Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
الكتب
علم الدولة
(الجزء الأول في أصول الدولة وتطورات فكرتها)
تأليف الأستاذ أحمد وفيق
يقع الجزء الأول من هذا الكتاب الفذ في نحو أربعمائةفحة من القطع الكبير، وهو ثمرة جهود شاقة وتجاريب طويلة وحسبك أن فكرة الكتاب قد جالت في رأس مؤلفه الفاضل منذ خمسة وعشرين عاماً، وأن العمل على إصداره ظل شغله الشاغلطوال هذه المدة، ذلك لأنه أثر التريث وإمعان النظر وإطالة البحث والاطلاع حتى جاء عمله في النهاية جديراً بفضله وأدبه وواسع خبرته.
مهد الأستاذ لموضوعه الواسع بمقدمة ضافية محكمة فتكلم عن أسباب إصداره هذا الكتاب مشيراً إلى حاجة الشرق في نهوضه إلى مثل هذه البحوث، ثم عرف هذا العلم إلى القاريء وجاء بلمحة تأريخية عنه، وبين له كيف تدرس فكرة الدولة عملياً، وتعرض لآراء العلماء في ذلك وهي بحق مقدمة شيقة، تدلك على شدة اهتمام الأستاذ بموضوعه كما تشهد بحسن فهمه واستيعابه له.
بعد ذلك تكلم الأستاذ في هذا الجزء من كتابه عن أصول الدولة وعرض في إسهاب ودقة النظريات المختلفة التي وضعت للدولة، فتكلم عن نظرية الطبيعة، وعن نظرية الأصل الاصطلاح شارحاً العقد الاجتماعي واصله، مورداً آراء الفلاسفة في ذلك. ثم انتقل إلى نظرية التكوين الاختياري الضروري للدولة ذاكراً في كل نظريه ما دار حولها من الآراء.
وبعد أن انتهى الأستاذ من سرد النظريات وشرحها، عاد إلى الكلام عن التطور التاريخي لفكرة الدولة: فتكلم عن فكرة الدولة في الهند وفارس والصين ومصر ودولة الإسرائيليين واليونان والرومان، ثم انتقل إلى العصور الوسطى وعهد إحياء العلوم وعهد الإصلاح مورداً في كل هاتيك الخطوات آراء العلماء والفلاسفة شارحاً جميع الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي لم يكن منها بد لموضوعه، وقد ختم الجزء الأول عند هذا الحد، وسيفتتح الجزء الثاني بتناول الفكرة ابتداء من عهد الانتقال بين عصر الإصلاح وعصر الثورة الفرنسية.
стр. 4447
وأني وقد أعجبتني طريقة الأستاذ وفيق في بحثه، وراقتني فصاحته وخبرته لأتقدم إليه باقتراح أرجو أن ينال عنده القبول، ذلك أن يفرد بابا من كتابه لفكرة الدولة في الإسلام وتطورها منذ عصر الخلفاء، فان القاريء الشرقي ليتطلع إلى هذه. الناحية في شوق عظيم، ولا سيما إذادرت من عالم جليل كالأستاذ وفيق له مثل هذه الخبرة عن الدولة وفكرتها.
م. الخفيف
غاندي والحركة الهندية
تأليف الأستاذ سلامة موسى
غاندي والحركة الهندية كتاب جدير بأن يطلع عليه كل شبابنا فهو حافل بدروس الوطنية الصادقة مصورة في حركة من أروع وأجل الحركات الوطنية وفي شخصية من أعظم شخصيات التاريخ هي شخصية غاندي الرجل العظيم والزعيم النادر المثال والإنسان الكامل، الذي لايجود الزمان بأمثاله من العظماء الإ كل حقبة طويلة من الدهر.
أعجبني في هذا الكتاب تفصيل الموضوع وحسن تقسيمه وتقريبه إلى أذهان القراء في مهارة ولباقة عرف بهما مؤلفه الفاضل. ثمأعجبني أكثر من ذلك ما أحسسته من حماس الأستاذ. وصراحته وصدق تأثيره بما يكتب واندماجه في موضوعه حتى لتحار فيما لو كان الأستاذ يسرد عليك تاريخ وتطور حركة من الحركات الوطنية أم هو يسمعك آراءه الصريحةالجريئة في الاستعمار أو وما ينجم عنه من نكبات كل ذلك في أسلوب علمي دقيق جمع بين حماس القلب ورزانة العقل.
قسم الأستاذ هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، ففي الجزء الأول يتكلم عن الأحوال العامة في الهند، وفي الجزء الثاني يبسط لك سياسة غاندي وفلسفته، وفي الجزء الثالث يورد لك بعض مقالات وحكم كتبها غاندي ونشرت في المجلات الهندية.
وغاية الأستاذ من هذا الكتاب جديرة بالثناء، انظر إلى قوله (ونحن في جهادنا للمباديءالإمبراطورية البريطانية نشبه. الهنود وإن كانت قدم الإنجليز في الهند ارسخ وتاريخهم أطول، ولهذا السبب نفسه يجب أن نستنير بحركتهم كما استناروا هم بحركتنا
стр. 4448
فان زعماءهم كثيراً ما ذكروا الاتحاد بين المسلمين والأقباط في مصر ودعوا أبناء أمتهم المسلمين والهندوكيين إلى مثله في الهند. وسيجد القاريء المصري في هذا الكتاب كثيرا ًمن المواضيع التي يهمه معرفتها، كأصل الحركة الهندية والديانة الهندوكية، والفقر والنجاسة، والدستور الجديد، وغاندي وحياته وموقفه من المدينة الحديثة وما لم يعرف عن غاندي، وصوم غاندي الأول، هذا إلى بعض مقالات غاندي نفسه، مما يجعل الكتاب جديراً بالمطالعة والانتفاع مما جاء فيه من دروس نحن أحوج ما نكون إليها.
مثلنا الأعلى
قصة وضعها عبد المجيد عباس المعلم في مدرسةتطبيقات دار المعلمين
مطبعة الحكومة - بغداد
قصة تمثيلية تقع في أربعين صفحة من القطع الكبير، موضوعها الوحدة العربية والدعوة إليها، أهداها صاحبها الفاضل المغفور له فيصل بن الحسين فقيد العرب العظيم وجاء في هذا الإهداء أنها (مُثلت في حضرة جلالته فحباها بالإعجاب، وظفرت من جلالته بالرضا).
ونحن لا يسعنا إلا الإعجاب بكل ما يكتب عن الوحدة العربية والدعوة إليها كما أني أشعر بالغبطة والارتياح بعد تلاوة القصة، وذلك لما تخللها من شعور كريم وآراء سديدة. ولكني إذا نظرت للقصة من ناحية الفن، أجدني ميالاً إلى أن أصرح لمؤلفها الفاضل بأن هذا الموضوع الكبير، كان يحتاج إلى طريقة خير من طريقته التي اتبعها، كما أن القصة يكاد ينعدم منها الجو القصصي، وكأني في مواضع كثيرة منها كنت استمع إلى مناظرة في موضوع الوحدة العربية، فالحوار ينقصه (الفن في الأداء والتوجيه، والآراء تسرد بطريقة سطحية جافة كما يجيء على لسان مدرس المطالعة عند شرح موضوع درسه، هذا إلى أنها تكاد تخلو من المواقف المثيرة والمفاجآت القوية، كما أن مناظرها محدودة وأشخاصها قليلون لا أكاد أفرق بينهم في خلق، غير أني أشعر بميل المؤلف الفاضل إلى القصة واتخاذها أداة لنشر ارائه، ولعلنا نجد منه في المستقبل ذلك الفنان الناضج الذي يجمع بين الموهبة والثقافة
م. الخفيف
стр. 4449
العدد ٥٣ - بتاريخ: ٠٩ - ٠٧ - ١٩٣٤
стр. 4450
بين أسلوبين
بين الإطناب الذي لم تؤثره (الوادي)، وبين الإيجاز الذي تحبه (الرسالة)، كادت تضيع صداقة رسخت قواعدها على الإكبار والحب، وتأكدت أسبابها على الخفض والشدة، وتمكنت الفتها على ربع قرن من الزمان المضطرب تغيرت فيه مودّات الأخوة، وتنكرت قلوب الجماعات، وتحللت روابط الأمم.
وجملة الأمر أن صديقي طه قد بنى قصة من الأدب الجميل على رسالتين خاصتين أرسلهما إليه الأستاذ توفيق الحكيم، ثم نشرها ونشرهما في الوادي؛ فلما أصبح كل ذلك للجمهور والتاريخ جاءت الرسالة فنشرته، لأنها كما قلت في العدد الماضي كانت مسرحاً لهذه الرواية، فمن حق قرائها أن يشهدوا فصلها الأخير، ولأنها سجلٌّ لألوان الأدب الحديث، فمن حق الأدب أن نسجل في تاريخه ما يقع بين رجاله من الخلاف الجدي فيه كاملاً غير منقوص. وإن بقي لأصحاب الظنون والفروض سبب ثالث فلن يكون غير تعصب الصديق للصديق. وكان الأستاذ توفيق الحكيم فيما بين ذلك قد نشر بيانه الذي نقلناه في الأسبوع الماضي عن الوادي بعنوان (خصومة)، فلم يُتَح لي الاطلاع عليه لحالة خاصة صرفتني عن قراءة الصحف ذلك اليوم. ولو كنت قرأته وقرأت بجانبه تعريض الدكتور بالأستاذ في مقاله (أخلاق الأدباء) لشق على فهمي أن يستنتج من المقالين عودة الصفاء وزوال الجفوة.
تصافى الصديقان إذن على غير علم من الوادي ولا من الرسالة، فلما رأى الأستاذ الحكيم عودة المقالة في الرسالة خالجته في الصفاء ريبة، وأراد صديقي الدكتور أن يجلو شبهة الأمر، ويخرج من تبعة النشر، ويترضى الغاضب المرتاب، فأرسل إلى كلمته العاتبة تتنمَّر على صفحة الوادي.
كان المألوف في مثل هذه الحال أن يقف العتاب عند الترضي والتنصل، ولكن الأسلوب المطنب الذي يؤثره صديقي من خصائصه التدفق، والتدفق لا يخلو من كدورة، فأخذ يولد من العتاب ويفرع فيه، حتى خرج به إلى التلويح والتجريح والاستعداء، لأنني نشرت ما نشرت بغير إذنه. علقت على هذا (العتاب) الموجع بأن صديقي طه استغل حيائي منه ووفائي له في إرضاء الحكيم وإنصاف الوادي، لأنه يعتقد إني إذا عاتب واشتد لا أجيب، وإذا أجبت لا أعيب؛ ولكن الأسلوب الموجز الذي اصطنعته كان على ما يظهر أقرب إلى
стр. 4451
الإخلال والغموض، لأن صديقي لم يفهم (الاستغلال) على الصورة التي اقتضاها المقام وبالمعنى الذي قصدته، وإنما فهمه بمعناه الشنيع الذي لا يكون بين أخوين، ثم رتب على هذا الفهم في رده على تعليقي ما رتب مما لا أعده موجهاً إلى ما دام قائماً على هذا الأساس!
فأنت ترى أن أكثر ما حدث إنما نشأ من أسلوبين استعمل كل منهما في غير موضعه، وان الأمر كله ما كان ليقع لولا حرفة الصحافة التي تغري بالنشر كما يغرى على القتل حمل المسدس. فان أكثر من هذا يقع كل يوم بين الأصدقاء والاخوة فتزيله كلمة في التليفون أو تحية عند اللقاء.
قال الذين وقفوا على ملابسات هذا الأمر إني إذا كنت أخطأت في نشر المقالة وهي عامة، فان صديقي أخطأ في نشر الرسائل وهي خاصة، وما يُسَوِّغ موقفه من الحكيم يسوغ موقفي منه. ولكني لا أقول هذا القول ولا أستعين به، فإن الواقع أن ما صرفني عن الاستئذان في النشر إنما هو اعتقادي بارتفاع الكلفة بين طه والزيات، وبين الوادي والرسالة.
أما بعد، فإذا جاز لهبَّة الريح أن تزعزع الجبل، أو لحبة الرمل أن تكدر البحر، جاز لنشر مقال أدبي من غير إذن أن ينال من صداقة رفيقي الصبي وخديني الشباب، فينتزع المحبة من خلال النفس، ويقتلع العلاقة من صميم القلب، ويقتطع الماضي من حساب الزمن، بالسهولة التي تنشر بها كلمة في صحيفة!
وما كان ليقع في الوهم أن قلبين ألفت بينهما براءة النشأة، وطول الصحبة، ووحدة الهوى، وطبيعة الثقافة، يجرى بينهما من سوء التفاهم ما يجري بين القلوب المتناكرة والصلات الحديثة! كذلك ما كان ليسبق إلى الظن أن صديقي الذي لم تكشف الحوادث والأيام منه إلا شعوراً سليماً وخلقاً كريماً وذكاءً متقداً وضميراً يقظاً ونفساً طيبة، يخضع لأثر الحر وثقل العمل وعنت الظروف، فيقول في صديقه ما لا يحب، ويرميه بما لا يعتقد!
أخي طه!
إن بيني وبينك ماضياً جليلاً لا تمحوه طوارئ الحاضر الحقير، وصداقة خالصة لا تكدرها شوائب الظن السوء، وذمة وثيقة لا تخفرها بوادر الكلام السريع، وأخوَةً كراماً جزعوا لهذا الخلاف ويسرهم أن ينقضي.
وإذا أمكنك أن تجد في ذاكرتك القوية المعجزة غميزة في خلق أخيك على طول عهدك به،
стр. 4452
كنت خليقاً أن تطيع فيه نوازي الغضب، وتقبل عليه شواهد الظن، وتسلكه في ذوى الخلق المعوج والطبع اللئيم!
أما إذا كان من طبيعة الصحافة أن تعبث بكل ما بقي بيننا وهو الود، وتعتدي على كل ما بقي لنا وهو الخلق، وتمتد إلى رأس مالنا الوحيد وهو الشرف، فادع الله لي ولك أن يخرجنا منها، ويغنينا عنها، ويحفظ البقية من عمرنا الكادح في كنف رعايته وفضله.
احمد حسن الزيات
стр. 4453
حديث قطّين
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جاء في امتحان شهادة إتمام الدراسة الابتدائية لهذا العام في موضوع الإنشاء ما يأتي:
(تقابل قطان أحدهما سمين تبدو عليه أثار النعمة، والآخر نحيف يدل منظره على سوء حاله؛ فماذا يقولان إذا حدث كل منهما صاحبه عن معيشته؟)
وقد حار التلاميذ الصغار فيما يضعون على لسان القطين، ولم يعرفوا كيف يوجهون الكلام بينهما، وإلى أي غاية ينصرف القول في محاورتهما؛ وضاقوا جميعاً وهم أطفال - أن تكون في رءوسهم عقول السنانير؛ وأعياهم أن تنزل غرائزهم الطيبة في هذه المنزلة من البهيمية ومن عيشها خاصة، فيكتنهوا تدبير هذه القِطاط لحياتها، وينفذوا إلى طبائعها، ويندمجوا في جلودها، ويأكلوا بأنيابها، ويمزقوا بمخالبها.
قال بعضهم: وسخطنا على أساتذتنا أشد السخط، وعبناهم بأقبح العيب؛ كيف لم يعلمونا من قبل - أن نكون حميراً، وخيلا، وبغالاً، وثيرانا، وقردة، وخنازير، وفئرانا، وقِططة وما هب ودب، وما طار ودرج، وما مشى وانساح؛ وكيف - ويحهم - لم يلقنونا مع العربية والإنجليزية لغات النهيق، والصهيل، والشحيج، والخوار، وضحك القرد، وقُباع الخنزير، وكيف نصئ ونموء، ونلغط لغط الطير، ونفح فحيح الأفعى، ونكش كشيش الدبابات، إلى ما يتم به هذا العلم اللغوي الجليل الذي تقوم به بلاغة البهائم والطير والحشرات والهمج وأشباهها. .؟
وقال تلميذ خبيث لأستاذه: أما أنا فأوجزت وأعجزت، قال أستاذه: أجدت وأحسنت، ولله أنت! وتالله لقد أصبت! فماذا كتبت؟ قال كتبت هكذا:
يقول السمين: ناوْ، ناوْ، ناوْ. . . فيقول النحيف: نَوْ ناوْ، نَوْ. . فيرد عليه السمين. نَوْ، ناوْ، ناوْ. . فيغضب النحيف، ويكشر عن أسنانه، ويحرك ذيله ويصيح: نَوْ، نَوْ، نَوْ. . . فيلطمه السمين فيخدشه ويصرخ: ناوْ. . . فيثب عليه النحيف ويصطرعان وتختلط (النّونَوَة) لا يمتاز صوت من صوت، ولا يبين معنى من معنى، ولا يمكن الفهم عنهما في هذه الحالة إلا بتعب شديد بعد مراجعة قاموس القِطاط. .!
قال الأستاذ: يا بني، بارك الله عليك! لقد أبدعت الفن إبداعا فصنعت ما يصنع أكبر
стр. 4454
النوابغ، يظهر فنه بإظهار الطبيعة وإخفاء نفسه، وما ينطق القط بلغتنا إلا معجزة لنبي، ولأنني بعد محمد صلي الله عليه وسلم؛ فلا سبيل إلا ما حكيت ووصفت، وهو مذهب الواقع، والواقع هو الجديد في الأدب؛ ولقد أرادوك تلميذا هراً، فكنت في إجابتك هرا إستاذاً، ووافقت السنانير، وخالفت الناس، وحققت للممتحنين أرقى نظريات الفن العالي، فان هذا الفن إنما هو في طريقة الموضوع الفنية، لا في تلفيق المواد لهذا الموضوع من هنا وهناك؛ ولو حفظوا حرمة الأدب، ورعوا عهد الفن لأدركوا أن في أسطرك القليلة كلاماً طويلاً بارعاً في النادرة والتهكم، وغرابة العبقرية، وجمالها وصدقها، وحسن تناولها، وإحكام تأديتهالما تؤدى؛ ولكن ما الفرق يا بني بين (ناو) بالمد، و (نو) بغير مد؟. . . قال التلميذ: هذا عند السنانير كالإشارات التلغرافية: شرطة ونقطة وهكذا. قال يا بني ولكن وزارة المعارف لا تقر هذا ولا تعرفه، وإنما يكون المصحح أستاذاً لا هراً. . . والامتحان كتابي لا شفوي. قال الخبيث: وأنا لم اكن هراً بل كنت إنسانا، ولكن الموضوع حديث قطين، والحكم في مثل هذا لأهله القائمين به، لا المتكلفين له، المتطفلين عليه؛ فان هم خالفوني قلت لهم: اسألوا القطاط؛ أو لا فليأتوا بالقطين: السمين والنحيف، فليجمعوا بينهما، وليحشروهما ثم ليحضروا الرقباء هذا الامتحان، وليكتبوا عنهما ما يسمعونه وليصفوا منهما ما يرونه، فوالذي خلق السنانير والتلاميذ والممتحنين والمصححين جميعا - ما يزيد الهرَّان على (نو، وناو) ولا يكون القول بينهما إلا من هذا، ولا يقع إلا ما وصفت، وما بد من المهارشة والمواثبة بما في طبيعة القوي والضعيف، ثم فرار الضعيف مهزوماً، وينتهي الامتحان!
إن مثل هذا الموضوع يشبه تكيف الطالب الصغير خلق هرتين، لا الحديث عنهما؛ فأن إجادة الإنشاء في مثل هذا البابألوهية عقلية تخلق خلقها السوي الجميل نابضاً حياً كأنما وضعت في الكلام قلب هر، أو جاءت بالهر له قلب من الكلام. وأين هذا من الأطفال في الحادية عشرة والثانية عشرة وما حولهما؛ وكيف لهم في هذه السن أن يمتزجوا بدقائق الوجود، ويداخلوا أسرار الخليقة، ويصبحوا مع كل شيء رهناً بعلله، وعند كل حقيقة موقوفين على أسبابها. وقد قيل لهم من قبل في السنوات الخالية (كن زهرة وصف. واجعل نفسك حبة قمح وقل) وإنما هذا ونحوه غاية من ابعد غايات النبوة أو الحكمة؛ إذ النبي
стр. 4455
تعبير إلهي تتخذه الحقيقة الكاملة لتنطق به كلمتها التي تسمى الشريعة، والحكيم وجه آخر من التعبير، تتخذه تلك الحقيقة لتلق منه الكلمة التي تسمى الفن.
وقد كان في القديم امتحان مثل هذا، لم ينجح فيه إلا واحد فقط من آلاف كثيرة؛ وكان الممتحن هو الله ﷻ ؛ والموضوع حديث النملة مع النمل؛ والناجح سليمان ﵇ (قالت نملةٌ: يا أيها النمل، ادخلوا مساكنكم، لا يَحْطِمَنَّكُمْ سليمانُ وجنودهُ وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكاً من قولها).
إن الكون كله مستقر بمعانيه الرمزية في النفس الكاملة؛ إذ كانت الروح في ذاتها نورا، وكان سر كل شيء هو من النور والشعاع يجري في الشعاع كما يجري الماء في الماء، وفي امتزاج الأشعة من النفس والمادة تجاوب روحاني هو بذاتهتعبير في البصيرة وإدراك في الذهن، وهو أساس الفن على اختلاف أنواعه: في الكلمة والصورة، والمثال والنغمة؛ أي الكتابة والشعر والتصوير والحفر والموسيقى.
ومن ذلك لا يكون البيان العالي أتم إشراقاً إلا بتمام النفس البليغةفي فضيلتها أو رذيلتها على السواء؛ فان من عجائبالسخرية بهذا الإنسان أن يكون تمام الرذيلة في أثره على العمل الفني - هو الوجه الآخر لتمام الفضيلة في أثره على هذا العمل؛ والنقطة التي ينتهي فيها العلو من محيط الدائرة هي بعينها التي يبدأ منها الانحدار إلى السفل؛ ومن ثم كانت الفنون لا تعتبر بالأخلاق، حتى قال علماؤنا: إن الدين عن الشعر بمعزل. فالأصل هناك سمو التعبير وجماله، وبلاغة الأداء وروعتها؛ ولا يكون السؤال الفني ما هي قيمة هذه النفس، ' ولكن ما طريقتها الفنية؟ وأي عجيب في ذلك؟ أليس لجهنم حق في كبار أهل الفن، كما للجنة حق في نوابغه؛ وإذا قالت الجنة: هذه فضائلي البليغة؛ أفلا تقول الجحيم وهذه بلاغة رذائلي. وكيف لعمري يستطيع إبليس أن يودي عملهالفني. . ويصور بلاغته العالية إلا في ساقطين من أهل الفكر الجميل، وساقطات من أهل الجسم الجميل؟. .
لقد بعدنا عن القطين، وأنا أريد أن أكتب من حديثهما وخبرهما.
كان القط الهزيل مرابطاًفي زقاق، وقد طارد فارة فانحجرت في شق، فوقف المسكين يتربص بها أن تخرج، ويؤامر نفسه كيف يعالجها فيبتزّها، وما عقل الحيوان إلا من حرفة عيشه لا من غيرها. وكان القط السمين قد خرج من دار أصحابه يريد أن يفرّج عن
стр. 4456
نفسه بأن يكون ساعة أو بعض ساعة كالقططة بعضها مع بعض، لا كأطفال الناس مع أهليهم وذوي عنايتهم. وأبصر الهزيل من بعيد فأقبل يمشي نحوه، ورآه الهزيل وجعل يتأمله وهو يتخلع تخلع الأسد في مشيته وقد ملأ جلدته من كل أقطارها ونواحيها، وبسطته النعمة من أطرافه، وانقلبت في لحمه غلظا، وفى عصبه شدةً، وفي شعره بريقاً، وهو يموج في بدنه من قوة وعافية، ويكاد إهابه ينشق سِمناً وكدْنة. فانكسرت نفس الهزيل، ودخلته الحسرة، وتضعضع لمرأى هذه النعمة مرحة مختالة. وأقبل السمين حتى وقف عليه، وأدركته الرحمة له إذ رآه نحيفاً منقبضاً، طاوي البطن، بارز الأضلاع، كأنما همت عظامه أن تترك مسكنها من جلده لتجد لها مأوى آخر. فقال له: ماذا بك، ومالي أراك متيبساً كالميت في قبره غير انك لم تمت، ومالك أعطيت الحياة غير أنك لم تحي، أو ليس الهر منا صورة مختزلة من الأسد، فمالك - ويحك - رجعت صورة مختزلة من الهر؛ أفلا يسقونك اللبن، ويطمعونك الشحمة واللحمة، ويأتونك بالسمك، ويقطعون لك من الجبن أبيض وأصفر، ويفتون لك الخبز في المرق، ويؤثرك الطفل ببعض طعامه، وتدللك الفتاة على صدرها، وتمسحك المرأة بيديها، ويتناولك الرجل كما يتناول ابنه.؟ وما لجلدك هذا مغبراً كأنك لا تلطعه بلعابك، ولا تتعهد بتنظيف، وكأنك لم ترقطّ فتى أو فتاة يجري الدهان بريقاً في شعره أو شعرها، فتحاول أن تصنع بلعابك لشعرك صنيعهما؛ واراك متزايل الأعضاء متفككاً حتى ضعفت وجهدت، كأنه لا يركبك من حب النوم على قدر من كسلك وراحتك، ولا يركبك من حب الكسل على قدر من نعيمك ورفاهتك، وكأن جنبيك لم يعرفا طنفسة ولا حشّية ولا وسادة ولا بساطاً ولا طرازاً، وما أشبهك بأسد أهلكه ألا يجد إلا العشب الأخضر والهشيم اليابس، فماله لحم يجيء من لحم، ولا دم يكون من دم، وانحط فيه جسم الأسد، وسكنت فيه روح الحمار!
قال الهزيل: وإن لك لحمة وشحمة، ولبناً وسمكاً، وجبناً وفتاتاً، وإنك لتقضي يومك تلطع جلدك ماسحاً وغاسلاً، أو تنطرح على الوسائدوالطنافس نائماً ومتمدداً. أما والله لقد جاءتك النعمة والبلادة معاً، وصلحت لك الحياة وفسدت منك الغريزة، وأحكمن طبعاً ونقضت طباعاً، وربحت شبعاً وخسرت لذة، عطفوا عليك وأفقدوك أن تعطف على نفسك، وحملوك وأعجزوك أن تستقل، وقد صرت معهم كالدجاجة تُسمن لتذبح، غير أنهم يذبحونك دلالاً
стр. 4457
وملالاً.
إنك لتأكل من خوان أصحابك، وتنظر إليهم يأكلون، وتطمع في مؤاكلتهم، فتشبع بالعين والبطن والرغبة ثم لاشيء غير هذا، وكأنك مرتبط بحبال من اللحم تأكل منها وتحتبس فيها.
إن كان أول ما في الحياة أن تأكل فأهون ما في الحياة أن تأكل، وما يقتلك شيء كاستواء الحال، ولا يحييك شيء كتفاوتها، والبطن لا يتجاوز البطن، ولذته لذته وحدها، ولكن أين أنت عن إرثك من أسلافك، وعن العلل الباطنة التي تحركنا إلى لذات أعضائنا، ومناع ارواحنا، وتهبنا من كل ذلك وجودنا الأكبر، وتجعلنا نعيش من قبل الجسم كله، لا من قبل المعدة وحدها؟
قال السمين: تالله لقد أكسبك الفقر حكمة وحياة، وأراني بازائك معدوما بزوال أسلافي مني، وأراك بازائي موجودا بوجود أسلافك فيك. ناشدتك الله إلا ما وصفت لي هذه اللذات التي تعلو بالحياة عن مرتبة الوجود الأصغر من الشبع، وتستطيل بها إلى مرتبة الوجود الأكبر من الرضى؟
فقال الهزيل: إنك ضخم ولكنك أبله، أما علمت - ويحك - أن المحنة في العيش هي فكرة وقوة، وأن الفكرة والقوة هما لذة ومنفعة، وأن لهفة الحرمان هي التي تضع في الكسب لذة الكسب، وسعار الجوع هو الذي يجعل في الطعام من المادة طعاماً آخر من الروح، وأن ما عدل به عنك من الدنيا لا تعوضكمنه الشحمة واللحمة، فان رغباتنا لابد لها أن تجوعوتغتذي كما لابد من مثل ذلك لبطوننا، ليوجد كل منهما حياته في الحياة؛ والأمور المطمئنة كهذه التي أنت فيها هي للحياة أمراض مطمئنة، فان لم تنقص من لذتها فهي لن تزيد في لذتها، ولكن مكابدة الحياة زيادة في الحياة نفسها.
وسر السعادة أن تكون فيك القوى الداخلية التي تجعل الأحسن أحسن مما يكون، وتمنع الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو، وكيف لك بهذه القوة وأنت وادع قار محصور من الدنيا بين الأيدي والأرجل؟ إنك كالأسد في القفص، صغرت أجَمَتُهُ ولم تزل تصغر حتى رجعت قفصاً يحده ويحبسه، فصغر هو ولم يزل يصغر حتى أصبح حركة في جلد، أما أنا فأسد على مخالبي ووراء أنيابي، وغَيْضَتي أبدا تتسع ولا تزال تتسع أبداً، وإن الحرية لتجعلني
стр. 4458
أتشمم من الهواء لذة مثل لذة الطعام، وأستروح من التراب لذة كلذة اللحم، وما الشقاء إلا خلتان من خلال النفس، أما واحدة فأن يكون في شرهك ما يجعل الكثير قليلا، وهذه ليست لمثلي مادمت على حد الكفاف من العيش - وأما الثانية فأن يكون في طمعك ما يجعل القليل غير قليل، وهذه ليس لها مثلي مادمت على ذلك الحد من الكفاف. والسعادة والشقاء كالحق والباطل، كلها من قبل الذات، لا منقبل الأسباب والعلل، فمن جاراها سعد بها، ومن عكسها عن مجراها فبها يشقى.
ولقد كنت الساعة أختل فأرة انجحرت في هذا الشق فطعمت منها لذة وإن لم أطعم لحماً، وبالأمس رماني طفل خبيث بحجر يريد عقري فأحدث لي وجعاً، ولكن الوجع أحدث لي الأحتراس، وسأغسثى الآن هذه الدار التي بازائنا فأية لذة في السلة والخطفة، والاستراق والانتهاب ثم الوثب شداً بعد ذلك! هل ذقت أنت بروحك لذة الفرصة والهزة، أو وجدت في قلبك راحة المخالسة واستراق الغفلة من فأرة أو جرذ، أو أدركت يوما فرحة النجاة بعد الروغان من عابث أو باغٍ أو ظالم؟ وهل نالتك لذة الظفر حين هوّ لك طفل بالضرب فهوّ لته أنت بالعض والعقر ففر عنك منهزماً لا يلوي؟
قال السمين: وفى الدنيا هذه اللذات كلها وأنا لا أدري؟ هلم أتوحش معك، ليكون لي مثل نكرك ودهائك واحتيالك، فيكون لي مثل راحتك المكدودة، ولذتك المتعبة، وعمرك المحكوم عليه منك وحدك. وسأتصدى معك للرزق أطارده وأواثبه، وأغاديه وأراوحه و. . . فقطع عليه الهزيل وقال:
يا صاحبي، إن عليك من لحمك ونعمتك علامة اسرك، فلا يلقانا أول طفل إلا أهوى لك فأخذك أسيراً، وأهوى عليّ بالضرب لأنطلق حراً، فأنت على نفسك بلاء، وأنت بنفسك بلاء عليّ.
وكانت الفأر التي انجحرت قد رأت ما وقع بينهما، فسرها اشتغال الشر بالشر. . وطالت مراقبتها لهما حتى ظنت الفرصة ممكنة فوثبت وثبة من ينجو بحياته، ودخلت في باب مفتوح، ولمحها الهزيل، كما تلمح العين برقاً أومض وانطفأ، فقالللسمين: اذهب راشداً، فحسبك الآن من المعرفة بنفسك وموضعها من الحياة أن الوقوف معك ساعةً هو ضياع رزق، وكذلك أمثالك في الدنيا، هم بألفاظهم في الأعلى وبمعانيهم في الأسفل. .
стр. 4459
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4460
من روائع عصر الأحياء
حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه
مثل أعلى للترجمة الشخصية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
قد تفوق الحقيقة أحياناً من حيث الغرابة والروعة والميل إلى المدهش الخارق، كل ما يتصوره الخيال المغرق. وهذه ظاهرة نلمسها في كثير من حوادث التاريخ، كما نلمسها في الحوادث الفردية. ومن الأشخاص العاديين من تهيأ له حياة فياضة بالمخاطر والمغامرات المدهشةتجعل منه شخصية فريدة تخلق بذكر التاريخ، وإن لم تؤثر في مجرى حوادثه. وكثيراً ما تبدو هذه السير الشخصية العجيبة برائع حوادثها ومفاجآتها في لون خارق لا تسبغه الحوادث العظيمة على التاريخ نفسه، ولا يسبغه الخيال المغرق على القصة المبتكرة.
ومن هذه النماذج الخارقة للحياة الفردية، حياة الفنان الإيطالي بنفونوتو وهو نموذج ليس له فيما نعتقد مثيل في الغرب أو الشرق؛ ومما يزيد في قيمته وروعته انه صورة رسمتها يد ذلك الفنان البارع الذي نقرأ حياته، عن نفسه وعن حوادث حياته. وكم من تراجم شخصية بديعة انتهت إلينا لشخصيات عظيمة وبأقلام قوية ساحرة؛ ولكنا لا نستطيع أن نلمس فيها رغم روعتها، تلك الحياة المضطرمة التي تفيض بها سيرة بنفونوتو تشلليني. ومن الغريب أن تشلليني لم يكن كاتبا ولا أديبا، يسبغ من أدبه وقلمه على حوادث حياته سحراً وقوة؛ ذلك أن معظم التراجم الشخصية العظيمة التي انتهت إلينا أتيحت لها أقلام بارعة صاغتها في أوضاع أدبية باهرة، وكثيرا ما يتفوق الجمال الأدبي فيها على روعة القصة وسحر الحوادث. ويعرف الذين قرأوا (اعترافات) جان جاك روسو، أو ترجمة المؤرخ الفيلسوف جيبون لنفسه، أي جمال يسبغه القلم ويسبغه البيان الرائع على تلك الصحف الشائقة التي يقدمها إلينا كل من روسو وجيبون عن نفسه، حتى أن سحر البيان ليسمو في مواطن كثيرة، على روعة الحوادث ذاتها. ولكن تشلليني كان اكثر من كاتب وأديب؛ كان فناناً عظيماً تتجلى عبقرية الطبيعة في مواهبه، ويستمد منها سحر البيان وآية
стр. 4461
الوصف؛ وأنا لنلمس في تلك الصحف القوية التي تركها لنا عن حياته العجيبة، روعة هذه المواهب الساذجة، وتحملنا بساطتها المؤثرة إلى أعماق هذه النفس التي تحدثنا لا بواسطة اللفظ الساحر، ولكن في نوع من الوحي والتأثير الروحي، ونكاد نشعر ونحن نتتبع تلك الصورة الحية التي يرسمها لنا تشلليني عن نفسه، إننا نرى تشلليني نفسه، لا تفصلنا عنه القرون، ونشهد معه تلك الحوادث العجيبة التي يقصها علينا، نشهد أحوال عصره ماثلة أمامنا، في ألوان ساطعة، تسبغ عليها ريشته البارعة كل ما في الحقيقة من قوة وروعة وحياة.
كان تشلليني من غرس عصر الأحياء، ذلك العصر الذي تفتحت فيه مكامن العبقرية البشرية، وأخرجت لنا ثبتاً حافلا من تلك الشخصيات التي يزدان بها تاريخ الإنسانية؛ وقد بزغ فجر هذا العصر في إيطاليا، منذ القرن الرابع عشر، وأشرقت طلائعه على يد دانتي وبتراركا وبوكاشيو وماكيافيللي، وميراندولا وجاليلو، ثم على يد رافائيل سانزيو وميشيل انجيلو وعشرات آخرين من أبطال الفن الرائع ترجمهم لنا جميعا، جورجو فازاري في أثره الضخم؛ وكان بنفونوتو تشلليني من جنود ذلك الجيش الباهر الذي لبث ضوء عبقريته يسطع في جنبات إيطاليا زهاء قرنين. ولم يكن في الصف الأول من ذلك الثبت الحافل، ولكنه يقدم إلينا بحياته الغريبة أقوى وأصدق مثل لعصره، بكل ما فيه من حسنات ورذائل؛ ولا غرو فقد عاش تشلليني في عصر البابوية الذهبي، وعصر الحروب الأهلية والغزوات الأجنبية في إيطاليا، واشترك بقسط وافر في كثير من الحوادث العظيمة التي كانت تهز أسس المجتمع الإيطالي يومئذ، وشهد عن كثب سير أولئك البابوات والأحبار الذين كانت أقوالهم ونزاعاتهم يومئذ كل شيء في الملك والحياة العامة.
ولد تشلليني في أسرة متوسطة الحال في سنة ١٥٠٠ بمدينة فلورنس (فيرنتزا) التي كانت يومئذ في طليعة المدن الإيطالية الزاهرة، وكانت موئل الفنون والآداب؛ وكان أبوه مهندساً وموسيقياً يجيد العزف بالمزمار، وفناناً يقوم بصنع التحف العاجية الدقيقة؛ وكان يحاول أن يغرس في نفس طفله بنفونوتو حب الموسيقى ويرغمه على العزف والغناء. ولكن بنفونوتو كان يتضجر من الموسيقى، ويؤثر عليها الرسم. ولما بلغ الخامسة عشرة التحق على كره من أبيه بحانوت صائغ ماهر؛ وكان يهوى هذه الصناعة بطبيعته؛ ولكنه لم يلبث أن
стр. 4462
اضطر إلى مغادرة فلورنس على أثر اشتراكه في شجار دموي وقع بين أخيه وبين جماعة من جند الأمير، وقضى من جرائه بنفي الأخوين من فلورنس؛ فسار تشلليني إلى مدينة سيينا، واشتغل هنالك حيناً لدى صائغ آخر؛ ثم سعى والده لدى الكردينال دى مديتشي الذي انتخب لكرسي البابوية باسم كليمنضوس السابع، فسمح للأخوين بالعودة إلى فلورنس؛ واقترح الكردينال على الأب أن يرسل ولده بنفونوتو إلى بولونيا ليتعلم هنالك الموسيقى على أساتذة الفن بتوصية منه، فاغتبط الأب لذلك أيما اغتباط، وقبل الفتى رغم إرادته لأنه كان يكره الموسيقى وينعتها (بالفن الملعون)، ولبث مدى أشهر يتعلم الموسيقى، ويشتغل أيضاً بصناعته المحبوبة أعني الصياغة وصنع القطع الفنية الدقيقة؛ ثم عاد إلى فلورنس يزاول صناعته حتى اشتهر رغم حداثته، وتحدث الناس بمواهبه. وهنا اتصلت أواصر الصداقة بينه وبين فتى يدعى تاسو، وهو فنان حفار؛ فاقترح عليه أن يسافر الاثنان إلى رومه؛ وكانت هذه أمنية تثير خيال فتى ذكي مخاطر مثل بنفونوتو، فقبل الاقتراح؛ وسافر الاثنان إلى رومه، وكان تشللينى يومئذ في التاسعة عشرة من عمره
وفي رومه اشتغل تشلليني لدى أقطاب فنه، وزاد كسبه، وتفتحت أمامه الآمال الكبيرة؛ وكانت رومه في ذلك العصر مدينة الأحبار، ومعقل الفاتيكان، تنثر عليها البابوية من سلطانها وبذخها وبهائها ألوانا رائعة؛ وكان الاتصال بذلك المجتمع القويالباهر أشد ما يثير طلعة ذلك الفتى الطامح؛ وكانت البابوية وأولياؤها من الأحبار الأكابر يومئذ موئل الفن الرفيع، وملاذ الفنانين الموهوبين؛ فاستقر تشلليني في رومه يرقب فرصه، ولبث إلى جانب عمله يشتغل بدراسة النقوش والصور الخالدة التي خلفها ميشيل انجلو ورافائيل، في صروح رومة؛ ولم يمض سوى قليل حتى أتيحت له فرصة الاتصال بحبر كبير هو أسقف شلمنقة أصلح له بعض التحفوسر من مهارته وعهد إليه بصنع إناء بديع مزخرف؛ وعهدت إليه زوج الأمير تشيجى بصنع حلية من الجواهر. وهنا يفض تشلليني في وصف التحف والحلي البديعة التي كان يصنعها إفاضة تدل على ما كان يجيش به من شغف بفنه ومهنته، وهنا أيضا يطلق تشلليني العنان لأهوائه المضطرمة ويصف لنا بمنتهى الصراحة والجرأة مواطن لهوه، ومواطن عبثه وفسقه مهما كانت من الوضاعة، ويقص علينا كيف أصابه الوباء الذي عصف يومئذ برومة، عقب ليلة غرام قضاها مع فتاة خادمة لبغي حسناء
стр. 4463
جاءت لزيارة صديق له، فاختص الصديق بها، واقتنص هو الخادمة خلسة عنها. وقد قص علينا روسو في اعترافاته كثيراً من مواطن لهوه وفسقه، في أحاديث صريحة واضحة؛ ولكن روسو يسبغ من بيانه على تلك الأحاديث في كثير من الأحيان لوناً من الحشمة، وتكاد تنم عن شعوره بالآثم والندم واحتقار مواطن الضعف الإنسانية. أما تشلليني فانه يقص علينا تلك المناظر الآثمة بكل بساطة، ويصف لنا طبيعته المضطرمة الجامحة دون استحياء، ويكشف لنا عن دخائل نفسه دون تحفظ، وأخص ما يلفت النظر في ما يقصه علينا من تلك الصفات النفسية، انه
كان كثير الإفراط والعنف، شغوفاً بالمخاطرة، تواقا إلى الانتقام، كثير المجون والاستهتار.
ونجا تشلليني من الوباء، بينما احتمل كثيراً من أصحابه، ولكن رومه لم تكد تفيق من عيث الوباء حتى دهمتها مصائب الحرب والحصار، وزحفت الجنود الإمبراطورية - جنود الإمبراطور شارلكان - على رومه بقيادة الكونستابل دى بوربون (سنة ١٥٢٧). وهنا يبدو تشلليني في ذروة الجرأة والمخاطرة، فنراه رئيس سرية من الجند المأجورين يتولى حراسة قصر الساندرو دلبيني، ثم يخف مع سيده إلى الأسوار المحصورة ليرى الجيش المحاصر. وفى ذلك الموطن يقص علينا تشلليني قصه لا ينقضها التاريخ؛ وهي أنه حينما اشرف على الأسوار مع زملائه ليرقب سير المعركة، رأى وسط الدخان رجلاً يرتفع عن الجميع، فصوب رصاصه نحوه، وأطلق مع زملائه في تلك الناحية عدة رصاصات، وحدثت على أثر ذلك في قلب الجيش ضجة كبيرة؛ وشاع بعد ذلك أن الكونستابل دى بوربون قد قتل من رصاصة أطلقت عليه من وراء الأسوار. ويدعي تشلليني أنه هو الذي أصاب الكونستابل برصاصه. وليس في ذلك ما ينقضه التاريخ، ولكن ليس فيه أيضا ما يؤيده. فقد سقط بوربون قتيلا في بدء القتال من رصاص الجند المحصورين؛ ولكن ليس ثمة ما يؤيد أن تشلليني هو صاحب الطلقة القاتلة. وعلى أي حال فأن الحادث دليل على جرأة تشللينيووافر شجاعته. ولم يمنع مقتل بوربون جنوده من اقتحام المدينة، فدخلوها في عدة مواضع دخول الضواري المفترسة، وأضطر البابا كليمنضوس السابع أن يفر مع بطانته إلى حصن سانت انجيلو الذي يتصل بقصر الفاتيكان بأقبية سرية؛ وكان ذلك الحصن الشهير الذي ما يزال إلى اليوم قائما في رومه على ضفة نهر تفيرى، من أمنع وأعجب
стр. 4464
معاقل العصور الوسطى، يلجأ إليه البابوات بكنوزهم كلما دهم رومه خطر السقوط في يد العدو، ويتخذ في أوقات السلم سجناً تزج إليه البابوية أعداءها. واختار الجنرال دى مديتشى قائد الحرس تشللينلي ضمن حرس الحصن إذ كان يعرف شجاعته؛ وكان الحصن مجهزا بالمدفعية من جميع نواحيه، فانتخب تشللينيليتولى إطلاق إحدى وحدات المدفعية، ولبث مدى شهر يتولى هذه المهمة. ويقول لنا تشلليني انه أتى في ذلك بالعجب العجاب، وحصدت قنابله كثيرا من جند العدو، وباركه أكابر الأحبار وهنأوه على براعته. وفى خلال ذلك استدعاه الباباكليمنضوس، وكان قد عرفه من قبل وعهد إليه بصنع بعض التحف وأعجب بافتنانه، وطلب إليه أن يقوم باستخراج جميع التحف والحلي الرسولية من علبها وإطاراتها الذهبية؛ وبعد أن خبا البابا الجواهر في بطانة ثيابه وثياب بعض خواصه، أمره أن يصهر القطع الذهبيةسرأ؛ فأخذتشللينيواشتغل بصهرها في ركن صغير إلى جانب مدفعيته؛ ولبث أثناء العمل يطلق القنابل على جند العدو؛ وهنا يقول لنا تشلليني انه أطلق قنابله ذات يوم على فارس يسير حول خنادق العدو فأرداه وتبين انه هو البرنس دى اورانج كبير الجيش المحاصر.
وبعد أيام قلائل عقد الصلح؛ وسار تشللينيإلى فلورنس ليزور أباه وأسرته، ملئ الجيب، يركب فرساً جميلاً، وورائه خادم خاص. وبعد أن مكث قليلا سار إلى مانتوا ليزورها، واتصل بأميرها دوق مانتوا، وصنع له بعض التحف الجميلة. ثم عاد إلى فلورانس، فألفاها تتاهب للدفاع عن نفسها ضد جنود البابا كليمنضوس، فاعتزم أن يشترك في الدفاع عن وطنه، ولكن البابا كليمنضوس أرسل يستدعيه إليه، ويعده بوعود حسنة، فعاد إلى رومه، واستقبله البابا مراراً، وعهد إليهبصنع حلي وتحف خاصة بثيابه وتاجه، ثم عهد إليه بصنع نماذج للنقود تستعمل في دار الضرب البابوية، وأبدى تشللينيفي ذلك كله من المهارة والدقة ما جعل البابا يضاعف له العطف والبذل ويعينه ناظراً لدار الضرب. وهنا وقع حادث جديد يدل على صرامة تشللينيوعنفه؛ ذلك أن أخاه الأصغر جوفانيالذي كان يومئذ في رومه ضمن جند الدوق الساندرو دى مديتشي اشتبك وبعض فتيان من صحبه ذات مساء مع جماعة من الحرس كانت تقود إلى السجن صديقاً لبعض أولئك الفتيان، فأصيب جوفانى خلال المعركة بجرح خطير، وحمل مغشياً عليه إلى قصر الدوق الساندرو، فهرع إليه
стр. 4465
بنفونوتو، ولكنه أسلم الروح بين ذراعيه؛ وعرف بنفونوتو الرجل الذي طعن أخاه الطعنة القاضية، فسار إلى منزله ذات مساء، وكان الرجل يتنزه أمام داره، فطعنه بخنجره طعنة نجلاء خر لها صريعاً، وبذا انتقم لأخيه وشفى نفسه. وعاد إلى عمله كأن لم يحدث شيء. وكان القانون يومئذ صريع الجاه والهوى، فمن كان ذا جاه أو حماية استطاع أن يجري القصاص لنفسه وأن يستبيح دم خصومه
واستمر بنفونوتو حيناً يقوم بخدمة البابا، فأعاد صنع التحف الرسولية كما كانت قبل الحصار، وكلفه البابا بصنع تحف أخرى، فوضع رسومها ونماذجها، وكان البابا دائماً فارغ الصبر يستحثه على السرعة، وبنفونوتو لا يدخر وسعاً في العمل، وأصابه ذات يوم مرض في عينيه، وعاقه عن العمل حيناً، فغضب البابا واعتقد البابا انه يتقاعد عن إتمامه قصداً، وكان ثمة بعض رجال البطانة ممن يحقدون على بنفونوتو، ويستكثرون عليه هذه الرعاية، يدسون دائماً حقه ويلتمسون الفرص لإحفاظ البابا عليه بحجة انه مقصر في أعمال قداسته وانه كثير الحب للمال لا يقنع أبداً بما يدفع إليه من الأجور والهبات، وأنه كثير الادعاء والغرور؛ فأثمرت هذه السعاية ثمرها، وطلب البابا من بنفونوتو ما لديه من تحفه، فامتنع من بنفونوتو من تسليمها بحجة أنها لم تتم وانه لم يقبض أجرها، فقبض عليه بأمر البابا، وأخذت التحف قسراً عنه، ثم أطلق سراحه؛ بيد أنه كان قد فقد عطف البابا. فحاول أن يجد يومئذ عزائه في الحب وكان قد تعرف بسيدة صقلية ذات ابنة حسناء، هام بحب الابنة، واعتزم أن يختطفها ويفر بها إلىفلورنس.
ولكن الأم شعرت بمشروعه، فسافرت مع أبنتها خلسة إلى صقلية؛ ولجأ بنفونوتو إلى ساحر في رومه ليعاونه على الاجتماع بحبيبته، ولبث أياماً يحضر الجلسات السحرية خارج رومه؛ ولكنه لم يفز طبعاً ببغيته. ثم نسى غرامه، ووجد عزاءه مرة أخرى في فنه وفي التماس صنعبعض الحلي والتحف النادرة التي تدلل على أنه أستاذ عصره، وانه لا يجارى في ابتكاره وبراعته.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4466
دق على الخشب
أو (بص وراك)
من عبارات الدعاء والتشميت لجلب الخير وطرد الشر عند الإنجليز قول الواحد منهم (مس الخشب) أو (دق على الخشب) كما نقول نحن (بص وراك) كأن هذا المس أو هذا الدق يطرد الشيطان أو العفريت الذي يتحفز غير منظور وغير مشعور به لقطع الخير عن أهله. يراد به أن يكون كالبسملة عند المسلمين أو كذكر الصليب عند المسيحيين ضماناً لحسن البدء وحسن الختام.
وقد رأينا مقالاً لعالم إنجليزي بهذا العنوان حاول فيه تعليل هذا المس وتسلط الخرافات على الناس قال:
(كلما مر يوم رأى العالم وقد عراه الدهش انه لا يزال في القرن العشرين أناس يؤمنون بالسحر. أما أنا فلا أفهم قدرة الناس على أن تدهشهم هذه الحوادث التي تتكرر في مدة قصيرة).
ففي سنة١٩٢١ كان حديث القوم عندنا ذلك المنزل المسحور الذي كانت فيه قوى غير منظورة تبعثر الأثاث والرياش في جميع جوانبه، وفي سنة١٩٢٦ اتهم بعضهم بالسحر في محاكمة ملون، وفى سنة١٩٢٨ روع الناس بوقائع سحرية في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.
هذا بعض من كل، وهم كلما سمعوا بحادثة من هذا النوع دهشوا لها أيما دهش وقالوا إنها مستحيلة، ومن التخرص والأحاديث الملفقة. ثم تراهم يدقون على الخشب ويحاذرون المرور تحت السلالم الخشبية ويلقون الملح من فوق أكتافهم إلى غير ذلك، هذا كله مع علمنا بان السحر خارج عن دائرة العقل والحقائق العلمية.
فان كان ذلك كله مستحيلاً وخارجاً عن دائرة العقل فكيف قوى على البقاء آلافاً من السنين، على حين أن خصوم السحر والسحرة جعلوا ديدنهم في كل زمان ومكان القبض على السحرة وحرقهم أينما وجدوهم. فهل هذا كله مناقض للعقل؟
كنا منذ مئة وخمسين سنة نقول إن طيران الإنسان مناقض للعقل، وكنا منذ عشرين سنة نقول أن من مناقضات العقل جلوس امرئ في منزله بلندن ينصت إلى عزف الموسيقى في برلين.
وقد علل بعضهم هذه الغرائب بقوله إنها من فئة الحقائق التي تخضع لناموس طبيعي
стр. 4467
مجهول، ومتى يعرف هذا الناموس تصبح الغرائب حقائق لا علاقة لها بالسحر، لأن السر لا يخضع لنواميس الطبيعية.
وقد تكون هنالك نواميس نجهلها، ومع ذلك فهي تعمل عملها كل يوم أمام عيوننا.
وفى سنة١٧٧٠ كان الناس يسمون التنويم المغناطيس سحراً أي ضبط إنسان لحركات إنسان آخر وأعماله وهو يجهله تمام الجهلفلا يمكن أن يقال أن بينهما تواطؤاً وتدبيراً سابقاً.
ثم جاءت سنة١٧٧٨ فسموه بالمسمرزم وسلموا به جدلا وعلى كره منهم كما نسلم نحن الآن بالتليباتي أي انتقال الأفكاروننتظر ناموساً طبيعياً لتعليله، ولكن هذا الناموس لم يكشف بعد ونحن نسميه في هذه السنة، سنة١٩٣٤ بالهبنوتزم. فهل نستطيع أن نعلل بناموس طبيعي كيف يتمكن بعض الناس وفى أيديهم غصن من شجر البندق من أن يدلونا على ينابيع ماء تحت الأرض التي يقفون عليها وذلك بانحراف الغصن فجأة في أيديهم؟
وهل نستطيع كذلك أن نعلل تعليلاً طبيعياً حوادث شفاء المرضى والمفلوجين والمقعدين والمبتلين بسائر العلل في كهف لورد وتريبيه (في فر نسا) فان كنا لا نستطيع ذلك؟ وجب علينا الأيمان بالسحر ونبذ القول إننا نرفضه لأنه لا يعلل بناموس طبيعي نعرفه.
ثم ما هي هذه التي يسمونها حقائق علمية. أنا لا أعرف كثيراً منها، وإنما أعرف كثيرا من المذاهب والآراء العلمية. ففي أيام تلمذتنا كان من الأوليات أو البديهيات قولهم (إن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين). ولكننا بعد مذهب آينشتين نعلم علمًا ليس بالظن أن ذلك ليس صحيحاً.
وكان من الحقائق العلمية في حداثتي أن أهل الكيمياء القديمة كانوا جهلاء وحمقى لأن القاعدة التي كانوا يبنون عليها تجاربهم وامتحاناتهم كانت فاسدة. فقد كانوا يقولون إن عناصر معدن من المعادن يمكن تحويلها إلى عناصر أخرى يركب منها معدن آخر. وعليه استدلوا أنه يمكن تحويل معدن ما ذهباً أو فضة باستعمال الوصفة الصحيحة لذلك. وبالفعل استحدثوا الذهب من النحاس، ولكن نفقات التجربة كانت اعظم من الانتفاع بها عمليا كما أن استقطار الزيت من الفحم كان إلى عهد قريب عظيم النفقة بحيث لا يمكن استخدامه تجارياً.
وبعد ما تقدمت في السن وجد العلماء أن تحويل المعادن بعضها إلى بعض حقيقة علمية كما
стр. 4468
ظن أهل القرن الثامن عشر لا خداعا كما ظن أهل القرن التاسع عشر بعده. فصار العالم بعد ذلك أكثر إجلالا لأهل الكيمياء القدماء وصرت أنا أكثر شكاً في الحقائق العلمية.
أما المذهب السحري فخلاصته هي أنه كما أنه حولنا قوى عظيمة الفعل كالكهربائية، وهذه القوى تنتج أشياء لا نزال نجهلها إلى الآن كذلك في داخلنا قوى عظيمة الفعل كالهبنوتزم و (التبصير) نستطيع بها بعد تربيتها وإتقانها أن نأتي أفعالا لا تخطر لنا الآن على بال.
ويقول الخبيرون بالسحر إننا نستطيع بهذه القوى أن نخضع جميع الأشياء المادية التي نراها حولنا من شفاء الأمراض والتكهن بالمستقبل. والمعيشة بلا طعام. والعوم في الهواء كما صنع الوسيط دوجلاس هوم في القرن الماضي بشهادة الشهود العدول. ونحكم الإنسان في مصيره.
وقد قسم المعاصرون الأعمال السحرية قسمين: سموا ما يراد به الخير والرشد السحر الأبيض، وما يراد به الشر والنكد السحر الأسود. فمن قبيل الأول الشفاء بالإيمان وهو الشفاء الذي يجرى على أيدي أئمة التبت. ومن قبيل الثاني سحر سحرة أفريقية بين قومهم السود. ومن غريب ما يذكر في هذا الصدد أن الموظفين الإنجليز والمبشرين في أواسط أفريقية يعودون منها وهم يعتقدون أن لأولئك السحرة قوة خارقة وإن لم يدركوها ويعرفوا لها تعليلاً.
وغاية (علم) السحر إن صحت تسميته علماً هي إضعاف شهوة الجسم بسلسلة من أعمال التمرين والرياضة والتقشف اعتقاداً أن (إماتة ما هو مادي إنما هي إحياء ما هو روحاني وما وراء الطبيعة فينا. وهكذا نتمكن بالأشياء غير المنظورة من إخضاع الأشياء المنظورة والتحكم فيها).
ولا نستغرب أن يصدق أهل أواسط أفريقية سحر سحرتهم وكهانة عرافيهم وكهنتهم ونحن نرى الأوربيين الذين يعيشون بينهم مبشرين وتجاراً ومستعمرين يحارون في تعليل بعض الحوادث التي يخبرونها بأنفسهم ويرونها بعيونهم، فما كدنا ننتهي من نقل مقالة العالم المتقدمة حتى قرانا حكاية لضابط إنجليزي فحواها أن بعض الأقوام الذين يعيشون حول بحيرة البرت نيانزا في أعالي النيل يقدسون التمساح ويقدم كاهنهم قرباناً له من آن إلى آن - فتاة صغيرة من فتياتهم لرد غضب الآلهة إذا أنسوا غضبها.
стр. 4469
وقد روى هذا الضابط انه أنقذ فتاة أعدت طعاما للتمساح المقدس بترويع التمساح من غير أن يلحق به أذى. وأرسلها الضابط إلى مكان بعيد تشفى فيه من الروع الذي أصابها.
وفي اليوم التالي علم الكاهن بما صنع الضابط فجاءه معاتباً وقال له في جملة ما قال:
(أتظن الفتاة تنال الشفاء. لن يمضي عليها شهر من هذا التاريخ حتى تموت). وكان ما قال الكاهن
وقد روى الضابط ما حدث وعلق عليه بقوله: (ومما كان سببا في أسفي أنه مع كل ما بذل من الجهد لشفاء الفتاة ماتت في خلال شهر كما أنبأ الكاهن. أفكان موتها من لعنة الآلهة أم من تأثير الروع؟ ذلك ما لا يستطيع أحد معرفته)!
ق. س
стр. 4470
مصطفى كمال وموسوليني
كيف أجاب بطل تركيا على تهديد بطل إيطاليا
منذ بضعة أسابيع وقف دكتاتور إيطاليا وباعث نهضتها ليلقي خطبة من خطبه النارية على شباب إيطاليا الفاشيست ليزيدهم حماسة ووطنية فوق ما خلق فيهم منها كما هي عادته منذ أن تقلد زمام أحفاد الرومان، فرأى أمامه بحرا زاخرا من ذوى القمصان السود وكلهم ممتلئون حرارة وحماسة، ومتعطشون لليوم الذي تتاح لهم الفرصة فيه لإبراز مقدرتهم الجسمانية، ومهارتهم في فنون الحرب والفروسية، فغره ذلك: نعم، غر الدوتشي ذلك الجمع المحتشد وتلك الصفوف المتراصة، الثابتة كالبنيان. وخيل إليه في تلك اللحظة أن العالم كله قد ارتدى القمصان السود وجاء ليقدم آيات الخضوع وفروض العبودية لموجد إيطاليا الأوحد، ليزداد كبراً على كبريائه.
وهنا لعب الغرور دوره وزلت بموسوليني القدم زلة سياسية فظيعة. أجل، فقد أوحى الغرور إلى هذا الجبار أن يميط اللثام عن أمور كان حريصا على كتمانها حتى تلك اللحظة حرصه على حياته. . فأشار في سياق كلامه إلى رجاله، شباب إيطاليا الحاضرين ساعتئذ، أن أرض القياصرة لم تعد تسعهم وأن عليهم بعد الآن أن يتطلعوا بأبصارهم نحو الشرق ونحو الجنوب. . .
(تلك البلاد التي غدا أحقر علوج الغرب يمني النفس بالسيادة عليها؟!. .)
لقد غفل عن نفسه موسوليني هذه المرة وارتكب في غفلته هذه خطأ سياسيا لا يمكن تلافيه بالسهولة التي كان ظنها. ذلك انه قد تحرش وبالأحرى صوب سهام كلامه، بقصد أو بغير قصد لذلك الذي أثبت مراراً لأوربا، المفتونة بنارها وحديدها، انه مستعد دائما وأبداً لأن يعطيها درسا جديدا أقسى وأمر من كل الدروس القاسية التي أعطاها إياها في الماضي القريب فقط. . .
وما كاد الأثير يحمل صدى هذه الخطبة إلى قاعة مجلس الأمة الكبير ويوصله إلى آذان جبار تركيا العتيد، حتى أوعز إلى سفيره في روما أن يقابل الدكتاتور ويستوضحه عن كلمة (الشرق) التي قالها وأومأ إليها في عرضخطبته تلك. وما كاد موسوليني يعلم أن سفير تركيا يريد مقابلته حتى انتبه للغلطة التي وقع فيها. فأسرع للقاء الوزير وأكد له بأنه ليس
стр. 4471
إلا محباً لتركيا ومعجبا بغازيها الأعظم. ولم يقصد قط الأراضي التركية فيما أراد من (الشرق) في خطبته. وانه لا يضع تركيا في مصاف الأمم الشرقية، بل يعتبرها دولة أوربية من صديقات إيطاليا. . .
فبمثل هذه التأمينات ظن موسوليني انه يستطيع اليوم أن يلعب مع الكماليين (أو ليسوا هم في الحقيقة شرقيين أيضاً؟؟) الدور الذي لعبته إيطاليا بالذات مع حكومة (الباب العالي) في حرب طرابلس وبنغازي بالأمس القريب، فلذا شعر كأن الكابوس الذي ضايقه من يوم إلقائه الخطبة المذكورة - وربما كان لأول مرة في حياته الدكتاتورية - قد زال بانصراف سعاد بك من لدنه، فوجئ على حين غرة بضربات سياسية قوية متتالية من منقذ تركيا العظيم.
قلنا لم يكد موسوليني يضحك من تحت شاربيه الحليقين بعد انصراف الوزير الشرقي حتى ذهل ووقف واجما، إذ علم أن قيامة الجيش التركي قد قامت، ذلك الجيش الذي لم تكن كتائبه قد تنفست بعد من غمار الحرب الكبرى في وجه أوربا العاتية، قبل عشر سنوات فقط، وهددت جيوش أقوى دول العالم على أبواب الآستانة في الوقت الذي كان قد خيل إلى العالم أن حملة الـ (آل سنجاق) (العلم التركي الأحمر) قد اصبحوا في خبر كان ودخلت سلطنتهم وسيادتهم فيما قدر لها من صفحات التاريخ. .
وقف اليوم هذا الجيش اللجب، الشاب القوى، المزود بأحدث معدات الحرب الآن، وقف ليستعرضه وليرد له تحياته العسكرية الصميمة المشير (الغازي مصطفى كمال باشا)، قائده العام بالأمس القريب - يوم أن كانت الأرض غير الأرض والسماء غير السماء في الجبهة الغربية من بلاد الاناضول - ورئيسه الأعلى اليوم الذي اخذ يزور الأماكن التي قد يغر ضعف في استحكاماتها أو عدم اعتناء في حراستها من يسوقه سوء حظه من جيوش الغرب إلى أن يشتبك معها. .
وعلى اثر عودة الغازي إلى الآستانة من طوافه لغرب الأناضول ومن استعراضاته لحماة سواحل تركيا الغربية والجنوبية دوى في قاعات عصبة الأمم والقاعات السياسية الأخرى في أوربا خبر التوقيع على معاهدة أصبحت بموجبها دولالبلقان - كلها تقريباً - كتلة واحدة بزعامة سيدة البوسفور، وأعقب ذلك اتفاق بين فرنسا وروسيا السوفيتية حليفة تركيا القوية.
стр. 4472
ومن ثم اعتراف شبكة بلقان بروسيا نتيجة للمساعي التي بذلها في ذلك السبيل توفيق رشدي بك (ساعد الغازي السياسي). .
وليس هذا كل ما فعله الأتراك على أثر غلطة (الدوتشي) الزعيم الإيطالي الأعلى، تلك الغلطة التي ألقت في يد الكماليينسلاحاً قوياً ليستعملوه إلى أقصى حد ممكن؛ فرصة انتهزها الأتراك واستغلوها لصالحهم إلى ابعد الحدود المستطاعة. .
أمر داهية تركيا أن يخصص فورا - بحجة الخوف من غارة إيطالية - ثلث الميزانية العامة لهذه السنة لإعلاء شان الدفاع القومي وأوصى اليابان - صديقته الجديدة - بصنع بوارج وغواصات ونسافات وطرادات وغيرها من معدات القتال البحري، كما أوعز في الوقت نفسه إلى وزير خارجيته وممثله في عصبة الأمم أن يطلب إلى ممثلي الدول ان يأذنوا لتركيا لتلحق القسم المعتل الوحيد من معاهدة لوزان بأمثاله من مجموع فصول معاهدة (سيفر) التي كان توقيع الكماليين عليها قد جرى، لا كما جرى عليها توقيع باقي دول الاتفاق الرباعي، إنما برؤوس الحراب المسمومة التي مزقتها إرباً إرباً وقبرتها في مهدها فيما يتعلق بتركيا، بينما ألمانياالهتلرية الآرية العظيمة لا تزال إلى يومنا هذا تعمل المستحيل للتخلص من بعض أغلال تلك المعاهدة. وعلى ذلك تقدم ممثل تركيا إلى مجلس جنيف وأبلغ أعضاءه رغبة الأمة التركية في تحصين المضايق وتسليحها، إذ أن هذا القيد الوحيد الذي أجبرت ظروفه الدقيقة تركيا أن ترتضي به كتذكار - وقتي على الأقل - لمعاهدة لوزان التي اعترف فيها باستقلال تركيا المطلق، لم يعد الآن يقوى على نمو ساعد تركيا الفولاذي.
إن هذا القيد قد أكله الصدأ وتصدع من جوانبه كلها، ولا يلبث حتى يتفتت من تلقاء نفسه إن لم يسرع ممثلو الدول في التقاط أوصاله التي ستتطاير في القريب ليحتفظوا بما ضحوا في الدردنيل. .
(ولو أن السير جون سيمون صرح حديثاً وهو، مسرور، في مجلس العموم (أن توفيق رشدي بك قد وعده أخيراً بأن تركيا سوف لا تصر على هذا الطلب في الوقت الحاضر؟!. .)
وها هي ذي الأسلاك أخذت تنبئنا الآن بأن صاحب الجلالة رضا شاه بهلوي إمبراطور
стр. 4473
إيران العظيمة قد ترك بلاده لأول مرة في أيام حكمه، واجتاز الحدود التركية ووصل بموكبه الشاهاني المؤلف من (٤٠) وزيراً وقائداً واختصاصياً ومرافقاً إلى (أنقرة) عاصمة الكماليين، محروساً طول الطريق بقوات مضيفه من البر والبحر والجو، ومستقبلاً ومشيعاً حيث ما مر من بلاد جارته العزيزة بهتاف الشعب التركي بحياة جلالته الغالية، وذلك إجابة منه لدعوة بلغته من زميله الحاكم الشرقي الكبير، وجاره القوي العزيز، الذي أقام على أنقاض حكومة (الرجل المريض) البائدة، هذا الصرح الشامخ، وهذا السد المنيع في وجه أوربا كلها، والذي دعاه ليرتبط وإياه بروابط ستهلع لها قلوب الكثيرين من طغاة أوربا المتجبرين. ومن بينها، على كل حال قلب الدكتاتور الإيطالي، صاحب التهديد، الذي لا بد وقد بلغته أيضا الخطب الشديدة والكلمات النارية التي ألقاها أخيرا في المجلس الوطني الكبير نواب الأمة التركية، جواباً على تهديداته المعروفة، وكذلك التصريحات الرسمية التي ختم بها هذه الجلسةشكري قايا بك بالنيابة عن زميله وزير الخارجية الغائب، عن موقف تركيا في الحرب المقبلة والتنويه الصريح الذي نوه به هذا إلى المصير السيئ المنتظر على حدود تركيا وسواحلها الصلدة الصلبة المهلكةلكل من تحدثه نفسه بأن ينظر خلسة أو بأن يمد في ساعة جنون أو غرور يده إلى الأرض التي يفتديها في كل لحظة ١٧ مليون تركي وتركية، من اعظم الأمم وطنية وشجاعة، وعلى رأسهم وفى مقدمتهم صناديد تركيا العظام الذين باعوا النفس في سبيل هذه التربة عشرات المرات: وهم الغازي وجماعته من كبار القادة.
وعلى كل حال فلسنا هنا في معرض الانتقاص من قدر موسوليني إنما أردنا أن نبين أن الشرق مهد البطولة والأعمال الخالدة ومهبط الوحي ومنبت العلم والمدنية لا يعدم في أيامنا أيضاً أن يرد الغرب على أعقابه خاسراً نادماً، ويرفعرأس الشرق والشرقيين عالياً.
وقد أردنا بهذا المقال إن نبين بصورة خاصة كيف أجاب جبار الشرق على تهديد جبار الغرب، وكيف أن القوة وحدها هي التي يحترمها الأقوياء ويهابون جانبها، وكيف إن القوي وحده هو الذي يطلب وده وتلتمس صداقته.
بغداد
ج. مولود
стр. 4474
الأدب كما ينبغي أن يكون
بقلم الأستاذ أحمد أحمد بدوي
ما غاية الأدب؟ وما رسالته في الحياة؟ سؤالان إذا نحن استطعنا الإجابة عنهما أفلحنا إلى حد كبير في تحديد ما ينبغي أن يكون عليه الأدب، وما يجب أن يأخذ به الأدباء أنفسهم حتى يصلوا أو يقاربوا المثل العليا التي ننشدها في الحياة، ولا تظنوا أن الإجابة عن هذين السؤالين هينة يسيرة، بل هي عسيرة جداً، ومع عسرها تختلف باختلاف العصور إن لم تختلف باختلاف الأفراد، ولكنى أستطيع أن أقول: إن الأدب الخالد، أو بعبارة أخرى ما يجب أن يكون عليه الأدب ليكون خالداً، هو تصوير المثل العليا للإنسانية، ونشدان هذه المثل، إذ أن غايتنا في الحياة هي السير إلى المثل العليا بجد وعزيمة حتى نحققها أو نقاربها، وبما أن الأدب هو المعبر الدقيق عن عواطف الإنسانية وآمالها وأحلامها، فلتكن مهمته في الحياة هي تصوير المهمة الملقاة على عاتق الإنسانية وإن الإنسانية لتسير إلى المثل العليا على قدمين: العلم الذي يحقق الناحية المادية للمثل العليا، والأدب الذي يحقق منه الناحية الروحية. وقد فرغ العلماء من إثبات ما بين الناحيتين من تآزر وارتباط، وليس منواجبي الآن أن أتحدث عن المثل العليا للإنسانية فذلك يحتاج إلى كتب تؤلف فيه، ولكنني فقط أحدثكم عن بعض هذه المثل مصورة في الأدب ومقتبسة من حياتنا المصرية الحاضرة
- ١ -
إذا نحن ذهبنا إلى الشعر العربي وجدنا فيه القيم الخالد، وإلى جانبه الكثير من الرديء البائد، ولن أحدثكم عن رداءة الشعر أو جودته من الناحية اللفظية، ولكن من الناحية الروحية وناحية ما يبعثه في النفس من وجدان وشعور، يسمو بنا إلى حيث نحقق ما خلقنا له ونعيش من أجله.
في الشعر العربي صور لا أغالي إذا قلت أنها ضعيفة لا تستحق خلوداً، ولا ينبغي أن نلقنها نشأنا، ونؤدب بها أبناءنا، لأنها تنأى بنا عن بلوغ غاياتنا، وسأعرض طرقا من هذه الآداب مقتصداً في إيراده ما استطعت. ففي الأدب العربي كثير من الشعر الذي أسميه شعر الضعف والاستسلام للواقع؛ فتسمع فيه تلك النغمة التي تحقر العمل وأرباب العمل، وتدعو
стр. 4475
بملء فيها إلى الرضا وإلى الاستسلام، ومنشأ هذه النغمة على ما أرى هو إيمان أصحابها بالقضاء والقدر إيمانا معكوساً؛ إذا هم قد حسبوا، وهم مخطئون فيما حسبوا، أن القضاء أو القدر لهما تأثير فعلي في فعل الإنسان وإرادته، وإذا كان الأمر كذلك فما قدره الله جل وعلا لابد واقع لا محالة، سواء أعمل المرء , أم لم يعمل، وإذا كان العمل، وترك العمل سواء، فمن العبث البين أن يكلف الإنسان نفسه مؤونة الجد والجهاد والمزاحمة في تلك الحياة، لأنه لن ينال على ذلك أجراً، غير ما كان يناله لو كف عن جده وجهاده، وليس غرضي الآن أن أبين خطأ ذلك التفكير، فانه من البين الواضح أن القضاء والقدر ليسا إلا علم الله فحسب بما سيكون، والعلم ليس من صفات التأثير بل هو من صفات الكشف والإيضاح لا دخل له في قدرة الإنسان وإرادته
الإيمان بالقضاء والقدر على تلك الصورة التي أسلفت ذكرها هو إيمان بالجبر، وإيمان بالحظ على الصورة السطحية التي لا تتغلغل في حقيقة الأشياء، فأنكرت قدرة الإنسان وإرادته ودعتنا إلى الضعف والاستسلام وأنتجت لنا هذا اللون من الأدب الضعيف قال الشاعر:
وما فسدت أخلاقنا باختيارنا … ولكن بأمر سببته المقادر
وفى الأصل غش والفروع توابع … وكيف وفاء النجل والأب غادر؟
فقل للغراب الجون إن كان سامعاً … أأنت على تغيير لونك قادر؟
وقال أيضاً:
ويجرى قضاء مالكم عنه حاجز … فألقوا إلى مولاكمو بالمقالد
وقال أيضا:
وجبلة الناس الفساد وفضل من … يسمو بحكمته إلى تهذيبها
وقال أيضا:
لا تمدحن ولا تذمن امرأ … فيها، فغير مقصر كمقصر
وقال غيره:
عزت مطالب دنيا كل ذي أدب … وهان مطلب دنيا الأحمق الخرق
وقدر الله فيها أن يذللها … فهان مطلبها للجاهل الحمق
стр. 4476
فليس ينفك ذو علم وتجربة … من مأكل جشب أومشرب رنق
وذو الجهالة منها في بُلَهنية … من مسمع حسن أو منظر أنق
تبارك العدل فيها حين يقسمها … بين البرية قسماً غير متفق.
ذلك شعر ينبع كله من واد واحد ومعين واحد، هو الجبر والإيمان بالقضاء والقدر إيمانا معكوساً، والإيمان بالحظ إيمانا ساذجاً، وسأترككم إلى أنفسكم تحكمون على هذا الأثر الذي يتركه ذلك الشعر في النفوس، وهل يقربها إلى مثلها العليا؟! أو هو على العكس من ذلك يؤخرها ويسير راجعا إلى الوراء، إنكم رأيتموه يدعونا إلى الرضا بفساد أخلاقنا؛ لأن الفساد ليس باختيارنا، ولكن بأمر سببته المقادر، ونحن عاجزون تماماً عن تغيير أخلاقنا عجز الغراب عن تغيير لونه، ورأيتموه يدعونا إلى الضعف والاستسلام للقضاء والإلقاء إليه بالمقالد، ورأيتموه يسوي بين الناس مقصرين وغير مقصرين، فكلهم لا يستحقون مدحاً ولا ذماً، لأنهم لم يأتوا ما أتوه بقدرتهم واختيارهم، بلمجبرون على أن يفعلوا ما فعلوا، ورأيتموه يقرن الرزق الواسع بالجهل، والرزق الضيق بالعلم، لأنه يؤمن بالحظ، وإذن فعلى العلم والتعلم السلام، لأن أحداً من الناس لا يرضى برزقه مقتراً، ورأيتموه يؤمن بالحظ ويزرى بالعمل والجد، فقدروا بأنفسكم ما يبعثه هذا الشعر في النفوس من ضعف واستكانة واستسلام تبعد بنا عن المثل العليا التي لا تثبت ولا تقوم إلا على دعائم من العمل ثابتة وطيدة، حقاً أنا أومن بالقضاء والقدر، وأنا شخصياً أومن بالحظ، ولكنه إيمان ليس كإيمان هؤلاء، إذ أني اعتقد أن الإيمان بذلك كله لا يحول بين المرء وعمله، لأنه ما يدريه أنه قد كتب له الشقاء وقدر عليه التعس، وأن حظه بائس منكود، وما يدريه أنه على العكس من ذلك قدر له السعادة، وكتب له النجح وان حظه حظ السعيد الموفق؟
وبعد ذلك آخذ بيدكم لأريكم أدب القوة والهمة والإرادة وهي هي التي تأخذ بيدنا إلى بلوغ المثل العليا، قال الشاعر:
ذريني من ضرب القداح على السرى … فعزمي لا يثنيه نحس ولا سعد
سأحمل نفسي عند كل ملمة … على مثل حد السيف أخلصه الهند
فان عشت محموداً فمثلي بغى الغنى … ليكسب مالاً أو ينث له حمد
وإن مت لم أظفر فليس على امرئ … غدا طالباً إلا تقصيه والجهد
стр. 4477
وقال غيره:
ذريني أنل مالا ينال من العلا … فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصة … ولابد دون الشهد من إبر النحل
وقال أيضاً:
يهون على مثلي إذا رام حاجة … وقوع العوالي دونها والقواضب
ويعجبني هنا ما قاله أحد شعراء الإنجليز وترجمه إلى العربية بعض أدباء الشباب قال:
ليَ قلب لا يهاب … فزعت منه الصعاب
بين أيامي وبيني … حادثات وغلاب
لست أشكو إنما الش … كوى من الحر تعاب
أنا ربان سفيني … هاج أو قر العباب
فلْيلنْ أو يقس دهري … إن قلبي لا يهاب
فافرقوا بين ألاحساسين اللذين يبعثهما هذان الشعران المختلفان مورداً وينبوعاً، وإني واثق الثقة كلها من أن الإحساس الذي يبعثه فيكم الشعر الثاني هو الإحساس بالقوة والإحساس بالإرادة، وأنا نطلب من الشاعر أن يحدثنا دائما عن قوة إرادتنا، وأنا نستطيع فعل كل شيء لأن ذلك يبعث فينا إيمانا جديداً وعزيمة جديدة بل ويخلقنا خلقاً جديداً، وإن قوة الإرادة هي المنبع الفياض والمعين الذي لا ينضب للنجاح في الحياة وبلوغ المثل العليا، أما الشعر الأول فشعر ضعيف مستسلم لا ينفعنا ولا يهذب من إرادتنا.
ولون آخر من ألوان الأدب الضعيف يتصل بالأدب الجبري، وقد يكون خدينه وشقيقه لأنه يستقي من معينه وينبع من ورده، وأعني بهذا اللون أدب الزهد والقناعة، ويطول بي الحديث إذا حدثتكم عن العوامل التي أنتجت لنا هذا النوع من الأدب، وإن كنت ارجع جل هذه العوامل إلى سوء فهم الشرقي للدين، فقد فهمنا وكنا مخطئينحين فهمنا أن الدين الإسلامي هو دين العمل والجهاد ودين الرفعة والطموح - يدعونا إلى الزهد في الدنيا والقناعة بما نصيبه منها من صبابة قليلة، فهمنا ذلك، ووجدت هذه التعاليم التي أخطأنا فهمها مرعى خصباً من قلوبنا الضعيفة الخائرة، وآنست من قلوبنا ضعفا وقلة ثقة بالقدرة على الجهاد، والتغلب على ما يعترض سبيل الحياة وسبيل النجاح من صعاب وعقبات،
стр. 4478
فقنعنا بما في أيدينا من قليل لا يرضى به إلا ضعاف النفوس ضعيفو الهمم، فكان ذلك أكبر عامل في خلق هذا الأدب الزاهد القنوع، فأصبحت تسمع كثيراً من مثل قول الشاعر:
نبغي من الدنيا الكثير وإنما … بكفيك منها مثل زاد الراكب
وقوله:
أيها الباني قصورا طوالا … أين تبغي؟ هل تريد السحابا؟
أأمنت الموت والموت يأبى … بك والأيام إلا انقلابا
أبت الدنيا على كل حي … نالها إلا أذى وعذابا
إنما داعي المنايا ينادي … احملوا الزاد وشدوا الركابا
وقول الآخر:
مرحبا بالكفاف يأتي هنيئا … وعلى المتعبات ذيل العفاء
ضلة لامرىء يشمر في الجم … ع لعيش مشمر للفناء
دائبا يكنز القناطير للوا … رث والعمر دائباً في انقضاء
حبذا كثرة القناطير لو كا … نت لرب الكنوز كنز بقاء
يحسب الحظ كله في يديه … وهو منه على مدى الجوزاء
ليس في آجل النعيم له حظ … وما ذاق عاجل النعماء
ذلك الخائب الشقي وإن كان … يرى أنه من السعداء
حسب ذي إربة ورأى جلي … نظرت عينه بلا غلواء
صحة الدين والجوارح والعر … ض وإحراز مسكة الحوباء
تلك خير لعارف الخير مما … يجمع الناس من فضول الثراء
إلي غير ذلك من أدب يحمل الدعوة إلى الزهد والقناعه، وإذا نحن أردنا أن ندرك آثار هذا الأدب فانه يجب علينا أن نتصور شعباً نائماً كسلاً، لا يجد ولا يعمل إلا بقدر ضئيل، وماله يجد وماله يعمل، وقد وجد ما يمسك حوباءهووجد قوته الضروري؟ وإني أكاد اعتقد أن تأخر الشرق في ميادين الاختراع وفي ميادين العمل يعود كثير منه إلى خلق الزهد وخلق القناعة الذي غرس في قلبه وأثر في كل عمله، بل إني أكاد أعتقد أيضاً أن استغلال الغرب للشرق يعود إلى هذا الخلق الوبيل الذي يجرنا إلى الفناء، فلندع القناعة بمعناها الذي ضرنا
стр. 4479
وأخرنا، ولنتقبلها بمعنى ألا نطمع فيما في يد غيرنا، أما بمعنى الرضا بالقليل فيجب أن نذهب بها إلى قبرْ لا تخرج منه لترى ضوء الحياة، ولنقبل على أدب الطموح وأدب الآمال الذي يسمو بنا عن الرضا بالقليل نناله من غير أن نبذل عناء في نيله ولا تعباً، - ولنكرر دائماً مثل قول الشاعر:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة … كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل … وقد يدرك المجدّ المؤثل أمثالي
وقول الآخر:
ذريني للغنى أسعى فأني … رأيت الناس شرهم الفقير
وأضيعهم وأهونهم عليهم … وإن أمسى له حسب وخير
يحقره الندىُّ وتزدريه … حليلته وينهره الصغير
ويلقى ذو الغني وله جلال … يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه، والذنب جم … ولكن للغنى رب غفور
وقول الآخر.
من الناس من يرضى بميسور عيشه … ومركوبه رجلاه والثوب جلده
ولكنّ قلباً بين جنبيّ ماله … مدى ينتهي بي في مراد أحده
وقول غيره:
يا شباب الغد وابناي الفدا … لكمو، أكرم وأنعم بالفداء
لا تقولوا حطنا الدهر، فما … هو إلا من خيال الشعراء
واطلبوا المجد على الأرض فان … هي ضاقت فاطلبوه في السماء
وإني مع شوقي يوم قال واصفاً شباب مصر:
شباب قُنَّع لا خير فيهم … وبورك في الشباب الطامحينا
ولكنه من الواجب ألا نلقي العبء كله على الشباب، بل هو ملقى على التربية والآداب، فالأدب الشعبي الدارج مليء بالقناعة والأدب المدرسي مثله.
(يتبع)
أحمد أحمد بدوي
стр. 4480
زرياب
بقلم محمد قدري لطفي
ليسانسييه في الآداب
رجل من رجال الفن، خلق له وفطر عليه، لعل في سيرته الطريفة مثلا للموهبة الطبيعية، ترفع من شان صاحبها فتبلغ به الذروة وتجعله شيئاً مذكورا، يتحكم في حياة أمة بأسرها، فيبدل فيها ويغير منها، ويؤثر وحده في طبائع أهلها وما ورثوه من تقاليد، ويخلق فيها من العادات والفعال ما لم يكن بها وما ليس يخطر لأهلها على بال.
هو أبو الحسن علي بن نافع مولى المهدي الخليفة العباسي كان أسود اللون، حلو الشمائل، وكان شاعراً مطبوعاً فصيح اللسان، لقبه قومه بزرياب تشبيهاً له بطائر عندهم أسود اللون، عذب الصوت، حلو التغريد، وكان زرياب رقيق الحس، دقيق الشعور، له حنجرة لم تخلق لغير الغناء، وأنامل كأنما أعدت للعود، ونفس تميل إلى الفن، وروح يهفو إلى الطرب، تتلمذ لأسحق بن إبراهيم الموصلي ببغداد يدرس عليه أصول الصناعة ويتعلم منه دقائق الفن، وكان اسحق يعلمه الأغاني ويلقنه الألحان، حتى إذا خلا زرياب بنفسه خلق من فن اسحق فناً جديداً، وهداه صفاء نفسه وسمو روحه إلى كل معجب مطرب، واسحق لا يعلم من أمر تلميذه شيئاً ولا يدري أنه أخذ منه فتفوق عليه.
وذهب اسحق إلى مجلس الرشيد يبعث فيه السحر كعادته وينطق فيه العود بالغناء الشجي والنغم العذب، والخليفة مصغ إليه معجب به، تأخذه حلاوة التوقيع وتروقه عذوبة الألحان، حتى إذا فرغ اسحق من غنائه التفت إليه الرشيد يثني عليه ويمدحه ويحادثه في صناعة الغناء، فما هو إلا أن يتشعب بهما الحديث حتى يقترح عليه الرشيد أن يسمعه مغنياً غريباً يجيد فنه ويحسن صنعته ممن لم يشتهروا عنده ولم تبلغ مكانتهم إليه، فيذكر له اسحق تلميذاً له قد علمه وأعجب به يتوسم فيه الإجادة وعلو الكعب في صناعة الغناء.
مثل زرياب أمام الخليفة فسأله عن معرفته بالغناء قال (نعم! أحسن منه ما يحسنه الناس وأكثر ما أحسنه لا يحسنونه. . . فان أذنت غنيتك ما لم تسمعه أذن قبلك) وأخذ يصف له عوده وما ركب عليه من أوتار لها في الترنم والصفاء والعذوبة ما ليس لغيرها وما أن يأذن له الرشيد حتى يوحي إلى عوده فيغنى معه:
стр. 4481
يا أيها الملك الميمون طائره … هرون راح إليك الناس وابتكروا
ويظل يغنى والرشيد يسمع حتى يتم أبياته في نغم لم يسمع الخليفة مثله، ولحن لم تردد نظيره جنبات القصر، ويطير الرشيد طرباً ويسمع من الأنغام جديداً لم يُسمعه اسحق مثله فيعاتب اسحق كيف ترك الرجل من قبل فلم يعلمه به، ثم يأمره أن يأخذه لديه فيعنى به حتى يفرغ هو له.
أما اسحق فأسرها لتلميذه، ولم يكد يخلو به حتى عنفه واشتد في تعنيفه وصارحه بما هاج به من الحسد له والغيظ منه، وخيره بين اثنتين لا ثالث لهما، فأما أن يغادر تلك البلاد فلا يراه بعد ذلك أبداً ويعطيه على ذلك أغلظ الأيمان وأوثق العهود وله عليه ما يريد من مال أو عطاء، وإما أن يقيم على كره منه وشركة له في الصناعة وعند ذلك لن يأمن غدره ولن يغنيه الحذر شيئا، وأما زرياب فلم يكد يرى أستاذه ينفس عليه رضاء الخليفة، ولم يكد يسمع منه هذا الوعيد المخيف حتى قام من فوره يبغي بلاداً غير هذه وناساً غير هولاء، وأما الرشيد فانه لم يكد يفرغ من بعض شؤونه حتى سأل عن زرياب أستاذه فزعم له اسحق أنه رجل غر أحمق ما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين حتى رحل غضبان ينعى على الأيام أن أوقعته فيمن لا يقدرون النبوغ ولا يكرمون النابغين ولا يعرفون الغث من السمين فسكن الرشيد إلى قول اسحق.
سار زرياب إذن من المشرق وكان المغرب قبلته فولى نحوها وجهه، وراح في الأندلس يلتمس ما لم يظفر به في العراق من بعد الصيت ورفعة الشأن، وكتب إلى عبد الرحمن بن الحكم يعلمه بمكانه من الصناعة ويسأله الأذن له في الوصول إليه، وما هو إلا أن يقرأ عبد الرحمن الكتاب حتى يرحب بصاحبه ويوصي عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة، وفى قرطبة يبدع زرياب ويملك على الأمير نفسه فيطرح كل غناء سواه ويقدمه على جميع المغنين ويقطعه الأرض ويمنحه المال ويبلغ إعجابه به حداً لا مثيل له، فيفتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراده، وزرياب يذهب في الغناء كل مذهب ويضرب في التجديد بسهم وافر: هذه أعواد القوم لها أوتار أربعة، فليزد هو عليها وتراً خامساً يستهوى النفس بما يحدثه من النغم، وهاهي أعواد المغنين كبيرة الحجم ثقيلة الوزن فليكن عوده خفيفاً مرهفاً دقيق الصنع، وهذا مضراب العود قد استعمله الناس من خشب فهو ثقيل
стр. 4482
في اليد قاس على الأوتار ما يلازمها قليلا حتى يقطعها أو يفسدها، فليكن مضراب عوده من قوادم النسر فهو خفيف على الأنامل رفيق بالأوتار وان طالت ملازمته لها، وهاهي ألحان القوم معدودة وأغنياتهم معروفة فليجدد هو في اللحن، وليأت من النغم بكل طريف وليُسمع القوم من أغانيه وألحانه ما يعد بالآلاف.
وكان زرياب أيضاً قد جمع إلى براعة الفن وحلاوة الترجيع سلامة الذوق وترتيب الذهن فهو سمير إذا جالس الأمير أو أشراف الأمير، وهو طيب الحديث إذا تحدث، ماهر في خدمة الملوك، يجيد استقبال الضيوف والزائرين، متأنق في ملبسه يعني بزينة نفسه حتى صار مثالاً في الأناقة يحتذى، أخذ عنه أهل الأندلس وحاكوه، فلم يعودوا إلى إرسال الشعر مفروقاً وسط الجبين مسدلاً إلى الخدين والحاجبين وإنما فعلوا كما يفعل زرياب ونساء زرياب، فحذفوا شعورهم وقصروها دون الجباه وسووها مع الحواجب ودوروها إلى الآذان وأسدلوها إلى الخدود ولم يعودوا إلى ملاحف الكتان يلتحفون بها، وإنما فعلوا كما يفعل زرياب فآثروا على الكتان أنطاع الأديم الناعمة، ولم يبق الناس على ما هم عليه من خلط بين ملابس الشتاء وملابس الصيف، وجهل بما يلائم الربيع وما يناسب الخريف، وإنما علمهم زرياب أن لكل زمان ثيابا، فللربيع الملون الزاهي، وللخريف الخفيف الملون، وللشتاء الثياب الكثيفة ذات الحشو والفراء، وللصيف البياض من الثياب، وكذلك عرف الناس مذ جاءهم زرياب صنوفا من الطعام لم تكن لهم بها دراية ولا بطعمها علم واستعمل القوم في الأندلس من العطور ما لم يألفوه من قبل، وفضلوا آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة لأن زرياباً كان يؤثر الزجاج ويتناول شرابه فيه.
وكان زرياب أيضاً قد علم بناته وجواريه أحسن الأغاني وأدبهن بأدبه فبرعن في الغناء وأتقنَّ الصناعة، فكانت حمدونة ابنته عند أهل بيتها في الصدر، وكانت أختها علية كذلك، وتزوجت من الوزير هشام بن عبد العزيز، أما جاريته مصابيح فقد جمعت إلى جمال الصوت جمال النبل كتب صاحب العقد الفريد إلى مولاها وقد حجبها عن الناس واختص بها مجلسه يقول له:
يا من يضن بصوت الطائر الغرد … ما كنت أحسب هذا الضن من أحد
لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة … أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
стр. 4483
فادخله مولاها إلى مجلسه وأذن له في سماعها.
ووضع زرياب المراسم لافتتاح الغناء فما يفتتح غناء في الأندلس إلا وأوله النشيد وآخره الاهزاج فأكسب زرياب المحافل روعة وأهدى المجالس باقات من الفن زاهيات، وكان وحده فناً انتقل إلى الأندلس، وحضارة عمت قرطبة.
محمد قدري لطفي
стр. 4484
فن البناء عند المصريين والإغريق
بقلم محمد علوي
لا شك أن أهم مظاهر الحضارة الفرعونية هو فن العمارة.
ولما كان للدين عند الفراعنة المنزلة العليا نجد أن درجة اهتمامهم به ظهرت جلية في معابدهم، وهي أهم ناحية ضرب فيها الفنان المصري بسهم. ولم تكن مصر هي البلد الوحيد الذي اهتم بأمر المعابد، فقد تبعها في ذلك الإغريق أيضاً، وكفاهم فخراً معهد (البارثينون) في (الاكروبوليس) بأثينا، فلقد كان هذا المعبد ولا يزال آية في الجمال، أجمع جميع الفنانين على أنه - لا يوجد له في العالم مثيل. فقد راعى فيه بانيه خداع النظر في الأجسام المنظورة فتلافاه بكل الوسائل، فكان معبده أشبه ببلورة طبيعية جميلة. ومع كل ذلك فإن الفنان المصري قد سبق زميله الإغريقي في تصميم معبد؛ فانك إذا وقفت أمام المعبد الإغريقي لاشك تشعر برهبة وذهول. ولكن هذه الرهبة ليست إلا نتيجة لقوة الجمال وحسن التنسيق، أو بمعنى أقرب إن تأثير هذا المعبد كتأثير حسناء كملت فيها معاني الجمال. فكأنما فن البناء الإغريقي أراد أن يأسر لب المتعبدين بسلطان الجمال. ولكن ليس هذا هو الغرض الذي من أجله كلف بتصميم المعبد، وفي رأيي أن هذا خروج عن الموضوع الديني، ولو أنه خروج لم يخل بقيمة المعبد من حيث جماله.
أما المعبد الفرعوني فهو يشعر بالهيبة والعظمة فالخضوع والرهبة، ولكن هذا الخضوع ناشئ عن الشعور بالضعف أمام القوة والرهبة الدينية، وهذا ما أحسه أنا الآن وأنا بعيد عن البيئة التي كانت تحيط بالمعبد في حداثته، وبعيد عن العقيدة الدينية التي كانت تتملك شعور أسلافنا.
إن الفنان المصري كان أعظم مما نقدره به وأوسع خيالاً، فنراه قد راعى في معبده صلاحيته للعبادة من جميع النواحي، فجعله لا يصلح إلا للعبادة، بل والعبادة لا تصلح أن تقام إلا بين جدرانه. فتصميم المعبد واختيار موقعه في مكان بعيد عن الحياة المادية الدنيوية، والبيئة الدينية التي أحاط بها الفنان البارع معبده، كل هذا يفصل المتعبد عن العالم المادي فيحصر ذهنه في دائرة روحانية بحتة.
لست أريد أن أحكم على مقدرة هذا المهندس البارع، بل سأوضح عمله، وأترك لكم الحكم
стр. 4485
على كفايته وموهبته.
اختار هذا الفنان لجميع معابده أن تقع في نهاية طريق مستقيم جداً ومتسع، بحيث ينتهي هذا الطريق بواجهة المعبد الشامخة، يتوسطها بابه الصغير، وقد خصص هذا الطريق مهما بلغ طوله، (وقد يصل إلى ثلاثة كيلومترات) للمعبد فقط، فلم يسمح بإنشاء أي نوع من المصالح أو المباني على الجانبين، بل أنشأ على حافتيه وعلى مسافات متساوية تماثيل ضخمة متساوية ومتماثلة لمعبود معروف رأسه رأس كبش، وجسمه جسم أسد. فتصور تأثير هذين الصنفين من التماثيل المتوازية المتماثلة، والأفريزين الممتدين بجانبي الطريق، تلك المستقيمات المتوازية تظهر للرائي كأنها تتقابل وتتجمع في نقطة واحدة كما تجمع العدسات الأشعة الضوئية في نقطة واحدة، وهذه النقطة هنا هي باب المعبد الصغير الذي يظهر عن بعد. وكما أن النظر تقوده تلك المتوازيات إلى النقطة، كذلك يكون التأثير على الأذهان الشاردة، فهذا يساعدها على أن تتجمع وتتركز في العبادة. هذا بخلاف ما كان يعتقده الفراعنة من أن هذا الطريق مقدس لا يطؤه غير المطهرين الأبرياء، وأن تلك التماثيل الجانبية كانت تراقب حركات المارة وأفكارهم طوال الطريق. وكان المصريون يتوجهون إلى المعبد تحت هذه التأثيرات في موكب تتمثل فيه معاني الخشوع، يتقدمه غالباً الفرعون وحاشيته، حتى إذا اقتربوا من المعبد يمرون تحت قوس نصر فخم أشبه ببوابة شامخة يبلغ طولها نحواً من ثمانية وثلاثين متراً في معابد الكرنك. فتصور كيف يشعر المار من تلك البوابة بضآلته أمام هذا العلو الشاهق وهو يعتقد انه بمجر مروره منها تطهر نفسه مما قد يكون عالقاً بها من الأدران، فيصبح طاهراً يصلح لأن يقترب من المعبد، وبعد ذلك يمر الموكب بين مسلتين شاهقتين، كتب عليهما تاريخ إنشاء المعبد وبعض الرموز التي تمثل شارة المعبود الذي في المعبد، وهنا يجد الموكب نفسه أمام بناء شامخ مثال للقوة والبطش والجمال، وهذا هو المعبد ذو الواجهة الجرانيتية الضخمة التي تتكون من هرمين شامخين ناقصين متقاربين، يتوسطهما باب المعبد الصغير، وعلى جانبيه تمثالان عظيمان (يصل طول كل منهما إلى عشرين متراً كما في معبد (أبي سمبل شمال الشلال الثاني)، وهذان التمثالان يمثلان فرعون، ويرى الواقف بباب المعبد عدة أبواب متتالية ومتساوية الاتساع، تقع جميعها على محور واحد عمودي على الواجهة غالباً، وقد تصل المسافة بين
следующие страницы →