← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

يا أيها الملك الميمون طائره … هرون راح إليك الناس وابتكروا ويظل يغنى والرشيد يسمع حتى يتم أبياته في نغم لم يسمع الخليفة مثله، ولحن لم تردد نظيره جنبات القصر، ويطير الرشيد طرباً ويسمع من الأنغام جديداً لم يُسمعه اسحق مثله فيعاتب اسحق كيف ترك الرجل من قبل فلم يعلمه به، ثم يأمره أن يأخذه لديه فيعنى به حتى يفرغ هو له. أما اسحق فأسرها لتلميذه، ولم يكد يخلو به حتى عنفه واشتد في تعنيفه وصارحه بما هاج به من الحسد له والغيظ منه، وخيره بين اثنتين لا ثالث لهما، فأما أن يغادر تلك البلاد فلا يراه بعد ذلك أبداً ويعطيه على ذلك أغلظ الأيمان وأوثق العهود وله عليه ما يريد من مال أو عطاء، وإما أن يقيم على كره منه وشركة له في الصناعة وعند ذلك لن يأمن غدره ولن يغنيه الحذر شيئا، وأما زرياب فلم يكد يرى أستاذه ينفس عليه رضاء الخليفة، ولم يكد يسمع منه هذا الوعيد المخيف حتى قام من فوره يبغي بلاداً غير هذه وناساً غير هولاء، وأما الرشيد فانه لم يكد يفرغ من بعض شؤونه حتى سأل عن زرياب أستاذه فزعم له اسحق أنه رجل غر أحمق ما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين حتى رحل غضبان ينعى على الأيام أن أوقعته فيمن لا يقدرون النبوغ ولا يكرمون النابغين ولا يعرفون الغث من السمين فسكن الرشيد إلى قول اسحق. سار زرياب إذن من المشرق وكان المغرب قبلته فولى نحوها وجهه، وراح في الأندلس يلتمس ما لم يظفر به في العراق من بعد الصيت ورفعة الشأن، وكتب إلى عبد الرحمن بن الحكم يعلمه بمكانه من الصناعة ويسأله الأذن له في الوصول إليه، وما هو إلا أن يقرأ عبد الرحمن الكتاب حتى يرحب بصاحبه ويوصي عماله على البلاد أن يحسنوا إليه ويوصلوه إلى قرطبة، وفى قرطبة يبدع زرياب ويملك على الأمير نفسه فيطرح كل غناء سواه ويقدمه على جميع المغنين ويقطعه الأرض ويمنحه المال ويبلغ إعجابه به حداً لا مثيل له، فيفتح له باباً خاصاً يستدعيه منه متى أراده، وزرياب يذهب في الغناء كل مذهب ويضرب في التجديد بسهم وافر: هذه أعواد القوم لها أوتار أربعة، فليزد هو عليها وتراً خامساً يستهوى النفس بما يحدثه من النغم، وهاهي أعواد المغنين كبيرة الحجم ثقيلة الوزن فليكن عوده خفيفاً مرهفاً دقيق الصنع، وهذا مضراب العود قد استعمله الناس من خشب فهو ثقيل

стр. 4482

في اليد قاس على الأوتار ما يلازمها قليلا حتى يقطعها أو يفسدها، فليكن مضراب عوده من قوادم النسر فهو خفيف على الأنامل رفيق بالأوتار وان طالت ملازمته لها، وهاهي ألحان القوم معدودة وأغنياتهم معروفة فليجدد هو في اللحن، وليأت من النغم بكل طريف وليُسمع القوم من أغانيه وألحانه ما يعد بالآلاف. وكان زرياب أيضاً قد جمع إلى براعة الفن وحلاوة الترجيع سلامة الذوق وترتيب الذهن فهو سمير إذا جالس الأمير أو أشراف الأمير، وهو طيب الحديث إذا تحدث، ماهر في خدمة الملوك، يجيد استقبال الضيوف والزائرين، متأنق في ملبسه يعني بزينة نفسه حتى صار مثالاً في الأناقة يحتذى، أخذ عنه أهل الأندلس وحاكوه، فلم يعودوا إلى إرسال الشعر مفروقاً وسط الجبين مسدلاً إلى الخدين والحاجبين وإنما فعلوا كما يفعل زرياب ونساء زرياب، فحذفوا شعورهم وقصروها دون الجباه وسووها مع الحواجب ودوروها إلى الآذان وأسدلوها إلى الخدود ولم يعودوا إلى ملاحف الكتان يلتحفون بها، وإنما فعلوا كما يفعل زرياب فآثروا على الكتان أنطاع الأديم الناعمة، ولم يبق الناس على ما هم عليه من خلط بين ملابس الشتاء وملابس الصيف، وجهل بما يلائم الربيع وما يناسب الخريف، وإنما علمهم زرياب أن لكل زمان ثيابا، فللربيع الملون الزاهي، وللخريف الخفيف الملون، وللشتاء الثياب الكثيفة ذات الحشو والفراء، وللصيف البياض من الثياب، وكذلك عرف الناس مذ جاءهم زرياب صنوفا من الطعام لم تكن لهم بها دراية ولا بطعمها علم واستعمل القوم في الأندلس من العطور ما لم يألفوه من قبل، وفضلوا آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة لأن زرياباً كان يؤثر الزجاج ويتناول شرابه فيه. وكان زرياب أيضاً قد علم بناته وجواريه أحسن الأغاني وأدبهن بأدبه فبرعن في الغناء وأتقنَّ الصناعة، فكانت حمدونة ابنته عند أهل بيتها في الصدر، وكانت أختها علية كذلك، وتزوجت من الوزير هشام بن عبد العزيز، أما جاريته مصابيح فقد جمعت إلى جمال الصوت جمال النبل كتب صاحب العقد الفريد إلى مولاها وقد حجبها عن الناس واختص بها مجلسه يقول له: يا من يضن بصوت الطائر الغرد … ما كنت أحسب هذا الضن من أحد لو أن أسماع أهل الأرض قاطبة … أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد

стр. 4483

فادخله مولاها إلى مجلسه وأذن له في سماعها. ووضع زرياب المراسم لافتتاح الغناء فما يفتتح غناء في الأندلس إلا وأوله النشيد وآخره الاهزاج فأكسب زرياب المحافل روعة وأهدى المجالس باقات من الفن زاهيات، وكان وحده فناً انتقل إلى الأندلس، وحضارة عمت قرطبة. محمد قدري لطفي

стр. 4484

فن البناء عند المصريين والإغريق بقلم محمد علوي لا شك أن أهم مظاهر الحضارة الفرعونية هو فن العمارة. ولما كان للدين عند الفراعنة المنزلة العليا نجد أن درجة اهتمامهم به ظهرت جلية في معابدهم، وهي أهم ناحية ضرب فيها الفنان المصري بسهم. ولم تكن مصر هي البلد الوحيد الذي اهتم بأمر المعابد، فقد تبعها في ذلك الإغريق أيضاً، وكفاهم فخراً معهد (البارثينون) في (الاكروبوليس) بأثينا، فلقد كان هذا المعبد ولا يزال آية في الجمال، أجمع جميع الفنانين على أنه - لا يوجد له في العالم مثيل. فقد راعى فيه بانيه خداع النظر في الأجسام المنظورة فتلافاه بكل الوسائل، فكان معبده أشبه ببلورة طبيعية جميلة. ومع كل ذلك فإن الفنان المصري قد سبق زميله الإغريقي في تصميم معبد؛ فانك إذا وقفت أمام المعبد الإغريقي لاشك تشعر برهبة وذهول. ولكن هذه الرهبة ليست إلا نتيجة لقوة الجمال وحسن التنسيق، أو بمعنى أقرب إن تأثير هذا المعبد كتأثير حسناء كملت فيها معاني الجمال. فكأنما فن البناء الإغريقي أراد أن يأسر لب المتعبدين بسلطان الجمال. ولكن ليس هذا هو الغرض الذي من أجله كلف بتصميم المعبد، وفي رأيي أن هذا خروج عن الموضوع الديني، ولو أنه خروج لم يخل بقيمة المعبد من حيث جماله. أما المعبد الفرعوني فهو يشعر بالهيبة والعظمة فالخضوع والرهبة، ولكن هذا الخضوع ناشئ عن الشعور بالضعف أمام القوة والرهبة الدينية، وهذا ما أحسه أنا الآن وأنا بعيد عن البيئة التي كانت تحيط بالمعبد في حداثته، وبعيد عن العقيدة الدينية التي كانت تتملك شعور أسلافنا. إن الفنان المصري كان أعظم مما نقدره به وأوسع خيالاً، فنراه قد راعى في معبده صلاحيته للعبادة من جميع النواحي، فجعله لا يصلح إلا للعبادة، بل والعبادة لا تصلح أن تقام إلا بين جدرانه. فتصميم المعبد واختيار موقعه في مكان بعيد عن الحياة المادية الدنيوية، والبيئة الدينية التي أحاط بها الفنان البارع معبده، كل هذا يفصل المتعبد عن العالم المادي فيحصر ذهنه في دائرة روحانية بحتة. لست أريد أن أحكم على مقدرة هذا المهندس البارع، بل سأوضح عمله، وأترك لكم الحكم

стр. 4485

على كفايته وموهبته. اختار هذا الفنان لجميع معابده أن تقع في نهاية طريق مستقيم جداً ومتسع، بحيث ينتهي هذا الطريق بواجهة المعبد الشامخة، يتوسطها بابه الصغير، وقد خصص هذا الطريق مهما بلغ طوله، (وقد يصل إلى ثلاثة كيلومترات) للمعبد فقط، فلم يسمح بإنشاء أي نوع من المصالح أو المباني على الجانبين، بل أنشأ على حافتيه وعلى مسافات متساوية تماثيل ضخمة متساوية ومتماثلة لمعبود معروف رأسه رأس كبش، وجسمه جسم أسد. فتصور تأثير هذين الصنفين من التماثيل المتوازية المتماثلة، والأفريزين الممتدين بجانبي الطريق، تلك المستقيمات المتوازية تظهر للرائي كأنها تتقابل وتتجمع في نقطة واحدة كما تجمع العدسات الأشعة الضوئية في نقطة واحدة، وهذه النقطة هنا هي باب المعبد الصغير الذي يظهر عن بعد. وكما أن النظر تقوده تلك المتوازيات إلى النقطة، كذلك يكون التأثير على الأذهان الشاردة، فهذا يساعدها على أن تتجمع وتتركز في العبادة. هذا بخلاف ما كان يعتقده الفراعنة من أن هذا الطريق مقدس لا يطؤه غير المطهرين الأبرياء، وأن تلك التماثيل الجانبية كانت تراقب حركات المارة وأفكارهم طوال الطريق. وكان المصريون يتوجهون إلى المعبد تحت هذه التأثيرات في موكب تتمثل فيه معاني الخشوع، يتقدمه غالباً الفرعون وحاشيته، حتى إذا اقتربوا من المعبد يمرون تحت قوس نصر فخم أشبه ببوابة شامخة يبلغ طولها نحواً من ثمانية وثلاثين متراً في معابد الكرنك. فتصور كيف يشعر المار من تلك البوابة بضآلته أمام هذا العلو الشاهق وهو يعتقد انه بمجر مروره منها تطهر نفسه مما قد يكون عالقاً بها من الأدران، فيصبح طاهراً يصلح لأن يقترب من المعبد، وبعد ذلك يمر الموكب بين مسلتين شاهقتين، كتب عليهما تاريخ إنشاء المعبد وبعض الرموز التي تمثل شارة المعبود الذي في المعبد، وهنا يجد الموكب نفسه أمام بناء شامخ مثال للقوة والبطش والجمال، وهذا هو المعبد ذو الواجهة الجرانيتية الضخمة التي تتكون من هرمين شامخين ناقصين متقاربين، يتوسطهما باب المعبد الصغير، وعلى جانبيه تمثالان عظيمان (يصل طول كل منهما إلى عشرين متراً كما في معبد (أبي سمبل شمال الشلال الثاني)، وهذان التمثالان يمثلان فرعون، ويرى الواقف بباب المعبد عدة أبواب متتالية ومتساوية الاتساع، تقع جميعها على محور واحد عمودي على الواجهة غالباً، وقد تصل المسافة بين

стр. 4486

المدخل والباب الأخير إلى ثلثمائة متر، وهذا الباب الأخير هو باب مخدع الإله الأعظم. وأول ما يلفت نظر الداخل في المعبد هو البهو الكبير ذو الأعمدة الضخمة، وقد بلغت مساحة ذلك البهو الفخم في معابد الكرنك ثلثمائة متر في خمسين مترا، وهذا البهو مسقف بكتل عظيمة من الأحجار يحملها أربعة وثلاثون ومائة عمود، مصطفة في ستة عشر صفاً، وطول أعمدة الوسط منها ثلاثة وعشرون متراً وقطرها ثلاثة أمتار ونصف. فتصور بهواً يحوي هذا العدد من هذه الأعمدة التي بلغ ارتفاع الواحد منها ارتفاع عمارة مكونة من سبع طبقات تقريباً. كيف يكون تأثير مثل هذا البهو الرهيب الفخم في نفوس المصلين؟ ألا يمكننا اعتبار هذا البهو رمزاً للقوة والبطش كما أنه مثال العزلة والرهبنة؟ إن طول قامة البشر في هذا البهو لا يتجاوز قاعدة العمود. وبين تلك الأعمدة يقوم الشعب بتأدية الصلاة، أما فرعون وحاشيته فيستمرون في موكبهم مخترقين الردهات والدهاليز حتى يصلوا إلى مخدع المعبود، وهو مظلم لا يصله الضوء إلا من فتحة واحدة في السقف، قد وضعت بهندسة خاصة بحيث لا تضيء من المكان سوى تمثال الإله، حتى يخيل للرائي أنه يشع الضوء من جسمه. وأمام المعبود وتحت قدميه يوجد نضد عظيم من الحجر ليضع عليه فرعون قربانه بين التراتيل والتعاويذ الدينية ذات الأنغام الساحرة الرهيبة. ولو كانت لي موهبة في الإيضاح أرقى من ذلك لاستطعت أن أضع لكم صورة اقرب للحقيقة للمعبد والدرجة، التي وصل إليها من الإبداع، ولكن عظمة ذلك الفن وروعته فوق أن يصفها قلمي الضعيف. وهنا اقف بسيدي القارئ لأساله: هل يوجد مكان انسب لبناء المعبد من المكان الذي اختاره الفنان المصري؟ هل يوجد بناء تتمثل فيه معاني القوة والخشوع والرهبة اصلح للعبادة من تصميم هذا الهيكل الفرعوني؟ وهل يمكن إيجاد بيئة تحيط بالمعبد من الوجهة المعنوية والفنية أقرب للكمال من تلك البيئة التي هيأها هذا الفنان الحاذق؟ أظن أنه لا يمكن أن نجيب على تلك الأسئلة إلا بالنفي. ولقد أجمع عظماء الفنانين في العالم على أن المعبد المصري هو صاحب المنزلة الأولى بين معابد العالم، وإذا أمكن تصور منزلة أسمى من الأولى لكانت هي منزلة معبدنا، وبالتالي فن عمارتنا الذي نفر ونهرب منه، ونتناسى منزلته حتى في هذا العصر الذي هو عصر تجديد وانقلاب، لم يفكر أحد من كبار الفنانين

стр. 4487

المصريين في إحياء هذا الفن الجميل، أو إدخال روحه في المنشآت الحديثة، إلا إذا استثنينا بعض الشواذ. محمد علوي قسم العمارة - مدرسة الفنون الجميلة العليا

стр. 4488

١٠ - بين المعري ودانتي في رسالة الغفران والكوميدية المقدسة بقلم محمود أحمد النشوي تحدثنا معك في المقال الماضي عن ابن القارح، وتوسله بالسيدة فاطمة إلى رسول الله ﷺ ، وما كان من أمر هذا التوسل والأذن له بدخول الجنة والآن ماذا صنع ابن القارح؟ أنه تعلق بركاب سيدنا إبراهيم ﵇ حتى بلغ الصراط، وأشير إليه بأن اعْبرْهُ، فلما وجد نفسه لا يستمسك قالت الزهراء لجارية من جواريها يا فلانة أجيزيه. فجعلت هذه تمارسه وهو يتساقط عن يمين وشمال، فقال لها: يا هذه إن أردت سلامتي فاستعملي معي قول القائل: ست إن أعياك أمري … فاحمليني زقفونه فقالت: وما زقفونه؟! فقال أن يطرح الإنسان يديه على كتف الآخر ويمسك بيديه ويحمله وبطنه إلى ظهره، أما سمعت بقول الجلجلول من أهل (كفر طاب) صلحت حالتي إلى الخلف حتى … صرت أمشي إلى الورى زقفونه فقالت: ما سمعت بزقفونه، ولا الجلجول، ولا كفر طاب إلا الساعة!!! ثم تحمله وتمر به كالبرق الخاطف حتى يبلغ الجنة، فيمنعه رضوان طالبا منه جواز المرور، فيطلب ابن القارح ورقة من صفصاف الجنة ليرجع بها إلى الموقف، ويأخذ عليها الجواز، ولكن رضوان يأبى عليه هذا، فيقول ابن القارح أنا لله وأنا إليه راجعون، لو أن للأمير أبي المرجي خازناً مثلك، ما وصلت أنا ولا غيري إلى قرقوفمن خزانته. ولا يطول بينهما الحوار، حتى يرجع إليه إبراهيم ﵇ فيجذبه جذبة شديدة يحصله بها في الجنة. . . أفرأيت إذاً كيف كان سبيل المعري إلى الفردوس مليئاً بالدعابة وبالمرح حين سقوط صك التوبة من ابن القارح، وحين تدخله في فض النزاع بين أبي على الفارسي ومشاجريه، وفى دعابته مع الجارية، وهو على الصراط في أحرج المواقف وأدقها. فهل كان طريق دانتي كطريق المعري، كله دعابة وظرف؟ لا. فقد كان طريق دانتي على العكس من طريق المعري، آلام وأوصاب، وأهوال وعذاب. . . لقد كان طريق

стр. 4489

دانتي على النار يعيرها أولاً ثم (المطهر) بعدها حتى يصل إلى الفردوس. فما ظنك بذلك الطريق الشائك المترع بالأهوال والآلام؟! فبينا هو في غابة موحشة إذا به يتخلص منها إلى أكمة تكلل هامتها شمس الصباح فيهم بصعودها حتى إذا سار قليلاً رأى نمراً قبيحا يسد عليه شعاب طريقه، ثم يرى أسداً مخيفاً وذئبة قاحلة حدقته بنظراتها، فكر راجعاً إلى سفح الأكمة فرقاً ورعباً، فثار في نفسه اضطرابها حتى أتاه (فرجيل) فاستغاثه فهدأ روعه، وحدثه بأن سبيل النجاة من هاتيك المخاطر هي رحلة في أعماق الجحيم، ومنها، إلى الأعراف، ثم إلى الفردوس. ثم حدثه بأن بياتريشي أوفدته لإنقاذه مما هو فيه من أخطار. فاطمأن قلبه وهدأ روعه وعقد عزيمته على اجتياز الجحيم فاجتازها بين أنين العصاة وعويل المذنبين، مما حدثتك عن كثير منه في المناسبات الماضية. حتى إذا انتهت رحلته من جهنم أمسك فرجيل بابليس، وأمسك دانتي بعنق فرجيل، وساروا قليلاً حتى خلصوا من الجحيم، وأسلمت الجحيم دانتي إلى الأعراف فدخلها وسار في جنباتها يتحدث مع العصاة الذين يتطهرون من ذنوبهم ومن آثامهم، حتى إذا قارب نهايتها رأى نهراً ينفرج عن ماء رقراق، فبصر بالنهر وبفتاة على سيفه الآخر، وهي تغرد بصوت مطرب وتقطف الزهرات، فطرب دانتي واقترب منها فقصت عليه حديث النهر، وأن اسمه نهر ليتي نهر التوبة، من أغتسل منه طهر من ذنوبه، وبرئ من آثامه، ثم عاودت الفتاة الغناء، وعاد له من الفتاة الطرب. ثم تراءت أمام عينيه أضواء تشع في أرجاء الغابة، وتواردت على سمعه نغمات حلوة لم يكد يطرب لها حتى تراءت له من بعيد سبعة أجسام كأنها شجرات من خالص الذهب، تبينها فإذا هي مصابيح تحمل أضواءها كل ألوان الطيف، ويتلوها أربعة وعشرون شيخاً يجللهم وقارهم، وتلقي عليهم الهيبة رداءها، وتكلل رءوسهم زهرات الزنبق وتتبعهم عربة يقودها حيوان يشبه الأسد، بيد أن له رأساً، وأن له أجنحة كأجنحة الطيور ورءوسها. تلك العربة كانت تحمل بياتريشي جاءت تستقبله لتكون دليله في جنبات الفردوس المحرمة على فرجيل أن يلج بابها. وقد افتن شاعر الطليان في وصف بياتريشي وعربتها، وما احتف بها من راقصات، ومن سحائب الزهور افتنانا جعل ذلك الوصف في طليعة كوميديته إبداعاً وفتنة. وكذلك نرى فيرسالة الغفران وصف الطريق إلى الفردوس، وامتداح

стр. 4490

رضوان وزفر، ودعابة الجارية على الصراط ناحية جد مخصبة من خيال أبي العلاء ومن إبداعه. ذلك هو طريق الفردوس، وهاهو ذا وصفه في الروايتين، فأما الفردوس وطبقاته وأقسامه وما تخيله المعري من حيات يسبحن في الخلد فوق كثبان العنبر. وقد كان منهن في الدار العاجلة من تسكن في جحر بدار حمزة بن حبيب أمام القراء. ونقمت عليه قراءته واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام (بخفض الأرحام) بعد أن كانت تسكن من قبل في دار الحسن البصري. ثم تحولت عنه لأنها رغبت عن بعض حروف في قراءته حين يقرأ الإنجيل. وفالق الأصباح (بفتح الهمزة فيهما). فأما الحديث عن تلك الحيات والرد على المعري في تخطئته حمزة فموعدنا به العدد القادم. (يتبع) محمود أحمد النشوي

стр. 4491

شركة مصر للغزل والنسيج المحلة الكبرى منشستر مصر لمندوب الرسالة لا يتم استقلال سياسي صحيح لأمة من الأمم ما لم تستقل استقلالاً اقتصادياً أولاً. تلك حقيقة لا يختلف في صحتها اثنان. والاقتصاد في كل الأمم هو العمود الفقري لحياتها، والمقياس لعظمتها وتقدمها، حتى أضحى شغل العقول الكبيرة إلتي تخلص لأوطانها، وتعمل لرقيها بإخلاصها وإيمانها ولقد ظلت مصر ردحاً من الزمن تضع السياسة في المنزلة الأولى من تفكيرها، وفى غمرات ذلك الاضطراب السياسي ساءت الأحوال المالية فيها، وامتدت الأيدي إلى المصارف الأجنبية التي استغلت الفرص احسن استغلال، وأخذت تضيق على من يقع في حبائلها الخناق، حتى ضج الناس وغمرهم الذهول. هنالك تفتحت الأذهان، وحدقت العيون إلى نصير منهم يأخذ بأيديهم ويهديهم صراطاً اقتصاديا مستقيما. عندئذ قام ذلك الوطني المخلص (طلعت حرب باشا) ووضع هو وصحبه الأكرمون نواة ذلك الصرح الوطني الشامخ، فخر مصر وعنوان مجدها الاقتصادي، ووجه ذهنه الخصب، وعقله الجبار، لإنجاح ذلك العمل القومي العظيم، حتى صافح الفوز وتجاوز حد الثقة وأصاب مشاكلة الغرض وبعد أن وصل ذلك المشروع إلى الحد الذي يحسد عليه ضاق علي جسامته وخطورته بنشاطهم وبنتاج هممهم فأخذوا ينشئون الشركة تلو الشركة، والمصنع تلو المصنع، ومن بين هذه المشروعات الجليلة التي قام بنك مصر بتأسيسها (شركة مصر للغزل والنسيج) التي أقيمت في المحلة الكبرى نما غرسها منذ سنوات ثلاث، وأخذت أغصانها تزداد قوة وامتدادا، وتؤتي أكلها جنياً شهيا، كلما زادت الأمة في الإقبال عليها وتشجيعها، وأبواها بنك مصر و (طلعت حرب) يتعهدانها ويؤازرانها بإدخال كل مستحدث من الآلات، وكل جديد من الفن، حتى كان آخر ذلك هذا التوسع الكبير الذي يجري اليوم فيها على قدم وساق، والذي شاء لنا حسن التوفيق أن نشهده تلبية لدعوة وجهها إلينا رجال الشركة

стр. 4492

كان يوم الخميس الماضي يوماً حافلاً حقاً، فقد شهدنا فيه بأعيننا صرحاً من صروح قوميتنا العزيزة، وغرساً من غراس تلك الأيدي العاملة الكريمة كان في انتظارنا رتل من السيارات أمام دار بنك مصر أقلتنا إلى المحلة الكبرى، فلما دخلنا المدينة وبلغنا مقر دار الشركة كان في استقبالنا رهط من موظفيها الكرام على رأسهم مدير الشركة العام الدكتور محمد عبد الطيف محرم، فطافوا بنا أقسام المصنع يشرحون لنا مختلف آلاته ومتنوع غاياته تبلغ مساحة الأرض التي شيدت عليها مصانع الشركة مائة فدان، وقد بنيت كلها على أحدث النظم الصحية وجميع العمال والمديرين والمهندسين من المصريين إلا اثنين من الأوربيين دعت الضرورة القصوى إلى استخدامهما وقد افتتحت مصانع الشركة لأول مرة في ٢٣ إبريل سنة١٩٣١ وعدد أنوالها ٤٤٨فزيدت في عام ١٩٣٢ إلى ١٢٠٠ولن يأتي العام القادم حتى تبلغ ٤٠٠٠، أما المغازل فكان عددها ١٢٠٠٠ مغزل في عام ١٩٣٢ فزاد حتى بلغ الآن٥٠٠٠٠ مغزل وسيزداد إن شاء الله باطراد كل عام وكان عمل الشركة في بادئ الأمر قاصراً على غزل القطن ونسجه، ولكن ما وافى عام ١٩٣٣ حتى أدخلت فيها صناعة غزل ونسج الكتان، وفي عامنا هذا أنشئت مصانع لغزل الدوبارة والفانلات والجوارب وبكر الخيط وغيرها، ويعدون العدة منذ الآن لكي يقوم مصنع الصوف في عام ١٩٣٦بصنع البدل الصوفية ولوازمها من الصوف كذلك وإن الذي يزيد في سرور كل مصري وابتهاجه أن يعلم أن عمال الشركة الآن يبلغون ٦٠٠٠ عامل سيزاد عددهم بعد عامين على الأكثر إلى ١٨٠٠٠ عامل، ولحرص الشركة على أن يكون كل شيء مصرياً أنشأت مصنعاً كبيراً لصنع ما تحتاج إليه من الآلات، ولكي لا تضطر إلى استخدام أجانب فيه أوفدت عدة بعثات إلى أوربا من خريجي المدارس الصناعية. وتخرج الشركة الآن أنواعاً عديدة من الأقمشة معروفة في سائر الأسواق: منها (التيل الكاكي) و (فولار) و (دبلان) و (تيل المراتب) و (زفير) و (سكروته) و (فوط للوجه) و (بشا كير) إلى غيرها مما لا يتسع المقام لذكره هذا قليل من كثير مما قام به بنك مصر من جسيم المشروعات التي سار بها من نجاح إلى

стр. 4493

نجاح بفضل إخلاص أولئك المجاهدين القائمين على أمره، وبفضل الأمة المقبلة على تعضيده وشد أزره.

стр. 4494

٧ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له أحمد باشا تيمور الشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري احمد أبو الفرج الدمنهوري الشاعر الأديب، ظريف الجملة والتفصيل، حلو النادرة والفكاهة، انجذبت إليه النفوس وألفته القلوب على دمامته وغرابة شكله. ولد بدمنهور ونشأ بها في ضنك وحرقة حال، ولم يكن مشتغلاً بالأدب في أول أمره، ثم لازم الشيخ محمداً الوكيل القباني أحد أدباء دمنهور المشهورين وعليه تخرج في النظم، وصحب أيضاً الشيخ حميده الدفراوى، وهو أديب لكنة لا يبلغ درجة الوكيل، ولم يحضر المترجم العلم على شيخ، بل كان يلازم مجلس الوكيل ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً فيكتب عنه كل ما يسمعه من شعر ونثر ونادرة ثم يستظهره، أخبرني ثقة أنه اجتمع بدمنهور حوالي سنة ١٢٨٥ فرآه شاباً نيف على العشرين مخفوض الجانب كثير التواضع لا يستنكف من خدمة الوكيل المذكور وحمل المصباح أمامه إذا سار ليلاً. ثم نظر المترجم في كتب الأدب ودواوين الفحول وبدأ ينظم الشعر فكان يعبث بالبيت والبيتين، ثم نظم بعد ذلك القصائد والمقطعات، إلا أنه كان قليل الإجادة كثير الخطأ واللحن، يتكلف التجنيس والتورية، وأحسن شعره ما نظمه في المجون وضمنه ألفاظ العيارين والشطار. وكان حضوره إلى القاهرة صحبة الوكيل، فأوصله إلى السيد عبد الخالق بن وفا شيخ السادات الوفائية فأعجب بظرفه ومجونه، وكان ينزل عنده كلما حضر إلى القاهرة، وهي إذ ذاك غاصة بالأدباء والأعيان وفي الناس بقية، فكانوا يهشون له ويتهادونه إذا حضر، ويراسلونه إذا غاب، فحسنت حاله قليلا بما كان يناله من هباتهم. ثم اتصل بشاهين باشا كنج في طندتا لما كان مفتشاً على الأقاليم سنة ١٢٩٣ فانتظم في حلبة ندمائه، واختص به وواساه وجعله طرفة مجلسه، وجمع له من أغنياء البلاد مبلغاً وافراً اشترى به عقاراً ورمم داره بدمنهور، واجتمع عند شاهين باشا بعبد الله أفندي نديم الشهير وغيره من خاصة أهل الفضل والأدب، ثم نقل شاهين باشا إلى منصب آخر بالقاهرة فصار المترجم يتردد عليه ويقيم عنده الأيام والأشهر يجتمع في أثنائها بغيره من الكبراء وذوي الوجاهة فيهدي إليهم مدائحه ويتحفهم بطرائفه

стр. 4495

وكان على قلة إجادته في شعره مفتوناً به مبالغا في تقريظه وقت إنشاده، يمزج ذلك بإشارات وحركات تستظرف منه، ولا يكاد يقر لأحد بالتقدم عليه في النظم، ولعمري لا أرى عبارة تفي بوصفه ووصف حركاته عند الإنشاد وقيامه وقعوده والتفاته واستدعائه الحاضرين إلى استماعه، فانه كان إذا أراد إنشاد قصيدة من نظمه بدأ أولاً بتقريظها ونبه الحاضرين إلى مواضع الإجادة منها، فإذا ألقوا إليه بسمعهم أنشد المطلع وسكت هنيهة كالمأخوذ من جودته، ثم التفت يمنة ويسرة مستطلعاً خبيئة رأيهم فيه، واستحلفهم بالله وبأنبيائه هل طرق، آذانهم مثله في عمرهم، وهل تهيأ لشاعر قبل ما تهيأ له فيه من رشاقة المبنى وغرابة المعنى وتناسب الشطرين، ثم يمضي في البيتين والثلاثة ويعود إلى الصمت والتفكر. ويقول سبحان المانح! كمترك الأول للآخر! وأمثال هذه الجمل التي اشتهرت عنه وصارت من لوازمه، ثم يمضي في الإنشاد، فإذا مر بتجنيس أو تورية وثب من موضعه وتمايل طرباً، ثم نظر للحاضرين وقال لهم اسمعوا من الفتى العربي اللعوب، تُفّ على المتنبي وسحقاً له، أين له السلاسة والسهولة؟ وهكذا حتى يتم القصيدة، فان رأى من السامعين استحساناً تمادى في غلوائه وأعجب وأطرب، وربما عارضه بعض من يحضره استجلاباً لطرائفه واستئناساً بمحاورته، فتصدر عنه النوادر ومحاسن الأجوبة الحاضرة. بلغني أنه حضر مرة مجلساً جمع لفيفاً من أهل الأدب فأنشدهم قصيدة من نظمه، وبالغ في استحسانها كعادته، وأخذ يستطلع طلع آرائهم فيها. فأنتبذ له صديقنا العالم الفاضل، والشاعر المجيد، الشيخ عبد الرحمن قُرَّاعة مداعباً، وقال له أخطأت في بيت منها فأدخلت حرفاً على حرف وهو مما لا يجوزه النحاة، فإما أن تسقطه أو تأتينا بشاهد على صحة قولك، ووافقه الحاضرون ومالوا معه على المترجم، فنكس رأسه هنيهة، ثم نظر إليهم كالمتعجب وقال يا ليت قومي يعلمون! وكان كثير الاجتماع بشيخ أدباء العصر الشيخ أحمد أبي البقاء الزرقاني، فلا يخليه مرة من شعر له ينشده إياه، ويعرض للشيخ ما يشغله عن الاستماع فيستلفته ويكثر من الإلحاح عليه بترك ما هو فيه والاصاخة إليه ويضايقه بذلك مضايقة شديدة، ولكن لا يكاد الشيخ يعرض عنه حتى تصدر منه نادرة ينقلب لها المجلس ضحكاً، فكان يقول فيه إن أبا الفرج عندي مشكلة من المشاكل لا أدري أهو ثقيل أم ظريف.

стр. 4496

وكان أول اجتماعي به في مجلس أحد الأعيان وأنا شاب يافع متعلق بالأدب وأهله، ولم اكن لقيته من قبل، بل كنت اسمع به وأشتاق رؤيته فرأيت عجباً: رأيت شيخاً قصيراً دميم الوجه قد ذهبت إحدى عينيه، عليه جبة واسعة الأكمام وهو جالس في زاوية من المكان يملي على شخص حسن الخط دالية من الطويل منصوبة الروى جعلها تهنئة للخديو محمد توفيق باشا بقدومه من الإسكندرية، فكان منه من الوقوف عند كل بيت والإعجاب به على ما تقدم ذكره ما نبهني للالتفات إليه، ثم مر ببيت قافيته لفظة (ومعضداً) فوثب من مكانه ونبه الحاضرين إلى أنها تورية باسم الخليفة المعتضد بالله فلم يوافقوه، فاعرض عنهم واقبل على الكاتب يشرح له حسن هذه التورية وأنها لم تتهيأ له إلا بعد إعمال الفكر والروية حتى أضجره ورمي الدرج من يده، فغلبني الضحك واستظرفته وقصدت محادثته، فقلت لعل سيدي الأستاذ عارض بهذه القصيدة قصيدة أبى الطيب التي يقول في مطلعها: لكل امرئ من دهره ما تعودا … وعادة سيف الدولة الطعن في العِدا فسكت ثم نظر إلي شزراً ولم يزدني على قوله: تِفّ على المتنبي، فاستغربت في الضحك وسألت عنه بعض الحاضرين فخبرني به فكدت أطير سروراً بلقائه، وأقبلت عليه امدح القصيٍدة وأذكر مواضع الإجادة فيها وأستعيدها منه، فأبرقت أسرته وأقبل علي أيما إقبال واسمعني بعض مقطعات من شعره، فقلت له: أما كان الأولى بهذه اللآلئ أن تنظم في سمط؟ فقال نعم يا سيدي إني مهتم بذلك وسيكون ديوانا مرقصاً، وامتد بنا المجلس فرأيت منه ما لو أردت إثباته برمته لطال بنا المقال. ثم فارقته وأنا أشوق الناس إليه، وكأني به أحد أبناء المنجم الذين ذكرهم الثعالبي في اليتيمة وأورد فصولا للصاحب بن عباد في وصفهم. ومن غريب أمر المترجم أنه كان يستملح منه ما يستثقل من غيره، فقد رَوَوْا عن بشار أنه كان يصفر ويصفق ويتفل عند إنشاده وعن البحتري أنه كان يتقدم ويتأخر ويتلفت إعجاباً بشعره، وقد عيبا بذلك وعد من سقطاتهما التي نعاها عليهما الناعون بخلاف المترجم. ومن غرائبه أنه كان معجباً بكنيته وكثيراً ما كان يتدرج بها إلي الانتساب لمن تكنى بها من الفضلاء المتقدمين كأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الفرج الاصبهاني صاحب الأغاني وغيرهما، فلا يدع أحداً من المتكنين بها إلا وينتسب إليه، تارة لهذا وتارة لذاك، ثم ارتقى

стр. 4497

درجة فادعى الشرف ولاث على رأسه عمامة خضراء، ووسع أكمامه وسعى حتى جعلوه نقيباً للأشراف بدمنهور. حدثني صاحبنا الأديب الفاضل محمد شكري أفندي المكي قال: لقيته مرة وكنت علمت بأمر تلك النسب وأردت مداعبته فقلت: يا أبا الفرج إن كنيتك تنبئ عن شرف عظيم فلعلك من نسل أبي الفرج بن الجوزي، فقال نعم يا سيدي صدقت وأصابت فراستك، ثم لقيته بعد ذلك بأيام وقد نسى ما دار بيننا فأعدت عليه الحديث وقلت له إجادتك في الشعر مع هذه الكنية تدلني على انك من نسل أبي الفرج الببغاء، فقال أي نعم وهو الواقع أ. هـ. ولا خلاف في انه كان يعلم قصد محدثه في أمر نسبه، إلا أنه كان يخرجه مخرج الجد حتى مع أخص الناس به ويغضب ممن ينكر عليه فتستظرف منه. وادعى مرة أنه نال نصيباً وافراً من اللغة بحيث أصبحت لا يشذ عنه شيء من مفرداتها، وتمادى في هذه الدعوى وتبجح بها في المجالس، وتصدر للإجابة عن كل سؤال فيها يطرح عليه فتوالت عليه الأسئلة وهو يجيب عليها خابطاً خبط عشواء لا يبالي بمن يحتج عليه بكتب اللغة. وصار الأدباء من أصحابه يرتجلون له الفاظاً يسألونه عنها فيخترع لها معاني يجيب بها، وربما أحال تخرصاً على كتب لغوية يعينها، ونظم له بعضهم بيتاً كبيت الخنفشار وسأله عن معناه في جمع كبير من الأدباء وهو: وبِخرْنقِِ الأقيال عاثت فالتثت … وركاء تعترض الأكام بشيظم فقال نعم! هذا بيت لعنترة، ذكره له صاحب الأغاني وهو يصف به حمامة، والخرنق شيء يشبه نسج العنكبوت وليس به، يكون بين أغصان الأشجار، فيقول إن هذه الحمامة عاثت بين الأقيال، أي الأشجار الكبيرة فالتثت قدماها بالخرنق أي اشتبكت به، وأما الشيظم، وأراد أن يفسره فقطعته أصوات الضحك من جوانب المجلس. وبالجملة فقد كان خفيف الروح محبباً إلى القلوب أديباً ظريفاً حاضر الجواب حلو النادرة، وكانت وفاته فجأة بدمنهور في ثاني ليلة من شهر ربيع الثاني سنة ١٣١٠ بعد أن صلى العشاء، وكان آخر قوله أنا لله وأنا إليه راجعون، فشق نعيه على من عرفه وشيع جنازته الألوف تغمده الله برحمته.

стр. 4498

الشيخ زين المرصفي الشافعي هو من طبقة الشيخ عبد الرحمن الشربيني والشيخ سليم البشري، إلا أن الشيخ سليماً أكبر منهما سناً، حضر إلى الأزهر وقرأ على كبار الشيوخ به حتى برع وتأهل للتدريس، ثم جعله الخديو إسماعيل معلماً للعربية لولده الأمير حسين كامل باشا سلطان مصر الآن، وبسبب مخالطته له ولمن حوله ألم ببعض اللغات، وسافر مع الأمير إلى القسطنطينية وكانت أسواقها لم تزل آهلة بالكتب العربية فاقتنى هناك كتباً نفيسة غريبة عن أهل الأزهر، فصار ينقل منها في تآليفه نقولاً يُغرب بها عليهم. ثم استخدم بالمدارس وترقى إلى أن صار كبير المفتشين بها، ولم يزل بهذا المنصب حتى توفاه الله يوم الأربعاء الخامس من جمادي الأولى سنة ١٣٠٠، , فشيع جنازته لفيف من العلماء وجمع كبير من الناس، وأمر ناظر المعارف فسار فيها من كل مدرسة فريق من، تلاميذه وأناب عنه نائباً حضرها، ولما بلغوا به الجامع الأزهر للصلاة عليه وقف الشيخ حمزة فتح الله فأبنه ورثاه ببيتين من نظمه هما: سقى الله من صوب الرضا أعظماً هوى … بها ركن بيت العلم إذ دكه الحين فلا غرو إن أضحت وجوه علومنا … مشوهة فاليوم فارقها زين ﵀ رحمة واسعة. وفى مقدمة شرح أحمد بك الحسيني لكتاب الأمّ للأمام الشافعي الذي سماه بمرشد الانام لبر أم الأمام ما نصه (زين المرصفي كان عالماً فاضلاً أخذ عن علماء وقته وجد واجتهد حتى صار من أكابر العلماء، وكان ذهب مع الرسالة المصرية إلى بلاد فرنسا زمن الخديو إسماعيل باشا وكان يجيد اللغة الفرنساوية، وله كتابات في المنطق والحكمة وكانت وفاته سنة ١٣٠٠) انتهى

стр. 4499

شعراء الجاهلية طرفه بن العبد للأستاذ بشير الشريقي مسكين طرفة! لقد ثكلته آلهة الشعر والهوى والخمور باكراً غضاً نضير العود، مسكين لم يمتع بالشباب؛ بل كان لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره حينما طوته المنون في سجل العدم ودفنت معه عبقرية فياضة، وذهنية جبارة، وشاعرية قوية حارة. خمسة وعشرون حجة، إنها لحلم قصير يا طرفة. . ولكنه حلم لذيذ، وحلم جد عجيب أيها الشاعر الاغتنامي والشاب الفيلسوف المتهتك. على رمال الصحراء الطليقة ولد طرفة، ولكن متى؟ هذا ما لا يعلمه أحد؛ كان والده من سادة (بكر وائل) ومن ذوي الشرف الرفيع والمقام المحمود في قومه، وسمع طرفة يفتخر بأصله: لقد علم الأقوام أنا بنجوة … علت شرفاً من أن تضام وتشتما لنا هضبة لا يدخل الذل وسطها … ويأوي إليها المستجير فيعصما وتشاء الأقدار أن تسلب الشاعر والديه وهو لم يزل طفلاً في المهد فينشأ المسكين كما نشأ الحطيئة والأخطل وبشار وأبو نواس وابن الرومي، يتيماً محروماً من كل عطف ورعاية، لا يعرف سوى أعمامه الذين أهملوا تربيته وهضموا حقه. لقد ثار طرفة في شبابه على هؤلاء الذين نبذوه وظلموه وكانوا علة شقائه، ثار على أعمامه وذوى قرباه، وفى ساعة ذكرى ماض محروق مهان، وطفولة نكدة محرومة، تلهم عرائس الشعر هذا العبقري الصغير أبياته الخالدة: فمالي أراني وابن عمي مالكاً … متى أدن منه ينأ عنى ويبعد يلوم، وما أدرى علام يلومني … كما لامني في الحي قرط بن معبد وظلم ذوى القربى اشد مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهند ولا أعلم كيف عاب بعض النقاد الأدباء هجاء طرفة لقومه في قوله: أسامني قومي ولم يغضبوا … لسوءة، حلت بهم فادحة وكلهم أروغ من ثعلب … ما أشبه الليلة بالبارحة

стр. 4500

وكيف رموه من أجل ذلك بكثرة الشر ولؤم الطبع، ما كانوا محقين وما كانوا منصفين، انهم لم يفطنوا إلى أن الشاعر ما قال بيتيه إلا بعد أن لاقى من قومه كل احتقار وقسوة؛ وكل ما من شأنه أن يجعل الشاعر يثور على البيئة التي نشأ فيها. ثم هل تظن أن طرفة عنى قومه فقط حينما قال: (كلهم أروغ من ثعلب) أنا لا أظن ذلك بل أرجح أنه عنى الناس أجمعين، وأنه كان سيئ الظن بالبشر شديد الحذر منهم، أليس هو القائل في ذم الأخلاّء: كل خليل كنت خاللته … لترك الله له واضحه ولد طرفة عبقرياً وشب عبقرياً، فأسمعنا وهو في زهرة العمر وفجر الشباب أناشيد الحياة والموت فأطربنا بأنغامه إلى حين، نعم إلى حين، فقد أخرس الزمن لهاته قبل أن يكمل الخامسة العشرين ربيعاً؛ وكأن طرفة كان يشعر بمصيره ويعلم أن أيامه في الحياة قصيرة؛ فراح يسخر بمن يردعه عن اغتنام لذائذ الدنيا ويزجره عن الخمر والنساء واقتحام الهيجاء: ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى … وان أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي … فدعني أبادرها بما ملكت يدي واعتقد طرفة أن (الكل باطل) ورأى أن هنالك شيئاً واحداً ثابتاً، هو أن الحياة تمضي، وما عدا ذلك أباطيل: أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة … وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى … لكالطِّوَل المرخي وثنياه باليد لعمرك ما الأيام إلا معارة … فما استطعت من معروفها فتزود وما دام طرفة يرى أن اسمه سيمحى من سجل الوجود وأن قبر البخيل النحام في شرع الفناء كقبر الغوي الضال الذي قضى عمره في الشرب واللعب: أرى قبر نحام بخيل بماله … كقبر غوي في البطالة مفسد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد ما دام يرى ذلك فقد صمم على أن يغتنم أويقات الحياة ويتمتع بكل ما تناله يده من لذائذ ومتع فعاش - وهذا طبيعي ممن مات ولم يبلغ الخامسة والعشرين من سنه - صريع الكأس والأعين النجل؛ واهباً روحه للجمال وحسه للذة، أما نفسه فظلت كبيرة لم يذلها

стр. 4501

الهوى ولم يخضها الحسن، أبداً محترمة مهيبة طموحة إلى المجد: إذا القوم قالوا (من فتى)، خلت أنني … عُنيت، فلم أكسل ولم أتبلد فإن تبغني في حلقة القوم تلقني … وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد متى تأتني أصبحك كأساً روية … وإن كنت عنها غانياً، فاغد وازدد وان يلتقي الحيُّ الجميع تلاقني … إلى ذروة البيت الشريف المصمد نداماى بيض كالنجوم وقينة … تروح إلينا بين برد مجسد ومازال تشرابي الخمور ولذتي … وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدى إلى أن تحامتني العشيرة كلها … وأفردت إفراد البعير المعبد شعر رقيق عبر به صاحبه فأحسن التعبير، وطريقة واقعية مذهبها الإباحة والصراحة، حقاً لقد خلق هذا الصغير طرفة شاعراً فياض القريحة، انظر، إنه ما فكر في غير نفسه، ولا استمد إلا من حسه. ربما دهشت إذا قلت لك إن هذا الشاعر الشاب الذي مات قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، والذي عاش كما قال بشار: عشت بين الندمان والراح والمز … هر في ظل مجلس حسن قد امتاز أيضاً بما نظم من الحكم البالغة والأمثلة السائرة، لا تعجب، إن طرفة لم يكن مخلوقاً عادياً، بل كان عبقرياً ملهماً، نظر بعين بصيرته إلى الحياة نظر الشيخ المجرب، فحدثنا عن الوجود والعدم حديث العارف الحكيم، وعالج لنا خلال السنوات القليلة التي عاشها كثيراً من مسائل الحياة وأحوال المجتمع وخوالج النفس. قال يطلب الغيث لديار حبيبته: فسقى ديارك غير مفسدها … صوب الربيع وديمة تهمى شعر جزل فصيح، طلب الغيث على قدر الحاجة، لأن الفاضل ضار، وقد قال محمد (ص) (اللهم اسقنا سقياً نافعاً) أنا وأنت وكل الناس نتمثل بقول هذا الشاب: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي واسمع إنه يحدثك عن الخير والشر:

стр. 4502

الخير أبقى وإن طال الزمان به … والشر أخبث ما أوعيت من زاد وتأمل قوله وهو في السجن - يخاطب قاتله عمرو بن هند أبا منذر كانت غروراً صحيفتي … ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشر أهون من بعض ألا تشعر معي أن في قوله (أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا) نقاء وحرارة، وليناً وروعة واستعطافاً، وان قوله (بعض الشر أهون من بعض) آية يتمثل بها. وذكروا أن من حكمه التي حملت فحول الشعراء كلبيد وجرير والأخطل على الاعتراف بفضله وتقدمه قوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً … ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويروى عن عائشة رض الله عنها قولها: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا استراب الخبر يتمثل بقول طرفة (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) وكان ابن عباس يقول عن هذا البيت (انه كلام نبي). النبي محمد يتمثل بقول طرفة.! وابن عباس يقول إن كلامه كلام نبي. وأبو العلاء المعري يقول في رسالة الغفران (. . لو لم يكن لطرفة أثر إلا قصيدته التي على الدال لكان قد أبقى أثراً حسناً). أما قصيدة طرفة التي على الدال فهي معلقته، اسمع مطلعها الرائع: لخولة أطلال ببرقة ثهمد … تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقوفاً بها صحبي على مطيّهم … يقولون لا تهلك أسى وتجلد ونظر طرفة إلى الحياة، إلى المستقبل، بعين فيلسوف حكيم، بعين شيخ مجرب بصير بعواقب الأمور فقال: قد يبعث الأمر العظيم صغيره … حتى تظل له الدماء تصبّبٌ رحم الله طرفة شاعر الشباب والجمال والحكمة. شرقي الأردن بشير الشريقي

стр. 4503

المحامي

стр. 4504

من طرائف الشعر البلبل المسحور لشاعر الشباب السوري أنور العطار أَلهَمْنتيالشِّعْرَ وَأَنْغَامَهُ … وَحَسْرةَ الذكْرَى وَشَجْو الهَوَى وَحَيْرَةً صَاحِبُها ذَاهِلٌ … مُرَوَّعٌ يُضْنِيِهِ فَرْطُ اْلأَسَى نَاَدْتكِ رُوحي في دُجَى صَمْتِها … مَمْرُورَةً غَلْغَلَ فِيها الْجَوَى وَاسْمُكِ حَوَّامٌ يُنَاغَي فَمي … قَلْبي طَوَاهُ وَلِساَني رَوَى وَطَيْفُكِ الرَّفَّافُ في خاطِرِي … يُنَضِّرُ المَاضي وَيُحْي الْمُنَى آمَنْتُ بالْحُلْمِ فَكَمْ مَأْمَلٍ … مُسْتَبْعَدٍ أَدْنَتْ خُطَاهُ الرُّؤَى وَعَالَمٍ ضَلّلَني لُغْزُهُ … مَدَّ عَلَيْهِ جُنْحَهُ فَانْجَلَى يُطْمِعُني في عُزْلَتي أَنَّني … أَرَى بِسِتْرِ الْغيْبِ مَا لَايُرَى أعي حَدِيثاً حَافِلاً بالرِّضاَ … يُهَدْهِدُ الْقَلْبَ إِذَا مَا وَعَى وَتَسْكُنُ النَّفْسُ إلى نَغْمَةٍ … هَابِطَةٍ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى كم صُغْتُ أَشَعْارِي مِنْ وَحْيهِا … وَكم تَغَنَّيْتُ بِهَا في الدُّجَى قُلتُ لِنَفْسي في سُجُوِّ الرُّؤَى … لَمْ آتِ دُنْيَايَ لَعَمْري سُدَى لئن شَجَاني أَنَّني مَيِّتٌ … لَقَدْ نَفَى شَجْوي أَنّي صَدَى كَتَبتُ رُوحي قِصَّةً لَذَّةً … وَصُغْتُ قَلْبي نَغَماً يُشْتَهَى لَيْسَ يَنَالُ التُّرْبُ مِنْ مُهْجَتي … وَلَا يُذِيبُ اللَّحْنَ مِنْها الْبِلَى طَوفَتِ الأَفْلَاكَ في سَبْحِهَا … كَأَنَّها مَا حَفَلَتْ بالرَّدَى أترَعَتِ الدُّنْيا شَذاً بَاقِياً … وَغَلْغَلتْ طَيَّ الرِّحَابِ الْعُلَى أغاضَنَي مِنْ فَرْحَتي حَسْرَةً … مِنْ بَدَّلَ الضِّحْكَ بِمُرِّ الْبُكا مَرَرتُ في دُنْيايَ مُسْتعجِلاً … كأَنَّني في الغُمْضِ طَيفٌ سَرَى تُزَيِّنُ الأحْزَانَ لي عِيشَتي … وَتَرْسُمُ الشَّكَّ وَتَمْحُو الهُدَى يَئِسْتُ مِنْ صَحْوي وَمِنْ غَفْلَتي … كِلاهُما بَعْضُ خَيَالِ الكَرَى أَسْلو، وَمَا سَلْوايَ إِلاَّ الْبُكا … أَحْيَا، وَمَا عَيْشي إِلاَّ الشَّجَا

стр. 4505

ضاَعَتْ أَمَاني وَلَمْ يَبْقَى لي … في عُمُري مِنْ أَمَلٍ يُرْتَجَى وَلَمْ يَعُدْ لي مَطْمَحٌ مُشْرِقٌ … إِلا انتحَاهُ الَمْوتُ نَضْرَالصِّبَا أَمْسِ صِبَايَ الغَضُّ وَدَّعْتُهُ … وَغَابَ عَنِّي في سَحِيقِ الْهُوَى وَذَا شَبَابي الْيَوْمَ مُسْتَرجَعٌ … يَمْشي إِليَ الَمْوتِ حَثِيثَ الخُطَى وَقَلْبي الموْجُوعُ مَا يَأْتَلي … يُمْعِنُ في النَّوْحِ إِذَا مَا اشْتَكى حَنَّتْ إلى المَاضي جِرَاحَاتُهُ … وَجُرْحُهُ قُدِّسَ لَمَّا مَضَى آهاً عَلَى نُعْمى تَخَيَّلْتُها … مَا جَزِعَتْ أَنْ هَدَّمتني ضَنَى تَعْتَادُني الأَشْجَانُ في وَحْدَةٍ … لا فَرَحُ يُسْعِدُهَا أوْ سَنَا دَاجِيَةٍ نَكْرَاَء طَفَّاحَةٍ … بالسُّهْدِ وَالبَلوَى وَبَرْحِ الأَذَى العَدَمُ الرَّاعِبُ فيها لَقىً … تَحْسِرُ عَنْ أَسْرَارِهِ مَا اخْتَفَى وَالوَهْمُ مَلْمُوسٌ بِهَا بَيِّنٌ … وَالغَيبُ فِيهَا ماثِلٌ يُجْتَلى بُلْبُلُكِ الَمسْحُورُ يَا فِتْنتي … مَاتَ، وَعُشُّ الحُبِّ مِنْهُ خَلا الوَرْدُ قَدْ جَفَّ عَلى قَبْرهِ … وَالنَّغَمُ المِطْرَابُ فيهِ ثَوَى فَأَرْهِفِي أُذْنَكِ تَسَّمَّي … إِنْشَادِهُ مِنْ جَوْفِ هَذَا الثَّرى يَاطَيْفَهَا قَاسَمْتَنى وَحْشَتى … وَظَلتَ في قُربى برغْمَ النَّوَى عِشْ في فُؤادي بُلْبُلاً نَاغِماً … وَابْقَ أَنِيساً ليَ طولَ المَدَى أَسْمِعْني الأَلحانَ عُلْوِبةً … وَأَنسِني الدُّنيا وَهَذَا الوَرَى وَطُفْ بِرُوحي عَالماً سَامِياً … عَاشَ بهِ الحُبُّ وَمَاتَ الْقلَى تَعْتَنِقُ الأَملاكُ في سَاحِهِ … وَيُسعدُ المُشتَاقَ فِيه اللقَا دمشق أنور العطار

стр. 4506

من الأدب الهندي عود إلى محمد إقبال للدكتور عبد الوهاب عزام كتبت في الرسالة عام أول طرفاً من أخبار شاعر الهند العظيم، وفيلسوف الإسلام النابغة الدكتور محمد إقبال، وترجمت نبذاً من ديوانه (بيام مشرق). ولإقبال كتاب اسمه (أسرار خودي)، وهو كتاب منظوم شرح فيه (أسرار خودي) أي أسرار الذاتية، فبين بأسلوب شعري رائق أن حياة الإنسان والأمة في تقوية النفس، واستخراج كل ما فيها من قوى ومواهب، وأن الهلاك أن يغفل الإنسان عن فطرته، ويردّ د آراء الناس، ويحاكي أعمالهم. الخ ولإقبال كتاب آخر اسمه (رموز بيخودي) أي رموز اللاذاتية، يبين فيه كيف يؤلف الإنسان نفسه القوية في الجماعة ساعياً إلى المقاصد العامة. والكتابان منظومان في بحر الرمل على القافية المزدوجة. وسيرى القارئ في هذا المقال وما يليه نبذاً من الكتابين، على ان قارئ هذه الترجمة العربية المنثورة يفوته كثير مما يحس به قارئ شعر إقبال في لغته. وفما لي قطعة من أسرار خودي: (قصة شاب من مرو ذهب إلى السيد المعظم علي الهجويريفشكا إليه حيف أعدائه عليه): سيد هجويري قبلة الأمم الذي صار مرقده حرماً في بيرسنجر، جاب الأقطار، وقطع سلاسل الجبال، وبذر في أرض الهنود بذور السجود؛ فجدد عهد الفاروق بجماله، ورفع صوت الحق بجداله؛ عزت (أم الكتاب) بحماسته، وخربت دار الباطل بنظرته، وحيت أرض البنجاب بأنفاسه، وتلألأ صبحنا بشمسه، عاشق وهو رسول للعشق سيار، تتجلى، من جبينه للعشق أسرار. أقص عليك من أنبائه عبرة، فأطوي بستانا في زهرة: ورد لاهور شاب من أهلمرو مرير القوى، فأمّ حضرة السيد الرفيع ليقشع بشمسه ظلمات

стр. 4507

نفسه. قال: يا سيدي أحاطبي الأعداء الفجار، فأنا منهم كزجاجة بين أحجار، فعلمني يا ذا السنا والسناء، كيف العيش بين هؤلاء الأعداء. قال المرشد العليم الذي ائتلف في نفسه الجمال والجلال: يا جاهلاً بأسرار الحياة، وغافلاً عن مبدئها ومنتهاها؛ افرغ من هم غيرك، وأيقظ القوة النائمة في نفسك. إن الحجر الذي يتوهم نفسه زجاجة بين الأحجار، ينقلب زجاجة غايتها الانكسار. ومتى ظن المسافر الضعف بنفسه، فقد أسلم لقاطع الطريق روحه. حتَّامَ تعدّ نفسك طيناً وماء؟ أخرج من طينتك شعلة الطور ناراً وضياء. ماذا التكبر على الأصدقاء، وما هذه الشكاة من الأعداء؟ لا ريب أن عدوك صد يقك، وأن وجوده رونق حياتك. كل من وعى مقامات الذاتية يحمد الله كلما ألفى عدوه في قوة. العدو من الإنسان كالسحاب من الأرض، يغشاها، فيوقظ من سباتها قواها. وإن حجر الطريق ليسيل كالماء، أمام الهمة القعساء. وما السهل والحزن أمام السيل المنهمر، عقبة الطريق مسن لسيف العزم، وقطع المراحل اختبار لهذا السيف، ما العيش في أكل ودعة كالحيوان الأعجم؟ وما غناء الحياة وأنت في نفسك غير محكم؟ حصن نفسك بالذاتية يسخر لك العالم كله. تجرد من نفسك إن ترد الفناء، واعتصم بنفسك إن تبغ البقاء. هل الموت إلا غفلة عن الذاتية؟ وهل افتراق الروح والجسم إلا هذه المنية؟ اتخذ من نفسك مستقرأ لتنجو من الهلك؛ ثم امض قدما - كيوسف - من الإسار إلى الملك. تفكر في الذاتية وكن رجل الجلاد السباق إلى الغايات، كن رجل الحق المليء بالآيات. هأنذا أشرح بالقصص الأسرار، وأفتح بالنفحات أكمام الأزهار. (خير أن يأتي سر الأحباب حديثاً في قصص الآخرين) (قصة الطائر الذي أنهكه العطشى) بلغ العطش من طائر جهده، فاضطرب نفسه موجة من الدخان في صدره، فأبصر في بستان شذرة من الماس الوضاء، فخيل إليه العطش أنها ماء. وخدعت الطائر المجهود هذه الشذرة المتلألئة كالشمس، فتوهم الحجر الصلب ماء سائلا، وغره من هذا الجوهر بريقه فضرب بمنقاره فلم تنقع غلته. قالت الماسة: أيها الطائر المسحور! لشد ما ضربت بمنقار

стр. 4508

الغرور؛ لست قطرة من الماء، ولا شربة للظماء، ليست حياتي من أجل غيري. إن محاولة التقاطي جنونوغرور، وغفلة عن الحياة الذاتية الطهور، إن مائي يكسر من الطير منقاره، ويصدع من الإنسان جوهر روحه. خاب أمل الطائر فأعرض عن هذه الشذرة الوضاءة، وانقلب الأمل في صدره حسرات، واستحالت أنيناً هذه النغمات. ثم بصر بقطرة من الطل على فننٍ من الورد، تتلألأ كدمعة في عين البلبل، ضياؤها استغراق في حمو الشمس، وهي من جوف الشمس في رعدة. كوكب خفاق ولدته السماء، فلبث لمحة في نشوة الظهور والضياء؛ وخدعته ألوان الأكمام والأزهار، فلم يأخذ من الحياة نصيباً، كدمعة العاشق العليل، زانت الهدب لتسيل. ويسرع الطائر إلى فنن الورد فيلتقط قطرة الندى. أيها المبتغي نجاة من الأعداء! خبرني أجوهر أنت أم قطرة من ماء؟ ألم تر إلى الطائر حين أذاب العطش مهجته كيف وقى بحياة غيره حياته؟ لم تكن القطرة في صلابة الجوهر، ولكن كانت الماسة صلبة المكسر. فلا تغفل عن حفظ الذاتية لمحة، وكن قطعة ماس لا قطرة. كن ناضج الفطرة راسخاً كالجبال، وتحمل بحاراً من السحاب الهطال. وجد نفسك بقوى نفسك، واستحل فضته بجمود زئبقك. أظهر نغمه الذاتية من أوتارها، وتجل للناس بأسرارها. (قصة الماس والفحم) وهذا حديث آخر يفتح لك من الحقيقة بابا: قال الفحم للماس وهما في المعدن: يا من أودعت هذا التجلي الأبدي! نحن رفيقان، وفى المنشأ صنوان، وهأنذا أموت في معدني ذلة، وأنت تعلو تيجان الملوك عزة، وقدري من سوء الجبلة دون الحصاة، وجمالك يصدع قلب المرآة. يضيء بظلمتي المجمر الوقاد، فإذا غاية جوهري هذا الرماد. منزلتي من الناس مواطئ الأقدام، وغايتي أن أكون طعام النيران. إنها لحياة جديرة بالبكاء، فما وجودي إلا هباء؛ موجة من الدخان مركومة، وأما أنت فكالنجم وجهك وسيمتك تفيض بالنور كل جوانبك. فأنت حيناً قرة عين قيصر، وأخرى حلية في مقبض الخنجر. قال الماس: أيها الرفيق البصير إن التراب الأغبر إذا نضج فهو جوهر، وأنا ما زلت أجالد

стр. 4509

ما حولي حتى أنضج الجلاد نفسي، فانقلبت صلباً كالحجر، مضيئا كالنجم، وامتلأ صدري بهذه التجليات. وأنت من حياتك النيئة ذليل، محتقر من رخاوة بدنك العليل، فرغ من الخوف والغم فؤادك، وانضج كالصخر وكن ماساً بجهادك. فكل من جاهد في الحياة صبوراً، يملأ العالمين نوراً. إن الحجر الأسود كان تراباً بالتكريم غير خليق، فصار حلية في صدر البيت العتيق، فاق الطور رفعة وصعد، حتى صار مقبل الأحمر والأسود. إن في الصلابة ماء الحياة وسر البقاء، وإن في النيوءة الهوان والضعف والفناء. عبد الوهاب عزام

стр. 4510

بين الشك والإيمان الشاعر الإيطالي (ليوباردي) ' ١٧٩٨ - ١٨٣٧ للأستاذ خليل هنداوي (أيتها الشريعة الجميلة! أنت ستعيشين طويلا معصومة من كل خطأ، وإذا هاجمنا الضلال نعوج إليك ونجد الحقيقة تحت ردائك، ويدك وحدها تقودنا إلى شاطئ السلام) (ليوباردي) - ١ - في نفس (ليوباردي) سكن الألم الممض والشك العنيف متجاورين. فجعلا منه - في العمر الذي يبسم فيه كل شيء - شاعراً يحمل للناس مقاطع الأحزان، ونفاثات الأشجان. قضى أيامه الأولى يساوره الداء من ناحية، والدرس والاعتزال ينهكان قواه من ناحية ثانية، على أن الدرس برغم متاعبه كان ينفخ فيه روح النشاط فيهب، ويحى أهواءه النائمة فتحيا. كان لوالده الكونت (مونالدو) شغف بالأدب، يعوج إلى مجالسه وندواته، وقد بعثه شغفه هذا على أن يغرس في ولده هذه الروح، وأن يسهل له إدراكه. فكان أدبه الأول أدب إيمان وتقوى، يتعصب لهذا الأدب، ويحله من صدره أسمى مكان، ويحسب من لا يؤمن به جاهلا، وهو القائل في ساعات شكه وجموده (أيتها الشريعة، انك ستعيشين طويلاً معصومة من كل خطأ، وإذا هاجمنا الضلال نعوج اليك، ونجد الحقيقة تحت ردائك، ويفر الضلال فرار الذئب من الراعي، ويدك وحدها تقودنا إلى السلام) - ٢ - كان الدافع الأول إلى شك (ليوباردي) هو سأمه من كل شيء في بلده، قال في إحدى

стр. 4511

رسائله (لا تحدثوني عن (ريكاناني) إنني سأحب وطني عندما أغدو بعيداً عنه، ماذا في ريكاناني؟ هل تنظرون ما أستطيع صنعه هنا؟ فالكل يجهلونني، وأنا مؤثر الحياة في هذا الوطن الذي لا تعرفونه بدون معجم جغرافي، مستخف بكل شيء. الآن صنع الإله الوجود جميلاً، والناس يصفون العظائم في كل الأنحاء، وهنالك كثيرون من الرجال يعدون بلهاء لأنهم جربوا أن يروا وأن يعرفوا! الأرض ملأى بالعجائب) وهكذا قضى أيامه الأولي مغترباً عن أبيه الذي دعاه مراراً وتكراراً إلى العودة، وهو يأبى ويصر على البعد إصراراً. كتب له أبوه، (وما هي الحاجة الماسة التي تدعوك إلى هجرة دارك وأهلك إلى دار لا تتمتع فيها بمثل عطفي ورضاي؟) ولكن ليوباردي كان يهمل كثيراً هذه الأسئلة، وإذا أجاب أجاب بنفس ناقمة غاضبة ثائرة، يكتب إلى أحد أصدقائه (لأسهل عليك أن تحرك الجبل من أن تدفعه (والده) إلى صنع شيء من أجلي) ثم يقول: (على أنني اخترت هذه المرحلة؛ فلا آخذ منه شيئا، ولا أطلب شيئاً) وهكذا يغلب الكبرياء على ليوباردي ويصبح شقاؤه شقاء جباراً. أوى ليوباردي إلى الدرس يجد فيه لذته النفسية، ولكن هل كان الدرس كله راحته من عنائه، وهناءه في شقائه؟ كتب في أحد كتبه يعبر عما يجد في ساعة الدرس: (إن سبب تعسي هو عقلي، إنني أظن أنكم تعرفون، ولكني أثق بأنكم تجهلون كيف يقتل العقل صاحبه الذي يحاول أن يفكر على غير ما يفكر به الآخرون، عندما لا يكون لهذا الصاحب من لهو غير لهو الدرس. . أما العقل فقد أعطاني ويعطيني أمثال هؤلاء الشهداء، وبهذا وحده يفرض سلطته عليَّ ويكون سبب أذاتي. وسوف يقتلني إذا لم أبدل خطتي! ألا إن العزلة ما خلقت لمن يحترقون بأنفاسهم ويذوبون بأنفسهم) بلى! ما كان أصدق ليوباردي في كلمته الأخيرة! لأنه كان معبراً عن حالة نفسية هي فيه. فقد تسرب إليه الداء حتى أنهك قواه فشح ناظراه وساءت صحته وركبته العلة إثر العلة. ووقر على ظهره عبث الحياة فقال (إنني ناضج للموت). ولكن الموت كان يرى هذه الثمرة غير ناضجة، فتركها عشرين عاما تنضج خلالها وتحمل من آلام الحياة ما ينوء بالجبابرة حمله، تائهاً ضالاً في مسارب الشك، مستجلياً الحقيقة كما استجلاها من قبله، طالبا ما تعده من وصل، ووعدها بالوصل علالة.

стр. 4512

أما نظرته الحادة وصوته المرنان وتألق نفسه وكل تلك الملامح القوية التي مثلها - سانت بوف - قد تغيرت في أخريات أيامه وإنما غيرها وقر الهم لا وقر الهرم، وإذا بليوباردي كما يصفه (رانيري) صديقه الوفي (ذو قامة مقوسة، ولون أبيض مشرب بصفرة، وجبهة مربعة عريضة، وعينان زرقاوين ذابلتين، وأنف دقيق، ولهجة مبهمة جافة، وبسمه ترافقها العذوبة والشقاء) وهو يكتب عن نفسه: (وأخيراً أتعبتني تلك الأعوام التي قضيتها في الدرس وأودت بجسدي، حتى لا يرجى لي شفاء غير الموت. وهكذا حطمت رجائي لأفهم أن الطرب لا يلائم قلبي. وإذ ذاك وجب على أن أرتدي ثياب الحداد وأن أتخذ التشاؤم رفيقاً لي لا يمكن فصله عنى إلى الأبد، نظرتُ فألفيت أن حياتي لا يمكن أن تكون إلا تعسة، ولكن هذا لم يبعثني على اليأس، فحبذا لو أن قواي تحملها بدون خوف وتحولها إلى شيء مفيد بعض الشيء) وهكذا نستطيع أن ندرك أن أهم العوامل التي تألبت على هذا القلب فبدلت إيمانه شكلاً معذباً إنما هي عوامل جسدية ونفسية تضافرت على نضاله، وما فتئت تلح عليه وتنال منه، حتى تركته لا يهديه إلا شك، ولا يقنعه إلا جحود. - ٣ - في هذه العزلة الموحشة التي اختارها لنفسه ارتبط مع الأديب الإيطالي (بيانرو جيورداتي) بصلات مودة متينة، وكان نجم هذا الأديب متألقاً في سماء بلاده، وهو ممن طرح القديم وأعلن شكه فيه، وراقت له المذاهب الجديدة فأخذ بها، فتمنى لو يرى ليوباردي بعد أن سمع عنه الشيء الكثير، فقصده في عزلته فمال إليه وأعجب به وكتب عنه (إذا كان دانتي نجمة صبح في سماء إيطاليا، فان ليوباردي هو نجمة مسائها) لليوباردي صفحة مؤثرة كتبها في ليلة تحت أضواء القمر والنجوم المشعة، ذاهبة نفسه في الليل العميق كل مذهب: (وفي ذلك المساء كانت نافذتي مفتوحة، وناظري يتمتع في هذا الصفاء السماوي وشعاع القمر المتهادي. أتروّح نسيماً عليلاً، وأصغي إلى عواء الكلاب المتناوحة في مواطن قصية عني. فخيل إلى أن صوراً ترقى إلى نفسي وأن قلبي يتسلط عليه قلق غريب، فهتفت كمن

стр. 4513

أصابه مس، طالباً رحمة الطبيعة التي خيل إليّ أنها تسمعني. في هذه اللحظة ألقيت أنظاري على ماضي، فتجمدت من الخشية أعضائي، وأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن الناس أن يتحملوا الحياة بدون أوهام ولا أفراح ولا عواطف، بدون خيال ولا هيام، وبدون ما كان يملأ وجودي قبل عام، ويجعلني سعيداً برغم مخاوفي، أما اليوم فإنني يابس كالقصبة، لا عاطفة تتمشى في حنايا نفسي البائسة، وقوة الحب الخالد الطلقة قد ماتت وهلكت في العمر الذي أنا فيه). كم مرة ذكر ليوباردي هذه الليلة العنيفة! وكم مرة تمثلت له هذه الليلة وهو ينظر في المروج الفضية الهادئة يغمرها نور القمر وهو ينجلي وراء (الابينين، وقمم الألب الشامخة) أو يتهادى على حضن البحر اللانهائي، وسائق العجلة يردد أغنيته الحزينة، مودعا آخر شعاع النهار، ثم يردد الشاعر: (وهكذا يغادر الشباب الحياة ويتركها تخمد رويداً رويداً، والأوهام الجميلة تتطاير مع الآمال التي كانت مساعدة للإنسان، ولكن أنتن أيتها الروابي التي ينحدر عنها النور، أنتن لن يغشاكن الظلام طويلا. . . ولكن حياة الإنسان بعد فرار الشباب لن يُلوَّنها شيء، وستظل غريبة حتى النهاية. . . والقبر وحده هو الذي يضع حداً لليل عمرنا!) وفي عام ١٨١٨ نظف الشاعر رأسه من كل شيء. طلق الإيمان وودع الأوهام، فبقي وحده وسط خرائب جسده وروحه إزاء عالم فارغ وتحت سماء من نحاس، ومنذ ذلك العهد لم يتغنّ الشاعر إلا بأنشودة الشك التي رافقته حتى ودَّع الحياة. - ٤ - وأخيراً نزع عنه الشك العابس كل إيمان بالله والخلود والعناية، فتلاشى منه كل شيء وانصرف عنه كل شيء، فلا آله عنده غير الطبيعة، تلك القوة العمياء التي لا تُدرك، يسألها عن سر الأشياء فتجيبه (وأنا طائعة للمقادير، أما أسباب الأشياء فهي ألغاز، لا أنا ولا أنت نستطيع إدراكها، فالأجدر ببني الإنسان أن يصرفوا عيونهم عن هذه الألغاز التي تقلقهم، فإن حلها كما خُيِّل إلينا انه صار قريباً زاد عنا بعداً) لننظر ما هو الإيمان الجديد الذي اعتنقه الشاعر في بعض مقطوعاته (مومياء تُبعث) بعثاً مقيداً بلحظة زمنية، يسألها فيها (كيف ماتوا وماذا وراء الموت)؟ ولكنها تجيب (اسكت! لم

стр. 4514

يحن وقت الجواب. . .) وهكذا تكر هذه اللحظة، وتعود المومياء إلى رقادها الأبدي. وهنالك مقطوعة صغيرة تدور حول رجل (ايزلاندي) فرّ في الأرض على وجهه من الطبيعة، ولكنه تلاقى معها في وسط الصحراء، فألح عليها بأسئلة كثيرة منها هذا التأنيب: (لماذا قذفتِ بي في هذا العالم دون استشارتي، ولماذا بعد إيجادك لي لم تشغلي نفسك فيَّ؟ فما هي غايتك؟ وما عسى تبتغين؟ وماذا تريدين؟ هل أنت لئيمة أم عاجزة؟) فأجابته الطبيعة: بأن ليس لها إلا سأم واحد وواجب واحد أن , تُدير دولاب العالم دورة واحدة يناجي فيها الموت الحياة، والحياة الموت. وإذ ذاك سألها الرجل (ومن عسى يبتهج بحياة هذا العالم الذي لا يبقى ولا يدوم إلا بموت كل الأجزاء التي تولف عناصره؟ ولكن الطبيعة لم تجشم نفسها عناء الجواب. . . وإذ ذاك انقض أسدان جائعان عليه فالتهماه فهوى هيكله على التراب منتظراً أن يسقط كلاهما بدورهما على رمال الصحراء. السكوت هو الجواب البليغ على هذه الأحاجي والأسرار، لأن المستقصي عنها لن يرى إلا جداراً يعثر به ويدفعه إلى الوراء، وإذا سار فلن يسير إلا في صحراء لا يجد منها مخرجاً. لم يختر ليوباردي شيئاً من حياة المستقبل ولا الحاضر، ولم ينظر إلى مستقبل الإنسانية، ولم يجرب أن يقف هواه على شيء في الحياة، وإذ أراد أن يمجد وطنه فلن يرى شيئاً جديراً بالتمجيد إلا ذلك الماضي، أما الغد فهو لا يؤمن به (أيها الأسلاف العظماء، ألا تزالون تصونون لديكم شيئاً من الرجاء فينا؟ ألم نهلك نحن جميعاً؟ إنني محطم لا أملك أية قدرة أجابه بها الشقاء، أما المستقبل فهو جهنم في عيني، والذي أتبينه هو الذي يريني الأمل حلماً أو جنوناً) لهجته - أينما صعدت - مبطنة بالكآبة العميقة التي لا يخفف منها مجد ولا علاء. يُسألُ عن الرجل العظيم فيقول (هو اسم سرعان ما يصبح كاللاشيء. إن فكرة الجميل تتبدل دائما مع الزمن. فالمسائل العلمية سرعان ما يتفوق عليها غيرها وتصبح نسياً منسيا، وإن أدنى رجل رياضي منا يعرف أكثر مما يعرف (غاليلو ونيوتن) فالمجد ما هو إلا خيال، والبراعة التي تكون مكافأة للمجد ليست إلا حاضراً مشؤوماً لمن يتقبلها) ثم يتكلم عن دانتي ويقول. (وعلى هذه الأرض القبيحة لم يؤثر إلا الجحيم، وأي منزل في الحقيقة لا يفضل على منازلنا الأرضية، إن الشقاء الذي يؤلمنا هو أقل ثقلاً وأقل شراً من السأم الذي يخنقنا.

стр. 4515

ألا أيها السعيد، أنت الذي حياتك في بكائك) وينظر ليوباردي إلى المستقبل نظرة سوداء ويعتقد أن الأجيال تسفل ولا ترتقي، ويسخر من المتأملين في تسامي الأحفاد هنالك راع يخطر على قمم جبال (هملايا) متكئاً على عصاه يطيل التأمل في السكون المحيط به، وينظر إلى القمر الهائم مثله في السماء فيسأله: (قل لي أيها القمر! ما قيمة حياة الراعي، وما قيمة حياتك أنت؟ بل ما قيمة حجى الفقير وسُراك الأبدي؟ أنت أيها المسافر المنعزل الخالد والملك المفكر، ربما تفهم أنت حياتنا وآلامنا وتنهداتنا، وربما تفهم الموت والصفرة السامية، وسفر الأرض ووداع الصداقات الجميلة. انك بلا شك تفهم أسرار كل هذه الأشياء ولكني لا افهم ولا أعرف إلا شيئاً واحداً. ليأخذ البعض من هذه الحياة خير ما فيها، يستنقذونه من ثوراتها الهوجاء ومن كائناتها الضئيلة. قد يمكن لهم ذلك. ولكن الحياة هي شر من اجلي) وهل في هذه القطعة إلا اليأس من الحياة والكفر بها في شعر جميل يتبع خليل هنداوي

стр. 4516

العلوم تغير شكل الأرض من الكروية بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية كلنا نعرف أن الأرض التي نعيش عليها كروية الشكل. وقد برهن علماء الجغرافية على صحة هذه النظرية ببراهين عديدة كانت ولا زالت موضوعاً من مواضيع دروس الجغرافيا في المدارس، من أهمها الظل المستدير الذي تلقيه الأرض على سطح القمر إذا ما حالت بينه وبين الشمس. إلا أنه قد ظهر أخيراً بين العلماء المحدثين من يقول بأن الأرض يتغير شكها من كروي وهو ما يطلق إلى شكل هرمي له أربعة أضلاع، كل منها مثلث متساوي السيقان. والنظرية لا تعتمد في إثباتها على براهين نظرية أو خيالية، وإنما تعتمد على حقائق جغرافية ملموسة موجودة فعلاً على الأرض، فهي براهين عملية ثابتة. وسأنقل النظرية لحضرات القراء ملحقاً كل نقطة بالتفسير الكافي وذلك لخطر الموضوع الذي نبحث فيه وخطر النتيجة التي تنتج عن إثباتها علمياً. قال صاحب النظرية: (هناك على سطح الأرض منخفضات لم تغمرها المياه بعد، من أهمها ذلك المنخفض العظيم الذي يقع فيه بحر الكاسبيان الذي يفصل وسط وشرق آسيا عن أفريقيا وأوربا، والذي غمرته المياه في العصور الحديثة. إذا علمنا هذه الحقيقة الجغرافية وعرفنا أن هذا اتصال بالمنخفضين اللذين تغمرهما مياه المحيطين الأطلسي والهادي سهل علينا أن نفهم أو نعرف كيف أن شكل الأرض يبعد عن الكروية بالتدريج مقترباً نحو الشكل في هذه النقطة يمهد صاحب النظرية الطريق للفكر لتسوغ نظريته، وذلك بإلقاء حقائق جغرافية ثابتة يرى أنها تساعد على فهم نظريته إذا ما أراد البرهنة عليها. وهاهو ذا بعد ذلك يريد أن يعلل سبب اتخاذها الشكل الهرمي دون سواه مستعيناً في ذلك بحقائق جغرافية أخرى. فيقول:

стр. 4517

(باطن الأرض لا زال حاراً منصهراً يبرد بالتدريج، وهو يقل حجماً بالبرودة. ولما كانت القشرة الأرضية صلبة لا يمكنها تقليل حجمها تبعاً لذلك فإنها تتقلص وتغير من شكلها تبعاً لانكماش باطن الأرض فتتخذ الشكل الهرمي). أي أن باطن الأرض حارٌّ ملتهبٌ منصهر، ولكنه يبرد بالتدريج، فسيجيء وقت مستقبل يصل فيه إلى أقص درجة، أي لدرجة التجمد، وعندها يقل حجمه تبعاً لقانون الانصهار. وبما أن الحيز الذي كان شاغلاً له قبل التجمد سيكون جانب كبير منه بعد ذلك شاغراً، فان القشرة الأرضية أو الغلاف الخارجي سيضطر بفعل الفراغ الداخلي أن يغير من شكله لملئ هذا الفراغ مع عدم تغير في حجمه. وقد وجد الأستاذ صاحب النظرية أن الأرض سائرة في هذه الطريق، وأنها ستتخذ الشكل الهرمي دون سواه لحقائق جغرافية تبرهن على صدق قوله وصحة اعتقاده. ولظنه أن هذا الشكل يمكن القشرة الخارجية من التمشي مع وصول الباطن إلى اقل حجم ممكن دون المساس بحجم الغلاف الخارجي. (ولو أنني أعرف جيداً أن المعضدين لهذه النظرية أقلية صغيرة إلا أنني أقول إن هناك حقائق جغرافية كثيرة تؤيد وجهة نظري وتبرهن على صحة نظريتي: أولاً: تركز اليابسة حول مساحة مائية في النصف الشمالي من الأرض. ثانياً: كل مساحة مائية في جهة يقابلها كتلة أرضية في الجهة الأخرى. ثالثاً: وجود ثلاثة مناطق مرتفعة تكون عقداً أو أحزمة أرضية شمالية وجنوبية يفصل بعضها عن بعض منخفضات هي منخفضات المحيط الأطلسي والهادي ومنخفض الكاسبيان. والشكل رقم (١) يساعدنا على فهم ذلك. وتفسيراً لذلك نقول. أنه لما كانت الأرض في حالة الليونة الأولى وكانت تدور حول محورها بسرعة، أخذت الشكل الكرويكأي جسم لين يدور حول محور، وانبعجت عند خط استوائها ثم تفرطحت عند القطبين بفعل قوة الدوران. وكانت الأرض في العصر الأيوزوي أقرب في شكها من الكروية التامة تغطيها المياه. فلما أخذت تبرد بدأت القشرة الخارجية في التقلص فظهرت أراضٍارتفعت عن المياه المغطاة بها (شكل ٢ أ). وفى العصر ألباليوزوي مساحة اليابس تتزايد وأخذت الأرض

стр. 4518

شكلاً كما يقول العلماء عبارة عن هرمين غير كاملين متصلين ببعضهماوكانت الأحزمة أو الكتل الأرضية بدلاً من اتجاهها من الشمال للجنوب (مثل الأمريكتين) كما هو حادث الآن. متجهة من الشرق إلى الغرب. وكانت عبارة عن كتلتين أو حزامين كما يطلق عليهما إحداهما شمالاً والآخر جنوبا يفصل سطحيهما مساحة مائية عظيمة. ولما كانت الأرض لازالت آخذة في البرودة بالتدريج فان الكتلة الجنوبية قد بدأت في الانكماش وكادت تختفي، وأخذت الأرض تسير نحو تكوين شكل هرمي واحد هو تكملةللكتلة الأرضية الشمالية (شكل ٢ جـ) هذا هو شرح صاحب النظرية لفكرته وهو شرح واضح وافٍ نعرف منه أن الأرض التي نعيش عليها سائرة في طريقها إلى تكوين شكل هرمي. وقد يعترض معترض فيقول لم لا تأخذ الأرض أي شكل آخر غير هذا الشكل الهرمي؟ ولم كان هذا الهرم مقلوب الوضع، أي أن قاعدته من أعلى. وردي على ذلك بسيط للغاية. لأن الحقائق الجغرافية والخرائط التي أمامنا يظهر عليها أن اليابس يتركز في الجزء الأعلى، وأنه من الممكن جداً أن ندخل شكل اليابس داخل أضلاع المثلث. وهذه الظا هرة إن دلت على شيئ فلا أقل من أن الجزء الأعلى يكون القاعدة. ثم إن هناك نقطة أخرى وهي أننا نلاحظ جميعاً أن القارات الجنوبية ينتهي أغلبها بأشكال مدببة، فأمريكا الجنوبية وأفريقيا وأستراليا بمجموعة جزائرها تكون أشكالاً تنتهي بمدببات، ومن جهة أخرى فأن الشكل الهرمي كما سبق ذكره يمكن القشرة الأرضية من التشكل تبعاً لنقص حجم باطن الأرض بالبرودة دون أي مساس بحجمها هي. وفي قوله هذا شرح أو رد للاعتراض الثاني أي أن شكل الأرض الآن على ماهي مرسومة عليه في الخرائط يبين أن القاعدة من أعلى لا من أسفل. وفى هذه النظرية يقول البروفسور و. هـ. هوبز ما معناه (إن الكرة الأرضية لا يمكن أن تعتبر بأي حال من الأحوال كرة تامة التكوير إذ لابد من أن تعاقب العصور الجيولوجية المختلفة قد أثر في شكلها التأثير البين وحور فيه. وهي تقترب في الوقت الحالي نحو الشكل الهرمي. ويجب ألا ننسى أن الزوايا الحادة قد استدارت، وأن الشكل الهرم قاعدته من أعلى، يبرهن لنا على صحة ذلك رحلتا نانس أولا، وبيري ثانيا، إلى القطب الشمالي إذ أثبتت وجود كتلة أرضية في الشمال يزيد ارتفاعها على ١٠ آلاف قدم عن سطح البحر

стр. 4519

يمكن اعتبارها أكبر مساحة أرضية على سطح الأرض إذا ما ضمت إليها مساحة ثلاجاتها وجزرها.) هذه هي النظرية أقدمها لحضرات علماء الجغرافيا في مصر راجياً الإدلاء برأيهم فيها. على أنه يجدر بي أن أذكر أن هذا التغير والتطور في شكل الأرض هو تغير تدريجي، بطيء يحتاج لآلاف السنين، وأنه لذلك يمكن اعتبار الأرض التي نعيش عليها كروية أو قريبة للكروية ولو أنها في الحقيقة سائرة في طريقها إلى تغيير شكلها الذي نعرفه.

стр. 4520

القصص الدون جوان لموليير العظيم ترجمة حامد اسعد محمد الفصل الرابع. المنظر الثاني (الدون جوان أحد فقراء الأشراف الفرنسيين. يغلق بابه دائما في وجه الدائنين. يحضر المسيو ديمانش بائع الملابس والخائط وهو أحد دائني الدون فيطلب مقابلته) الخادم زجانارل: سيدي. قد حضر المسيو ديمانش وهو يريد التحدث إليك. الدون جوان: دعه يدخل. إن التهرب من مقابلة الدائنين لا يجدي نفعاً. سأعمل جهدي لاستقباله استقبالاً حسناً دون أن أدع له فرصة الطالبة بدينه (يدخل المسيو ديمانش) الدون جوان: أهلاً وسهلاً بالمسيو ديمانش. كم أنا مسرور برؤيتك. وكم أنا آسف لأن الخدم تركوك تنتظر في الخارج أكثر مما ينبغي. ولكن معذرة، إذ أنني أمرتهم بعدم دخول أحد، ولكن هذا لأمر طبعاً لا يسرى عليك فان لك الحق أن تحضر دائماً دون أن يمنعك أحد. المسيو ديمانش: سيدي. أنا عاجز عن شكرك. لقد حضرت لـ. . . . (يقطع الدون جوان عليه حديثه فينادي خادمه) (الدون جوان: اسرع باحضار كرسي (فوتيل) للمسيو ديمانش. المسيو ديمانش. سيدي. لا داعي (للفوتيل). إنني مستريح الدون جوان: لا. أبداً. يجب أن تجلس بجانبي. المسيو ديمانش: لا ضرورة لذلك. لقد أتيت فقط لـ. . . . . (يمنعه الدون جوان إبداء الغرض من زيارته له فيقول للخادم) الدون جوان: خذ هذا الكرسي الصغير وأسرع بإحضار (فوتيل) المسيو ديمانش: سيدي أنت تهزأ بي. لقد جئت لـ. . . . الدون جوان: لا. لا أقصد السخر منك. إنني أود أن أستقبلك كما يليق بك. وأود ألا أجعل
следующие страницы →