← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

ولكن هذا الغموض الذي يحيط بحياة قس من بدئها إلى نهايتها، وهذه الأخبار القليلة التي لايمكن أن يؤلف منها لقس سيرة متصلة تعرف منها أطوار حياته طوراً فطورا، كل هذا لايمكن أن يتفق مع عيش قس في هذا الزمن القريب من ظهور الاسلام، فك رجال هذا العصر من شعراء وغيرهم معروفون لنا، وقد وردت إلينا أخبارم معلومة مفصلة. ولا تحيط بها هذه الأساطير من كل ناحية، ولا يتفق مع هذا إلا ما رجحناه في نسب قس من إدراكه عصر الحواريين، وتعميره فيه التعمير العقول في مثل هذا العصر، فتكون وفاته قبل الاسلام بتلك الأزمنة المتطاولة، التي تسمح بهذا الغموص الذي يحيط بحياة قس على شهرته وظهور أمره، نعم قد روى حديث قس وسماع النبي له في سوق، عكاظ من طرق متعددة، وقد أفرد بعض الرواة طريقه وفيه خطبة قس وشعره، وهو في الطوالات للطبراني وغيرها، ولكن أبن حجر العسقلاني ذكر في كتاب الاصابة، أن طرقه كلها ضعيفة، فلا يحتج بها في مثل ذلك. عقيدته: قد ذكر الأب لويس شيخو اليسوعي قساً في كتابه (شعراء النصرانية) وقد ورد فيما روى من أخبار قس أنه كان أسقف نجران، وقد ذكر الجارود بن عبد الله فيما وصفه به النبيلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس المسوح، ويتبع السياح على منهاج المسيح، لا يغير الرهبانية، مقراً بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال، ويتنكشف به الأهوال، وتتبعه الأبدال، أدرك راس الحواريين سمعان ولا شك أن الأب لويس لا يعنى بالنصرانية التي يثبتها لقس الا هذه النصرانية التي تكاد تتصل بموت المسيح ﵇، ومن أهم أصولها عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء، وما إلى هذا من أصول هذه النصرانية، ولا شك أن الأخبار التي وصلت ألينا عن قس، والاثار التي وردت إلينا عنه فيما كان يدعو العرب

стр. 4412

إليه، لا تفيد أكثر من أنه كان يدعوهم إلى التوحيد، والايمان بالبعث والحساب، ولم يرد فيها أنه كان، يدعو إلى عقيدة التثليث والصلب والفداء ونحوها، وهي العقائد التي لا تثبت النصرانية التي يريدها القس لويس إلا بها، بل لم يرد فيها أنه كان يدعو إلى، الايمان بعيسى ﵇، وإنما ورد أنه كان يبشر العرب بدين جديد قرب ظهوره بينهم، فلا يمكن أن تكون عقيدته هذه النصرانية إلى يدعو إلى دين بعدها، وهي ترى أنها خاتمة الأديان، وان عيسى هو اخر الأنبياء الذي بشر به موسى ﵇، فلا يمكن بعد هذا أن يكون قس أسقفا على نصارى نجران، ألا أن تكون نصرانيتهم نصرانية أخرى غير هذه النصرانية، ولكن الذي يفيده التاريخ أنها كانت من نصرانية الروم والحبشة، ولهذا حاربوا أهل اليمن من أجلها، ومع هذا فقد أثبتنا أن قسا كان أقدم من ظهور النصرانية بنجران، ثم انه كان من إياد وكان أهل نجران من اليمن، فلا يقبلون رآسة مثله عليهم، لما كان من العصبية بين العدنانيين والقحطانيين، وأما خبر الجارود إنح فلا يفيد إلا انه كان مثل عيسى في ذلك، وقد ورد في بعض الأحاديث تشبيه أبى ذر الغفاري بعيسى في زهده وترهبه. فلا يعدو أمر قس إلا أن يكون من قدماء الحنفاء الذين ظهروا في بدء انحراف العرب عن ملة إبراهيم إلى الوثنية، فكان يعوهم إلى ملة أبيهم إبراهيم، ويحارب فيهم هذه البدعة، وهكذا كان شان كل أولئك الحنفاء في العرب، وهذه كانت وظيفتهم فيهم، وقد حاول الأب لويس في كتابه (النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية) أن يلحق كل أولئك الحنفاء بالنصرانية ولا يخفى أن شأنهم في ذلك مثل شأن قس بن ساعدة. خطابة: كان قس خطيب العرب وحكيمها وحكمها في عصره، وكان على شهرته بالخطابة يقول الشعر، فإذا خطب أتى في خطابته بشيء من شعره، يناسب موضوع خطابته، وقد جدد في الخطابة العربية بعض أمور تنسب إليه، منها انه أول من قال فيها (أما بعد) وبعضهم ينسبها لغيره، وقد نسبت لداود ﵇، وفسر بها قوله تعالى (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) ولكن أسلوب الكلمة عربي خالص، ولغة داود كانت عبرية، وإنما عظم شأن هذه الكلمة في الخطابة وغيرها، لأنها تساعد على الانتقال من غرض إلى غرض فيها ولا تحوج الخطباء في ذلك إلى تكلف مناسبات طامية لا تقف فيه عند حد، ويصعب على

стр. 4413

كل واحد فيه أن يأتي بما لم يأت به غيره، وإنما تحسن (أما بعد) في الخطابة والكتابة دون الشعر، لأنها أسلوب نثري، ولأن الشعر فيه من آثار الفنون ما ليس في الخطابة والكتابة، فيحسن التفنن فيه، ويقبح التزام أسلوب وا، حد في التنقل بين أغراضه. ومما ينسب إلى قس أيضاً أنه أول من خطب على شرف، وأول من اتكأ في خطابته على سيف أو عصا، وأول من كتب من فلان إلى فلان. ولم يبلغنا من خطابة قس إلا قدر قليل لا يمكننا أن نعرف منه تماما كنه خطابته، ولا المميزات التي تمتاز بها من غيرها، ولا الدرجة التي يستحق أن يوضع فيها قس بين خطباء العرب، وإن كان قس في الخطابة مضرب المثل، وان كان الناسقد أجمعوا قديماً وحديثاً على تقديمه فيها، وقد قال فيه أعشى قيس: وأحكم من قس وأجرأ مِلّذي … بذي الغيل من خفان أصبح خادراً وقال الحطيئة: وأقْوَل من قس وأمضى إذا مضى … من الرمح إذ مَسّ النفوسَ نكالُها وقد يمكننا أن نحكم من القدر الذي وصل إلينا من خطابة قس حكما تقريبيا بأنه كان يعنى بالخطابة الدينية أكثر من غيرها، فكانت أكثر خطابته في الدعوة إلى التوحيد، والإيمان بالبعث والحساب، وما إلى ذك ممل كان يدعو العرب إليه، كما يمكننا أن نحكم أيضاً بأنه كان يؤثر فيها الألفاظ السهلة على غيرها، وكذا السجع القصير الفواصل لما له من التأثير في النفوس، وما كان له في ثقافته وعلمه وحكمته واشتغاله بهذه الدعوة العامة، إلا أن يدع التكلف في خطابته، ويخاطب الناس بهذه السهولة التي يفهمونها، وقد أنكر عليها بعض أدباء عصرنا هذه السهولة، فحكم بأنها خطابة إسلامية مختلقة على قس، وليست خطابة جاهلية ملائمة لما كان في هذا العصر من بداوة وخشونة، ولا يخفى أنه لا يمكن أن يستقل عصر من العصور بالتأثير في خطبائه أو شعرائه، وإلا وجب أن تتحد مسالكهم فيه، وألا يختلفوا في أساليبهم من حيث السهولة والشدة وغيرهما، وكم كان في الإسلام من خطباء يؤثرون الشدة في خطابتهم، وخطباء يؤثرون فيها السهولة على الشدة، فلا بدع في أن يهون بجانب الشدة في عصر الجاهلية تلك السهولة، وان تجتمع فيه كما اجتمعت في غيره الرقة والخشونة.

стр. 4414

عبد المتعال الصعيدي

стр. 4415

عروس الورد شذى الخزامى وريا النرجس العطر … سرت بها نسمات الروض في السحر والفجر قاد جيوش النور منتصراً … والليل أدبر لا يلوي على أثر إلا بقايا نجوم وهي حائرة … في افقها ورشاش من سنا القمر سرى فأنعشني ريح الصبا سحراً … فرحت أستعرض الماضي من الذكَر والذكريات كأسراب القطا كُثُرٌ … لما تحوم على الغدران والنهَر والقلب كالطير قد أرداهائده … بين الظلوع خفقاً خفق محتضر أهيم والشوق يطويني وينشرني … والدمع طافٍ بجفني غير منهمر حتى مررت بروض شاق منظره … قد أتقن الصنع فيه حذق مقتدر لا الشعر وافٍ ولا التصوير يدركه … وإن سمت ريشة الفنان في الصور هنا الغصون بأعطاف لها رقصت … مثل الكواعب ذات الدَّلِّ والحور والعندليب يغنيها فيُسمعها … أشجى النشيد بلا عود ولا وتر والزهر في مهرجان ريحه عبق … ما بين منتظم زاهٍ ومنتثر والحوض يبدو كمرآة قد انعكست … في وجههاور الأفنان والثمر أو خد عذراء لم يجذب بتطرية … إذا تدلت عليه خصلة الشعر وقفت بالباب والأشواك تحرسه … أسأل الطائر الشادي عن الخبر فأومأت مورفات الدوح مخبرة … تزوج الورد بنت السوسن النضر فالورد في حمرة الجلباب متشح … أما العروس ففي بيض من الأزر يحنو عليها وأحيانا يقبلها … كمدنف آب للأحباب من سفر كلاهما ليس يخشى عين مرتقب … في الحب أو قول واش في الهوى أشر يداعبان ضياء الشمس في شغف … وظلمة الليل في أنس وفي سمر روحان قربت الأشواق بينهما … على اقتراب من الريحان والزهر والكل جذلان لا الأيام توحشه … ولا تبدلفو العيش بالكدر ثم التفت إلى نفسي وقد عصفت … فيها الهموم وأذوت زهرة العمر بيني وبين الليالي ما يكدرني … كأنني جئت ذنباً غير مغتفر فقلت يا ليتني في الروض زنبقة … أو بعض ورد ولم أخلق من البشر

стр. 4416

دمشق عبد الجبار جرمود

стр. 4417

لوعة الربيع وقفت - ولم أقصد - على ضفة النهر … وطرفي ممتد إلى حيث لا أدري! وفي النفس ما فيها! عواطف جمَّة … يضيق بهادري، ويعيا بها فكري عواطف، لا أدري حقيقة أمرها … ولكنها بين الكآبة والشعر! أراقب سير الموج، والريح سجسجُ … تعابث وجه الماء، وهو بها يزري ودجلة يجري في جلالٍ وروعةٍ … وعزم كعزم الدهر، كراً بلا فرّ تطلُّ عليه الشمس من خلف رفرفٍ … - على الضفة الأخرى - من النخل والسِّدر فينساب، لا يلوي على ما وراءه … كأن به شيئاً من التيه والكبر يجرُّ على الشطَّين فضل غلالةٍ … من الموج، كالأملاك في غابر الدهر رزين، قويّ، يملأ النفس هيبةً … وقور، فسيح الصدر، متزن السير فخيلّ لي - والماء ينساب جارياً … كان حياة بين أثنائه تجري ولو كان ذا روح، لعمرك - لم يكن … بأهيب منه وهو يجري، ولا يدرى! فحولت وجهي، ساكن النفسامتاً … سوى خفقان خافت الجرس فيدري فما هاجني إلا جلالة موكبٍ … تسير به شمس الأصيل إلى الخدر وقد برزت في حل من شعاعها … مذهبة، في منظر فاتن مغري ومن خلفها، يحملن فضل إزارها … جوار من السحب المنوّرة الأز ودرت بيميني حول نفسي فلم أجد … سوى كل ما عند الطبيعة من سحر فذى الأرض كيف إزَّينت وتجملت … بثوب من الأعشاب رصّع بالزهر وهذا النسيم الرطب، نشوان فارح … بما نال عند الزهر من عاطر الذكر وهاتيك أرواح تَجولُ في الفضا - ءِ محسوسة التأثير، مجهولة الأمر لعمرك ما أدري! أأرواح جِنّة … ترفرف، أم روح الربيع انبرت تسري أم السحر هذا، أم خيالات شاعر … سبت لبّه أشباح آلهة الشعر وذانك عصفوران من خلف دجلة … يطيران في جو من الحب والطهر وتلك حمامات ينحن نوادباً … يساجلن فوق الدوحادحة القمر وكلٌّ بتمجيد الطبيعة هاتفٌ … مُهنٍّ بميلاد الربيع ابنها البكر بدت تعلن البشرى بشتى لغاتها … فذا الطير بالنجوى، وذا الزهر بالنشر

стр. 4418

وتلمح حتى للجماد بشاشة … ووجهاً ودوداً يستميلك كالسحر! حياة لعمري لامست كل ميت … تحس بها نفسي، وينكرها فكرى! فمالك ياقلبي كأنك نائم … تساورك الأحلام غامضة السر؟ لئن كنت في ليل الطبيعة راقداً … شتاءً، فأنت اليوم في غرة الفجر حنانيك هذا يومك المرتجى فقم … وباكر لذاذات الهوى الطامح العذري حرام علينا أن يمرّ بنا سُدى … ولم نقض منه مأرب الشاعر الحر فجارِ الملا إن كنت منهم ومثلهم … وطر في الفضا إن كنت من زمرة الطير ونُح بالأسى إن كنت أسوان يائساً … وبح بالهوى إن كنتبا أخاضر وفيما الأسى واليأس - والكل منقضِ؟ … وأنت لدي عيدين جاءا على الأثر فهذا ربيع للطبيعة ناضرٌ … جميل المحيا، زاهر، باسم الثغر وهذا ربيع الشباب محبب … بأحلامه، حلو المنى، ناعم البشر وما العمر إلا مدة ثم تنقض … كالحلم، بما فيها من الخير والشر لقد فاتني ما قد خلقت لأجله … وأدركني ما يرتجي نيله غيري فما طعم عيشي؟ لا شقاء ولا هنا … ولا يائسة تقضى ولا أمل يغرى! حنانيك فامرح في الضلال أو الهدى … وهبتك ما تهوى فمالك من عذر وخذ قسطك الأوفى - من الأرض والسما … من الروح والريحان والنور والنِّور العراق - العمارة عبد الحق فاضل الصيدلي

стр. 4419

من الأدب الهندي الببغاء لشاعر الهند الأكبر طاغور ترجمة الأستاذ مصطفى كامل المحامي كتب طاغور هذه القصيدة التي نترجمها اليوم منذ بضع سنين في بنغالي تحت عنوان (الببغاء) وقد فهم بعض الناس في الهند عند قراءتها أنها رمز لاذع عن النظام المدرسي المدخل بالهند، ثم انتشرت هذه القصيدة في بلاد أخرى من آسيا فقال الناس (من الممكن أن الشاعر قد أراد بشعره أن يشير إلى النظام الذي أدخل في بلادنا) ورأى آخرون أن غرض النظام الذي أدخله الأوربيون في آسيا هو الحصول على النتائج التي نجحت مع الببغاء؛ وتصايح بعض لأوربيين (أرأيتم الام يؤدي الأمر إذا أردنا أن ندخل التعليم العالي في شعب لا يفهم شيئاً من مبادئنا التعليمية العالية) ثم يديرون رؤوسهم والرضى ملء نفوسهم، وقليل ما هم الذين أدركوا أن ببغاءهم أيضا ينحدر إلى الموت في نفس الوقت. - ١ - كان عصفورا شديد الجهالة يهزج كل يوم، يقفز ويطير من هنا وهناك، دون أن يعنى بالعلم أو حسن السلوك. فقال الملك يوما لا يصلح هذا العصفور لشىء، وهو يحدث مع ذلك أضرار جمة، فيتلف ثمار الحديقة الملكية؛ واستدعى في الحال وزيراً وأمر أن ويعلم العصفور أحسن التعليم. - ٢ - كلف ابن أخي الوزير بتعليم العصفور، فعقد المعلمون أولاً مجلسهم، ثم تباحثوا وتجادل دون انقطاع، في الأسباب الحقيقية لجهل العصفور؛ وقرروا أخيراً أن عش الطائر المصنوع من الخشب، شديد الضيق فلن يسع العلم العريض، ورأوا قبل كل شيء أن يصنع له قفص جميل. - ٣ - استدعواانعنا ليصنع قفصاً من ذهب، فجاء آية فنية مثيرةللإعجاب، حتى بادر الناس من

стр. 4420

كل فج لرؤيته وقالوا: (سيتل العصفور أخيراً تعليماً حسناً)؛ وصرح آخرون: (حتى ولم ينل أحسن التعليم، فإن له الحظ أن يكون له قفص جميل! ما أسعد جَد هذا العصفور! ورجع الصانع سعيداً ملئ اليدين من حسن الجزاء، وابتدأ الأستاذ درسه بعد أن جذب نفساً من غليونه، وقال لا بد لي من مكتبة. فدعا ابن أخي الملك نساخي البلاد، فنسخوا ونقلوا الكتب حتى تجمع منها الكثير، فقال كل من رأى هذه الأسفار: (مرحى سيكون له الآن من المعرفة قدر وفير)، ورجع النساخون بجوائز طردت عنهم إلى الأبد شر الفاقة. وبذل الوزير لهذا القفص الثمين من ضروب العناية ما ليس له حدود، حتى جهر الناس جميعا وقالوا: سيتقدم التعليم بكل هذه الجهود، وتوفر على العناية بهذا القفص كثيرون، ولرقابة هؤلاء توفر نفر أكثر، وفازوا جميعاً بأسمى الهبات والعطايا. - ٤ - تنقص الدنيا أشياء كثيرة، إلا أن الساخطين لا ينقصهم أن يهمسوا، (إن القفص معني به كل العناية، لكن العصفور على ما يظهر مهمل)؟ وبلغ الهمس آذان المليك. فاستدعى الوزير واستخبره معنى هذا الهمس، فقال الوزير: (يا مولاي، إذا أردتم معرفة كل الحقيقة، فاستدعوا المعلمين والنساخين والصائغ والرقباء على القفص ومراقبي الرقباء وقد قال الساخطون ما قالوا، لأنهم يتضورون من الجوع)، فاقتنع الملك وجزى الوزير، فأهدى سلسلة من الذهب إليه. - ٥ - وتاق الملك يوماً إلى معرفة نجاح العصفور، فتوجه إلى المدرسة في حفل من الوزراء والأصدقاء والندامى، وأذاعوا زيارة الملك في الأبواق، ودقت النواقيس المعلقة فوق المدرسة، وأخذ العلماء يرتلون الأجزاء المقدسة، وهتف البناؤون والعمال والنساخ والصائغ فيوت واحد (ليحيى الملك). وقال الوزير (مولاي! انظر!) فأجاب الملك (مدهش! ولكن ما هذه الضوضاء؟) فقل الوزير: ليست هذه ضوضاء فحسب، فان وراءها معنى خبيئاً؛ وطرب الملك كثيراً

стр. 4421

وجاز الدهليز، وحين أراد امتطاء الفيل خرج الناقد من مخبئه خلف شجيرة وقال بخبث: (هل رأيت العصفور يا مولاي؟) فأجل الملك وقال: (لم أر العصفور حقاً) وكر راجعاً مع الأساتذة وهو يقول: (أريد أن أعرف الطريقة التي اتبعتموها في تعليم العصفور، فلما رآها الملك وجدها بديعة، ولم يلاحظ نقصاً في شيء، كما أن الأوامر كلها مرعية، ما كان في القفص ماء ولا حَب، وإنما كان يحشى فم العصفور بأوراق الكتب، فلم يعد قادراً على التغريد، إذ لم تبق أدني فرجة يخرج الصوت منها؛ وما كان أبشع المنظر! وقبل أن يمتطى الملك الفيل أمر بالناقد فلكمه جنده. - ٦ - وغدا العصفور دقيقاً رقيقاً على مر الزمن حتى بدا كالميت، لكن الحراس ظنوا أنه مازال هناك أمل، والتفت العصفور نحو ل الضوء في الصباح، ورفرف بالغريزة على حائط القفص بجناحيه، وحاول أن يقطع أسلاك القفص الذهبية بمنقاره الواهن، فصاح الحارس: (أي أحمق!) وأسرع فأحضر الحداد فصنع أسلاكا من الحديد، ثم قصوا جناحي الطائر. وقال أصدقاء الملك وهم يهزون الرءوس: (ليست طيور هذه الملكة جاهلة فحسب، وإنما تجمع إلى الجهل نكران الجميل)، وعاود المعلمون واجبهم باليقين الراسخ، ورجع الحداد قريراً بإلعطاء الجزيل، والحارس القانع بالراتب المبذول جزاء انتباهه - ٧ - وقضى العصفور، ولميعرف أحد متى مات، واذاع الناس قالة السوء، واستدعى الملك ابن أخيه يسأله عما حل بالعصفور: - إن تعليمه قد تم يامولاى - الا يقفز الآن؟ - كلا! - أما يزال يطير؟ - كلا! - أيغني؟

стр. 4422

- كلا! - فمذا يفعل إذا جاع؟ - لاشىء - أحضره إلى فاني اريد أن أراه واحضروه إلى الملك فلمسه وضغطه دون أن يظهر الطائر علامة على الحياة الا حفيف الورق الذي حشوا به معدته، على حين اهتزت أوراق الشجر وقد مرت بها نسمة من نسمات الربيع! (طاغور)

стр. 4423

العلوم خلق المادة في الكون بقلم فرح رفيدي أين يخلق الكون؟ - كيف توصل ملكان إلى اكتشاف مصدر الأشعة. الكونية وبناء نظريته في خلق المادة في الكون؟ في الفضاء خليط من المؤثرات إلتي تفعل فعلها في الأجسام والأشياء وهي مستترة في الأثير، لا ترى وكأنها ترى، كائنة وكانها غيركائنة. وهي مزيج من الاشعاع المنبعث من جميع الجهات. فاشعاع من الشمس تراه العين وتحس به، واشعاع اخر من الشمس لا تراه العين ولا تحس به، وأشعة مصدرها الأرض وأخرى مصدرها النجوم وا لشمس، أشعة إكس وأشعة والراديوم، والأشعة الكهربائية واللاسلكية وأشعة الحرارة. وكل هذه تنطلق بسرعة متناهية في الفضاء ونحن لانشعر بها ولا ندري حركتها. ولهذه الأشعة تأثير خاص في الهواء المحيط بنا وبها وخصوصا الأشعة ذات الموجة القصيرة كأشعة أكس او الراديوم، فانها تحلل الهواء إلى ذرات مكهربة تكهرباً سلبيا او ايجابيا والذرات المتشابهة بالكهربائية تتنافر من بعضها كلما تقاربت، والذرات المختلفة الكهربائية تلتصق وتتحد في تلاقيها وبذالك تفقدفة التكهرب وتصبح مادة في حالتها الطبيعية. لقياس مقدار تكهرب الهواء أو تحلله إلى ذرات من تأثير هذه الأشعة توجد الة خصوصية تقيس الكهربائية إلى درجة دقيقة جداً. وهذه الآلة هي (الالكتروسكوب). جرب أحد العلماء أن يمنع الأشعة المعروفة من دخول هذه الآ له ليرى هل يبقى تأثيرها في الهواء أم يتلاشى باختفائها ومنعها، فوضع الالة في داخلندوق من الرصاص الغليظ ليمنع دخول أقوى أشعة معروفة، فوجد بعكس ما توقع من أن الآلة ظلت متأثرة بالرغم من احاطتها بالرصاص فاستنتج من ذلك وجود أشعة أقوى من الأشعة المعروفة قدرت أن تخترق سماكة الحائط الذي بناه وتتصل بالآلة التي وراءه. ظل هذا الاكتشاف سبع سنوات غامضا، إلى أن قإم رجل سويسرى سنة ١٩١٠ وصعد إلى علو ٤٥٠٠ متر ومعه الالكتروسكوب، فوجد خلاف المنتظر، بان تكهرب الهو اء. أو تأينه (تحليله إلى ذرات مكهربة تسمى الواحدة منها أيون ازداد مع ارتفاعه. فقد ظن أن مصدر

стр. 4424

هذا التأثير أشعة منبعثة من الأرض وليست من السماء، فعلى ذلك مقدار التأين يجب أن يقل بدلا من أن يزداد مع الارتفاع. بعد ذلك بقليل قام المانيان وطارا إلى علو ٩ كيلو مترات فوجدا أيضا ذات النتيجة. لم يكن العالم الأميركي أثناء ذلك ساكتاً عن هذه (التجارب ونتيجتها الواحدة، بل أثرت عليه كل التأثير، وحفزته للعمل بأن يقوم بهذه المهمه في اكتشاف أصل هذا التأثير ومصدر تلك الأشعة التي لم تكن في الحسبان ولم تخطر على بال. فقام في سنة ١٩٢٦ مع مساعدة وصعد منطادينغيرين في الفضاء إلى علو ١٥ كيلو متراً. وكان المنطادان مرتبطين الواحد بالآخر، وحجم أحدهما مصنوعا بالقدر الذي ينفجر فيه عند العلو الطلوب، والآخر كان ليقل الأدوات الأتوماتيكية لقياس وتقييد ألتأثيرات الجوية ولارجاعها بعد بلوغ علوها إلى الأرض سالمة. فكان من هذه الآلات الالكتروسكوب لقياس الكهربائية والترمومتر للحرارة والبارومتر لمقدار ضغط الهواء، والاواح الفتوغرافية المختلفة لتنطبع عليهاور التأثيرات المختلفة، ثم الالة التي تسير كل هذه الأجهزة حركة أوتوماتيكية مطردة. ومع كل ذلك فأن وزن المنطادين مع مافيهما من غاز وآلات متعددة لم يزد على ١٩٠ جراماً أو ما يعادل ٥٠درهماً تقريبأ. وذلك مما يدل على دقة الصنع والتركيب ويبين مقدار أهتمام ملكان بالتجربة وتفرغه لها. والنتائج التي ظهرت من هذه التجربةأتت مطابقة للتجارب الأولى. فلم يعد بعد شك في وجود أشعة خفية دقيقة ذات تأثيرعظيم. على أن ذلك لم يقنع ملكانقط، ولم يقلل من شوقه لمعرفة تلك الأشععة وما أليها. ففي ذات السنة التي أجري فيها تجربت المنطادين، عد بالأكتروسكوب الى قمم جبال مختلفة العلو في أميركا، ليرى تماما مقدار اختلاف التأين باختلاف معين في الارتفاع. وقد تحقق من ذلك شيئان: الأول أن قوة (الأشعة تزداد مع الارتفاع، وذلك يؤكد بأن مصدرها ليس هو الأرض بل السماء. والثاني أن هذه الأشعة ليست متجانسة، بل من ثلاثة أنواع، تختلف عن بعضها بقوة نفوذها فى الهواء، فمنها لقوتها من قدرت أن تخترق الهواء كله وتصل سطح الأرض، ومنها من استطاعت فقط أن تنفذ في بعضالطبقات العليا غير المتكاثفة، والأخيرة لضعفها لم تقدر على التعمق كالأوليين فظل تأثيرها محصواً في الطبقات الرقيقة من الهواء. تجارب في الفضاء وفوق سطح الأرض أكدت أن الأشعة آتية من فوق، ولكن

стр. 4425

يتحقق من ذلك أكثر، خطر لملكان أن يجري تجاربه في داخل الأرض تحت الماء. فوضع الكتروسكوباً أدق من لأول فيندوق من الرصاص يحتمل الضغط على عمق ٦٧ قدما في الماء، أي يحتمل ضغط كيلو جرامين لكل سنتيمتر مربع. فاذا كان مصدر هذه الأشعة حقيقة من الفضاء فالتأثيرات تحت الماء يجب أن تقل كلما ازداد الاناء عمقا، لأنه كلما نزل الاناء في جوف الأرض بعد عن مصدر الأشعة، وبذلك ضعف تأثيرها على الهواء بحكم السافة البعيدة التي تقطعها. والنتيجة أتت - كما توقع - أي أنها كانت تضعف تدريجيا في نزولها تحت الماء. وقد وجد من اختراق هذه ام لأشعة جميع طبقات الهواء، ومن نفوذها ٥٠قدما في الماء. أن لها من ألقوة ما يعادل ١٠٠ ضعف قوة أشعة إكس، وأن طول موجتها أصغر من طول موجة الثانية ب ٥٠٠٠مرة تقريبا. وهي لذلك قادرة على اختراق حائط من الوصاص عرضه متران. اجرى بعد ذلك ملكان تجارب متعددة في الليل والنهار، وفي أوقات مختلفة من الليل وأوقات مختلفة من النهار، وفي ضوء القمر وتحت ستر الظلام والنجوم بكثرتها لامعة مشعة، وفي أمكنة ببعدة عن الجبال عن المدن، وفي المغاور حيث لا تدخلها الشمس، ولا ينفذ اليها شعاع النجوم، وفي الصيف تحت تاثير حراره الشمس المحرقة، وفي الشتاء تحت تأثير البرق والرعد، ليرى هل لكل هذه الأشياء والظواهر الطبيعية تأثير خاص على الأشعة وقوة انفعالها في الهواء. فوجدها غير متأثرة بها جميعا. فكان تأثيرها واحداًيفا وشتاءً ليلآ ونهارا، وما كان ليفرق بين تأثيرِ وتأثير إلا الارتفاع والهبوط. فاستنتج من ذلك أن الشمس والنجوم ليست مصادر هذه الأشعه. ذكرنا أن التجارب دلت على وجود ثلاثة أنواع من هذه الأشعة، تختلف عن بعضها بقوة نفوذها. وقد وجد ملكان من الحقائق التي توصل اليها أن نسبة هذه القوى الى بعضها كنسبة الأرقام الثلاثة هذه: ٣٥،.: ٨ ' ,.،: ٤.،. الى بعضها. وكل رقم منها يشيرالى نوع من هذه الأشعة. وقال ملكان من حيث ان الأشعه لا تأتينا من الأرض او من النجوموالشمس فلا بد من ان تكونادرة عن احوال ومقتضيات مضادة للأحوال والمقتضيات إلى في جوف الشمس أو في داخل النجوم. وبما أن الأحوال فيالثمس تدعو إلى انصهار وهدم المادة من شدة الحر والضغط فالأشعة هذه يجب أن تكون ناتجة عن بناء المادة

стр. 4426

وتركيبها من ذرات (الكترونات وبروتونات) في أماكن بعيدة عنا في الفضاء، حيث تقرب درجة الحرارة من الصفر المطلق. ٢٧٣ - قسم آستون العالم السويدى جميع العناصر التركب منها الكون إلى قسمين: مشعة كالراديوم وغير مشعة كالحديد والرصاص. وقد لاحظ أنه لما كان عنصر الهيدروجين أبسط العناصر تركيبا، إذ هو مركب من بروتون واحد والكترون واحد، وأخفها وزنا، فانه يمكنافتراض أن جميع العناصر الأخرى متركبة منه كتركيب جميع الأعداد الصحيحة من الواحد الصحيح، فذزة الهليوم تساوي في وزنها أربع ذرات ذرات من الهيدروجين، وذرة الصوديوم تساوى ٢٣ ذرة من الهيدروجين أيضا. وكذلكافترض ملكان ان الهيدروجين يدخل في تركيب جميع العناصر، وأنه الحجر الأساسي في بناء الكون. وقد افترض ملكان أيضاً طبقا لمعادلة اينشتاين (القائلة بأن انصهار جزء من المادة في داخل النجوم يولد جزءاً مقابلاً من الحرارة والقوة تشع في كل أنحاء الفضاء). إن هذه الحرارة والقوة المنبعثة باستمرار من النجوم، ستصير يوما ما وفي مكان ما مادة تحت الظروف الملائمة لبنائها، وأنه ما من مادة تنعدم في النجوم إلا ويقابلها بناء ثان في غير النجوم. بقسمه العناصر إلى , مشعة وغير مشعة ترى أن المواد المشعة اقل من المواد غير المشعة، وهذا شيء طبيعي، لأن هذه المواد باشعاعها الدائم تتحول إلى مواد أخرى، وبذلك تقل نسبة وجودها في الكون تدريجياً. فأخذ ملكان بعد ذلك ثلاثة عناصر تولف الجزء الأكبر في تركيب الكرة الأرضية والشهب والنجوم. ووجد أن هذه العناصر الثلاثة في الهيليوم والأو كسجين والسليكون. وقال اذا كانت هذه الأشعة التي لاحظناها ناتجة عن بناء العناصر فأن الهيدروجين وهو أبسطها تركيباً الحجر الأساسي في هذا البناء. وبواسطة معادلة اينشتاين استخرج مقدار القوة الضائعة في بناء كل ذرة لكل من العناصر الثلاثة وبواسطة معادلة أخرى اشترك في إيجادها ثلاثة شباب: (ديراك شاب انجليزي، و (كلاين شاب ألماني، و (نشينا شاب ياباني، استخرج نسبة قوى هذه العناصر الضائعة إلى بعضها، فوجدها كما يأتي: ٣،.: ٨.،.: ٤.،. وهذه كما نرى ذات الأرقام التي استنتجها من تجاربه، إلا في الرقم الأول فالاختلاف فيه تعلله قلة الضبط في التجارب فقط.

стр. 4427

وهكذا كان نجاح ملكان في تعليل نظريته في بناء الكون من طريقين: طريق التجربة التي أدت إلى اكتشاف تلك الأشعة الصادرة عن بناء الكون، ولذلك سميت الأشعة الكونية؛ وطريق الرياضيات التي طابقة نتائج تجاربه كل المطابقة، فدلت لا على اكتشاف أشعة جديدة من مصدر جديد فحسب بل أيضا على توحيد النظريات والمعادلات الرياضية مع الظواهر الطبيعية، وعلى دقتها وتلاؤمها بعضها مع بعض. جامعة بيروت فرح رفيدي ٣ - اسحاق نيوتن ١٦٤٢ - ١٧٢٧ للأستاذ مصطفى محمود حافظ كتاب (البرنسببا): في ابريل سنة١٦٧٦ تقدم نيوتن إلى الجمعية الملكية بكتابه المشهور (البرنسبيا) وهو في ثلاثة اجزاء. وقد شرح في الجزء الأول منةنظريته الخاصة بتحرك الأجسام مع البرهان الكامل لقانون الجذب العام. وقد أمرت الجمعية الملكية أن يطبع هذا الكتاب علىنفقتها الخاصة، ولكن ذلك لم يتم لانها لمتشأ أو لم تقدر على جميع النفقات الازمة لذالك. ولك ن (هالي) ديق نيوتن قام بذلك على نفقته الخاصة. فخرج الكتاب بالاتينية في مايو سنة١٦٨٧. ولم تكد تظهر أصول الجزء الأول من (الرنسبيا) حتى قام دكتور (هوك) ينسب إلى نفسه الأسبقية في الكشف عن قانون التربيع العكسي متهماً نيوتن بأخذ هذا الاكتشاف عنه. وبذك اتسعت شقة الخلاف بين العالمين، ولكندكتور (هالي) تمكن بتأثيره على نيوتن من أن يجعله يشير في كتابه إلى أنه مع (رن) و (هوك) و (هالي) توصلوا في نفس الوقت إلى قانون الجاذبية من قوانين (كبلر) في حركة الكوكب. وقد اشتمل الجزءالثاني من البرنسبيا على مبادى علم الأيدروستاتيكا، والأيدروديناميكا، كما اشتمل على تطبيق قانون الجذب العام في شرح ظواهر المد ونسبتها إلى مكان القمر من

стр. 4428

البحار، وقد أضاف إليها هو مواضع الشمس أيضا. وقد احتوى البرنسبيا أيضاً على موضوع المذنبات، فاعتبرها أجساماً سماوية تسير في قطع ناقص هائل، ولا تظهر لنا إلا وهي تقطع جزءاًغيراً من هذا القطع الناقص بالقرب من الشمس، وعلل بذلك ظهورها بعد أزمنة معينة: وبذا يكون قانون الجاذبية قد امتد خارج المجموعة الشمسية فشمل هذه المذنبات أيضاً. لقد احتوى هذا الكتاب نواة الفلسفة الطبيعية، ولكنه لم يؤخذ به كأساس هي لذلك إلا بعد سنوات، وذلك لحملات النقد الكثيرة التي كانت توجه إليه من أمثال (هوك) و (هيجنز) و (ديكارت) وأن كان البعض قد آمن به بعد حين. وبرغم اتصال نيوتن بجامعة كامبردج طول حياته فانها لم تكن الجامعة الأولى التي أخذت بما في كتابه من فلسفة، وسبقتها في ذلك جامعات اسكتلندا. حياته العامة: أخذ نيوتن راحة طويلة بعد ذلك المجهود الذي مكنه من اتمام البرنسبيا في سنتين فقط. وفي سنة١٦٨٨ اختير عضواً برلمانياً بعد دفاعمجيد قام به مع غيره لصيانة حرمة جامعته عندما أمر الملك (جيمس الثاني) جامعة كامبردج أن تمنح قساً جاهلاً درجة (الأستاذية)، مما كان له أثر في رجوع الملك عن أمره. وقد انصرف إلى أعماله البرلمانيهسنتين، ولو أنه لم يسجل له أي مساهمة في مناقشة سياسية. وفي ذلك الوقت اصابتة أكبر محنة لاقته في حياته، تلك هي وفاة امه التي ضحت من أجله بالكثير من القليل وساعدته للوصول إلى ما وصل اليه. فبرغم قلة دخلها السنوي الذي لم يتجاوز الثمانين من الجنيهات، كانت تقتر على نفسها لتنفق عليه في (جرانتام) وفي سنواته الأولى في كامبردج. وفي سنة١٦٩٠ عاد إلى كامبردج ليزاول التدريس مرة أخرى، كما اشتغل بدراسة تأثير الضوء على شبكية العين بتجارب أجراها في نفسه. وقد أجرى تجارب لتقدير درجات انصهار بعض المعادن وملاحظة معدل برودتها، وقال إن هذا المعدل يتناسب وزيادة درجة حرارة الجسم على درجة حرارة الوسط الذي يحيط به. ولكن بحوث (دولنج دبتي) أثبتت بعد ذلك أن هذا ليس بصحيح إلا إذا كان الفرق بين درجتي الحرارةغيراً. وقد شاء نيوتن أن يخرج للعالم كل ما وصل إليه في علم البصريات، وهو العلم الذي كان يشغل دائما جزءاً من وقته، ولكن كارثة لا يعلم إلى الآن سببها الحقيقي سببت حرق أغلب

стр. 4429

مذكراته. فقد ترك غرفته ليلاً وبها شمعة موقدة وأخر إلى أجل قليل، فعاد ليجد الشمعة قد انكفأت فأحرقت جُل مذكراته. ويقال إن كلباًغيراً يدعى (دياموند) كان السبب في ذلك، ولكن لسوء الحظ لم يعرف عن نيوتن الميل إلى إبقاء مثل هذه الحيوانات برغم حبه العظيم لها. وبذا لم يتمكن نيوتن من إعادة مذكراته وإتمامها إلا بعد اثني عشر عاماً. في دار سك النقود لم تكن المائتي جنيه التي كان يتقاضاها نيوتن سنويا عن وظيفة الأستاذية في الجامعة لتكفي للقيام بحاجاته؛ فسعىديق له يدعى (شارل مونتاج) حتى عين في سنة ١٦٩٥ وكيلا لدار سك النقود بمرتب سنوي يتراوح بين ٥٠٠ و ٦٠٠ جنيه. فوجه كل عنايته إلى عمله بعيداً عن المناقشات العلمية، ولكنه مع ذلك كان يشتغل بحل المشكلات إلى تقابل غيره. ففي سنة ١٧٩٧أعلن الرياضي الكبير (جون برتولي) عن معضلات رياضية يطلب إلى العلماء حلها، ففعل ذلك نيوتن في يوم واحد. وفي سنة١٦٩٩ أصبح رئيساً لدار السك بمرتب سنوي قدره ١٢٠٠ من الجنيهات، فترك مهنة التدريس التي كان يزاولها مع وكالته للدار. وقد وجه نيوتن عنايته إلى إصلاح العملة الانجليزية مما دخلها من الغش، فوفق إلى ذلك بعدعوبات لاقاها هو وصديقه (هالي) الذي عينه مديراً لأحد الفروع، ممن كانوا يستفيدون من ذلك الغش. فاتهموه بالرشوة عندما وجدوه يرفضها. وفي سنة ١٧٠٠ اكتشف نيوتن آلة السدس (السكستانت) وعي الآلة التي يتمكن بها الملاحون من معرفة أماكنهم في عرض البحار، ولكن هذا الاكتشاف ينسب عادة إلى (هادلي). وفي سنة ١٧٠٣ نال نيوتن اعظم شرف منحه في حياته، وهو رياسة الجمعية الملكية؛ وقد لبث في هذه الرياسة حتى موته، ولا تزالورته معلقة فوق كرمي الرياسة. وبعد سنة من ذلك التعيين توفي منافسه الدكتور (هوك) وأتم كتابه (البصريات). وقد احتوى هذا الكتاب كل ما وصل إليه في علم الضوء، كما احتوى أيضا على رسالة في حساب التكامل، قال إن أساسها هو ما وصل إليه في سنة ١٦٦٥ عندما كان في (وولثورب)، فقام يعارضه في ذلك العالم الرياضي (ليبنتز)، الذي اصبح بعد وفاة (هوك) شر خلف لأعند سلف. هاجم نيوتن

стр. 4430

مهاجمة عنيفة، فاتهمه بسرقة اساس علم التكامل منه، فقام دكتور (كيل) من اكسفورد وأعلن أن (ليبنتز) هو سارق حساب التكامل من نيوتن. والواقع أن كليهما وصل مستقلاً إلى علم حساب التكامل، إلا أن نيوتن له الأسبقية في ذلك وإن لم ينشرما وصل إليه في حينه، كما أقرت بذلك اللجنة التي عينتها الجمعية الملكية للتحقق من مبلغحة أقوال المتنافسين. عند ذلك اختار (ليبنتز) ناحية أخرى يهاجم منها نيوتن، فادعى أن فلسفته إلحادية، واستمر زمناً طويلاً كان هو البادئ بالعدوان دائما. وقد تحدي نيوتن مرة أن يحل مسالة رياضية فحلها نيوتن في ليل واحدة بعد كل اليومي في دار السك. نيوتن الرجل كان طويل القامة، كث الشعر أبيضه، وقد لحقه الشيب ولما يزل في سن الشباب؛ كان كثير التفكير، يندر أن يشترك في مناقشة كلامية. ذاق نيوتن طعم الفقر والحرمان في أيامه الأولى، وحتى بعد انتخابه عضواً في الجمعية الملكية قصرت موارده عن أن يدفع رسم دخول واشتراك الجمعية، فاعفي منهما مع ضآلتهما. ومع ذلك كان كريماً يساعد أقاربه وأصدقاءه. كان وديعاً خجولاً متواضعاً، وكان دائماً يردد قوله: (لا أعلم ماذا يعتقده الناس فيّ، ولكني أعلم أنني كطفلغير ألعب على الشاطئ فأجد من حين لآخر حصاة قدقلتها الأمواج، أودفة تدعوني إليها بحسنها، بينما محيط الحق أماي لم أكشف منه شيئاً). لم يكن يميل إلى الظهور واسترعاء الأنظار إليه، كما كان لا يميل إلى المناقشات والمشاجرات، ومع ذلك لازمته ولاحقته بعد كل جديد كان يصل إليه. كان ضعيف الذاكرة، لا يعتني كثيراً بملابسه، غريباً في أذواقه. ولكنه كان يفني نفسه في عمله، وكثيراً ما آثر ذلك فيحته. كان نيوتن يعتقد بوجود الله، رغم ما اتهمه به (ليبنتز) من الكفر والإلحاد. كان يعتقد بوجود قانون كوني عام يحكم كل أجزاء الكون، وهذا القانون هو إرادة الله. وقد رأى في ثبوت قانون الجذب العام سيطرة الخالق على الكون بأجمعه. وقد أنعمت عليه الملكة (آن) بلقب الفروسية (سير) في زيارتها لجامعة كامبردج في سنة ١٧٠٥. وكان يعيش في أواخر أيامه في لندن وقد أصبحت له مركبة خاصة.

стр. 4431

لم يتزوج نيوتن برغم انه كان يحب (مس ستوري) التي تزوجت مرتين، وكانت تعتني به (حنا) أخته من أمه. وقد أخذتحته في الاضمحلال في سنة ١٧٢٤، وأخذ يشكو مرض الشيخوخة، ولكنه ظل يرأس الجمعية الملكية حتى مات في سن الخامسة والثمانين في مارس سنة ١٧٢٧. ودفن في وستمنستر، وقدرت ثروته بمبلغ ٣٢ الفاً من الجنيهات، الجنيهات أوصى بها إلى أولاد اخوته. (تم البحث) مصطفى محمود حافظ مدرس بمدرسة المعلمين بأمبابة

стр. 4432

الملاح التائه للشاعر المهندس على محمود طه بقلم الدكتور محمد عوض محمد بعد كتابي الذي أرسلته إلىديقي الزيات منذ أيام، قد أدرك القارئ أنني راضٍ كل الرضى عن هذا العنوان الذي اتخذه الشاعر المهندس سمة لكتابه الجديد. وكيف لا نرضى عن هذا العنوان، وكثير منا من استقل زورق العمر، يطفو به فوق بحر الحياة، تتدافعنا رياح الحوادث، وتتجاذبنا أعاصير القضاء، وتحدق بنا الصخور والأمواج من كل جانب. فإذا أبصرنا على بعد جزيرة أمل ماثلة لأعيننا، لم نلبث أن نضل السبيل في البحث عنها، فلا نزال حائرين، ولا ننفك تائهين!. كان ظهور (الملاح التائه) لعلي محمود طه و (وراء الغمام) لإبراهيم ناجي في شهر واحد وفي سنة واحدة من أحسن النعم الأدبية على قراء العربية. وقد ظهر كلاهما في شهر أيار، حين تخرج الورود والرياحين، فتملأ الأرجاء عبيراً وبهجةً وجمالا. ولست أشك في أن هواء الأدب قد امتلأ أيضا بأريج هذه الزهرات الأدبية اليانعة. إن شعر علي محمود طه ليس مجهولاً للقراء؟ فقد ظهر منه (الرسالة) وفي (المقتطف) وفي (أبولو) شيء كثير. ولكن هناك فرق بين أن نطالع شعر الشاعر موزعاً متفرقاً، وبين أن نتناوله مجموعاً في سفر واحد. فأنا نجده في الصحف ملقى بين مختلف المواضيع والمنشآت التي تشبه في تنوعها وكثرتها (سلطة) الفواكه، قد اختلط منها التفاح بالموز، والعنب بالبرتقال، والشليك بالكمثرى، بل قد تجد أيضاً قطعاً كبيرة من اللفت أو الفجل، لا تدري كيف اتخذت سبيلها إلى تلك البيئة الغريبة عنها. لهذا كان ظهور تلك الأشعار مجموعة في كتاب مستقل حادثاً يسترعي الأنتباه، ويستوقف النظر الذي كان يمر بتلك القصائد من قبل مراً سريعاً. ولدينا ويا للأسف شعراء كبار مثل حفني ناصف وإسماعيلبري لم يعنوا - ولم يعن أحد بعدهم - بجمع أشعارهم في كتاب. فليس في قلبنا منهم سوىورة مبهمة ناقصة فإخراج أشعار علي محمود طه في كتاب هو الحادث الذي يتيح للمرء أن يجلس لكي يتذوقها، ويتناولها بالنقد وبالدراسة. تمجيد الشاعر

стр. 4433

أول ما يلفت النظر في علي محمود طه أنه شاعر يعرف للشاعر منزلته العالية، ومكانه السماوي الهائل وسط هذه المخلوقات الأرضية البائدة، ولهذا نراه يخص الشاعر بقسم كبير جداً من قصائده الممتازة؛ فنراه يخبرنا في أولى قصائده أن (ميلاد الشاعر) حادث جليل ترقص له الأرض، وتبتهج السماء، وتبرق أسارير الدهر، ويزداد له البدر إشراقاً ونوراً. فتتنادى الملائكة، وتتجاوب الأصداء: ليستبشر العالم فقد ولد فوق الأرض شاعر! وفي قصيدة أخرى يرينا الشاعر وهو يناجي ربه، في شيء من غرور الشعراء. وإذا كنا نرى في هذه القصيدة ما يجعلنا أحياناً نصيح: (تأدب يا موسى؟) فيجب على الأقل أن نذكر أن الشاعر اقرب الكائنات إلى الله، فيجوز له ما لا يجوز لسواه. وفي قصيدة ثالثة: تعد آية في الشعر العربي يصف لنا الشاعر في غرفته، وصفاً بديعاً لا عهد لنا بمثله، ولئن كان في هذه القصيدة ينحو نحو الفرد دي موسه أو غيره كما يقول الأستاذ طه حسين، فإن هذا لا ينقص من جمال القصيدة ذرة واحدة، بل انه ليدهشنا أن تكون المعاني الغريبة قد انسجمت هذا الانسجام الجميل في ثوبها العربي القشيب. ولها من وزنها العربي ما يسمو بها فوق الأوزان الإفرنجية الركيكة. وفي قصيدة رابعة يحدثنا عن (قبر الشاعر). وقد أثارها في نفسه حديث عن الشاعر الفاضل المرحوم فوزي المعلوف، الذي قفي نحبه وهو بعد في ريعان الشباب ومزدهر الشعر، وسيحس القارئ في هذا التمجيد للشاعر شيئاً من تقدير المؤلف لنفسه، وإن لم يقل كلمة واحدة عن نفسه، وهذا خير مثال نضربه للذين لم يفهموا بعد أن هنالك مدرسة جديدة ومذهباً جديداً في الشعر العربي. فالقدماء من الشعراء كانوا هم أيضاً يقدرون للشاعر قدره. ولكن هذا الشعور كان مظهره فخر الشاعر بنفسه وبأدبه: وما الدهر إلا من رواة قصائدي … إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا هذا عتابك إلا أنه مقة … قد ضُمّنَ الدر إلا أنه كلم واني وان كنت الأخير زمانه … لآت بما لم تستطعه الأوائل وفي الشعر العربي من هذا الشيء الكثير جداً، ذلك كان دأب القدماء ومن نحوا نحوهم من المحدثين، وقد تلطف شوقي وسلك طريقاً جديداً حين جعل غادته تقول: (أنتم الناس أيها الشعراء!) ولكن علي محمود طه لم يقل عن نفسه شيئاً ولم يفتخر بل جعل يصف لنا

стр. 4434

الشاعر في مولده وحياته وفي أحلامه وأوهامه وفي تفكيره وحيرته، وفي أثناء ذلك نتبين ما للشاعر من قدر جليل ومكانة سامية. ورجائي إلى الذين لم يصدقوا بعد أن هنالك تجديداً في الأدب العربي أن يفكروا في هذا المثل وحده الذي ضربته! فلعل فيه ما يقنعهم بان هنالك نواحي جديدة قد أخذ شعراؤنا يسيرون فيها وإنها من غير شك أكثر ملاءمة لروح عصرنا، فنحن اليوم لا نعبأ بشاعر يقول لنا إنه إذا قال شعراً أصبح الدهر منشداً. فلقد كان للفخر والتفاخر زمان غير هذا الزمان. ولكننا نرحب ونستأنس بهذه الصور التي تمثل الشاعر في أطواره المختلفة كما يحكيها لنا علي محمود طه. تمجيد الطبيعة الظاهرة الثانية التي تكاد تبرز أمامنا واضحة قوية في كلفحة منفحات (الملاح التائه) هي تمجيد الطبيعة، وهذه الظاهرة بادية فما ظهر من أدبنا الحديث كله، ولكنها شديدة الظهور في شعر علي محمود طه، وليس ذكره للطبيعة ذكراً سطحياً بل فيه تدبر وتعمق وإمعان فكر. وهي أحياناً تسيطر على القصيدة كلها كما هي الحال في (الشاطئ المهجور) و (صخرة الملتقى) و (القطب) و (عاشق الزهر) و (إلى البحر). ولكنها إلى جانب هذا منتشرة في الكتاب كله، ولن نعدم إشارة إليها في كل موضع. وهذا يرينا كيف يسير شعراؤنا، بفطرتهم - ومن غير تعمد على ما أظن - في نفس الدور الذي سارت فيه حركة الرومانتزم في الشعر الغربي، فقد كان من أهم مظهرها الرجوع إلى الطبيعة. والقارئ يعلم أن للوصف - سواء كان لظاهرة طبيعية أو لغيرها - طريقتين الأولى موضوعية فيحاول الكاتب بالألفاظ والعبارات أن يعطيناورة واضحة لما يراه أمامه كقول القائل: والريح تعبث بالغصون وقد جرى … ذهب الأصيل على لجين الماء وكقول علي محمود طه نفسه: نَزَلَتْ فيه تستحمُّ النجومُ الزُّ … هرُ في جلوة المساء المنيرِ راقصاتٍ به على هزج المو … ج عرايا مهدلات الشعور

стр. 4435

وعلىدره الخفوق طوينا الليل … في زورق رضى المسير ورياح الخليج دافئة تثنى … حواشي شراعه المنشور والطريقة الثانية في الوصف يرينا فيها الشاعر تأثير الموصوف في نفسه، ويتخذ من مظاهر الطبيعةوسيلة لأخراج ما يكنهدره من عاطفة أو حب أو ذكرى. كقول مهيار: يانسيم الريح من كاظمة … شد ما هجت الجوى والبرحا الصبا - ان كان لابد - الصبا … إنها كانت لقلبي أروحا وكقول علي محمود طه في قصيدة (عاشق الزهر): يا ليت لي كالفراش أجنحة … أهفو بها في الفضاء هيماناً أروح للنور في مشارقه … وأغتدي من سناه نشواناً وأرشف القطر من بواكره … فلا أرود الضفاف ظمآناً والأمثلة على هذا ونحوه كثيرة جداً لا حاجة إلى الزيادة منها. وقد كانت عناية القدماء بالنوع الأول اقل من عنايتهم بالثاني. وأما هاهنا فسيجد القارئ من النوعين قدراً وافياً. . ومن رأيي أن قصيدة الوصف يجب أن تشتمل على النوعين فيبدأ الشاعر بتصوير الظاهرة التي أمامه حتى يكادالقارئ أن يلمسها، ثم ينتقل إلى تأثيرها في نفسه وإلى ما توحي به من حكمة أو عاطفة، وهذا سر القوة الهائلة التي نجدها في قصيدة مثل سينية البحتري في إيوان كسرى. الغموض والآن فلأعد. إلى علي محمود طه. وهنا أريد أن أسر إلى القارئأن مطالعة هذا الشاعر هي أحياناً عبارة عن لذة سهلة سائغة كما يجدها القارئ في قصيدة (عاشق الزهر) أو (قبلة) أو (غرفة الشاعر). أو رثاء عدلي يكن. ولكنه أحياناً، وفي بعض القصائد الخطيرة، سيجدها لذة لا تدرك بسهولة. بل لا بد لها من التأني والتدبر. أما الموسيقى فهي هناك لاشك فيها. لكن المعاني فيها بعض الخفاء. وقد يرجع هذا الخفاء لازدحام المعاني المتعددة في البيت الواحد. انظر مثلاً إلى قوله في مطلع (الوحي الخالد) لوجهك هذا الكون ياحسن كله … وجوه بفيض البشر من قسماتها

стр. 4436

فمثل هذا البيت لابد أن يقرأ في هدوء وتؤدة وأن يعاد غير مرة حتى نستوعبه فهماً. لكن هذا النوع من الخفاء لا يعترض عليه؛ بل قد يكون جميلاً مستحسناً. أما النوع الأخر فهو الذي دار فيه الجدال في (الرسالة) من قبل. وذلك أن هنالك شعراء لا يعنون فقط بالصور الواضحة الملموسة البارزة، بل يكون كذلك بالصور التي يحيط بها غشاء من الإبهام، كالتي يراها الحالم بين النوم واليقظة أو كالظل لا هو نور ساطع ولا ظلام حالك. وهذا ما يعبر عنه في الفرنسية ذلك مذهب الرمز بين أمثال فرلين وأتباعه يمثلهم في الشعر الإنكليزي إلى حدٍّ ما الشاعر سوِ ْنبِرْن. فالقارئ لأمثال هؤلاء الشعراء يجد في شعرهم موسيقى بديعة وأنغاماً رخيمةً. أما المعاني البارزة الملموسة فإننا قد نطلبهادائماً، ولكنا لن نجدها دائماً. ويجب أن نكتفي منهم بصورة لا نعيها تماماً. بل نفهمها نصف أو ربع فهم. وذلك بالطبع لأنهم هم أنفسهم لم يفهموها الفهم كله، وإنما تأثروا بها غامضة مبهمة خافية، وأرادوا أنينقلوا هذا ألينا هذا الأثر كما هو. وفي شعر علي محمود طه شيء يسير من هذا. نجده في مواضيع متفرقة، في مثل قصيدة (عاصفة في جمجمة)، أو في (الله والشاعر) وفي غيرهما. وكثير منا يعز عليه أن يمر بالبيت فلا يحيط بمعناه تمامًا، أو بالصورة فلا يتبين شكلها تماماً. وهذا الطراز من الناس لا يميل إلى هذا الضرب من الشعر وينكره. وقد يكون له بعض الحق في هذا الأنكار، ولكن يجب أن نذكر أن الشاعر الذي يخلص لشعره ولشاعريته مضطر لأن ينقل إلينا ما يراه أو يتوهمه من الصور واضحة من الصور واضحةأو خافية. والذي قد نؤاخذ الشاعر عليه حقيقة شيء واحد، ومن السهل جداً عليه معالجته إذا وافقنا على رأينا فيه، وذلك أن الشاعر خيالاً قوياً مفرطاً في القوة، وكثيراً ما يركب هذا الخيال بلا سرج ولا لجام فيذهب به فيفياف بعيده وأقطار قاصيةلا نستطيع غالباً - أن نصحبه إليها. هذا الخيال القوي الذي كثيراً ما يطربنا ويعجبنا نراه أحياناً يتعبنا وينصبنا. يعجبنا حين يرينا الشاعر هذه الصورة: أيها الشاعر الكئيب مضى الليل … وما زلت غارقاً في شجونك مسلماً رأسك الحزين إلى الفكر … وللسهدذابلاتجفونك ويد تمسك اليراع وأخرى … في ارتعاش تمر فوق جبينك

стр. 4437

وفم ناضب به حر أنفا - سك يطغى على ضعيف آذينك أو هذه الصورة: وأطلت الأزهار ر من ورقاتها … حيرى تعجب للربيع الباكر! وجرى شعاع البدر حولك راقصاً … طرباً على المرج النضير الزهر فهذا وأمثاله كثير في (الملاح التائه) - هو من المعجب الطريف. وقد ساعده خياله القوي على إخراج هذه الصور الرائعة انظر إلى البيت الثالث في القطعة الأولى. ما أروعه وما أبدعه، وهو مع ذلك لا يحكي سوى حقيقة واضحة ملموسة. حقاً إن أبدع الخيال ما كان وسيلة إلى تصوير الحقيقة. وإلى جانب هذا سيجد القارئ إن شاعرنا قد يذهب به الخيال مذاهب بعيدة: انظر مثلاً إلى قوله في (أغنية ريفية) إلى أن يمل الدجى وحشتي=وتشكو الكآبة مني الضجر بيت موسيقاه جميلة مطربة. ولكنا لا ندري كيف تشكو الكآبة منه الضجر. وكذلك نرى خيال الشاعر قد بعد عنا إلى حيث لا نلحقه في قصيدة (عاصفة في جمجمة)، ولا نستطيع أن نأتي بها هنا كلها، ونكتفي بمثال أو اثنين كقوله: أحياة سمتهاخر ونار … حفت الأشواك من يسلكه تنقضي الآجال فيه والسفار … أبدى، ويح من تهلكه! احملوا أمس إلى حفرته … وتخطوا هوة الوادي السحيق واحفزوا النجم إلى ثورته … واحطموا أنو الليل ل ايفيق، وبالطبع عذر الشاعر في هذا كله أنها (عاصفة في جمجمة) ويجب أن تثور مثل هذه العاصفة في جمجمة القارئ لكي يستمتع بهذه القصيدة. كذلك قد يجد القارئ أن الخيال قد ذهب بعيداً في قصيدة (النشيد) حيث يجرد الشاعر من حبه شخصاً يصاحبه إلى لقاء الحبيب. وفي بعض المواضع نجد من الصعب علينا أن نتصور الموقف تماماً. هذا ما يبدو للناقد في خيال الشاعر، أنه قد يفرط في القوة فيذهب مذاهب بعيدة. فإذا وافق الشاعر على هذا الرأي، فمن ابسط الأمور عليه أن يخفف من حدة هذا الخيال. الأسلوب

стр. 4438

الأسلوب هو طريقة الأداء، وهو من المعاني كالجسد من الروح. وإذا نظرنا في أسلوب علي محمود طه نجد عبارته منسجمة طلية وألفاظه في الغالب متخيرة، ودليله في الاختيار حسن وقعها في الأذن، وهذا نجده في معظم الكتاب، حتى في المواضع التي يخفى أو يغمض المعنى لانعدام الموسيقى على كل حال. وفي اختيار الشاعر لأوزانه نراه يكثر من الخفيف والرمل. ونصف قصائد الكتاب من هذين البحرين، وهو أحياناً يكتب القصائد الطويلة على الطراز المألوف من قافية واحدة؛ واكثر الكتاب من هذا الطراز ولكنه - لحسن الحظ - قد أتى بقصائد ذات قواف متعددة، وهذه على ثلاثة أنواع؛ (١) في الأول منها تتغير القافية عدة مرار بلا قيد ولا شرط كما في قصيدة ميلاد الشاعر. (٢) وفي الضرب الثاني تتغير القافية في كل أربع أبيات كما في (غرفة الشاعر) و (قبله) و (قبر شاعر) وترجمة (البحيرة) وقد نظم شعراء آخرون قصائد على هذا النظام الرباعي ولهذا يخيل لي أنه طراز طبيعي مستحسن. والمنتظر لهذا النوع أن ينتشر، ومن المستحسن جداً أن ينتشر. (٣) أما النوع الثالث ومنه قصيدة (الله والشاعر). فان فيه كل بيتين على حدة؛ والمصراع الأول يتفق في القافية مع الثالث والثاني مع الرابع. وهذا الطراز منتشر أيضاً في الشعر الحديث. وهذا النظام الجديد للقافية من الظاهرات التي نرحب بها في شعر شعرائنا المحدثين. فقد انقضى الزمن الذي يفتخر فيه الشعراء بطول النفس؛ وبأن الواحد منهم ينظم القصيدة في مائة أو مائتين بل مئات من الأبيات، لا يكرر فيها القافية. كان هذا الفخر سخفاً لا طائل تحته. فليس نظم القصائد الطوال في قافية واحدة بالشيء العسير على من أراد أن يقيد المعنى بالقافية. وان يجعل الجسم كله متوقفا على شكل الذِّنب! وأكبر شعراء العربية لم يكونوا من المطيلين مثل أبي نواس، والمتنبي. ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى ابن الرومي. الذي كان يكرر معانيه ويفصلها ويستقصيها فتطول قصائده تبعاً لذلك. وليس من شك في أن تنويع القافية سيشق أمام شعرائنا طرقاً كانت مغلقة أمام المتقدمين،

стр. 4439

ويفتح لهم أبواباً جديدة. وقد لاحظ الأستاذ طه حسين على شاعرنا أن قول فيه أحياناً غير متفقة في مثل (نورها وقبرها) وفي مثل (فاتها ويواقيتها) و (ووجهها وتيهها) في قصيدة (الله والشاعر) وهذه الأمثلة حقيقة نادرة في الكتاب. ولكن يجمل بشاعرنا الذي ينشد الكمال أن يلاحظها: ولقد يؤخذ على شعرائنا المحدثين انهم قلما يهتمون بدراسة موضوع العروض والقوافي في اللغة العربية. اتكالاً على أن هذا من الأشياء التي تجيء للشاعر الموهوب عفواً. هذا مع أن الكثير منهم - وليساحب (الملاح التائه) أحدهم - ربما خلط - بين الوافر والهزج، وبين السريع والكامل، وبين الكامل والرجز. ولو أنهم أتعبوا أنفسهم قليلاً في دراسة كتاب مختصر عن الوزن والقافية لكفوا أنفسهم شر هذه الزلات. إن العرب قد اصطلحت على أن القوا في الآتية - مثلا -: ليلى - ذْيلا - قوْلا - هولا. لايجوز أن تجتمع في قصيدة واحدة مع هذه القوافي - مثلا -: قبلا - عدلا - جهلا - مهلا. فالمجموعة الأولى فيها حرفا علة - الواو والياء - لهما موسيقى خاصة لا تتفق مع الحروف الساكنة الأخرى. فلو عرف شعراؤنا هذا الاصطلاح العربي القديم لأمكنهم أن يتذوقوا القافية التذوق اللازم. وليس من حسن السياسة في شئ أن نجهل أو نتجاهل ما اهتدى إليه الشعراء من قبل باحساسهم وذوقهم. ومهما كما كانت غرائز شعرائنا قوية وصادقة. فان جموع غسرائز شعراء العربية في مختلف العصور والبلاد أقوى وأصدق. لهذا كان لابد لشعرائنا من دراسة العروض دراسة وافية لكي يطلعوا على زبدة تجارب المتقدمين. وفي الختام أهنئديقاحب (الملاح التائه) على كتابه البديع الذي قد تبوأ مكاناً ثابتاً خطيراً في الأدب العربي. واذا كان الأستاذ طه حسين قد قال عنه إنه مبتدئفليس معنى هذا أنه ينقصه النضوج أو الجمال. فهذا واضح في الكتاب كل الوضوح. ولكن معنى ذلك في نظرى أن لديه ما لمبتدئ من حماس ومن قوة ومن سعي وراء الكمال. جوان لي بان عوض

стр. 4440

القصص منور الريف كفارة. . .!! . . . نهار من أيام الخريف، بدأ ثقيلاً طويلا قاتماً، ومضى عاصفاًاخبا، وأقبل اليل فسال الظلام على جوانب الكون كثيفا مطبقا، الريح تعصف عنيفة باردة والساء يغشاها سحاب أسحم ومطر سخي، أوراق الثسجر تساقط مستسلمة، وسهف النخيل يتخدى العاصفة، والعاصفة تداعبه وتعبث به، فتشيع في أطراف الليل حفيفأ موحشأ يشبه أن يكون أنين أرواح هائمة في أودية العذاب، أصوات الذئاب يتجاوب بها الصدى، والكلاب ترد عليها بنباح قوي مختلط يتصل حيناً طويلا، ثم ينقطع لحظات، ثم يعود فيتصل ويختلط، على ان هذه الأصوات المختلطة المبهمة كانت تنجلي أحيانا عن نداء أو غناء يردده أحد الفلاحين في حقل بعيد سكون موحش يثير القلق، ويحمل على الشك، ويدفع الرهبة إلى النفوس دفعا. . . وقف بيومي قليلا ثم تردد في استئناف السرى. . . لقد جسم له الوهم والخوف من الظلام أعمدة جاثمة تعترض الطريق كأنها المردة السود، وكان بيومي يقف أحياناً يتطاول بعنقه ويرهف سمعه ويضرب بعينيه فيميم الظلام كأنما يبحث عن قبس أو هدى: إنه يحمل في جيبه مالاً كثيراً وهو يوجس خيفة، وهو فوق هذا وذاك يحس شيئاً من الجوع والتعب وبين بلده ساعةً وبعض ساعة فلماذا لا يبيت بلدة (قلوصنا) وهي على بضع دقائق فقط ريثما يسفر الصبح؟ إن لهديقاً قديماً هو شيخالخفراء وأكبر الظن أنه سيطعمه من جوع ويؤمنه من خوف ويهيء له من امره راحة وأمناً. . . ومن أحق بهذا من شيخ الخفراء؟! ولكن بيومي لا يستريح إلى هذا الحل ويتردد طويلاً قبل أن يبيت فيه لأنه يعلم عن شيخ الخفراء ما ليس لنا به علم، إنه يخشى أن يجيئه الهلاك من مأمنه، فلشيخ الخفراءحائف في ثبت الأجرام، وأكبر اليقين أنه لا يتورع من أن يضيف إليها فصولاً جديدة. ولكن أتراه يعتدي على ضيف ينزل بداره ويلجأ إليه؟ ربما! وهو فوق ذلكديقه! ولنترك بيومي يضطرب بين الشك واليقين ويتصارع في نفسه الأحجام والأقدام فلعل الله أن يجعل له فرجاً من الضيق، ومخرجاً من الحيرة، ومن الخوف أمناً وهدى. . .

стр. 4441

أما عبد الهادي شيخ الخفراء فهو رجل مديد القامة، شديد البأس، قوي مفتول، له وجه تشيع في قسماته الصرامة، وعينان ينبعث منهما التحدي والشر، كان فيما فرط من أيامه يقطع الطرق ويهدد السارينويسلب الناس، ولم يجد في القتل حرجاً ولا في السلب جناحاً، بل إنه ليعدها من مفاخره. وعبد الهادي يثبت نظرية لمبروزو في المجرمين فقد كان من القرويين الذين تغلب فيهم سيطرة الأجرام، ويتحكم في رجولتهم شر اسود في لون هذا الليل العاصف المدلهم، لم يكن يردعه قانون ولا دين، ولا يمنعه عقل ولا عاطفة، عُين شيخاً للخفراء فزاد عبثه وما زال يصل أسبابه بأصدقائه القدماء من اللصوص والقتلة، يغريهم بالناس ويدلهم على مواطن الصيد ويمهد لهم سبل الإفلات. . . واتصلت جرائمه واضطرب الأمن في بلده والبلاد القريبة، والناس يعلون أن لعبد الهادي يداً في كل شيء، لكنهم امتون لايهمسون، لأن لعبد الهادي عيناً ترقب الثرثار، ولأن الناس يدفعون هذا الصمت ثمناً لأرواحهم وأموالهم إشفاقاً من انتقامه وهم يؤدون إليه ما يفرض عليهماغرين إذاً اختفت سوائمهمفترد إليهم من حيث يعلمون ولا يعلمون. أما بيومي فقد قلب الأمر غير مرة وانتهت المعركة في نفسه أخيراً. . . وتغلبت على وساوسه نوازع الثقة في الله ودوافع الخوف من السرى في الظلام والبرد، وتعاونت هذه الأسباب كلها على أن تسوقه إلى بيت عبد الهادي ضيفاً. . . طرق بيومي باب عبد الهادي في رفق ففتح له وأحسن استقباله وقدم إليه طعاماً وأعقبه بالشاي مثنى وثلاث، ثم سمر معه إلى وهن من الليل وتركه ليجول في البلاد جولة بعد أن أوصى به ابنه سالماً أن يهيئ له فراشه في المنظرة، سهر بيومي وسالم ما طاب لهما، وسمرا ما تشقق بينهما الحديث وشربا الشاي غير مرة، ودخنا كثيراً ثم ثقلت أجفانهما وفترت أعضاؤهما ولحقهما الخمول، وأحسا الحاجة إلى الراحة فقام كل منهما إلى فراشه، ونام بيومي بعد أن قرأ ما تيسر من القران وتوكل على الله وأسلم إليه وجهه. وعاد عبد الهادي بعد ما انتصف الليل وقد طوعت له نفسه أمراً، وأحسب أن هذا الأمر قد اختصم في نفسه طويلاً مع الواجب، واحسب أن بقايا المروءة المتناثرة في زوايا قلبه قد تجمعت فانطلقت تقرع أذنيه في عنف واتصال. . .! ربما لم يسمع، وأكبر الظن انه سمع، ولكنه سخر من ضميره وضحك من هذا الخور الذي لم يألفه في أعصابه، اتجه إلى الباب

стр. 4442

ففتحه ودار ببصره في الظلام والنجوم، ثم أرسل ضحكه مكبوتة كأنها في فحيح أفعى هائلة ثم انقلب إلى الداخل ثانية وأجمع رأيه قبل أن يبدله ما يرده إلى النكول أو التردد، حمل الذئب (بلطته) وتسلل إلى المنظرة فدخل ثم وقف وأنصت وتقدم إلى النائمفناوله ضربات متصلة قطعت ما بينه وبين العالم من أسباب الحياة. اضطرب القتيل قليلاً ثم ساد السكون مرة أخرى. . .! وتحسس عبد الهادي جيب القتيل فلم يجد معه من المال قليلاً ولا كثيراً. عرته الدهشة. .! أين اختفى المال الذي كان مع بيومي.؟ لاشك أنه حفظه في مكان ما في نفس المنظرة. . . ولم يتردد عبد الهادي في أن يخفي أثر الجريمة أولاً. . . فلف الجثة وحزمها ثم حملهامطمئنا آمناً، لأن الشك ينحسر عنه وإن فاض حول جميع الناس. . شيخ الخفراء طبعا. .!! وللمرة الأولى أحس عبد الهادي رجفة تأخذ أعصابه وهماً مبهماً جائشاً يستبد بروحه ويضيق عليه أنفاسه، وثورةاخبة تصم أذنيه وتدور برأسه. . . لقد أخذه الندم! وأفاق ضميره ولكن متى. . .!؟ سمع عبد الهادي وقع حوافر الخيل تخب مسرعة وتناديه أن يقف. . إنهم العسس (الداورية)! غامت الدنيا في عينيه وملكه اليأس وأسقط في يده ولم يملك إلا أن يتطامن للقضاء الأعلى ويعنو لأرادة الله التي ترى كل شيء وتدبر كل شيء. . .! قاتل! وشيخ خفراء!! جريمة ذات شعبتين، قاده الجند إلى منزله أولاً وعلى كتفه ضحيته. . وحسر الجند اللفائف وتفرسوا في وجه القتيل وصرخ عبد الهادي وخرعقا. .! لقد قتل ابنه خطأ. . .! واستيقظ بيومي فزعا فأدرك كل شيء، وأعلن أنه كان ينوي أن يبيت في المنظرة لولا أن سالما رأى أنها رطبة لا تلائم الضيف فنقله إلى غرفة أخرى وأخذ مكانه في المنظرة.! وكان يوم الحكم فشرقت القاعة بالوفود ووقف القاتل في القفص يبكي في إطراق طويل وصمتاخب ومرارة ملتهبة وحسرة لجوج، وساد السكون فجأة لما ارتفعوت القاضي يدوي في القاعة قوياً جلياً هادئاً (أشغال شاقة مؤبدة). وقاد الجند الرجل المحطم إلى قاعة النيابة في أعلى المحكمة وهو. لا يزال ينشج كالأطفال. . . وغافل الرجل المحطم الحراس وألقى بنفسه من أعلى المحكمة فهوى خليطاً

стр. 4443

هامداً من اللحم والعظم. . . قلوصنا محمود البكري القلوصناوي

стр. 4444

يوميد للأديب حسين شوقي ما كادت تلوح بالأفق خيوط النهار الفضية الأولى، حتى كنا انتبهنا من نومنا: ديقاي وأنا، وقد أزمعنا الذهاب لصيد البط في ضواحي الهرم، وكان كل منا يحمل بندقية ذات عيارين وعدداً كبيراً من الخرطوش، عدنا السيارة ونحن أشد بهجة من فصائل اسكندر المقدوني الفتية لدى زحفها على أسيا. أما المدينة فكانت غارقة في النوم في تلك الساعة المبكرة ساكنة بأحقادها وشهواتها، ولم يكنأحد مستيقظاً، اللهم الا محرك سيارتنا. سارت بنا السيارة في شارع الهرم، ولما بلغنا المستنقعات الواقعة في الجهة الغربية من طريق الهرم، غادرناها وركبنا زورق طلي بالطلاء الأسود حتى لا نشعر البط بوجودنا بالمستنقع، وكان موجوداً بكثرة على سطح الماء. . هل كان البط نائماً وقتئذ؟ لم يكن لدينا شك في ذلك برغم اعتراض دليلنا - وكان فتى قرويا - وذلك لسكونه سكوناً عجيباً. . ولكنا كنا مخطئين إذ لم نكد نقترب منه حتى انطلق في الجو. كأنه سهم ناري فأطلقنا عليه البنادق في الهواء ولكن بدون جدوى رغم عدده الكثير. . لقد ظهرنا في عيني دليلنا القروييادين غير ماهرين، فانتزع بندقية أحدنا وأطلق طلقة واحدة أسقطت بطة في الحال! وا أسفاه على الدروس التي تلقيتها فيباي للصيد في الهواء! كنت أتمرن وقتئذ على البيض، يقذفون لي البيض في الهواء فأطلق عليه بندقيتي فاذا أصيب البيض وهو ما كان يقع نادراً - سال فأمطرنا مطراً اصفر. وبعد محاولات يائسة لصيد البط، غادرنا المستنقع إذ لم نجد سبيلاً إلى البط فهو شديد الفطنة. . كيف يدرك البط الخطر على مسافات بعيدة؟ إن شأنه شأن الحمام الزاجل الذي يعرف طريق الوطن على بعد مئات من الأميال. هل تكشف لنا الطبيعة يوماً عن مثل هذه الأسرار؟ قبل أن نغادر تركنا لدليلنا القروي البطة التيادها هو، حتى لا تذكرنا فشلنا على الدوام. . هل كنا نعود وقتئذ إلى المنزل؟ لم يكن في استطاعتنا أن نفعل ذلك، إذ لوعدنا لصرنا

стр. 4445

سخرية للجميع. . ممنا بعد ذلكعلى البحث عن طير يكون أقل فطنة من البط. . ها نحن أولاء نسير وسط الغيطان التي كسيت بساطاًأخضر جميلاً من البرسيم. . وثم اعترضتنا ترعة لاجسر عليها للمرور، وكنا في حيرة من أمرنا حينما اقبل قروي وتطوع أن يحملنا على ظهره عبر الترعة. وقد مرت بهذه الطريقة، ومر أحدديقي. وأما الصديق الثالث وكان بديناً، فقد غرز هو وحامله في الطين، وبدلاً من أن يعمل على الخروج من الترعة، أخذ يضرب القروي المسكين!. ياله من منظر مضحك أنسانا فشلنا مع البط! ثم أقبل قرويان آخران فقاما بعمليه النجدة. . بعد ذلك بلغنامكاناً مظللاً بالأشجار الكثيفة، حيث أخذت العصافير تزقزق جزلة مسرورة. . وقد شاهدنا على أحد الغصون يمامتين تتناجيان، كم كان منظرهما جميلاً، وقد طوق عنقاهما بطوق فاحم جميل، كما رصع منقاراهما بالياقوت. . ثم حدث ما كنت أخشى وقوعه، فقد اقترحديقاي أن نصطادهما! لم يكن في طاقتي أن أطلق النار على هذين المخلوقين الجميلين، إنها حقا لوحشيه! لذلك رفضت، فقال أحدديقي ليقنعني: أطلق ولاتكن غبياً، لقد حللت لك الصيد قوانين السموات والأرض! فقلت: ليكن، ولكن قلبي لا يطاوعني! ولما رآنيديقي مصمماً على الامتناع، أطلق هو عياراً فأردى إحدى اليمامتين، سقطت وقد كسر جناحها، كما أن خرطوشة أخرى لا بد أنها اخترقت قلبها، لأن الدم كان يسيل من منقارها بغزارة. ورغم وحشيتنا هذه. كانت عينا اليمامة ترمقاننا في حنان، كأنها قد غفرت لنا فعلنا كما غفر عيسى من قبل لمضطهديه اليهود! يا للأسف! إننا ما زلنا متوحشين نسر لرؤية الدم! كم نحن بعيدون عن المثل العليا التي ينشدها أفلاطون! ومن ذلك اليوم كرهت الصيد، فكل عام اجدد رخصتي دون أن أجدد رغبتي. حسين شوقي

стр. 4446

الكتب علم الدولة (الجزء الأول في أصول الدولة وتطورات فكرتها) تأليف الأستاذ أحمد وفيق يقع الجزء الأول من هذا الكتاب الفذ في نحو أربعمائةفحة من القطع الكبير، وهو ثمرة جهود شاقة وتجاريب طويلة وحسبك أن فكرة الكتاب قد جالت في رأس مؤلفه الفاضل منذ خمسة وعشرين عاماً، وأن العمل على إصداره ظل شغله الشاغلطوال هذه المدة، ذلك لأنه أثر التريث وإمعان النظر وإطالة البحث والاطلاع حتى جاء عمله في النهاية جديراً بفضله وأدبه وواسع خبرته. مهد الأستاذ لموضوعه الواسع بمقدمة ضافية محكمة فتكلم عن أسباب إصداره هذا الكتاب مشيراً إلى حاجة الشرق في نهوضه إلى مثل هذه البحوث، ثم عرف هذا العلم إلى القاريء وجاء بلمحة تأريخية عنه، وبين له كيف تدرس فكرة الدولة عملياً، وتعرض لآراء العلماء في ذلك وهي بحق مقدمة شيقة، تدلك على شدة اهتمام الأستاذ بموضوعه كما تشهد بحسن فهمه واستيعابه له. بعد ذلك تكلم الأستاذ في هذا الجزء من كتابه عن أصول الدولة وعرض في إسهاب ودقة النظريات المختلفة التي وضعت للدولة، فتكلم عن نظرية الطبيعة، وعن نظرية الأصل الاصطلاح شارحاً العقد الاجتماعي واصله، مورداً آراء الفلاسفة في ذلك. ثم انتقل إلى نظرية التكوين الاختياري الضروري للدولة ذاكراً في كل نظريه ما دار حولها من الآراء. وبعد أن انتهى الأستاذ من سرد النظريات وشرحها، عاد إلى الكلام عن التطور التاريخي لفكرة الدولة: فتكلم عن فكرة الدولة في الهند وفارس والصين ومصر ودولة الإسرائيليين واليونان والرومان، ثم انتقل إلى العصور الوسطى وعهد إحياء العلوم وعهد الإصلاح مورداً في كل هاتيك الخطوات آراء العلماء والفلاسفة شارحاً جميع الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي لم يكن منها بد لموضوعه، وقد ختم الجزء الأول عند هذا الحد، وسيفتتح الجزء الثاني بتناول الفكرة ابتداء من عهد الانتقال بين عصر الإصلاح وعصر الثورة الفرنسية.

стр. 4447

وأني وقد أعجبتني طريقة الأستاذ وفيق في بحثه، وراقتني فصاحته وخبرته لأتقدم إليه باقتراح أرجو أن ينال عنده القبول، ذلك أن يفرد بابا من كتابه لفكرة الدولة في الإسلام وتطورها منذ عصر الخلفاء، فان القاريء الشرقي ليتطلع إلى هذه. الناحية في شوق عظيم، ولا سيما إذادرت من عالم جليل كالأستاذ وفيق له مثل هذه الخبرة عن الدولة وفكرتها. م. الخفيف غاندي والحركة الهندية تأليف الأستاذ سلامة موسى غاندي والحركة الهندية كتاب جدير بأن يطلع عليه كل شبابنا فهو حافل بدروس الوطنية الصادقة مصورة في حركة من أروع وأجل الحركات الوطنية وفي شخصية من أعظم شخصيات التاريخ هي شخصية غاندي الرجل العظيم والزعيم النادر المثال والإنسان الكامل، الذي لايجود الزمان بأمثاله من العظماء الإ كل حقبة طويلة من الدهر. أعجبني في هذا الكتاب تفصيل الموضوع وحسن تقسيمه وتقريبه إلى أذهان القراء في مهارة ولباقة عرف بهما مؤلفه الفاضل. ثمأعجبني أكثر من ذلك ما أحسسته من حماس الأستاذ. وصراحته وصدق تأثيره بما يكتب واندماجه في موضوعه حتى لتحار فيما لو كان الأستاذ يسرد عليك تاريخ وتطور حركة من الحركات الوطنية أم هو يسمعك آراءه الصريحةالجريئة في الاستعمار أو وما ينجم عنه من نكبات كل ذلك في أسلوب علمي دقيق جمع بين حماس القلب ورزانة العقل. قسم الأستاذ هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، ففي الجزء الأول يتكلم عن الأحوال العامة في الهند، وفي الجزء الثاني يبسط لك سياسة غاندي وفلسفته، وفي الجزء الثالث يورد لك بعض مقالات وحكم كتبها غاندي ونشرت في المجلات الهندية. وغاية الأستاذ من هذا الكتاب جديرة بالثناء، انظر إلى قوله (ونحن في جهادنا للمباديءالإمبراطورية البريطانية نشبه. الهنود وإن كانت قدم الإنجليز في الهند ارسخ وتاريخهم أطول، ولهذا السبب نفسه يجب أن نستنير بحركتهم كما استناروا هم بحركتنا

стр. 4448

فان زعماءهم كثيراً ما ذكروا الاتحاد بين المسلمين والأقباط في مصر ودعوا أبناء أمتهم المسلمين والهندوكيين إلى مثله في الهند. وسيجد القاريء المصري في هذا الكتاب كثيرا ًمن المواضيع التي يهمه معرفتها، كأصل الحركة الهندية والديانة الهندوكية، والفقر والنجاسة، والدستور الجديد، وغاندي وحياته وموقفه من المدينة الحديثة وما لم يعرف عن غاندي، وصوم غاندي الأول، هذا إلى بعض مقالات غاندي نفسه، مما يجعل الكتاب جديراً بالمطالعة والانتفاع مما جاء فيه من دروس نحن أحوج ما نكون إليها. مثلنا الأعلى قصة وضعها عبد المجيد عباس المعلم في مدرسةتطبيقات دار المعلمين مطبعة الحكومة - بغداد قصة تمثيلية تقع في أربعين صفحة من القطع الكبير، موضوعها الوحدة العربية والدعوة إليها، أهداها صاحبها الفاضل المغفور له فيصل بن الحسين فقيد العرب العظيم وجاء في هذا الإهداء أنها (مُثلت في حضرة جلالته فحباها بالإعجاب، وظفرت من جلالته بالرضا). ونحن لا يسعنا إلا الإعجاب بكل ما يكتب عن الوحدة العربية والدعوة إليها كما أني أشعر بالغبطة والارتياح بعد تلاوة القصة، وذلك لما تخللها من شعور كريم وآراء سديدة. ولكني إذا نظرت للقصة من ناحية الفن، أجدني ميالاً إلى أن أصرح لمؤلفها الفاضل بأن هذا الموضوع الكبير، كان يحتاج إلى طريقة خير من طريقته التي اتبعها، كما أن القصة يكاد ينعدم منها الجو القصصي، وكأني في مواضع كثيرة منها كنت استمع إلى مناظرة في موضوع الوحدة العربية، فالحوار ينقصه (الفن في الأداء والتوجيه، والآراء تسرد بطريقة سطحية جافة كما يجيء على لسان مدرس المطالعة عند شرح موضوع درسه، هذا إلى أنها تكاد تخلو من المواقف المثيرة والمفاجآت القوية، كما أن مناظرها محدودة وأشخاصها قليلون لا أكاد أفرق بينهم في خلق، غير أني أشعر بميل المؤلف الفاضل إلى القصة واتخاذها أداة لنشر ارائه، ولعلنا نجد منه في المستقبل ذلك الفنان الناضج الذي يجمع بين الموهبة والثقافة م. الخفيف

стр. 4449

العدد ٥٣ - بتاريخ: ٠٩ - ٠٧ - ١٩٣٤

стр. 4450

بين أسلوبين بين الإطناب الذي لم تؤثره (الوادي)، وبين الإيجاز الذي تحبه (الرسالة)، كادت تضيع صداقة رسخت قواعدها على الإكبار والحب، وتأكدت أسبابها على الخفض والشدة، وتمكنت الفتها على ربع قرن من الزمان المضطرب تغيرت فيه مودّات الأخوة، وتنكرت قلوب الجماعات، وتحللت روابط الأمم. وجملة الأمر أن صديقي طه قد بنى قصة من الأدب الجميل على رسالتين خاصتين أرسلهما إليه الأستاذ توفيق الحكيم، ثم نشرها ونشرهما في الوادي؛ فلما أصبح كل ذلك للجمهور والتاريخ جاءت الرسالة فنشرته، لأنها كما قلت في العدد الماضي كانت مسرحاً لهذه الرواية، فمن حق قرائها أن يشهدوا فصلها الأخير، ولأنها سجلٌّ لألوان الأدب الحديث، فمن حق الأدب أن نسجل في تاريخه ما يقع بين رجاله من الخلاف الجدي فيه كاملاً غير منقوص. وإن بقي لأصحاب الظنون والفروض سبب ثالث فلن يكون غير تعصب الصديق للصديق. وكان الأستاذ توفيق الحكيم فيما بين ذلك قد نشر بيانه الذي نقلناه في الأسبوع الماضي عن الوادي بعنوان (خصومة)، فلم يُتَح لي الاطلاع عليه لحالة خاصة صرفتني عن قراءة الصحف ذلك اليوم. ولو كنت قرأته وقرأت بجانبه تعريض الدكتور بالأستاذ في مقاله (أخلاق الأدباء) لشق على فهمي أن يستنتج من المقالين عودة الصفاء وزوال الجفوة. تصافى الصديقان إذن على غير علم من الوادي ولا من الرسالة، فلما رأى الأستاذ الحكيم عودة المقالة في الرسالة خالجته في الصفاء ريبة، وأراد صديقي الدكتور أن يجلو شبهة الأمر، ويخرج من تبعة النشر، ويترضى الغاضب المرتاب، فأرسل إلى كلمته العاتبة تتنمَّر على صفحة الوادي. كان المألوف في مثل هذه الحال أن يقف العتاب عند الترضي والتنصل، ولكن الأسلوب المطنب الذي يؤثره صديقي من خصائصه التدفق، والتدفق لا يخلو من كدورة، فأخذ يولد من العتاب ويفرع فيه، حتى خرج به إلى التلويح والتجريح والاستعداء، لأنني نشرت ما نشرت بغير إذنه. علقت على هذا (العتاب) الموجع بأن صديقي طه استغل حيائي منه ووفائي له في إرضاء الحكيم وإنصاف الوادي، لأنه يعتقد إني إذا عاتب واشتد لا أجيب، وإذا أجبت لا أعيب؛ ولكن الأسلوب الموجز الذي اصطنعته كان على ما يظهر أقرب إلى
следующие страницы →