Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
خفيت من شدة ما ظهرت.
يقولون: أن الحياة هي. . . هي ماذا، ويحكم أيها المغرورون؛ أفلا ترون هذه الصلة الدائمة بين بطن الأم وبطن الأرض؟
لعمري كيف تجعل هذه الحياة للناس قلوبا مع قلوبهم، فيحس المرء بقلب، ويعمل بقلب آخر؛ يعتقد ضرر الكذب ويكذب، ويعرف معرة الإثم ويأثم، ويوقن بعاقبة الخيانة ثم يخون؛ ويمضي في العمر منتهيا إلى ربه_ما في ذلك شك_ولكنه في الطريق لا يعمل إلا عمل من قد فر من ربه. . .
هبت الريح في السحر على روضة غناء فطابت لها فعقدت
عقدتها أن تتخذ بها بيتا في ذلك المكان الطيب لتقيم فيه. . .
يالها من حكمة من التدبير! تزعم الريح الإقامة على حين كل
وجودها هو لحظة مرورها، وتحلم بالقرار في البيت وهي لا
تملك بطبيعتها أن تقف.
يالها حكمة سامية! لا يسكنها من المعنى إلا اسخف ما في الحمق!
همد الحي وانطفأت عيناه، ولكنه تحرك في تاريخه مما ضيق على نفسه أو وسع، واصبح ينظر بعين من عمله أما مبصرة أو كالعمياء؛ فلو تكلم يصف الحياة الدنيا لقال: أن هذه النجوم على الأرض مصابيح مأتم أقيم بليل. وما اعجب أن يجلس أهل المأتم في المأتم ليضحكوا ويلعبوا!
ولو نطق الموتى لقالوا: أيها الأحياء، أن هذا الحاضر الذي يمر فيكون ماضيكم في الدنيا هو بعينه الذي يكون مستقبلكم في الآخرة، لا تزيدون فيه ولا تنقصون. وان الدنيا تبدأ عندكم من الأعلى إلى الأدنى، من العظماء إلى الفقراء؛ ولكنها تنقلب في الآخرة فتبدأ من الفقراء إلى العظماء؛ وانتم ترسمونها بخطوط المطامع والحظوظ، ويرسمها الله بخطوط الحرمان والمجاهدة. أن التام على الأرض من تم بمتاعها ولذاتها، ولكن التام في السماء من تم بنفسه وحدها.
стр. 4377
يا أسفا! لن يعول الميت للحي شيئا، ومن يدرن؟ لعلنا ونحن نلحد للموتى وننزلهم في قبورهم يرون بأرواحهم الخالدة إننا نحن موتاهم المساكين، وإننا مدفونون في القبر الذي يسمونه (الكرة الأرضية)! وهل الكرة الأرضية من اللإنهاية إلا حفرة برجل نملة لتدفن فيها نملة. . .
الحياة. أتريد أن تعرفها على حقيقتها؟ هي المبهمات الكثيرة التي ليس لها في الآخر إلا تفسير واحد: حلال أو حرام.
ورجعنا مع الصديق إلى بيته، وله خمسة أطفالغار لو أنهم هم الذين انتزعوا من أمهم لترك كل واحد على قلبها مثل المكواة المحمى عليها في النار إلى أن تحمر. ولكن أمهم هي التي انتزعت منهم، فكان بقاؤهم في الحياة تخفيفاً لسكرة الموت عليها. وغشيتها الغشية فماتت وهي تضحك، إذ تراهم نائمين تحت جناح الرحمة الإلهية الممدود، وقالت: إنها تسمع أحلامهم، وكانوا هم عقلها في ساعة الموت!
تبارك الذي جعل في قلب الأم دنيا من خلقه هو، ودنيا من خلق أولادها! تبارك الذي أثاب الأم ثواب ما تعاني، فجعل فرحهاورة كبيرة من فرحغارها!
وجاء أكبر الأطفال الخمسة وكأنه ثمانية أرطال من الحناة، لا ثمانية ـعوام من العمر؛ جاء إلينا كما يجيء الفزع لقلوب مطمئنة، ' ذ كان في عينيه الباكيتين معنى فقدم الأم!
وطغت عليه الدموع فتناول منديله ومسحها يبدو الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها!
وظهر الانكسار في وجهه يعبر ببلاغة انه قد أحس حقيقة ضعفه وطفولته بازاء المصيبة التي نزلت به؛ وجلس مستسلماً تترجم بيئته معاني هذه الكلمة (رفقا بي!)
ثم تطير من عينه نظرات في الهواء كأنما يحس أن أمه حوله في الجو ولكنه لا يراها.
ولا يصدق إنها ماتت؛ فانوتها حي في أذنيه لا يزال يسمعه من أمس.
ثم يعود إلى وجهه الانكسار والاستسلام، ويتململ في مجلسه فينطق جسمه كله بهذه الكلمة (يا أمي!)
أحس_ولا ريب_أنه بمضيعة حدودها الحياة، لان الوجود كان أمه.
ولمس خشونة الدنيا منذ الساعة، بعد أن فقد الصدر الذي فيه وحده لين الحياة، لان فيه قلب
стр. 4378
أمه وروحها.
وشعر بالذل ينساب إلى قلبه الصغير لان تلك التي كان يملك فيها حق الرحمة فد أخذت منه وتركته بلا حق في أحد، وليس لأحد أمان.
ولبسته المسكنة لان له شيئا عزيزا أصبح وراء الزمان فلن يصل إليه.
ولبسته المسكنة لأنهار وحده في المكان، كما هو وحده في الزمان.
وارتسم على وجهه التعجب بأنه يسأل نفسه: (إذا لم تكن ـمي هنا، فلماذا أنا هنا؟!)
ثم تغرغرت عيناه فيخرج منديله ويمسح دمعه بيده الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها!
ونهض الصغير ولم ينطق بذات شفة. نهض يحمل رجولته التي بدأت منذ الساعة.
انتهت - أيها الطفل المسكين - أيامك من الأم؛ هذه الأيام السعيدة التي كنت تعرف الغد فيها قبل أن يأتي معرفتك أمس الذى مضى، اذ يأتي الغد ومعك أمك.
وبدأت - أيها الطفل المسكين - أيامك من الزمن، وسيأتي كل غد محجباً مرهوباً؛ إذ يأتي لك وحدك، ويأتي وأنت وحدك!
الأم؟ يا إلهي، أيغير على الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم؟!
مصطفىادق الرافعي
стр. 4379
في تاريخ القضاء في مصر الإسلامية
صور من استقلال القضاء وصور من خضوعه
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم تعرف نظرية فصل السلطات الحديثة كثيراً في العصور الوسطى، ولم تطبق بالأخص في ظل الأنظمة المطلقة التي سادت في تلك العصور، فالسلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية التي تقوم الدولة الحديثة على مبدأ الفصل بينها، كانت تجتمع في ظل الأنظمة المطلقة في نفس اليد العليا التي تصرف في سائر الشئون العامة. ولم تشذ الدول الإسلامية عن هذه القاعدة، فقد كان الخليفة أو السلطان أو الأمير نجمع في شخصه كل السلطات ويزاولها مجتمعة أو منفردة على يد عماله. نعم كان هناك توزيع للسلطات، ولكن نظري محض، فقد كانت أصول التشريع قائمة تعدل وتفسر في ظل الدول المختلفة طبقاً لمختلف النزعات المذهبية والسياسية، وكان للقضاء جهة خاصة يعمل في دائرتها، وكان الوزراء ومن إليهم من الكتاب والعمال يمثلون الناحية التنفيذية: ولكن هذه الجهات الثلاث التي تقابل السلطات الثلاث في الدولة الحديثة كانت تمتزج دائماً من الوجهة العملية، وتخضع دائماً سواء منفردة أو مجتمعة لرأي الخليفة أو السلطان أو الأمير؛ وكان هذا الرأي دائما فوق كل قانون وقضاء ونظام، وان كان في معظم الأحيان يلتمس له ظاهر من القانون أو النظام.
وكان القضاء كالسلطة التنفيذية دائماً عرضة للتأثير والتدخل ولكن السلطة العليا كانت تؤثر، في معظم الأحيان، أن تبدو في الظاهر محترمة لرأي القضاء بعيدة عن التأثير في سير العدالة. ذلك أن القضاء كان يتشح دائما بثوب الدين، ويستمد سلطانه من كتاب الله وسنة رسوله، فكان التدخل المرغوب كثيرا ما يحمل طابع التفسير لنص من النصوص. وكان القضاة أعوان السلطان قبل أن يكونوا أعوانا للعدالة، وتقدير استقلال القضاء وحريته يرجع قبل كل شيء إلى السلطان: وقد كان ثمة خلفاء وسلاطين يقدرون استقلال القضاء، وينحنون أمام كلمته؛ وكان ثمة قضاة أقوياء النفس والجنان يتمسكون برأيهم وسلطتهم في الحكم، ويأنفون من التدخل والتأثير. وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي تؤيد هذه الحقيقة نورد بعضها في هذا الفصل، وهي مما يتعلق بتاريخ القضاء في مصر الإسلامية.
стр. 4380
كان من قضاة مصر في أوائل القرن الثالث الهجري، الحارث بن مسكين، ولي قضاء مصر الأعلى من قبل الخليفة المتوكل سنة ٢٣٧هـ. ويصف لنا الكندي مؤرخ قضاة مصر حتى منتصف القرن الرابع، شخصية الحارث بن مسكين وطريقته في الحكم، نقلا عن ابن قديد، وهو فقيه ومحدث مصري عاصر الحارث وعرفه. كان الحارث شخصية غريبة قوية، وكان شديد الحرص على حريته واستقلاله، وكان مقعداً، يركب حمارا مبرقعا، ويحمل في محفة إلى مجلس الحكم بالمسجد الجامع (جامع عمرو)، وكانارما شديد الوطأة جريئا في أحكامه يأبى تلقى الولاة والسلام عليهم. وطلب إليه أن يلبس السواد، وهن شعار بني العباس فأبى حتى انتهى بعض أصحابه بإقناعه بأنه إذا لم يرتد السواد اتهم بالانحراف عن بني العباس والميل إلى بني أمية، فارتدى عندئذ كساء اسود من الصوف. وكان كثير الاجتهاد والابتكار في إجراءاته وأحكامه. ويورد لنا الكندي طرفا من هذه الإجراءات والأحكام، ويذكر لنا كيف أن الحارث بن مسكين آثر الاستقالة على قبول التدخل في أحكامه. وذلك أنه رفع إليه نزاع على ملكية دار الفيل، وهي إحدى دور الفسطاط الشهيرة، وكانت لأبي عثمان مولى الصحابي مسلمة بني مخلد الأنصاري؛ وكان قد قضى في شإنها قبل الحارث عدة من قضاة مصر، فقضى فيها أولا هرون بن عبد الله بإخراج بني البنات من العقب باعتبار أن لا حق لهم في الميراث؛ ولكن خلفه محمد بن أبى الليث قضى بإلغاء هذا الحكم، وحكم لبني السائح المدقين بنصيبهم في الدار؛ فلما رفع النزاع مرة أخرى إلى الحارث بن مسكين، فسخ حكم بن أبى الليث، وقضى بإخراج بني السائح من الميراث، فسافر ابن السائح إلى بغداد، ورفع إلى الخليفة المتوكل تظلما من حكم الحارث والتماسا بإعادة النظر في قضيته، فأحال المتوكل القضية إلى الفقهاء، فحكموا فيها على مذهب الكوفيين، وقضوا بإلغاء الحكم، وكان حكم الحارث على مذهب المدنيين. فلما بلغ الحارث ما وقع، كتب في الحال إلى المتوكل يرفع إليه استقالته من منصبه؛ وقدر المتوكل دقة الموقف فقبل الاستقالة، وكتب وزيره إلى الحارث بقبولها فيما يأتي (إن كتابك وصل باستعفائك فيما تقلدت بأمر القضاء بمصر، وأمر (أمير المؤمنين) أيده الله بإجابتك إلى ذلك. . استعافا لك مما سالت، وتفضل لما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل بحسبه) وغادر الحارث بن مسكين منصبه سنة ٢٤٥هـ، وضرب باستقالته مثلا
стр. 4381
قويا في الكرامة والاستقلال بالرأي والحرص على حرمة القضاء وقدسه.
ولما تولى المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون قضاء المالكية بمصر سنة ٧٨٦هـ، في عهد الظاهر برقوق، أبدى في تصرفاته وأحكامه تمسكا شديدا بالرأي، وإعراضا قويا عن كل مؤثر وشفاعة، خلافا لما كانت عليه أحوال القضاء يومئذ، وكان المؤرخ الفيلسوف يسبق عصره بمراحل في فهم استقلال القضاء ووجوبونه عن كل مؤثر؛ ولكنرامته في تطبيق هذا المبدأ أثارت عليه عاصفة من الحقد والسعاية؛ ويقول لنا ابن خلدون في هذا الموطن في (تعريفه) كلاما طويلا عما كان يسود القضاء المصري يومئذ من فساد واضطراب، وما يطبع الأحكام من غرض وهوى، وعما كان عليه معظم القضاة والكتاب والشهود من جهل وفساد في الذمة، وانه حاول إقامة العدل الصارم المنزه عن كل شائبة، وقمع الفساد بحزم وشدة، وسحق كل سعاية وغرض يقول (فقمت بما دفع إلى من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الله لومة، ولا يرغبني عنه جاه ولا سطوة، مسويا بين الخصمين اخذ الحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين)
وهذا تصوير قوي لاستقلال القضاء لا يتفق كثيرا مع روحالعصر، ولكن يتفق مع شخصية الفيلسوف القوية، ومع ثقته بنفسه، وسموه برأيه. وفد انتهت العاصفة التي آثارها عليه خصومه باستقالته أو إقالته من منصب القضاء لعام فقط من توليته، وينسب خصوم الفيلسوف تخليه عن منصب القضاء، لأسباب غير استقلاله برأيه ونزاهته في أحكامه، ولكن مؤرخا مصريا كبيرا قريبا من عصره هو أبو المحاسن بن تغري بردي يفر الفيلسوف على عليله، ويقول لنا مشيرا إلى ولايته للقضاء (فباشره بحرمة وافية وعظمة زايدة، وحمدت سيرته، ودفع رسائل أكابر الدولة، وشفا عات الأعيان. . .)
على أن فهم استقلال القضاء على هذا النحو كان من الأمور النادرة في تلك العصور وكان مرجعه شخصية القضاة أنفسهم، وليس روح العصر أو نظمه. وفد كانت القاعدة العامة كما قدمنا انه لا استقلال للقضاء إلا في حدود رأي السلطة العليا وهواها؛ وكان خضوع القضاء لرأي هذه السلطة ووحيها يبدو بنوع خاص في بعض القضايا الجنائية الهامة التي تريد السلطة العليا أن تسبغ فيها لون القانون والعدالة على قصاص أو انتقام ترى إجراءه، أو
стр. 4382
القضايا المدنية الهامة التي يراد فيها اغتيال مال وثروات يطمع فيها باسم الشريعة وقضائها. وكثيرا ما كانت السلطة العليا تغفل في إجراءاتها وأعمالها هذه الصبغة الشرعية، ولكنها كانت في أحيان كثيرة ترى من حسن السياسة إلا تحمل مسئولية القصاص أو الانتقام أو مصادرة الأموال، وان ترد هذه المسئولية إلى القضاء، وهو في نظرها ورأيها أداة من أدوات التنفيذ التي تسيطر عليها وتسيرها طبقا لمصالحها وأهوائها.
وإذا كنا لا نستطيع أن نظفر في تاريخ القضاء في تلك العصور بأمثلة كثيرة لتطبيق مبدأ استقلال القضاء، فأنا نستطيع أن نظفر بالعكس بكثير من الأدلة والوقائع على خضوع القضاء للسلطة العليا ايا كانت وتبعيته لها وتوقفه على إرادتها وهواها. ونكتفي بان نورد لتأييد هذه بالحقيقة مثلا واحدا من تاريخ القضاء في أوائل الفرن التاسع الهجري، نقله إلينا المقريزي وهو من معاصريه وشهوده. وخلاصته انه في عهد الناصر فرج سلطان مصر، أنشأ الأمير جمال الدين الاستادار مدرسة عظيمة بالقاهرة، أوقف عليها أوقافا جليلة، وكان إنشاؤها على ارض عليها أبنية موقوفة على بعض الترب، فاستبدل بها الأمير أرضا من جملة الأراضي الخراجية بالجيزة، وحكم له قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم بصحة الاستبدال وهدم البناء أقام مكانه المدرسة. ثم نكب الأمير جمال الدين وقتله السلطان، وحسن له بعض وزرائه أن يستولي على المدرسة وان يضع اسمه عليها، فادعى السلطان عندئذ أن الأرض الخراجية المستبدل بها كانت ملكه واغتصبها الأمير جمال الدين دون إذنه، وحكم له قاضي قضاة المالكنة، بان بناء المدرسة الذي أقيم على ارض لم يملكها الواقف، لا يصح وقفه، وانه باق على ملكية بانيه إلى حين موته، وعندئذ انتدب الشهود لتقدير قيمة البناء، فقدر باثني عشر ألف دينار ودفع المبلغ إلى أولاد جمال الدين وباعوا المدرسة للسلطان، فصارت ملكه، ثم أوقف السلطان أرض المدرسة وبنائها بعد أن قضى له قاضي الحنفية بصحة الاستبدال، وحكم له القضاة الأربعة بصحة هذا الوقف؛ بعد أن قضوا من قبل بصحة وقف الأمير جمال الدين. فلما قتل الملك الناصر، وتولى مكانه الملك المؤيد، تولى الوزارة بعض أصدقاء جمال الدين، وسعوا لدى السلطان ليرد أملاك جمال الدين المغتصبة إلى أخيه وأولاده، فأجاب السلطان ملتمسهم، وأحيلت القضية مرة أخرى على القضاة الأربعة، وعقدت لذلك جلسة مشهودة (٨١٥هـ)، وقضى برد المدرسة وأوقافا
стр. 4383
إلى جمال الدين وما نص عليه في وقفيته؛ ورد النظر فيها لأخيه؛ ثم نزع منه النظر بحكم جديد وأعطى لكاتب السر، وهكذا يقول المقريزي (فكانت قصة هذه المدرسة من أعجب ما سمع به في تناقض القضاة وحكمهم بإبطال ماححوهم حكمهم بتصحيح ما أبطلوه، كل ذلك ميلا مع الجاه، وحرصا على بقاء رياستهم، ستكتب شهادتهم ويسألون)
وهذا مثل بارز يصور لنا مبلغ خضوع القضاء للسلطة التنفيذية وتأثره بأهوائنا في بلك العصور، فلم يكن القضاء يومئذ هو ذلك الملاذ النهائي للحق والحرية، ولم يك ثمة احترام لما نسميه اليوم بقوة الأحكام النهائية؛ فما يفتى به اليوم تحقيقا لرغبة سلطان أو أمير أو وزير، يفتي غدا بعكسه تحقيقا لرغبة السلطان الجديد أو وزيره، ويقضي بهذه الأحكام المتناقضة نفس القضاة في كل مرة. وما يقوله لنا المقريزي من أن بواعث هذه الحالة كلها ترجع إلى ميل القضاة مع الجاه وحرصهم على بقاء رياستهم، هو أصدق تعليل لهذا الصدع الخطير في بناء الدولة ونظمها. ونستطيع أن نضيف إلى قول المقريزي، أن هنالك عاملا آخر له قيمته في خضوع القضاء للسلطة التنفيذية على هذا النحو، هو أن القضاء الأعلى لم يكن يتمتع في بلك العصور بما أسبغ عليه في العصر الحديث من الضمانات الكفيلة باستقلاله وحمايته من تدخل السلطة التنفيذية وانتقامها، وأهم هذه الضمانات كما هو معروف هو عدم قابلية القضاة الأكابر للعزل أو النقل، وعدم مسئوليتهم أمام أية سلطة أخرى؛ ولكن القضاء في العصور الوسطى لم يكن يعرف مثل هذه الطمأنينة سواء في الشرق أوفي الغرب، وكان القاضي يخاطر دائما بمركزه وجاهه ورزقه وأحيانا بحياته إذا لم يذعن لرأي السلطة التنفيذية وهواها؛ ولم يكن يستطيع مغالبة هذا التيار الخطر أو تحديه سوى شخصيات قوية جريئة تستهين في سبيل كرامتها في تلك العصور منها سوى القليل.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4384
بردى. . .
والتاريخ العربي
للأستاذ علي الطنطاوي
(بردى) سطر من الحكمة الإلهية، خطته يد الله علىفحة هذا الكون، ليقرأ فيه الناس ببصائرهم لا بأبصارهم فلسفة الحياة والموت، وروعة الماضي والمستقبل - وخصَّته للأمة العربية، فجمعت فيه تاريخها الجليل ببلاغة علوية معجزة.
والقرآن الذي جعل الآية المعجزة في القرآن - هو الله الذي جعلها في الأكوان.
والله الذي أعجز ملوك القول، وأمراء البلاغة، بسور من آيات وكلمات وحروف، هو الله الذي أعجز قادة العقل، وأئمة الفلسفة. بسور من بحار وإنهار وكهوف.
وما (بردى) إلا سورة من قرآن الكون المعجز البليغ - وليس إعجازه في أنه يجري؛ ولكن إعجازه في أنه ينطق. وبأن في كل شبر منه تاريخ حقبة من العصور. وتحت كل شبر أنقاض أمة من الأمم: أمة ولدت في حجره، ورضعت من لبانه، وحبت بين يديه، ثم قويت واشتدت، وبنت فأعلت، وفتحت فأوغلت، ثم داخلها الغرور، وحسبت إنها شاركت الله في ملكه، فظلمت وعتت واستكبرت، فبعث الله عليها نسمة واحدة من وادي العدم، فإذا هذه العظمة وهذا الجبروت ذكرى ضئيلة في نفس بردى، وأنقاض هينة في أعماقه، وصفحة أوفحتان في كتاب التاريخ. وإذا بأمة أخرى تخلفها في أرضها، وترثها مالها، ثم يكون سبيلُها سبيلَها: فقام الفينيقيون على أنقاض الحيثيين، والكنعانيوتنن بعد الفينيقيين، والفرس بعد الكنعانيين، واليونان بعد الفارسيين، والروم بعد اليونانيين، والغساسنة بعد الرومانيين، والمسلمون بعد الغسانيين - ثم قام العباسيون بعد الأمويين، ثم قاملاح الدين، ثم جاء الترك بعد السلجوقيين - ثم جاء فيصل بن الحسين، ثم جاءت جيوش الفرنسيين.
هكذا يدور الفلك في السماء، ويدور السلطان في الأرض، فتنشأ من القبر الحياة، ويغطى على الحياة قبر، والسلسلة لا تنتهي، والناس لا يعتبرون. . . و (بردى) يبتسم ساخراً من غرور الإنسان، ضاحكاً من جهالته. يحسب نفسه شيئاً، فيضارع الكون، ويتطاول بعقله إلى الله؛ وما هو من الكون إلا ذرة من الرمل ضائعة في الصحراء، وما عمره إلا ثانية واحدة من عمر (برد ى).
стр. 4385
(بردى) وهو يجرى على الأرض، رمز لتاريخ الأمة العربية وهو يجري في الزمان. ففي كل قسم من بردى، فصل من التاريخ:
يخرج (بردى) من بقعة في (الزبداني) منعزلةعبة، لا يبلغها إلا من كان من أبنائها عارفا بمداخلها ومخارجها - كما خرج العرب من هذه (الجزيرة) الصعبة المنعزلة، التي لم تلن إلا لأبنائها، والتي ردت عنها الفاتحين كافة، وجعلت رمالها قبرا لكل من يجرؤ منهم على وطئها، على أنه لم يتجرأ عليها إلا كسرى، فبلغ جيشه (ذي قار)، ولكن الجزيرة قد ابتلعت هذا الجيش وهي تهتف لمحمد، ثم لم يقنعها هذا الثأر، فابتلعت دولته كلها في (القادسية) تحت راية محمد،. . وقالت لعالم: هذا جزاء من يطأ الجزيرة!
ويسير (بردى) في غور عميق لا يخرج الى هذه الجنان الجميلة الفتانة التي قامت على مقربة منه، يسلك قراره الوادي، تلتطم أمواهه وتصطدم: كما كان العرب في جاهليتهم يصطدمون ويقتتلون ويشتغلون بأنفسهم عن العالم، فلم يخرجوا إلى الدنيا، ولم تخضع لجزيرتهم جنات أالشام، ولا سهول مصر، ولا سواد العراق.
ثم يبلغ (بردى) (الفيجة) وهناك تصب فيه أمواهها العذبة الصافية الزاخرة، فلا تخالطه ولا يخالطها، ويسير النهر خمسين متراً، ومن إحدى جهتيه (بردى) القليل العكر، ومن الأخرى (الفيجة) الكثيرة العذبة، ثم يختلطان، فتضيع قلته وكدورته، في كثرتها وصفائها، ويعدو (بردى) قوياً عذباً زاخراً، نحو أرض الورود والثمار.
كمابت على الديانة الجاهلية، مبادئ الإسلام السامية، فتجافى العرب عنها، وأبوا أن يتبعوها، وكادوا لأصحابها، حتى غدت الجزيرة كبردى، فيها المسلمون الموحدون المتحدون، والجاهلون المشركون المختلفون، ثم مكَّن الله لمحمد، فخضعت له الجزيرة لم تخضع قبله لمخلوق، واجتمعت كلها تحت رايته، ولم تجتمع قبل تحت راية واحدة، فقادها إلى الشام والعراق، إلى أرض النخيل والأعناب.
ويبلغ (بردى) (بسيمة) ويبلغ (الجديدة) فيسير بين بسيمة والجديدة، في أجمل البقاع على وجه الأرض، ويسقي هذه الخمائل فيكون شكرها إياه، أفنان الورود، وأغصان الأشجار التي تتدلى فوقه، وتلمس خده لمساً رقيقاً، وتقبل جبينه قبلة طاهرة، وهو يلين تارة فترى حصباءه منفائه، ويشتد أخرى فيرغي ويزبد، ويكون له منظر مرعب ولكنه جميل!
стр. 4386
مرهوب ولكنه محبوب!
كما كانت الأمة العربية بعد أن بسطت سلطإنها على العالم القديم كله محبوبة مرهوبة في آن، يفزع أعداؤها من هيبتها، ولكنهم يحبون عدلها، وينتفعون بحضارتها. أغاثت بالعدل بقاع الأرض فكان شكرإنها إياها، هذه الأموال التي فاضت بها خزائنها، وهذا النعيم الذي تفيأ ظلاله أبناؤها، وكانت تستقيم لها الأمور فتلين وتدع هذه الرقعة البسيطة من الأرض جنة يسعد بها أهلها، ويسعد بأهلها أهل الأرض جميعاً، وكانت تستغضب، فإذا غضبت غضب لها الدهر، وإذا سارت إلى عدوها سار في ركابها الموت والدمار أنى سارت: كانت نحمل في يمينها السلام والسعادة، وفي يسراها الموت والشقاء، كما يحمل بردى بين (بسيمة والجديدة) الغيث والثمرات، والطوفان والغرق.
ويبلغ بردى (الربوة) ويمشي حيال اليزبين، ذلك المعنى الذي بني من الشعر، وولد فيه الشعر، استحال إلى مقاه من عيدان تقوم على الخمر والقمر والعهر. . . وينقسم بردى إلى أقسام سبعة انتثرت نثراً بين عدوتي الوادي: يزيد، وتورا، وبردى، وبايناس، وقنوات، والديراني، وعقربا - منها القوى الممتلئ، ومنها الضعيف القليل - كما انقسمت الأمة العربية إلى طوائف وحكومات، منها القوي المتين، كحكومةلاح الدين التي ردت - علىغرها - أوربة كلها يسوقها الجهل والتعصب، وانتزعت في (حطين) الفريسة من (قلب الأسد)، وحكومة سيف الله التي هدت في (الحدث) حكومة الرومان هداً، ومنها الضعيف المستكين وقد ازدهرت الحضارة في هذا العهد وأثمرت، كما ازدهرت الأشجار في (الربوة) وأثمرت.
ثم يدخل بردى (دمشق)، فلا يصفق بالرحيق السلسل، ولا يتمايل على الورود والرياحين، بل يصفق بالأوحال والحشائش، ويميل على الأقذار والأوساخ، ويشح ماؤه وينضب ثم يضيع ويضمحل، كما ضاعت عزة العرب واضمحلت. . .
ثم يخرج إلى (الغوطة) فإذا نشق نسيمها عاودته الحياة، ونشأت في مجراه الجاف الصلب، عيون وينابيع، فإذا بلغ (جسر الغيضة) عاد قوياً زاخراً عذباً - كما عادت الأمة العربية اليوم إلى الحياة، ورفعت في الشام ومصر والعراقروحاً جديدة، لن تلبث إلا قليلاً حتى تكون خالصه لأصحابها، من دون الناس أجمعين!
стр. 4387
وبعد، فهل أحزنك يا بردى أنك اليوم ضائع في اهلك، لا ترى حولك عزة العروبة ولا جلال الإسلام؟ كلا، لا تحزن يا بردى فما أنت وحدك المضاع، إن هناك أمة بقضها وقضيضها، هي مثلك مضاعة، وهي مثلك بنت المجد والشؤدد.
لا تحزن يا بردى! بل اصبر حتى إذا أعجزك الصبر فثر بأمواهك، وليضطرم موجك حتى تغسل عن قومك عار الذلة والخنوع، أنه لا يغسله إلا ثورتك، هذه سنة الحياة يا بردى: لا بالحق ولكن بالقوة.
وإذا غرهم منك لينك، فأرهم شدتك، إن الماء لينه يجرف جبلاً على جبروته وكبريائه، ولقد ثرت مرة، فبلغ رشاشك بواتيه من هنا، وحيدر آباد من هناك! فهل استنفدت تلك المرة قوتك كلها؟ أما فيك بقية من الشباب؟ تعبت إذ تجري هذه الملايين من السنين؟ إنها فترةغيرة من عمرك، فعلام الونى؟ انك لا تزال شاباً، ولم تنس بعد جيش خالد ولا موكب الوليد، لقد كان ذلك أمس، وسيكون مثله في غدٍ.
فاصبر ولنصبر يا بردى! إن الصبر مفتاح الفرج يا بردى. . .
دمشقعلي الطنطاوي
آراء حرة
стр. 4388
القصة في الأدب العربي
للأستاذ فخري أبو السعود
حب تتبع الحوادث وحكايتها مركب في الطبع الإنساني، ولكن القصة كانت آخرور الأدب ظهورا، فلم تعرفها الآداب القديمة ولم تظهر في الآداب الأوربية الحديثة إلا أخيرا، ولذلك أسباب منها الوهم الذي وقر في نفوس الأدباء المتقدمين وإن يكن يبدو لنا اليوم غلطه واضحاً: أعني توهم أن القصة إن هي إلا أحبولة أكاذيب لا يليق بالأديب الراقي أن يلهو بحوكها، وأن القصص مرتبة من التأليف سهلة يستطيعها كل من رامها فلا يجمل بالأديب القدير أن يتدلى إليها.
ومن ثم كان العرب يؤثرون الأخبار التاريخية والأدبية ويخصونها بالحفظ والرواية مهما خالطها التحريف، لاعتبار إنها حقيقة لا اختلاق، وكثرت بينهم كتب التواريخ والسير دون كتب القصص، ومن ثم أيضا لم يسلك سبيل القصص من الأدباء المجيدين إلا من كان له غرض آخر دون القصص يوهم قراءه أو يوهم نفسه أنه الغاية التي إليها يقصد: إما بإعطاء القصص مغزى وعضياً كما في كتاب كليلة ودمنة، أو بإلباسه ثوباً قشيباً من الصناعة البلاغية كما في مقامات الهمذاني والحريري، بينما تركت الأقاصيص المجردة للعامة الذين يفشو بينهم القصص في كل العصور نتيجة لذلك الميل الطبعي في الإنسان، وتتداول بينهم أساطير المردة والسحرة ووقائع الأبطال الغازين ومخاطرات التجار والملاحين ونوادر الظرفاء والمعتوهين.
بيد أن القصة إن انعدمت من الآداب اليونانية والرومانية القديمة ومن الآداب الأوربية الحديثة إلى عهد قريب، فقد قامت مقامها عند تلك الأمم الرواية التمثيلية التي تؤثر في النفوس لا من طريق الميل الطبعي إلى القصص وحده، بل من طريق أخرى هي الميل إلى محاكاة الأشخاص وتقليد الحركات، ومن طريق ثالثة هي الثوب الخيالي الشعري الذي اسبغ على تلك الروايات التمثيلية.
ثم التفتت رويداً رويدا إلى أحوال المجتمع فتناولت وصف شؤونه وتصوير أخلاق أفراده، أما العرب فلم تقم لديهم لا القصة المقروءة ولا الرواية التمثيلية، فإلام يعزى ذلك؟ يعزى إلى أمرين: أولهما إيجابي هو موقف أدباء العربية من مجتمعهم، وثانيهما سلبي هو مكانة
стр. 4389
الشعر لدى العرب.
فكتاب العربية وشعراؤها عاشوا دائما بنجوة عن مجتمعهم لا يشتركون في تقلباته السياسية والاجتماعية، ولا يعبرون عن شعوره وحاجاته، ومن ثم ندر الأدب الوطني في العربية وإن كثر الأدب العصبي، وندر الشعر الاجتماعي، وكان جل شعر الشعراء فرديا يعبر عواطفهم وحاجاتهم الشخصية ويفيض بذم منافسيهم وأعدائهم الشخصيين ومدح أولياء نعمتهم من الكبراء والأمراء الذين يعتمدون عليهم دون الشعب ويبتغون رضاهم قبل رضا الشعب، فلم يكن هناك تواصل وتجاوب بين الأدباء ومجتمعهم ولا رغبة لدى الأدباء في معالجة شؤون المجتمع وتحليلها ومحاولة إصلاح فاسدها عن طريق أدبهم، فلم يقم في العربية أمثال أديسون وستيل ودكنز وجالزورذي من الأدباء الإنجليز الذين جعلوا إصلاح الأخلاق أو ترقية المرأة أو إنهاض العامل نصب أعينهم، ولا ريب أن هذا التواصل والتجاوب بين الأدباء والمجتمع واعتماد الأدباء على جمهور القراء دون هبات النبلاء أساس نمو القصة التي تصف المجتمع وتحلل الأخلاق، ولم تنشأ القصة الحديثة في أوربا في القرن الثامن عشر إلا بقيام ذلك التواصل والتجاوب بين الأدب والمجتمع، وكانت الطباعة التي سهلت انتشار الكتابات مساعدة لذلك ولا ريب.
وأما مكانة الشعر الممتازة لدى العرب - والتي لعله لم ينلها لدى أمة أخرى - فإنها ثبطت ماعدا الشعر منور الأدب، فقد كان الشعر لدى العرب هو الوسيلة للتعبير عن العواطف قبل كل وسيلة، فصرفهم شديد اعتدادهم به وتوفرهم عليه عما عداه، وأودعوه عواطفهم وأخبارهم وقصصهم، فلو أن الشعر ترك مجالا لغيره لاحتمل أن يلجأ أديب كأبي نواس إلى القصص يودعه أنباء لهوه ووقائع غرامه ويشرح فيه ما سبر من غور العواطف وبلا من سريرة المرأة سادلاً على شخصيته ستاراً رقّ أو كثف، ولربما كان منه في العربية نظير لموباسان في الفرنسية، ولكن الشعر كان كما تقدم هو الوسيلة للتعبير عن العواطف قبل كل وسيلة، فلميتردد أبو نواس في سلوك السبيل التي سلكها ابن أبى ربيعة من قبل، سبيل الشعر القصصي أو القصص المنظوم شعراً.
إن الناظر في أدب العرب وتاريخهم لا يسعه إلا أن يرى هذه الحقيقة بارزة: حقيقة أن الشعر نال من المنزلة عندهم ما لم يبلغ عند سواهم حتى طغى على ما دونه من ضروب
стр. 4390
الأدب، وأن الأدب على إطلاقه بلغ لديهم مكانة طغى بها على ما عداه من الفنون وصبغ ثقافتهم بصبغته - برغم بعده عن معالجة الحالة السياسية والاجتماعية فكان كاتبهم في التاريخ وتقويم البلدان وغيرهما من العلوم يتحدث عن الأدباء ويرجع إلى محفوظه من الأدب، وكم من أعلام للشعر العربي لو كان التصوير والنحت رائجين لدى العرب رواج الأدب والشعر لانصرفوا إليهما دونه أو لمارسوهما معه.
ولقد كتب الأستاذ الفاضل محمود خيرت في الرسالة أخيراً يثبت وجود التصوير لدى العرب فلم يعد أن أثبت أنه كان في حالة أولية لا يفتخر بها ولا يغتبط: فإن الفن الذي لا ترى له باقية ولا يمكث له أثر في أدب اللغة وكتبها، ولا يتوصل إلى إثبات وجوده إلا بشذرة شاردة فيحيفة من كتاب، لا يكون فنا قد نال حظا من الرقي وخالط نفوس الأمة واستدعى اهتمام مثقفيها، والحكاية التي رواها الأستاذ عن المقريزي تشهد بذلك، حكاية المصورين اللذين رسماورتين إحداهما كأنها داخلة في الحائط والأخرى كأنها خارجة منه: فإن تفاخر الرجلين بهذا العمل الضئيل ودهش الوزير له وإسباغه عليهما المنن من أجله ووقع القصة من نفس المؤرخ حتى أثبتها في كتابه، كل ذلك لا يدل على ارتقاء الفن في ذلك العصر. بل يدل على كونه في حالة بدئية، وعلى ندرة المصورين المجيدين بل المتوسطي الحظ من الإجادة، وكلام المؤرخ كله يدل على أن التصوير الذي عرف لذلك العهد لم يتعد الصناعة ذات الغرض العملي التي يزاولها الصناع كما يزاولون النقش والطلاء، ولم يرق إلى مرتبة الفن الخالص المنزه عن الأغراض العملية.
إنور المدارس الإيطالية والهولندية وغيرها منتشرة في الأقطار تملأ المتاحف وتتحدث عن نفسها وعن رقى الفن عند أهلها قبل أن تحدثنا عن ذلك مئات الكتب التي الفت فيها، فأين آثار مصوري العرب التي تحدثنا عن مثل ذلك؟ بل أين الكتب المؤلفة فيها؟ بل أين الصور العربية التي كانت وحيا لشعراء العربية كما كانت الصور الأوربية وحياً لوردزورث وتنيسون وغيرهما، أو كما كانتور الأطلال الفارسية وحيا لسينية البحتري؟
لن لخفر بشيء من ذلك إذا طلبناه، ولن يسعنا إلا الإقرار بالحقيقة التي تطالع قارئ تاريخ العرب وأدبهم: وهي أن العرب كادوا أن يكونوا أمة ذات فن واحد هو الأدب وبخاصة الشعر الذي استوعب ملكات جل نوابغهم واحتوى دراسات جل مثقفيهم ذلك بأن العرب
стр. 4391
كانوا منذ جاهليتهم أمة لسان وبيان.
فخري أبو السعود
стр. 4392
خصومة
للأستاذ توفيق الحكيم
بعثت إليه أول النهار بالرسالة التي سماها (باقية على الدهر) ثم أويت آخر النهار إلى بيتي فوجدت اسطوانات (بيتهوفن) التي استعارها مني قد ردها إلي، فعك إنها القطيعة. فوقفت واجماً في مكاني وزالت آثار الغضب ولم يبق في نفسي إلا ألم عميق: لقد انتهى كل شئ بيني وبين الدكتور طه حسين. . ولم أستطع أن أقرأ شيئا في ليلتي، وما إن أقبل الصباح حتى أوفدت إلى الدكتور طه حسينديقين كريمين يحادثانه في أمر الرسالة، وإذا به قد دفعها إلى المطبعة، وإذا به يأبى إلا أن يعلن الخصومة إلى الناس. وحاول الصديقان عبثا أن يحولا بينه وبين هذا الإعلان. وحاولا عبثا أن يقنعاه بإبقاء الخصومة سراً بيننا حتى يعرض أمرها على الأستاذ الجليل لطفي السيد بك وكلانا ولده وهو أولى من جمع بين القلوب النافرة وكان إلى ذلك سبيل. لكن الدكتور طه أراد أن ينتقم فتناول القلم ووضع قصة روى فيها ما كان من أمري وأمره.
قرأت القصة فدهشت. أي روعة وأي إبداع! إنها في ذاتها أثر من آثار الفن الخالد، إني أشهد أنها عمل فني عظيم. فيها من سعة الخيال وروعة الأسلوب ما يضمن لها البقاء. إنها هي التي ستبقى على الدهر.
لقد أعجبت حقيقة بهذه القصة إعجاباً شديداً، وهي عندي من أقوى ما كتب الدكتور. ولقد أنساني إطارها الأدبي ما احتوته
من اتهامات قاسية، وماذا يهم؟ إن شخصي ليس يعنيني كثيراً، كما أنه ليس يعنيديقي الدكتور منذ اليوم. إنما الذي حفلت به حقيقة وأحفل به الآن، هو تلك القطعة التي تشيع الحرارة في جوانبها، ويمتلئ أسلوبها بمرارة مؤلمة. قطعة لا ينساها من يقرؤها. وأغلب ظني أن الدكتور قد أصر على نشرها لأنه يعلم أنه قد كتب شيئاً جميلاً: وأني الآن لأرضى أن يضحي شخصي الزائل في سبيل ظهور هذه القطعة الباقية. على أن القارئ وقد فرغ من القصة لابد يسأل نفسه: ما كل هذا الذي بين توفيق وبين الدكتور؟ وأني أمد القارئ بالجواب فأقول: لا شئ في رأيي غيرداقة لا يمكن أن تزول لأنهالة بين قلبين اجتمعا على حب الجمال الأعلى: جمال الفن والحقيقة، ولئن قامت خصومة بيننا اليوم أو الغد، فهي
стр. 4393
خصومة من اجل الرأي والتفكير، إن الشخصية الحرة هي كل ما يحتاج إليه الأديب الحقيقي. ومهما يكن من قيمة الصداقة الأدبية العظيمة لا ينبغي أن تقتات على هذه الحرية. إن الدكتور طه حسين العميد الرفيع المقام، والزعيم الجليل الشأن في أدبنا العربي الحديث يفهم هذا حق الفهم، وإنه ليعلم أني أقدره أحسن تقدير وأضعه من نفسي في أسمى مكان وأحفظ له على مر الزمن ما أسدى إلي من جميل، ولا أنسى أنه هو الذي ألقى الضوء على وجودي، غير أنه يخطئ إذا فهم أنداقتي له معناها التزام موافقته على كل رأي أدبي يبديه، والتسليم والتأمين على كل ما يخرج من قلمه أو من فيه. إن الحكم المطلق إذالح في دولة السياسة فهو لا يصلح في دولة الأدب. وأني لا أخالديقي الدكتور طه نفسه يرضى لي أو يرضى لفني وتفكيري هذه الحرية المقيدة. هذه هي كل الخصومة التي بينه وبيني. فهو قد استاء مني إذ عارضته في بعض آرائه في مقالات نشرت في (الرسالة) أو في (المصور) وفاته أني أجد لذة عقلية في معارضة منطقه السليم وآرائه المستقيمة دون أن أحفل بالنتائج. ولقد استاء كذلك مني يوم أخرجت الطبعة الثانية من (أهل الكهف) بغير مقدمته، وعقيدتي أنه على حق في هذا الاستياء لو أنه فهم من تصرفي أني قصدت خدش كبريائه، أو أني رأيت أحداً غيره أولى منه بهذا التقديم.
أما وقد فهم أني لم أقصد هذا ولا ذاك، وأن الحقيقة لا تعدو أني شخص بسيط لا أمقت شيئاً في الأدب مثل المقدمات، وأني روح حر يأبى أن يقيد نصوصه بتفسيرات، فضلاً عما قام في ذهني يومئذٍ من إبطائه أنه جاد في وعده بالمقدمة. فهل تراه يصر بعد ذلك اتهامي بسوء القصد؟. أني أحب الحرية، حرية التصرف، وحرية الكلام، وحرية إبداء الرأي. وأعتقد أن أثمن كنز يغدقه المجتمع على رجال الفن هو (الحرية)، وأعتقد أن خير هدية أهديهاديق العزيز علي، هي (الحرية) ولقد بلغ من إخلاصي فيداقتي لطه حسين أن أعطيته (حريتي). فهو لن ينسى أني ما أتصرف في عمل أدبي بغير رأيه، وما استشارني أحد في أمر يتصل بمكتبي إلا أحلت المر عليه، وانتظرت كلمته فيه. على أني أحب من جهة أخرى أن أستعير بعض هذه الحرية أحيانا لأناقشه في فكرة من الفكر، أو أحاوره في مسألة، أو أرد عليه في مقال. فأنا كما يعلم الدكتور طه ذو طبيعة لا تسير على نظام.
إني أعطى كثيراً ثم آخذ فجأة، ثم أعود فأرد ما أخذت. وعلىديقي أن يكون رحب الصدر،
стр. 4394
سخي النفس كمصرف فتح لي فيه حساب جار. وإني أشهد أن الدكتور طه يحمل نفساً من أنبل النفوس وأندرها؛ ولقد سجلت هذه الشهادة في قلبي قبل أن أسجلها في كتابي الفرنسي الذي بعثت به إليه منذ شهرين. غير أن الدكتور لم يعرفني حق المعرفة، وأراه يأخذ بعض تصرفاتي على سبيل الجد، حيث لا ينبغي أن تؤخذ على سبيل الجد. ولست أدري ماذا كان يضيره لو أنه غضب ما شاء من رسالتي العنيفة ثم مزقها دون أن يحفل بها، ودون أن يعلن للناس، ودون أن يدخل الناس بيننا؛ وهو يعلم لو رجع إلى قلبه أن لا شئ في هذا الوجود يستطيع أن يحول بيني وبينه، ومع ذلك فل ن هذه الرسالة الغريبة قد أدت إلى الأدب العربي أجل خدمة، فهي التي ألهمت الدكتور كتابة قصة من أروع القصص، وإني أؤكد للدكتور أنها خير نموذج للون جديد في الأدب كان ينبغي أن يوجد. وأخشى أن تحدثني نفسي بتكرير فعلتي كلما تاقت نفسي إلى متعة فنية، وكلما آنست في إنتاجنا الحديث فراغاً.
وبعد، فياديقي الدكتور أنا محزون حقا. فقد فكرت، فإذا خطيئتي بديهية، فقد كان يجب على الأقل أن أستشيرك قبل أن أبعث بتلك الرسالة. فماذا ترى في موقفي منك؟ ويزيدني حزناً لطفك حين تتجاوز في سهولة وكرم عن كل هذا.
إنما أنت في حقيقة الأمر فنان كبير، فنان حقا. وإني لأعترف بأني لم أمنح هذه النفس، ولست أنا خليقاً بالفن ولا بك.
واليك الآن ما تمت عزيمتي عليه إذا احتفظت بغضبك على فسأعرض عن كل حياة أدبية
توفيق الحكيم
تعليق
نقلنا في العدد الماضي عن الوادي ما سماهديقنا الدكتور طه (قصة تمثيلية للأستاذ توفيق الحكيم)، لأن (الرسالة) كانت مسرحاً لهذه الرواية، فمن حق قرائها الذين لا يصل إليهم الوادي أن يشهدوا فصلها الأخير، ولأن (الرسالة) سجل لأوان الأدب الحديث، فمن حق الأدب أن نسجل في تاريخه ما يقع بين رجاله من الخلاف الجدي فيه كاملاً غير منقوص. ولهذين السببين نقلنا أيضاً عن الوادي ما كتبه الأستاذ توفيق الحكيم تعليقاً على تلك
стр. 4395
(الرواية)، وأنه ليسرنا أن نسجل كذلك أن الود قد اتصل، بين الصديقين الكريمين، وأن الدكتور طه قد أعلن في الوادي (أن ما كان بين الأستاذ توفيق الحكيم وبينه من خلاف قد انتهى أمره وحي محواً بعد ذلك الكتاب الرقيق).
أما هذا الذي نشره في الواديديقي طه وسماه عتاباً فلعله من الأمور التي تسمى بغير أسمائها وتجري على غير أوضاعها في هذا العهد العجيب الذي استغل الناس فيه كل شئ حتى حياء الحيي ووفاء الوفي وتسامح الصديق.
الزيات
стр. 4396
الرسوللى الله عليه وسلم
للأستاذ محمود حمد شاد
قرأت في عدد الرسالة الذيدر بتاريخ الاثنين ١٣ربيع الأول سنة ١٣٥٣ باباً من القصص الشعري عن (إسلام حمزة) ﵁ وقد وضع هذه القصة واضعها وهو يقصد بها - إن شاء الله - خيراً. إلا أن طريق الخير إلى ما قصد إليه قد التوى به التواء يذهب بكل ما عمد إليه، فانه وضععلى لسان الرسول شعراً نزهه الله عنه بقوله (وما عَلَّمناهُ الشِّعرَ وما ينبغي له)، ثم يلي ذلك أنه قد وضع على لسانه ما لم يقلهلى الله عليه وسلم.
وليعلماحب هذه القصة أن الرسوللى الله عليه وسلم يقول (من كذب علىَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار) ويقول (من حَدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين). فكيف بصاحبنا وهو ينطق رسول اللهلى الله عليه وسلم بما لم يقله، ثم يكون ما أنطقه به من الكلام مصوغاً في القالب الذي نزَّه الله نبيهلى الله عليه وسلم؟
هذه المسألة مما يريد بعض الناس أن يحتال لها بمنافق الكلام ليستحل ما لا يحل أبداً. وهم يراودون الناس فيها عن عقولهم أولاً ثم عن أيمانهم ثانياً، لينقادوا لهم في الرضا بها والمتابعة عليها. . . والمسألة لو تناولت أحداً غيراحب الرسالة لقلنا عسى ولعل. . .
ولنظرنا في المخرج الذين يتأولونه نظر المنطق، ولكنها تتناول إنسانية وحدها قد جعلها الله بمنزلة فوق منازل سائر البشر، وإن لم تخرج عن منزلة البشر في أعراض الحياة وما يكون فيها وما يأتي منها.
إن إنسانية الأنبياء وحدها التي أوجب الله على من حضرها من الناس أن يؤمن بها أولاً، ثم يحافظ على رواية سيرتها ثانياً، ثم يحترس ويتدبر فيما ينقل عنها أو يصف منها، لأن نسبة شئ من الأشياء إليها قد يكون مما يتوهم أحد منه وهماً يخرج - فيما يُقبل من أمر الدنيا - بحقيقة الرسالة التي أرسلوا بها عن القانون الإلهي الذي عملوا به ليحققوا كلمة الله التي تعلو أبداً، وتزدهر دائماً، وتبقى على امتداد الزمن روح الحياة البشرية وميزان أمر الناس في هذه الدنيا.
وليس يقال في قصةاحبنا أو غيرها أن ما أنطق به الرسول لا يتناول تشريعاً أو أدباً أو حكماً، وإنما يتناول الكلام المتعاطي بين الناس فليس به من ثم بأس. . . ليس يقال مثل
стр. 4397
هذا لأن التشريع حين يوضع ويراد به سد أبواب من الشر والفتنة يأتي منعاً مصمتاً لا مدخل فيه ولا ثغر حتى يدفع المحزبين والمفسدين والعابثين ويضرب على أيديهم من كل ناحية. ولو كان الأمر على غير ذلك لتناول كل لص مفتاح الباب الذي يريد أن يدخل منه إلى عقول الناس ليستغرهم ويزلزلهم من جنة الأيمان إلى جحيم الإلحاد في الدين من الطريق الخفي الذي لا تبصر فيه العامة ولا تهدي به إلى أرشد أمرها في الحياة.
فنحن هنا نتقدم إلى الأستاذاحب القصة بأن يتدبر ما شاء، فهو سيدع ما سلك إلى سبيل أهدى، فإن الأدب الذي له نعمل لم يقتصر ولم يضق حتى ندع ما أحل الله إلى ما نهى عنه، ونترك سبيل الرشاد إلى سبيل تنحدر بنا إلى هاوية لا قرار لها، ولا عاصم منها.
محمود محمد شاكر
стр. 4398
في الريف
بقلم عبد الرحمن فهمي
ليسانسييه في الآداب
إذا أردت أن تمتع النفس بجمال الطبيعة فانك لست واجداً هذا الجمال في المدينة لأنها دائمة الصخب والضجيج، مشتبكة المصالح العامة والخاصة بشباك يتعذر على المرء الولوج منها إلى حيث الحرية الطبيعية التي وهبها الله عباده. ولا شك أن المدينة أحد العوامل التي أرخت ظلها الثقيل على جمال الطبيعة في المدن. بل إن هذه المدينة نفسها هي التي اضطرت ابن الطبيعة إلى أن يعقها إرضاء لشهوة المدة، حتى إذا سئم حياة المدينة - وسرعان ما يملها لأنها حياة مضنية للعقل والجسد - تطلع إلى الطبيعة وارتمى في أحضانها إلى أن يرتوي ببهائها.
وجمال الطبيعة في مصر يتجلى في الريف والصحراء والبحر بصورة جلية واضحة، وقد ذقت لذة الجمال في كل فطبت نفسا بهدوء الريف وسذاجته، وأخذتني روعة الصحراء ورهبتها، ورقصت مع أمواج البحر وأعجبت بعظمته، ولكني لم ألق جمالاً أكثر تأثيراً في النفس مثل جمال الريف الطبيعي.
ولا عجب إذ تراني أقضي بعض أوقات فراغي في قريتي بالمنوفية وهي قريةغيرة بحجمها كبيرة بتاريخها، ومن أبنائها العالم الكبير، والوزير الخطير، والمدير القدير، ونسبة المتعلمين فيها طيبة. فإذا حللت بها نسيت كل شئ إلا الجمال: فهذه حقول واسعة تتزيا في كل موسم بلباس خاص قد يكون أخضر سندسياً مسترسلاً موشى بالأبيض اللامع والأصفر الفاقع في موسم البرسيم الجميل، وقد يكون ذهباً براقاً عندما تنضج سنابل القمح والشعير إيذاناً بالبركة والخير الجزيل، وقد يكون أبيضافياً عند ظهور وبر القطن ثروة القطر وأمل الجميع، وقد يأبى هذا اللباس إلا أن يكون ذا خطوط متقاطعة أو متوازية عند إطلاق الماء في المصارف قبل أن ينبت الزرع. وهذه دور ساذجة تقرأ فيها أخلاق القروي من بساطة العيش ووداعة النفس وشئ من الدهاء مقرون بالسذاجة، ونوع من الإهمال ممزوج بالجهل، يشرف على هذه الدور جميعاً، مئذنة مسجدغير ينبعث منها كل وقتلاةوت مسترسل عذب يدعو المؤمنين إلى ربهم.
стр. 4399
ويعجبني جمال الخلق الذي عفا معظمه في المدن، فالفضيلة لا تزال محافظة لكيانها في القرية، فلا بغاء ولا فحش، ولا يمكنك أن ترى قروياً ثملاً في أحد طرق البلدة، بل إن أغلب القوم متمسكون بالعروة الوثقى. والشرف ظاهر في جوانب الحياة، والكرم والسخاءفتان ملازمتان للقروي والقروية.
توقظك في الصباح الباكريحات الديكة المتناوبة، وزقزقة العصافير المرحة، فإذا أطلّت الشمس من خدرها مؤذنة الحياة والكد والعمل، خرج الفلاحون من دورهم إلى حيث انعامهم فجهزوها ورووها بالماء وقادوها إلى العمل طوال النهار، ويعطف القروي عليها ويحنو، عطفاً كبيراً وحنواً زائداً، ولا عجب فهي ذراعه اليمنى التي يعتمد عليها في حياته، تطعمه وتهيئ أرضه للزرع.
ينعم الفلاحون في الحقل بكثرة العمل ونقاء الهواء وضوء الشمس إلى أن يؤذنهم غروبها بوجوب العودة إلى دورهم وهم في ذلك أيضاً أول ما يعنون به بهائمهم يقودونها إلى حضائرها وينثرون أمامها التبن والفول أو البرسيم والعشب، أما هم فتمد لهم ألوان الطعام على الأرض وهو طعام دسم كثير وهو الوجبة الوحيدة التي يعتمدون عليها في غذائهم فضلاً عن وجبة أخرى أو وجبتين من الخبز والجبن المخزون.
وفي العشية والمساء يجتمع أهل القرية جماعات في البيوت أو خارجها على المصاطب يتسامرون، أو يهيئونفقة بيع أو يتفقون على ري قطعة من الأرض بعد قطعة، أو يصلحون بين متخاصمين وتلحظ عليها جميعا روح المعاونة والحب.
وعلى ضفة النهير الذهبية برملها المبلور اللامع ترى الفتيات النواهد الحسان كلهن في جلابيبهن السوداء قد بدون سافرات الوجه في زينة طبيعية جميلة، وما أجمل الوجه القروي الناعم الذي لم تعمل فيه يدناع! وقد حملن فوق رؤوسهن الجرار، هذه تغسل جرتها وقد ارتسم جسمها الجميل علىفحة الماء الصافي، وتلك تغترف من الماء ما هي في حاجة إليه، وضفة النهر في هذه الفترة من كل يوم في نظري ناد لأولئك الفتيات يتقابلن فيه ويتحدثن عنده ويستعرضن يومهن الذي خلا، وقد يغنين بصوت متناسق جميل أناشيد قروية طريفة:
وأظهر ما تلحظه في القرية اليوم نوع من الركود المالي، فبعد أن كانت عقب مواسم الحصد نشطة بحركة بيع المحصول بالأثمان العالية أصبحت متأثرة بالأزمة، فأسعار رزق
стр. 4400
الفلاح رخيصة، وديونه كثيرة، وموارده قليلة، وقد نتج عن هذا هجرته إلى المدينة باحثاً عن عمل يلقى منه أجراً يومياً أو راتباً شهرياً.
وتقام في القرية رغم هذا سوق أسبوعية تعرض فيها أنواع التجارة فيبتاع القرويون ما هم في حاجة إليه من أقمشة أو بضاعة. ويبيعون ما هم في غنى عنه من الغلال أو الطيور أو الزبد. ويفد إليها كثير من أبناء القرى المجاورة يبتاعون ويبيعون.
ومنذ بضع سنوات لم يكن بالقرية محطة للسكة الحديدية، أو دار للشرطة، أو بكتب للبريد والبرق، وإنما كان المسافرون يحتملون عناء السفر بركوب ظهور الدواب ومتن النهر إلى أن يصلوا إلى محطة بعيدة يستقلون منها القطار، وكان ساعي البريد الجوال يصل إلى القرية كل يوم على حماره فينفخ في بوقه فيهرع القوم إليه ويقرأ عليهم الأسماء فيتناول منه كلاحب رسالة رسالته، أما اليوم فأسباب المواصلات موفورة.
ويثلجدرك بعض الشيء أن ترى بالقرية اليوم مكتباً للتعليم الإلزامي، وفكرة ناضجة في النفوس عن خطر الأمراض لا سيما (الرمد، والبلهارسيا، والانكلستوما) وغيرها، ورأيي أن أفضل ما تقوم به حكومة مصرية هو ترقية شئون الفلاح وأحوال القرية، لأن الفلاحين هم كثرة سكان مصر، ولأن القرية مما مورد ثروة البلاد الأساسي.
عبد الرحمن فهمي
стр. 4401
٦ - أعيان القرن الرابع عشر
للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور
السيد على الببلاوي
المالكي
هو على بن محمد بن احمد المالكي الحسني الادريسي من ببلاو، قرية تابعة لعمل ديروط الشريف التابعة لمديرية أسيوط، ولد بها في شهر رجب سنة ١٢٥١ ونشأ بها فحفظ القران ومبادئ العلوم وحضر للأزهر سنة ١٢٦٩ فقرأ به على شيوخ وقته كالشيخ محمد عليش، والشيخ منصور كساب، والسيد محمد الصاوي، والشيخ علي مرزوق، والشيخ إبراهيم السنجلفي، والشيخ احمد الإسماعيلي، والشيخ محمد الانبابي، والشيخ علي بن خليل الأسيوطى، وكان له به نوع اختصاص في الحضور، وصحب مدة حضوره الشيخ حسونه النواوي، فكانا يسكنان معاً، ويحضران معاً الدروس إلا في درس الفقه فإن المترجم كان مالكياً والشيخ حسونه حنفياً. ولم يزل يجد ويجتهد حتى تأهل للتدريس فدرس بالأزهر والمسجد الحسيني الكتب المتداولة، وفي سنة ١٢٨٠ سافر للحجاز فحج، ثم استخدم، بدار الكتب الخديوية بالقاهرة مغيراً، حتى كانت الثورة العرابية، واتجهت الأنظار لتنصيب المصريين في المناصب الكبيرة فساعدهديقه ومريده محمود سامي باشا البارودي على إقامته ناظراً هذه الدار سنة ١٢٩٩ فتمت له نظارتها بعد ما سعى كثيرون لها فلم يوفقوا.
ثم لما هدأت الأمور وأطفئت الفتنة كان المترجم يتوقع القبض عليه كما فعل بكثيرين للملم بأنه مننائع البارودى، ولكن الله سلمه، ولم يشأ الخديو أذاته لاشتهاره عنده بالصلاح والتقوى والبعد عن الفتن فاكتفوا بفصل من دار الكتب وجبروا خاطره بالخطابة في المسجد الحسينى، ثم جعل شيخاً لخدمة هذا المسجد في ثانيفر سنة ١٣١١. ولما غضب الخديو على السيد توفيق البكري نقيب الأشراف وشيخ الطوائف الصوفية وأمره بالاستقالة من النقابة فاستقال، سعى للمترجمديقه وروفيقه في الحضور الشيخ حسونه النواوى، وكان إذ ذاك رئيسا لمجلس إدارة الأزهر قبيل إقامته شيخاً عليه، فقبل الخديو منه وأقام المترجم نقيبا للأشراف في ٦ شوال سنة ١٣١٢ فاعتنى بضبط مدخولها وجدد من أوقافها ست دور
стр. 4402
بناها بجهة الحلمية، وصار يصرف الاستحقاقات في أوقاتها، وسئل في رياسة الخدمة بالمسجد الحسيني فقال إن كانت النقابة تمنعني من خدمة سيدنا الحسين لا أقبلها فأبقي كما كان وأقام المترجم في النقابة نحو ثماني سنوات يجدد من معالمها، ويحيي ما درس منها، حتى نقل منها شيخاً إلى الأزهر، وكان سبب ذلك أن الخديو انحرف عن شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري وانتهى الأمر باستقالته يوم الأحد ٢ ذي الحجة سنة ١٣٢٠، وأراد الخديو إعادة الشيخ حسونه النواوى أو تنصيب الشيخ محمد بخيت المطيعي فلم يوافق النظار على ذلك، فرشح الشيخ احمد الرفاعي المالكي وأعلمه بذلك، وكادت تتم له لولا عوارض اعترضت، ثم سعى الشيخ على يوسفاحبحيفة المؤيد ومن اكبر المقربين من الخديو للشيخ أمين المهدى بن العلامة محمد المهدي العباسي فرد عليه بأنه لا يصلح لخموله وعدم توليته أموراً قبل الآن، فأجاب بأنه وان كان كذلك فهو من بيت علم وغنى، تربى في نعمة فلا تطمح نفسه لشيء مما في الأيدي، وتدربه على الأمور قريب مدرك فرضي الخديو به، ولكن النظار لم يوافقوه عليه لأمور نقمها عليه ناظر الحقانية مدة ما أقامه عضواً بالمجلس الحسبي فحار الخديو وحنق، وطلب دفتر أسماء العلماء فوقع نظره على أسم المترجم فارتفضاه وجنح إلى توليته، ولم يكن قد خطر على بال أحد، وساعد الشيخ على يوسف على ذلك ليتمكن من رد السيد محمد توفيق البكري إلى النقابة فتم له الأمر ورضى به النظار وأعيد البكري إلى النقابة مضافة إلى ما بيده من رياسة الطرق الصوفية وصدر الأمر في ٢ ذي الحجة بإقالة الشيخ سليم من الأزهر وتنصيب المترجم، فلما ذهب لشكر الخديو كالعادة استصحب معه ولده الأصغر السيد محموداً والتمس إقامته شيخاً على السجد الحسيني بدله، كما أقيم أخوه الأكبر السيد محمد قبل خطيباً له فقبل ملتمسه وأجيبت رغبته.
وكان الخديرو ذلك الحين منحرفاً عن الشيخ محمد عبده مفتى مصر والعضو بمجلس إدارة الأزهر وصاحب الكلمة العليا فيه، فكان يظن أن المترجم يوافقه في معاكسة الشيخ ومعارضته وعرقلة مساعيه، فأخطأ ظنه، لأن المترجم مال للشيخ كل الميل ووافقه في كل مشروع، واتحد به واندرج فيه حتى لم يكن له من الرياسة غير رسومها، والكلمة كلمة الفتي، وعوتب في ذلك من أحد المقربين فاعتذر بأن الرجل لا يريد غير الإصلاح فلا
стр. 4403
يرى وجهاً لعارضته، فكان ذلك سببا لميل الخديو عنه بعد إقباله عليه، وضعف المفتي عن معاندة الخديو ولم يجد من الإنكليز المساعدة التي كان يرتكن عليها فعزم على نفض يده من الأزهر، ورأى المترجم أن الأمور لا تجري على مرغوبه فاستقال من الأزهر يوم الثلاثاء ٩ المحرم سنة ١٣٢٣ فأقيل يوم السبت ١٢ منه وأقيم بدله الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي واستقال أيضا المفتي من مجلس الإدارة مرغماً.
* * * * * * * * * * * * * * * * *
وأقام بعد ذلك المترجم بداره التي بجهة المناصرة بعد أن رتب له الخديو خمسة وعشرين ديناراُ مصريا من الأوقاف الخيرية تصرف له كل شهر، هي مواظبا على كثرة تلاوة القران كعادته، مقبلا علىالعبادة حتى ازداد به المرض سنة ١٣٢٣، وتوفاه الله في غروب يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة من تلك السنة فشيعت جنازته بعد عصر يوم السبت وصلى عليه بالمسجد الحسينى وطيف به حول المقام كوصيته، ثم دفن بقرافة المجاورين في بستان العلماء ﵀ رحمة واسعة. وله من المؤلفات رسالة اسمها الأنوار الحسينية على رسالة المسلسل الأميرية، ورسالة فيما يتعلق بليلة النصف من شعبان، ولده السيد محمود تعليق عليها سماه عروس العرفان في الحث على ترك البدع وشوائب النقصان على الرسالة الببلاوية المتعلقة بليلة النصف من شعبان.
وأعقب المترجم من االذكور ولدين كبيرهما السيد محمد الببلاوى سس له والده حين انفصاله من نظارة دار الكتب فجعل مغيراً بها ثم جعل وكيلا لها وخطيبا للمسجد الحسينى ونال درجة العالمية الثانية بالأزهر، ثم جعل بعد ذلك نقيبا للأشراف. والآخر السيد محمود جعل شيخا للمسجد الحسينى لما أقيم والده شيخا للأزهر ثم جعل بعد ذلك شيخا للمسجد الزينبى.
стр. 4404
الشيخ أحمد الرفاعي
المالكي
اشتغل بالحضور في الأزهرعلى مشايخ وقته حتى تأهل للتدريس فدرس الكتب المتداولة، وقرأ عليه كثيرون من كبار علمائه الآن كالشيخ محمد عبده والشيخ محمد بخيت والشيخ أبى الفضل الجيزاوى والشيخ محمد حسنين العدوي والشيخ محمد النجدى الشرقاوى وغيرم، وقد أصبح في أواخرأيامه وليس في الأزهر إلا من هم تلاميذه أو في طبقتهم إلا الشيخ الشربيني والشيخ البشري
وكان من عادته ألا يقطع الأقراء طول السنة ولا يسامح في اوقات المسامحات ولا يقعده عن الاشتغال إلا المرض، فقرأ الكتب المتداولة مراراً ومهر فيها بسبب كثرة اشتغاله حتىار المستعصي منها عنده بمنزلة السهل عند غيره. وأتقن فن التجويد فجعل شيخاً على المقارئ مد ة طويلة. ولما أقيم الشيخ حسونه النواوي شيخا علىالأزهر في المرة الأولى ولم يجد إقبالا من علمائهاحبه المترجم وتحبب إليه ولازمه في غدواته وروحاته. ثم لما انحرف الخديو عباس باشا الثاني عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس أدارة الأزهر وأراد كف يده عنه ساعده المترجم على ذلك واخذ في معاكسة، الشيخ وتدبير المكايد له، وتنفير الأزهريين منه، وتقرب من الخديو واكثر من الترداد على قصر القبة ومداخلة الحاشية حتى حظى عنده واقبل عليه إقبالا عظيما، فلما عزل الشيخ سليماً البشري عن الأزهر في ٢ ذي الحجة سنة ١٣٢٠ وأراد إرجاع الشيخ حسونه النواوى أو تنصيب الشيخ محمد بخيت ولم يرض النظار، رشح المترجم واستدعاه وأعلمه بانتخابه له فعاد إلى داره جذلا وأشاع الأمر وهيأ السكر لشرب المهنئين والرمل الأصفر لفرشه بصحن الدار، وكاد الأمر يتم له لولا أن بعض مبغضيه من المقربين للخديورفه عن توليته وذكر عنه هنات الله أعلم بها، فعدل الخديو عن تنصيبه الا أنه التمس لنفسه مخرجا من وعده الذي وعده به فأعملبعض المقربين
الحيلة واستدعوه بحضرة الخديو وسألوه عن قبوله للتولية فقال لهم نعم ولاني مولاي وقبلت، فاخذوا يذكرونعوبة مراس أهل الأزهر والمشاق التي يعانيها شيخهم لاخضاعهم ولمحوا له بأنهم لا يظنونه يقوى عليهم فقال ومن اهل الأزهر، انا أدوسهم بقدميّ فقاوا إنك
стр. 4405
ستكون مع الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان العضوين بمجلس الادارة فهل ترضى بأن يشاركاك في الادارة؟ وكيف يكون شأنك معهما؟ فقال كلا لا أرضى بأن يشاركاني بل أشترط لقبول التولية عزلهما وهما عندي كافران لايوثق بهما، فاستغرق الخديو في الضحك وقال شرطك لايمكن تنفيذه، ونحن نريحك من رياسة الأزهر ونعوضك عنها بشئ نجريه عليك من الأوقاف فأسقط في يده ورضى مرغما ثمرفوه
ثم وقعت منه في أواخر أيامه زلة، قيل إنه تصرف في وقف بغير وجه شرعي ولكن الله لطف به فلم يقع له بسبب ذلك غير فصله من المقارئ، وكثرت غمومه وهمومه لما لاكته الألسنة في هذه المسئلة، فانقطع عن التدريس لمرض أصابه إلى أن توفي بعد ظهر يوم الاثنين ١٨فر سنة ١٣٢٥ ودفن يوم الثلاثاء وآذنوا له على المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، وقد بلغ من السن نحو خمس وسبعين سنة، وكان قصيراً دحداحا خفيف الحركة رحمه الله تعالىوتجاوز عنه.
وله من الؤلفات حاشيته على شرح بحرق على لامية الافعال لابن مالك طبعت بمصر.
стр. 4406
قس بن ساعدة الأيادى
للاستاذ عبد المتعال الصعيدى
مدرس بكلية اللغة العربية بلأزهر
نسبه: قال ابو حاتم السجستاني هو قس بن ساعدة ابن حذافة بن زفر أو زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان، وقد نقل ابن حجر العسقلنفي في كتاب الاصابة هذا النسب عن أبى حاتم ولكنه ذكر جذامة بدل حذافة، وقالاحب الأغاني هو قس بن ساعدة بن عمرو أو شمر أو عمرو بن شمر بن عدي بن مالك بن ايدعان بن النمر بن وائلة بن الطمثان بن زيد مناة بن مهدم أو يقدم بن أقصى بن دعمي بن إياد، فبينه وبين إياد على القول الأول ثلاثة اباء، وبينهما على القول الثاني اثنا عشر أبا أو ثلاثة عشر أبا، وقد يكون النسب الأول هو الثاني مع اختصار فيه، ولكن يبعد هذا وجود أسماء فيه لاتوجد في النسب الثاني، فلا بكون مع هذا مختصرامنه، ولعل كلا من هذين النسبين يمثل رأيا من رأيين في قدم قس أو قربه من زمن ظهور الاسلام، فقد ذكره أبو حاتم في المعمرين، وحكى أنهم قاوا أنه عاش ثلثمائة وثمانين سنة، ونقل المرزباني عن كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة، ونقل الأبشيهي في كتاب ألمستطرف أنه عاش سبعمائة سنة، فهوإذا كان قد عاشقبل ألاسلام هذه ألقرون الطويلة (٦٠٠ أو ٧٠٠ سنة) فلابد أنه لم يكن بينه وبين إياد الا نحو هذه الثلاثة الاباء، وإذا كان لم يعمر قبل الاسلام إلا الحد المعقول في معمري عصره، فيكون بينه وبين إياد ما ذكرهاحب الأغاني من تلك الأصول، وقد يكون قس على القول بقدمه إلى ذلك الحد لم يعمر أيضا إلا التعمير المعقول، فلا يكون بينه وبين إياد إلا تلك الثلاثة الأصول ولا يكون من رجال ذلك العصر الجاهلى الذي كان قبيل الاسلام، بل يكون عصره ابعد في القدم منه، وبكون ابتداء ظهوره في نحو عصر كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار من أجداد النبىلى الله عليه وسلم، وهو قريب من زمن حواريي المسيح الذين قيل إنه أدركهم، فإذا عاش إلى أن ادرك جداً أو جدين أو ثلاثة بعد كنانة يبقى بعد هذا بينه وبين عصر الجاهلية الذي كان قبيل الأسلام أزمان طويلة.
وليس هذا كل ما يحيط بنسب قس إلى الأصل الأول لقبيلته وهو إياد من الغموض، فهناك غموض اشد منه فيحة نسبته! لى إياد نفسه، ويكاد يقتلعه من هذا الأصل وتلك القبيلة التي
стр. 4407
أجمع النسابون على أنه منها اى قبية أخرى غيرها، فقد ذكراحب الاغاني في سلسلة نسب قس أقصى بن دعمي بن اياد، وذكر أيضا في نسب النابغة الشيباني أقضى بن دعمي بن جديلة بن أسد في ربيعة بن نزار فيكون أقصى بن دعمي على هذا من ربيعة بن نزار لا من إياد بن نزار، ويكون قس من ربيعة لا من إياد، ومن البعيد أن يكون أقصى بن دعمي المكور في نسب قس غير المذكور في نسب النابغة، وأن بكون الاتفاق في اسميهما واسمي أبيهما من باب المصادفة، على أنه روي مع هذا أن الجارود بن عبد الله لما وفد في وفد عبد ألقيس على رسول الله سأله يا جارود هل في جماعة عبد القيس من يعرف لنا قسا؟ قالوا كلنا نعرفه، وفي رواية أخرى أنه لما قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله قال لهم ما فعل قس بن ساعدة الايادي؟ قالوا مات يا رسول الله، وفي رواية ثالثة أن وفد بكر بن وائل قدموا على النبىلى الله عليه وسلم فقال هل فيكم أحد من إياد؟ قالوا نعم، قال ألكم علم بقس بن ساعدة؟ قالوا مات يا رسول الله، فكل هذه الروايات تفيد اتصال نسب قس بعبد القيس وبكر وهما من قبائل ربيعة، نعم قد يمكن أن تكون إياد مجاورة في السكن لهاتين القبيلتين فسأل رسول لله وفدهما عن قس لمجاورتهما لقبيلته، ولكن هذا لا يكفي في دفع ما يفيده ظاهر هذه الروايات مع ما يفيده ذكر أقصى بن دعمي في نسب قس ونسب شيبان وبكر وعبد القيس وغيرهما من قبائل ربيعة، بل إن سؤال رسول الله بكرا وعبد القيس عن إياد ظاهر في أن إياد كلها من ربيعة لا قسا وحده، وربما يؤيد هذا أن إياد لوكانت فرعاً مستقلا من نزار لما أمكنه أن يحافظ على وحدته ذلك العهد الطويل، لما تأباه طبيعة بلاد العرب، إذ يعيش فيها أهلها عيشة ارتحال وتنقل، وقد قضت تلك الطبيعة على فرعيمضر وربيعة أن ينقسما إلى مالا يحصى من القبائل، فلا يمكن أن ينجو من تأثيرها فرع إياد على ما يراه النسابون من تفرعه من نزار مع ذينك الفرعين في ذلك الأمد البعيد، وإذا كانت إياد من ربيعة فيكون التقاؤها مع قبائلها في أقصى بندعمي، ويكون إياد بعد أقصى لا قبله، وقد دخل أنساب القبائل تخليط كثير مثل هذا وغيره، وربما كانت إياد فعلت ذلك عن عمد بعد حروبها مع عبد القيس وغيرها منقبائل ربيعة.
قبيلة اياد: كانت قبيلة إياد نازلة في قديم أمرها بين
إخوتها من قبائل معد، في تهامة والحجاز ونجد، وكانت تقيم هي وأنمار معا في أرض
стр. 4408
تهامة، بين حد أرض مضر إلى حد نجران وما والاها وصاقبها، ثم نزحت من تهامة في حرب وقعت بينها وبين ربيعة ومضر في خانق، فغلبت فيها وخرجت إلى العراق فنزلت في سواده قرب مكان الكوفة، فأقامت هناك دهرا، وانتشرت في تلك الأنحاء، وكانت تغزو أهل العراق من العجم وغيرهم، فلما كان عهد كسرى أنوشرؤان أغارت على نساء من الفرس فأخذتهن، فأرسل إليها أنوشروان جيشا أجلاها عن أرض العراق، وشتتها في البلاد،، فنزل بعضهاتكريت، ونزل بعضها الجزيرة، ونزل بعضها أرض الموصل، ثم سلط عليها أنوشروان قومًا من بكر ففتكوا بها، وفرقوها في أرض الروم، وبلاد الشام وقد اشتهرت قبيلة إياد بخطبائها، وظهور قوة الخطابة فيها، وكان خطباؤها مضرب المثل في الفصاحة وقوة البيان، وفي وصفهم يقول بعض الشعراء:
يرمون بالخطب الطوال وتارة … وجى الملاحظ خفية الرقباء
فذكر المبسوط في موضعه، والمحذوف في موضعه، والموجز والكناية، والوحى باللحظ ودلالة الاشارة. وكانت قبيلة عبد القيس من ربيعة تسامي إياد في خطبائها، وشيوع الخطابة بين أفرادها، ولعل هذا مما يقوي ما رجحناه من اتصال نسب إياد بنسب عبد القيس وربيعة، ولكن عبد القيس لم تظهر فيها الخطابة إلا بعد أن انتقلت من البادية إلى عمان والبحرين، حتى قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: وشأن عبد القيس عجيب، وذلك انهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين، ففرقة وقعت بعمان وشق عمان، وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من أشعر قبيلة في العرب، ولم نكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية، وفي معدن الفصاحة، وهذا عجب.
ولاشك أن إياد كانت في سرة البادية مثل عبد القيس، ثم انتقلت منها إلى العراق، فالظاهر أن الخطابة لم تظهر فيها إلا بعد أن انتقلت من البادية مثل عبد القيس، وقد علل ذلك بأنهم حينما تركوا سرة البادية جاوروا الأعاجم في تلك الأماكن، وكان الاعاجم أهل خطابة وكتابة، ولهذا كثر الخطباء أيضما في اليمن عند اختلاط أهله بالفرس الذين أتى بهم سيف بن ذي يزن لاخراج الحبشة منه، وهذا يفيد أن الخطابة العربية ماخوذة من الخطابة الفارسية مع أن الجاحظ قال في موضع اخر في الموازنة بين خطابة العرب وخطابة الفرس، وبيان الأمم التى انفردت بالخطابة: (وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب
стр. 4409
والفرس، وأما الهند فانما لهم معان مدونة، وكتب مجلدة، لا تضاف الى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف؛ وليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكاناحب المنطق نفسه بكئ اللسان، غير موصوف بالبيان، وفي الفرس خطباء إلا أن كل كلام لهم فانما هو عن دراسة وطول فكرة، ومشاورة ومعاونة، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم، وكل شيء للعرب فانما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ومكابدة، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، أو يحتاجوا إلى تدارس، وليس هو كمن حفظ علم غيره، واحتذى على من كان قبله).
وإذا كان هذا شأن خطابة الفرس وخطابة العرب، فأين احداهما من الأخرى؟ وكيف أخذت الثانية من الأولى، وهما يختلفان هذا الخلاف، ولا يوجد بينهما أدنى شبه يدل على تأثير إحداهما بالأخرى، واحتذاء خطباء العرب بخطباء الفرس في الخطابة؟ ولا يؤثر في هذا أنا لا نسلم لجاحظ ما يزعمه من انفراد الفرس والعرب بالخطابة، وانفراد العرب بالقدرة على ارتجالها، فقد يوجد في غير العرب من يقدرعلى ارتجال الخطابة في لغته، وقد يكون في العرب من لا يخطب إلا بعد ترو وتدبر، ولكن العرب لشيوع الأمية فيهم، كان يقل من يذهب هذا المذهب في خطبائهم.
فلم يبق إلا أن نعلل ذلك بأن أخبار هذه القبائل قبل انتقالها من البادية بعيدة عنا، ولم يصل الينا إلا قليل منها، فما يدرينا أنها لم يكن فيها خطباء حين كانت بسرة البادية؟ ولعله كان لها من الخطباء فيها ما لا يكون هناك محل لتعجب الجاحظ أو غيره منه.
دراسة حياته: إذا رجع الباحث إلى ما كتب عن قس
في كتب الأقدمين المختلفة لا يمكنه أن يؤلف من الأخبار التي وردت فيها عنه سيرةحيحة، متلائمة غير متدافعة، متصلة غير منقطعة، لها بداية معروفة، ووسط غير مجهول، ونهاية ليست غامضة، وانما هي أساطير لا يمكن أن يعرف منها يقيناً زمنه متى بدأ؟ ومتى انتهى؟ ولا مكانه في تلك الأمكنة التي تنقلت فيها قبيلته؟ وهل كان يعيش بينها؟ أو كان يعيش بين قبيلة أخرى غيرها؟ أو كان يعيش هائما متنقلا لا يقر في مكان؟ فقد ورد أنه ادرك حواري عيسى ﵇، ولكن ورد مع هذا أنه أدرك محمداًلى الله عليه وسلم قبل
стр. 4410
بعثته، بل ورد أنه أدرك بعدها وآمن به وعد من أصحابه، ولا يمكن أن يكون قد أدرك هذين العهدين المتباعدين إلا اذادقنا أنه عمر حوالي ستمائة سنة، كما يذكر هذا من يعده في معمري العرب، وهذا أمر لا يمكن تصديقه، ولم يحدث مثله من عصر الحواريين الى العصر الذي نعيش فيه الآن.
وورد أيضا أنه كان أسقف نجران، فلا بد أنه كان يعيش عيشة مألوفة بين أهلها من النصارى، ولكن أين اياد من نجران وقد كانت إياد مستقرة بالعراق في الزمن الذى ظهرت فيه النصرانية بنجران؟ بل أين هذا مما يروى من أنه لم تكنه دار، ولا يقره قرار، ويتحسى في تقفره بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوام، وأخبر بعضهم أنه رآه على جبل بالشام يقال له سمعان، في ظل شجرة إلى جنبها عين ماء، فإذا سباع كثيرة وردت الماء لتشرب، فكلما زأر منها سبع علىاحبه ضربه بعصا، وقال كف حتى يشرب الذي سبق، قال فتداخلني لذلك رعب، فقال لي لا تخف ليس عليك بأس، ورووا أنه كان يفد على قيصر زائراً فيكرمه ويعظمه، وقد سأله مرة ما أفضل العلم؟ قال معرفة الرجل بنفسه، فقال له فما أفضل العقل؟ قال وقوف المرء عند علمه، فقال له فما أفضل الأدب؟ قال استبقاء الرجل ماء وجهه، فقال له فما أفضل المروءة؟ قال قلة رغبة المرء في اخلاف وعده، فقال له فما افضل المال؟ قال ماقضي به الحق.
وهذا كل ما يروونه عن قس في حياته، يحيط به الغموض في بدئه، ويستمر متماشيا معه، ثم يلازمه إلى نهايته، فلا تنتهي حياته بين قبيلته إياد، ولا بين أتباعه الذين كان فيما يقال أسقفا عليهم في نجران، بل يقال إنه توفي بروحين فيلحف جبل بها، وهي قرية قريبة من حلب، وله بها مشهد يزوره الناس، ويقصدونه بالنذور، وله أوقاف محبوسة عليه، وقد زاره أبو جعبل الألبيري فقال فيه:
هذى منازل ذي العلا … قس بن ساعدة الايادى
كم عاش في الدنيا وكم … أسدى إلينا من أياد
قدنالها بحلى البلا … غة مفصحا في كل ناد
قد قر في بطن الثرى … متفرداً بين العباد
وقد قدروا له السنة التي توفي فيها سنة ٦٠٠ م وذلك قبل الهجرة باثنتين وعشرين سنة.
стр. 4411
ولكن هذا الغموض الذي يحيط بحياة قس من بدئها إلى نهايتها، وهذه الأخبار القليلة التي لايمكن أن يؤلف منها لقس سيرة متصلة تعرف منها أطوار حياته طوراً فطورا، كل هذا لايمكن أن يتفق مع عيش قس في هذا الزمن القريب من ظهور الاسلام، فك رجال هذا العصر من شعراء وغيرهم معروفون لنا، وقد وردت إلينا أخبارم معلومة مفصلة. ولا تحيط بها هذه الأساطير من كل ناحية، ولا يتفق مع هذا إلا ما رجحناه في نسب قس من إدراكه عصر الحواريين، وتعميره فيه التعمير العقول في مثل هذا العصر، فتكون وفاته قبل الاسلام بتلك الأزمنة المتطاولة، التي تسمح بهذا الغموص الذي يحيط بحياة قس على شهرته وظهور أمره، نعم قد روى حديث قس وسماع النبي له في سوق، عكاظ من طرق متعددة، وقد أفرد بعض الرواة طريقه وفيه خطبة قس وشعره، وهو في الطوالات للطبراني وغيرها، ولكن أبن حجر العسقلاني ذكر في كتاب الاصابة، أن طرقه كلها ضعيفة، فلا يحتج بها في مثل ذلك.
عقيدته: قد ذكر الأب لويس شيخو اليسوعي قساً في كتابه
(شعراء النصرانية) وقد ورد فيما روى من أخبار قس أنه كان
أسقف نجران، وقد ذكر الجارود بن عبد الله فيما وصفه به
النبيلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس المسوح، ويتبع السياح
على منهاج المسيح، لا يغير الرهبانية، مقراً بالوحدانية،
تضرب بحكمته الأمثال، ويتنكشف به الأهوال، وتتبعه
الأبدال، أدرك راس الحواريين سمعان
ولا شك أن الأب لويس لا يعنى بالنصرانية التي يثبتها لقس
الا هذه النصرانية التي تكاد تتصل بموت المسيح ﵇، ومن أهم أصولها عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء، وما إلى هذا من أصول هذه النصرانية، ولا شك أن الأخبار التي وصلت ألينا عن قس، والاثار التي وردت إلينا عنه فيما كان يدعو العرب
стр. 4412
إليه، لا تفيد أكثر من أنه كان يدعوهم إلى التوحيد، والايمان بالبعث والحساب، ولم يرد فيها أنه كان، يدعو إلى عقيدة التثليث والصلب والفداء ونحوها، وهي العقائد التي لا تثبت النصرانية التي يريدها القس لويس إلا بها، بل لم يرد فيها أنه كان يدعو إلى، الايمان بعيسى ﵇، وإنما ورد أنه كان يبشر العرب بدين جديد قرب ظهوره بينهم، فلا يمكن أن تكون عقيدته هذه النصرانية إلى يدعو إلى دين بعدها، وهي ترى أنها خاتمة الأديان، وان عيسى هو اخر الأنبياء الذي بشر به موسى ﵇، فلا يمكن بعد هذا أن يكون قس أسقفا على نصارى نجران، ألا أن تكون نصرانيتهم نصرانية أخرى غير هذه النصرانية، ولكن الذي يفيده التاريخ أنها كانت من نصرانية الروم والحبشة، ولهذا حاربوا أهل اليمن من أجلها، ومع هذا فقد أثبتنا أن قسا كان أقدم من ظهور النصرانية بنجران، ثم انه كان من إياد وكان أهل نجران من اليمن، فلا يقبلون رآسة مثله عليهم، لما كان من العصبية بين العدنانيين والقحطانيين، وأما خبر الجارود إنح فلا يفيد إلا انه كان مثل عيسى في ذلك، وقد ورد في بعض الأحاديث تشبيه أبى ذر الغفاري بعيسى في زهده وترهبه.
فلا يعدو أمر قس إلا أن يكون من قدماء الحنفاء الذين ظهروا في بدء انحراف العرب عن ملة إبراهيم إلى الوثنية، فكان يعوهم إلى ملة أبيهم إبراهيم، ويحارب فيهم هذه البدعة، وهكذا كان شان كل أولئك الحنفاء في العرب، وهذه كانت وظيفتهم فيهم، وقد حاول الأب لويس في كتابه (النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية) أن يلحق كل أولئك الحنفاء بالنصرانية ولا يخفى أن شأنهم في ذلك مثل شأن قس بن ساعدة.
خطابة: كان قس خطيب العرب وحكيمها وحكمها في عصره، وكان على شهرته بالخطابة يقول الشعر، فإذا خطب أتى في خطابته بشيء من شعره، يناسب موضوع خطابته، وقد جدد في الخطابة العربية بعض أمور تنسب إليه، منها انه أول من قال فيها (أما بعد) وبعضهم ينسبها لغيره، وقد نسبت لداود ﵇، وفسر بها قوله تعالى (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) ولكن أسلوب الكلمة عربي خالص، ولغة داود كانت عبرية، وإنما عظم شأن هذه الكلمة في الخطابة وغيرها، لأنها تساعد على الانتقال من غرض إلى غرض فيها ولا تحوج الخطباء في ذلك إلى تكلف مناسبات طامية لا تقف فيه عند حد، ويصعب على
стр. 4413
كل واحد فيه أن يأتي بما لم يأت به غيره، وإنما تحسن (أما بعد) في الخطابة والكتابة دون الشعر، لأنها أسلوب نثري، ولأن الشعر فيه من آثار الفنون ما ليس في الخطابة والكتابة، فيحسن التفنن فيه، ويقبح التزام أسلوب وا، حد في التنقل بين أغراضه. ومما ينسب إلى قس أيضاً أنه أول من خطب على شرف، وأول من اتكأ في خطابته على سيف أو عصا، وأول من كتب من فلان إلى فلان.
ولم يبلغنا من خطابة قس إلا قدر قليل لا يمكننا أن نعرف منه تماما كنه خطابته، ولا المميزات التي تمتاز بها من غيرها، ولا الدرجة التي يستحق أن يوضع فيها قس بين خطباء العرب، وإن كان قس في الخطابة مضرب المثل، وان كان الناسقد أجمعوا قديماً وحديثاً على تقديمه فيها، وقد قال فيه أعشى قيس:
وأحكم من قس وأجرأ مِلّذي … بذي الغيل من خفان أصبح خادراً
وقال الحطيئة:
وأقْوَل من قس وأمضى إذا مضى … من الرمح إذ مَسّ النفوسَ نكالُها
وقد يمكننا أن نحكم من القدر الذي وصل إلينا من خطابة قس حكما تقريبيا بأنه كان يعنى بالخطابة الدينية أكثر من غيرها، فكانت أكثر خطابته في الدعوة إلى التوحيد، والإيمان بالبعث والحساب، وما إلى ذك ممل كان يدعو العرب إليه، كما يمكننا أن نحكم أيضاً بأنه كان يؤثر فيها الألفاظ السهلة على غيرها، وكذا السجع القصير الفواصل لما له من التأثير في النفوس، وما كان له في ثقافته وعلمه وحكمته واشتغاله بهذه الدعوة العامة، إلا أن يدع التكلف في خطابته، ويخاطب الناس بهذه السهولة التي يفهمونها، وقد أنكر عليها بعض أدباء عصرنا هذه السهولة، فحكم بأنها خطابة إسلامية مختلقة على قس، وليست خطابة جاهلية ملائمة لما كان في هذا العصر من بداوة وخشونة، ولا يخفى أنه لا يمكن أن يستقل عصر من العصور بالتأثير في خطبائه أو شعرائه، وإلا وجب أن تتحد مسالكهم فيه، وألا يختلفوا في أساليبهم من حيث السهولة والشدة وغيرهما، وكم كان في الإسلام من خطباء يؤثرون الشدة في خطابتهم، وخطباء يؤثرون فيها السهولة على الشدة، فلا بدع في أن يهون بجانب الشدة في عصر الجاهلية تلك السهولة، وان تجتمع فيه كما اجتمعت في غيره الرقة والخشونة.
стр. 4414
عبد المتعال الصعيدي
стр. 4415
عروس الورد
شذى الخزامى وريا النرجس العطر … سرت بها نسمات الروض في السحر
والفجر قاد جيوش النور منتصراً … والليل أدبر لا يلوي على أثر
إلا بقايا نجوم وهي حائرة … في افقها ورشاش من سنا القمر
سرى فأنعشني ريح الصبا سحراً … فرحت أستعرض الماضي من الذكَر
والذكريات كأسراب القطا كُثُرٌ … لما تحوم على الغدران والنهَر
والقلب كالطير قد أرداهائده … بين الظلوع خفقاً خفق محتضر
أهيم والشوق يطويني وينشرني … والدمع طافٍ بجفني غير منهمر
حتى مررت بروض شاق منظره … قد أتقن الصنع فيه حذق مقتدر
لا الشعر وافٍ ولا التصوير يدركه … وإن سمت ريشة الفنان في الصور
هنا الغصون بأعطاف لها رقصت … مثل الكواعب ذات الدَّلِّ والحور
والعندليب يغنيها فيُسمعها … أشجى النشيد بلا عود ولا وتر
والزهر في مهرجان ريحه عبق … ما بين منتظم زاهٍ ومنتثر
والحوض يبدو كمرآة قد انعكست … في وجههاور الأفنان والثمر
أو خد عذراء لم يجذب بتطرية … إذا تدلت عليه خصلة الشعر
وقفت بالباب والأشواك تحرسه … أسأل الطائر الشادي عن الخبر
فأومأت مورفات الدوح مخبرة … تزوج الورد بنت السوسن النضر
فالورد في حمرة الجلباب متشح … أما العروس ففي بيض من الأزر
يحنو عليها وأحيانا يقبلها … كمدنف آب للأحباب من سفر
كلاهما ليس يخشى عين مرتقب … في الحب أو قول واش في الهوى أشر
يداعبان ضياء الشمس في شغف … وظلمة الليل في أنس وفي سمر
روحان قربت الأشواق بينهما … على اقتراب من الريحان والزهر
والكل جذلان لا الأيام توحشه … ولا تبدلفو العيش بالكدر
ثم التفت إلى نفسي وقد عصفت … فيها الهموم وأذوت زهرة العمر
بيني وبين الليالي ما يكدرني … كأنني جئت ذنباً غير مغتفر
فقلت يا ليتني في الروض زنبقة … أو بعض ورد ولم أخلق من البشر
следующие страницы →