← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

العلوم تغير شكل الأرض من الكروية بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية كلنا نعرف أن الأرض التي نعيش عليها كروية الشكل. وقد برهن علماء الجغرافية على صحة هذه النظرية ببراهين عديدة كانت ولا زالت موضوعاً من مواضيع دروس الجغرافيا في المدارس، من أهمها الظل المستدير الذي تلقيه الأرض على سطح القمر إذا ما حالت بينه وبين الشمس. إلا أنه قد ظهر أخيراً بين العلماء المحدثين من يقول بأن الأرض يتغير شكها من كروي وهو ما يطلق إلى شكل هرمي له أربعة أضلاع، كل منها مثلث متساوي السيقان. والنظرية لا تعتمد في إثباتها على براهين نظرية أو خيالية، وإنما تعتمد على حقائق جغرافية ملموسة موجودة فعلاً على الأرض، فهي براهين عملية ثابتة. وسأنقل النظرية لحضرات القراء ملحقاً كل نقطة بالتفسير الكافي وذلك لخطر الموضوع الذي نبحث فيه وخطر النتيجة التي تنتج عن إثباتها علمياً. قال صاحب النظرية: (هناك على سطح الأرض منخفضات لم تغمرها المياه بعد، من أهمها ذلك المنخفض العظيم الذي يقع فيه بحر الكاسبيان الذي يفصل وسط وشرق آسيا عن أفريقيا وأوربا، والذي غمرته المياه في العصور الحديثة. إذا علمنا هذه الحقيقة الجغرافية وعرفنا أن هذا اتصال بالمنخفضين اللذين تغمرهما مياه المحيطين الأطلسي والهادي سهل علينا أن نفهم أو نعرف كيف أن شكل الأرض يبعد عن الكروية بالتدريج مقترباً نحو الشكل في هذه النقطة يمهد صاحب النظرية الطريق للفكر لتسوغ نظريته، وذلك بإلقاء حقائق جغرافية ثابتة يرى أنها تساعد على فهم نظريته إذا ما أراد البرهنة عليها. وهاهو ذا بعد ذلك يريد أن يعلل سبب اتخاذها الشكل الهرمي دون سواه مستعيناً في ذلك بحقائق جغرافية أخرى. فيقول:

стр. 4517

(باطن الأرض لا زال حاراً منصهراً يبرد بالتدريج، وهو يقل حجماً بالبرودة. ولما كانت القشرة الأرضية صلبة لا يمكنها تقليل حجمها تبعاً لذلك فإنها تتقلص وتغير من شكلها تبعاً لانكماش باطن الأرض فتتخذ الشكل الهرمي). أي أن باطن الأرض حارٌّ ملتهبٌ منصهر، ولكنه يبرد بالتدريج، فسيجيء وقت مستقبل يصل فيه إلى أقص درجة، أي لدرجة التجمد، وعندها يقل حجمه تبعاً لقانون الانصهار. وبما أن الحيز الذي كان شاغلاً له قبل التجمد سيكون جانب كبير منه بعد ذلك شاغراً، فان القشرة الأرضية أو الغلاف الخارجي سيضطر بفعل الفراغ الداخلي أن يغير من شكله لملئ هذا الفراغ مع عدم تغير في حجمه. وقد وجد الأستاذ صاحب النظرية أن الأرض سائرة في هذه الطريق، وأنها ستتخذ الشكل الهرمي دون سواه لحقائق جغرافية تبرهن على صدق قوله وصحة اعتقاده. ولظنه أن هذا الشكل يمكن القشرة الخارجية من التمشي مع وصول الباطن إلى اقل حجم ممكن دون المساس بحجم الغلاف الخارجي. (ولو أنني أعرف جيداً أن المعضدين لهذه النظرية أقلية صغيرة إلا أنني أقول إن هناك حقائق جغرافية كثيرة تؤيد وجهة نظري وتبرهن على صحة نظريتي: أولاً: تركز اليابسة حول مساحة مائية في النصف الشمالي من الأرض. ثانياً: كل مساحة مائية في جهة يقابلها كتلة أرضية في الجهة الأخرى. ثالثاً: وجود ثلاثة مناطق مرتفعة تكون عقداً أو أحزمة أرضية شمالية وجنوبية يفصل بعضها عن بعض منخفضات هي منخفضات المحيط الأطلسي والهادي ومنخفض الكاسبيان. والشكل رقم (١) يساعدنا على فهم ذلك. وتفسيراً لذلك نقول. أنه لما كانت الأرض في حالة الليونة الأولى وكانت تدور حول محورها بسرعة، أخذت الشكل الكرويكأي جسم لين يدور حول محور، وانبعجت عند خط استوائها ثم تفرطحت عند القطبين بفعل قوة الدوران. وكانت الأرض في العصر الأيوزوي أقرب في شكها من الكروية التامة تغطيها المياه. فلما أخذت تبرد بدأت القشرة الخارجية في التقلص فظهرت أراضٍارتفعت عن المياه المغطاة بها (شكل ٢ أ). وفى العصر ألباليوزوي مساحة اليابس تتزايد وأخذت الأرض

стр. 4518

شكلاً كما يقول العلماء عبارة عن هرمين غير كاملين متصلين ببعضهماوكانت الأحزمة أو الكتل الأرضية بدلاً من اتجاهها من الشمال للجنوب (مثل الأمريكتين) كما هو حادث الآن. متجهة من الشرق إلى الغرب. وكانت عبارة عن كتلتين أو حزامين كما يطلق عليهما إحداهما شمالاً والآخر جنوبا يفصل سطحيهما مساحة مائية عظيمة. ولما كانت الأرض لازالت آخذة في البرودة بالتدريج فان الكتلة الجنوبية قد بدأت في الانكماش وكادت تختفي، وأخذت الأرض تسير نحو تكوين شكل هرمي واحد هو تكملةللكتلة الأرضية الشمالية (شكل ٢ جـ) هذا هو شرح صاحب النظرية لفكرته وهو شرح واضح وافٍ نعرف منه أن الأرض التي نعيش عليها سائرة في طريقها إلى تكوين شكل هرمي. وقد يعترض معترض فيقول لم لا تأخذ الأرض أي شكل آخر غير هذا الشكل الهرمي؟ ولم كان هذا الهرم مقلوب الوضع، أي أن قاعدته من أعلى. وردي على ذلك بسيط للغاية. لأن الحقائق الجغرافية والخرائط التي أمامنا يظهر عليها أن اليابس يتركز في الجزء الأعلى، وأنه من الممكن جداً أن ندخل شكل اليابس داخل أضلاع المثلث. وهذه الظا هرة إن دلت على شيئ فلا أقل من أن الجزء الأعلى يكون القاعدة. ثم إن هناك نقطة أخرى وهي أننا نلاحظ جميعاً أن القارات الجنوبية ينتهي أغلبها بأشكال مدببة، فأمريكا الجنوبية وأفريقيا وأستراليا بمجموعة جزائرها تكون أشكالاً تنتهي بمدببات، ومن جهة أخرى فأن الشكل الهرمي كما سبق ذكره يمكن القشرة الأرضية من التشكل تبعاً لنقص حجم باطن الأرض بالبرودة دون أي مساس بحجمها هي. وفي قوله هذا شرح أو رد للاعتراض الثاني أي أن شكل الأرض الآن على ماهي مرسومة عليه في الخرائط يبين أن القاعدة من أعلى لا من أسفل. وفى هذه النظرية يقول البروفسور و. هـ. هوبز ما معناه (إن الكرة الأرضية لا يمكن أن تعتبر بأي حال من الأحوال كرة تامة التكوير إذ لابد من أن تعاقب العصور الجيولوجية المختلفة قد أثر في شكلها التأثير البين وحور فيه. وهي تقترب في الوقت الحالي نحو الشكل الهرمي. ويجب ألا ننسى أن الزوايا الحادة قد استدارت، وأن الشكل الهرم قاعدته من أعلى، يبرهن لنا على صحة ذلك رحلتا نانس أولا، وبيري ثانيا، إلى القطب الشمالي إذ أثبتت وجود كتلة أرضية في الشمال يزيد ارتفاعها على ١٠ آلاف قدم عن سطح البحر

стр. 4519

يمكن اعتبارها أكبر مساحة أرضية على سطح الأرض إذا ما ضمت إليها مساحة ثلاجاتها وجزرها.) هذه هي النظرية أقدمها لحضرات علماء الجغرافيا في مصر راجياً الإدلاء برأيهم فيها. على أنه يجدر بي أن أذكر أن هذا التغير والتطور في شكل الأرض هو تغير تدريجي، بطيء يحتاج لآلاف السنين، وأنه لذلك يمكن اعتبار الأرض التي نعيش عليها كروية أو قريبة للكروية ولو أنها في الحقيقة سائرة في طريقها إلى تغيير شكلها الذي نعرفه.

стр. 4520

القصص الدون جوان لموليير العظيم ترجمة حامد اسعد محمد الفصل الرابع. المنظر الثاني (الدون جوان أحد فقراء الأشراف الفرنسيين. يغلق بابه دائما في وجه الدائنين. يحضر المسيو ديمانش بائع الملابس والخائط وهو أحد دائني الدون فيطلب مقابلته) الخادم زجانارل: سيدي. قد حضر المسيو ديمانش وهو يريد التحدث إليك. الدون جوان: دعه يدخل. إن التهرب من مقابلة الدائنين لا يجدي نفعاً. سأعمل جهدي لاستقباله استقبالاً حسناً دون أن أدع له فرصة الطالبة بدينه (يدخل المسيو ديمانش) الدون جوان: أهلاً وسهلاً بالمسيو ديمانش. كم أنا مسرور برؤيتك. وكم أنا آسف لأن الخدم تركوك تنتظر في الخارج أكثر مما ينبغي. ولكن معذرة، إذ أنني أمرتهم بعدم دخول أحد، ولكن هذا لأمر طبعاً لا يسرى عليك فان لك الحق أن تحضر دائماً دون أن يمنعك أحد. المسيو ديمانش: سيدي. أنا عاجز عن شكرك. لقد حضرت لـ. . . . (يقطع الدون جوان عليه حديثه فينادي خادمه) (الدون جوان: اسرع باحضار كرسي (فوتيل) للمسيو ديمانش. المسيو ديمانش. سيدي. لا داعي (للفوتيل). إنني مستريح الدون جوان: لا. أبداً. يجب أن تجلس بجانبي. المسيو ديمانش: لا ضرورة لذلك. لقد أتيت فقط لـ. . . . . (يمنعه الدون جوان إبداء الغرض من زيارته له فيقول للخادم) الدون جوان: خذ هذا الكرسي الصغير وأسرع بإحضار (فوتيل) المسيو ديمانش: سيدي أنت تهزأ بي. لقد جئت لـ. . . . الدون جوان: لا. لا أقصد السخر منك. إنني أود أن أستقبلك كما يليق بك. وأود ألا أجعل

стр. 4521

هناك فرقاً بيني وبينك.! المسيو ديماننش: سيدي. . . . الدون جوان: تفضل بالجلوس. المسيو ديمانش: لا ضرورة للجلوس يا سيدي. أريد أن أقول لك كلمة فقط. لقد حضرت لـ. . . . الدون جوان: تفضل بالجلوس. المسيو ديمانش: لا ضرورة لذلك يا سيدي. إني مستريح كذلك. لقد حضرت لـ. . . . الدون جوان: لا. لا. لن أستمع إليك حتى تجلس. المسيو ديمانش: سيدي. سأفعل ما تريد. لقد حضرت لـ. . . الدون جوان: ما شاء الله يا مسيو ديمانش. إن صحتك جيدة جداً!! المسيو ديمانش: نعم يا سيدي. أنا في خدمتك. لقد حضرت لـ. . . . . . الدون جوان: إنك في صحة حسنة حقاً. وجهك متورد. وعيناك يلمع فيهما بريق القوة. المسيو ديمانش: أنا شاكر لعطفك يا سيدي. لقد حضرت لـ. . .! الدون جوان: كيف حال مدام ديمانش زوجك؟ المسيو ديمانش. نحمد الله، إنها في صحة جيدة يا سيدي. الدون جوان: إنها امرأة طيبة القلب حقاً. المسيو ديمانش. إنها خادمتك يا سيدي. لقد حضرت لـ. . . الدون جوان. وكيف حال ابنتك كلودان؟ المسيو ديمانش: إنها على احسن حال يا سيدي. الدون جوان: كم هي جميلة وذكية. إني أحبها من كل قلبي المسيو ديمانش: انه لشرف عظيم لها يا سيدي. لقد حضرت لـ. . . الدون جوان: وطفلك كولان. ألا يزال يكثر من ضوضائه؟ المسيو ديمانش: نعم يا سيدي. لقد حضرت لـ. . . الدون جوان: (ضاحكا) وكلبك (برسكيه) لا يزال يعض كل من يزورك؟! المسيو ديمانش: اكثر من قبل يا سيدي. ولكني جئت لـ. . . . .

стр. 4522

الدون جوان: لا تعجب من كثرة اسئلتي عن أسرتك فإنني أحبها كثيرا وأود سماع كل ما يتعلق بها. المسيو ديمانش. إننا عاجزون عن شكرك يا سيدي. لقد. . الدون جوان: (يقف ويمد يده لمسيو ديمانش مشيراً بذلك إلى أن المقابلة انتهت) ضع يدك في يدى كصديق المسيو ديمانش. إني خادمك يا سيدي الدون جوان: يا إلهي! كم أنت رقيق وظريف. إني أحبك كثيراً المسيو ديمانش: انه لشرف عظيم يا سيدي. لقد حضرت لـ. . . الدون جوان: إني على أتم استعداد لعمل كل ما تريد. المسيو ديمانش: سيدي. لقد أحسنت إلي كثيراً. الدون جوان. وكل هذا بدون مقابل المسيو ديمانش: إني لا أستحق كل هذا العطف. ولكنني حضرت لـ. . . . . الدون جوان: العفو يا مسيو ديمانش. هلا شرفتني بتناول العشاء معي هذه الليلة؟ المسيو ديمانش: شكراً لك يا سيدي. يجب أن أرجع إلى منزلي في الحال. لقد جئت لـ. . . . . الدون جوان: (يقف ويمد يده للمسيو ديمانش إشارة إلى أن الأخير يجب عليه أن يستأذن في الانصراف) أسرع يا زجانارل وأحضر المشاعل لتوصيل المسيو ديمانش. وخمسة من خدمي بأسلحتهم لحراسته أثناء رجوعه إلى منزله المسو ديمانش: (يقف أيضا مضطراً) سيدي. لا ضرورة لكل ذلك. يمكنني الرجوع وحدي، ولكنني جئت لـ. . . . (يأتي الخادم في الحال ويأخذ الكرسي الذي كان يجلس عليه المسيو ديمانش) الدون جوان: كيف لا يا سيدي وأنا خادمك أو بالأحرى مدينك؟ المسيو ديمانش: (تنبسط أسارير وجهه ويقول) آه. سيدي الدون جوان: انه فضل لا يمكن أن أخفيه. وإني لأعترف به أمام جميع الناس.

стр. 4523

المسيو ديمانش: شكراً. إذاً لقد حضرت لـ. . . . . الدون جوان: ألا تتنازل بالسماح لي بأن أوصلك؟ المسيو ديمانش: سيدي. انك تهزأ بي. سيدي لقد. . . . الدون جوان: ضع ذراعك في ذراعي إذا تفضلت. أود أن تكون على ثقة من أنني خادمك. وإني على استعداد لأبذل لك كل غال ونفيس (يخرج المسيو ديمانش ويوصله الخدم إلى بيته) حامد أسعد محمد عاشور

стр. 4524

قصة في رسائل سعادة لم تتم بقلم عبد الوهاب الخطيب صديقي: تسألني ما بالك كثير الإطراق، دائم التفكير، حائر البصر، مشرد اللب، بادية عليك علائم السقم؛ كأنك تعالج كتمان أمر في نفسك شديد على لسانك إعلانه. أو تشكو داء لا قبل لمثلك باحتماله. وتعلم يا صديق أنني كنت قبل ذلك كنت مرحاً غاية المرح، طروباً نهاية الطرب؛ وأنني كنت في مرحي وطربي لا أخرج عن كوني شاباً سعد حقبة من الزمان بالأمل الباسم وعين الزمان نائمة - والأمل جذوة الشباب وشعلته، وروحه وقوته، ومرحه وطربه، ولهوه ولعبه - فكنت بما بين ضلوعي من أمل أجري مع الشباب إلى تلك الغاية التي رسمتها لنفسي، مستسهلاً في سبيلها وراء الأمل كل صعوبة أمام الشباب، حتى إذا كنت من آخر المضمار قاب قوسين أو أدنى، فتح الدهر عينيه، ثم تثاءب وتمطى، ثم التفت إلي ونظر نظرة أنت تعلم ماذا كان وراءها! يا ويحي!! لقد تأنق في مكروهي القدر، أخ في الورد من أيامه بالورد عثر، وعم ظلله المشيب ففر منه ونفر، وأمل علىآثارهما تحطم واندثر. ثلاثة أشباح كانت صروح سعادة ومنتديات أحلام، لم يفارق العين خيالها، ولم يهدأ القلب من طعناتها، ولم أفتأ اذكرها من حين إلى حين. قلت قضاء حُمَّ، وأمر من الله نفذ، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، واستعنت الله على هذه النوازل فأعانني، واستهديته فهداني. وإن كانت في القلب جمرات من الأسى، مغطاة برماد من الصبر خفيف ضئيل. ولبثت على ذلك برهة كانت أقصر من عمر آمالي وسنات أحلامي، لم أشعر فيها بشيء من معاني الحياة، الهم إلا بذكرى في قلبي تتمثل، وخيال أمام عيني يتنقل. وكنت مع ذلك أرى كما يرى الناس، وأسمع كما يسمعون، أسير كما يسيرون. غير أني كنت انظر بعينين فيهما انكسار من بقايا آثار المدامع، وأسمم بأذنين فيهما رنين من صدى تلك الفجائع، وأمشي على قدمين يؤودهما حمل هذا الهيكل السقيم الناحل المتهدم، مشى من حنت ظهره السنون، وأثقلت كواهله الليالي والأيام!!

стр. 4525

ثم رأيتها لأول مرة، وقد ألقى عليها بارىء النسم ثوبين ضافيين من جمال وجلال، فأحسست نحوها بحنان كأنه رقة العشق، سرى في دمي سريان الكهرباء في أسلاكها، ومكثت طول يومي أفكر فيما سيصير إليه أمري بعد تلك النظرة التي كانت توفيق أقدار لأقدار. يا لله يا صديقي! لشد ما ملكتإحساسي وشعوري في المرة الثانية، والقلب الهواء تجد فيه كل غيداء فراغاً لها. وكان قلبي لا يزال واقفاً على أطلال الأمل، يندب شجوه ويبث لوعته. فنظر إليها نظرة كنظرة إبراهيم في النجوم وقال إني سقيم. وكأنما، أرادت أن تداويه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر، فرنت إليه بنظرة جمعت شعبه ولمت شتاته، وأطفأت لهبه وأحيت مواته، فالتفت في مثل انكسار جفونها، ورفعالراية بالإذعان في شكر، والتسليم في طاعة. ثم كان بعد ذلك ما كان. أخذ فكرى يسبح رويدا رويداً في ملكوت لا نهاية له من الخيال وراء هذه الظاهرة الغريبة التي ملكتني، وأصبحت أشعر بحياة جديدة فيها معنى حائر بين سعادة لا نهاية لها، ذلك أني احتويتها في جوانح القلب، واتخذت من عبقري جمالها ريشة لعبقري خيالي، فكان لا يرتسم في ذهني معنى إلا وفيه من حسنها مثال، ولا يقع نظري على شيءإلا وفيه منها رونق بهجة أو شعاع جمال، تلك سعادة علوية ساحرة قاهرة، تغطي على كل سعادة في الأرض لتظهر هي في صورتها البديعة اللطيفة فتنة لمن يراها أو يحس بها من الناس أجمعين. لا أستطيع يا صديقي أن أصفها لك، فهي روح، والروح لا توصف، وهي حياة، والحياة لا يمكن إنسانا في الوجود تكييفها، وهي مع هذا وذاك سر لا يدركه غيري، ولا يحسه أحد سواي، وكل ما أستطيع أن أقوله لك إنها مشرقة الطلعة، معتدلة القامة. مطمئنة السير، فيها لمحات محدودة من الإنسانية العالية السامية. هبطت بها إلى هذا الملأ الذي نعيش فيه كدليل حسي على أسمى مراتب الجمال وأتم مظاهر الجلال. لقد مضت علي يا صديقي مدة تزيد على ثمانية عشر شهراً، لم أحاول فيها أن أطرق سمعها - على قربها مني - بكلمة واحدة تفهم منها ما يكنه قلبي من الحب لها والوجد بها، وكم تمنيت أن أسمع من فمها الرقيق الساهم الحالم كلمة واحدة،

стр. 4526

فلم أجد إليها من سبيل، كما أني لم أملأ منها عيني حياء وخجلا، واكتفاء بصورتها المرسومة في حبة القلب وفوق صفحات الخيال، على أن طريقي كانت تتحول تبعاً لها على غير قصد مني، حتى إذا لم يكن من توديعها بالنظرة بد، وضعت يدي على صدري كمن يتلمس شيئا فقده، وما فقدت إلا قلباً تقطر كالدمعة الحمراء من بين أهداب الجفون. لا يزال صولجان المقادير يقذف بقلبي في واد من الذكريات القديمة ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب، كلما طال علي الأمد في لقائها، والآن يا صديقي وقد مضت علي مدة تزيد على شهرين لم المحها فيها لمحة واحدة، أقول لك إن هذا هو سر إطراقي وتفكيري، فلا تسألن عن شيء بعدها حتى أحدث لك منه ذكرا. ٢١ - ٧ - ١٩٣٢ صديقكجمال صديقي: أوقد فعلتها؟ يا قلبي!! ما كان أحرصني على الاحتفاظ بالسر وكتمانه، لولا أنني أعتقد أن لي من قلبك وإخلاصك ووفائك ما يجعلني أستريح إلى أن أبوح لك (في شيء من التحفظ كثير وبعد مضي زمن على كتمان هذا السر طويل) بما كنت أقاسيه أناء الليل وأطراف النهار من لواعج قلبي، وزفرات أنفاسي ودموع عيوني، ولكن غفر الله لي ولك يا صديقي ما تقدم من ذنبنك وما تأخر، فان هذه القلوب الطاهرة البريئة، المكتهله في شبابها، الرزينة في حبها، لا يمكن أن تتصل في يوم من الأيام بغير ما يماثلها شرفا وطهرا، ورزانة ونبلا. ولئن وقع خطابي في يد غير يدها، ورأته عين غير عينها، وطرقت نبراته الحزينة سمعاً غير سمعها لخطأ في الاسم كما يقال، فانني لسعيد مغتبط، هنئ ملئ قرارة نفسي وطوايا فؤادي، ذلك أن خطابي وقع في يد شريفة وعند قلب ذي إحساس سام، يعرف المعنى المرتسم فيه كما أريد، وأغلب الظن أن الله قد يهئ لي من أمري هذا رشداً. ولعله يكون قريباً والسلام. ١٤ - ٩ - ١٩٣٢صديقك جمال عزيزتي: عبثا كنت أخادع قلبي بالسلو عنها أو الإفلات من براثن حبها بعد أن جاءني خطابك

стр. 4527

الأخير، فإنها لم تدخل قلبي إلا بعد أن صهرته آلام الحياة وأحزانها، وأصبح نقيا شديد الإيمان بقضاء الله وقدره، صادق الإحساس بما يجري حوله في الحياة من مظاهر خادعة وأخرى مخدوعة، مطمئنا إلى الحياة من حيث هي وجود ناقص أحياناً وتام أحيانا، عالماً أن لكل شيء نهاية لابد وأن ينتهي إليها ولقد أيقنت من يوم أن أحسستها تجري في دمي أن الله قدر لي أن أحبها، فأحببتها لنفسي، وأحببتها لأن الله أراد ذلك، وكان قلبي صادق الحس بها، فلم تكن خادعة ولم يكن مخدوعاً، وكان وقوراً حكيما فاكتفى بأن يحبها هو من غير أن يتساءل ما هي ميولها نحوه؟ وهل تعلم أن في العالم المحيط بها قلبا يرفرف عليها في غدوها ورواحها، في مسائها وصباحها، في يقظتها ومنامها، في دمعتها وابتسامتها؟ ومن هو صاحب هذا القلب؟ وبعد ذلك اطمأننت إلى أن الحياة من حيث هي وجود ناقص، هي تلك الساعات التي لا تجرى فيها المدامع من شوق، ولا تسيل فيها النفوس من ذكريات وحنين، وأيقنت بعد هذا وذاك أن الحب كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، ولا يقال في نقطة منها إنها نهاية إلا قيل في نفس الوقت إنها بداية لقد ذهبت بك الظنون كل مذهب في أمري، بل أيقنت أنك قد أصبت المرمى حين أرسلت إلى خطابك المفوق، وإني أقول لك بلغة يقطر منها الشكر إن خطابك كان فيه الشفاء لقلبي من الناحية التي تريدينها، وإني ما سكت هذه المدة إلا لأختبر قلبي واستشير عقلي، أما القلب فلم يجد عنها حولا، وأما العقل فأشار بأخذ رأيك فيها من جهة ميولها نحوي، فان كنت عندها شيئاً فابسمي يا دنيا، وأشرق يا أمل كنت في بعض الأيام اراها، فيحترق قلبي من الشوق إليها وهي أمامي، ولا يكاد نظري يلتقي بنظرها حتى ينقلب إلى خاسئاً وهو حسير، وكنت أستجمع قواي كلما رأيتها لألقى إليها بالتحية في فيحتبس لساني من العي - لا طبيعة فيه ولكن جلالا لا أدرى له مدى، وجمالاً لا أعلم له غاية، وسحراً بين هذا وذاك قوياً شديداً، كانت ثلاثتها تقيد لساني عن النطق تقييداً أعتبر نفسي منه في حد من السعادة محدود - ولقد كان الجو المحيط بنا يمرح في عبق من أنفاسها وتحايا قلبي، غير أنها كانت كالزهرة تفوح رائحتها عند الصباح، وكان قلبي كعود الصندل، كلما لا

стр. 4528

مستهالنار فاح. مرت تلك الأيام كالأحلام الكبرى لذيذة مستعذبة، قصيرة كالنظرة، طويلة كالعبرة، وخلفتها أيام أعاني من مرها ما أعاني! فلقد سافرت إلى البلدة لقضاء بضعة أيام هناك، وكأنما كانت الأسقام مني على ميعاد: يا ويح أهلي يروني بين أعينهم … على الفراش ولا يدرون ما دائي ومكثت هناك بدل سبعة الأيام التي صرح لي بها سبعة عشر يوماً. ثم عدت إلى القاهرة وفارقت الحي الذي ولد فيه هواي وترعرع، إلى حيث أنا الآن، وهأنذا ابعث إليكما منه وراء قلبي بتحيات كأضغاث الريحان لا تكاد تبلل بندى المدامع حتى تجفف، بزفرات الأنفاس، والسلام. فبراير سنة ٣٣ جمال صديقي: كتب أحد الحكماء إلى صديق له يقول (يا أخي إن أيام العمر أقل من أن تحتمل الهجر) وكنت قرأت فيما قرأت كلمة للامرتين يقول فيها (إن الحب القوي المطمئن صبور) فأنا بين هذين في حيرة، ترى متى أهتدي إلى سبيل؟. مارس سنة٣٤ جمال أختي سعاد: لماذا لا تكونين بجانبي في كل لحظة كما كنت من عهد قريب؟ أنا في شدة الشوق إليك وإلى سماع حديثك العذب الجميل، وكم أود أن أفضي إليك بسر يجيش به صدري ولا يمكن أن ينطلق به لساني لغيرك. كنت إلى الأسبوع الماضي فارغة الفؤاد، وكنت على أن أطلب إليك الحضور لأناقشك موضوعاً خطيراً قرأته ليلة أمس في رواية (مجنون ليلى) وهو لماذا حكم على ليلى بالموت قبل قيس؟ ألأنها كتمت حبها؟ إن كان الأمر كذلك فأني - خوفاً على حياتي الشابة - أقول لك يا عزيزتي - واثقة منك كل الوثوق - إنني بدأت أشعر بقلبي يميل رويداً رويداً إلى شاب كان يطالعني بعض الأحيان كئيباً حزيناً كأنه دفن

стр. 4529

قلبه بيده، رأيته على حالته تلك منذ ثلاثة أعوام، ويخيل لي أنه محب يكتم حبه أيضاً. ألا ما أسعد تلك الفتاة التي تتيح لها المقادير مثقال حبة من احترام هذا الفتى النبيل!! ضعي يا عزيزتي بجانب هذه الجملة سعادة من استولت، على قلبه كله. أرجو أن أراك يوم الخميس المقبل وإلى اللقاء. ٢ أبريل سنة ٣٤ أختك فتحية وفى عصر الخميس تلاقت الصديقتان في منزل فتحية هانم، وكان بيد الآنسة الزائرة إحدى جرائد المساء، فجذب نظر فتحية إليها صورة شاب غضير الشباب في صدرها فتناولت الجريدة من صديقتها ورأت الصورة ورأت تحتها ما يأتي: (المرحوم جمال الدين أفندي الموظف بوزارة المالية، علقته المنون وهو في بريق شبابه) فامتقع لونها وأدركتها حال شديدة من الذهول والحيرة، فأقبلت عليها صديقتها تسألها ما بها، فقالت لها وهي تشير إلى الصورة الضاحكة، والخبر المبكي: أمل لم يزدهر، وناشئة حب لم تبق، وسعادة مرجوة لم تتم! ثم ألقت في يدها مجموعه من الرسائل البالية، وقالت والدمع يسيل على خديها، ومرارة الأسى تجري على شفتيها: إقرئيعبد الوهاب الخطيب

стр. 4530

العدد ٥٤ - بتاريخ: ١٦ - ٠٧ - ١٩٣٤

стр. 4531

أحمد زكي باشا رحم الله زكي باشا ورضي عنه! لقد كان علَماً من أعلام هذا العصر، ورسولاً من رسل هذه النهضة! وأعلام هذا العصر ورسل هذه النهضة معلومون معدودون، لا تزيد فيهم المجاملة، ولا تنقص منهم المجافاة، ولكل واحد منهم ناحية من نواحي الإصلاح أشرقت فيها نفسه، وانتشر في جوانبها سناء. وهم يمتازون من النابغين والنابهين بأن لهم عقيدة فطرية قوامها الإيمان والعصبية، ورسالة روحية بلاغها الجهاد والتضحية. فمحمد عبده في الناحية الدينية، ومصطفى كامل في الناحية الوطنية، وقاسم أمين في الناحية الاجتماعية، وسعد زغلول في الناحية السياسية، وأحمد زكي في الناحية القومية؛ قد بلَّغوا جميعاً رسالات الفطرة على نحو ما بلغ المرسلون رسالات الوحي. نزلت على قلوبهم منذ الشباب الأول فجعلت عقولهم وميولهم ومواهبهم وقفاً عليها ودواعي إليها ووسائل لها؛ ثم لازمتهم في أطوار العمر، وحلت من نفوسهم محل الغرض من السعي والغاية من الحياة فزكي باشا منذ بلغ سن التكليف تمثل لعينه مثَله، واستعلنت في ذهنه رسالته: رأى العروبة لفظاً تغير مدلوله في الناس، وجنساً تنكرت معالمه في الأجناس، ولساناً فشا فيه الدخيل، وديناً تقول عليه الباطلُ، وأثراً عبث به الجهل، وتاريخاً تطرق إليه النسيان، وحضارة غض منها التعصب، وحقاً تجهم له البغي، وإرثاً تخطفته الغزاة، ووحدة مزقتها العوادي. وكان أول ما عانى من وسائل العيش معالجة الترجمة في الديوان، ثم تعليمها في المدرسة؛ فصرف جهده في تنقيح التراكيب الديوانية، وتصحيح الأعلام العربية، وتصويب الأخطاء التاريخية، ونَقْل ما يعلن محامد الإسلام إلى اللغة الفرنسية، ثم لا يسمع بمكرمة تروى لأمة إلا التمس الأولية فيها للعرب. فالصحف الفرنسية تذكر أن وفود المهنئين دخلوا على الرئيس (بوانكاريه) يهنئونه بالرياسة فما شكر أحداً بما شكر به الآخر، فيكتب في تلك الصحف نفسها ان الوزير أبن زيدون قد سبقه إلى ذلك في موقف حرج من مواقف العزاء؛ وتتبجح أوربا باختراع الطيارة فيثبت لها أن أبن فرناس أسبق من طار في الجو وأول من مات في سبيل الطيران؛ وتشيد أمريكا بعبقرية (كولمب) فيقول لها إن العرب أول من فطن إلى وجدودها وسعى لكشفها ثم اتسع أمامه أفق الجهاد فاستشرقت نفسه إلى إحياء ثقافة العرب ونشر حضارة الإسلام، فحج الأندلس وزار العواصم الأوربية، ينقب عن نوادر المخطوطات ونفائس المطبوعات

стр. 4532

ينسخها أو يصورها أو يشتريها لا يدخر في سبيل ذلك جهداً ولا ثروة. ثم لابس المستشرقين دهراً مليَّا، يفيدهم ويفيد منهم حتى ثقف مناهج البحث، وحذق أصول التحقيق، ومهر طرائق النشر، وأصبح لهم مرجعاً وفيهم حجة فلما اعتزل المنصب الحكومي تسايرت قواه وهواه إلى خدمة الأمة العربية، فوفد على ملوكها، وسفر بينهم بالصدق والألفة، حتى أذهب الموجدة، ومهد لتوحيد الكلمة ثم جرد لاستقراء الدقائق واستجلاء الحقائق نشاط الصبي، وعزم الشاب، وصبر الرجولة، فشغل الصحف بالمقالات والمناظرات، وعمر الأندية بالخطب والمحاضرات، وأحيا المجالس بالملح والمحاورات، وفي كل يوم يعتكف الساعات الطوال في مكتبته الجامعة يحرر مسألة، أو يحضّر إجابة، أو يحّبر مقالة، أو يصحح تجربة، حتى إذا فرغ من ذلك كله رجع إلى بيته، فوجد ناديه قد حفل بزواره وسماره من رجالات العرب والمسلمين الطارئين على مصر، فينشر عليه الأنس، ويفيض فيه الكرم، ويبث خلاله المعرفة، فكانت حضرته كحضرة الصاحب بن عباد، مصدر العوارف والمعارف، ومثابة القصد من كل قطر وطبقة ثم أسلم وجه إلى الله في عهده الأخير، فجعل همه وعزمه حبساً على إنشاء مسجده وبناء قبره. فكنت تراه لا يفكر إلا في هذا المسجد، ولا يعمل إلا له، ولا يتحدث إلا عنه، ولا ينفق إلا عليه، ولا يُبرد البُرُد ويرسل الرسل إلا في شأنه. فلو لم يعجله الموت عنه لتركه قطعة خالدة من الفن العربي ثقافة زكي باشا ثقافة الأديب، فهو محيط بكل شيء، ولكنه غير راسخ في شيء؛ وذوقه ذوق الفنان، فهو أنيق في ملبسه، أنيق في مأكله، أنيق في مسكنه، أنيق في نشر مقالة، أنيق في طبع كتابه؛ وخلقه خلق العالم، فهو متطامن النفس، عذب الروح، حلو الفكاهة، سليم الصدر، يذهب في السذاجة إلى حد العُجب، ويخرج من تقرير مجهوده في العلم إلى التفاخر به وكان تصوره وتصويره عربيين خالصين على رغم تضلعه من الفرنسية، وإلمامه بالآداب الأوربية: فتفكيره استطرادي لا يعني بالوحدة، ولا يحفل كثيراً بالتناسق، وأسلوبه أندلسي يتصيد السجع، ويلتمس ألوان البديع، ومرجع ذلك إلى اعتقاده بعربيته، واعتداده بشرقيته،

стр. 4533

واعتماده في تكوين نفسه على أدب أمته إن رسالة الفقيد الكريم كانت ضرورة من ضرورات الإصلاح في عصر قضى الله أن يبعث فيه مجد العرب ليحيا من حيّ عن بينة، فان نهوض الأمة على تاريخ طامس، وأثر دارس، ولغة معجمة، وهيكل منحل، يكون أشبه بنهوض الكسيح لا يقوم إلا ليقع وقد لخص الفقيد رسالته أجمل تلخيص في ثلاثة أبيات من الشعر أنشأها ثم جعلها زخرف داره، وصورة شعاره، ومرجع حديثه. وهي: وقفت على أحياء قومي يراعتي … وقلبي وهل إلا اليراعة والقلب ولي كل يوم موقف ومقالة … أنادي ليوث العرب ويحكموا هبوا فإما حياة تبعث الشرق ناهضاً … وإما فناء وهو ما يرقب الغرب ﵀ رحمة واسعة. وعوض العروبة والعربية والإسلام من فقده خير العرض. احمد حسن الزيات

стр. 4534

ما فعلت الأيام للأستاذ أحمد أمين عرفته بالإسكندرية منذ عشرين عاما، شاباً رقيق البدن، ضئيل الجسم، مسنون الوجه، شاحب اللون، أظهر مميزاته الرقة والتواضع والتدين. حيي الطبع، شديد الخجل، إن جلس في قوم اعتقل لسانه، وأطرق رأسه. وأرخى عينيه؛ وإن صدرت منه هفوة أو شيء ظنه هفوة، تمنى لو ساخت به الأرض، وظل يحاسب نفسه ويطيل تأنيبها، فآثر الانفراد وأخلد إلى الوحدة، واستأنس بالوحشة، فقلّت معرفته بالناس، وقلّت معرفة الناس به، لا يعرف من العالم إلا مدرسته التي يدرس فيها، وبيته الذي يأوي إليه، ومسجده الذي يتعبد فيه؛ فأما الحياة وشؤونها، وجدها وهزلها، وملاهيها وألاعيبها، فلا يدري منها شيئاً. لا يجلس في مقهى لأنه يخلُّ بمروءته، ولا يذهب إلى تمثيل أو سينما لأنهما لا يخلوان من امرأة سافرة، ولا يشتري شيئاً من بقال عنده لحم خنزير خوفاً من أن تكون سكينته التي يقطع بها الجبن والحلوى قد مست الخنزير، فلا يطهرها مسح، إنما يطهرها عسل سبع مرات إحداهن بالتراب؛ ويغض طرفه إذا سار حذر أن تقع عينه على امرأة. أعز شيء عليه في الوجود دينه، حياته كلها دين، ومثله الأعلى رجل ظهارته دين، وبطانته دين، تفتير عينيه في خشوع دليل على أنه قضى شطر ليله في عبادة ومناجاة، أسبل عليه الدين نوعاً لطيفاً من الرضى بالقضاء والقدر، فلا يأسى على فائت، ولا يجزع على ميت، ولا يستخفه الفرح لخير، ولا يغلو في الحزن على شر، راض بما كان وما يكون، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيْس، كل أحكامه صادرة عن دين، فالرجل الطيب من تدين، ورجل السوء من لم يتدين، ويستحيل على رجل أن يكون طيباً إذا شرب كأساً من خمر، أو لعب لعبة ميسر، أو ترك صلاة أو زكاة - يوفق دائماً بين أعماله في الحياة وأوامر الدين، إذا أراد الرياضة ذهب إلى سيدي بشر لزيارته، أو لسيدي جابر لصلاة الجمعة فيه، أو أخذ جزءاً من (الأحياء) وذهب إلى (طابية قايتباي) يخلو فيها بنفسه ودينه وكتاب الأحياء. وإن أراد أن يحفظ شيئاً من الأدب حفظ في نهج البلاغة لأنه يجمع بين البلاغة والدين، وإن عرضت فرصة في دراسته للغة العربية خرج من اللغة إلى الدين، وانقلب واعظاً لتلاميذه، حتى استطاع أن يكوّن منهم فرقة دينية تلتزم الصلاة

стр. 4535

والصوم وشعائر الدين. عرفته اتفاقاً، ولست أدري الآن سبب المعرفة وكيف كانت، وكل ما أذكره أني عرفته، وفي لمحة تحولت المعرفة إلى صداقة فحب، فكان من خاصة إخواني وأقربهم مودة إلى قلبي، يأنس بي وآنس به، ويفضي إلى بدخيلة نفسه وكامن أسراره، وكان حبي له مشوباً بعطف عليه ورحمة له، عطفي عليه ظرف فيه، وأرأفني به رقة حواشيه، وملأ نفسي رحمة عليه قسوته على نفسه وأخذه لها في كل شيء بالأشد الأحزم، قد ملك الدين عليه نفسه، فروّعه من كل نعيم خشية السؤال، وهوّل عليه كل لذة خوف العقاب، وغلبت عليه في كل تصرفٍ فكرة الموت مخافة ما بعده، إن قال له قائل (ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم). على كل حال نعمنا بالصداقة حيناً تساهمنا فيه الوفاء، وتقاسمنا الصفاء، أسافر إلى الإسكندرية فأرى أول واجب علىّ أن أزوره، ويحضر إلى القاهرة فيرى أول واجب عليه أن يزورني، وأكتب اليه، ويكتب إلىّ، ثم عفَّى الزمان على الصداقة ففترت حرارتها، وخمدت جذوتها، لا لسبب إلا أن الصداقة ككل حيّ إذا لمُ تغذ دائماً بالمقابلة والمكاتبة أسرع إليها الذبول فالفناء. ثم دارت الأيام دورتها، وتعرفت في الإسكندرية بإنسان جديد، فإذاهو صديقي القديم، هو في هذه المرة بدين بطين، مطهم الوجه، ريان السواعد؛ كنت في أيامي الأولى أقرأ في أرنبة أنفه وصفاء جبهته آيات السذاجة والإخلاص، وكنت أرى في وجهه وجلسته عزوفاً عن الدنيا، وزاهداً في الاستكثار منها، ورضى بميسورها؛ وكنت ألمح في فتور عينه حياء العذراء وخجل المخدرات؛ وكنت أرى في نبرات صوته وحركات جفونه ونظرات عينه ديناً وورعاً، فإذاكل ذلك قد استحال كما يستحيل الماء إلى ثلج، علمت أنه قد ورث من أبيه فأثرى، وسمحت لي الظروف بمخالطته فأدهشني ما رأيت من تغير وانقلاب - رأيته وقد أماط عن وجهه قناع الحياء، وخلع ربقة الحشمة، يداخل الناس ويمازجهم، حسن الصحبة، جميل العشرة، يضرب بسهم وافر في المفاكهة والتنادر، جيد القصص، حسن الحديث، لا يأنف من حديث فاجر إذا كانت فيه نكتة حلوة، كثرت أصحابه على اختلاف منازعهم وطبقاتهم، وهو عند كل جماعة منهم قطب الرحى، يمتزج بأرواحهم ويتصل بقلوبهم، خبير

стр. 4536

كل الخبرة بأندية اللهو وما إليها، يعرف جد المعرفة برامج السينما في كل أسبوع، وما يمثل من روايات في كل فصل من الفصول، وعنده الخبر اليقين عن كل مغن ومغنية، وفنان وفنانة أتت من مصر إلى الإسكندرية تغني أو تمثل، ذهب عنه خفر عينيه وأصبح يتعشق الجمال ويتتبعه، ويحملق فيه ويشتهيه، حلت المسائل المالية جزءا كبيراً من عقله فهو كثير التفكير فيها، له ديون وعليه ديون، وله قضايا وعليه قضايا، وله دفاتر حساب دقيقة، وله آمال مالية واسعة حادثته مرة، وكان أشد ما أريد استطلاعه منه أن أعرف حال دينه الذي كان يملك عليه قلبه وعقله، والذي كان يغمر حياته ويسيطر على كل خطوة من خطواته، فإذاعقله حر شديد الحرية في تفكيره، قد تحرر من كل قيد، يعجب بالمدنية الحديثة ويستلهمها الرأي ويستوحيها االنظر، ويتخذ عماد منطقه ومصدر حكمه على الأشياء ما يفعله الأوربيون وما لا يفعلون. قد يعارض ما يراه من ضروب المدنية مبدأ من مبادئ دينه فيظهر عليه نوع من الارتباك والحيرة، ويجمجم في القول ويتبين في قوله الاضطراب بين دين خالط لحمه ودمه شطراً من حياته، وبين عقل نزع إلى الحرية في آخر أيامه، ويشعر بثقل الموقف على نفسه فيجتهد في تحوير الحديث، وتغيير مجرى القول إلى حيث يسترد كامل رأيه، ومنتهى حريته - هذا عقله، وأما قلبه فدينه في رف من رفوفه، لم يملأه ولم يخل منه، لذلك حرت أن أسميه مؤمناً أو كافراً، ماشيته مرة على البحر فرآه جميلاً جليلاً، ورأى القمر يسطع عليه بنوره الساحر، فصاح هذا موضع سجود، فصلى على الرمل، ودعاني مرة إلى ملهى فكان فيه كمن لا يؤمن بحساب ولا عقاب، وهكذا تذبذبت حياته بين نزعة قديمة، ونزعة جديدة، ودين نشأ عليه، ولا دين مال حديثاً إليه، حينا يتحرك دينه الذي في الرف وينتعش حتى يعم قلبه، وحينا ينكمش وينكمش حتى لا يكاد يرى أو يحس حننت إليه لما بيننا من حب قديم، ولكن لست أدري لم لم تتأكد بيننا الصداقة في هذه المرة كما تأكدت من قبل أكان يعطفني عليه دينه وقد رق؟ أم كان يحني عليه ما فيه من ضعف - مظهره الحياء والخجل، وقد قوي فلا حياء ولا خجل، أم كانت تؤلف بيننا وحدة فتعددت، وأسلوب واحد في الحياة فتفرقت بنا السبل، لعله شيء من ذلك، ولعله كل ذلك، ولعله شيء غير ذلك، على كل حال تركته وبيننا ودّ دخله العقل فخف، وصداقة جال في

стр. 4537

نواحيها الفكر ففترت لقد خليته، وأنا أفكر في شأنه، لقد عاش شيخاً وهو شاب، وعاش شاباً وهو شيخ - عصى هواه صغيراً وأطاعه كبيراً، فليته ولد كبيراً ثم عاد صغيراً، وليت شعري هو في أي حاليه أسعد، أيوم فر من العالم إلى دينه، أم يوم فر من دينه إلى العالم؟ - انه ليمثل في حياته العالم خير تمثيل، موجة دين تتبعها موجة الحاد، وموجة روحانية تتلوها موجة مادية، وهكذا دواليك، وما أدرى أيقف صديقنا في تطوره عند هذا الحد، أم يعود سيرته الأولى، أم يختط مسلكاً جديداً لا هو هذا ولا هو ذاك؟ الله أعلم. أحمد أمين

стр. 4538

سمُوُّ الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم للأستاذ مصطفى صادق الرافعي - ١ - كان النبي ﷺ على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة، ولكنه كان بطبيعته فوق الاستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر ولا تناله المعاني النفسية التي تعلو بعَرَضٍ من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خَلّة تحدث هدما في الحياة فيرممها المال، ولا كان يتحرك في سعى ينفق فيه من نفسه الكبيرة ليجمع من الدنيا، ولا كان يتقلب بين البعيد والقريب من طمع أدرك أو طمع أخفق، ولا نظر لنفسه في الحسبة والتدبير لتدرّ معيشته فيحتلها ذهباً أو فضة، ولا استقر في قلبه العظيم ما يجعل للدينار معنى الدينار ولا للدرهم معنى الدرهم؛ فان المعنى الحيّ لهذا المال هو إظهار النفس رابية متجسمة في صورة تكبر على قدر من السعة والغنى؛ والمعنى الحي للفقر من المال هو إبراز النفس ضئيلة منزوية في صورة تصغر على قدر من الضيق والعُسرة. إن فقرهُ ﷺ كان من أنه يتَّسع في الكون لا في المال، فهو فقر يعد من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن، وهو خاص به، ومن أين تدبّرته رأيته في حقيقته معجزة تواضعت وغيّرت اسمها. معجرة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى، وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرناً، وهي اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله وسلم في صفة نفسه (إنما أنا رحمةٌ مُهْدَاة) نحن في عصر تكاد الفضيلة الإنسانية فيه تلحق بالألفاظ التاريخية التي تدل على ما كان قديما. . بل عادت كلمة من كلمات الشعر تراد لتحريك النسيم اللغوي الراكد في الخيال، كما تقول: السحاب الأزرق، والفجر الأبيض، والشفق الأحمر، والتَّطاريف الوردية على ذيل الشمس؛ وأصبح الناس ينظر أكثرهم إلى أكثرهم بأعين فيها معنى وحشيّ لو لمس لضرب أو طعن أو ذبح؛ وعملت المدنية أعمالها فلم تزد على أن أخرجت الشكل الشعري لإنسانها الغني ترفا ونعمة وافتناناً بين ذلك، من أيسر الحلال إلى الفظيع المتفاحش في الاباحة، فكأنما وضعت المدنية عقلاً في وحش، فزاغت فيه الطبيعة من ناحيتين؛ ثم قابلته بالشكل الوحشي لإنسانها الفقير، فكأنما نزعت عقلاً من إنسان، فضلت فيه الطبيعة من

стр. 4539

ناحيتين؛ وكان الأول سَرَف الهوى، وكان مع الثاني سَرَف الحماقة. وقد أصبح من تهكم الحياة بأهلها أن يكون الفقير فقيراً وهو يعلم أن صناعته في المدنية هي عَمَلُ الغِني للأغنياء. . . وأن يكون الغنيُّ غنياً وهو يعلم أن عمله في المدنية هو صنعة الفقر لضميره. وخرجت من هذا وذاك مسائل جديدة في فلسفة المعايشة الإنسانية التي يسمونها (الاجتماع)، فسؤال اسمه الاشتراكية يسأل القوة أن تجعل صاحب المال من ماله كالمرأة المطلقة من رجلها. . وسؤال اسمه الشيوعية يطلب من القوة أن تسلط على كل حيّ ما يجعله في قواه كصاحب الدار سلط عليه الطغيان فانقلبت داره سجنه، فهو يتألم من معنى نعمته بمعنى شقائه، ويكون أغيظ له أن روح السجن ليست شيئاً غير روح البيت؛ وسؤال اسمه العَدَمِيّة يأمر القوة أن تجعل الإنسان كالحيوان المُسْتَوْلِغ فيما يجده من طيب وخبيث لا يبالي ذماً ولا عاراً، وليس إلا أنه يعيش ليموت أكلاً ونوماً. . . هذا إلى أسئلة كثيرة لو ذهبنا نعدها ونصنفها لطال بنا القول وكلها عاملة على نزع الشعور العقلي من الحياة لتظهر أسخف مما هي، وأقبح مما كانت؛ حتى أصبحت الشمس تمحو ليلاً عن المادة وتلقى ليلاً على النفس، في حين أن الدين والإنسانية لا يعملان غير بث هذا النور العقلي في الأشياء والمعاني لتظهر الحياة مضيئة ملتمعة فتصبح أوضح مما هي في نفسها، وأجمل مما هي في الطبيعة. في مثل هذه النزعات المتقاتلة التي صعدت بالفلسفة ونزلت، وجعلت من العلم في صدر الإنسانية ملء سماء من الغيوم بسوادها ورعدها وصواعقها، وتركت العالم يضج ضجيجه المزعج في قلب كل حي حتى لتذاع الهموم إلى قلوب الناس إذاعة الأصوات إلى أسماعهم في (الراديو). . . في مثل هذا البلاء الماحق تتلفت الإنسانية إلى التاريخ تسأله درساً من الكمال الإنساني القديم تطِبّ منه لهذه الحماقات الجديدة، ولو علمت أن درس هذا العصر في علاج مشاكله الإنسانية هو (محمد) ﷺ الذي لن يبلغ أحد في وصفه الاجتماعي ما بلغ هو في قوله (إنما أنا رحمة مهداة) هذا المصلح الاجتماعي الأعظم يلقي فقره درساً على الدنيا العلمية الفلسفية، لا من كتاب ولا فكر، ولكن بأخلاقه وعمله وسيرته؛ إذ ليس المصلح من فكّر وكتب، ووعظ وخطب،

стр. 4540

ولكنه الحيّ العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه وتجعل له عمراً ذهنياً يكونُ مصَرَّفا على حكمها، فيكون تاريخه ووصفه هو وصف هذه الفكرة وتاريخها. وما كان محمد ﷺ إلا عمراً ذهنياً محضاً تمر فيه المعاني الإلهية لتظهر للناس إلهية مفسرة. وكل حياته ﷺ دروس مفنّنة مختلفة المعاني، ولكنها في جملتها تخاطب الإنسان على الدهر بهذه الجملة: أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. أي إذا كانت الحياة في الحقيقة فلا تكن أنت في الكذب، وإذا كانت الحياة في الرجولة البصيرة فلا تكن أنت في الطفولة النزقة؛ فان الرجل يعرف ويدرك فهو بذلك وراء الحقيقيّ، ولكن الطفل يجهل ولا يعرف الدنيا إلا بعينيه فهو وراء الوهم، ومن ثم طيشه ونزقه، وإيثاره كل عاجل وإن قلّ، وعمله أن تكون حياته النفسية الضئيلة في مثل توثب أعضاء جسمه، حتى كأنه أبداً يلعب بظاهره وباطنه معاً. . أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك. أي الحياة في ذاتك الداخلية وقانون كمالها، فإذااستطعت أن تُخْرج للأرض معنى سماوياً من ذاتك فهذا هو الجديد دائماً في الإنسانية وأنت بذلك عائش في القريب القريب من الروح، وأنت به شيء إلهي، وإذا لم تستطع وعشت في دمك وأعصابك فهذا هو القديم دائماً في الحيوانية، وأنت بذلك عائش في البعيد البعيد من النفس وأنت به شيء أرضي كالحجر والتراب. هنا، أي في الإرادة التي فيك وحدك، لا هناك، أي في الخيال الذي هو في كل شيء. وهنا، في أخلاقك وفضائلك التي لا تدفعك إلى طريق من طرق الحياة إلا إذا كان هو بعينه طريقاً من طرق الهداية والحكمة؛ وليس هناك، في أموالك ومعايشك التي تجعلك كاللص مندفعاً إلى كل طريق متى كان هو بعينه طريقاً إلى نَهْبة أو سرقة. هنا، في الروح إذ تشعر الروح أنها موجودة ثم تعمل لتثبت أنها شاعرة بوجودها، ماضية إلى مصيرها، منتهية بجسدها إلى الموت الإنساني على سنة النفس الخالدة؛ وليس هناك في الحس إذ يتعلق الحس بما يتقلب على الجسم فهو مهتاج لشعوره يوشك فنائه فلا يحدث إلا الألم إن نال أو لم ينلْ، هو منتهٍ بجسمه إلى الموت الحيواني بين آكل ومأكول على سنة الطبيعة الفانية. أيها الحي، إذا كانت الحياة هنا فلا تكن أنت هناك إن الحكيم الذي ينظر إلى ما وراء الأشياء فيتعرف أسرارها لا تكون له حياة الذي يتعلق

стр. 4541

بظاهرها ولا أخلاقه ولا نظرته، هذا الأخير هو في نفسه شئ من الأشياء له مظهر المادة وخداعها عن الحقيقة، وذلك الأول هو نفسه سر من الأسرار له روعة السر وكشفُه عن الحقيقة. ولهذا كان في حياة الأنبياء والحكماء ما لا يطيقه الناس ولا يضبِطونه إذا تكلفوه، بل ينخرق عليهم فيكون منه العجز، وينشأ من العجز الغلط، ويحدث من الغلط الزلل. ونظرة نبينا ﷺ إلى هذا الوجود نظرة شاملة مدركة لحقيقة اللانهاية، فيرى بداية كل شيء ماديّ هي نهايته في التوّ واللحظة، فلا وجود له إلا عارضاً ماراً، فهو في اعتباره موجود غير موجود، مبتدئ منتهٍ معاً. وبذلك تبطل عنده الأشياء المادية وتأثيرها، فلا تتصل بنفسه العالية إلا من أضعف جهاتها، ويجد لها الناس في حياتهم الشجرة والفرع والثمرة، وما لها عنده هو جذر ولا فرعِ. وبهذا لم يفْتِنه شيء ولم يتعلق بشيء، وكانت الدنيا تطول الناس وتتقاصر عنه، وكانت منقطعة النماء وهو ذاهب في نموه الروحي، وكأنما هو صورة أخرى من آدم ﵇، فكلاهما لمس بنفسه الحياة جديدةً خالية مما جمع فيها الزمن وأهله من طمع وشَرَه، وجاء آدم ليعطي الأرض ناسها من صلبه، وجاء محمد ليعطي الناس قوانينهم من فضائله، فآدم بشخصه هو دنيا بُعثت لتتسع، ومحمد بشخصه هو دنيا بعثت لتنتظم. وماذاُ يفهم من الفلسفة الأخلاقية النبوية العظيمة؟ يفهم منها أن الشهوات خلقت مع الإنسان تتحكم فيه لينقلب بها إنساناً يتحكم فيها، وأن الإنسان الصحيح الذي لمُ تزَوِّره الدنيا يجب أن يكون ذا روح يمتد فيفيض عن غايات جسمه إلى ما هو أعلى فأعلى حتى يصبح في حكم النور وانطلاقه وحريته، ولا ينكمش فيحصره جسمه في غاياته وضروراته فيرتدّ إلى ما هو أسفلَ أسفلَ حتى يعود في حكم التراب وأسره وعبوديته. فالفقر وما إليه، والزهد هو بسبيل منه، والانصراف عن الشهوات والرذائل - كل ذلك أن هو إلا تراجع النفس العالية إلى ذاتها النورانية حالاً بعد حال، وشيئاً بعد شيء، لتضئ على المادة فتكشف حقائقها الصريحة فلا تباليها ولا تقيم لها وزنا. فبينما الناس يرون الأموال والشهوات مادة حياة وعمل وشعور، تراها هي مادة بحث ومعرفة واعتبار ليس غير، وبهذا تكون النفس العظيمة في الدنيا كأستاذ المعمل، تدخل المادة إلى معمله وهي مادة وفكرة، وتخرج منه وهي حقيقة ومعرفة، وعلى أي أحوالها فهي إنما تُحس في ذلك المعمل بأصابع علمية دقيقة

стр. 4542

ليس فيها الجمع ولا الحرص، ولكن فيها الذهن والفكر، وليس لها طبيعة الرغبة والغفلة، ولكن طبيعة الانتباه والتحرّز، وليست في أسر المادة، ولكن المادة في أسرها ما شاءت. ولا يسمى فقرة ﷺ زهداً كما يظن الضعفاء ممن يتعلقون على ظاهر التاريخ، ولا يحققون أصوله النفسية، وأكثرهم يقرأ التاريخ النبوي بأرواح مظلمةٌ تريهم ما ترِي العينُ إذا ما اختلط الظلام ولبس الأشياء فتراءت مجملة لا تفصيل لها، مُفْرغة لا تبين فيها، وما بها من ذلك شيء، غير أنها تتراءى في بقية من البصر لا تغمرها. وهل الزهد إلا أن تطرد الجسم عنك وهو معك، وتنصرف عنه وهو بك متعلق؟ فتلك سخرية ومُثْلةَ، وهي في رأيي تشويه للجسم بروحه، وقد تنعكس فتكون من تشويه الروح بجسمها فليس يعلم إلا الله وحده: أذاك تفسير لإنسانية الزاهد بالنور، أم هو تفسير بالتراب. . . ولقد كان ﷺ يملك المال ويجده، وكان أجوَدَ به من الريح المرَسلة، ولكنه لا يدعه يتناسل عنده، ولا يتركه ينبت في عمله، وإنما كان عمله ترجمة لإحساسه الروحي، فهو رسول تعليمي، قلبه العظيم في القوانين الكثيرة من واجباته، وهو يريد إثبات وحدة الإنسانية، وأن هذا الإنسان مع المادة الصامتة العمياء مادةٌ مفكرةٌ مميزة، وأن الدين قوة روحية يلقىَ بها المؤمن أحوال الحياة فلا يثبت بازائها شيء على شيئيّته، إذ الروح خلود وبقاء، والمادة فناء وتحوُّل، ومن ثم تخضع الحوادث للروح المؤمنة وتتغير معها، فان لم تخضَع لم تُخْضِعْها، وإن لم تتغير لا تتغير الروح بها، وأساس الإيمان أن ما ينتهي لا ينبغي أن يتصرف بما لا ينتهي. وما قيمة العقيدة إلا بصدقها في الحياة، وأكثر ما يصنع هذا المال: إما الكذب الصُّراح في الحياة، وإما شبهة الكذب، ولهذا تنزَّه النبي ﷺ عن التعلق به، وزاده بعداً منه أنه نبيّ الإنسانية ومثلُها الأعلى، فحياته الشريفة ليست كما نرى في الناس إيجاداً لحلّ مسائل الفرد وتعقيداً لمسائل غيره، ولا توّسعا من ناحية وتضييقا من الناحية الأخرى، ولا جمعا من هنا ومنعا من هناك، بل كانت حياته بعد الرسالة منصرفة إلى إقرار التوازن في الإنسانية، وتعليم الجميع على تفاوتهم واختلاف مراتبهم كيف يكون لهم عقل واحد من الكون. وبهذا العقل الكوني السليم ترى المؤمن إذا عرض له الشيء من الدنيا يفتنه أو

стр. 4543

يصرفه عن واجبه الإنساني - أبت نفسه العظيمة إلا أن ترتفع بطبيعتها، فإذاهو في قانون السمو، وإذا المادة في قانون الثقل، فيرتفع وتتهاوى، ويصبح الذهب - وإنه ذهب - وليس فيه عند المؤمن إلا روح التراب. مصطفى صادق الرافعي

стр. 4544

مجهولو الأبطال عيسى العوام للأستاذ محمد فريد أبو حديد وقفت إلى جانب الطريح المسكين وقد فقد المحيطون به الأمل في حياته، وكان رجلاً نيف على الستين، ظل يجاهد في عمله حتى وقع وهو يدفع عربته وعليها حملها الثقيل فكان في وقعته أجله، وهو من أهل الصعيد الأعلى كما تنم عليه عمامته وسحنته، إذ كان ثوبه المهلهل لا يكاد يتماسك في رأي العين ليكون آية دالة على منبت لابسه، فكان موته في جوار البحر الملح موت المهاجر الشهيد، لا تحيط به عناية أهل، ولا ترفه عنه شفقة البنين. ومن يدري ماذا كان يعاني ذلك المسكين قبيل ضجعته من آلام تحملها صامتاً، وجاهد في سبيله وهي تخزه وتطعنه؟ ومن يدري على أية حال من الضعف كان يدفع بحمله في سبيل القوت، وسوط الجوع من ورائه يلهب ظهره؟ ووقف حوله معي من أهل الساحل بقوامهم السمهري ولونهم الخمري، فكانوا يؤدون له تحية الوداع على غير معرفة، والشفقة بادية في محياهم، ولم يكن أحدهم خيراً منه بزة ولا مظهرا، ولكنهم كانوا جميعاً يعرفون كنه ما في هذه الحال من عظمة لأنهم يجاهدون مثله، ولعلهم هاجروا مثله من بلاد قصايا في التماس الخبز وما يبلله من رقيق الآدام. (أولئك قومي بارك الله فيهمو) وانصرفت وفي عيني دمعة كما كان في عين سواى من الوقوف إشفاقا على ذلك المسكين، وجعلت أفكر فيما تدين به الحياة لهؤلاء. فهم عدة السلم، وهم سواعد العمل، وهم جنود النضال. وأذكرني ذلك التفكير ببطل من هؤلاء الدهماء ذكر التاريخ اسمه، وأقام له تمثالاً هو رمز لمجهولي الأبطال، فلسنا نعرف أهله ولا منبته. ولا شيئاً مما يمسه غير اسمه، وهو (عيسى العوام) كان ذلك الرجل يعيش في عكاء ثغر الشام منذ نيف وثمانمائة عام. في أيام النضال الكبير بين الشرق والغرب - أيام الحروب الصليبية - وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في ذلك الوقت في صراع الحياة أو الموت مع ملوك الفرنج قد بلغ به الجد أن كان يتمثل بقول عبد الله بن الزبير وهو يصارع الأشتر النخمي في موقعة الجمل مصارعة من

стр. 4545

لا يريد هوادة، إذ قال: اقتلوني ومالكا … واقتلوا مالكا معي وكان الفرنج قد جمعوا جموعهم وحشدوا أمام عكاء، وجعلوا التغلب عليها مقصد همهم. فكان هناك ملوك ثلاثة هم أكبر ملوك أوربا وزعماء فرسانها. وحاصروا المسلمين في ذلك الثغر من قبل البر ومن قبل البحر، وأتى صلاح الدين من خارج المدينة يحاول رفع الحصار عن إخوانه وجنوده. واستمات جنود الجانبين في القتال، وبذل كل قصاراه في النضال، وعض على النواجذ من الأضراس. واستطالت بهم الحرب نيفاً وسنتين، حتى اشتد الأمر بالمحصورين، وعجز صلاح الدين عن أن يرفع عنهم نطاق الأعداء، فأخذ ذلك النطاق يتضامن ويشتد، حتى بلغت الشدة بالمحصورين مبلغاً عظيماً، وتراخت همة الدفاع من طول الجهد وشدة القتال. فذهب جماعة من صيادي عكاء ممن درجوا على أمواج البحر ونشأوا على أمواهه، فعرفوا مداخله ومخارجه، وبرعوا في اقتحام تياراته وخوض غمراته، وعرضوا على قادة المسلمين ما في طاقتهم من المساعدة في ذلك المأزق. وتساءل القادة ماذا عسى هؤلاء يصنعون في قتال العدو؟ وماذا تراهم يستطيعون أن يرزأوا فيه؟ فأقبل عليهم الصيادون يعرضون أن يحملوا الأخبار إلى إخوانهم المحصورين، وأن يحملوا المال إليهم إذ استحال على السلطان الاتصال بهم، وقالوا انهم يستطيعون أن يستتروا بجنح الليل فيسلكوا سبيلهم بين سفن الأعداء سباحة، فإذاما تعذر ذلك سلكوا بينها غاطسين في الماء كما تسلك الأسماك وتسبح الحيتان. وكان صلاح الدين في أشد الحاجة إلى الاتصال بالجنود والقواد الذين يدافعون عن المدينة، فقبل ما عرض هؤلاء الأبطال، وكانوا منذ ذلك الوقت لا ينقطع وافدهم من المدينة إلى عسكر المسلمين، أو من عسكر المسلمين إلى المدينة. وكانوا لا يطلبون في سبيل ذلك جزاء، إن هو إلا قربان يقدمونه احتساباً، وواجب يؤدونه عن رضا وسخاء. وظهر من بنهم (عيسى العوام) فكان أسرعهم سبحا وأجرأهم على الليل والنهار، وأكثرهم إقداما على الأخطار. فصار يهتف باسمه، ويدعى إذا ما اشتد الخطر وادلهم الخطب. وكان هو لا يخيب ظناً ولا يخيم عند دعوة. وكانت بسالته تزداد كلما ضاقت حلقة الحصار.

стр. 4546

والتأمت فروجه واتصلت سلسلته. فكان أقر لعينه وأثلج لصدره أن يغوص في شبر بين سفن الفرنج، أو يسبح على مرمى سهم من نبالهم. وبقي على أداء واجبه مدة حتى طلع يوم، وانتظر أهل عكاء طلوع عيسى عليهم من ثنايا الموج كعادته، فلم يتحقق لهم ذلك. وطال وقوفهم وامتدت أعناقهم نحو البحر، كلما برق لهم شيء سابح، أو لمع لهم جسم طاف، أشاروا إليه إشارة الملهوف، وتوقعوا أن يكون هو عيسى، ثم تبين لهم أنه حباب الماء أو رشاش الموج، فعادوا إلى ناحية أخرى، فشدوا إليها أبصارهم ثم لم يلبثوا أن يجدوا خيبة لظنونهم وتكذيباً لأوهامهم. ولما طال بهم الوقوف وملوا الانتظار انصرفوا وفي قلوبهم هلع وتوقع للمحذور، ولم تخل صدورهم من شكوك ساورتها في أمانة عيسى وديانته. وقديماً كان في الناس الطمع وأعماهم الجشع، وقديماً فتنهم حب المال وأغواهم شيطان الغرور. أيكون عيسى كبعض من خان وافتتن؟ أيكون عيسى ممن خذلتهم نفوسهم عندما استطال بها النضال، وانخلع فؤادهم عندما اكفهر الجو وأظلم؟ لم يرد الله أن يدع تلك الشكوك تساور ذكرى عيسى، ورحم ذلك الرجل أن يهمس هامس عند ذكرى اسمه بما ثار في صدره من شك، فتسود بين الناس صحيفة بيضاء عند الله. فأرسل الموج حاملاً جسمه نحو الشاطئ، ولا تزال حولها أكياس الذهب التي كان بعث بها صلاح الدين معه إلى المدينة. فرأى الناس عند ذلك جثة شهيد قضي وهو يؤدي الأمانة، وجاد بالنفس وهو في سبيل الخير والمجد. رحم الله (عيسى العوام)! وكم في الناس من مثل عيسى؟ غير أن التاريخ لا يذكر منهم أحداً إلا فلتة ليشير إلى أن بين المجهولين آلاف الألوف من أفذاذ الأبطال. محمد فريد أبو حديد

стр. 4547

٢ - من رائع عصر الأحياء حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه مثل أعلى للترجمة الشخصية للأستاذ محمد عبد الله عنان لم ينعم بنفونوتو تشلليني بالسكينة طويلاً بعد الحوادث العاصفة التي خاضها، وبعد أن فقد عطف البابا وحمايته. وفي ذات يوم وقعت مشادة بينه وبين صديق قديم من مواطنيه كان برومة وكان يدينه بشيء من المال، وسبه ذلك الصديق بألفاظ جارحة، فغلب عليه عنفه المعهود وضربه في رأسه بحجر فسقط مغشياً عليه. وأبلغ الحادث إلى البابا، فأمر بالقبض على تشلليني وشنقه في مكان الجريمة. ولكن تشلليني شعر بالخطر الذي يهدده، واستطاع أن يفر من رومة في الوقت المناسب. وقصد إلى نابولي، وأقام بها حيناً، واتصل بدوقها وحظي بعطفه ورعايته؛ والتقى هناك بحبيبته انجليكا الصقلية. ثم وصله خطاب من الكردينال دي مديتشي حاميه القديم يأمره فيه بالعودة سريعاً إلى رومة؛ فسافر إليها في الحال ومعه انجليكا؛ واستقبله الكردنيال بترحاب وطمأنه على نفسه وحريته؛ وبعد أيام قلائل استطاع أن يزور البابا كلمنضوس، وأن يقدم إليه (مدالية) بديعة من صنعه، ثم سأله الصفح والرعاية بكلمات رقيقة؛ فأعجب البابا بهذه التحفة، وأمره أن يصنع له تحفاً أخرى تمثل بعض مناظر التاريخ المقدس، ووعده بالعفو والرعاية. ولكن البابا لم يعش طويلاً ليحقق وعده، ومرض وتوفي بعد أيام قلائل؛ وحدث على أثر موته ذلك الاضطراب الذي يحدث عادة قبيل انتخاب البابا الجديد؛ ولبث بنفونوتو يرقب الفرص؛ ولكنه ارتكب في تلك الأثناء جرماً جديداً، وقتل رجلاً آخر من رجال البطانة يدعى بومبيو تحرش به ذات يوم بكنيسة القديس بطرس، فسار إليه ولقيه على مقربة من منزله وطعنه بخنجره بين أصدقائه وأعوانه فألقاه صريعا. ويقص علينا تشلليتي هذا الحادث الدموي وأمثاله في عبارات صريحة هادئة، كأنها حوادث عادية لا خطورة فيها، ويصور لنا بذلك مبلغ اضطرام نفسه، ومبلغ استهتاره بالحياة البشرية وانتخب الكردينال فارنيسي لكرسي البابوية باسم بولس الثالث، وعهد إلى تشلليني بصنع

стр. 4548

نماذج نقوده، وأعطاه عهداً بالأمان. ولكن جماعة من خصومه وأصدقاء بومبيو القتيل لبثوا يدسون له لدى السينور بير لويجي ولد البابا حتى اعتزم القبض عليه، ولكن بنفونوتو علم بهذه المؤامرة في الوقت المناسب ففر إلى فلورنس، وأقام بها حيناً يخدم أميرها الدوق الساندرو دي مديتشي. وهنالك أصابه حمى شديدة كادت تقضي عليه؛ فلما برئ من مرضه، عاد إلى رومة بعد أن استيقن أنه لم يبق ثمة ما يخشاه من كيد خصومه. وكان البابا يستعد في ذلك الحين لاستقبال الإمبراطور شارلكان، فعهد إلى تشلليني بعمل صليب بديع من الذهب المرصع بالجواهر ليهدى إلى الامبراطور، وتحلية كتاب للصلاة ليهدى إلى الإمبراطورة. ويصف لنا تشلليني هذه الزيارة التاريخية، وكيف شهد استقبال البابا لإمبراطور، وقدم إليه الكتاب المرصع وخاطب جلالته بفصاحة وجنان ثابت، وكيف عكف بعد زيارة الإمبراطور على صقل جوهرة بديعة أهداها الإمبراطور للبابا وتركيبها في خاتم بديع الصنع. وكان تشلليني دائماً هائم الذهن والخيال، يهوي التنقل والمخاطرة، فما كاد ينتهي من صنع التحف البابوية حتى اعتزم تنفيذ مشروع قديم عنده، هو السفر إلى فرنسا وسرعان ما نفذ عزمه، وسافر إلى فرنسا بطريق سويسرا وألمانيا، مع خادم فتي يدعى اسكانيو. ولما وصل إلى باريس سعى لرؤية فرنسوا الأول ملك فرنسا، فاستقبله بترحاب في فونتنبلو؛ وسافر بنفوتوتو في ركبه إلى ليون؛ وهنالك مرض ولزم فراشه، وأصابت الحمى فتاة اسكانيو؛ فكره المقام في فرنسا، وعول على الرجوع إلى رومة، وغادر فرنسا في أول فرصة، فوصل إلى رومة بعد رحلة شاقة؛ وافتتح له حانوتاً كبيراً فخما، واستأنف عمله، واتسعت موارده؛ ولكنه لم يكن يتمتع بذلك العطف البابوي القديم الذي كان يستظل برعايته وحمايته؛ وكان القدر من جهة أخرى يهيئ له أروع مفاجأة عرفها في حياته. ذلك أنه كان يستخدم عاملاً من بروجيا، وكان يدينه ببعض المال؛ ففر الرجل من حانوته ولم يؤد ما عليه، فطالبه بنفونوتو بواسطة القضاء وحصل على حكم بحبسه؛ فاستشاط الرجل غيظاً واتصل ببعض أتباع السينور بير لويجي ولد البابا وكان يعرف عندئذ بالدوق كاسترو، وأفضى إليه أن تشلليني يملك ثروة طائلة من الجواهر، وأن هذه الجواهر إنما هي من جواهر الكنيسة، سرقها تشلليني وقت الحصار حينما كان في حصن سانت انجيلو؛ وإنه يجب القبض عليه قبل أن يفر مرة أخرى. فأثمرت هذه السعاية ثمرها؛ وفي ذات

стр. 4549

صباح جاء ضابط الشرطة مع سرية من الجند إلى حانوت تشلليني، ونبأه الضابط بأنه أضحى سجين البابا، وأنه مكلف بأخذه إلى حصن سانت انجليو حيث يعتقل الأكابر والرجال الممتازون؛ ثم أحاط به عدة من الجند، وجردوه من سلاحه، ثم اقتادوه إلى الحصن، وهنالك ألقي إلى غرفة في البرج الأعلى؛ وكانت هذه أول مرة يذوق فيها مرارة السجن، وكان يومئذ في السابعة والثلاثين كان حصن سانت انجيلو في ذلك العصر أمنع معاقل رومة؛ ولا يزال الحصن الشهير قائماً على مقربة من قصر الفاتيكان وميدان القديس بطرس، على ضفة نهر تفيري؛ يشهد بطرازه العجيب ومناعته الخارقة بما انتهت إليه هندسة القلاع في العصور الوسطى من الأحكام والتقدم. ولقد أتيح لكاتب هذه السطور أن يزور حصن سانت انجيلو مراراً وأن يتجول في أقبيته ومخادعه المظلمة، وأن يرقى إلى أبراجه الشاهقة، وأن يتأمل طويلاً في جنبات ذلك الأثر المدهش، وهو اليوم يستعمل متحفاً حربياً تعرض في طابقه الأول أسلحة العصور المختلفة، ولكن طبقاته العليا لا زالت خالية تعرض لنا بعض الآثار الغربية، وأخصها الجناح الذي كان يسكنه البابوات كلما التجئوا إلى الحصن، وغرفة نوم البابا بولس الثالث وسريره وكرسيه. على أن أروع ما في الحصن مخادعه المنيعة الواقعة في الجهة الخلفية، وهاوياته السحيقة التي تنساب إلى أعماق مظلمة لا يدرك غورها. وهنالك مخادع معينة، اشتهرت على كر العصور بمن زج إليها من العظماء والسادة؛ فهذا مخدع تقول الرواية إنه هو الذي سجن فيه بنفونوتو تشلليني؛ وهذا مخدع تقول انه هو الذي زج إليه جاليليو، وآخر زج إليه جوردانو برونو وهكذا؛ ولقد لبث هذا الحصن المروع عصورا سجنا لمحاكم التحقيق (التفتيش)، وكان مقبرة لكثير من العلماء والأحبار الذين قضوا نحبهم فيه ضحية المطاردة الدينية؛ ولا يزال السائح المتفرج يشعر فيه برهبة تلك العصور وروعتها زج بنفونوتو تشلليني إلى مخدع في البرج الأعلى، لا تزال تعينه لنا الرواية حتى اليوم؛ ولبث ثمانية أيام منسياً لا يفاتحه أحد بشيء، وفي اليوم التاسع قدمت إلى السجن لجنة من ثلاثة على رأسها حاكم رومة، ووجهت إلى تشلليني تهمة اختلاس مقدار من الحلي الرسولية وقت أن كان يعمل أيام الحصار بمدفعية الحصن، وأسر إليه البابا كليمنضوس أن

стр. 4550

ينتزع الحلي الرسولية من اطاراتها؛ وأن قيمة هذه الحلي قدرت بمبلغ ثمانين ألف جنيه (كرونا)، وأن عليه أن يردها أو يرد قيمتها، وإلا فانه يترك ليرسف في سجنه. وعبثاً حاول تشلليني أن يقنع اللجنة ببراءته، وأن الحلي الرسولية مرصودة في دفاترها فلتراجع فيها، وأن دفاتره رهن تصرف اللجنة لترى أنها في منتهى الدقة، وأنه قد خدم الكرسي الرسولي بفنه وإخلاصه مدى أعوام طويلة، فلا يحق أن يجزي ذلك القصاص. ولما نقل دفاعه إلى البابا أمر بمراجعة الحلي على قوائمها فوجدت تامة لا ينقصها شيء. ومع ذلك ترك تشلليني يرسف في سجنه؛ وكان البابا يحمله سعي بطانته، قد أصبح يرى في تشلليني رجلاً شريراً يجب التنكيل به؛ وزاد حنقه عليه أن رسولا جاء إلى رومة من قبل فرانسوا الأول ملك فرنسا يسعى في إطلاق سراح تشلليني، ورد على السفير بأن تشلليني رجل شرير، لا يستحق اهتمام جلالته. وكان محافظ الحصن رجلا طيب القلب فلورنسياً من مواطني تشلليني، فعمل على تخفيف وطأة سجنه، وتركه في الحصن حراً طليقاً يتجول فيه كيفما شاء مكتفياً بعهده ألا يحاول الفرار؛ وكان تشلليني ينفق وقته في التجوال بالحصن وصنع بعض الحلي التي يأتيه بها فتاه المخلص اسكانيو، وكان يسمح له بزيارته وبأن يحمل إليه ما شاء. ويقول لنا تشلليني أنه لم يشأ أن يفكر في الفرار لولا أن حادثاً وقع في السجن وحمل تبعته، وهو أن قساً زميلاً له سرق منه قطعة من الشمع الذي يتخذ منه نماذج للحلي، وطبع عليها مفتاح غرفته ليحاول صنعه ثم الفرار فيما بعد، ولكنه ضبط واعتقد المحافظ أن تشلليني شريك في هذا العمل، فأمر باعتقاله في غرفته وألا يبرحها بعد، وشدد عليه الخناق، ولم يحله من هذه القيود إلا بعد أن أقنعه تشلليني ببراءته؛ وهنا أدرك تشلليني خطورة موقفه، وأيقن أنه سيبقى عرضة لهذه المفاجآت الخطرة؛ إذا قضي عليه بالبقاء في هذا الأسر؛ ونمى إليه أيضاً أن البابا يصر على اعتقاله، وأن مساعي الملك فرانسوا في سبيله لم تثمر شيئاً، فأخذ يفكر في مصيره ويرى ألا نجاة له من تلك المحنة إلا بالفرار وزاده عزماً على الفرار حادث جديد وقع بينه وبين المحافظ. ذلك أن المحافظ كانت تنتابه في بعض الأحيان أعراض جنون غريب فيتصور أنه ضفدعة أو وطواط، أو يتصور أنه ميت يجب أن يدفن، ففي ذات يوم من أيام جنونه سأل بنفونوتو هل بفر ويطير إذا استطاع، فأجابه بنفونوتو، إنه إذا أطلقت له الحرية، فانه يصنع لنفسه أجنحة يطير بها؛

стр. 4551

وعندئذ أقسم المحافظ أنه سيعتقله كرة أخرى ويشدد عليه الحراسة؛ وفي الحال نفذ وعيده، وزج بنفونوتو إلى غرفته، ووضع تحت الرقابة الصارمة. ومن تلك الساعة أخذ بنفونوتو يدبر وسائل الفرار، وكان خادمه اسكانيو قد حمل إليه أغطية جديدة لفراشه، فمزقها شرائح وجعل منها حبلا طويلا، وكان لديه أيضاً خنجر، ومقبض حديدي كبير سرقه من نجار الحصن، فخبأ هذه الأشياء في مرتبته؛ وبدأ يعمل لانتزاع المسامير الغليظة التي تثبت بها مفاصل الباب، ويغطي مكانها بشمع قاتم حتى لا يكتشف أمره؛ وأنفق في هذا العمل جهداً كبير حتى انتهى منه. وفي ذات ليلة اشتدت فيها النوية على محافظ الحصن واجتمع حوله معظم الحرس، اعتزم أمره. ويصف لنا تشلليني فراره في عدة صحف ساحرة رائعة كنا نحب أن ننقلها بنصها لولا ضيق المقام. وقد بدأ بأن دعا الله بحرارة أن يرعاه وينقذه. ثم رفع مفاصل الباب وعالجه حتى استطاع الخروج، وثبت الحبل المصنوع من شرائح الأغطية بنتوء في سور البرج وأدلاه، وعاد فرفع بصره إلى السماء قائلا: (رباه، إنك تعلم عدالة قضيتي، فاشملني برعايتك)؛ ثم أمسك بحبله وتدلى حتى وصل إلى الأرض من ذلك العلو الشاهق؛ وظن أنه غداً حراً طليقا، ولكنه كان في الساحة الداخلية يفصله عن الخارج سوران كبيرا. بيد أنه لم ييأس، ورفع قطعة كبيرة من الخشب كانت ملقاة هنالك على السور الأول وتسلقها حتى القمة، ثم تدلى بحبل صغير كان معه إلى الساحة الأخرى؛ وهنالك رأى أحد الحراس على مقربة منه فاعتزم أن يسحقه، وقصده شاهرا خنجره، ولكن الحارس ولاه ظهره؛ ثم تسلق السور الآخر؛ وهنا خانته قواه قبل أن يصل إلى الأرض فسقط من ارتفاع، واصطدمت رأسه بالأرض وأغمي عليه، ولكنه كان عندئذ خارج الحصن. يقول تشلليني (وقد كان النهار يسفر، فهب على الهواء الصبوح الذي يسبق بزوغ الشمس، ورد إلى حواسي؛ ولكن صوابي لم يعد تماماً، وخيل لي أن رأسي قد فصل، وأنني انحدرت إلى عالم العدم، ثم عادت إلى قواي شيئاً فشيئا، وأيقنت أني غدوت خارج الحصن، وتذكرت في الحال كل ما وقع، وشعرت بجرح رأسي قبل أن أشعر بكسر رجلي، وذلك حينما مسستها، ورأيت يدي قد خضبتا بالدماء، بيد أني رأيت بعد فحصها أن الجرح لم يكن خطيرا. ثم أردت النهوض، وعندئذ رأيت ساقي قد كسرت مما يلي الركبة؛ ولكني لم

стр. 4552

أيأس، واستخرجت خنجري من غمده وألقيت الغمد، لأنه كان ينتهي بكرة كبيرة، وهي التي اصطدمت بساقي وكسرتها، وقطعت بخنجري قطعة من القماش وضمدت ساقي؛ وأمسكت خنجري بيدي وزحفت على أربع نحو باب المدينة؛ وكان الباب مغلقاً، ولكني رأيت تحته حجراً، فأزحته فتحرك، فدفعته ونفذت من الخرق إلى داخل المدينة. وكان بين الحصن والمدينة نحو خمسمائة خطوة؛ ولما دخلت المدينة هجم علي عدة من الكلاب، وأخذت تلاحقني وتعضني عضاً أليما، فسحبت خنجري وطعنت أحدها طعنة نجلاء جعلته يصيح محتضرا، فالتف باقي الكلاب حوله؛ وأسرعت زاحفاً على اليدين والركبتين نحو طريق (القديس بطرس) (الكنيسة)؛ وكان النهار قد أسفر، وشعرت بالخطر الذي يهددني. وهنا قابلت سقاء وراء حماره المحمل بالقرب؛ فناديته، ورجوته أن يحملني إلى شرفة سلم القديس بطرس، وقلت له إنني شاب فررت من نافذة صاحبتي، فكسرت ساقي؛ ولما كان المنزل الذي اقتحمته منزل أسرة كبيرة، فإني في خطر القتل؛ ووعدته بأن أعطيه ديناراً من الذهب وأريته كيسي المنتفخ؛ فحملني في الحال على ظهره وسار بي إلى ميدان القديس بطرس ووضعني عند الشرفة، وعاد مسرعاً إلى حماره) واستمر تشلليني في زحفه قاصداً إلى منزل قريب لأميرة يعرف أنه يستطيع الالتجاء إلى حمايتها هي زوجة الدوق الساندرو مديتشي؛ ولكن رآه عندئذ أحد حشم الكردينال كرنارو الذي يقع قصره في ذلك المكان وعرفه، فهرول إلى الكردينال ونبأه، فأمره بحمله. فلما رآه هدأ روعه وطمأنه، واستدعى الطبيب لعلاجه. وذاع نبأ الحادث في روما، فاهتز الشعب الروماني دهشة وإعجاباً لهذه الجرأة. وذهب الكردينال كرنارو مع بعض زملائه إلى البابا وسألوه الصفح عن ذلك الرجل الموهوب، فأجاب بالعفو ووعد الإثابة. ولكنه طلب إلى كرنارو فيما بعد أن يسلمه تشلليني ليقيم عنده في أحد الغرف السرية، فاضطر كرنارو إلى تحقيق رغبته لكي يحقق له بعض مصالحه، وكانت نيات البابا نحو تشلليني غامضة؛ وحمل تشلليني إلى القصر البابوي، واعتقل هنالك عدة أيام؛ وفي ذات مساء قدمت إلى غرفته سرية من الجند وحملته إلى حصن سانت انجلو، وألقته في مخدع صغير يطل على إحدى الساحات الداخلية؛ وبذا رد إلى سجنه المروع كرة أخرى، وغاضت كل آماله في الخلاص، وغلبت عليه الروعة والاستكانة. يقول تشلليني: (وكان قبس ضئيل من النور

стр. 4553

ينفذ إلى غرفتي التعسة من ثقب صغير مدى ساعة ونصف في كل يوم، فلا أستطيع القراءة إلا في هذه الفترة؛ أما باقي النهار والليل فكنت أمكث صابراً في الظلام، لا يفارقني التفكير في الله وفي ضعفنا الإنساني. وكنت على يقين من أنه لن تمضي أيام قلائل حتى أقضي نحبي في هذا المكان وفي هذه الظروف. بيد أنني كنت أروح عن نفسي ما استطعت ذاكرا أن الموت بضربة من سيف الجلاد أشنع من ذلك وأفظع، هذا بينما أستطيع الموت هنا هادئاً كأنني في غفوة النوم. وشعرت شيئاً فشيئاً أن لهب حياتي يخبو، حتى اعتاد جسمي البديع على ذلك الانحلال، وحتى شعرت أنه اطمأن إلى تلك الظروف التعسة؛ واعتزمت أن أحتمل آلامي المروعة في سكينة وجلد ما بقي لي شيء من قوة الاحتمال). وكان ذلك لعام ونصف من اعتقاله الأول، أعني في منتصف سنة ١٥٣٩. (الخاتمة تأتي) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 4554

الامتيازات الأجنبية والضرائب للأستاذ زكي دياب المحامي عبثت الامتيازات ولا زالت تعبث بمرافق الدولة العامة، ووقفت في سبيل نموها عقبة ليس من اليسير تذليلها إلا على الأيام. وأثرت فيما أثرت على التشريع المالي تأثيراً بالغا، وددتُ لخطورة شأنه أن أفرد له هذا الفصل. إن المبدأ العام الذي يحكم تشريع الضرائب في البلاد المتمدينة هو وجوب قيام كل فرد يقطن الإقليم بقسطه في الضريبة التي تفرض، بغض النظر عن تباين الجنسيات. تلك هي القاعدة العامة التي يأخذ بها الشارع والتي تقتضيها حكمة التشريع. وهي تستند على فكرتين أوليتين: محلية الضرائب، وعمومية الضرائب. والأولى بدورها تعتمد على الحقيقة المعروفة القائلة بأن سيادة الدولة محدودة في نطاق إقليمها. وعماد الفكرة الثانية ضرورة تحمل كل فرد نصيبه من التكاليف العامة، حتى تقوى الدولة على إنجاز المشروعات الكبار التي تضطلع بها. والآن وقد أوردنا المبدأ العام متعجلين، نقول في أسف شديد بان مصر أكرهت تحت عبء الامتيازات على عدم التمشي مع ذلك المبدأ الذي أخذ به العالم كله؛ فالأجانب معفون أصلاً من الضرائب إلا إذا وافقت دولهم سلفا. وقد استطاعت مصر أن تحصل على هذه الموافقة بعد جهود كبيرة بالنسبة لأربعة أنواع من الضرائب يسوي في جبايتها بين الوطني والأجنبي وهي: أولاً: الرسوم الجمركية، والضرائب التجارية المفروضة طبقاً للمعاهدات التجارية. فللحكومة أن تفرض من هذه الضرائب ما تراه لازماً كضريبة الكحول. ثانياً: ضريبة الأراضي طبقاً للفرمان العثماني الصادر بتاريخ ٧ صفر سنة ١٢٨٤، وهو الذي خول لهم بمقتضاه حق تملك العقار. ثالثاً: عوائد المباني طبقاً لاتفاق لندن سنة ١٨٨٥، وللدكريتو الخديوي الصادر في ١٣ مارس سنة ١٨٨٤. رابعاً: عوائد مجلس بلدي إسكندرية طبقاً للمادة ٣١ من الدكريتو الخديوي المؤرخ ٥ يناير سنة ١٨٩٠.

стр. 4555

فإذا ما حصلت الحكومة من أحد الأجانب رسوماً أو ضرائب في غير نطاق ما ذكرناه، كان له الحق في طلب استردادها أمام المحاكم المختلطة، التي تحكم طبقاً للمادة ١١ من لائحة ترتيبها فيما يمس حقوق الأجانب المكتسبة بالمعاهدات. وفي الطريق الذي استطاعت به مصر أن تحصل على موافقة الدول على تلك الأنواع المذكورة من الضرائب تفصيل رأيت أن أبسط شيئاً منه: وافقت الدول الأجنبية على سريان قوانين الضرائب على رعاياها فيما يتعلق بالضريبة العقارية على الأراضي الزراعية، والضريبة العقارية على أراضي البناء، وهما نوعان من الضرائب المباشرة. أما عن الضريبة العقارية على الأراضي الزراعية فلم يكن يسمح قبل القرن التاسع عشر لأجنبي ما أن يتملك عقاراً في الدولة العلية. ولم يعف الأجانب من هذا الحظر إلا عندما حل عام ١٨٦٧ إثر مفاوضات طويلة. على أنه بالرغم من ذلك المنع السابق، اعتاد الأجانب أن يسلكوا طرقاً ملتوية للحصول على تلك الملكية المحرمة، فكان الواحد منهم يبتاع الأرض باسم شخص متجنس بالجنسية التركية. وإزاء ذلك رأت الدولة العلية أن تضع حداً لتلك الحال، فأباحت تحت تأثير هذا العامل الملكية العقارية لكل فرد، بغض النظر عن تباين الجنسيات. ولقد تعرض الحظر الهمايوني الصادر سنة ١٨٥٦ لهذا الموضوع، فنص صراحة على إباحة الملكية العقارية للأجانب في أراضي الدولة وولايتها، على أن يذعن هؤلاء الملاك لما يفرض على الجميع من التكاليف المالية، فاستووا بذلك مع الأهالي. ولكن حركة الإصلاح لم تنجح، إذ تأجل نفاذ النصوص الصريحة؛ فحاول الباب العالي بعد ذلك مرة أخرى أن يخضع هؤلاء الأجانب للوائح والقوانين التي تسري على الملكية العقارية، وطلب ذلك مُلحّاً، فأجابته الدول إلى ما طلب بقانون صدر بتاريخ ١٠ يونيه سنة ١٨٦٧ الموافق ٧ صفر سنة ١٢٨٤، وسمح للأجانب أن يكونوا ملاكاً عقاريين للأراضي الزراعية في الدولة العثمانية، وألزموا بالقيام بكافة الفرائض المالية على الأراضي الزراعية - أسوة بالوطنيين - في أي صورة تتشكل بها تلك الفرائض ولقد خول الأجانب في مصر حق تملك الأراضي وكلفوا في الواقع بضرائبها قبل أن يُسن
следующие страницы →