير هزيلاً ناحلاً، وكثيراً ما كان يشكو ألماً في جسمه يقول ان الأطباء لم يهتدوا إليه بعد. فكان يئن في نفس، فتبدو انته على ثغره ابتسامة عذبة هادئة تجتذب إليه النفوس، وقد نعته، فكتور هوجو بالرجل الكئيب الباكي. وفولتير وان كان أكثر الشعب مناصراً له فقد كان له أعداء كثيرون يتسخطون عليه ويتبرمون بكتاباته النارية الحماسية التي كانت إحدى الشرارات الرئيسية التي أضرمت نار الثورة الكبرى من بعد. فكان هؤلاء السادة يجادلونه فلا يقف عن مجادلاتهم، ويغالبونه فلا يفتى عن مغالبتهم، وهو مع ذلك لم يهن، فهم ما كانوا ليزدادوا إلا موجدة عليه، وهو ما كان ليزداد إلا استهزاءً واستخفافاً بهم.
ولما مات لويس الخامس عشر وتربع على العرش لويس السادس عشر كان فولتير في
стр. 4343
منفاه، فاستأذن الملك الجديد العودة إلى وطنه فإذن له، ولكن بعد ان تهدده الملك وتوعده بالنفي والتشريد إن هو عاد سيرته الأولى. فعاد إلى باريس برفقته كاتبه الخاص. وكانت قد سبقته إليها زوجه والمدام دنس حفيدته التي كان يحبها كثيراً وصديقه المركيز دي فيلت ليعدوا المنزل ويهيئوا المستقر.
وفولتير إذا أتى باريس فقد أشرقت باريس وهب الناس كلهم هبة واحدة محللين فرحين. فلما أن أقبل كانت المحطة مزدحمة بالناس حتى لا مسير. وقد أخذ مخبرو الصحف يكتبون عنه الرسائل المسهبة الطويلة ويصفونه جزءاً جزءاً فقالوا انه اقبل وكان على رأسه قلنسوة أرجوانية صوفية. وانه كان مرتدياً برداء من الفرو المخطط، وانه زار صديقه الحميم القديم (دارجنتال) في شارع (اورسه)، وانه خرج بعد ذلك يقصد منزله، وان الأولاد الصغار إذا رأوا منظره الغريب أخذوا يهتفون بحياته ويصفقون، وانه لما انتهى إلى منزله اخذ الناس يفدون عليه أفواجاً فيستقبلهم بثياب المنزل معتذراً بمرضه.
وحقاً لقد امتلأ المنزل افناؤه وحجراته وأروقته بالناس من جميع الطبقات. فكان فولتير يبسم لهم ويستقبلهم بأحسن ما يستقبل مزور زائراً، وقد قيل انه لم يبق أحد في باريس إلا واقبل يهنئه بالعودة السالمة ويدعو له بطول العمر. وذلك مما دعاه أن يسن دستوراً للزيارة. فأمر حفيدتهأن تقيم في القاعة الكبرى ففعلت تستقبل الزائرين عوضاً عنه وتعتذر لهم بمرضه إلا العظماء منهم فقد كانت تقدمهم إليه فيجالسهم ساعة ثم يعود إلى غرفته يتسلى بالقراء والكتابة. وممن زاره منهم سفير إنكلترا وفرانكلن الشهير وغيرهما، لكن كان يستقبل الكل بثوب المنزل لا يخلعه إلا للنساء فقد كان يجهلن. فلما زارته الكونتيس دي باري لم يشأ أن يبدو إليها بهذا الثوب، فلم يقابلها اولاً، فرجته وألحت في الرجاء، ورجاه أصدقاؤه وألحوا في ذلك أيضاً أن يفعل فاقبل كارهاً متعثراً، فقال له من حوله انك تقول أن ثوب العقل خير من ثوب الجسد فماذا دهاك اليوم؟
ولقد كان الناس يجتمعون حول منزله كل يوم فلا يزالون يهتفون به حتى يخرج إلى النزهة فيركب عجلته فيزدحم الناس من حولها ويقبل بعض المتحمسين يدفعون الناس بمناكبهم يريدون أن يحملوا العجلة فلا يمتنعون حتى يرجوهم فولتير الامتناع شاكراً، لكن وا أسفاه! إن هذه الاستقبالات والمهرجانات أمرضته، ولا سيما حين سمع إن صديقه (لكن)
стр. 4344
قد قضى. ولقد كان مرضه انحباس البول، وتورم الرجلين، وقد منع طبيبه كل إنسان، وحال بينه وبين أصدقائه، فعكف فولتير في سريره يؤلف القصص ويكتب الرسائل، ويئن بين الحين والحين أنة لاشك سامعها، في أنها أنة عظيم.
عناية طبيب فولتير بفولتير وعنايته بنفسه بدت نتيجتها، فابل ونقه، وشرع يطبع روايته التي وضعها أثناء المرض وسماها - أرين - وقبل أن تعرض للتمثيل جهد فولتير جهداً عظيماً في تدريب الممثلين وتعليمهم إتقان ادوارهم، ولم تكن صحته قد عادت إليه كاملة، فرماه الكد والتبذل في سرية، فإذا الحمى تدور في جسمه، وهذا صداع شديد يهز جمجمته، وهذا ورمشديد في قدميه، وانحباس موجود في كليتيه، ثم هذا دم يخرج من رئتيه، ثم هاهو ذا يهذي ويصرخ الصرخات الداوية: وطبيبه لم يدر أصل الداء ومنبت العلة، فلجأ إلى الحكمة والدراية. فاستأجر ممرضة صبية جميلة أعجبت فولتير وسر بها كثيراً. أما الصحف فكانت تملأ أعمدتها في الحديث عنه، فإذا أكل فولتير دوى في أفق باريس إن فولتير أكل وإذا شرب فولتير قد شرب. ولم يزل الداء يلح به ويضعف من جسمه ومن حواسه حتى كاد لا يقدر أن يقرأ كتابا أو صحيفة ولا أن يستوي جالساً في سريره. لكن ماذا؟ ها هو ذا فولتير يصح وينشط فلا دم يبصق ولا قدم تتورم وها هو ذا الطبيب قد أذن له بأكل بيضة وقطعة من الخبز، وحسو كأس من الماء ومثلها من الخمر كل يوم. وإذا عادت إلى فولتير صحته فقد عادت إلى الناس المسرات والأفراح. وأما الأطباء فوقفوا وقفة الحائر أمام هذا المرض العجيب وسرعة شفائه. وكان تمثيل الرواية قد تأجل ليشهده فولتير بنفسه، فلما شفى حكم الأدباء والفلاسفة فيها فأعجبوا بها إعجاباً شديداً فمثلت، ولكن فولتير لم يشهد التمثيل فقد سقط مرة أخرى وخيف أن تكون السقطة الأخيرة الهائلة. فعاده الأطباء فوصفوا لبن اتانٍ يتناوله فشفى بعض الشيء، وخرج إلى متنزه الشانزلزيه بعربته، فالتف الناس من حولها هاتفين: ليعش فولتير! ليعش فولتير! وقد كان السعيد منهم من يحظى بشعرة من ردائه.
لكن مما يؤلم أن فولتير أمسى بعد ذلك هائج البال، فاسد الرأي فقد سأل ان يبدلوا الممرضة بأخرى غيرها قائلاً أنى استحي أن اخلع ثيابي أمام تلك الفاتنه، فأبدلت بأخرى. ولكن هاهو ذا المرض يطل عليه زائراً مرة اخرى، ولكن هاهو ذا الشفاء يأتيه عائداً ثانية.
стр. 4345
أما الرواية (ارين) فقد مثلت ست مرات، وفي الأخيرة تجلت عظمة فولتير وكبر نفسه واضحين وقد شهدها فولتير، فلما انتهى التمثيل قام الشباب وجعلوا يتمسحون به ويلثمون يديه ويهتفون باسمه، ووصل إلى منزله تلك الليلة وما احسب أن أحداً وصل في الدنيا ليلاً إلى منزله وصوله.
أفاق الناس صباح ٢٣ أيار من سنة ثماني وسبعين وسبعمائة وألف، فإذا هم يتحدثون أن فولتير قد تورمت قدماه وانحبس بوله واصبح يبصق أفلاذ كبده وانه لا يرجى له شفاء.
وحقاً لقد وقع فولتير هذه المرة ويأس طبيبه من نجاته، أعاده الماريشال ريشيليو، وصف له دواءً يدفع عنه الأرق فتناوله فولتير دفعة واحدة فتعقد داؤه وعز دواؤه.
أضحى فولتير بعد هذه السقطة فارغ الصبر ضيق الصدر، هلوع النفس متلكئ الجسم يسب من حوله، ويضرب ممرضته، ويجافى حفيدته، وينظر إلى الناس بغير العين التي كان ينظر بها إليهم وكان يصرخ بين الحين والحين صراخاً عظيماً احتار في تعليله الأطباء، ولم يعرفوا إلى شفائه من سبيل. وممرضته كلت وملت وأسلمته إلى يد القدر إلا قليلاً. وأشار عليه صيدلي أن ينشق الأفيون، ففعل دون أن يدري طبيبه. والأفيون أنامه إنامة طويلة استفاق بعدها فإذا معدته لا تهضم اللبن الرائب. ومر به جراح شهير يدعى (ترى) وفحص مثانته وكليتيه وتوصل بحيلته وحدة ذكاءه ان يفتح للبول طريقاً بواسطة أنبوب طبي. وارتفعت درجة حرارته بعد ذلك كثيراً فأرقدوه في الجليد فما أفادوا شيئاً!!
وا حسرتاه! لقد فقد فولتير عقله أو كاد! لقد أضحى يرجع إلى أحشائه من فيه ما يخرج من احشائه، فكانت حفيدته تبكي كثيراً وتقبل عليه وتقول: مسيو فولتير! مسيو فولتير! لقد كنت مثال النظافة فانظر إلى أية حال مؤلمة قد صرت.
ومن الأطباء الذين اعتنوا بفولتير كثيراً ترونشين طبيبه الخاص وبلوري وتياري. وقد بذل هؤلاء الأطباء الحكماء أقصى ما وهبوا من حيله وذكاء لشفائه، فخاب سعيهم وما ازدادوا إلا جهلاً بالداء. ودخلوا عليه ذات ليله فإذا هو حائل اللون، ازرق الشفتين متصلب اليدين والقدمين، فأخذوا يعالجونه ساعة حتى أفاق وقال: آه! دعوني أسير إلى ربي. ثم اخذ يصيح صياحاً شديداً تهتز له النفس، وتسيل له الأفئدةهولاً وجزعاً. فعلل أطباؤه صراخه بوجع شديد لا يعرفون مصدره، وخافت الممرضة إذ رأته على هذه الحال، وخاف الأطباء
стр. 4346
أيضاً ولبثوا حتى منتصف الليل يعالجونه وينضحون جسمه بالماء فما أفادوه. وفي تلك الساعة المظلمة فاضت نفساً عظيمة بعد أن سجلت آثارها في سجل الخلود.
قيل إن فولتير مات مسموماً وأن يداً لم تعرف بعد قد دست له السم، وقال الأطباء نعم لقد مات مسموماً، ولكن اليد التي دست له السم هي يد دائه.
حماه
مهدي الجم الطرابلسي
стр. 4347
في الأدب الفرنسي
٨ - الدوق دي لارشفوكو
للدكتور حسن صادق
ولكي يخفف من حدة الإنكار قال في مكان آخر من كتابه (الحسد تقضي عليه الصداقة الحقيقية) (موعظة رقم ٣٧٦).
(مهما يكن الحب الصحيح نادراً، فانه أقل ندرة من الصداقة الخالصة) (موعظة رقم ٤٧٣). أيأنه يؤمن بندرة الصداقة النقية ولا ينكرها إنكاراً تاماً.
وحكمه على الصدق والوفاء ليس بأقل غرابة من حكمه على الفضائل السابقة: (الصدق هو إخلاص القلب ولا يتصف به إلا عدد قليل من الناس. أما الصدق الذي يرى عادة فهو مداهنة بارعة ترمي إلى اكتساب ثقة الغير) (موعظة رقم ٦٢) (بغض الكذب هو في الأغلب طموح دقيق غير محسوس إلى جعل أقوالنا تكسب منزلة رفيعة واحتراماً كالذي يلهمه الدين) (موعظة رقم ٦٣) (الوفاء الذي يبدو من كثرة الناس هو حيلة ابتكرها حب الذات لاجتذاب الثقة) (موعظة رقم ٢٤٧).
ولنذكر الآن ما قاله عن الحب: (لا يوجد إلا نوع واحد من الحب، ولكن منه صور زائفة لا حصر لها) (موعظة رقم ٧٤) (الحب كالنار لا يستطيع أن يحتفظ بوجوده إلا بالحركة المستمرة. ويصيبه العفاء في اللحظة التي يكف فيها عن أن يأمل أو يخشى) (موعظة رقم ٧٥) (مثل الحب الصحيح كمثل ظهور الأشباح، جميع الناس يتكلمون عنها، ولكن قليلاً منهم من رآها) (موعظة رقم ٧٦) (كثير من الناس لو لم يسمعوا أحاديث الحب، لما أحبوا) (موعظة رقم ١٣٦) (الغياب يخفف من وطأة الأهواء الضعيفة ويورث نار الأهواء القوية، كالريح تطفئ الشمعة وتوقد النار) (موعظة رقم ٢٧٦) (إذا اعتقد الإنسان انه يحب صاحبته فهو مخطئ) (موعظة رقم ٣٧٤).
ثم قال عن الغيرة: (الغيرة تستمد غذاءها من الشك، ويمحوها اليقين) (موعظة رقم ٣٢) (مبلغ ما في الغيرة من حب الذات، اكثر مما فيها من الحب) (موعظة رقم ٣٢٤) (الغيرة أكبر الشرور، واقلها استدراراً لشفقة الذين ينسجون أسبابها) (موعظة رقم ٥٠٣)
وهذا الرجل الذي كان يبجل النساء في حضرتهن، ولا يقول كلمة تؤذي شعورهن، قسا
стр. 4348
عليهن في مواعظه: (تمنع النساء نوع من الزينة يضفنه إلى جمالهن) (موعظة رقم ٢٠٤) (عفة النساء هي في الأغلب الحرص على سيرتهن وراحتهن) (موعظة رقم ٢٠٥) (الغرور وخشية العار وعلى الأخص المزاج، تعمل في الأغلب قيمة الرجال وعفة النساء) (موعظة رقم ٢٢٠) (الكثرة من النساء يبكين عشاقهن الذين يقضون نحبهم، لا لأنهن أحببن هؤلاء العشاق، ولكن ليظهرن أنهن جديرات بالحب) (موعظة رقم ٣٦٢) (قليل من النساء الشريفات من لم يسأمن عفتهن) (موعظة رقم ٣٦٧) (كثرة النساء الشريفات كنوز مخبأة، ليست في مأمن من العبث إلا لأن الرجال لا تبحث عنها) (موعظة رقم ٣٦٨) (الخليعات يفخرن بغيرة عشاقهن ليخفين الحسد الذي يضمرنه لغيرهن من النساء) (موعظة رقم ٤٠٦).
وحكمه على التواضع ليس بأقل قسوة من حكمه على العواطف والفضائل السابقة (لا يمدح الإنسان غيره عادة إلا ليمدح) (موعظة رقم ١٩٦) (قليل من الناس من يملك الحكمة التيتجعلهم يفضلون النقد الذي ينفعهم على الثناء الذي يخدعهم) (موعظة رقم ١٩٧) (رفض الإنسان المديح معناه الرغبة في ان يمدح مرتين) (موعظة رقم ١٩٩).
ويستمر لاروشفوكو في أحكامه على الأعمال والفضائل الإنسانية حتى يصل إلى هذا الحكم العام (تدخل الرذائل في تركيب الفضائل، كما تدخل السموم تركيب الدواء، التبصر يجمعها ويخفف من وطأتها ويستخدمها بنفع في مغالبة شرور الحياة وآلامها) (موعظة رقم ١٨٢).
وهو يعتقد أن الإنسان في حياته عبد لأهوائه وليست الإرادة شيئاً مذكوراً (في القلب جيل من الأهواء لا يفني، حتى أن زوال أحدها هو في الواقع طغيان هوى آخر عليه) (موعظة رقم ١٠). فالنضال الذي نعتقد انه قائم في دخيلتنا بين الهوى والعقل، بين الرغبة والواجب، هو سراب محض. (الحظ والشرف يحكمان العالم) (موعظة رقم ٤٣٥) (مهما يفخر الناس بأعمالهم العظيمة، فإنها في كثير من الأحيان ليست نتيجة تدبير عظيم، ولكنها نتيجة المصادفة) (موعظة رقم ٥٧) (جمع صفاتنا تقريباً تحت رحمة الظروف) (موعظة رقم ١٧٠) (يخيل إلى أن لأعمالنا نجوماً سعيدة وأخرى شقية ندين إليها بكثير من الثناء أو اللوم الذي يوجه إلينا) (موعظة رقم ٥٨).
وإذا كانت المصلحة الذاتية تقود الفرد والجماعة، فكيف نفسر هذا الشعور المعقد الذي يتبع
стр. 4349
ارتكاب أعمال مضادة للفضيلة، وهو الندم؟ يفسر لاروشفوكو الندم الخارجي، أي الاعتراف بالزلل بقوله: (إننا نعترف بخطايانا لنصلح الفكرة السيئة التي علقت بأذهان الغير عنا) (موعظة رقم ١٨٤). ويفسر الندم الباطني بقوله: ندمنا ليس أسفاً للشر الذي فعلنا بقدر ما هو خوف شر يصيبنا من جراء ما فعلنا) (موعظة رقم ١٨٠).
وبما أن المنفعة هي غرض الإنسان الوحيد، إذن يكون الخير الوحيد هو الخير المحسوس في إغفاله. وبما ان الموت هو نهاية كل شر، إذن الموت اكبر شر: (الشمس والموت لا يستطيع الإنسان ان يحدق فيهما) (موعظة رقم ٢٦).
وقد ظن بعض الناس أن لاروشفوكو يستعمل هذه الكلمات: في الاغلب، عادة، تقريباً، كثرة الناس، لياقة ومجاملة حتى يعتقد كل قارئ انه من المستثنين، ولكنه يستعملها على الأرجح لأنه يؤمن بوجود الفضيلة الخالصة، ولكنها نادرة. والدليل على ذلك انه لا يذكرها في بعض مواعظه. ولنضرب مثلاً: (الصدق إخلاص القلب. . . موعظة رقم ٦٢) فهو لا ينكر وجود الصدق، ولكنه يؤمن بندرته. وهو يتعدى بطريقته إلى كشف اللثام عن الفضائل الكاذبة التي يدعيها اكثر الناس.
ومواعظ لاروشفوكو على قسوتها تنفع الإنسان لأنها تجعله يتأمل نفسه ويراقب فضائله ويطهرها من الرذائل التي تختلط بها.
ولهذه المواعظ اثر كبير في تفكير فلاسفة أوربا النابهين أمثال كانت، وشوبنهور، ونيتشه، وبنتام، وستيوارت مل، وبييربايل وهلفسيوس وغيرهم. وسنتحدث عن هذا الأثر في فرصة أخرى أن شاء الله.
تم البحث
حسن صادق
стр. 4350
العلوم
استحالة الأجسام
بقلم منير غندور ليسانسييه في العلوم
لو سألت أحداً ممن لم ينالوا من العلم شيئاً من هو الكيميائي؟ لأجابك إن الكيميائي رجل يستطيع أن يحول الرصاص ذهباً، وهذا لا وجود له.
وهكذا علق في ذهن كل منا عندما قرا القصص القديمة إن الكيميائي هو الذي يستطيع ان يحول معدناً خسيساً إلى معدن ثان نفيس تحت تأثير قوة روحية سحرية.
الانتقال من عنصر إلى عنصر كان حلم الكيميائيين القدماء.
غلت المراجل أياما وليالي، واستحضر الكيميائيون الأرواح واستنجدوا بالأسرار، واوهم أناس أناساً بأنهم توصلوا إلى سر هذه المهنة، وأتت القصص تستعمل هذه المواضيع، وقضى بعضهم حياته ساعياً وراء هذا السراب الخلاب لينتظر قوة يجهلها تحول رصاصه ذهباً، ومضى عصر ثم عصر وعصور، دون أن يستحيل درهم من رصاص إلى عشر درهم من فضة أو ذهب!
واليوم وأين نحن من تحقيق هذه الفكرة؟ أين نحن من تحقيق خيال كيميائيينا القدماء؟
لسنا بعيدين قط عن تحقيقها، وان كنا لا نزال نقف أمام رصاصنا وقفة ذلك الكيميائي القديم يستنزل القوة. نعم لقد أصبحت استحالة الأجسام شيئاً خاضعاً للقوانين العلمية الثابتة.
ولكن القوة التي كانت تنقص الكيميائي القديم ليحقق خياله لا تزال تنقصنا لنحقق يقيننا العلمي. ومن يدري؟ فلعل ذلك الخيال كان في الحقيقة إلهاماً علمياً!
أثبت (ايفيزيك) أن المادة مركبة من وحدات متناهية الصغر تدعى كهارب، تدور بسرعة هائلة حول نواة وسطية كما تدور السيارات حول الشمس، وكل نظام من هذه النظم الصغيرة يشبه ما نسميه ذرة. هذه الكهارب هي نفسها في كل ذرة وفي ذرة أي عنصر. وإنما الذي يختلف إذا انتقلنا من عنصر إلى اخر، من النحاس مثلاً إلى الذهب، أو من الأزوت إلى (الهيدروجين) هو عددها والترتيب في مركبات النواة. (النواة بدورها مركبة من أجزاء صغيرة جداً تقسم إلى كهارب وإلى بروتون. وهي تحمل، أي النواة، كهربائية إيجابية.) فالانتقال إذاً من عنصر إلى عنصر شيء ممكن إذا استطعنا تبديل عدد هذه
стр. 4351
الكهارب أو تبديل الترتيب داخل النواة.
ان تركيب الذرة ودرس خصائصها هو في الحقيقة معقد اكثر من هذا بكثير على الأخص مع ما يكتشف في كل يوم في هذا الميدان، ودرس الذرات اصبح اليوم علماً مستقلاً بنفسه يقوم بالتنقيب فيه رجال كثيرون. ولكني اقتصر على هذا الشرح البسيط حرصاً إظهار الغرض الرئيسي من هذه الكلمة وهو إمكان استحالة الأجسام.
وهذه النظريات التي تقدم لنا الذرة على الوجه الذي شرحت لم تكن معروفة إلى عهد قريب. إذ كان من الثابت أن الذرة هي اصغر شيء يمكن الحصول عليه من عنصر ما فهي وحدة لا تتجزأ. والذي سمح للعلم أن يأخذ طريقه الجديد في شرح الذرات هي النتائج العظيمة التي قدمها درس الأجسام (ذات الإشعاع الفعال) - واكتشاف هذه الخاصة في هذه الأجسام يدين به العلم إلى فهو قد لاحظ قبل أن يكتشف مسيو كوري وامرأته الراديوم أن ملحاً من أملاح الايرانيوم يستطيع أن يعطي دون أي تأثير خارجي معروف أشعة مؤلفة من ثلاثة أقسام: أشعة ألفا (?) وهي مركبة من أجزاء مكهربة إيجابيا، من أشعة باتا (?) مركبة من كهارب ومن اشعة جاما وهي كأشعة
هذه الأجسام ذات الأشعة الفعالة تتفكك عندما تذيع ألفا (?) (وهذه مؤلفه من أجزاء مكهربة إيجابيا والآن أزيد على أنها من الهاليوم) وأشعة باتا (مؤلفة من كهارب سلبية كما رأينا) وتعطى ذرات جديدة مختلفة. وهكذا فالراديوم يتفكك عندما يذيع أشعة الفا وينتج ذرة جسم جديد كانوا يسمونه ذرور الراديوم ويدعى اليوم رادون ولكن هذا يتفكك بدوره فيصبح راديوم ثم راديوم ثم راديوم. . . وهكذا إلى أن يصبح رصاصا. وهناك أجسام أخرى من ذوات الإشعاع الفعال كالايرانيوم والطوريوم (وقد عرف من هذه الأجسام أربعون تقريباً) تتحول إلى أن تصير رصاصاً.
ولكن كيميائي هذه الاستحالة هو الطبيعة، ولا يمكننا أن نؤثر على هذا الكيميائي في شئ، فنحن لا نستطيع أن نجعل سير هذه الاستحالة اكثر أو اقل سرعة، ولا نستطيع تسبيبه ولا إيقافه.
يظهر لنا من هذا المثل أن الأجسام ذوات الإشعاع الفعال، وهي كلها ذوات وزن ذري مرتفع، هي في حالة توازن وقتي فتنفجر ذراتها تحت تأثير نجهله وتتحول إلى أجسام
стр. 4352
اضعف وزناً ذرياً وتحصل عندها على توازن مطلق.
غير أن الطبيعة تقدم لنا أمثلة في الاستحالة غير هذه تدلنا على أن تحول الأجسام يمكن أن يحصل دون انهيار أو تدن في الثقل الذري. ولنا في الأجرام السماوية آية على هذه الاستحالة: فالسدم يتركب كما يظهر من فحص طيفها على الأخص من هيدروجين ومن هاليوم. وإذا تتبعنا تطورها نرى أنها تتحول تدريجياً لتؤلف كواكب فيها اكثر العناصر التي نعرفها في الكيمياء. فهاليوم السدم وهايدروجانها قد تحولا إلى عناصر جديدة اقل بساطة وارفع ثقلاً ذرياً. ودرس الكواكب ونشوئها ومعرفة ما تتركب في مختلف حالات تطورها هو الذي جعل لوكيار يقول بتحول المادة قبل ان تكشف خصائص الأجسام ذوات الأشعة الفعالة.
ولكن هذه الاستحالة كتلك كيميائيها هو الطبيعة، والقوى التي يستخدمها لا قدرة لنا على إيجاد مثلها. فالحرارة التي تسود في تلك الطبقات والضغط الهائل هما القوة المستعملة ليتألف من تلك العناصر البسيطة كل باقي العناصر.
الآن وقد ظهر لنا كيف كان من الممكن استحالة ذرة إلى ذرة وكيف أن الطبيعة تعطينا أمثلة من هذه الاستحالة أريد أن أقول كلمة في المحاولات التي أجريت لتحقيق فكرة استحالة العناصر عمليا.
إن ما يصح أن نعتقد به الآن كتجربة علمية لاشك فيها هو ما قام به العالم الإنكليزي ريتفورد لقد سلط ريتفورد مقذوفات جسم ذي إشعاع فعال، أجزاء الفا، على بضعة عناصر: الأزوت، البور، الفوسفور، الصوديوم، الألمنيوم والفليور. فتفككت هذه العناصر تحت تأثير هذه القذائف التي تسير بسرعة ٢٠ ألف كيلومتر في الثانية وأعطت هيدروجين. غير أن كمية الهيدروجين كانت متناهية القلة.
وما عدا هذه النتيجة فكل ما قام به المجربون، وهم كثيرون، لا يزال يشك في صحته، ولذا لا أرى لذكره فائدة.
نشط العلماء في جميع أنحاء العالم يواصلون جهودهم للتوصل إلى نتيجة نهائية. وليس من العسير علينا أن نفهم اندفاع هؤلاء العلماء في هذه المضمار، فالوصول إلى استحالة الأجسام بطريقة ما يتغير فكرتنا عن المادة وعن الحياة، نستطيع أن ننتقل من عنصر إلى
стр. 4353
عنصر، لقد ألغيت الحاجة! الحاجة كما يصورها مجتمعنا الحالي لأنه سوف تخلق حاجات لاوجود لها الآن.
لا نحتاج لنحمل إلى البشرية اختراعاً (لا يقل أهمية عن اكتشاف الرجل القديم للنار) إلا قوة اشد مما عرفنا إلى الآن، قوة من أي نوع كانت. ولنا الحق في الأمل بأننا سوف نصل قريباً، فالكهرباء تعطينا في كل يوم قوة لم نكن نتخيل الوصول إليها.
وقد توصل الدكتور (فان دي جراف) إلى توليد مجرى كهربائي تحت ضغط عشرة ملايين (فولت) وسيزيد عدد (الفولتات) ويزيد. . أو سنكتشف قوة جديدة لا نشك بوجودها فنمزق الذرة كيفما شئنا ونتصرف فيها كيفما أردنا ونحقق حلم كيميائيينا القدماء.
منير غندور
стр. 4354
٢ - إسحاق نيوتن١٦٤٢ - ١٧٢٧
للأستاذ مصطفى محمود حافظ
رجوعه إلى كامبردج:
تركنا نيوتن في مقالنا السابق يغادر مزرعته ذاهباً إلى كامبردج للمرة الثانية، بعد أن احتجزه الطاعون مدة سنتين بعيداً عن مكتبة الجامعة ومعاملها، مما كان سبباً مباشراً في عدم ظهور قانون الجذب العام في هذه الفترة، وظهر متأخراً بين عاصفة من المناقشات والأحقاد
نال الأستاذية بعد سنة من رجوعه، ثم اختارته الكلية زميلاً وقد كان لهذه الزمالة فوق ميزة الشرف ميزة أخرى مادية كان نيوتن في اشد الحاجة إليها في ذلك الوقت الذي لم يكن له فيه من مورد سوى ما كانت توفره له أمه من دخلها الصغير.
اشتغل نيوتن بإتمام صنع تلسكوبه العاكس الصغير وكان طوله ست بوصات، وتمكن بواسطته من رؤية المشتري وأربعة من أقماره (المشترى له تسعة أقمار). ولكنه كان يعمل دائماً على تحسين هذا التلسكوب العاكس. وكان عدا اشتغاله بإجراء التجارب الكيميائية يقوم بمساعدة أستاذه (إسحاق بارو) في إعداد محاضراته في الرياضة، وقد ساعده أيضاً في تصحيح محاضراته الضوئية، ولكنه لم يجرؤ على أن يخطئ أستاذه فيما كان يعتقد في طبيعة الضوء الأبيض على أساس ما وصل إليه هو من تجربة المنشور الثلاثي وفي سنة ١٦٦٩ غادر الأستاذ (بارو) كامبردج تاركا كرسيه في الجامعة مرشحاً خلفاً له فيه إسحاق نيوتن الشاب، وقد عين فيه، فكان يحاضر في البصريات والجاذبية وعلم الجبر، ولكنه ظل يعني بأبحاثه العلمية وإصلاح تلسكوبه الأول.
الجمعية الملكية بلندن وعضوية فيها:
نشأت هذه الجمعية في سنة ١٦٤٥ من نفر من ذوي الميول الفلسفية، كانوا يجتمعون في مواعيد معينه في لندن في كلية (جراشام). وفي سنة ١٦٦٠ بلغ عدد أعضائها ٤١ عضواً واتفقوا على ان يدفع العضو عشرة شلنات رسما للدخول في الجمعية وشلناً أسبوعيا قيمة الاشتراك فيها.
стр. 4355
وقد ساعد الملك (تشارل الثاني) هذه الجماعة لميله إلى العلوم وفي سنة ١٦٦١ اصبح عضواً في هذه الجمعية الناشئة التي سميت الجمعية الملكية.
ولما أتم نيوتن صنع تلكسوبه الثاني في سنة ١٦٧١ آثار به اهتماماً كبيراً، ونصح له أن يقدمه إلى الجمعية الملكية، ففعل، ولا تزال تحتفظ به الجمعية إلى الآن. وقد انتخب عضواً فيها في يناير سنة ١٦٧٢ فكان أول ما قدمه إليها رسالة عن طبيعة الضوء الأبيض، فكانت أول حلقة في سلسلة المتاعب التي لازمته طول حياته.
لقد كانت نظرية نيوتن تقول بان الضوء الأبيض ليس في الواقع إلا عدة ألوان تؤثر كلها في شبكية العين فتعطي تأثير اللون الابيض، ويمكن تفريق اللون الأبيض إلى هذه الألوان المتعددة بإمراره في منشور ثلاثي من الزجاج مثلاً. ولكنه اخطأ واعتبر أن مقدار الانكسار لا يتغير لكل من مكونات الضوء الأبيض غير ملاحظ ما يسببه اختلاف نوع الزجاج المستعمل في تغير هذا المقدار.
عارضه في ذلك من معاصريه العالم (روبرت هوك) الذي ظل منافساً قوياً له فيما بعد، والفيلسوف الهولندي (كرستيان هيجز) صاحب النظرية الموجية في الضوء، والفلكي المشهور (فلامستيد). كما عارض فكرته من غير معاصريه الشاعر الألماني العظيم (جوت) رغم قصر باعه في العلوم الطبيعية.
نظرية نيوتن في ماهية الضوء
وقد جر الجدال حول هذه النقطة نيوتن إلى أن يضيع بضع نظريته في الطبيعة الضوء، وهي نظرية (الدقائق) التي قضت على النظرية الموجية بالاختفاء قرناً كاملاً.
قال نيوتن في تفسير الضوء انه عبارة عن (دقائق) صغيرة تنطلق من الجسم المضيء وتسير بسرعة كبيرة في خطوط مستقيمة، وقد فسر على هذا الأساس ظاهرتي (الانعكاس) و (الانكسار) وذلك بأن رأى لدقائقه أطواراً تجعلها تنعكس مرة وتنكسر أخرى. وقد شرح على أساس هذه النظرية كل الظواهر الضوئية التي كانت معروفة في عصره كالحيود والتداخل بشروح تتراوح بين البساطة والتعقيد وقد دافع نيوتن عن نظريته هذه بكل ما أوتي من ذكاء، فظلت مأخوذاً بها عند اغلب علماء الطبيعة حتى أوائل القرن التاسع عشر، حينما بدأت النتائج العلمية تؤيد النظرية الموجية، فاختفت نظرية نيوتن ولم يعد يؤبه لها
стр. 4356
مما جعل البعض من المتحيزين إلى نيوتن يقولون انه لم يكن يقصد إلى وضع نظرية كاملة لطبيعة الضوء، إنما كان يقصد الرد على معترضي فكرته في الطبيعة اللون الأبيض فوضع ما يقرب من أن يكون نظرية. ولكن الأبحاث الأخيرة في (نظرية الكم) التي وضعها (بلانك) تكاد تؤيد (دقائق) نيوتن، وهي أن فعلت فان نيوتن يكون قد سبق معاصريه بما يقرب من ثلاثمائة عام.
وقد أراد نيوتن أن يثبت علمياً دوران الأرض حول نفسها فأرسل إلى الدكتور هوك، وهو سكرتير الجمعية الملكية في ذلك الوقت، يقترح تجربة لإثبات ذلك، بإلقاء جسم من مكان عال. فإذا كانت الأرض ساكنة فان الجسم يسقط في خطر رأسي، وإلا فانه يحيد عن ذلك الخط بقليل. وقد وافقه هوك ملاحظاً أن ذلك يتوقف على موضع إجراء التجربة على سطح الأرض.
ظهور قانون الجذب العام:
ذكرنا في المقال السابق أن نيوتن اعرض عن قانون الجذب العام حينما وجد أن العمليات الحسابية الخاصة بحركة القمر لا تتفق مع ما ذهب إليه من أن القمر يتحرك حول الأرض بقوة جاذبيتها له، وكان ذلك الاختلاف راجعاً كما قلنا إلى الخطاء في تقدير نصف الكرة الأرضية، وانه بتجاربه في الكيمياء والبصريات وبإلقاء المحاضرات. ولكن لما وصل إلى الجمعية الملكية نبأ قيام العالم الفرنسي (بيكار) بقياس طول محيط الكرة الأرضية وذلك بقياس المسافة بين كل درجتي طول متتاليتين (٦٩ ميلاً) وضرب ذلك في ٣٦٠ (عدد درجات الطول) أدرك نيوتن خطأه في تقدير نصف قطر الكرة الأرضية، فرجع إلى كامبردج وأكب على ما ذهب إليه في (وولثورب)، وهو أن قانون الجاذبية هو قانون كوني عام. فالأرض تجذب كل جسم على سطحها بقوة تتناسب طردياً مع حاصل ضرب الكتلتين، وتتناسب عكسياً مع مربع المسافة بينهما. وكذلك الأرض تجذب القمر بنفس هذه القوة. والشمس بدورها تجذب الأرض وبقية الكواكب السيارة، فيتسبب عن ذلك دوران هذه الكواكب حول الشمس بدلاً من انطلاقها في خطوط مستقيمة كما ينص على ذلك قانون القصور الذاتي
ولن ينقص من قيمة هذا القانون ما يقول به (اينشتين) من أن الجاذبية شيء نسبي، وأن
стр. 4357
التفاحة التي لاحظ نيوتن إنها تنجذب إلى الأرض يمكن اعتبارها جاذبة الأرض إليها، وان الشخص الجالس في مصعد يهوي بتأثير ثقله لا يشاهد سقوط التفاحة إلى ارض المصعد أن هو تركها من يده، بل يلاحظ بقاءها معلقة في مكانها، وان ظواهر الجاذبية يمكن تعليلها كلها بفرض تكور الكون؛ لا يمكن أن ينقص كل ذلك من قيمة قانون الجذب العام مادام هذا القانون يفسر لنا جل الظواهر الكونية. ولا صحة مطلقاً للقول الشائع بان (اينشتين) قد هدم نيوتن، فكل ما فعله هو انه نظر إلى قوانين نيوتن من ناحية غير الناحية القديمة.
اثبت نيوتن هذا القانون في سنة ١٦٨٢، ولكنه لم ينشر آراءه خوفاً من حملات النقد التي كان يتحاشاها قدر جهده، وفضل ان تنشر بعد موته: وفي سنة ١٦٨٣ وصل الدكتور (هوك) ودكتور (هالي) وسير (كرستوفريرن) إلى جزء من قانون نيوتن، وهو أن قوة جذب الأرض تتبع قانون التربيع العكسي وأخذوا يبحثون لإيجاد مسير كوكب متحرك إذا كان منجذباً إلى نقطة معينه بقوة تتناسب عكسياً مع مربع المسافة بينهما، وكان الأمل الذي يجول في قرارة أنفسهم هو إثبات ان حركات الكواكب حول الشمس ترجع إلى ما يشبه قانون الجاذبية على سطح الارض، ولكنهم لم يفلحوا. فوعد سير (كرستوفريرين) بإهداء كتاب قيمته جنيهان لمن يعين هذا المسير، فقال دكتور (هوك) بان هذا المسير سيكون قطعاً ناقصاً ولكنه لم يقدم البرهان على ذلك. فقصد (هالي) إلى كامبردج وعرض الأمر على نيوتن فوجده قد اشتعل بهذه المشكلة وحلها، وأخبره أن هذا المسير يكون قطعاً ناقصاً ووعده بالبرهان بعد قليل. وقد بر نيوتن بوعده فأرسل بالبرهان إلى (هالي) بعد ثلاثة اشهر. ولكن (هالي) أراد التأكد من بعض نقط فرحل مرة أخرى إلى كامبردج، ثم طلب من نيوتن أن يقدم بحثه إلى الجمعية الملكية فوافق بعد إلحاح
مصطفى محمود حافظ.
مدرس بمدرسة المعلمين بانبابة
стр. 4358
من القصص الشعري
إسلام حمزة
بقلم فريد عين شوكه
مر أبو الحكم بن هشام (أبو جهل) برسول الله عند الصفا فأذاه وشتمه ونال منه، فلم يرد عليه. ثم انصرف أبو جهل وعاد الرسول إلى بيته وعاد حمزة بن عبد المطلب من صيده فمر بالصفا فحدثته مولاة لعبد الله ابن جدعان بما كان من أمر أبى جهل مع الرسول؛ فغضب حمزة وراح يبحث عن أبى جهل حتى إذا بصر به في ناد من قريش ضربه بقوسه فشج رأسه شجة منكرة، ثم أعلن إسلامه في هذا الجمع، وعلمت قريش أن الرسول قد عز وامتنع بإسلام عمه حمزة.
الرسول يجلس على الصفا مطرقاً إلى الأرض، تراه المولاة فتقول:
لك الله من ناصب مُتَعب … يجاهد في بلد مشغَب
تحمل فيه صفوف العذا … ب فلم يستبد ولم يغضب
وأوذى من أهله الظالمين … وشرّد في حيّه الأقرب
وقاسى بمكة ذل الغريب … وذاق من المهد يُتمَ الأب
(تسعى إليه تستضيفه عندها)
محمد (ينظر إليها)
لا تسترح بيننا … على ذلك الحجر المجدب
ونحن جوارك تحت الظلا … ل بوادٍ وفير الجنى مخصب
يطالعنا بشهي الثما … ر ويجري بمورده الأعذب
الرسول (إليها):
دعيني هنا أسترح ساعة
هي (مستنكرة) … على ذلك الجامد الملهب؟
وكيف تطيق لهيب الرما … ل وترتاح في وهج السبسب؟
هُلمَّ إلى حيّنا فاسترح … قليلاً بمربعنا الأرحب
يظلك فيه وريف الغِرا … س فتغفو على ظله الطّيب
стр. 4359
الرسول (شاكراً):
رعتكِ العناية، لن أستطيع … ثواءً بواديكُم المُعشبِ
هي (متضرعة): أطعني
الرسول (زاهداً): دعيني
ترثي له الفتاة ثم تمضي عنه في صمت، ويطرُق ثانية إلى الأرض؛ ثم يمر به أبو جهل فيرفع رأسه بشدة:
أنت هنا … فريداً عن الصحبة الهُرَّب
تجالد وحدَك ذل الخرو … ج على دين آبائك الأشهب
الرسْول (في هدوء): معي الله
أبو جهل (ساخراً):
خلك من فرية … يضيق بها صبية الملعب
وأسطورة جئت تسعى بها … وتزعم أنك فينا نبي
وانك قائدنا في الحيا … ة وهاد لمن ضل في الغيهب
ألا ما أضلك من قائد … وأخسفك اليوم من كوكب
فمن أنت حتى تقود الأنام … وتهد يهمو وضع المذهب
ومن أنت حتى نصيخ إليك … ونمشي على نهجك الأنكب
وكيف وأنت مهيض الجنا … ح ومن ذلك النفر المترب
أليس لدى الله من يصطفيه … سواك من المرد والشيب
محمدُ أسرفت فيما دعوت … ولكن غرسك لم يعقب
وأشفق منا عليك الرجال … فجاءوك بالمال والمنصب
وأقبلتَ تسخر من عطفهم … وتزرى برأيهم الأصوب
فلم نسعَ بعدُ بعُتب إليك … فما أنت والله بالمعتب
ولكن سنصليك سوط العذا … ب ونفريك بالناب والمخلب
ينصرف عنه الرسول غير مجيب فيهدده أبو جهل صارخاً:
فأما نكصت وإما هلكتَ … وموتك ليس بمستصَعب
стр. 4360
ثم ينصرف أبو جهل ويمر حمزة عائداً من الصيد يقول:
يوم أغرُّ على الجزيرة مشرقُ … كالبدر في جنح الدجى يتألق
عالجت فيه الصيد جد مظفر … ورجعت منه مجلياً لاُ يلحق
كم صدت من ظبي به وكواسر … عصماَء كانت في السماء تحلّق
تسمع صوته المولاة فتخرج إليه فتستوقفه لترى ظبيه:
أرنيهِ حمزةُفينعطف عليها فتراه وتقول:
ياله من شادن … تهوى رشاقته النفوس وتعشق
دعه لدىِّ أبا عمارة منحةً
حمزة (في تيه): أمل لعمرك سوف لا يتحقق
إن كنت تائقة إليهِ مشوقة … بجمال بزَّته فإني أشوق
هي: بل خلّه
حمزة (وهو يأخذه منها):
لن أستطيع فإنما … هو كل ما أبني وما أتعشق
هي (وقد جدت بعد هزل)
تالله ما يغنيك ظبي صدته … وحماك صيد مستباح مطْلق
حمزة (غاضباً):
كذباً زعمتَ فإنما أنا قسور … تعنو لطلعته القلوب وتفرق
وأنا اعز شباب مكة كلها … وحماي ارفع ان ينالَ واشهق
هي (ساخرة):
خفف عليك فقد تصدع شمله … وغدا على عبث الحوادث ينتِقِ
حمزة (هائجاً):
كيف استبيح؟
هي: أما رأيتَ محمدا … يرمي بما يوهي الجبال ويمحق
ومحمد أبن أخيك كيف يصيبه … هذا العذاب وفيك قلبُ يخفق
حمزة (غاضباً):
стр. 4361
منَ ذا استطال عليه أم من ناله … بأذىً؟
هي (متحسرة): أبو الحكم الجهول الأحمق
لاقاهُ قبلكَ بالسفاهةِ والأذى … وقسا عليه وهو مغض مطرق
يرنو إليه بمقلتى متضرع … فيفيض في سفه الحديث ويُغرق
سفنه تضج له السماء العلى … والأرض من غلوائه تتشقق
وأذى تخر له الجبال صريعة … وتهى لمسمعه النفوس وتصعق
حتى إذا ضاق النبي بكل ما … لاقاه من عنت يؤود ويرهق
ترك الصفا ثبت الجنان وكله … شكوى تفيض وأدمع تترقرق
حمزة (وقد بلغ به الغضب):
ويل لعمرٍ ومن حسام في يدي=قاسي الطعان يشيب منه المفرق
ويل له حتى يصير فريسة … تفرى حشاها الضاريات وتعرق
لو كنت حاضره على هذا الصفا … لأصاب مني مارداً لا يرفق
صبراً نبي الله سوف يصيبهم … مما رموك به شواظ محرق
ثم يذهل عما كان معه من ظبي الطيور ويهم بافتقاد أبي جهل، ويشرف على ناد بقريش فيراه أحدهم من بعد فيحادث جلساءه وهو مرتاع:
انظروا حمزة:
فينظر ثم يقول أكثرهم:
شر مدلهْم … بين عينيه ونار تضطرمْ
بعضهم:
ويحه أي مصاب هاجه … فأتى يعبس كالخطب الملْم
يأتي حمزة فيقول إليه:
إنه يا حمزة:
حمزة (ثائراً): الهوبُ لظى … بين أحشائي قاس يحتدم
ثم ينظر فيهم:
أين هذا الوغد
стр. 4362
هم (إليه): من ذا تبتغي
هو (في اضطراب): … أخبروني أين يا قوم جثم
يقبل أبو جهل من جهة أخرى فيراه حمزة فيضربه بقوسه قائلَا:
أنت أقبلتَ؟ فخذها ضربة=يرتوي منك بها قوسٌ نَهِم
أبو جهل (وقد وقع على الأرض):
أدركوني … (فيقبل البعض عليه)
حمزة (وقد أحاط به بعض الشجعان يمنعونه):
بل دعوني أسقه … أكؤس الموت وأكواب العدم
واحد منهم:
اصطبر حمزة لا تهتج فم … سكن المهتاج إلا وندم
ثم يتحايلون عليه حتى يجلس فيتحادثون:
ما الذي نالك من عمرو
حمزة: لقد=نال مني قومي كثيراً وظلم
كل يوم يشتفي في ابن أخي … بسباب دونه أقسى الحمم
وإذا ما شامه أغرى به … صبية الحيّ وأوشاب الخدم
هم (في ترفق):
سوف نرجوه فلا يقربه … بأذى
حمزة (مستنكرا) =ترجونه فيما اجترم؟
هانت الدنيا إذا لم احمه … أينما حل وأيانَ قدم
من أناسيّ كربع دارس … كاد من فرط البلى أن ينهدم
أسد في غير ساحات الوغى … وهُم إن جدت الحرب نَعَم
ثم يسكت قليلاً ويهم واقفاً:
بلغي يا ريح عني واحفظي … أيها الصحراء واشهد يا حرم
أنني أسلمت لله فلن … أخفض الهامة مني لصنم
وسأعلي دينه الحق على … مفرق العُربْ وهامات العجم
стр. 4363
(ثم يمضي والقوم في لغط واضطراب)
فريد عين شوكة
стр. 4364
الكتب
تحضير الميزانية المصرية
للدكتور محمد توفيق يونس
نشر الدكتور محمد توفيق يونس رسالته التي نال بها أخيراً إجازة الدكتوراه في الحقوق من الجامعة المصرية بدرجة (جيد جداً) مع شرف الامتياز بتبادلها مع الجامعات الأجنبية.
وموضوع الرسالة (تحضير الميزانية المصرية) وهو موضوع من أقوى الموضوعات المالية نفعاً، أعظمها خطراً، وأشدها اتصالاً بعمل الحكومة والبرلمان، أعمقها أثراً في حياة البلاد وتقدمها.
وعلى الرغم من ذلك كله ظل هذا الموضوع مجهولاً حتى جاءت هذه الرسالة القيمة أزاحت الستار عنه وألقت عليه ضوءاً ساطعاً أنار جوانبه جميعاً.
ويزيد هذا البحث جلالاً وخطراً انه بني على أبحاث قيمة عميقة، ومشاهدات واقعية ودقيقة، ووثائق أصلية ثمينة، تستفرغ الجهد المضني وتستنفد الوقت الطويل.
وقد رتب المؤلف أبحاثه ترتيباً منطقياً سليماً وصور للقارئ الميزانية المصرية تصوراً علمياً سديداً، فأرجع موضوعاتها إلى أصولها العلمية وسماها بمسمياتها الصحيحة، وطبق عليها مبادئ علم المالية العامة، أخضعها للبحث العلمي الدقيق، وجعل منها مجموعة متماسكة الأجزاء، محكمة الارتباط، واضحة المعنى.
بيّن للجمهور الحالة الحاضرة للميزانية المصرية من الوجهتين العلمية والعملية بعد ان تكلم عن حالتها في الماضي ومختلف تطوراتها. وقد درسها فوق ذلك دراسة نقدية، ووقف إزاء ما يعرضه من مسائل موقفا إيجابيا، وبين ما يراه من الوسائل المؤدية لحلها، فمهد بذلك الطريق لمن يتبعه من الباحثين، أعطى كل من يهمه أمر الميزانية المصرية من الشيوخ والنواب والموظفين والطلبه مرجعاً قيماً ثميناً، شديد الأهمية جزيل الفائده، خصوصاً ولم يكن أمامهم قبل ذلك أي بحث آخر يعبد السبيل وينير الموضوع.
وليس أدل على موضوع هذا البحث مما يقوله المؤلف في ختام مقدمته: (على هذا الأساس الواقعي بنيت رسالتي جاعلاً نصب عيني أن أرى القاريء، في تحضير الميزانية، كيف تصبح مجموعة من التقديرات الأولية المبعثرة مجلداً ضخماً منسقاً؛ وأن أصور له الميزانية
стр. 4365
المصرية تصوير الكائن المستقل له أجزاؤه ومميزاته مقدماً إليه بياناً عن جميع ألادوار التي تمر بها في مرحلة التحضير محدداً ومحللاً المبادئ والقواعد التي تتصل بها وتقوم عليها).
ولقد حقق المؤلف غرضه أتم تحقيق، وبلغ ولاشك غايته على خير ما يكون، فقدرت الجامعة المصرية رسالته اعظم تقدير ومنحته أسمى درجاتها، وصادف عمله نجاحاً عظيماً واهتماماً شديداً في الأوساط العلمية والدوائر الحكومية. والكتاب أنيق الطبع جيد الورق يباع في جميع المكاتب الشهيرة وثمنه عشرون قرشاً.
زعامة الشعر الجاهلي
بين امرئ القيس وعديّ بن زيد
تأليف الأستاذ عبد المتعال الصعيدي
الأستاذ عبد المتعال الصعيدي أديب مجتهد واسع الاطلاع، يعجبك منه إذا حادثته دماثة خلقه، ورقة طبعه، وسرعة بديهته، ومن آثاره الأدبية هذا الكتاب الذي أحدثك عنه، وهو يقع في نحو مائة وثلاثين صفحة من القطع الكبير.
ابتدأ الأستاذ كتابه بفصل من ميزان الشعر وقد تساءل في هذا الفصل (هل يوزن الشعر بموضوعه او يوزن بألفاظه ومعانيه أو يوزن بهما معاً؟ وإذا كان يوزن بهما معاً فما الذي ينظر إليه قبل غيره منهما؟) ثم تكلم في هذا الفصل عن الشعر وأغراضه، وعقد فصلاً آخر عن الشعر الحضري والشعر البدوي ثم وصف نجداً وتكلم عن كندة وتغلب، ثم ترجم لامرئ القيس وشرح عقيدته وتعرض للغته وشعره، وأورد طرفاً من شعره في لهوه وجده، وبعد ذلك انتقل إلى عدي ابن زيد فتكلم عن الحيرة وعن حياة عدي ولغته وشعره، وأورد أيضاً شيئاً منه، ثم تكلم عن منزلة الشاعرين إجمالاً ووازن بينهما في النهاية فجعل الزعامة لعدي بن زيد.
فالكتاب كما ترى جدير بان يقرأه الأدباء، فسيجدون في قراءته متعة، وسيظفرون منه بكثير من المعلومات الشيقة المفيدة ولهم بعد ذلك أن يوافقوا الأستاذ فيما ذهب إليه أو يخالفوه.
стр. 4366
أما أنا فأخالفه وأراه متحيزاً في حكمه، وأرى هذا التحيز نتيجة لازمة لمقدمته عن ميزان الشعر فقد جعل الأساس في وزن الشعر أغراضه، وقسم هذه الأغراض إلى شريفة وغير شريفة، دون أن يحدد هذا التقسيم، ثم اظهر ميله إلى شعر الحضر ونفورة من شعر البادية فجعله غليظاً خشناً ليس فيه من المحاسن إلا وصف جمال الطبيعة إن كان ثمة من جمال في البادية! وعلى هذا الأساس قدم عدياً لشرف أغراضه ورقته التي اكتسبها من الحضر مع انه يقول في صفحة ١٤ (ولا نريد من هذا ان الأدب الحضري في جملته كان خيراً من الأدب البدوي في جملته، وقد يوجد من أدباء البدو من كان خيراً من بعض أدباء الحضر ومن أدباء الحضر من كان خيراً في أدبه اقل من بعض أدباء البدو) ولكنه أراد ان يقدم عدياً فتكلف، واضطر إلى أن يغمط امرأ القيس كثيراً من محاسنه، هذا إلى أنى أخالف الأستاذ الفاضل في قوله عن الشعر (ان موضوعاته هي أغراضه وألفاظه هي معانيه، ومعانيه هي ألفاظه، ولا يمتاز اللفظ عن المعنى إلا في مظهر وجوده في اللسان ووجود المعنى في الذهن).
لا أستطيع أن اقره على هذا الرأي، ولا أجده يحتمل المناقشة أو بعبارة أخرى أجد المناقشة فيه لا تنتهي، فإن المناقشة في البديهيات تخرج عن الموضوع إذ أنها تبدأ من قضية مسلمة ومن نقطة نهائية.
أما عن قياس الشعر بأغراضه فإني أرى الأمر على عكس ما يراه الاستاذ، فلم تتسنى الموازنة بين شاعرين، إذا أردنا تفضيل أحدهما على الآخر إلا إذا اتفقا في الغرض، أو على حد تعبير أدبائنا إلا إذا اتحدا في المدرسة، أما أن يختلفا في البيئة والغرض فنجعل من ذلك مقياساً للموازنة بينهما فما لا أسلم به إلا إذا استطعنا أن نوازن موازنة تنتهي بحكم تفضيلي بين أبي نؤاس وعمر بن أبي ربيعه مثلاً أو بين البحتري والمعري أو بين شوقي والبار ودي. . . الخ.
ولكني إذا خالفت الأستاذ في بعض آرائه فلا يسعني إلا أن أعلن إعجابي بدقته في البحث واستقصائه لتفاصيل الموضوع وإلمامه به، هذا إلى جمال عبارته ودقة أدائه مما يجعل كتابه جديراً بالاقتناء، خليقاً بالدرس في روية وإمعان.
محمود الخفيف
стр. 4367
العدد ٥٢ - بتاريخ: ٠٢ - ٠٧ - ١٩٣٤
стр. 4368
في الموقف الأدبي الحاضر
كان ظهور (الملاح التائه) و (وراء الغمام)، وصدور (الوادي) في لونها الجديد سبباً قريبا في حدوث هذه الضجة الأدبية القائمة. لان الديوانين على رغم ما قيل فيهما نتاج من الطراز الأزل يستحق العناية ويستوجب النقد ويستدعي الخلاف؛ ولان الشاعرين - وان كانا بحكم ثقافتهما غريبين عن العالم الأدبي - قد جذبا إليهما الأنظار، وعطفا عليهما الأنصار، بالطبع الموهوب والذوق الناقد. فلكل منهما في كل قهوة رقيب ورفيق، وفي كلحيفة عدو وصديق، وفي كل ناد مكبر ومنافس؛ ولان الوادي قد أخذت منذ حين تفتح لأدب الشباب (محضراً) في كل أسبوع، وقد تطوع للشهادة له وعليه أساتذة النقد في الجهاد والبلاغ. وكانت الحملة عنيفة على احبي الديوانين لحظهما الوافر من الإجادة ومحلهما الرفيع من الفن؛ فكابد الشاعر الطبيب مبضع العقاد، وقاسى الشاعر المهندس معول المازني. وكان الدفاع عنهما ألكن الحجة أرعن الدليل، لصرفه الجهد في رد المآخذ، ولو عني بتبيين المحاسن كما عني بتحسين المساوئ لأخفى ما ظهر تحت مجهر النقد من ضئال العيوب في بهر الجمال وروعة الصنعة. ولكل عمل من أعمال الناس جهة للمدح وجهة للذم لا تتشابهان على ناظر. والنقدناعة دقيقة لا يحسنها في الغالب إلا شيوخ الادب، لانهم استكملوا عدتها، واكتسبوا ملكتها بإدمان الدرس وطول المران وكثرة التجربة، فرد مآخذهم إذا برئت من الشطط والاعتساف يكون في الكثير الغالب من وراء القدرة الشابة.
كان أسلوب النقد ولا سك مشوبا بصلف الاستاذية، وعنت الحزازة، وعبث التهكم. وحجة النقاد انهم بالطبيعة أولياء الفن، وأمناء هيكله، وأصحاب اذنه، فلا يجمل بهم أن يخلوا فيه من لا يثبت معدنه على شدة السبك، ويخلص جوهره على تقصي النظر؛ وان الأدب اعسر من أن ينال بالدعوى العريضة، والدعاية المريضة، والأساليب الملفقة.
وكان طبيعيا أن يأنف الشباب من هذه اللهجة، ويألموا من هذه الشدة، ويزعموا أن هناك ائتمارا بهم وإنكارا بأدبهم، فيسوء ظنهم بالنقد، وتفيض مجالسهم بالشكوى، ويقابلوا الأستاذية بالتمرد، والحزازة بالعناد، والتهكم بالحنق، وبسطوا الأمر على انه نزاع بين أدبين: قديم يشتهيه الموت، وجديد تبتغيه الحياة، وتنفرج الحال أخيرا بين جيلين مقام الأول من الثاني مقام المدرب المشفق، والمرشد الناصح، والدليل المجرب.
إن شيوخ الأدب وشبابه إنما يصطنعون أدوات واحدة، ويعالجون موضوعات متقاربة،
стр. 4369
وينتجون نتائج متشابهة. فتاريخ الأدب يوم يكتب عن هذه الفترة لا يجد للشباب أسلوبا خاصا يسجله، ولا مذهبا جديدا يحلله، ولا أثرا مستقلاً يشرحه ويعلله. إنما هي مطامح الفتوة إلى المثل الذي توحيه الطبيعة، وتقتضيه الفطرة، ويلهمه الاطلاع، تحاول همتهم الوثابة أن تدنيهم منه فيقعد بهم عجز الوسيلة ونقص العدة.
وليس يسوغ في العقل أن يعد التسامح في اللغة والتساهل في الأسلوب والتجاوز عن القواعد ميزة، فان باس الشباب لم ينكسر أمام الشيوخ إلا في هذه الناحية.
والحق أن المسارعة إلي الإنتاج العام قبل استكمال وسائله الأولى غميزة بينة في أدب الجيل الحديث. فان الإلمام باللغات الأجنبية، والوقوف على قواعد الفن الاوربية، لا يجعلان المرء كاتبا في العربية ما لم يدرس هذه اللغة دراسة قوية نزدها طيعة لقلمه، لينة على لسانع، والاعتماد في اكتساب الأدب على محاكاة النماذج وتقليد المثل لا يقوم عليه فن ثابت، ولا ينهض به فنان معدود. وما كان المثل ليغني عن القاعدة وهو لا يضيء إلا ناحية من الطريق، والقريحة نفسها، وهي غريزة الأدب وافن في الإنسان، ليست من الكمال اليوم بحيث تجزى عن القواعد؛ كذلك الذوق وهن أداة الجمال كما أن العقل أداة الحق، لا يمكن أن يكون طريقا مأمونة إلى عمل أدبيحيح. فانه موهبة طبيعية تختلف في الناس وفي الأجناس. وتحتاج إلى المران بالدرس والعادة، وليس لها ما للعقل من سلطان وثبوت؛ وانك لتجد عقلا مطلقا مستقلا لا يختلف ولا يتغير، لان هناك حقيقة مستقلة تتميز بالوضوح والجلاء، ولكنك لا تجد مهما استقريت واستقصيت ذلك الذوق المطلق المستقل الذي لا يختلف باختلاف الألوان والأزمان والأمكنة. أما القواعد فهي نتيجة التجارب وخلاصة الملاحظات على طول القرون. وضعتها القرائح المنطقية المتعاقبة بعد أن فقهت أصول الأشياء، ودرست علائق هذه الاصول، واستخلصت نتائج هذه العلائق، ثماغت هذه النتائج قواعد وقالت لك إنها امثل الطرق لاحسان العمل دون أن تخضع عبقريتك إليها، ولا أن تسمح لهواك بالخروج عليها، فان بين الاستبداد والفوضى نظاما أحق أن نؤثر ويتبع.
وبعد، فان الفنان والناقد إنما يتعاونان على فهم الجمال، كما يتعاون القاضي والمحامي على فهم العدل، فليس من الخير لأحدهما أن يكون مع الآخر على حد منكب؛ وان الأدب الشيخ
стр. 4370
والأدب الشاب ليتعاونان على قيادة النفس، كما يتعاون البصر والجناحان على قيادة الطائر. فليس من خير أحدهما أن يكون من الآخر على قطيعة.
والأدب الرفيع من بعد ذلك كلهلة المرء بربه، ينفي الأذى عن لسانه ويذهب الغل عن قلبه.
أحمد حسن الزيات
стр. 4371
ديمقراطية الطبيعة
للأستاذ أحمد أمين
يعجبني البحر في جماله وبهائه، وجلاله ولا نهايته، ويعجبني كذلك في ديمقراطيته، فهو لا يسمح لأحد أن ينغمس في مائه إلا إذا تجرد من كل المظاهر الكاذبة التي خلقتها المدنية، يجب أن يتجرد أولا من ملابسه التي تميز بين الغني والفقير، ومن ريائه ونفاقه ومظاهره التي اصطنعها ليجعل من الناس طبقات يتحكم بعضها في بعض. ففي البحر تتساوى الرءوس، لا غني ولا فقير، ولا ذو جاه ولا عديم الجاه، ولا عالم ولا جاهل , ولا حاكم ولا محكوم، لا يتميزون بشيء فلا بلباس البحر، وفي الحقيقة ليس هو لباس البحر، وإنما هو لباس البر، فليس للبحر لباس إلا ماؤه. ودليل انه لباس البر أن الناس حاولوا به أن يتميز بعضهم من بعض، واتخذوا منه شعارا للغنى والأناقة واللباقة والوجاهة، والبحر لا يعرف شيئا من ذلك، إنما يعرف ذلك البر، ومن اجل هذا سرعان منا ينغمس الناس في البحر، فيسدل بمائه الأزرق الجميل ستارا على كل أثواب الرياء حتى لا ترى بعد إلا رءوسا عارية لا يميز بينها شيء من الصنعة، ثم هو يرسل أمواجه تداعب الناس على المواء، فتغازل الأسود كما تغازل الابيض، وتصفع الجميل كما تصفع القبيح، وتعبث بلحية العالم، كما تلعب براس الجاهل، وأحيانا يهيج هائجه، وتثور حفيظته، فيزفر من الغضب، حتى ليكاد يخرج من لهابه، ويطفر من ثيابه، ويربد وجهه فيلفظ بالزبد، وينتفخ ويرتعد، ويرقص من غير طرب؛ وهو في هذه الحال لا ينسى ديمقراطيته، يأتي للباخرة الضخمة قد أخذت زخرفها وإزَّينت وظن أهلها انهم قادرون عليه فيبتلعها في لحظة، لا تغني عنه محصنات العلم القديم ولا الحديث، كما يبتلع أحيانابيا وديعا وشيخا ضعيفا، ليبرهن انه لا يعبا بقوة ولا ضعف، ولا يخشى باس كمي، ولا يرحم ضعف اعزل، سواء هو في هزله وجده، وسواء هو في حلمه وغضبه ـ ما اجمل البحر، وما اجله، وما ألطفه، وما أقساه!
على أنه يظهر لي أن الطبيعة في جملتها ديمقراطية لا أرستقراطية، ولا أرستقراطية إلا في الإنسان الكاذب، فالشمس ترسل أشعتها الذهبية، والقمر أشعته الفضية، على الماس سواء: على المؤمن والكافر، والأسود والابيض، والغني والفقير، والقصر الكبير.
ويأتي الجو بريح سموم فتلفح وجوه الناس على السواء، لا تميز عظيما ولا حقيرا، ولا
стр. 4372
شريفا ولا وضيعا؛ ثم يأتي بريح طيبة تنعش الناس كذلك، لا يعرف في شيء من ذلك محاباة، ولا يعرف طبقات، ولا يعرف أي نوع من أنواع التفاوت التي تواضع عليها الناس، يرسل في الصيف شواظا من نار فيدخل على الأمير في قصره، وعلى الفقير في كوخه، فلا يهاب عظيما، ولا يحتقر وضيعا، ويرسل في الشتاء برده القارس فلا يستطيع أن يتقيه الغني بصوفه وملابسه، ولا بمدفأته وناره؛ كما لا يتقيه الفقير في عدمه وبؤسه؛ ثم تطلع شمس جميلة، ويعتدل الجو، فتحتضن الطبيعة الناس على السواء وتكون لهم جميعا أما حنونا، مشفقة بارة_أن تحدث الباشا أو البيك في نفسه بأنه فوق طبقات العامة، وانه يستطيع في شرع العرف والعادة أن ينعم بما لم ينعموا، فتفسح له الطريق، ويخلى له السبيل، وتفتح له أبواب المجتمعات، ويعامل أولاده وأقاربه بما لا يعامل به الفقراء، فلن تحدثه نفسه أن يمتاز من الفقير في حر ولا برد، ولا نور ولا ظلام، فان أخطأ فيذلك وظن انه يغالب الطبيعة في شيء من قوانينهافعتهفعة أمن بعدها بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأدرك انه أن علا الناس بماله أو جاهه، وان تلاعب بأوضاع النام لسخف الناس، فهو أمام أوضاع الطبيعة حقير ذليل.
ثم يأتي القدر فينثر نعمه ونقمه، وشره وخيره على الناس جميعا، فصحة في الأغنياء والفقراء، وشره وخيره على الناس جمنعا، فصحة في الأغنياء والفقراء، ومرض في الأغنياء والفقراء. وتجد غنيا فاتر القوى منقوف الوجه، يبيت يتضور من الألم، يود لو خرج عن كل ماله وجاهه لتعود إليهحته، وبجانبه فقير مستحكم الخلقة، متين البنية، ممتلئ قوة وشدة وصلابة_وتجد جمالا في الأغنياء والفقراء، وقبحا في الأغنياء والفقراء، فهذه فقيرة مشرقة الجبين، افية الاديم، مفرطة الجمال، معتدلة القوام، لا تفتح العين على اجمل منهاورة، ولا أتم منها حسنا؛ وهذه سيدتها الغنية دميمة الخلقة، منكرة الطلعة، تنبو عن منظرها الأحداق، وتتفادى من مراها الأبصار، تريد أن تتجمل بالصناعة والأصباغ والحلي والملابس، فلا يزيدها ذلك كله إلا قبحا، على حين أن جارتها الفقيرة جميلة في طبيعتها، جميلة في بساطتها، جميلة حتى في ثيابها المهلهلة!
وللقدر في ذلك بدع، فاشهر طبيب في القلب يموت بالقلب، واعظم جراح يموت بالتسمم. وتلد الفلاحة الفقيرة في الطريق وهي حاملة قدرتها مملوءة ماء على رأسها، ثم يقطع
стр. 4373
(الخلاص) وتحمل طفلها وتذهب إلى بيتها سالمة غانمة؛ وسيدتها الغنية يحلل دمها وغير دمها قبل الوضع، ويعقم كل شيء في حجرة ولادتها، ويقف مشاهير الطبيبات والأطباء على بابها، حتى إذا أذنت ساعة الولادة بالقدوم استخدم كل ما وصل إليه الطب الحديث، والكيمياء بالحديثة، والعلم الحديث، وأمعنت جمهرة الأطباء في التطهير والنظافة واتخاذ وسائل الراحة والحصانة، وغير ذلك مما لم أذكر منه إلا قليلا؛ ثم هي بعد تصيبها حمى النفاس، ويقف الطب والعلم دهشا حائرا، ثم تسلم الروح إلى ربها، هازئا بكل ذلك القدر.
وهناك نوع من الأرستقراطية غريب، هو الأرستقراطية العلمية، فالمتعلمون ذوو الشهادات يعدون أنفسهم_وربما عدهم الناس أيضا_نوعا ممتازا من الناس، يختلفون عنهم نوعا من الاختلاف، ويرتفعون عليهم نوعا من الرفعة، كما ترتفع طبقة الأغنياء وكما ترتفع طبقة الامراء، فالمتعلم ينظر إلى أخيه الشقيق الجاهل نظرة فيها شيء من التعاظم، وشيء من الازدراء، وشيء من الغرور، وان ساواه في الدم، وان ساواه في الغنى أو الفقر، وهو لغروره يظن أن شهادته تخوله الحق أن تكون آراؤه في كل شيء خير الآراء، وان غير الجامعي لا يحق له أن يبدي رأيا بجانب رايه، حتى فيما ليس له اختصاص له اختصاص فيه.
وهو كذلك نوع من الأرستقراطية الكاذبة لا تعبا بها الطبيعة ولا تعيرها أي التفات، فقد جعلت بين المتعلمين أذكياء وأغبياء، وجعلت بين الأميين أذكياء وأغبياء، بل من غرور المتعلمين أن يسموا من لم يقرا ولا يكتب جاهلا وأميا ونحو ذلك من الأسماء، ويسموا من يقرا ويكتب متعلما، كأن وسيلة العلم والحكمة والعقل القراءة والكتابة وحدهما، ونحن لو نحينا غرور المتعلمين جانبا لهزئنا بالقراءة والكتابة في كثير من الأحيان، ولوجدنا وسيلة من وسائل الرقي، ولكن بجانبهما وسائل أخرى، ولوجدنا انهما لا تستحقان هذا الغرور الذي ينشئ نوعا من الأرستقراطية، فالحكمة في تصريف الأمور لا تعتمد على التعليم الجامعي، وسعة العلم كما تعتمد على الفطرة البشرية، والغريزة الإنسانية. ومن ثم قد ترى الجامعي الحائز لاقى الشهادات العلمية وهو أخرق في الحياة، سعيه في التصرف، وأخاه الذي يسمونه جاهلا أميا حكيما في تصرفه مدبرا لشؤونه وشؤون اخوته الجامعيين، وترى الأمة قد تصاب على يد متعلميها في أحوالها السياسية والاجتماعية اكثر مما تصاب على يد
стр. 4374
جاهليها، والفلاح القروي الأمي قد يرزق من الحزم في تصريفه، وبعد النظر في آرائه، وصدق الشعور في وطنيته، ما لا يرزقه أخوه الأستاذ في الجامعة أو العالم الحائز لأرقى الدرجات العلمية، بل قد يصدر من الرأي العام الجاهل في شؤون وطنه، وفي المسائل الهامة التي عرض عليه ما يفوق رأي متفلسفة المشرعين، وحيل القانونيين.
إن نظرنا إلى الذكاء، فالذكاء مشاع بين المتعلم والجاهل، وان نظرنا إلى حكمة التصرف، والحزم في إدارة الأمور، وتدبير شؤون الحياة، فذلك أيضا أمر مشاع بين الناس، ففيم غرور المتعلمين وإنشاؤهم أرستقراطية بجانب أرستقراطية الأموال والأعمال والطبقات. يطالبون أن يكال لهم المال جزافا، ويطالبون ألا يهينوا أنفسهم في عمل، ويطالبون أن يكون ميراثهم من آبائهم اكبر نصيب، ويطالبون أن يكون زبدة ما تخرجه الأمة لهم وحثالته لما يسمونه الجاهلين.
ما اسعد الأمة تخفف من غلوها فغي أرستقراطيتها، بجميع أنواعها، وتقلد الطبيعة في ديمقراطيتها واعتدالها.
احمد أمين
стр. 4375
موت أم
للأستاذ مصطفىادق الرافعي
رجعت من الجنازة بعد أن غبرت قدمي ساعة في الطريق التي ترابها تراب وأشعة، وكانت في النعش لؤلؤة آدمية محطمة هي زوجةديق طحطحتها الأمراض ففرقتها بين علل الموت، وكان قلبها يحيها فأخذ يهلكها، حتى إذا دنا أن يقضي عليها رحمها الله فقضى فيها قضاءه. ومن ذا الذي مات له مريض بالقلب ولم يره من قلبه في علته كالعصفورة التي تهتلك تحت عيني ثعبان سلط عليها سموم عينيه!
كانت المسكينة في الخامسة والعشرين من سنها، أما قلبها ففي الثمانين أو فوق ذلك؛ هي فيسن الشباب وهو متهدم في سن الموت.
وكانت فاضلة تقيةالحة، لم تتعلم ولكن علمها التقوى والفضيلة , واكمل النساء عندي ليست هي التي ملأت عينيها من الكتب فهي تنظر إلى الحياة نظرات تحل مشاكل وتخلق مشاكل؛ ولكنها تلك التي تنظر إلى الدنيا بعين متلألئة بنور الأيمان تقر في كل شيء معناه السماوي فتؤمن بأحزإنها وأفراحها معا، وتأخذ ما تعطى ن يد خالقها، رحمة معروفة أو رحمة مجهولة. هذه عندي تسمى امرأة، ومعناها المعبد القدسي؛ وتكون الزوجة، ومعناها القوة المسعدة؛ وتصير الام، ومعناها التكملة الإلهية لصغارها وزوجها ونفسها.
ومهما تبلغ المرأة من العلم فالرجل اعظم منها بأنه رجل، ولكن المرأة حق المرأة هي تلك التي خلقت لتكون للرجل مادة الفضيلة والصبر والإيمان، فتكون له وحيا وإلهاما وعزاء وقوة، أي زيادة في سروره ونقصا من آلامه.
ولن تكون المرأة في الحياة اعظم من الرجل إلا بشيء واحد هوفاتها التي تجعل رجلها اعظم منها.
ومشيت من البيت الذي ألبسته الميتة معنى القبر_إلى القبر الذي البس الميتة معنى البيت. وأنا منذ مشيت في جنازة أمي_رحمها الله_لا أسير في هذه الطريق مع الأحياء، ولكن مع الموتى، فاتبعديقا ليس رجلا ولا امرأة لأنه من غير هذه الدنيا، وامشي في ساعة ليست ستين دقيقة لإنها خرجت من الزمن، ولا أرى الطريق من طرق الحياة لأنني فيحبة ميت؛ وتصبح للأرض في رأيي جغرافية أخرى عمى الناس عنها لشدة وضوحها، كالألوهية
стр. 4376
خفيت من شدة ما ظهرت.
يقولون: أن الحياة هي. . . هي ماذا، ويحكم أيها المغرورون؛ أفلا ترون هذه الصلة الدائمة بين بطن الأم وبطن الأرض؟
لعمري كيف تجعل هذه الحياة للناس قلوبا مع قلوبهم، فيحس المرء بقلب، ويعمل بقلب آخر؛ يعتقد ضرر الكذب ويكذب، ويعرف معرة الإثم ويأثم، ويوقن بعاقبة الخيانة ثم يخون؛ ويمضي في العمر منتهيا إلى ربه_ما في ذلك شك_ولكنه في الطريق لا يعمل إلا عمل من قد فر من ربه. . .
هبت الريح في السحر على روضة غناء فطابت لها فعقدت
عقدتها أن تتخذ بها بيتا في ذلك المكان الطيب لتقيم فيه. . .
يالها من حكمة من التدبير! تزعم الريح الإقامة على حين كل
وجودها هو لحظة مرورها، وتحلم بالقرار في البيت وهي لا
تملك بطبيعتها أن تقف.
يالها حكمة سامية! لا يسكنها من المعنى إلا اسخف ما في الحمق!
همد الحي وانطفأت عيناه، ولكنه تحرك في تاريخه مما ضيق على نفسه أو وسع، واصبح ينظر بعين من عمله أما مبصرة أو كالعمياء؛ فلو تكلم يصف الحياة الدنيا لقال: أن هذه النجوم على الأرض مصابيح مأتم أقيم بليل. وما اعجب أن يجلس أهل المأتم في المأتم ليضحكوا ويلعبوا!
ولو نطق الموتى لقالوا: أيها الأحياء، أن هذا الحاضر الذي يمر فيكون ماضيكم في الدنيا هو بعينه الذي يكون مستقبلكم في الآخرة، لا تزيدون فيه ولا تنقصون. وان الدنيا تبدأ عندكم من الأعلى إلى الأدنى، من العظماء إلى الفقراء؛ ولكنها تنقلب في الآخرة فتبدأ من الفقراء إلى العظماء؛ وانتم ترسمونها بخطوط المطامع والحظوظ، ويرسمها الله بخطوط الحرمان والمجاهدة. أن التام على الأرض من تم بمتاعها ولذاتها، ولكن التام في السماء من تم بنفسه وحدها.
стр. 4377
يا أسفا! لن يعول الميت للحي شيئا، ومن يدرن؟ لعلنا ونحن نلحد للموتى وننزلهم في قبورهم يرون بأرواحهم الخالدة إننا نحن موتاهم المساكين، وإننا مدفونون في القبر الذي يسمونه (الكرة الأرضية)! وهل الكرة الأرضية من اللإنهاية إلا حفرة برجل نملة لتدفن فيها نملة. . .
الحياة. أتريد أن تعرفها على حقيقتها؟ هي المبهمات الكثيرة التي ليس لها في الآخر إلا تفسير واحد: حلال أو حرام.
ورجعنا مع الصديق إلى بيته، وله خمسة أطفالغار لو أنهم هم الذين انتزعوا من أمهم لترك كل واحد على قلبها مثل المكواة المحمى عليها في النار إلى أن تحمر. ولكن أمهم هي التي انتزعت منهم، فكان بقاؤهم في الحياة تخفيفاً لسكرة الموت عليها. وغشيتها الغشية فماتت وهي تضحك، إذ تراهم نائمين تحت جناح الرحمة الإلهية الممدود، وقالت: إنها تسمع أحلامهم، وكانوا هم عقلها في ساعة الموت!
تبارك الذي جعل في قلب الأم دنيا من خلقه هو، ودنيا من خلق أولادها! تبارك الذي أثاب الأم ثواب ما تعاني، فجعل فرحهاورة كبيرة من فرحغارها!
وجاء أكبر الأطفال الخمسة وكأنه ثمانية أرطال من الحناة، لا ثمانية ـعوام من العمر؛ جاء إلينا كما يجيء الفزع لقلوب مطمئنة، ' ذ كان في عينيه الباكيتين معنى فقدم الأم!
وطغت عليه الدموع فتناول منديله ومسحها يبدو الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها!
وظهر الانكسار في وجهه يعبر ببلاغة انه قد أحس حقيقة ضعفه وطفولته بازاء المصيبة التي نزلت به؛ وجلس مستسلماً تترجم بيئته معاني هذه الكلمة (رفقا بي!)
ثم تطير من عينه نظرات في الهواء كأنما يحس أن أمه حوله في الجو ولكنه لا يراها.
ولا يصدق إنها ماتت؛ فانوتها حي في أذنيه لا يزال يسمعه من أمس.
ثم يعود إلى وجهه الانكسار والاستسلام، ويتململ في مجلسه فينطق جسمه كله بهذه الكلمة (يا أمي!)
أحس_ولا ريب_أنه بمضيعة حدودها الحياة، لان الوجود كان أمه.
ولمس خشونة الدنيا منذ الساعة، بعد أن فقد الصدر الذي فيه وحده لين الحياة، لان فيه قلب
стр. 4378
أمه وروحها.
وشعر بالذل ينساب إلى قلبه الصغير لان تلك التي كان يملك فيها حق الرحمة فد أخذت منه وتركته بلا حق في أحد، وليس لأحد أمان.
ولبسته المسكنة لان له شيئا عزيزا أصبح وراء الزمان فلن يصل إليه.
ولبسته المسكنة لأنهار وحده في المكان، كما هو وحده في الزمان.
وارتسم على وجهه التعجب بأنه يسأل نفسه: (إذا لم تكن ـمي هنا، فلماذا أنا هنا؟!)
ثم تغرغرت عيناه فيخرج منديله ويمسح دمعه بيده الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها!
ونهض الصغير ولم ينطق بذات شفة. نهض يحمل رجولته التي بدأت منذ الساعة.
انتهت - أيها الطفل المسكين - أيامك من الأم؛ هذه الأيام السعيدة التي كنت تعرف الغد فيها قبل أن يأتي معرفتك أمس الذى مضى، اذ يأتي الغد ومعك أمك.
وبدأت - أيها الطفل المسكين - أيامك من الزمن، وسيأتي كل غد محجباً مرهوباً؛ إذ يأتي لك وحدك، ويأتي وأنت وحدك!
الأم؟ يا إلهي، أيغير على الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم؟!
مصطفىادق الرافعي
стр. 4379
في تاريخ القضاء في مصر الإسلامية
صور من استقلال القضاء وصور من خضوعه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم تعرف نظرية فصل السلطات الحديثة كثيراً في العصور الوسطى، ولم تطبق بالأخص في ظل الأنظمة المطلقة التي سادت في تلك العصور، فالسلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية التي تقوم الدولة الحديثة على مبدأ الفصل بينها، كانت تجتمع في ظل الأنظمة المطلقة في نفس اليد العليا التي تصرف في سائر الشئون العامة. ولم تشذ الدول الإسلامية عن هذه القاعدة، فقد كان الخليفة أو السلطان أو الأمير نجمع في شخصه كل السلطات ويزاولها مجتمعة أو منفردة على يد عماله. نعم كان هناك توزيع للسلطات، ولكن نظري محض، فقد كانت أصول التشريع قائمة تعدل وتفسر في ظل الدول المختلفة طبقاً لمختلف النزعات المذهبية والسياسية، وكان للقضاء جهة خاصة يعمل في دائرتها، وكان الوزراء ومن إليهم من الكتاب والعمال يمثلون الناحية التنفيذية: ولكن هذه الجهات الثلاث التي تقابل السلطات الثلاث في الدولة الحديثة كانت تمتزج دائماً من الوجهة العملية، وتخضع دائماً سواء منفردة أو مجتمعة لرأي الخليفة أو السلطان أو الأمير؛ وكان هذا الرأي دائما فوق كل قانون وقضاء ونظام، وان كان في معظم الأحيان يلتمس له ظاهر من القانون أو النظام.
وكان القضاء كالسلطة التنفيذية دائماً عرضة للتأثير والتدخل ولكن السلطة العليا كانت تؤثر، في معظم الأحيان، أن تبدو في الظاهر محترمة لرأي القضاء بعيدة عن التأثير في سير العدالة. ذلك أن القضاء كان يتشح دائما بثوب الدين، ويستمد سلطانه من كتاب الله وسنة رسوله، فكان التدخل المرغوب كثيرا ما يحمل طابع التفسير لنص من النصوص. وكان القضاة أعوان السلطان قبل أن يكونوا أعوانا للعدالة، وتقدير استقلال القضاء وحريته يرجع قبل كل شيء إلى السلطان: وقد كان ثمة خلفاء وسلاطين يقدرون استقلال القضاء، وينحنون أمام كلمته؛ وكان ثمة قضاة أقوياء النفس والجنان يتمسكون برأيهم وسلطتهم في الحكم، ويأنفون من التدخل والتأثير. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي تؤيد هذه الحقيقة نورد بعضها في هذا الفصل، وهي مما يتعلق بتاريخ القضاء في مصر الإسلامية.
стр. 4380
كان من قضاة مصر في أوائل القرن الثالث الهجري، الحارث بن مسكين، ولي قضاء مصر الأعلى من قبل الخليفة المتوكل سنة ٢٣٧هـ. ويصف لنا الكندي مؤرخ قضاة مصر حتى منتصف القرن الرابع، شخصية الحارث بن مسكين وطريقته في الحكم، نقلا عن ابن قديد، وهو فقيه ومحدث مصري عاصر الحارث وعرفه. كان الحارث شخصية غريبة قوية، وكان شديد الحرص على حريته واستقلاله، وكان مقعداً، يركب حمارا مبرقعا، ويحمل في محفة إلى مجلس الحكم بالمسجد الجامع (جامع عمرو)، وكانارما شديد الوطأة جريئا في أحكامه يأبى تلقى الولاة والسلام عليهم. وطلب إليه أن يلبس السواد، وهن شعار بني العباس فأبى حتى انتهى بعض أصحابه بإقناعه بأنه إذا لم يرتد السواد اتهم بالانحراف عن بني العباس والميل إلى بني أمية، فارتدى عندئذ كساء اسود من الصوف. وكان كثير الاجتهاد والابتكار في إجراءاته وأحكامه. ويورد لنا الكندي طرفا من هذه الإجراءات والأحكام، ويذكر لنا كيف أن الحارث بن مسكين آثر الاستقالة على قبول التدخل في أحكامه. وذلك أنه رفع إليه نزاع على ملكية دار الفيل، وهي إحدى دور الفسطاط الشهيرة، وكانت لأبي عثمان مولى الصحابي مسلمة بني مخلد الأنصاري؛ وكان قد قضى في شإنها قبل الحارث عدة من قضاة مصر، فقضى فيها أولا هرون بن عبد الله بإخراج بني البنات من العقب باعتبار أن لا حق لهم في الميراث؛ ولكن خلفه محمد بن أبى الليث قضى بإلغاء هذا الحكم، وحكم لبني السائح المدقين بنصيبهم في الدار؛ فلما رفع النزاع مرة أخرى إلى الحارث بن مسكين، فسخ حكم بن أبى الليث، وقضى بإخراج بني السائح من الميراث، فسافر ابن السائح إلى بغداد، ورفع إلى الخليفة المتوكل تظلما من حكم الحارث والتماسا بإعادة النظر في قضيته، فأحال المتوكل القضية إلى الفقهاء، فحكموا فيها على مذهب الكوفيين، وقضوا بإلغاء الحكم، وكان حكم الحارث على مذهب المدنيين. فلما بلغ الحارث ما وقع، كتب في الحال إلى المتوكل يرفع إليه استقالته من منصبه؛ وقدر المتوكل دقة الموقف فقبل الاستقالة، وكتب وزيره إلى الحارث بقبولها فيما يأتي (إن كتابك وصل باستعفائك فيما تقلدت بأمر القضاء بمصر، وأمر (أمير المؤمنين) أيده الله بإجابتك إلى ذلك. . استعافا لك مما سالت، وتفضل لما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل بحسبه) وغادر الحارث بن مسكين منصبه سنة ٢٤٥هـ، وضرب باستقالته مثلا
следующие страницы →