← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

وعندئذ أقسم المحافظ أنه سيعتقله كرة أخرى ويشدد عليه الحراسة؛ وفي الحال نفذ وعيده، وزج بنفونوتو إلى غرفته، ووضع تحت الرقابة الصارمة. ومن تلك الساعة أخذ بنفونوتو يدبر وسائل الفرار، وكان خادمه اسكانيو قد حمل إليه أغطية جديدة لفراشه، فمزقها شرائح وجعل منها حبلا طويلا، وكان لديه أيضاً خنجر، ومقبض حديدي كبير سرقه من نجار الحصن، فخبأ هذه الأشياء في مرتبته؛ وبدأ يعمل لانتزاع المسامير الغليظة التي تثبت بها مفاصل الباب، ويغطي مكانها بشمع قاتم حتى لا يكتشف أمره؛ وأنفق في هذا العمل جهداً كبير حتى انتهى منه. وفي ذات ليلة اشتدت فيها النوية على محافظ الحصن واجتمع حوله معظم الحرس، اعتزم أمره. ويصف لنا تشلليني فراره في عدة صحف ساحرة رائعة كنا نحب أن ننقلها بنصها لولا ضيق المقام. وقد بدأ بأن دعا الله بحرارة أن يرعاه وينقذه. ثم رفع مفاصل الباب وعالجه حتى استطاع الخروج، وثبت الحبل المصنوع من شرائح الأغطية بنتوء في سور البرج وأدلاه، وعاد فرفع بصره إلى السماء قائلا: (رباه، إنك تعلم عدالة قضيتي، فاشملني برعايتك)؛ ثم أمسك بحبله وتدلى حتى وصل إلى الأرض من ذلك العلو الشاهق؛ وظن أنه غداً حراً طليقا، ولكنه كان في الساحة الداخلية يفصله عن الخارج سوران كبيرا. بيد أنه لم ييأس، ورفع قطعة كبيرة من الخشب كانت ملقاة هنالك على السور الأول وتسلقها حتى القمة، ثم تدلى بحبل صغير كان معه إلى الساحة الأخرى؛ وهنالك رأى أحد الحراس على مقربة منه فاعتزم أن يسحقه، وقصده شاهرا خنجره، ولكن الحارس ولاه ظهره؛ ثم تسلق السور الآخر؛ وهنا خانته قواه قبل أن يصل إلى الأرض فسقط من ارتفاع، واصطدمت رأسه بالأرض وأغمي عليه، ولكنه كان عندئذ خارج الحصن. يقول تشلليني (وقد كان النهار يسفر، فهب على الهواء الصبوح الذي يسبق بزوغ الشمس، ورد إلى حواسي؛ ولكن صوابي لم يعد تماماً، وخيل لي أن رأسي قد فصل، وأنني انحدرت إلى عالم العدم، ثم عادت إلى قواي شيئاً فشيئا، وأيقنت أني غدوت خارج الحصن، وتذكرت في الحال كل ما وقع، وشعرت بجرح رأسي قبل أن أشعر بكسر رجلي، وذلك حينما مسستها، ورأيت يدي قد خضبتا بالدماء، بيد أني رأيت بعد فحصها أن الجرح لم يكن خطيرا. ثم أردت النهوض، وعندئذ رأيت ساقي قد كسرت مما يلي الركبة؛ ولكني لم

стр. 4552

أيأس، واستخرجت خنجري من غمده وألقيت الغمد، لأنه كان ينتهي بكرة كبيرة، وهي التي اصطدمت بساقي وكسرتها، وقطعت بخنجري قطعة من القماش وضمدت ساقي؛ وأمسكت خنجري بيدي وزحفت على أربع نحو باب المدينة؛ وكان الباب مغلقاً، ولكني رأيت تحته حجراً، فأزحته فتحرك، فدفعته ونفذت من الخرق إلى داخل المدينة. وكان بين الحصن والمدينة نحو خمسمائة خطوة؛ ولما دخلت المدينة هجم علي عدة من الكلاب، وأخذت تلاحقني وتعضني عضاً أليما، فسحبت خنجري وطعنت أحدها طعنة نجلاء جعلته يصيح محتضرا، فالتف باقي الكلاب حوله؛ وأسرعت زاحفاً على اليدين والركبتين نحو طريق (القديس بطرس) (الكنيسة)؛ وكان النهار قد أسفر، وشعرت بالخطر الذي يهددني. وهنا قابلت سقاء وراء حماره المحمل بالقرب؛ فناديته، ورجوته أن يحملني إلى شرفة سلم القديس بطرس، وقلت له إنني شاب فررت من نافذة صاحبتي، فكسرت ساقي؛ ولما كان المنزل الذي اقتحمته منزل أسرة كبيرة، فإني في خطر القتل؛ ووعدته بأن أعطيه ديناراً من الذهب وأريته كيسي المنتفخ؛ فحملني في الحال على ظهره وسار بي إلى ميدان القديس بطرس ووضعني عند الشرفة، وعاد مسرعاً إلى حماره) واستمر تشلليني في زحفه قاصداً إلى منزل قريب لأميرة يعرف أنه يستطيع الالتجاء إلى حمايتها هي زوجة الدوق الساندرو مديتشي؛ ولكن رآه عندئذ أحد حشم الكردينال كرنارو الذي يقع قصره في ذلك المكان وعرفه، فهرول إلى الكردينال ونبأه، فأمره بحمله. فلما رآه هدأ روعه وطمأنه، واستدعى الطبيب لعلاجه. وذاع نبأ الحادث في روما، فاهتز الشعب الروماني دهشة وإعجاباً لهذه الجرأة. وذهب الكردينال كرنارو مع بعض زملائه إلى البابا وسألوه الصفح عن ذلك الرجل الموهوب، فأجاب بالعفو ووعد الإثابة. ولكنه طلب إلى كرنارو فيما بعد أن يسلمه تشلليني ليقيم عنده في أحد الغرف السرية، فاضطر كرنارو إلى تحقيق رغبته لكي يحقق له بعض مصالحه، وكانت نيات البابا نحو تشلليني غامضة؛ وحمل تشلليني إلى القصر البابوي، واعتقل هنالك عدة أيام؛ وفي ذات مساء قدمت إلى غرفته سرية من الجند وحملته إلى حصن سانت انجلو، وألقته في مخدع صغير يطل على إحدى الساحات الداخلية؛ وبذا رد إلى سجنه المروع كرة أخرى، وغاضت كل آماله في الخلاص، وغلبت عليه الروعة والاستكانة. يقول تشلليني: (وكان قبس ضئيل من النور

стр. 4553

ينفذ إلى غرفتي التعسة من ثقب صغير مدى ساعة ونصف في كل يوم، فلا أستطيع القراءة إلا في هذه الفترة؛ أما باقي النهار والليل فكنت أمكث صابراً في الظلام، لا يفارقني التفكير في الله وفي ضعفنا الإنساني. وكنت على يقين من أنه لن تمضي أيام قلائل حتى أقضي نحبي في هذا المكان وفي هذه الظروف. بيد أنني كنت أروح عن نفسي ما استطعت ذاكرا أن الموت بضربة من سيف الجلاد أشنع من ذلك وأفظع، هذا بينما أستطيع الموت هنا هادئاً كأنني في غفوة النوم. وشعرت شيئاً فشيئاً أن لهب حياتي يخبو، حتى اعتاد جسمي البديع على ذلك الانحلال، وحتى شعرت أنه اطمأن إلى تلك الظروف التعسة؛ واعتزمت أن أحتمل آلامي المروعة في سكينة وجلد ما بقي لي شيء من قوة الاحتمال). وكان ذلك لعام ونصف من اعتقاله الأول، أعني في منتصف سنة ١٥٣٩. (الخاتمة تأتي) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 4554

الامتيازات الأجنبية والضرائب للأستاذ زكي دياب المحامي عبثت الامتيازات ولا زالت تعبث بمرافق الدولة العامة، ووقفت في سبيل نموها عقبة ليس من اليسير تذليلها إلا على الأيام. وأثرت فيما أثرت على التشريع المالي تأثيراً بالغا، وددتُ لخطورة شأنه أن أفرد له هذا الفصل. إن المبدأ العام الذي يحكم تشريع الضرائب في البلاد المتمدينة هو وجوب قيام كل فرد يقطن الإقليم بقسطه في الضريبة التي تفرض، بغض النظر عن تباين الجنسيات. تلك هي القاعدة العامة التي يأخذ بها الشارع والتي تقتضيها حكمة التشريع. وهي تستند على فكرتين أوليتين: محلية الضرائب، وعمومية الضرائب. والأولى بدورها تعتمد على الحقيقة المعروفة القائلة بأن سيادة الدولة محدودة في نطاق إقليمها. وعماد الفكرة الثانية ضرورة تحمل كل فرد نصيبه من التكاليف العامة، حتى تقوى الدولة على إنجاز المشروعات الكبار التي تضطلع بها. والآن وقد أوردنا المبدأ العام متعجلين، نقول في أسف شديد بان مصر أكرهت تحت عبء الامتيازات على عدم التمشي مع ذلك المبدأ الذي أخذ به العالم كله؛ فالأجانب معفون أصلاً من الضرائب إلا إذا وافقت دولهم سلفا. وقد استطاعت مصر أن تحصل على هذه الموافقة بعد جهود كبيرة بالنسبة لأربعة أنواع من الضرائب يسوي في جبايتها بين الوطني والأجنبي وهي: أولاً: الرسوم الجمركية، والضرائب التجارية المفروضة طبقاً للمعاهدات التجارية. فللحكومة أن تفرض من هذه الضرائب ما تراه لازماً كضريبة الكحول. ثانياً: ضريبة الأراضي طبقاً للفرمان العثماني الصادر بتاريخ ٧ صفر سنة ١٢٨٤، وهو الذي خول لهم بمقتضاه حق تملك العقار. ثالثاً: عوائد المباني طبقاً لاتفاق لندن سنة ١٨٨٥، وللدكريتو الخديوي الصادر في ١٣ مارس سنة ١٨٨٤. رابعاً: عوائد مجلس بلدي إسكندرية طبقاً للمادة ٣١ من الدكريتو الخديوي المؤرخ ٥ يناير سنة ١٨٩٠.

стр. 4555

فإذا ما حصلت الحكومة من أحد الأجانب رسوماً أو ضرائب في غير نطاق ما ذكرناه، كان له الحق في طلب استردادها أمام المحاكم المختلطة، التي تحكم طبقاً للمادة ١١ من لائحة ترتيبها فيما يمس حقوق الأجانب المكتسبة بالمعاهدات. وفي الطريق الذي استطاعت به مصر أن تحصل على موافقة الدول على تلك الأنواع المذكورة من الضرائب تفصيل رأيت أن أبسط شيئاً منه: وافقت الدول الأجنبية على سريان قوانين الضرائب على رعاياها فيما يتعلق بالضريبة العقارية على الأراضي الزراعية، والضريبة العقارية على أراضي البناء، وهما نوعان من الضرائب المباشرة. أما عن الضريبة العقارية على الأراضي الزراعية فلم يكن يسمح قبل القرن التاسع عشر لأجنبي ما أن يتملك عقاراً في الدولة العلية. ولم يعف الأجانب من هذا الحظر إلا عندما حل عام ١٨٦٧ إثر مفاوضات طويلة. على أنه بالرغم من ذلك المنع السابق، اعتاد الأجانب أن يسلكوا طرقاً ملتوية للحصول على تلك الملكية المحرمة، فكان الواحد منهم يبتاع الأرض باسم شخص متجنس بالجنسية التركية. وإزاء ذلك رأت الدولة العلية أن تضع حداً لتلك الحال، فأباحت تحت تأثير هذا العامل الملكية العقارية لكل فرد، بغض النظر عن تباين الجنسيات. ولقد تعرض الحظر الهمايوني الصادر سنة ١٨٥٦ لهذا الموضوع، فنص صراحة على إباحة الملكية العقارية للأجانب في أراضي الدولة وولايتها، على أن يذعن هؤلاء الملاك لما يفرض على الجميع من التكاليف المالية، فاستووا بذلك مع الأهالي. ولكن حركة الإصلاح لم تنجح، إذ تأجل نفاذ النصوص الصريحة؛ فحاول الباب العالي بعد ذلك مرة أخرى أن يخضع هؤلاء الأجانب للوائح والقوانين التي تسري على الملكية العقارية، وطلب ذلك مُلحّاً، فأجابته الدول إلى ما طلب بقانون صدر بتاريخ ١٠ يونيه سنة ١٨٦٧ الموافق ٧ صفر سنة ١٢٨٤، وسمح للأجانب أن يكونوا ملاكاً عقاريين للأراضي الزراعية في الدولة العثمانية، وألزموا بالقيام بكافة الفرائض المالية على الأراضي الزراعية - أسوة بالوطنيين - في أي صورة تتشكل بها تلك الفرائض ولقد خول الأجانب في مصر حق تملك الأراضي وكلفوا في الواقع بضرائبها قبل أن يُسن

стр. 4556

قانون ٧ صفر ومن قبل أن يسمح لهم بالملكية في تركيا. ذلك أن الأجانب الذين حازوا في مصر ملكية عقارية لم يفكروا في منازعة الحكومة المصرية في حق كانوا يرون من الطبيعي الخضوع له، فكانوا يعتبرون الضريبة ديناً على الأرض نفسها لا على مالكها (دو روزاس ص٤٦٥)، ومن أجل ذلك كان غير صحيح القول - كما يرى دو روزاس - بأن فرمان ٧ صفر هو الذي قرر الضريبة العقارية على الأجانب في مصر. تلك هي الأدوار التي مر بها تشريع الضرائب العقارية على الأراضي الزراعية وخضوع الأجانب لها. أما الضرائب العقارية على أراضي البناء فقد قبل الأجانب سداد الضرائب العقارية عن الأراضي الزراعية بعد اقتناع وتسليم بوجاهة الطلب. ولكنهم رفضوا جميعاً الوفاء بضريبة أراضي البناء حتى بعد صدور فرمان ٧ صفر الذي صادقت عليه الدول، والذي تقضي مادته الثانية بإلزام الأجانب بالضرائب على الأراضي الزراعية والأراضي المبنية. وفي إنكار هذا الحق وعدم النزول على إرادة القانون تحميل ثقيل للنص الصريح. ولا عجب فلقد ذهبت المحاكم المختلطة مذهبهم وعززت وجهة نظرهم في أحكامها، فقررت أنه برغم إطلاق النص في قانون ٧ صفر وشموله الضرائب العقارية عن الأراضي بنوعيها، فان العرف قد أكسب الأجانب حق إعفائهم من الضرائب على أراضي البناء. ونحن لا يكفينا إزاء الدور الذي تلعبه المحاكم المختلطة في موضوعنا هذا أن نمر سراعاً على حكم لها، بل سنبين فيما بعد أكثر أحكامها معلقين على بعضها عندما نرى ضرورة لذلك. وأخيراً وبعد لأي وافقت الدول على تطبيق دكريتو سنة ١٨٨٤ المتعلق بالضريبة على الأراضي المبنية على رعاياها، وكانت تلك الموافقة سنة ١٨٨٥. هاتان الضريبتان المباشرتان يخضع لهما الأجانب حالاً في مصر بعد الجهود المضنية التي بذلت للموافقة عليهما وبخاصة للموافقة على ضريبة المباني، فمن إنكار تام لمشروعيتها، إلى عبث بالنص صريح، إلى أحكام منتقدة تصدر من المحاكم المختلطة، ولا أرْجعُ أنا هذه المحاورات والتمحل من الطرف الأجنبي إلا إلى رغبة كمينة في النفس الأجنبية تدفعها دائماً إلى أن تجعل في يدها جماع الحقوق وأكثر المنافع.

стр. 4557

ولسنا في حاجة إلى أن نبين كيف وافقت الدول على النوعين الآخرين من الضرائب، فلقد حَمَّل دكريتو ٥ يناير سنة ١٨٩٠ في المادة ٣١ منه الأجانب عبء عوائد مجلس بلدي الإسكندرية، شأنهم في ذلك شأن الأهالي، لما لبلدية إسكندرية من شخصية معنوية ممتازة، ونظراً لتمثيل الأجانب فيها تمثيلا صحيحاً. أضف إلى ذلك كثرتهم في الثغر، فلو تخلصوا من عبء الضرائب فقدت بذلك البلدية مورداً هاماً. وللحكومة المصرية بما تبرمه من معاهدات تجارية مع الدول الأجنبية أن تفرض الضرائب التجارية والرسوم الجمركية. أما المحاكم المختلطة فلقد لعبت دوراً خطيراً في الموضوع، فكلما همت الحكومة راغبة في فرض ضريبة جديدة حال بينهما وبين ما تبغي عدم اعتراف المحاكم المذكورة بحق الحكومة في فرض ضرائب جديدة تُحَمّل بها الأجانب فلا تستطيع إزاء ذلك شيئاً. فلابد من موافقة الدول سلفاً، ويجب أن توافق هي مقدماً على كل ضريبة مستحدثة. وكل إجراء مالي سن به قانون أو شرع في سنه وكان يلقى على عاتق الأجانب عبء ضريبة أو فريضة مالية أيا كان نوعها. ووقف قرار الجمعية العمومية بالمحكمة في سبيل فرض ضريبة السيارات التي شرعت الحكومة في سنها أخيراً ورأت أن الحكومة تريد بذلك أن تفرض نوعاً مستتراً من الضرائب العقارية على الأجانب لأن تلك الضريبة كما تراها هي رسوم لاستعمال الطريق العام. وأخيراً وبعد جهود عادت فأقرتها. وقضت تلك المحاكم في القضية التي رفعها الفيكونت روفونتارس سنة ١٩١٢ بأن الضرائب التي تفرضها مجالس المديريات للصرف منها على المنافع العامة ليست خاضعة لشروط موافقة الجمعية العمومية المقررة في مادة ٢٤ من القانون الصادر في أول مايو سنة ١٨٨٣. وقضت كذلك في عدة قضايا، منها قضية شركة سكة حديد القاهرة الكهربائية، وقضية أوجست قساجيه ضد مديرية البحيرة. وترى المحاكم المختلطة أيضاً فيما يتعلق بالأشخاص المعنوية أنها إن كانت مؤلفة من الأجانب تخضع للضرائب المباشرة التي تقررها الحكومة المصرية على الأشخاص

стр. 4558

الطبيعيين المصريين. وخلاصة القول أن المحاكم المختلطة انتهت إلى التفريق بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، فهذه الأخيرة يجوز فرضها، أما الأولى فيجب لفرضها موافقة الدول، على أن ذلك القيد قديم نشأ نتيجة لعرف فاسد منتقد لا نتيجة نص صريح. ومما يستنبط من ذلك أيضاً ومن مجموعة الأحكام التي لم نشأ أن نورد كل ما لدينا منها أن للحكومة أن تفرض ضريبة مباشرة أو غير مباشرة على رعايا الدول غير المتمتعة بالامتيازات، وعلى الشركات المساهمة المؤسسة في مصر وقد حكم بأن جنسيتها مصرية ولو كان أعضاؤها أجانب، وان كانت تشملها في حالة تقاضيها نظرية الصالح المختلط. ولكن ذلك لا يزيل مالها من صفة مصرية يظهر أثرها فيما يتعلق بالضرائب. (بقية البحث في العدد القادم) زكي دياب

стр. 4559

نقابة للأدباء الشبان لأديب كبير أخرج اليوم من معتزلي إذ سمعت ضجة حسبتها ضجة معركة حربية، وتحركت نفسي لمرأى ميدان تلك الضجة، فعز علىَّ أن أرى الصرعى يئنون من الألم وجراحهم تجري بالدماء، وأن أرى العماليق تزأر، وترغي وتزبد، وسيوفها تقطر من دماء ضحاياها؛ وعولت على أن أنزل إلى الميدان لألقى فيه نصيبي من الأذى إذا لم يتح لي أن أنصر ضعيفاً أو أنتصر لمظلوم. وقد يحسب قارئ أني أهزل في قولي - ولا بأس عليه إذا هو ظن ذلك - فإني لا يضيرني أن يحسب قارئ أني أهزل، ما دام لا يظن فيّ أني أسخر منه أو من سواه، فأني لا أحب أن يظن أحد في أنني اسخر منه، فان السخرية مُرة الطعم، وقد ذقتها فوجدت قبحها فوق كل قبح. ولكني مع ذلك أرجع إلى نفسي فأقول: إنني لا أخشى من أن يظن أحد فيّ أنني أسخر، فقد طالما سخر كبار الأدباء من قرائهم، ولا يزيد قراؤهم مع ذلك إلا إعجاباً بهم؛ بل إن بعض شيوخ الأدب قد زاد وبرز في ذلك الباب إلى أن قال لقرائه في صراحة عجيبة إنه يسخر منهم، وإنه عالم بأن القراء لا يعجبون بالكاتب الأديب أشد الإعجاب، إلا إذا تفنن في السخرية بهم. فلا بأس عليّ إذن إذا حسب أحد القراء أنني ساخر، فإنني قد أصل بذلك إلى إعجابه وإكباره. وإني هنا قاصد إلى الأدباء أدعوهم إلى اتباعي والأخذ برأيي، بعد أن شهدت صرعاهم في النضال الأخير مع مشيخة الأدب وكباره. وقد يقول قائل وكيف تجعل نفسك بين الشبان وقد بلغت من السن فوق مبلغ الشبان؟ ولكن ذلك القول لن يثنيني، فأني لا أردع بمثل هذا العنف، وإني لا تزال فيّ بقية من الشباب تكفي لان تبرر مدخلي فيهم وانخراطي في سلكهم. على أن الأديب لا يعد شابا إذا كانت سنه من الشباب، فان الشباب والشيخوخة في الأدب لهما اصطلاح خاص واعتبار موضوع. فالأديب الشاب هو الذي لم يبلغ من الشهرة مبلغاً مذكورا ولو كان قد نيف على الخمسين؛ والأديب الشيخ هو من ضرب اسمه في الخافقين ولو لم يكن ممن بلغوا سن الثلاثين أو الأربعين. وعلى هذا فأنا شاب في عرف

стр. 4560

الأدباء، لأنني بحمد الله قليل الحظ من ذيوع الاسم، بل أكاد لا أسمع اسمي يذكره ذاكر إلا في أمر من أمور هذه الدنيا البعيدة عن عالم الأدب، ولقد حبب إليّ الخمول والبعد عن الشهرة منذ اقترن ذلك الخمول باسم الشباب، فأني كنت دائماً أحب الشباب واسم الشباب ولو كان مقترناً بالذم؛ وقد كان لي صديق - عفا الله عنه - عرف فيّ ذلك الطبع، وكان يحلو له أن يشتمني؛ ولكنه مع ذلك كان حريصاً على مودتي، فدفعه خبثه إلى أن يجعل سبابه لي مقترناً باسم الشباب، فكان إذا رآني بدرني بقوله: (ما هذا الذي فيك من طيش الشباب؟) وقوله: (إنك تظهر في عملك هذا ضروباً من جهل الشباب) وقوله: (إنك والله ملئ بنزق الشباب). فكنت أقبل الشتم ما دام دفيناً في وصف الشباب المعسول، وبذلك توصل صديقي إلى ما شاء من سبابي، ولم يخش أن يخسر شيئاً من مودتي. ولم أفطن إلى حيلته الخبيثة إلا بعد لأي، ولكنني مع ذلك لم أعاتبه ولم أغضب عليه، بل بقيت راضياً بما ينالني من شتمه لأحظى بوصف الشباب من ورائه. وعلى هذا فلست إلا حفياً بدخولي في زمرة الشبان الأدباء، قانعاً بوجودي بينهم. ومادمت كذلك فإني لابد مذمرهم على الشيوخ، ومعصبهم ومحرضهم. وأول آيات ذلك التعصب أنني أدعوهم اليوم إلى تأليف نقابة لهم، لتكون جامعة لكلمتهم، ورابطة لهم عند الملمات إذا ما فكر الشيوخ مرة أخرى في أن يصبغوا لهم العيون بلون الدماء. وأي شيء يستنكر في دعوتي هذه إلى تأليف نقابة للأدباء الشبان؟ وهل في ذلك بدعة أو ضلالة؟ إن الأديب الشاب شبيه بالعامل الفقير الذي لم يدخر بعدُ مالاً، ولم يتأثل شيئاً من حطام الدنيا، والشيوخ الأدباء هم الذين ادخروا وتأثلوا. ألسنا نراهم اليوم يقولون للشبان إنكم مدينون لنا بكل شيء؟ أليسوا قد أعلنوا للملأ أنهم الأوصياء على إنتاج الأدب وتوزيعه؟ ومادام هذا هكذا - كما يقول شيخ منهم - فان الأمر لا بدعة فيه ولا ضلالة؛ فقديماً اجتمع ضعفاء العمال لكي يحموا أنفسهم من وقعة أصحاب (رءوس الأموال) بهم، فلما أن فعلوا أظهروا للعالم أن العمل شيء واجب أن يرعى فيه الحق، وأن يتخذ في معاملته العدل. فهلموا إلى العمل أيها الأدباء الشبان. وإني منذ اليوم أجعل نفسي رداءاً لمن يدخل منكم نقابة الأدباء الناشئين أدفع عنهم عادية الشيوخ، وأوقف دونهم إذا ما سمع أحدهم يزأر أو يزمجر، أو إذا ما رؤى بعضهم يرغي

стр. 4561

أو يزبد، ولست أقف هذا الموقف لأني آنس في نفسي قوة فوق قوة الشاب أو قدرة على الدفاع لم يؤتها سواي منكم معشر مساكين الأدباء، بل أقف موقفي هذا متدرعا بدرع قلدت فيه بعض شيوخ الأدباء، فقد رأيت أحدهم عفا الله عنه، وزاده بسطة في الأدب، وأمتع به بابي الجد والفكاهة في الكتابة، وحفظ عليه دهاءه وبهاءه - ولا مؤاخذة إذا لم يسعفني الخاطر الكليل بسجعة خير من تلك - أقول رأيت ذلك الصديق القديم قد لجأ إلى حيلة خلقها له عقله القوي، وهي أن يبدأ نزاله وطعانه بأن يتبرأ من كل ما كتب في الماضي وما يكتب في الحال والاستقبال من نثر ونظم، ومن جد وفكاهة. فإذاما وثق من أن الناس انخدعوا بذلك واعتقدوه، أقبل على المسكين أو المساكين الذين اختارهم لطعانه فما زال يخزهم ويضحك، ثم يطعنهم ويضحك وهو يتسلى بما يراه من عنف حركات مساكينه وعلو صراخهم. فإذاما دفع الألم أحدهم إلى الدفاع أو الانتقام وسدد طعنته إلى عضو من أعضائه قال له ثابتاً غير منزعج (ومن أدراك ان هذا العضو يهمني أمره؟ ومن قال لك أني أعبأ بطعنتك لي في هذا الموضع أو ذاك؟) فيصدقه المسكين وتنفجر عيناه بدموع الحنق والعجز ظناً منه أن هذا المنازل متحصن فيما لا مطمع فيه، ثم يرمي بحربته أو سهمه، ويعدل عن انتقامه، وتلك حيلة فطنت لها دون سواي من الأدباء، وستكون لي عدة في نزال الدفاع عن أفراد النقابة إذا ما التأم أمرهم، وتم اجتماعهم، فإذاهم جعلوني نقيبهم جعلت نفسي فداءهم، ولن يصيبني بفضل حيلة صديقي الشيخ أذى ولا ألم، وسأجعل همي أيها الأدباء الشبان إذا ما وفقكم الله إلى اختياري زعيماً لكم أن أقوم فيكم بدعوة أو (دعاية) كما يقول بعضهم تكون لكم فيها بركة إن شاء الله، وذلك أن أنصح لكم أن تقللوا من الاهتمام لما ينالكم من وراء ما تؤلفونه، وأن تقفوا من مؤلفاتكم موقف الناظر (المتفرج) لتروا ما يقول الناس فيها، ولكم الحق في أن تضحكوا ملء أفواهكم من سواكم سخرية إذا رأيتم أنه لم يوفق إلى فهم ما في مؤلفاتكم من جمال أو حقيقة وبذلك تكونون قد وقفتم من ناقدكم على سواة - فإذا لم تستطيعوا ذلك، ورأيتم أن الناقد قد أخذ عليكم مسامع الناس فأساء عندهم ذكركم، فأني أنصح لكم أن تروضوا أنفسكم على فلسفة الأستاذ الذي وصفت لكم حيلته حتى تصلوا بعد حين من رياضتها على تلك الفلسفة إلى مرتبة القدرة على أن تنظروا إلى مؤلفاتكم في شيء من الاحتقار، أليست مؤلفاتكم من صنعكم؟ وإذا لم تكن معجبة ولا باهرة، أليس في

стр. 4562

طاقتكم أن تخلقوا سواها؟ فإذاكانت باهرة ولكنها قد ظلمها النقاد، أليس في استمراركم على التأليف وإتيانكم بعد الآية الآية الأخرى، وإتحافكم الناس بمؤلف في أثر مؤلف أقوى دليل على حسن استعدادكم، وعلو كعبكم؟ وبعد، فهذه نصيحة أخرى، وهي أن يؤلف من يؤلف منكم لأنه مندفع إلى ذلك بميل في نفسه لا لكي يطلع الناس منه على ما يمدحونه به، فلأديب الصحيح من ألف لنفسه أولاً، ولا تظنوا أنني سأجتزئ من واجبات النقابة بالنصح لكم، بل سأتجه بكم نحو نضال يجعل المشايخ يطلبون عفو الشبان وهم جاثون خاضعون مذعنون، وليس في خطتي شيء عجيب، فإني لن افعل شيئا اكثر مما يفعله نقباء سائر النقابات، فإني إذا ما حزبكم أمر سأدعوكم إلى الاعتصاب والإضراب عن التأليف والكتابة إضرابا تاماً، فيعدل عند ذلك عن الاقتراب من الأقلام كل من يكتب منكم في مجلة أو صحيفة، أو من يؤلف الكتب سواء أكان ممن يكتبون في الجد أم في الفكاهة؛ وإذا ما رأى بعضكم أن ذلك غير ممكن لتغلب شهوة الكتابة عليه مهدنا له السبيل بأن نجعل في دار النقابة مطبعة ونجعل لها صحيفة ونقصر قراءتها على أفراد النقابة أو أعضائها كما يقولون أحياناً، وعند ذلك يجد شيوخ الأدب أنفسهم عدداً ضئيلاً، كما حدث لأشراف رومة من قبلهم منذ قرون، فلا يستطيعون أن يخرجوا جريدة ولا مجلة، ولا يجدون شيئاً ينتقدونه ويظهرون بنقده سيادتهم فتقف دواليب أعمالهم ويعضون البنان أسفاً على إحراجكم واغضابكم، ويلجئهم الحرص على مصلحتهم إلى طلب الصفح وإلى معاملتكم بالعدل والحق. حقاً قد يستريح الجمهور بضعة أيام من القراءة، غير انه قد يستجم في أثناء هذه الأيام قدرته على الاستقلال في التفكير فيكون أقدر على أن يزن أقوال مشايخ الأدباء فيكم وحكمهم عليكم، وعند ذلك لا أتشدد في مطالبي، بل سأقتصر على طلب واحد إلى مشايخ الأدباء، وذلك أنهم إذا شاءوا نقد مؤلف أحدكم فهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يذكروا محاسنه ومساويه كما قال أحد قدماء مشايخ الأدب، وأن يعدلوا في الحكم ماداموا يجعلون عنوان كتابهم (نقد كذا) وإما أن يجعلوا عنوان كتابتهم (محاسن كذا) ويكتفوا بذكر محاسنه أو (مساوئ كذا) ويكتفوا بذكر مساوئه، فإذاهم قبلوا ذلك الشرط أبحت لكم العودة إلى معاونتهم ومشاركتهم، وإن هم أبوه مضينا في الإضراب حتى تلجئهم ضرورة الحياة إلى النزول عند العدل.

стр. 4563

فهل من مجيب أيها الأدباء الشبان؟ (أديب)

стр. 4564

وفاء الطائر للآنسة أسماء فهمي درجة شرف في الآداب امتقع وجه الشمس، وخبَت أشعتها، وعلاها اصفرار، وأصابتها رعشة، وغشي الأفق حمرة الوجد في ساعة الغروب، ثم وجمت الطبيعة، واطمأن الجدول في سيره، ورق النسيم واستولى على الكائنات شعور منقبض حزين. . . ثم حالت نضرة الحقول في الأصيل؛ ونظر الناس إلى الشمس الغاربة فآثروا الرواح، وتململت الماشية، وقلق الصغار، فسارع القرويون إلى جمع شتات أدواتهم من فؤوس وسلاّت، وامتطوا دوابهم فصارت تعدو بهم يدفعها الحنين والشوق إلى الدار بعد نصب النهار؛ وسرعان ما ازدحمت بالعائدين الطرق والمسالك الموصلة إلى القرية. وكلهم مفتون بروعة المساء، الإنسان والحيوان في ذلك سواء. . . وأمام الدور في القرية تجمهرت النساء والأطفال، وسرت الحياة في الأرجاء، وتطاولت الأعناق لإجتلاء طلعة القادمين كما لو أن أمد الشوق والفراق قد طال. . . والطير لمحت بدورها احتضار الشمس من بين الأغصان، فتبادلت النظرات، وتجاوبت بالأغاريد كأنها تذكرت أمراً ذا بال، وسرعان ما جمعت جموعها وغادرت أسرّة الأغصان، وحلقت في الفضاء أسراباً تندفع اندفاعاً نحو العش بقوة الحنين وعزم الجناح. . والحق ليس هناك أروع من منظر الطير، يدفعها الحنان نحو العش فلا تعود تأبه بتدليل الغصن ولا بجمال الزهر ولا بوفرة الحَب، ولا بالمرح والتغريد. . . ولكن طائراً جميلاً يمتاز بقوة تغريده وشدة جرأته، وتدفق مرحه وحيويته، أغرته أكوام القمح الذهبية فترك أفنان الشجر وكاد يقع في شراك الفلاح لولا أن أنقذته سرعة قفزه، فنجا بأعجوبة بعد أن أصابه خدش في الجناح. ولم يدر الطائر لشدة فرحه بالنجاة حقيقة ما أصابه إلاّ عندما حان ميعاد الرحيل للعش، وناداه الرفاق فرفرف بجناحيه وفاضت نفسه بنشوة الحنين، ودفع جناحيه محاولاً أن يأخذ مكانه في مقدمة السرب، ويكون كعادته أول من تضمه أحضان الوكر. . . وصاح صيحة الطرب، واندفع إلى الأمام كالسهم، ولكن لم يلبث أن أخذ منه الجهد، إذ اتسعت شقة الجرح. فترنح في سيره، وأخذ يدور حول نفسه ثم

стр. 4565

استسلم لجاذبية الأرض. . وسرعان ما استحال طيرانه إلى قفز. . ونظر أمامه فوجد السرب قد توغل في الفضاء فداخله الهم، ولكن بقي لديه شيء من الأمل الذي كانت تحمله إليه بقايا أسلاك الشمس الغاربة، فصار يتعلق بها كما بتعلق الغريق بالأعشاب الطافية على وجه اليم. . على أن شعاع الأمل سرعان ما انطفأ مع أشعة الشمس، وانتشر الظلام في الأرجاء، وتسربل الكون بحلة سوداء. . والطائر المسكين لا يزال بعيداً عن العش، بينما الطيور الأخرى كانت في تلك الآونة تنعم بدفء الوكر وحنان الأهل، وتستقبل الظلام في هدوء واطمئنان؛ والناس والماشية بلغوا مستقرهم، والليل يهمس حولها: نعم عقبى الدار. . . أخذ الطائر الشريد يسير على غير هدى في دياجير الظلام واليأس - يرتطم بالحوائط والجدران والأشجار، ويتعسر في الوحل والشوك، وقد كان في وسعه لو أراد أن ينزوي في ركن من الأركان، أو يقضي الليل فوق غصن من الأغصان، ولكنه لم يشأ أن يتخذ عن عشه بديلاً، بل آثر الجهد والنصب آملاً أن تسوقه الأقدار بعد طول السهاد إلى العش الوثير المحبوب. . . واستحالت في نظره حرية الفضاء إلى سجن قاتم، وجمال الشجر إلى قبح دميم، ونفح النسيم إلى شواظ من نار، وأنسى الطائر فقد العش كل ما كان ينعم به من لذة ومتعة وشدو، طليقاً في سماء الصفاء والجمال. . . وبقي على تلك الحال من القلق والاضطراب إلى أن قاده الحظ العاثر إلى كوخ فلاح ينبعث منه نور ضئيل، فاندفع إليه في ساعة يأسه وحيرته دون تفكير. وهاجت الأطفال وماجت عند ما رأت وسطها الطائر الجميل، واجتهدت في حصاره وإلقاء القبض عليه، فاشتد هلع الطائر وقاوم مقاومة الأبطال، ولكن آلام جرحه اشتدت، وازداد تخبطه وتكرر سقوطه، وأخيراً وقع في الميدان صريعاً، فهجمت عليه الأعداء، ولكن سرعان ما تراجعت ووقفت مبهوتة صامتة مأخوذة برهبة الموت. . . ولم يعلم الأطفال والكبار شيئاً عن سر دخول الطائر في ظلام الليل، ولو علموا سبب حيرته واضطرابه، وأنه قاوم القدر وأبى أن يهجع في غير العش الرؤوم إخلاصاً منه وولاء، لنثرت عليه الزهور والرياحين، ولشغل مكاناً من القلب أسمى من المكان الذي يشغله آلاف الناس - الذين لا يتعصبون في الحياة لأمر، ولا يتطرفون في الغرام بشيء،

стр. 4566

ولا يفضلون داراً على دار. . بل قد لا يعبأون أن تضحّي سعادة أوطان بأكملها. . . بينما يموت طائر صغير شهيد الوفاء للعش. . . أسماء فهمي

стр. 4567

من الشعر المنثور المدينة الهاجعة للأستاذ خليل هنداوي مهداة إلى مدينتي الصغيرة الراقدة رقاداً عميقاً على الشاطئ الأزرق. . . . . صيداء. خليل خاطر أزعج نفسي … يا له من خاطر! ما له من أول … ما له من آخر دعوا مدينة البحر تنم هادئة، فقد أرقتها يقظة الشاطئ، لا توقظوها إذا جاء الفجر. . . أنها نائمة. نامت عن الأرزاء والشجون. واستسلمت للأحلام الجميلة وأطبقت عليها الجفون من فاته في اليقظة الهناء فليطلب النوم، ففيه شفاء وليفر أحلامه بألوان الضياء فتصبح الروح بها ناعمة ألا لا توقظوها. . . إنها حالمة نامت في غابر الزمن على الشاطئ الأزرق نوماً عميقاً، وفي النوم تتبدل الخاطرات، وتتغير الأرواح، إذ لا سكون في عالم الحركة، ولا وقوف في عالم الضوضاء. تبدلت مدينتي وهي راقدة، وهبت فلم تر من آثار أخواتها إلا أطلالاً بالية، ورسوماً عافية. فمشت بين مدائن غريبة حائرة ذاهلة، مشية أهل الكهف بعد يقظتهم! رجعت إلى شاطئها الأزرق كما قفل أولئك إلى كهفهم، لأن الحياة تنكرت لها ولهم فنامت. . . ولا تزال نائمة

стр. 4568

لا توقظوها. . . إنها حالمة. يهوي على قلبي أسى مبهم أكتمه قسراً فلا يكتم ألا أيها الأسى في أية جانحة تجثم؟ لا خمر تقوى على أمرك! ولا غادة تقوى على قتلك. . . أي أسى في روحي السائمة؟ تذوقت أيها الغريب جمال الصحراء الذي لا تنتهي حدوده كما لا تنتهي لها حدود، وفنيت مع طيوبها، وامتزجت مع ألوانها وجريت مع (فراتها) الصامت، ورتلت مع أطيارها، فمالك لم يشبعك جمال، ولم تذهلك هذه الأشكال؟ فيك وحشة من كل شيء، لا يغلب عليها شيء، ولا تنير آفاقك المظلمة شمس، ولا ينفذ إليها قمر لأن في روحك وحشة من كل شيء. . . لا الطبيعة تشبع نفسك، ولا عبيرها يسكر روحك. لأن مدينتك الصغيرة بعيدة عنك. . . وإن لم يكن لك في مدينتك - أيها الغبي - إلا الصخور والأمواج، فإنها ستدعوك إليها. لا حبيب في زواياها يناديك. ولا صديق يناجيك. الرمال التي تحسبها جامدة ميتة. . . الرمال التي كنت تعبث بها طفلاً تناديك. تناديك لتحتضنك. . . هي مبعث وحشتك، وموئل ذكرياتك. للصخور الصلدة روح، وللأمواج المتقلبة روح تحيا كلها في حنايا روحك هي نائمة كمدينتك النائمة. . . لا توقظوها. . . إنها نائمة

стр. 4569

ترقد مدينتي الصغيرة في كل شيء أراه، حتى في ذرات الرمال وقزعات السحاب. ويرن صوتها في كل مبعث صوت، حتى في وقع الأمطار. فأين أفر من وجهها، وكيف أصم أذني عن صوتها؟ وكل الأشياء التي نحيا فيها تحيا فينا. هي حية في نفسي. . . مدينتي الصغيرة هي مبعث وحشتي في هذه الحياة الغريبة. هي التي تجذبني إليها وتخيم فوق رأسي في غربتي كالسحابة السوداء، هي مجمع ذكرياتي التي تصطف للقائي في كل زاوية من زواياها، وفي كل ثنية من ثناياها سأحاول أن أنسى. . . وسيساعدني الزمان على النسيان، وأية ذكرى وأية خطرة تستطيع أن تثبت أمام سلطان الأزمان؟ لكن شاطئك الأزرق الجميل. . شاطئك الذي امتزج دمه بدمي، وخفق قلبه في قلبي، أنّى لي أن أنساه؟ هو كالقطرة التي تنعكس فيها كل السموات والنجوم. . . ألا هنيئاً للجالس على شاطئك الأزرق فانه مالك كل شيء. صيداء خليل هنداوي

стр. 4570

دنيا الأدب بقلم محمد قدري لطفي ليسانسييه في الآداب ليست هي دنيانا، فما ينبغي أن يكون هذا الأدب منها، وليست هي عالمنا، فما لهذا الأدب أن يدخل فيه، وإنما هي طبيعة الأدب تأبى أن يكون من دنيانا في شيء، فان أكثر دنيانا قبيح، وأكثر الأدب جميل، وعماد دنيانا الحقيقة وعماد دنيا الأدب الخيال، والعقل في دنيانا عنصرها الأكبر، والعاطفة في دنيا الأدب عنصرها الأول، والمرء في دنياه يرى بعيني رأسه، ويرى في دنيا الأدب بعين قلبه، وهو في الدنيا مادي، قد يمسك بالزهرة فيقطعها في غير رحمة التماس عبيرها، فيظلّ به حتى ينفذ، ثم يلقيها كأن لم تبهره لحظة بجمالها، ولم تنعشه برهة بأريجها، وهو في دنيا الأدب روحي، إذا أمسك بالزهرة فإنما يمسها في رفق، وإذا التمس شذاها فإنما يفعل في حذر واحتياط، حتى إذا أعجبه عبيرها لم يقتطفها ولم يلقها، وإنما تراه يستخلص من عبيرها الطيب بيتاً ينظمه، أو قصيدة ينشئها، أو سطوراً يكتبها، وتراه يغوص في قرار المعاني ويصعد إلى عنان اللغة ليسجل للخالق حسن الصنعة ودقة الخلق وجمال التكوين، وتراه يوفي الزهرة حقها من الإعجاب والإطراء، ويبادلها حسنا بحسن ومتعة بمتعة. والمرء في دنياه يتكلم فيما يشاء بما يشاء، وهو في دنيا أدبه لا يتكلم إلا فيما حرك شعوره وهز عاطفته، فإذافعل فباللفظ المختار وبالمعنى المنتقى، والمرء في دنياه حين يتكلم لا يكاد يقع قوله إلا من نفوس قليلة مهما تكثر فلن تخرج عن الحصر، ولن تفوق العد، وهو في دنيا الأدب يتكلم فيلتقي بعواطف الجموع ويضرب على أوتار القلوب، وقد ينتقل قوله من لغة إلى لغة وينتشر حديثه من لسان إلى لسان، فيفنى هو وما قال باق على الدهر خالد على الأيام، وقد يظل المرء في دنياه من غير صاحب، وقوله في دنيا الأدب يلقى الصحاب في كل مكان، ويتخذ سميراً في الجماعات أو خليلاً في الوحشة، أو مؤنساً في الوحدة، يصادف من كل قلب مبتغاه، ويلقي عند كل امرئ قبولاً، ويقع من كل نفس موقع البرء من السقام ودنيانا محدودة وان ترامت حدودها، مقيدة وان اتسعت قيودها، ودنيا الأدب لا تعرف الحد ولا تعرف القيد، فالأدب يعيش في كل مكان ويحيا في كل زمان، يتناول كل شيء، وقد

стр. 4571

يتخذ لنفسه موضوعا من لاشيء، وليس توخي الجمال فيه ولا التزام أوجه الحسن في فنونه قيداً له ولا عيباً في دنياه، وإنما هو الجمال طبيعته وعنصره، ما أن يفقده حتى يخرج من دائرة الأدب إلى دائرة الكلام البحت والحديث الصرف. فالشعر إن فقد الجمال كان نظما فحسب، لا هو بالشعر ولا هو بالنثر، قد وقف بين الصناعتين لا يدري أهو من هذه أم هو من تلك، والنثر إن فقد طلاء البلاغة لم يكن من الفن في شيء، وكما تغلو الأشياء في دنيانا وترخص، يغلو الأدب في دنياه، وتنحط قيمته تبعا لمقدار الجمال فيه، وأكثر موازين دنيانا الكم، وميزان دنيا الأدب الكيف. على أن دنيا الأدب وان كانت جمالاً كلها فليست نعيما كلها، وان كانت إعجابا كلها فليست تخلو من العجب، فقد أقام البؤس فيها إلى جانب الجمال، وسكنت الفاقة فيها إلى جانب الحسن، وكثيراً ما تحالفا على غير فكاك، وتوافقا على غير خلاف، شأن دنيا الأدب في ذلك شأن دنيانا، فانك لتجد فيها الوجه الجميل في المسكن الذليل، وغالباً ما يلقاك الشرف الرفيع في الكوخ الحقير، وكثيراً ما تحل السعادة حيث ترق الحال، ويقيم الهناء حيث يحل الفقر. ودنيا الأدب لا آخره بعدها، ولا إمهال فيها، وإنما يلقي صاحب الأدب فيها حسابه سريعاً فيجزى به أو يعاقب عليه، فما هو إلا أن يظهر أهل دنياه على ما أتى من عمل فني حتى يتولاه النقاد من قومه بالحساب، يحاسبونه حسابا فيه يسر حيناً، وكله عسر أحياناً، وحساب أهل الأدب على عسره ليس يخلو من عجب، فلا الخير فيه خير بالاجماع، ولا الشر فيه بالإجماع، وإنما الخير عند زيد شرٌّ لدى عمرو، والشر يراه هذا خيراً، والخير في عرف ذاك شر، قد تفاوتت الموازين، وتباينت المكاييل، وليت شعري متى يشاء ملائكة النقد أن يكون لدنيا الأدب ميزان يزن به الجميع، وكيل يكيل به الجميع. فقد خلق الناقدون وكل معه ميزانه، وكل في يده كيله، فاختلفت أحكامهم على العمل الفني الواحد، وتعددت أقوالهم في إنتاج الأديب الواحد، ولعل دنيا الأدب لم تظلم صاحب الأدب حين أباح له حرية الدفاع عن آثاره الأدبية والرد على محاسبيه، والتماس الحق لجانبه. ومن غريب دنيا الأدب أنها تبيح حساب المرء حياً وميتاً، فيتناول النقاد سيرته بالتحليل ويتولون حياته بالتمحيص، ويظهرون الناس على أقواله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وانك لتجد الشاعر أو الناثر قد

стр. 4572

فارق دنياه منذ قرون، وأسدلت السنون عليه وعلى قومه حجابا من النسيان، ومع ذلك فهو في دنيا الأدب حي مذكور لا يزال النقاد يحاسبونه على شعر قرضه، أو نثر كتبه، أو قصة حاك أطرافها، ولا يكتفون من ذلك بالمئات من المرات. ومما يحاسب المرء عليه في دنيا الأدب عدا الإجادة في الفن أو التقصير فيه ما قد يرتكبه من سرقة لثمار العقول أو نتاج العواطف فينتحل لنفسه ما ليس له. غير أن الحساب على هذا الذنب ليس كما ينبغي له من العسر والشدة، وليس كما يتفق مع خطره من القسوة والقوة، وإنما هو مباح أو كالمباح حتى خشيت دنيانا هذه الإباحة من دنيا الأدب، وخافت على أهلها من دعاة الأدب أن يبيحوا فيها ما ليس إلى إباحته من سبيل، فأفسحت صدرها لمن يلجأ إليها من دنيا الأدب، شاكياً ما استحله الغير من ثمرات قريحته ووحي خاطره فحمته بتشريعها، وأحاطته بسياج من قانونها. وفي دنيا الأدب من المفارقات العجيبة والسير الطريفة ما لا تتسع له الصحائف، فكيف يقوى كاتب على دنيا بأكملها يحصى ما بها ويعدد ما فيها. محمد قدري لطفي

стр. 4573

٨ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور الشيخ مصطفى السفطي مصطفى السفطي بن مصطفى الفاكهاني السفطي بن علي السفطي أبن احمد شلبي، نسبة إلى سفط القطايا، ولد بمصر القاهرة حوالي سنة ١٢٥٠، وأرسل إلى المكتب في السابعة من سنيه، ثم تنقل من مكتب لآخر حتى حفظ القرآن الكريم، واشتغل بتجويده في الأزهر، ثم شرع في طلب العلم على شيوخ عصره، فقرأ الكفراوي على أحد العلماء المبتدئين في التدريس، فكان يحفظ العبارات ولا يفقه لها معنى، ولما أعيي عليه أمره، وتعذّر عليه إعراب أمثلة من غير هذا الكتاب أعاد قراءته، ولكنه لم يستفد شيئاً. وكان بجوار داره دار السيد احمد البقلي أحد المدرسين بالمدارس، وله ولد أراد أن يقرأ القرآن مع المترجم، فشكا المترجم له من تعسر النحو عليه، فأشار عليه بشراء متن الآجرومية وأمره بحفظه، ثم شرع في إعرابه له على الطريقة الأزهرية، فلم يستفد شيئاً أيضا؛ وشكا من ذلك للشيخ محمد الدمنهوري، فأمره بترك طلب النحو كلية حتى ينسى ما علق بذهنه، ففعل واقتصر على الفقه، فحضر أبن قاسم على الشيخ البيجوري، وكان يتفهمه بخلاف النحو، فمالت نفسه إليه فحضره مرة ثانية على الشيخ فتّوح البيجرمي، ثم مرة ثالثة على الشيخ عبد الرحمن القباني أحد تلاميذ الشيخ فتوح المذكور، وكان يطالعه لإخوانه المبتدئين. ثم قرأ الكتب المتداولة بالأزهر، ولم تفتر نفسه عن طلب النحو على ما لاقاه فيه من الصعوبة، فصار يتردد على الشيخ محمد الدمنهوري ومعه متن الآجرومية فقط، وصار الشيخ يقول له اقرأ هذه الجملة ثم تفّهم معناها بنفسك ولا تنظر لأقوال الشراح، فيفعل، فتارة كان يخطئ وتارة يصيب، وسهل عليه فهم هذا العلم بهذه الطريقة؛ وكان أحد أصحابه مبتلى بمثل ما ابتلى به، وأخبره أن عند علي العروسي شرحاً للرملي على الآجرومية، فاستعاره منه وقراه معاً، فكانا بفهمان ما فيه فهماً جيداً. ثم اجتمع المترجم بانسان كفيف البصر اسمه الشيخ علي الفيومي، له باع في العربية، فقرأ عليه مع صاحبه كتاب الشيخ خالد والأزهرية، والقطر، وأبن عقيل؛ ثم أعاد المترجم القطر علي الشيخ الشبيني بالأزهر، وقرأ التحرير والمنهج على الشيخ مصطفى المبلّط، وهو آخر حضوره في الفقه. ثم قرأ

стр. 4574

علوم البلاغة بالأزهر، والعروض مع إعادة البيان بالمطالعة مع بعض تلاميذ رفاعة بك: كقدري باشا وإبراهيم بك مرزوق. وبعد ذلك انتخب مدرساً بالمدرسة التجهيزية سنة ١٢٩٠ في أول نظارة رياض باشا على المعارف، وكانوا إذ ذاك يقرأون بها الأنموذج للزمخشري في النحو؛ ثم كُلف بتأليف رسالة في الصرف ففعل، وقرأها للتلاميذ نحو ثلاث سنوات، ثم اتفق مع بعض المدرسين على تأليف رسائل في البلاغة والصرف بتوسُّع أبسط من الرسالة الأولى، وقرأ بها سنوات، ثم أُمر بقراءة العروض والقوافي في المدارس، فاستحسن رسالة أبي الجيش وأقرأها، ثم وضع رسالة في العروض والقوافي أتم بها ما أراده أبو الجيش، ولكن وقع ما منعه من تقديمها للمدارس، ثم كلف بوضع رسالة في علم الرسم، فوضع رسالته (عنوان النجابة في قواعد الكتابة) وقرئت بالمدارس. ونقل بعد ذلك للمدرسة الابتدائية المسماة (بالمبتديان)، وكان ذلك سنة ١٣٠٦، فألف بها رسالة بالاشتراك مع غيره في المترادفات، ثم نقل إلى المدرسة السنية الخاصة بتعليم البنات، فبقي بها سنتين ألف فيها رسالته (محاسن الأعمال)، ولما عرضت على المجلس العالي بنظارة المعارف استحسنها أعضاؤه جداً وقالوا: الأولى أن تكون بيد المعلمات لا بيد المتعلمات. ثم أخذت قوته في الوهن، وبصره في الضعف لكبر السن، فعرض استقالته على النظارة مبيناً السبب. فأحيل على الكشف الطبي، ثم أحيل على المعاش. وله من التأليف غير ما تقدم رسالة في الصرف اسمها (قرّة الطرف) أوسع من المتقدمة، وأخرى في النحو وهي (منحة الوهاب في قواعد الإعراب)، وهي نظم. ومن شعره: الحمد الله لا فقر يضرّ ولا … غنى يغرّ فلا حزن ولا فرح وليس لي مطمع في الناس يلجئني … للذم والمدح إن ضنوا وإن سمحوا وأسأل الله حاجاتي فيمنحني … من فضله فوق ما أهوى وأقترح وله: قد يسر الله أسباب المعاش لنا … بالعقل والرزق موقوف على القسم ليعلم العبد أن الله يرزق من … يشاء بالفضل لا بالسعي والهمم فيطلب الرزق بالأسباب معتمداً … على الذي أوجد الأشياء من عدم ولا يخاف ولا يرجو سواه ولا … يحيد عن منهج الأحكام والحكم

стр. 4575

وكان ﵀ طيب الخلق، حسن المعاشرة، اعتكف في داره بعد فصله من المدارس على الاشتغال بالعبادة ومذاكرة العلم مع بعض من يسمر معهم من إخوانه وأخلائه، أو استقلالاً بنفسه، وكان في مبتدأ أمره مولعاً بالسماع، وتشبث بتعلم الموسيقى، فلازم الشيخ محمداً شهاب الدين الشاعر المشهور، وكان متقناً لها، فأخذها عنه وأتقنها، ولكثرة مطالعته لكتب الأدب صارت له ملكة أدبية، ومعرفة بجيد الشعر ونقده. ثم ما زال على هذه الحالة المحمودة حتى أرهقه الكَبر وضعف عن المشي، فلزم داره لا يخرج منها إلاّ لصلاة الجمعة في أقرب مسجد اليه، ومع ذلك فلا يبلغه إلا بمشقة زائدة. وتوفاه الله إلى رحمته في يوم الثلاثاء ٢١ رمضان سنة ١٣٢٧. الشيخ احمد أبو خطوة الحنفي أحمد بن أحمد بن محمد بن حسب الله بن علي بن محمد بن علي أبن مدكور بن أبي خطوة المدفون في مطوبس أبن مدكور بن شكر بن هاشم بن محمد وهو أول من نزل بكفر ربيع منهم ودفن به، أبن سالم المدفون بالحدّين بالبحيرة، أبن موسى بن حسن بن احمد أبن علي بن شكر بن إبراهيم بن أحمد بن شاكر بن حسن بن علي أبن محمد بن علي أبن السيد عبد الرحيم القنائي صاحب الضريح المشهور بقنا أبن هريدي بن جعفر بن حمّاد بن سعادة بن عبد اللطيف القاسم بن عبد الله بن عبد اللطيف بن هاشم بن عبد الجواد أبن محمد بن عليالرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن آلاما الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب. هكذا أملى عليّ نسبه من لفظه. . ولد في ٢٠ ذي القعدة سنة ١٢٦٨ ببلدة كفر ربيع التابعة لتلا من أعمال المنوفية ونشأ بها، فحفظ القرآن وبعض المتون، ثم سافر للقاهرة لطلب العلم بالأزهر في ١٦ شوال ١٢٨١ واشتغل فيه بالطلب وقراءة الفقه على مذهب الإمام الأعظم. ومن شيوخه الشيخ محمد البسيوني البيبانيّ، والشيخ أحمد الرفاعيّ الفيوميّ، والشيخ عبد الرحمن البحراويّ، والشيخ عبد الله الدرستاويّ، والشيخ حسن الطويل وكان أكثر اشتغاله في المعقول على الشيخ حسن الطويل ولازم صحبته وتخلّق بأخلاقه، وقرأ عليه بداره العلوم الحكميّة والرياضّية فتلقى عنه شرح الهداية للميبدي، والطوالع، وأكثر المقاصد والمواقف، وإشارات أبن سينا بالشروح لنصير الدين الطوسيّ والإمام

стр. 4576

الرازيّ، والمحاكمات، وبعض كتاب النجاة لأبن سينا، وأشكال التأسيس بشروحها في الهندسة، وتحرير أقليدس، وفي الهيئة شرح الجغميني، وتذكرة نصير الدين الطوسيّ، وفي الحساب خلاصة بهاء الدين العامليّ بشرح البورصاوي، والمعولة وشرح أبن الهائم وغيرها، وفي المنطق القطب بحواشيه والمطالع والخبيصيّ وايساغوجي وغير ذلك من هذه العلوم. وامتحن للعالمية والتدريس في ١٨ صفر سنة ١٢٩٣ وكان مجلس الامتحان مكوّناً من الشيخ عبد الرحمن البحراويّ والشيخ عبد القادر الرافعيّ الحنفّيين، والشيخ أحمد شرف الدين الموصفيّ والشيخ زين المرصفيّ الشافعّيين، والشيخ احمد الرفاعي والشيخ أحمد الجيزاوي المالكيّين، برئاسة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد المهدي العباسي، فلما امتحنوه أعجبوا به اعجاباً شديداً لجودة تحصيله وشدّة ذكائه فأجازوه، إلاّ أنه اخر التدريس لسبب اشتغاله بتتميم ما كان يقرؤه على شيخه الطويل ثم ابتدأ في القراءة بالأزهر سنة ١٢٩٦ فقرأ به الكتب المتداولة به وغيرها، وتخرّج عليه من الأفاضل منهم السيد محمد شاكر، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد بخاتي، والشيخ سعيد الموجي، والشيخ محمد الغريني، والشيخ مصطفى سلطان وغيرهم. ثم جعل مفتياً لديوان الأوقاف فكانت له اليد الطولى في إصلاحه وعاون من به على تحسين أموره بجودة عقله وحسن رأيه، وحسبك انه دخله وإيراده مائة وعشرون ألف دينار وخرج منه وإيراده يربو على المائتين. ثم نقل عضواً في المحكمة الشرعية الكبرى بالقاهرة ورأس المجلس العلمي للنظر والفصل في القضايا الكبرى، ثم انتدب للمحكمة العليا بعد ذلك فكانت له اليد الطولى في إصلاحها ومنع شهادات الزور وإصلاح حال المحامين، وكانت وفاته في شوال سنة ١٣٢٤. حسن أفندي عبد الباسط الحُوَيّ كان خِلَاسيّ اللون يشبه الحبش، وبوجهه أثر جدريّ، وكان أديباً شاعراً هجّاء، خبيث اللسان مجيداً، إلا أنه مقلّ، استخدم بالإسكندرية فكان رئيس قلم في الضبطية حوالي سنة ١٢٨٥، وبقي بها إلى سنة ١٢٩٠، وكان بها إذ ذاك مصطفى صبحي باشا الشاعر المشهور، فكان يجتمع به من بها من الأدباء والشعراء، فيسمرون معاً ويحيون الليالي

стр. 4577

بالمذاكرة وإنشاد الشعر، واتفقوا على تسمية مجلسهم بالمربد، وألا يقبلوا به أحدا إلا إذا ارتضوا به جميعاً، فكان المترجم ممن رضوا به أن يكون من شعراء المربد، وكانت تمر عليهم ليال يقترحون فيها ارتجال الشعر، ويعيّنون عدد الأبيات والوقت الذي يجب نظمها فيه، فكان أحدهم إذا تعذرت عليه قافية وأعجله الوقت ارتجل كلمة لا معنى لها، أو لها معنى لا يوافق السياق وتمم بها البيت، فاجتمعت لهم من ذلك ألفاظ غريبة مضحكة سموها بالألفاظ المربدية. ثم تنقلت الحال بالمترجم فاستخدم معاوناً بمديرية الشرقية، ثم فصل فضاق به العيش وفتح حانوتاً بالزقازيقً للصيدلة القديمة، المسماة في العرف الآن بالعطارة؛ وكان أمره بها عجباً، فانه اقتنى كتباً من مفردات الطب وقانون أبن سينا، وصار إذا طلب منه أحدهم بيع عقّار من العقاقير، سأله عن سبب حاجته إليه وقام إلى تلك الكتب فاستخرج له منها مزاياه وما يداوي به من العلل، وبقي مدة على ذلك حتى توفاه الله بعد سنة ١٣٠٠. ومن شعره يمدح محمداً فتح الباب أفندي كبير كتّاب ديوان البحر: رأيت العلا ترتاد بعلاً لنفسه … وقد خطبتها قبل ذاك الأوائل فقمنا سراعاً قاصدين لخدرها … عساها بنا ترضى ويُجلى التواصل فلما رأتنا واقفين ببابها … أشارت لفتح الباب منها الأنامل وكان ﵀ على خبث لسانه طرفة من الطرف، وأعجوبة من العجائب: في حسن المنادمة وحضور الذهن وسرعة الجواب؛ رآه مرة يعضهم وهو مسافرَ إلى الزقازيق في القطار ومعه جراب يحمله بيده، فقال له مداعباً: أظن هذا جراب الحاوي، أي المشعبذ. فقال لا يا سيدي، هذا جراب الُحَويّ! إبراهيم بيك مرزوق الشاعر تلقى العلم بمدرسة الألسن، وتخرّج على ناظرها رفاعة بك رافع الشهير، فقرأ بهذه المدرسة النحو والصرف وباقي علومها، وبرع في الفرنسية. وكان لرفاعة عناية خاصة في تلقين تلاميذه العربية والعلوم الأدبية، وتدريبهم على نظم الشعر، فكان للمترجم حظ من هذه الصناعة، فنظم الشعر الجيد من المقطّعات والقصائد، اعتنى بجمعها بعده محمد سعيد بك أبن جعفر مظهر باشا سنة ١٢٨٧ في ديوان سماه (الدرّ البهيّ المنسوق، بديوان إبراهيم بك

стр. 4578

مرزوق) وطبع بمصر. ولما أتم المترجم علومه بالمدرسة استخدم ديوان كان يقال له (ديوان الهرجلات) وهو خاص ببيع الخيل والماشية التابعة للحكومة، ثم نقل منه للقلم الإفرنجي بالضبطية، وفصل منه مدة عبده باشا ضابط مصر، ثم عاد إليه بعد نحو ثلاث سنوات، وكان مدة توليه لهذا القلم كثير المعاكسة للإفرنج إذا وقع أحدهم في سجن الضبطية، أو كانت له دعوى بها، قلما كان يسلم من أذاته، حتى ضج منه وكلاء الدول وأكثروا من الشكوى، فلم يكن يثبت عليه شيء عند التحقيق، والسبب في ذلك أنه كان يعتمد على إخوانه ومرءوسه بالضبطية على إيصال الأذى اليهم سراً، نكاية بهم لطغيانهم على الرعية، وتدرّعهم بدروع الحمايات. وفي مدة وكالة إسماعيل باشا الخديو نقل المترجم معاوناً بمجلس الأحكام، ثم لما تولى هذا الخديو على مصر أرسله ناظراً للقلم الإفرنجي بالخرطوم قاعدة بلاد السودان، فبقى إلى أن توفي بها سنة ١٢٨٣. وكان مربوع القامة، أبيض اللون، قد وخطه الشيب، ومات بعد ما تجاوز الستين، رحمه الله تعالى. الشيخ مصطفى سلامة النجّاري توفي والده وهو صغير، فتكفل به زوج أمه ورباه، فلما ترعرع مال للأدب، وقرض الشعر، فاتصل بالشيخ على الدرويش، وتخرّج عليه في النظم، واتصل بعد ذلك بأسرة المويلحي، ففتحوا له حانوتاً بالتربيعة لبيع الحرير فلم يصادفه النجاح، ثم جعل منشئاً بالوقائع المصرية، ولم يزل يكافح زمنه حتى اتصل بوالي مصر سعيد باشا، وصار شاعره وتقرب إليه ونال جوائزه، فحسنت حاله، واجتمع بأكابر الدولة ومدحهم وداخلهم فنال وجاهة وصار له شأن يذكر، وجمع ما نظمه في مدح سعيد باشا في ديوان خاص، وهو الذي جمع ديوان أستاذه الدرويش وسماه الأشعار بحميد الأشعار.

стр. 4579

الكندي (هو من الاثني عشر عبقرياً الذين ظهروا في العالم) كاردانو للأستاذ قدري حافظ طوقان مقدمة: ليس أصعب على الباحث من الكتابة عن حياة عالم لمُ يعطه التاريخ حقه من البحث والاستقصاء، ويزيد في الصعوبة التشويه الذي نجده في حياة كثيرين من علماء العرب والمسلمين. فكم من حقائق لم تذكر، وكم من حوادث أخذت على غير حقيقتها فسيئ فهمها، وكم من اختراع للعرب نُسب لغيرهم، وكم من تلاعب طرأ على التراث الإسلامي فجعل كثيرين من شبابنا يشكون في مجد أمتهم ومدنيتها وقابليتها على الإنتاج. ومن الغريب أن تجد بعض علماء الفرنجة (لبقين) في الكتابة عن نوابغ العرب، فهناك شخصيات عربية وإسلامية لمعت في نواح عديدة من المعرفة، ومن الطبيعي أن يختلف اللمعان، فبينما تراه شديداً في فروع، تراه في الأخرى وفي الوقت نفسه غير شديد. ويأخذ بعض الإفرنج النواحي الشديدة اللمعان ويذكرونها ويهملون النواحي الأحرى إهمالاً كلياً لا يعيرونها أي اهتمام ولا يأتون على ذكرها. ولا شك أن في هذا إجحافاً لا يستسيغه عقل ولا يقبله منطق، وعلينا أن نعمل جهدنا لنظهر هذه ونعطيها حقها من التنقيب والبحث. خذ أبن سينا (مثلاً) فقد اشتهر في الطب والفلسفة، وقليلون جداً الذين يعرفون أنه كان رياضياً وطبيعياً، وأن له في كل هذه جولات وآراء سديدة قيمة، فلقد أفاد الفيزياء ببحوثه المبتكرة فيها، كما أنه استطاع أن يقدم خدمات جليلة لبعض الفروع من العلوم الرياضية. وإذا اطلعت على ترجمة حياة أبن يونس في دائرة المعارف الإسلامية تجد أن كاتب الترجمة قد وفي حق أبن يونس في نواح ولم يوفها في نواح أخرى فلقد جهل أو نسى أو تناسى (لا أدري) أن يذكر أن الرقاص (بندول الساعة) هو من مخترعات أبن يونس وناهيك بالرقاص والفوائد التي جنتها المدنية منه. ولا أكون مبالعاً إذا قلت إنه يندر أن تجد واحداً يعرف أن عمر الخيام كان من كبار رياضي زمانه ومن فحول فلكي عصره، فلقد قدم خدمات حقيقة

стр. 4580

للرياضيات والفلك لا تقل عن خدماته للشعر والفلسفة، وما يقال عن هؤلاء يُقال عن غيرهم. منشؤه: والآن. . . نعود إلى الكندي فنقول: قل من يجهل أن يعقوب الكندي من أشهر فلاسفة الإسلام، ولكن قل من يعرف أيضاً أن له فضلاً على العلوم الرياضية والفلكية إذ كان من الذين امتازت مواهبهم في نواحيها العديدة، ومن أوائل الذين اشتغلوا وألفوا في العلوم الدخيلة. يقول كتاب التمدن الإسلامي (. . . فبعد أن كان العرب في صدر الإسلام يستنكفون من الاشتغال حتى في العلوم الإسلامية. . أصبحوا لا يستنكفون من الاشتغال حتى في العلوم الفلسفية الدخيلة، وأول من اشتغل فيها أبناء ملوكهم. .) كان الكندي عالماً بالطب والفلسفة والحساب والهندسة والمنطق وعلم النجوم، وتأليف اللحون، وطبائع الأعداد. وهو يمت بالنسب إلى أحد الملوك العرب، وكان أبوه أميراً على الكوفة (محل ولادته). وقد وُلد في بداية القرن التاسع للميلاد ولم نتمكن أن نعثر بالضبط على تاريخ ولادته. أما تاريخ وفاته فيرجح أنه في أواخر القرن التاسع. درس الكندي في بادئ أمره في البصرة ثم أتم تحصيله على أشهر العلماء، هذه الفرص التي لم تكن تسنح لغيره، واستعداده الفطري واستغلاله لكل ذلك أوجد له مكاناً ذا حرمة واعتبار عند خلفاء بني العباس حتى أن الخليفة المأمون انتخبه ليكون أحد الذين يُعهد إليهم ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من حكماء اليونان. ولم يخل الكندي من أناس يناصبونه العداء إما حسداً وإما غير ذلك كالقاضي صاعد بن أحمد القرطبي، وأبي معشر جعفر بن محمد البلخي ويُقال إن هذا الأخير كثيراً ما كان يشاغب عليه ويشنع بحجة أخذه بعلوم الفلاسفة، وقد تمكن الكندي مرة بثاقب نظره أن يتخلص منه، وذلك بأن بعث مَنْ حسّن له النظر في الرياضيات وفعلاً اشتغل أبو معشر بها زمناً، ولكنه لم يوفق، فعدل عنها إلى علم النجوم، وقد وجد فيه لذة فعكف عليه وأحب من يشتغل فيه وأصبح من أصحاب الكندي ومن المعجبين بعلمه ونبوغه آثاره:

стр. 4581

والكندي أول من احتذى حذو ارسطوطاليس، كان ملماً بحكمة الهنود، فسر كثيراً من كتب الفلسفة ووضع بعض النظريات الفلسفية في قالب مفهوم حتى إن كتبه في المنطق وغيره لقيت إقبالاً عظيماً، (وله رسائل ومؤلفات في علوم شتى نفقت عند الناس نفاقاً عجيباً، وأقبلوا عليها إقبالا مدهشاً) هذا وغيره أوجد له في قلوب معاصريه حسداً فنقموا عليه وحاولوا مراراً النيل منه، وأن يوقعوا بينه وبين الخليفة فنجحوا في ذلك، ولكن إلى زمن لم يطل أمده. كان الكندي مهندساً قديراً كما كان طبيباً حاذقاً وفيلسوفاً عظيماً ومنجما ماهراً، وقد ترك آثاراً كباراً حليلة جعلت العالم الإيطالي (كاردانو) يعده من بين الاثني عشرا عبقرياً الذين هم من أهل الطراز الأول في الذكاء، وجعلت أيضاً (باكون) الشهير يقول (إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس) ويقول كتاب (آثار باقية) (إن الكندي أول من حاز لقب فيلسوف الإسلام.) وكان يرجع إلى مؤلفاته ونظرياته عند القيام بأعمال بنائية كما حدث عند حفر الأقنية بين دجلة والفرات. وعلى ذكر الأقنية يقال إنه كان في بلاط المتوكل أخوان اشتهرا بالهندسة والأعمال التطبيقية، وهما محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر، وكان يعز عليهما أن يظهر غيرهما بمظهر الماهر المتفوق، وبذلك لم يتركا فرصة للنيل من كل من عرف بالمعرفة والتفوق في علم من العلوم، ومن الطبيعي أنه لم يكن يروق لهما أن يسمعا عن الكندي وفضله، سيما وأنه ذو مركز عظيم في البلاط فسعيا في الوشاية عليه، وكان لهما ما أرادا في بادئ الأمر، واستطاعا أن يجعلا الخليفة يأمر بمصادرة مؤلفاته وكتبه. وكان يقال إن مراد ابني موسى من المصادرة هو أن يستفيدا من مراجعة الكتب في حفر القناة الجعفرية، ولكنهما فشلا في إنشائها فاستدعيا المهندس الشهير سند أبن علي لحل بعض المعضلات التي وجداها عند حفر القناة، فوعد بحلها وبمساعدتهما على شريطة أن يرجعا للكندي كل كتبه، وأن يسعيا لدى وليّ الأمر في العفو عنه وفي إزالة ما أوجداه من فتور وسوء تفاهم. وقال الكندي بأحكام النجوم، وكان يرجع بعض الظاهرات والحوادث إلى أسباب فلكية فيستمد من أوضاع النجوم وحركاتها بعض التنبؤات. فيقال إنه نهى عن الاشتغال بالكيمياء للحصول على الذهب، وقال إن في ذلك تضييعاً للوقت والمال، وقد ألف في هذا الموضوع

стр. 4582

رسالة سماها (رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة وخدعهم). وقد أفادت رسالته هذه بعض معاصريه والذين أتوا بعده، إذ لا يخفى أن كثيراً من علماء القرون الوسطى أضاعوا معظم أوقاتهم في الكيمياء للحصول على الذهب، وله مؤلفات في المرئيات والبصريات وقد وضع كثيراً من نظرياتهما في قالب رياضي، وكان لبحوثه هذه تأثير كبير على دراسات باكون وواتيل، وكتب في الموسيقى وأعطى طرقاً لإيجاد التردد. مؤلفاته: وللكندي مآثر جمة تظهر في أكثر العلوم بل تكاد تسجلها كلها فقد ألف في الفلسفة وعلم السياسة والمنطق والحساب والكريات والموسيقى والنجوميات والهندسة والفلك والطب والاحكاميات والجدليات والنفسيات والإحداثيات والأبعاديات والتقدميات، كل هذه وغيرها مذكورة في كتاب الفهرست لابن النديم، وتبو على ٢٣٠ كتاباً، وله فوق ذلك رسائل في علم المعادن وأنواع الجواهر والأشباه وفي أنواع الحديد والسيوف وجيدها ووضع انتسابها. أما تأليفه في الرياضيات والفلك فأهمها رسالة في المدخل إلى الارثماطيقي خمس مقالات، كتاب في استعمال الهندي أربع مقالات، رسالة في تأليف الأعداد، رسالة في تسطيح الكرة، رسالة في علل الأوضاع النجومية، كتاب في أغراض كتاب أقليدس، كتاب في تقريب قول ارشميدس في قدر قطر الدائرة من محيطها، رسالة في تقسيم المثلث والمربع وعملهما، كتاب في كيفية عمل دائرة مساوية لسطح اسطوانة مفروضة، رسالة في قسمة الدائرة ثلاثة أقسام، رسالة في صنعة الإسطرلاب بالهندسة، رسالة في ظاهريات الفلك، رسالة في استخراج بعد مركز القمر من الأرض، رسالة في استخراج آلة وعملها يستخرج بها أبعاد الأجرام، رسالة في الحيل العددية وعلم إضمارها، وو. . . الخ تلاميذه: وقد أخذ عن الكندي طلاب كثيرون منهم أبو العباس أبن محمد بن مروان السرخسي، وكان متفنناً في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب، قرأ على الكندي وعنه أخذ، اشتهر في الفلسفة والطب وكان موضع سر المعتضد، وكذلك أبو زيد أحمد أبن سهل البلخي فقد أخذ عن الكندي، وكان له مقام رفيع، ودعي جاحظ خراسان. ومن تلاميذه أيضاً حسونيه

стр. 4583

ونفطويه وسلمويه وغيرهم كثيرون. نابلس قدري حافظ طوقان

стр. 4584

من طرائف الشعر فرحة الألم لشاعر الشباب السوري أنور العطار لَقَدْ صَاغَنيِ اللهُ جَمَّ الشُّجُونِ … وَيَأْبَى فُؤَادِيَ إِلاَّ المَرَحْ يُبَدِّدُ أَحْزَانَ قَلْبيِ الرَّجَاءُ … وَيَمْحُو صَفَائَي طُول التَّرَحْ أُهَدْهِدُ أَوْجَاعِيَ الصَّارِخَاتِ … وَأُرْقِدُهَا بالمُنَى وَالمُلَحْ سكِرتُ مِنَ الدهْرِ حَتَّى انْتَشَيْت … فَلَسْتُ أُبَاليِ بِخَمْرِ الْقَدَحْ كَأَنّي أَخُو سَفَرٍ لا غِبٍ … تَهالَكَ مِنْ جَهْدِهِ وَارْتَنَحْ فَطُوبَى لِجُرْحِىَ إِمَّا اسْتَفَاضَ=وَطُوبَى لِقْلبَي إِمَّا انْجَرَحْ تَعَلَّمْتُ بالنَّوْحِ سِرَّ النَّعِيمِ … وَأَدْرَكتُ بالشَّجْوِ مَعْنَى الْفَرَحْ سَجَتْ لَيْلَتِي وَترَامى الظَّلَامُ … وَمَالِيَ عَنْ خَوْضِهِ مُنْتَدَحْ وَقَدْ رَوَّحَ الْغُيَّبُ النَّازِحُونَ … وَأَلْقَى المُساَفِرُ عِبْثاً فَدَحْ وَفَضَّ الكَرَى سَامِرَ العَاشِقِينَ … وَلَمْ يَبْقَ في اْلأَرْضِ إِلاَّ شَبَحْ يَحْومْ عَلَى عَالَمٍ نَائمٍ … رَمَى بَمَتاعِبِهِ وَاطَّرَحْ يْطَوّفْ في الَّليْلِ مَا يَأْ تَلِي … يُنَاجِي وَيَرْعَى حَبِيباً نَزَحْ وَقدْ سَكَنَ الغَابُ إِلاَّ صَدىً … تَوَلَّهَ مِنْ وَجْدِهِ وَافْتَضَحْ كأنّيَ أُصْغِي إلى بُلْبُلٍ … يُثيرُ المَفاَرِحَ إِمَّا صَدَحْ فأحْسَسْتُ دُنْيا مِنَ النُّعْمَياتِ … وَأُفْقاً جَدِيدَ الأمَاني انْفَسَحْ وأُذْني إلى هَمْسَةٍ في الدُّجَى … وَعَيْنِي إلى بَارِقٍ قَدْ لَمَحْ وأَقْبَلَ طَيْفُكِ جَمَّ الَجْلَالِ … تَدَثَّرَ بالنُّورِ حَتَّى اتَّشَحْ مَدَدْتُ يَدَيَّ وَعَانَقْتُهُ … فَغَمغَمَ قَلْبِي وَدَمْعِي شَرَحْ وَضاعَ اللَّجَاجُ وَغاَبَ الْعِتَابُ … كَأَنَّ الزَّمَانَ صَفَا أو سَنَحْ قَرأتُ بِعَيْنَيهِ فَرْطَ الَحْنِينِ … وَشَجْوًا يُذيِبُ إذا مَا قَدَحْ وَعَايَنَ بِي غَمَرَاتِ الرَّدِى … تَرِفُّ عَلَى هَيْكَلٍ قَدْ جَنَحْ فَأَطْرَقَ مُسْتَعْبرِاً نَادِمًا … وَبَانَ عَلَيْهِ الأَسى وَاتَّضَحْ

стр. 4585

فَقُلْتُ لَهُ خَلِّ عَنْكَ الْبُكاَء … وَلَا تَجْزَعَنْ إِنَّ قَلْبِي صَفَحْ إِذَا مَنْ أُحِبُّ جَزَانِي الصُّدُودَ … هَتَفْتُ عَفَا اللهُ عَمَّا اجْتَرَحْ صحوْتُ فَلَا الطَّيْفُ يَحْنُو عَلَيَّ … وَلَا نِعَمٌ تُشْتَهَي أو مِنَحْ وَعُدْتُ إلى وَحْدَتِي رَاضِياً … أَرَى في الأسَى غَايَةَ الُمقْتَرَحْ أنور العطار

стр. 4586

يقظة الهوى تعالى قد سجا الليلُ … ونام الدوح والطيرُ تعالى قد حلا الوصل … وطاب السهد والسمر تعالى ضاحكي البدرا تعالى نافحي الزهرا تعألى طارحي الجدولْ … نشيد الأعصر الداوي تعالى نرشف السلسل … ونروي روحنا الذاوي شجتني رنة العودِ … وصوت الناي أغري بي تعالي أنتِ معبودي … وهذا الروض محرابي تعالي فجرّي قلبي ينابيعَ من الحب تعالي عطّري النرجسْ … بعطر الورد والشوقِ تعالي نوّري الحندس … بنور الحب والعشق أيا ليل ألا أمهلْ … معنْى فيك ذا مأربْ وقل للصبح لا يقبل … وقل للنجم لا يغرب هلمي نفحة الوردِ هلمي ملكة الخلد هلمي قبل أن يجفو … ويمضي الليل والبدرُ هلمي فالهوى يغفو … إذا ما استيقظ الفجر البصرة فتى شط العرب

стр. 4587

جائزة الأدب الكبرى هنري دو منترلان بقلم علي كامل لمحة عن أدبه وفنه منحت الأكاديمية الفرنسية جائزة الأدب الكبرى للكاتب الشاب هنري دو منترلان، فارتفع بذلك اسمه إلى مصاف أكبر الكتاب الفرنسيين المعاصرين، وتنبهت الأذهان إلى الطابع المخصوص الذي يمتاز به أدبه كفن من فنون القصة الفرنسية الحديثة: وهنري دو منترلان كاتب من كتاب الشباب الذين تفتحت عيونهم على ضوء هذا القرن العشرين. ولد عام ١٨٩٦، ودخل مدرسة سانت كروا دو نوبيي. ولما شبت الحرب الكبرى خرج من المدرسة ليشترك فيها وجرح جروحا بليغة. وكان طبيعياً أن يعود منترلان وقد ملأت نفسه نزعة التشاؤم والثورة، فقد هجر مدرسته ليخوض غمار المجزرة البشرية الكبرى وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فعانى فيها أشهرا من الحرمان والتضحية لم يجد لهما مبرراً أمام عقله الذي يفكر وقلبه الذي يحس، كما يفكر ويحس كل أديب فنان ينزع نحو مثل عليا في الحب والرحمة والأخاء عاد منترلان من الحرب ضائع العزم محطم الآمال. وكان استعداده الأدبي قد ابتدأ يتفتح على ضوء تجاربه ومحنه السابقة، فانصبت آلامه وثورته في أدبه تلمسها من بين خفايا السطور، وكانت إنسانيته الحزينة تدفعه - كغيره من كتاب الشباب الذين خاضوا غمار الحرب - لوصف أهوالها وما جرته وراءها من التدهور الأخلاقي والفكري. كذلك فان (أنانية الفنان) التي تغمره كانت تأبى عليه أن يضحي بشيء دون أن ينال على تضحيته جزاء يبررها ويلتمس منه العزاء. لذا لم يغفر منترلان لأمته وللمجتمع تضحيته الكبيرة حين جرفته العاطفة الوطنية كغيره دون وعي إلى ميدان القتال ليتعذب شر عذاب وبعود جريحاً بين الحياة والموت فاقد الأمل في إتمام حياته المدرسية. ولقد كان هذا الشباب المعذب دافعاً لهنري دو منترلان إلى أن يهيم بتلك السن التي ضحى وتألم فيها، فأصبح يمجد سن الشباب (تلك السن - كما يقول - التي لا تعترف بجميل. سن

стр. 4588

القلب والنفس. نجم الحياة المتألق). ولقد تدرج منترلان من ذلك إلى الغرام بالألعاب الرياضية لأنها المظهر الذي تتمثل فيه حيوية الشباب وجبروته، ولأنها الوسيلة لإطالة عهد الشباب إلى أبعد مدى مستطاع و (أدب الألعاب الرياضية) فن حديث جداً في الأدب الفرنسي. وترستان برنار هو صاحب الفضل الأول في تغذية القصة الفرنسية بالأفكار الرياضية ومعالجة شئونها ووصف أبطالها، وكان يحب الكتابة عن ألعاب الملاكمة وأبطالها كما في قصته على أن هذه الحركة ظلت بطيئة الخطر، ولم يتعد نشاط قادتها القليلين الكتابة في الصحف والمجلات، وإخراج عدد قليل من الأعمال الأدبية التي لم تكن ذات قيمة تذكر. . إلى أن كانت الألعاب الأولمبية عام ١٩٢٤ فنشط أنصار (أدب الألعاب الرياضية) وأرادوا أن يدخلوا الفنون الرياضية في القصة الطويلة والقصيرة وفي الشعر أيضاً، وكثر عددهم واتسعت مدرستهم وأصبح كل منهم متخصصاً في الكتابة عن فن من فنون الالعاب الرياضية، فمنهم من هام بالسيارات مثل هنري كستماكرز في قصته وميشل كورداي في قصته ' واكتاف ميربو في قصته الشهيرة ٦٢٨ - التي تعتبر في نظر النقاد أروع قصة في (أدب السيارات) ومنهم من ولع بألعاب كرة القدم مثل جان برنييه في قصته ولوي هنري دستل في قصته وتعتبر قصة , لمارسيل برجيه خير ما كتب في (أدب كرة القدم) وهناك غير هؤلاء الكتاب عدد كبير من أنصار هذه المدرسة جعلوا من شخصيات قصصهم أبطالاً لفنون رياضية أخرى مثل سباق الخيل والطيران وغيرهما. وهنري دومنترلان يعتبر اليوم زعيم الأدباء الشبان على الإطلاق، وأدب الألعاب الرياضية على الخصوص. وقد برع في الكتابة عن المصارعة. وسافر خصيصاً إلى أسبانيا وتعلم طريقة مصارعة الثيران ودروس نفسية أبطالها وأخلاقهم ثم عالج ذلك في قصته كان أول أعمال منرلان كتابه كتبه عام ١٩١٦ وظهر عام ١٩٢٠ وهو قطع من الشعر المنثور يصف فيها ذكرياته عن الحرب والمدرسة التي كان يتعلم فيها. وفي عام ١٩٢٢ ظهرت قصته وفيها يمجد الألعاب الرياضية والصداقة التي بين الأبطال الرياضيين. تلك الصداقة التي يضعها (البان) بطل القصة فوق الحب. وفكرة (البان) عن الحب هي فكرة

стр. 4589

الكثرة العظمى من أبطال الرياضة الذين يقعون فريسة النزاع الدائم بين نداءين: نداء القلب ونداء الواجب الرياضي الذي يطالبهم بالابتعاد عن النساء كيما يحتفظوا بعناصر القوة فيهم. وينتهي بهم الأمر إلى انتصار النزعة الرياضية وعبادة القوة والمجد فيتضاءل مركز المرأة في نظرهم. وهو لذلك لا يؤمنون بالحب العاطفي. فالحب في نظرهم ميل جسدي إذا ما تحقق مات ما يسميه الناس بالحب، ولذا نرى (البان) يرفض حب القلب بقسوة ولألبان هذا رأي غريب إلى حد ما. فهو يقول إن العالم خاضع لفلسفتين: فلسفة النساء وفلسفة الرجال. فالأولى تتمسك بالديمقراطية، أما الثانية - وهي التي يؤمن بها بعناد - فهي تتشبث بالماضي المجيد وبالقومية. وفي قصة , (١٩٢٤) نرى منترلان يبرر اهتمامه بالألعاب الرياضية إذ يعتبرها مرحلة من مراحل تحقيق الشخصية، على أن فكرته في علاقة الرياضة بتكوين الشخصية تتكرر بشكل أقوى بروزاً في قصة (مصارعي الوحوش) (١٩٢٦). إذ يعرض لنا منترلان نوعاً من أنواع المخاطرة الجريئة، تلك التي يستهدف لها مصارعو الثيران بعرضها مصاغة في قالب بارع يدفعنا لاحترام أولئك المصارعين البواسل الذين يغامرون بحياتهم حباً في السيطرة وإظهاراً للقوة وامتحاناً لشخصياتهم التي لا تعتبر كاملة في نظرهم إذا عرفت للوجل معنى! وقد كتب منترلان في هذه الفترة القصيرة من حياته الأدبية عدداً كبيراً من القصص أهمها عدا ما ذكرنا قصة (١٩٢٧) (١٩٢٨) (١٩٢٩). وكانت آخر قصصه قصة (العزاب) والآن قد يتساءل القارئ. كيف يبشر منترلان بقيمة الألعاب الرياضية ويخصص أدبه لخدمتها والدعوة لنشرها وهو الناقم على مظاهر العنف، الثائر على نظام الجندية والحرب، الداعي إلى الأخاء والمحبة والتعاون؟ ومنترلان نفسه يحس بالتناقض الظاهر بين طبيعته الثائرة المتمردة وبين نظام الألعاب الرياضية الذي يدعو إليه وما فيه من معاني الترف البرجوازي. على أنه يقبل ذلك كارهاً غير مرتاح الضمير. يقبله كوسيلة لتحقيق فلسفته التي ترى في الألعاب الرياضية - كما ذكرنا - وسيلة لإبراز الشخصية والسمو بها على سائر الشخصيات التي تحيط بها. والواقع أن منترلان قد أجاد تصوير فكرته بطريقة غاية

стр. 4590

في الإبداع. فأنت تلمح من خلال شخصيات قصصه كيف تتفتح الشخصية وتسود حين يصبح صاحبها بطلاً من أبطال الرياضة. وكيف يغمر صاحبها النشاط والحيوية وعبادة البطولة التي تدفعه للاستهداف للموت راضي النفس مرتاح الضمير وأدب منترلان اقرب إلى الرومانتيكية منه إلى الواقعية وهو في ذلك يقول (إن الواقع والحقيقة تقع عندي في المرتبة الثانية) وإذا كان كل كاتب لابد أن يتأثر بروح بعض من سلفه من الكتاب، فان بلزاك وشاتو بريان يطبعان أدب منترلان بطابع لا يمكن إنكاره وتناسيه ويمتاز هنري دو منترلان بأسلوبه الرائع، فثروة الألفاظ وحسن اختيارها وأدائها، والموسيقى السامية التي تلبس عباراته فتعبر عنا يدوي بين أرجاء نفسه من النزعات والعواطف هي أظهر ما يميز فنه وشخصيته بين الكتاب الفرنسيين المعاصرين. على كامل
следующие страницы →