← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

يقظة الهوى تعالى قد سجا الليلُ … ونام الدوح والطيرُ تعالى قد حلا الوصل … وطاب السهد والسمر تعالى ضاحكي البدرا تعالى نافحي الزهرا تعألى طارحي الجدولْ … نشيد الأعصر الداوي تعالى نرشف السلسل … ونروي روحنا الذاوي شجتني رنة العودِ … وصوت الناي أغري بي تعالي أنتِ معبودي … وهذا الروض محرابي تعالي فجرّي قلبي ينابيعَ من الحب تعالي عطّري النرجسْ … بعطر الورد والشوقِ تعالي نوّري الحندس … بنور الحب والعشق أيا ليل ألا أمهلْ … معنْى فيك ذا مأربْ وقل للصبح لا يقبل … وقل للنجم لا يغرب هلمي نفحة الوردِ هلمي ملكة الخلد هلمي قبل أن يجفو … ويمضي الليل والبدرُ هلمي فالهوى يغفو … إذا ما استيقظ الفجر البصرة فتى شط العرب

стр. 4587

جائزة الأدب الكبرى هنري دو منترلان بقلم علي كامل لمحة عن أدبه وفنه منحت الأكاديمية الفرنسية جائزة الأدب الكبرى للكاتب الشاب هنري دو منترلان، فارتفع بذلك اسمه إلى مصاف أكبر الكتاب الفرنسيين المعاصرين، وتنبهت الأذهان إلى الطابع المخصوص الذي يمتاز به أدبه كفن من فنون القصة الفرنسية الحديثة: وهنري دو منترلان كاتب من كتاب الشباب الذين تفتحت عيونهم على ضوء هذا القرن العشرين. ولد عام ١٨٩٦، ودخل مدرسة سانت كروا دو نوبيي. ولما شبت الحرب الكبرى خرج من المدرسة ليشترك فيها وجرح جروحا بليغة. وكان طبيعياً أن يعود منترلان وقد ملأت نفسه نزعة التشاؤم والثورة، فقد هجر مدرسته ليخوض غمار المجزرة البشرية الكبرى وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، فعانى فيها أشهرا من الحرمان والتضحية لم يجد لهما مبرراً أمام عقله الذي يفكر وقلبه الذي يحس، كما يفكر ويحس كل أديب فنان ينزع نحو مثل عليا في الحب والرحمة والأخاء عاد منترلان من الحرب ضائع العزم محطم الآمال. وكان استعداده الأدبي قد ابتدأ يتفتح على ضوء تجاربه ومحنه السابقة، فانصبت آلامه وثورته في أدبه تلمسها من بين خفايا السطور، وكانت إنسانيته الحزينة تدفعه - كغيره من كتاب الشباب الذين خاضوا غمار الحرب - لوصف أهوالها وما جرته وراءها من التدهور الأخلاقي والفكري. كذلك فان (أنانية الفنان) التي تغمره كانت تأبى عليه أن يضحي بشيء دون أن ينال على تضحيته جزاء يبررها ويلتمس منه العزاء. لذا لم يغفر منترلان لأمته وللمجتمع تضحيته الكبيرة حين جرفته العاطفة الوطنية كغيره دون وعي إلى ميدان القتال ليتعذب شر عذاب وبعود جريحاً بين الحياة والموت فاقد الأمل في إتمام حياته المدرسية. ولقد كان هذا الشباب المعذب دافعاً لهنري دو منترلان إلى أن يهيم بتلك السن التي ضحى وتألم فيها، فأصبح يمجد سن الشباب (تلك السن - كما يقول - التي لا تعترف بجميل. سن

стр. 4588

القلب والنفس. نجم الحياة المتألق). ولقد تدرج منترلان من ذلك إلى الغرام بالألعاب الرياضية لأنها المظهر الذي تتمثل فيه حيوية الشباب وجبروته، ولأنها الوسيلة لإطالة عهد الشباب إلى أبعد مدى مستطاع و (أدب الألعاب الرياضية) فن حديث جداً في الأدب الفرنسي. وترستان برنار هو صاحب الفضل الأول في تغذية القصة الفرنسية بالأفكار الرياضية ومعالجة شئونها ووصف أبطالها، وكان يحب الكتابة عن ألعاب الملاكمة وأبطالها كما في قصته على أن هذه الحركة ظلت بطيئة الخطر، ولم يتعد نشاط قادتها القليلين الكتابة في الصحف والمجلات، وإخراج عدد قليل من الأعمال الأدبية التي لم تكن ذات قيمة تذكر. . إلى أن كانت الألعاب الأولمبية عام ١٩٢٤ فنشط أنصار (أدب الألعاب الرياضية) وأرادوا أن يدخلوا الفنون الرياضية في القصة الطويلة والقصيرة وفي الشعر أيضاً، وكثر عددهم واتسعت مدرستهم وأصبح كل منهم متخصصاً في الكتابة عن فن من فنون الالعاب الرياضية، فمنهم من هام بالسيارات مثل هنري كستماكرز في قصته وميشل كورداي في قصته ' واكتاف ميربو في قصته الشهيرة ٦٢٨ - التي تعتبر في نظر النقاد أروع قصة في (أدب السيارات) ومنهم من ولع بألعاب كرة القدم مثل جان برنييه في قصته ولوي هنري دستل في قصته وتعتبر قصة , لمارسيل برجيه خير ما كتب في (أدب كرة القدم) وهناك غير هؤلاء الكتاب عدد كبير من أنصار هذه المدرسة جعلوا من شخصيات قصصهم أبطالاً لفنون رياضية أخرى مثل سباق الخيل والطيران وغيرهما. وهنري دومنترلان يعتبر اليوم زعيم الأدباء الشبان على الإطلاق، وأدب الألعاب الرياضية على الخصوص. وقد برع في الكتابة عن المصارعة. وسافر خصيصاً إلى أسبانيا وتعلم طريقة مصارعة الثيران ودروس نفسية أبطالها وأخلاقهم ثم عالج ذلك في قصته كان أول أعمال منرلان كتابه كتبه عام ١٩١٦ وظهر عام ١٩٢٠ وهو قطع من الشعر المنثور يصف فيها ذكرياته عن الحرب والمدرسة التي كان يتعلم فيها. وفي عام ١٩٢٢ ظهرت قصته وفيها يمجد الألعاب الرياضية والصداقة التي بين الأبطال الرياضيين. تلك الصداقة التي يضعها (البان) بطل القصة فوق الحب. وفكرة (البان) عن الحب هي فكرة

стр. 4589

الكثرة العظمى من أبطال الرياضة الذين يقعون فريسة النزاع الدائم بين نداءين: نداء القلب ونداء الواجب الرياضي الذي يطالبهم بالابتعاد عن النساء كيما يحتفظوا بعناصر القوة فيهم. وينتهي بهم الأمر إلى انتصار النزعة الرياضية وعبادة القوة والمجد فيتضاءل مركز المرأة في نظرهم. وهو لذلك لا يؤمنون بالحب العاطفي. فالحب في نظرهم ميل جسدي إذا ما تحقق مات ما يسميه الناس بالحب، ولذا نرى (البان) يرفض حب القلب بقسوة ولألبان هذا رأي غريب إلى حد ما. فهو يقول إن العالم خاضع لفلسفتين: فلسفة النساء وفلسفة الرجال. فالأولى تتمسك بالديمقراطية، أما الثانية - وهي التي يؤمن بها بعناد - فهي تتشبث بالماضي المجيد وبالقومية. وفي قصة , (١٩٢٤) نرى منترلان يبرر اهتمامه بالألعاب الرياضية إذ يعتبرها مرحلة من مراحل تحقيق الشخصية، على أن فكرته في علاقة الرياضة بتكوين الشخصية تتكرر بشكل أقوى بروزاً في قصة (مصارعي الوحوش) (١٩٢٦). إذ يعرض لنا منترلان نوعاً من أنواع المخاطرة الجريئة، تلك التي يستهدف لها مصارعو الثيران بعرضها مصاغة في قالب بارع يدفعنا لاحترام أولئك المصارعين البواسل الذين يغامرون بحياتهم حباً في السيطرة وإظهاراً للقوة وامتحاناً لشخصياتهم التي لا تعتبر كاملة في نظرهم إذا عرفت للوجل معنى! وقد كتب منترلان في هذه الفترة القصيرة من حياته الأدبية عدداً كبيراً من القصص أهمها عدا ما ذكرنا قصة (١٩٢٧) (١٩٢٨) (١٩٢٩). وكانت آخر قصصه قصة (العزاب) والآن قد يتساءل القارئ. كيف يبشر منترلان بقيمة الألعاب الرياضية ويخصص أدبه لخدمتها والدعوة لنشرها وهو الناقم على مظاهر العنف، الثائر على نظام الجندية والحرب، الداعي إلى الأخاء والمحبة والتعاون؟ ومنترلان نفسه يحس بالتناقض الظاهر بين طبيعته الثائرة المتمردة وبين نظام الألعاب الرياضية الذي يدعو إليه وما فيه من معاني الترف البرجوازي. على أنه يقبل ذلك كارهاً غير مرتاح الضمير. يقبله كوسيلة لتحقيق فلسفته التي ترى في الألعاب الرياضية - كما ذكرنا - وسيلة لإبراز الشخصية والسمو بها على سائر الشخصيات التي تحيط بها. والواقع أن منترلان قد أجاد تصوير فكرته بطريقة غاية

стр. 4590

في الإبداع. فأنت تلمح من خلال شخصيات قصصه كيف تتفتح الشخصية وتسود حين يصبح صاحبها بطلاً من أبطال الرياضة. وكيف يغمر صاحبها النشاط والحيوية وعبادة البطولة التي تدفعه للاستهداف للموت راضي النفس مرتاح الضمير وأدب منترلان اقرب إلى الرومانتيكية منه إلى الواقعية وهو في ذلك يقول (إن الواقع والحقيقة تقع عندي في المرتبة الثانية) وإذا كان كل كاتب لابد أن يتأثر بروح بعض من سلفه من الكتاب، فان بلزاك وشاتو بريان يطبعان أدب منترلان بطابع لا يمكن إنكاره وتناسيه ويمتاز هنري دو منترلان بأسلوبه الرائع، فثروة الألفاظ وحسن اختيارها وأدائها، والموسيقى السامية التي تلبس عباراته فتعبر عنا يدوي بين أرجاء نفسه من النزعات والعواطف هي أظهر ما يميز فنه وشخصيته بين الكتاب الفرنسيين المعاصرين. على كامل

стр. 4591

العلوم مدام كوري وقصة الراديوم ١٨٦٧ - ١٩٣٤ للأستاذ مصطفى محمود حافظ مسيو ومدام كوري: توفيت مدام كوري في صباح الرابع من شهر يوليو الحالي بعد أن نالت من النجاح في حياتها العلمية والعملية ما لم تنله أخرى من قبل، فانطفأ ذلك السراج المنير الذي أضاء سبيل بعض علماء العصر الحديث في الوصول إلى أخطر انقلاب علمي حديث، وهو النظرية الحديثة في تركيب المادة ولدت ماري سكلود وفسكا في فارسوفيا عاصمة بولونيا في ٧ نوفمبر سنة ١٨٦٧، ولكنها نزحت عن وطنها الأول إلى وطنها الثاني فرنسا لأسباب سياسية. فذهبت تطلب العلم في السوربون، وقد اضطرها الفقر إلى الخدمة في معامل المعهد، فكانت تغسل الزجاجات وأنابيب الاختبار لتنال من ذلك ما يساعدها على تسديد نفقات التعليم تعرفت بالمسيو (بير كوري) الذي كان يعمل في السوربون هو الآخر، وقامت تساعده في أبحاثه التي كان يقوم بها في ذلك الوقت في الكهربائية وخواص الأجسام المغناطيسية في درجات الحرارة المختلفة. وقد انتهى بها هذا الارتباط الذي ابتدأ في المعمل إلى الزواج به سنة ١٨٩٥. وقد ظلا يعملان معاً أحد عشرا عاماً توصلا فيها إلى الكشف عن عدة عناصر أهمها (البولونيوم) و (الراديوم). وقد كشف الأستاذ الفرنسي (بيمون) عن وجود عنصر الراديوم مستقلاً عنهما، ولكن اسمه لا يكاد يقرن باسميهما عند الكلام عن الراديوم إلا في القليل النادر قصة الراديوم: لم يكن الكشف عن الراديوم من هذه الاكتشافات التي أتت عفواً وكاد مكتشفها يتعثر فيها أثناء سيره في عمله، كما حدث للأستاذ الألماني (رُنْتجن) عند كشفه عن الأشعة التي تعرف باسمه؛ ولا من تلك الاكتشافات والاختراعات التي كأنه قد أوحي بها إلى أصحابها، كما حدث للأستاذ (ويلسون) عند تفكيره في صنع (الغرفة القائمة)، وهي الجهاز الذي

стр. 4592

يمكننا من رؤية مسار الدقائق المتحركة التي لا يمكن رؤيتها بالعين ولا بأقوى ميكروسكوب. بل كان من هذه الاكتشافات التي عمل لها أصحابها وكانوا يتوقعونها نتيجة لأبحاثهم الرياضية أو الطبيعية، كما حدث عند البحث عن السيار (نبتون) فقد رآه (لفرييه) بالرياضة قبل أن يراه (جال) بتلسكوبه إذن لابد أن يكون قد سبق الكشف عن الراديوم دراسة بعض الظواهر التي مهدت السبيل لظهور هذا العنصر، وهذا ما أود أن أسرده الآن مرتباً ترتيباً تاريخياً في سنة ١٨٩٥، وهي السنة التي ارتبط فيها (الكوريان) بالزواج، كان الأستاذ (رنتجن) يمرر التيار الكهربائي في الأنابيب المفرغة تقريباً من الهواء، وهي المعروفة بأنابيب (كروكس)، وذلك للكشف عن أشعة غير مرئية للعين. فلاحظ أن لوحاً مغطى بطبقة مومضة - وقد وضع عفواً بجوار الأنبوبة - قد تألق وأومض وهو في الظلام. فإذاانقطع التيار انقطع الوميض. هذا الوميض يحدث لمواد معينة إذا سقطت عليها أشعة الشمس، وبالأخص ما كان منها بعد البنفسجي، وامتصت جزءاً من الطاقة الضوئية، ثم آخذت إلى الظلام. فالطاقة الممتصة تنطلق ببطء، وتومض المادة حتى تزول الطاقة المخزونة. يحدث هذا إذا عرضت هذه الأجسام إلى أشعة الشمس، ولكن لوح (رنتجن) لم يتعرض تعرضاً مباشراً لأشعة الشمس ولا للأشعة الخارجة من أنبوبة (كروكس) لأنها كانت مغطاة بورق أسود يمنع نفاذ كل الأشعة التي كانت معروفة في ذلك الوقت، ولكن ما دام اللوح قد أومض فيجب أن يكون (رنتجن) قد توصل إلى أشعة غير معروفة من قبل ويمكنها النفاذ من الأجسام المعتمة، وقد سماها رنتجن (أشعة اكس) أو (الأشعة السينية) أو (الأشعة المجهولة). ولكن عدم معرفته لكُنه هذه الأشعة لم يمنعه وغيره من دراسة خواصها، فعرف أنها تخترق الصفائح الرقيقة المعدنية، وأن مقدار نفاذها من هذه الصفائح يختلف باختلاف المعادن نفسها، وأنها تؤثر على الألواح الفوتوغرافية وتلقي عليها ظلالا للأجسام المعتمة التي توضع بين مصدر الأشعة واللوح الفوتوغرافي، وأنها تجعل الغازات موصلة للكهرباء، وأنها تضيع شحنة الأجسام المكهربة هذه هي نتائج التجارب الأولى التي أجريت على (أشعة رنتجن) في أواخر سنة ١٨٩٥، وفي السنة التالية فكر أحد علماء فرنسا وهو الأستاذ (هنري بيكرل) في شيء آخر وهو:

стр. 4593

إذا سقطت (أشعة رنتجن) على جسم مومض فانه يومض ويتألق، فهل العكس صحيح؟ هل المادة بعد تعرضها لأشعة الشمس ثم تركها تومض في الظلام، تخرج (أشعة اكس) أو أشعة نفاذة مثلها؟ للاجابة على ذلكالسؤال اشتغل (بيكرل) بأملاح الأورانيوم المومضة، فتركها في الشمس مدة ثم لفها في ورق أسود ووضعها في الظلام بجوار لوح فوتوغرافي، فوجد بعد مدة أن اللوح قد تأثر. إذن هناك أشعة خرجت من ملح الأورانيوم المومض ونفذت من الورق الأسود، فهي كأشعة رنتجن في ذلك، وقد وجد لها أيضاً بقية الخواص المعروفة لهذه الأشعة. ولكن استمرار البحث بّين له أن هذه الأشعة الخارجة ليس لها علاقة البتة بالوميض كما كان يعتقد. فالوميض يضعف عادة مع الوقت، ولكن هذه الأشعة النفاذة لم يكن ليعتريها الضعف بمقدار محسوس. أذاب الأملاح المومضة وبلْوَرها في الظلام دون تعريضها لأشعة الشمس فوجدها تخرج نفس الأشعة. أخذ أملاح الأورانيوم غير المومضة فوجدها تخرج نفس الإشعاع النفاذ. جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة التي كان من نتيجتها الكشف عن (المواد المشِعّة) أو المواد الراديومية انقسم العلماء بعد تجارب (بيكرل) إلى فريقين: الأول ذهب يبحث عن ماهية الأشعة التي تصدر من أملاح الأورانيوم، والثاني يبحث عن مواد أخرى لها نفس خواص أملاح الأورانيوم، وقد تزعم هذا الفريق (مدام كوري) وزوجها، بعد أن أبدت رأيها في مبحث الفريق الأول من العلماء بأن قالت: إن (الفعل الإشعاعي) لأملاح الأورانيوم راجع إلى خاصية في المادة لم تعرف بعد ولا تشبه في ذلك أشعة رنتجن. وأول ما وصلت إليه (مدام كوري) في بحثها أن إشعاع أملاح الأورانيوم (خاصية ذرية). أي أن مقدار الإشعاع يتوقف على مقدار الأورانيوم أو عدد ذرات العنصر الموجودة في المادة المختبرة، وليس له أية علاقة بالمواد الأخرى الداخلة في تركيب الملح. وإلى ذلك يعزى سر نجاحها في الكشف عن مادتين مشعتين أخريين وجدت بقياس الفعل الإشعاعي لبعض المواد التي تحتوي الأورانيوم أن قوة إشعاعها تفوق ما ينتظر أن يكون، على حساب أن الموجود في المادة أورانيوم فقط. فلو كان الفعل الإشعاعي (خاصية ذرية) كما وجدت هي فلا بد أن توجد مادة أخرى أقوى في فعلها

стр. 4594

الإشعاعي من مادة الأورانيوم نفسها. وعلى هذا الأساس بدأت (مدام كوري) تعمل لكي تفصل هذه المادة الجديدة. وقد شجعتها حكومة النمسا على المضي في بحثها بأن أهدت إليها طناً من المعادن المحتوية على أملاح الأورانيوم المستخرجة من (بوهيميا) الموجود في الخامات، ولكنها وجدت أن الباقي كان أشد فعلاً وإشعاعاً من مقدار الأورانيوم المستخرج بأربع أو خمس مرات. فاستخرجت ملح البزموث الموجود في الخامات فوجدته متحداً مع مادة فعالة مشعة سمتها (بولونيوم) نسبة إلى وطنها الأصلي (بولونيا). ثم استخرجت ملح الباريوم الموجود فيما تبقى من الخامات فوجدته متحداً مع مادة مشعة أخرى سمتها (راديوم) أو (المشِع)، وهي تسمية موفقة، لأن هذه المادة الجديدة تفوق في إشعاعها (الأورانيوم) بمقدار مليوني مرة إذا قورنت به وزناً بوزن. وقد أعلنت (مدام كوري) عن هذا الاكتشاف العظيم في رسالة قرأتها أمام (أكاديمية العلوم) في باريس سنة ١٨٩٨ وقد أثارت رسالتها الرغبة في نفوس كثير من العلماء للبحث عن ماهية الأشعة المنطلقة ذاتيا من المواد المشعة، وقد كان من قادة هذا البحث سير (جوزيف تومسون) وسير (إرنست رثر فورد) (وهو الآن لورد رثر فورد). فام تأت سنة ١٩٠٠ حتى كان من المعروف أن هناك ثلاثة أنواع من الإشعاع تصدر عن المواد الراديومية. الأول - أشعة لا تقدر على النفاذ من ورقة رقيقة، وقد سميت (الأشعة الألِفية). وقد درسها (رثر فورد) في المدة الواقعة بين سنة ١٩٠٣، ١٩٠٩ فعرف أنها ليست أشعة بل دقائق متحركة بسرعة كبيرة، وأنها مشحونة بشحنة كهربائية موجبة، وأنها عبارة عن ذرات غاز الهليوم الذي تملأ به المناطيد الحديثة. وقد استخدم (رثر فورد) هذه الدقائق كقذائف يرمي بها الذرات فيحطمها، وكان من نتيجة بحوثه في ذلك أن وضع النظرية الذرية الحديثة، القائلة بأن الذرة عبارة عن نواة متركزة في الوسط موجبة التكهرب، يدور حولها الكترونات سالبة. الثاني - أشعة يمكنها النفاذ من ألواح من الألومنيوم سمكها بضعة مليمترات، فهي أكثر نفاذا من الأشعة الألفية وقد سميت (الأشعة البائية). وفي سنة ١٨٩٩ تمكن (بيكرل) و (جيزل) و (كوري) من معرفة أن هذه الأشعة تنحرف بتأثير المجال المغناطيسي، فهي

стр. 4595

لبست أشعة بل دقائق كهربائية سالبة. الثالث - أشعة أشد نفاذا من سابقتها كشفها (فيّار) في سنة ١٩٠٠، وسميت (الأشعة الجيمية) ويمكنها النفاذ من ١٥ بوصة من الصلب أو ٦ بوصات من الرصاص. وهي من نوع أشعة رنتجن. وفاة بير كوري: انهالت على (الكوريين) التهاني والأسئلة بعد كشفهما عن الراديوم. وفي سنة ١٩٠٣ منحتهما الجمعية الملكية بلندن مدالية (دافي). وفي نفس السنة قسمت جائزة نويل للعلوم الطبيعية بينهما وبين (هنري بيكرل). وقد عين (كوري) أستاذاً للطبيعة في السوربون، واختير في سنة ١٩٠٥ عضوا في (أكاديمية العلوم) بباريس. وبعد ذلك بعام واحد، بينما كان خارجا من الجامعة، صدمته عربة ومرت عليه فقتلته لساعته. وقد أثر ذلك في زوجته حتى خيف أن تترك الاشتغال بالعلوم بعد تلك الفاجعة، ولكنها تشجعت واستعانت بذلك الصبر الذي لازمها في أبحاثها العلمية الشاقة. وقد عينت أستاذة للطبيعة في السوربون مكان زوجها. وقد تمكنت (مدام كوري) من فصل عنصر الراديوم من أملاحه، وهي عملية شاقة لأنه سريع التحول إلى الإيدروكسيد، وعينت وزنه الذري فوجدته ٢٢٥، ولكنها تمكنت بعد ذلك من تصحيحه إلى ٢٢٦ , ٢، ثم وجده (ثورب) ٢٢٧. وقد نالت من أجل ذلك جائزة نوبل في العلوم الكيماوية، وبذلك تكون قد نالت جائزة نوبل مرتين وهو ما لم يظفر به عالم من قبل. تأثير الراديوم في خلايا الجسم: استخدم الراديوم في بحوث نظرية وعملية. ومن النظرية الكشف عن كيفية تركيب المادة وتحطيم الذرة. كذلك تقدير عمر الكرة الأرضية بالاستعانة بما يوجد من الراديوم بين الصخور فانه يتحول ذاتيا إلى مواد أخرى تنتهي بالرصاص بنسب معينة في أزمنة معينة. ومن البحوث العملية التي يستخدم فيها الراديوم معالجة بعض الأورام الخبيثة مثل (السرطان). وأول من عرف تأثير الإشعاع الخارج من المواد المشعة على جلد الإنسان

стр. 4596

وخلاياه هو (بيكرل) في سنة ١٩٠١. ولكنه دفع ثمناً لذلك التهاب جلد صدره زمناً طويلا. فقد كان يحفظ أنبوبة صغيرة بها مواد مشعة في جيب صديريته، فأصيب في مدة أربعة عشر يوما بالتهاب جلدي حاد تحت موضع الانبوبة، سمي (حرق بيكرل) ومنذ ذلك الوقت بدأت البحوث تتري في تأثير الراديوم على الخلايا المريضة في الجسم، فافتتح في سنة ١٩٠٦ في باريس (المعمل البيولوجي للراديوم). وفي سنة ١٩٠٩ افتتح مركز يماثله في لندن ولكن لا يزال النجاح غير كامل في استخدامه للعلاج، وان كان موثوقا به في الأضرار بالخلايا السليمة إذا أسيء تعريضها إليه. وفاة مدام كوري ظلت (مدام كوري) تحاضر في السوربون، وتجري بحوثها العلمية حتى هذا العام. فأصيب بفقر في الدم وانتقلت إلى مصح حيث ماتت في الساعة الرابعة من صباح ٤ يوليو سنة ١٩٣٤ بعد أن خلدت اسمها في صحائف المجد. وقد خلفت (مدام كوري) وراءها ابنتها مدام (جوليو) زوجة العالم الفرنسي الأستاذ (جوليو). وهي كوالدها شغوفة بالبحوث العلمية، وهي تسلك نفس الدرب الذي شقه والداها من قبل. فقد أجرت مع زوجها في سنة ١٩٣١ بعض تجارب في إطلاق (الدقائق الألفية) على عنصر (البريليوم) مما كان من نتيجته الوصول إلى معرفة أحد الأحجار البنائية في الكون وهو (النترون). فان لازمهما التوفيق فسيكون للعلم (مسيو ومدان كوري) آخران. مصطفى محمود حافظ مدرس بمدرسة المعلمين بامبابه

стр. 4597

القصص من الواقع طارق الليل للأستاذ أديب عباسي كان ذلك في ليلة من ليالي الحرب الكبرى وفي شطرها الأخير، وكنا يومئذ لا نعلم من أهوال ذلك الصراع العنيف إلاّ ما يستطيعالصغار - وما رُكّب في رءوسهم من عقول محدودة - أن يعلموا. فلم تكن الحرب عندنا إذ ذاك إلا تلك القترة وذلك الوجوم يعلوان وجوه الكبار، وإلا ذلك القلق المقيم في اللحاظ، وتلك الهمسات يتبادلونها فيما بينهم، ولا ينُون في التلطف حيناً والمخاشنة حيناً آخر، ليصرفونا عن الاستماع والإصغاء إليها. ولكنها كانت محاولات فاشلة، إذ ليس شيء أعلق بنفوس الصغار وأخلب للبّهم وألصق بخيالهم وأدعى لفضولهم من حديث يتسارُّ به الكبار فيما بينهم، ثم يُراد لهم ألا يُلمُّوا منه بشيء. فكنا - لنرضيهم ونأمن مناكدتهم - ننأى ونصد عنهم لاعبين ظاهراً، وننكفئ عليهم بالسمع نرهفه لنلتقط ما يتسارُّون به ويتهامسون. فلم يكن يفوتنا شيء من أحاديثهم عن الحرب، وما يقدرونه لها من استطالة، وما يترقبون من مفاجآت، وما يخشون من عواقب، وما يتوجهون به من عطف، وتمنى الانتصار لهذه الدولة أو لتلك. على أن أظهر ما كان يبدو من آثار الحرب هو ما كنا نلمحه من مظاهر الفاقة والحاجة إلى الغذاء؛ وهو أثر ليس للتجمل والابتسام المقسور عليه حيلة. فالحزن والغضب، والحب والفرح، والبغض والعطف، والكره والحقد والخوف، جميعهاً يستطيع المرء بالمران والممارسة أن يروض نفسه على إخفائها، بل والظهور معها في عكس مظاهرها الصحيحة. ولكن الجوع إذا أزمن لا يستطيع وجه أن يخفيه مهما رُزق صاحبه من قدرة على الإخفاء وحيلة في التمويه. أقول: كان هذا أكثر مظاهر الحرب بُدُوّاً عندنا وأشدها بروزا: وماذا ينتظر ممن كان في سننا وفي مثل خبرتنا غير هذا؟ وهل كان بوسعنا أن نستشرف من حوادث ذلك النضال غير هذا الأثر الذي لم يستجد علينا مع الحرب غيره؟ في الحق أننا لم نكن نعي من معاني

стр. 4598

تلك الحرب في ذلك الحين سوى أنها شدة تقاسي فيها المعدة وتوابعها أشد ما يقاسي، وهي نظرة لم تكن من الضحولة وقرب الغور على قدر ما حسبنا لها فيما بعد، حينما بدأنا نقرأ عن الحرب في بطون الكتب وفي ثنايا الخطب! وهذا في الحق مما يُحسب للطفولة من بداهة مسدَّدة وإلهام صادق. ومن منا يشك بأن أقسى ما قاساه الناس عموماً في الحرب هو الجوع، حتى بين الجنود الذين كانت تشويهم نيران المدافع وتجزّئهم قذائفها! أوينا إلى فراشنا ليلتئذ على هدهدة قبضة من الأخبار المتناقضة عن الحرب مما ترشَّح إلى البلدة النائية. وكنا نتلقى هذه الأخبار في كثير من الاستمتاع واللذة. وما هو إلا أن أغمضنا أجفاننا حتى نُقلنا من عالم الواقع المنغص إلى عالم الأحلام والرؤى اللذيذة: من عالم الحرمان إلى عالمالرغائب المحققة والمتع الدانية. فكان لنا من شهي الحلوى التي حرمتنا الحرب ما نشتهي، ومن طريف اللعب التي غابت مع الحرب ما نختار. على أنها كانت لعباً من نوع آخر غير الذي ألفنا. فهي لعب صورها مشتقة ومؤلفة من الأوصاف التي كانت توصف بها أدوات الحرب يومئذ: طيارات تئز في الفضاء، وسيارات تنهب الأرض وتتخطف الأميال، ودبابات تجوز الوهاد وتتخطى العقبات، وأمور أخرى شتى. وكنا في يومنا يشنُّ بعضنا الغارات على بعض، وسلاحنا هذه الأدوات التي أعارها لنا الخيال، فلم يكن يكلفنا اقتناؤها جهداً ولا نقدا، إلا أنها متع لم تدم، وأحلام رُوّعت؛ فقد هببنا مذعورين بعد موهنٍ من الليل على طرق يُوالي دراكاً على باب أحد الجيران. وأصخت بملء جوارحي أتبين ضوضاء السيارات وقعقعة المدافع، ورغاء الطيارات، فيتصل ما بين يقظتنا والمنام: وهي الصورة التي تبادرت حالاً إلى الذهن بعد ذلك الليل الحالم وبعد تلك الانكسارات والانتصارات التي عالجناها نياماً. وأطللت فيمن أطلَّ من خصاص الباب نتبين الأمر ونجتلي الواقع، وكلٌّ في ذهنه - على ما أقدّر - صورة تباين ما في ذهن الآخر تبعاً لأول بوادر الخيال المروَّع والبداهة المجفلة. ولم نلق صعوبة في تبين الطارق؛ فقد كانت ليلة قمراء فائضة النور كشفت لنا عن شخص في بقية أثواب لا ينفكُّ يقرع الباب بجُمع يده قرعاً فيه عنف وفيه شدة، يصيح بين الفينة والفينة في نبرات شديدة يطلب فيها فتح الباب ممن كان وقتها وراء الباب أما صاحبنا الذي كان الطارق يقصده بالطرق، وبهذه الصيغة الآمرة بفتح الباب، فقد ذهب

стр. 4599

به الخيال مذهباً آخر. وهل يتجه في مثل هذا الحال إلى غير اللصوص خيالُ من امتلأت صناديقه بالذهب وفاضت بالأصفر الرنان؟ إن صاحبنا كان على ثروة لا بأس بها في مثل ذلك العهد. فقد كان صاحب مطحنتين، وكان لا يتخلّى عن صاع القمح بأقل من خمسة مجيديات، ليس من طمع أو جمود عاطفة كما كان يقول، بل لأنه حلف حلفة لا يبيع الصاع بأقل من هذا المقدار!! فكانت تجيئه المرأة وبيدها الخمسة مجيديات تنقص بضعة قروش تروم بها دفع أجور الطحين في مطحنته، فيبادرها بهز الرأس مشيراً في أسف إلى يمينه التي أقسم والتي ستجرُّه إن هو حنث بها إلى الجحيم! أيقن صاحبنا إذن أن لصاً شديداً جاء يقتحم عليه الدار عنوة، وإذن فليتحصن ما تيسر له أن يتحصن، وليتخذ من العدَّة كل ما يستطيع من عدة، وليضع من الصناديق وراء الباب ما يضع، وليأخذ بيده مسدسه محشوا، وليوسط بينه وبين الباب أمه العجوز يتترَّس بها، ففي جسمها الدسم الغني بالشحم واللحم، وفي قامتها العريضة المديدة وقاء له إذا هم هذا الواغل بشيء من خلف الباب، وتشجع صاحبنا المحاصَر ونادى يصوت كالحشرجة: مَن الطارق؟! من الطارق؟! فجاءه الجواب زيادة في الطرق ولجاجة في النداء والطلب. وتكرر السؤال الذي جعله الرعب على وتيرة واحدة، وتكرر الجواب الذي جعله الاصرار على وتيرة واحدة أيضاً. وقال كبيرنا: ليس هو باللص الذي يخشى. وعهدنا باللصوص لا يقتحمون المنازل على السكان، بل هم يتسلّلون إليها في غفوة من الناس وغفلة من الحراس. وهو كذلك ليس بالسائل والعهد بالمتسولين يقرعون الأبواب قرعاً خفيفاً في أبصار غضيضة، ورؤوس منكسة، وأصوات خفيضة لا تكاد تبين، إلا الأغرار منهم الذين لم يجربوا ولم يعرفوا من طباع البشر ما يعرف المتسولون المجربون. ولم نشأ أن نطيل الحدس والتخمين، فتوجه كبيرنا إلى الطارق وسأله في جفاء ماذا يريد في ذلك الهزيع من الليل، ولم ذلك القرع العنيف والنداء الصاخب؛ فأجاب في نظر شارد وفي غير أناة: لقد مضى علي ثلاثة أيام لم أطعم طعاماً، فأوشكت أن أهلك وقد طرقت فيمن طرقت حياً من أحياء الأعراب المخيمين في ضاحية البلد الجنوبية على بعد غلوتين أو ثلاث، فوصفوا

стр. 4600

لي هذه الدار من البلدة، وقالوا انك واجد هناك قوتاً ومأوى ليلتك هذه، وعساي لم أخطئ الاستهداء. وهم كبيرنا ليدخله بعد الذي عرف من أمره دون أن يزيد في سؤاله، فينال بعض الطعام ويبيت ليلته. غير انه حدث في هذه اللحظة ما راعانا جميعاً: ذلك أن صاحبنا المحاصر، بعد أن أنس إلى أصواتنا ولهجة الحديث الذي دار بيننا، وأيقن أن الأمر من الخطورة على غير ما توهم وجسم له الخيال الزائغ. ففتح الباب بعنف ظاهر، والمسدس يلمع في قبضة يده والعصا في قبضة يده الأخرى، ولم يتريث لنوضح له جلية الأمر، بل أقبل على المسكين بهراوته الثقيلة وانهال يكيل له بلا حساب حتى كاد يقضي عليه بين أيدينا، لولا أن لطف المولى وتداركه برحمته فسقط مما ناله بين أيدينا التي جعلنا منها شبه حاجز بين عنف الرجل المهاجم وضعف هذا الطارق. ولم يستطع صاحبنا معها أن يستعمل العصا فاندفع يكيل له بقبضة يده حيثما وجد سبيلاً إلى ذلك من بين أيدينا. وأدرك كبيرنا أي شيء يصير إليه الرجل إذا لم يحل حيلولة تامة بينه وبين مهاجمه المحنق، ولم تسعفه سنه من أول الأمر في تخليص الرجل، فلجأ أخيراً إلى أسلوب فيه شيء من القسوة، ولكنه الأسلوب الذي لم يكن بالإمكان ارتجال ما يفضله في هذا الظرف الحرج. فقد أمسك بتلابيب الرجل وجره إلى حيث استطاع أن يوقيه من لكمات مهاجمه الذي أراد أن يثبت لنا بعد ذلك الموقف من الجبن أنه على شيء كثير من البأس والأقدام وبعد أن هدأ روع الرجل وتناول بعض الطعام أقبلنا نلومه مشفقين، وسألناه ما شأنه ولِمَ لم يختر له غير ذلك الأسلوب الغريب للاستجداء واستدرار العطف. فأجاب عن أسئلتنا جميعاً بقوله: إنني جندي من فلول الجيش التركي في فلسطين، طوح بي السير إلى هذه البلاد بعد أن نال مني الجوع والتعب أقصى ما ينالاه من حي. فقد كنت لقلة خبرتي بالطرق أسير من البلد الواحد أبغي بلداً آخر فانتهى غالباً حيث أبتدئ، وأبتدئ حيث أنتهي. وكنت حيناً أصيب طعاماً أو شيئاً شبيهاً بالطعام وأحياناً أمضي ساغباً أياماً لا يخالط الماء في جوفي شيء من الزاد، وآخر عهدي بالطعام - كما أخبرتكم - كان منذ ثلاثة أيام. فقد استجديت واستجديت، مصطنعاً كل أساليب الخشوع وأنواع الضراعة، ولكن في غير طائل. وأخيراً

стр. 4601

وصلت ذلك الفريق من الأعراب فوصفوا لي هذه الدار، فآليت لا أصبر زيادة عما صبرت فإما شبع يرد إلي الحياة، أو موت أرتاح معه من ذلة السؤال وآلام الجوع. وعوّلت على أمر. قلت أبادر أصحاب الدار بالعنف والصياح: فان كانت فيهم بقية من رحمة وآثار من إنسانية لم يمنعهم صياحي إذا ما شاهدوا ما أنا فيه، من الرثاء لحالي والجود على بشيء. وان كانت الأخرى وكانوا كبقية الناس نالني منهم ما أرجو معه أن أضع حداً لهذه الحياة المثقلة. وحياة الجندي - كما قد تعلمون - لا تساوي في هذه الأيام شيئاً، ولا تعسر على أحد، ولولاكم - جزيتم خيراً على كل حال - لكانت هذه آخر ليالي من الشقاء. ولحظت عند هذا الحد من حديث الرجل الدمع يجول في عينيه بين متحير ومتحدر، يهبط به الحزن لحظة، وتكفكفه الرجولة أخرى. وكأنه آنس مني عطفاً صادقا عليه وإشفاقا على ما صار إليه، فأقبل علي يحدثني ويبثني شكواه. وأغلب اليقين أنه لم يكن يعتقد أنني مدرك إلى أي الأغوار والأعماق النفسية تنحدر آلامه وأشجانه. إلا أن ذلك لم يكن يمانعه قط عن الحديث. والمرء إذا زخرت نفسه بالألم وأترعها الحزن تحدث إلى كل شيء، تحدث إلى نفسه، تحدث إلى سواه، تحدث إلى الأطفال، تحدث إلى الحيوان، تحدث إلى الجماد، تحدث إلى لا شيء، فكأن المرء في ذلك الإناء يمتلئ فيفيض بالزائد على ما حوله. كشف الجندي عن صدره وأراني أثر جرحين أو ثلاثة، وكشف عن ساقه وأراني مثل وشرع يقول: أترى يا ولدي؟ هذا بعض نصيبنا من هذه الحرب. هذا بعض ما أصابني. ولكنني كنت كلما أصبت أتغلب على آلامي وأتحامل على نفسي فألوذ بربوة أو اهبط حفرة تقيني زيادة الأذى إلى أن ينصرف العدو أو يزول الخطر، فأقوم إذا كنت قادراً، أو أحمل إلى حيث أعالج، لأعود إلى القتال أمضي عزيمة وأشد بأساً. ولكن الزمن - يا بني - والجوع والخذلان، قد ذهبت بالكثير من قوانا وصبرنا، فعدنا لا يهمنا أكنا في الطليعة أم في المؤخرة. وأخيراً رأيتني على غير إرادة مني أتخلف عن الجيش وأهيم على وجهي في غير قصد أو اتجاه، إلى أن انتهى بي المطاف إلى هذا البلد ثم هذه الدار، فنالني ما نالني على يدي ذلك العلج الذي كاد يميتني بهراوته. . . أهذا يا ولدي جزاء هذه الجراح؟ أهذه خاتمة الجندي الذي يدفع عنكم عدوان الأعداء بدمه وحياته؟! إنني من غدي مسلم نفسي إلى أقرب سلطة عسكرية تفعل بي ما تشاء. ذلك خير لي وأبقى.

стр. 4602

والتفت إليه عند هذا الحد من حديثه وخاطبته متحمساً: نعم! ذلك أفضل يا عماه. لو كنت محلك ما فعلت غير هذا. انك هناك لا تضرب بالعصى على ما أعتقد ولا تجر على الأرض: ونظر ألي المسكين نظرة ذاهلة حزينة وقال: نعم يا بني، سوف لا يضربونني بالعصي، لأن العصي ليست جزاء من يتخلف عن واجبه في الجندية! إنما هي قطع من الرصاص صغيرة يدفنونها في أحشائنا أو يولجونها في رؤوسنا، فنضحي وكأن لم نكن. ولكن يميناً غموساً لن يحول هذا دون ما أنا عازم عليه من غدي! وخُيل إلى كأنني أدركت معنى هذا الكلام الغريب فراعني من الرجل هذا العزم، ونظرت إليه في رعب ظاهر وذعر متوسل، وبعد لحظة من الصمت خيل ألي فيها أن الرجل يتذكر أموراً ويستعيد صوراً رفع عينيه وقال: كلا يا ولدي الصغير! كلاّ! سأجاهد إذا في سبيل الحياة، سأحاول أن أعيش. إن لي صغيراً في سنك. لقد نسيته حينما أقسمت، ولكنني الآن أذكره. انه ينتظرني الآن: ينتظر أن يطوقني بيديه الصغيرتين. سأعيش، سأعيش وانحدر الدمع المعلق في مقلتيه منذ حين، وذهب يسير في أخاديد وجهه المجعد. وكان بعضه يقع على الأرض وبعضه الآخر تتلقاه كفه وفيها قِدّة من القماش أخذها من بقية قميص على صدره وعدت إلى فراشي وليس أقر مني عيناً، وليس أدمي مني قلباً كذلك. أديب عباسي

стр. 4603

المغفل المخدوع (إذا أصيب الرجل بداء الغفلة فقد الثقة من نفسه، وعاد لا ينظر بعينه، ولا يسمع بأذنه، ولا يفكر بعقله) أولع ملك من الملوك بالجديد من الثياب، فكان يتأنق في لباسه التأنق كله، وأصبح لا يرى اللذة إلا في الأغراب فيه، وكثرة الإنفاق عليه، وما كان يعبأ بعد ذلك بأمر أمته، فترك الجند هملاً، وهم حصن الأمة وسلسلتها الفقرية، واحتقر علماء الدنيا والدين، وهم مصابيح الكون يضيئون الحياة؛ ويبصرون الناس بسبلها المعوجة وطرائقها العجيبة؛ وكان لا يذهب إلى التمثيل حباً فيه، وإنما ليعرض على الناس زخرف ملبسه وجميل هندامه، وكان لا يخرج للنزهة ترفيهاً لأعصابه واستمتاعاً بجمال الطبيعة، وإنما ليدهش من يقابل، ويثير فيه عاطفتين: العجب من تأنقه، والإعجاب بذوقه. مرت الأيام هادئة في حاضرة الملك الواسعة، وأخذ يأتيها الناس من كل فج عميق. وفي ذات يوم قدم إلى الملك لصان متشردان، ضربا في فنون الاحتيال السهم، وذهبا في صنوف الخداع كل مذهب، وتظاهرا أنهما أستاذان مبرزان في النسج والحياكة؛ فأقبل عليهما الملك بسمعه وبصره. ثم قالا له: (أيها الملك المعظم، إنا نريد أن نقدم لك خدمة جليلة، إذ أنت بها خليق، وهي بك أنسب، إنا نستطيع أن نعد لك ثوباً شفيفاً جميلاً لا يراه عليك ألا من كان مخلصاً لك، معجباً بك، أو كفؤاً في عمله، قديراً عليه). فتهلل الملك واستبشر وقال: (لله دركما يا صديقي، ما أكرمكما وما أجمل صنيعكما، إنني ولا شك أصبح بما تنسجان وتحوكان بصيراً بأحوال الخلق جميعاً، فأعرف من كان لا يحسن عمله، ولا يصلح للقيام بما وكل إليه، وأعرف كذلك المخلص من المخادع المداهن، فأبدأ من الساعة بهذا العمل الخطير، وأنا أعرف كيف أجزل لكما العطاء). ثم أمر الملك أن يعطيا مبلغاً كبيراً من المال، وأُخلي لهما قصر رحيب على مقربة من قصر الملك، ثم انتشر الجند حوله يحرسونهما من اعتداء المعتدين (من غير المخلصين وغير الأكفاء!) جلس اللصان المحتالان في القصر الجديد، ونصبا المناسج والأنوال، وتظاهرا بالجد في العمل، والمثابرة التي لا تعرف الملل، وطلبا من الحرير أرقه وأنعمه، ومن الخيوط الذهبية أدقها وأنقاها، فجئ لهما بما أرادا؛ ولما انفردا في المكان وضعا الحرير والخيوط وما أخذاه

стр. 4604

من المال في حقيبتيهما، وجلسا إلى مناسجهما القائمة يديرانها على لا شيء، لا خيط عليها ولا قطعة حرير، يديرانها بهمة غير محدودة الليل كله، والملك في قصره ساهر يسمع أزير المناسج والأنوال، وهي لا تضعف ولا تخمد. وأخذ النعاس يغالب جلالته حتى غلبه وأخضعه لسلطانه، ولم بنزح عنه حتى تنفس الصبح، وجلا الليل جلاء تاماً، فقام الملك مسرعاً إلى نافذته، تواقا إلى معرفة ما قد تم، وأخذ يقلب وجوه الآراء فيمن يبعث، فقر رأيه على رئيس وزارئه، وما كان أخلص منه ولا أكفأ في نظر الملك. كلف الوزير الأكبر بهذه المهمة الشاقة، فانطلق في سبيله واثقاً من نفسه، ودخل على الدجالين الكاذبين فوجدهما يتصببان عرقاً، ويديران المناسج الفارغة بالقوة والعزم اللذين يميزان عمل المخلصين المصممين على النجاح، فدهش الوزير الجليل وقال في نفسه: (ماذا أرى؟ أيمكن أن أكون غير مخلص للملك أو غير جدير بمكانتي الاجتماعية العالية؟ أيمكنأني لا أرى ولو قطعة صغيرة من الخيط أو الحرير على هذه المناسج القائمة الدائرة. لله ما أشقاني!) ثم صدر من اللصين سؤال قطع عليه تفكيره الصامت، إذ طلبا منه أن يقترب قليلاً من المناسج ويخبرهما برأيه في اتساق الألوان، ودقة التطريز وجمال الأشكال، ثم أشارا في الوقت نفسه إلى مناسجهما الفارغة. اقترب الوزير الخطير ووضع منظاره على عينيه ليري ما لم تبصره عينه المجردة. نظر فلم ير شيئاً. ثم رجع البصر كرتين فعاد البصر إليه خاسئاً وهو حسير. اتهم الرجل نفسه وكفايته ودب الحزن في قلبه. وقال في نفسه: لا لا! لا يمكن أن يعرف الناس عني أنني غير مخلص أو غير كفء، ولن أعترف أبداً أني ما رأيت النسيج الشفاف. لم يكد السيد الرئيس يفرغ من خاطرته المشجية المضحكة حتى فاجأه أحد المحتالين بقوله: (سيدي، يظهر أنك لا تبصر محاسن ما قد صنعنا.) فأجابه الوزير: (لا أبصره!! ومن ذا الذي يستطيع الإبصار اذن؟ ما أبدع ما أرى وما أدقه، بنفسي تلك الألوان المتسقة. وهذه التصاوير الرائعة. و. . و. . . نعم سأخبر الملك سريعاً بهذا البدع وهذا التفنن) فشكره اللصان شكراً جزيلاً على حكمته وكفايته. وأخذا يشرحان له الأشكال المختلفة الموهومة. ويذكران أسماء الألوان. ويبينان مواضع الحسن في ذلك القماش الخيالي. والوزير يصغي إليهما ويهز رأسه لبعض ما يسمع حتى يسرده على الملك عند عودته حرفا بحرف

стр. 4605

رجع الوزير والهم حليفه إلى الملك، وأخذ يصف ذلك الجمال الذي سمعه بأذنه. وعجز عن رؤيته بعينه. والملك يترنح عجباً وسروراً. وفي اليوم التالي بعث الملك ضابطاً من ضباطه الذين سمعوا وصف الوزير وإعجابه بما شهد. فذهب الرسول ولم ير من المناسج إلا خشبا قائما لا شئ فيه. ولكنه اتهم عينيه واتهم كفايته وأخذ يفكر تفكيراً هو الحريق الداخلي ويقول لنفسه: (لا شك أني غير كفء لمكانتي ذات الأجر الكبير. أف ما أتعسني! كيف أعجز عن إبصار ما رآه السيد الرئيس وافتتن به؟ لا يجوز أن يعلم أحد عني ما أعلمه الآن من نفسي.) ثم ارتفع صوته فجأة بالإعجاب والمديح، وعاد إلى الملك يبالغ في الثناء. فازداد الوزير (وكان حاضراً) اتهاماً لنفسه وكفاءته. وسر من كذبه الصالح. ثم عزم الملك على زيارة تلك المناسج العجيبة. فقام مع حاشيته ورئيس الوزراء والضابط الممتاز وذهبوا إلى اللصين جميعاً دخلوا حجرة اللصين فصاح الوزير الأكبر صيحة العجب والإعجاب: (ما أجمل ذلك الزخرف. وما أدق هذه الصنعة! وما أبدع تلك الألوان المتداخلة. وتلك الأشكال المتماثلة.) ثم صاح الضابط: (يا الله! ما كنت أحسب قبل اليوم أن في طاقة الإنسان أن يعمل كل هذا البدع: ثوب شفيف مطرز. وبالأشكال الجميلة مزخرف. وهو مع ذلك لا تراه إلا عيون المخلصين والأكفاء، ولا تلمسه الأيدي ولا تدركه الظنون.) فوجم الملك وقال في نفسه: (ما هذا؟ ألا أرى شيئاً؟ إنها لمصيبة كبرى؟ هل يمكن أن أكون معتوهاً أو غير خليق بالملك؟ لا. لابد أن أسدل على الأمر ستار الخفاء.) ثم صاح (حقاً ما أجمل ذلك القماش! إني راض عنه الرضى كله) ثم ابتسم وحدق في المناسج الفارغة. ولكن هيهات لنفسه الضعيفة أن تنكر وجود شيء أقره رجلان من كبار رجاله!! وانطلق رجال الحاشية يحدقون كذلك ويصيحون: بديع! مدهش! فخم! عجيب! رائع! تلك كانت الصفات التي أخذت ترن في أنحاء المكان الواسع. ثم عطف الملك على الحائكين وأجزل لهما العطاء ورفعهما إلى الدرجات العالية، وقرر الملك أن يلبس تلك الحلة الرائعة ويسير في موكب فخم في أنحاء المدينة يعرضها على الأنظار. . جاء يوم الاحتفال - ذلك اليوم المشهود - فخرج الناس من منازلهم، وساروا زرافات في الطرق، حتى فاضت بهم السبل، وكأن الأرض صفحة كتاب، سطورها الشيوخ والشباب.

стр. 4606

أما الملك فقد جرده اللصان من ملابسه إلا قميصه وسرواله، ثم أوقفاه أمام المرآة، وأخذا يروحان ويجيئان، ويرفعان أيديهما ويضعانها، ويديران الملك أمام المرآة ليرى الحلة الجديدة، وأفراد الحاشية وقوف بين متعجب ومسرور، ثم صاح اللصان أن قد تم كل شيء فتقدم الخدم إلى رفع الذيل الموهوم لتلك الحلة الخيالية، وسار الملك في طليعة السائرين، والوزراء والأعيان حوله ووراءه، والنساء مطلات من المنافذ والشرفات، والناس منهومون بالنظرات. وما وقعت عيونهم عليه حتى علا الصياح يشق جوف الفضاء: (ما أجمل الثوب، وما أبدع الذيل)!!. . . وهكذا ظل كل إنسان يخدع نفسه ويكذب عينيه، ظناً منه أنه وحده قد عجز عن رؤية الثوب، وأن الباقين يرونه كما يرى بعضهم بعضاً. واستمر الحال كذلك برهة والناس جميعاً خادعون ومخدوعون، ثم صاح طفل ساذج: (ليس على الملك ثوب جديد! الملك عريان!) فبهت الجميع. . . ثم صاح شيخ كهل: (اسمعوا صوت الحق، اسمعوا صوت الطبيعة التي لا تعرف الملق والنفاق). فاغتم الملك غماً شديداً إذ علم أن ما قاله الطفل حق صراح، يبصره هو ويشعر به، ثم عاد أدراجه بين سخر الساخرين، واستهزاء الضاحكين. م. ك

стр. 4607

سيوة تقع واحة سيوة في صحراء مصر الغربية على الحدود ما بين مصر وطرابلس على مسافة مائتي ميل جنوبي السلوم وأربعمائة ميل غربي وادي النيل. ويمكن القول أنها الواحة الشمالية من سلسة واحات تتبع إحداها الأخرى من الجنوب إلى الشمال في صحراء (ليبيا) وكان الأقدمون يسمون هذه الواحات (بالأراضي المقدسة) لأنهم كانوا يعتقدون أن الآلهة منحت هذه البقاع ماء وسط تلك الصحراوات القاحلة، ولأن هذه الواحات قد حمتها الطبيعة بأن أحاطت كل واحة منها بسلسة من جبال كلسية تمنع عنها الرمال الدقيقة التي تحملها معها الرياح، إذ لولا هذه الجبال لغطتها كثبان الرمال وجعلتها في عالم النسيان، كذلك عيون الماء المتفجرة في هذه الواحات سببت الحياة والرخاء وسط ذلك المحيط القاحل غرب وادي النيل. تتكون سيوة من عدة واحات صغيرة متجاورة تقع في منخفض من الأرض يبلغ طوله حوالي ثلاثين ميلا وعرضه ستة أميال تقريبا، وينخفض عن سطح البحر حوالي عشرين متراً تكتنفها صحراء جرداء محرقة لا تسقط فيها الأمطار ولقد زارها الاسكندر الأكبر حينما غزا مصر وتبرك بزيارة معبد (جوبيتر آمون) إرضاء للكهنة المصريين ورغبة منه في إظهار احترامه لدينهم يبلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة، وهم سلالة أقوام قديمة من البرابرة، ولا يشبهون أعراب الصحراء في شيء. ولهم لغة خاصة بلهجة ولكنة غريبتين، ولعلها لغة أجدادهم البرابرة القدماء، والغريب في أمرهم أنهم يتكلمون بتلك اللغة، ولكنهم لا يتكاتبون بها، بل إنهم يتكاتبون باللغة العربية، ولا شك في أن بقاء هذه اللغة البربرية راجع إلى بعد الواحة عن العمران، وصعوبة المواصلات بينهما وبين الأجزاء الأخرى من القطر فقل اختلاط السكان بالمصريين والأعراب، بل إن أهالي سيوة لهم عادات خاصة، وطباع تخالف في جوهرها طباع وسكان وادي النيل ليس لهذه الواحة تاريخ معروف، بل إن ماضيها مظلم، وليس من سبيل لإلقاء أشعة من النور لمعرفته إلا إذا قامت بعثات علمية بالحفر في جبالها وآثارها والتنقيب في معابدها وخرائبها حتى يمكن أن يرفع ذلك الستار الكثيف عن تلك المدنية البائدة الغربية والطريق الأكثر استعمالا للوصول إلى سيوة هو من مرسى مطروح والسلوم، ويمكن

стр. 4608

للسيارات الصغيرة الخفيفة أن تقطع ما بين مرسى ومطروح وسيوة في ثماني ساعات. أما السيارات الثقيلة المعدة للتحميل فتقطع المسافة في يومين، وتقطعها الجمال في سبعة أيام، ويقطع كثير من أعراب الصحراء المسافة من شاطئ البحر الأبيض إلى سيوة مشيا على الأقدام وهي مسافة لا يستهان بها إذا أضيف إليها ندرة الماء في الطريق. وكل ما يعيش عليه الأعرابي في الطريق، قليل من التمر ولبن الناقة وقطرات من الماء، وبهذه المناسبة أقول إن السيارات لم تبدأ بالسير بين مرسى مطروح وسيوة إلا منذ سنة ١٩٢٦ أما قبل ذلك فالمواصلات بين البلدين كانت بالجمال، غير أنه حدث أن زار الخديو السابق عباس باشا سيوة سنة ١٩٠٥ مع بعض الألمان الذين كانوا ينقبون عن الآثار في مدينة (سانت ميناس) القديمة التي تقع في الجنوب الغربي من الإسكندرية وكان بصحبته الهر إيوارت فولز وقد قطع المسافة لسيوة على عربة مكشوفة (فيتون) تجرها جياد تستبدل بغيرها كلما أصابها الكلال والتعب. وهذه هي المرة الأولى التي سارت فيها عربات ركوب في الصحراء في تاريخ سيوة الحديث، وتألفت حملة الخديو السابق في هذه الزيارة من أربعة علماء من الألمان وعشرين جنديا واثنين وستين حصانا و٢٨٨ جملا لحمل الأمتعة. هذا عدا خدم الخديو الخصوصيين. وتهتم مصلحة الحدود الآن بإصلاح الطريق ما بين مرسى مطروح وسيوة. فهي تزيل الصخور من الطريق وتضع مخلوطاً من خرسانة الأسمنت في المواضع التي يغطيها مطر الشتاء، ثم إنها أصلحت بعض المستودعات القديمة الرومانية التي تجمع فيها الأمطار وسقفتها بأسقف من خرسانة الأسمنت وعملت فيها فتحات حتى يتمكن المارة من أن يحصلوا على الماء بإلقاء دلو مربوط في حبل كي يأخذوا ما يشاءون من الماء، وحتى لا يضيع أي قدر من ماء الأمطار، وازدادت تلك العناية عقب زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك الأخيرة سنة ١٩٢٨ إذ أن مصلحة الحدود تعمل على إيجاد أكبر عدد من مستودعات ماء المطر في طريق الصحراء بين مرسى مطروح وسيوة لدرجة أن العربي الذي يقطع المسافة سائراً على قدميه يمكنه أن يجد في طريقه كل يوم مستودعاً فيأخذ منه ما يحتاجه من ماء يكفيه طول اليوم، ومن أكبر هذه المستودعات أو الآبار هو بئر جلالة الملك فؤاد الأول عند البويب وهي منتصف المسافة تقريباً بين مرسى مطروح وسيوة، وتوجد آبار

стр. 4609

أخرى في الطريق أذكر منها بئر الكنائس والحجفا وغيرها. يقطع المسافر من مرسى مطروح الصحراء الغربية في رقعة من الأرض متشابهة الأشكال والمنظر لا تتغير فيها، فهي رمال صفراء تغطيها قطع صغيرة من الأحجار المتناثرة هنا وهناك، ويمر في طريقه ببعض التلول الصخرية القاتمة اللون، ولا يرى إلا سراب الصحراء على امتداد البصر، ولقد رسمت السيارات دروباً واضحة في الصحراء بحيث أصبح السائقون على إلمام بها بحيث لا يضلون الطريق كأنما هم يسيرون في شوارع البلاد الآهلة بالسكان، وقبل الوصول إلى سيوة بما يقرب من عشرين كيلو متراً تبدأ العربات بالانحدار في طرق متعرجة وسط الصخور التي تحيط الواحة، ولا يزال هذه الطرق تنحدر في ميلها تدريجياً حتى تتمكن السيارات في نهايتها من الوصول إلى الواحة نفسها، وذلك الانحدار طبيعي لأن هضبة الصحراء ترتفع عن سطح البحر، بينما الواحة نفسها منخفضة عن سطح البحر حوالي عشرين متراً، وما أن ينتهي ذلك الانحدار حتى ترى أشجار النخيل وقد مالت كل منها على الأخرى وكأنما هي عرائس وضعت على رؤوسها أكاليل من أوراق الربيع الخضراء، وتراها وهي في وسط الواحة الهادئة الساكنة كأنما تسر كل منها للأخرى أسرار الكون وأسرار وجود الحياة وسط تلك الصخور الصامتة الخرساء. ولا شك في أن القادم على سيوة حينما يقع بصره على أشجار الزيتون والنخيل يشعر بالفرق الشاسع بين تلك الصحراء المملة برمالها ودروبها، وبين تلك الواحة باخضرارها ووجود الحياة البالغة فيها، ثم يستمر السير وسط حقول الواحة وقد أحيط كل حقل بسياج من جريد النخل الذي لفحته حرارة الشمس فتحول لونه من أخضر زاه إلى أصفر ذهبي، وبعد مسير بضع دقائق تصل وسط البلدة مركز سيوة. (يتبع) كابتن

стр. 4610

الكتب رسائل سائر من بلاد العرب إلى بلاد اليونان بقلم صاحب الفضيلة الشيخ محمد سليمان من الأمور اليسيرة العسيرة، السهلة الممتنعة، التي تستعصي إجادتها إلا على ذوي الأفهام النادرة، والأقلام القادرة، وإن خدعت ظواهرها، وخيل لأوساط الكتاب أنها هنة هينة، تستطيع أرباع الأقلام وأنصافها أن تجول فيها وتبرز، هي تصوير الشعوب تصويراً صادقاً ناطقاً قوياً رائعاً. . يروى عن سائح فرنسي زار انجلترا، أنه لم يكد يقيم بها أسبوعا حتى حمل القلم وهم بالكتابة عنها، فلم يقطر قلمه إلا كلمات متقطعة وأسطر ركيكة فلم يشأ أن يرد ذلك إلى قصوره وعجزه، وزعم لنفسه أنها سبعة الأيام لا تجمع في الذهن محصولاً من الصور يكفي لإجادة التصوير، وعول على الإقامة شهراً كاملاً، فانقضى الشهر واهتز القلم، وانغمس في الدواة مراراً وجف مراراً، دون أن يهبط عليه الوحي الذي يرجو، ولكنه ليس عاجزاً ولا مقصراً، إنما هو الشهر لا ينفع ولا يجدي كاتباً يريد أن يجيد، فصبر حتى الفلك دورة كاملة، وانسلخ العام بشهوره الاثنى عشر، والذهن على ركوده والقلم على جموده، فأيقن بعجزه عن الوصف وارتحل فليست الكتابة عن الأقطار والشعوب هينة لينة كما يبدو، إنما هي مرتبة عالية، تحتاج إلى قلب كبير حساس، يعي ما يرى من الصور وعياً تاماً ويحسها إحساسا قوياً، حتى لكأنه نشأ بينها ودرج في أحضانها، وإلى عقل راجح لا يميل به الهوى، فيزن القول وزناً دقيقاً عادلاً، وإلى قلم قدير ينطق بما يحسه القلب ويحكم به العقل. وقد اجتمعت هذه الأدوات الثلاث لدى الأستاذ الجليل الشيخ محمد سليمان، الذي طوف في أرجاء فلسطين وسوريا وزار بلاد اليونان، فلم يعوزه ذلك القلب اللاقط الحساس، ولا غربة فهو أبو التلاميذ جميعاً، الذي وسعت رحمة قلبه ألوف الأبناء، ولم ينقصه العقل الراجح المتزن العادل، فقد عرفته منصات القضاء أعواماً وأعواماً، فإذاما أحس قلبه وإذا ما حكم عقله، ألفيا قلماً بليغاً ينطقانه في بيان ساحر خلاب. طوف الأستاذ في تلك الأنحاء، فأحس كثيراً وعلم كثيراً، فأملى على القلم إحساسه وعلمه، فصدع القلم ودبج فصولاً لست أعرف خيراً منها، أستغفر الله بل ما يدنو منها فيما كتبه

стр. 4611

الرحالة المتجولون حديثاً، وأخذ ينشر تلك الفصول تباعاً في صحيفة سيارة، ثم نظمها اليوم في كتاب، حتى يطالعه الأخلاف كما قرأه المعاصرون، فكان هذا الكتاب القيم: رسائل سائر قرأت الكتاب فراعتني منه جوانب ثلاثة: التصوير الدقيق، والملاحظة الصحيحة، واستخلاص العبرة، ولو أردت أن أسوق إليك الأمثلة لنقلت إليك الكتاب الذي أدعوك لقراءته من السطر الأول إلى السطر الأخير على أن في الكتاب هنات يسيرة، كنا نرجو أن يبرأ منها كالتطويل القليل الفائدة في بعض المواطن، وقلة عدد الصور، وهذا القليل لم ينل حقه من الإجادة تصويراً وطبعاً، وكالإطناب في خالد بن الوليد، ومن رأينا أن ما يمكن تحصيله وأنت هادئ ساكن في مكتبك، ليس مما يحسن ذكره في كتب الرحالة، وبوقوع بعض الأخطاء اللغوية، أو التي نحسب أنها كذلك، ففي صفحة ٧ يقول (ظاهرة حقة) ونظن أن الصفة هنا لا تؤنث كقولك رجل عدل وامرأة عدل. وفي صفحة ٣٥ ذكر الريح مذكراً وأظنها أو يحسن على الأقل - أن تكون مؤنثة. وفي صفحة ٣٨ ذكر (باقة زهر) والباقة لا تكون إلا للبقل، أما حزمة الزهر فيقال لها طاقة الزهر. وإنما نذكر هذه المآخذ لضرورة ذكرها في مجال عرض الكتاب، على إنها لا تشوه من جمال الكتاب في شيء؟ زكي نجيب محمود

стр. 4612

العدد ٥٥ - بتاريخ: ٢٣ - ٠٧ - ١٩٣٤

стр. 4613

بمناسبة ذكرى حافظ بين السياسة والأدب ينظر الأدب المصري اليوم إلى السياسة نظر الَمغِيظ الحانق لطغيان جلالها على جلاله، وعدوان سلطانها على استقلاله، وعبث أهلها بأقدار أهله عبث الهوى المتحكم بقوانين العدالة! شهد الأدب في هذه الأيام جنازة سياسية لمرقص حنا باشا. وجنازة أديبة لأحمد زكي باشا، وسمع بذكرى سياسية لسينوت حنا بك، وذكرى أدبية لحافظ إبراهيم بك؛ فأما الجنازة السياسية والذكرى السياسية فكانتا مظهرين من مظاهر الوطنية الرائعة، ومظاهرتين من مظاهرات القومية المتحدة، شملت البلاد، وشغلت الصحف، وأرهفت الشعور، وأرهبت الحكومة، ونفَّست عن العاطفة العامة المكروبة؛ وأما الجنازة الأدبية والذكرى الأدبية فكانتا شاهدين على هذا التواضع المسكين الذي يصاحب العلم، وأثرين لهذا البؤس المهين الذي يلازم الأدب، فشيَّع الأولىبعض الأصدقاء وبعض الخاصة، ونسى الثانية كل الأصدقاء وكل الخاصة، ثم تهامست بين الناس الشكاوي، وتملقت من الأنصار المعاذير، وتجاوبت في الأقطار الشقيقة أصداء الأسف، ونعى كاتب سورية الكبير صاحب (فتى العرب) على مصر عقوق الأدباء وجحود العباقرة؛ وليس في نظرنا مما يبعث الشكوى من السياسة، ويثير السخط على الجمهور، ويستوجب الملامة على مصر، فان السياسة تقوم بواجبها، ولا تحول بين أحد وبين واجبه. السياسة عقيدة، والعقيدة تحييها الشعائر، وتنميها المظاهر، ويقويها الحشد، وينشرها الإعلان، ويديمها التذكير، وتجددها الدعاية. والسياسة مبدأ، وهذا المبدأ نفسه يريد أن يكرم في ذكرى الميت كما كان يكرم في وجود الحي، وما حالات السياسي إلا مناسبات يُهتف فيها بفكرته لا بصورته. والسياسة جهاد، والجهاد يدعو بتكريم البطولة إلى البطولة، وبتعظيم التضحية إلى التضحية. والسياسة حكومة وخصومة، ومن حق السياسة المكبوتة أن تتلمس الحرية في كل فرصة، وتتنشق الراحة من كل فُرْجَة

стр. 4614

والسياسة جاه وقوة، ومن طبيعة النفوس أن تشايع الجاه وتبايع القوة ابتغاء لمنفعة أو اتقاء لمضرة والسياسة بعد ذلك كله للشعب، فرجالها زعماؤه، وضحاياها شهداؤه، ومواقفها مواقفه أما الأدب فلا نصيب له من بعض ذلك، ليس عقيدة للعامة، ولا فكرة للأمة، ولا ساحة للنفوس المجاهدة، ولا مطمعة للعيون الرغيبة؛ إنما هو فن الخاصة وبغية الرجل المثقف، فإذا لم يحتفل أهله بأهله، وينوه جمهوره بفضله، ذهب أثر رجاله من الدنيا كما تذهب أنغام موسيقى الجيش بعد المعركة، ثم لا يبقى الفخر والذكر إلا للجند والقادة الأدباء هم الملومون على هذا العقوق، والصحفيون هم المسئولون عن هذا الإهمال، وشهوة المنافسة وعداوة الحرفة، هما اللتان تفسران البواعث على هذا والدوافع إلى ذاك؛ والأديب الذي يَنْفِس على أخيه محنة الوجود، يجد الأولى أن ينفس عليه نعمة الخلود، والأدب في الحياة وفي الممات شر على صاحبه، فإنما لا نزال نشهد كل يوم معارك الأهواء بين الأدباء الأحياء تقطع وشائج الصداقة، وتخفي دلائل النبوغ، وتزيف حقائق الفضل، ثم لا تترك منهم للتاريخ إلا أشلاء منكرة من الأدب والفن والخلق. ولا نزال نسمع من يذكر المنفلوطي بالسوء لأنه اصطنع الأدب الباكي، كأن للكاتب يداً في تركيب مزاجه، وتكوين بيئته، وتأليف ظروفه، وتثقيف ملكاته. كذلك لا نزال نسمع من يشدد النكير على شوقي لأنه عالج في بعض عمره شعر المديح، كأنه نشأ في ظل الدستور وعهد الديمقراطية وعصر الجماعة، وكأنه كان يمدح عباساً لأن المتنبي كان يمدح سيف الدولة! نعم كان أمس ذكرى حافظ، وكان أول أمس ذكرى سينوت! فهل رأيت بعينك وفاء السياسة وجحود الأدب؟. إن حافظاً ﵀ ما يزال يقتضي أصدقاءه الخلَّص حفلة التأبين وتأليف الكتاب، فهل من المعقول أن نطلب من شعبه المغلول إحياء الذكرى وإقامة التمثال؟ ولقد كان من جرائر نحسه الذي ظل بعد موته حياً يعيث، أن مواهبه السامية في الشعر والبلاغة قد أخذ ينالها النسيان وتشوهها الغفلة، فما يذكره الناس حين يذكرونه إلا بحلاوة النادرة وبراعة (النكتة) وحسن الحديث، حتى خشينا أن يصبح في الخاصة ما أصبح أبو نواس في العامة.! فَمَنْ مُبْلغٌ حافظاً الصديق أن المودة بعده أصبحت لا تبقى على المحن، ولا تقوى على

стр. 4615

الأهواء، ولا تثبت للظروف، ولا تتجاوز كذب الحياة إلى صدق الموت! ومَنْ مبلغٌ حافظاً الأديب أن الأدب بعده أصبح داء كداء الضرائر، تهيمن عليه المنافسة الكاذبة، وتغض منه المحاسدة اللئيمة، وتتحكم فيه الأغراض الحقيرة؟ ومَنْ مبلغ حافظاً الفنان أن فنه الجميل سيبقى على لؤم الإنسان وظلم الزمان، رائعاً ما راع الجمال، ساطعاً ما سطعت الشمس، خالداً ما دام الخلود؟!. احمد حسن الزيات

стр. 4616

سمُوُّ الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم للأستاذ مصطفى صادق الرافعي - ٢ - قالت عائشة ﵂: لم يمتلئ جوف النبي ﷺ شبعاً قَطّ، وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاماً ولا يتشهّاه، إن أطعموه أكل، وما أطمعوه قبل، وما سقوه شرب. وقالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يوميين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ . وعنها: كنا آلَ محمد نمكث شهراً ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء. وقالت: ما رَفع رسول الله ﷺ قَط غداءً لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتخذ من شيء زوجين، لا قميصين، ولا رداءين، ولا إزارين، ولا زوجين من النعال. ويروي عنها، قالت: توفي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي. وقالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير. وعن أبن عباس: كان رسول الله ﷺ يبيت اللياليَ المتتابعة وأهلهَ طاوياً لا يجدون عشاءً، وإنما كان خبزهم الشعير. وعن الحسن، قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: والله ما أمسى في آل محمد صاعٌ من طعام، وإنها لتسعة أبيات) والله ما قالها استقلالاً لذكر الله، ولكن أراد أن تتأسى به أمته. وعن أبن مجير، قال: أصاب النبيَّ ﷺ جوعٌ يوماً فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: (ألا رُبَّ نفس طاعمةٍ ناعمة في الدنيا - جائعةٌ عارية يوم القيامة؛ ألا ربَّ مُكرمٍ نفسه وهو مهين لها؛ ألا رب مهين نفسه وهو مكرم لها) وخُيّرَ ﷺ أن يكون له مثل (أُحد) ذهباً فقال: لا يا رب، أجوع يوماً فأدعوك، وأشبع يوماً فأحمدك.

стр. 4617

وكان يقول في دعائه ويكثر منه: اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين. هذا هو سيد الأمة، يمسكه في الحياة نبياً عظيماً ما يُخرج غيره منها ذليلاً محتقراً، وكأنما أشرق صفاء نفسه على تراب الأرض فردّه أشعة نور، على حين يُلقِى الناس على هذا التراب من ظلام أنفسهم فلا يبقى تراباً، بل يرجع ظلاماً، فكأنهم يطئون المجهول بخوفه وروعته؛ ثم لا يستقر ظلاماً، بل يرجع آلاماً، فكأنهم ينبتون على المرض لا على الحياة؛ ثم لا يثبت آلاما، بل يتحول فورة وتوثباً تكون منه نزوات الحمق والجنون في النفس. هؤلاء الذين تعيش أنفسهم في التراب، ويتمرغون بأخلاقهم فيه - ينقلبون على الحياة من صنع التراب ناساً دُوداً لا يقع في شيء إلا أفسده أو قذَّره؛ أو قوماً سوساً لا ينال شيئاً إلا نخره أو عابه، فهم يوقعون الخلل في نظام أنفسهم فإذا هي طائشة تخيَّل لهم كأنما اختلت نواميس الدنيا، وكأن الله قبضهم وبسط غيرهم، وشَغَلَهم وفَرَّغ مَن عداهم، وابتلاهم على مسْكَة الرزق بالشهوة المسعورة التي لا تتحقق، فضربهم بالمجاهدة التي لا تنقطع؛ وأنعم على غيرهم في بسطة الرزق بالشجرة المسحورة التي لا تُقطع منها ثمرة إلا نبت غيرها في مكانها. إن ما وصفناه من فقر النبي ﷺ ، وأنه لم يكن له عتيدٌ حاضر، وأنه لم يجعل نفسه في همّ المال، ولا جعلته نفسه في هم الفقر، وأنه لقي الحياة حاملاً لا محمولاً، واستقر فيها هادئاً لا مضطربا - كل ذلك إنما يثبت للدنيا أنه خلق وبُعث وعاش ليكون درساً عملياً في حل المشكلات الاجتماعية، يعلَّم الناس أنها لا تتعقّد بطبيعتها، ولكن بطبائعهم فيها؛ ولا تستمر بقوتها، ولكن بإمداد قواهم لها؛ ولا تغلب بصولتها، ولكن بجَزَعهم منها؛ ولا تُعضل من ذات نفسها، ولكن من سوء أثرهم عليها، وسوء نظرهم لأنفسهم ولها. فإذا قرأت الأحاديث التي أسلفناها فلا تقرأها زهداً وتَقلُّلاً، ولا فقراً وجوعاً، ولا اختلالاً وحاجة، كما تترجمها نفسك أو تحسها ضرورتك؛ بل انظر فيها واعتبرها بنفسه هو ﷺ ، ثم اقرأها شريعةً اجتماعية مُفصَّلة على طبيعة النفس، قائمةً على أن تأخذ نفس الإنسان من قوى الدنيا عناصرها الحيوية، لتعطي الحياة من ذلك قوة عناصرها.

стр. 4618

والحياة العاملة غير الحياة الوادعة، هما ذكر وأنثى؛ فأما الأولى فهي ما وصفنا وحكينا، وأما الثانية فهي تَغلُّل النعمة، وإطلاق قانون التناسل في المال ينمي بعضه بعضا، وينبت بعضه على بعض، ثم إقامة الحياة على الزينة ومقوّمتها، وقيام الزينة على الخداع وطبائعه، فيُقْبل المرء من دنياه على ما هو جدير أن يصرفه عنها، ويحب منها ما كان ينبغي أن يباغضه فيها. وكل ما رأيت وعلمت في رجل قُوَّته القوة فهو هناك؛ وكل ما علمت ورأيت في أنثى قوتها الضعف فهو هنا. فالسواد الذي تراه في فقره ﷺ هو السواد الحيّ؛ سواد الليل حول الروح النَّجْميَّة الساطعة؛ وذلك التراب هو التراب الحيّ؛ تراب الزرع تحت النضرة والخضرة؛ وتلك الحاجة الجسميّة هي الحاجة الحية الدافعة إلى حرية النفس؛ وذلك الإقلال من فهم اللذة هو الإقلال الحيّ الذي يزيد قوة فهم الجمال في السماء والأرض وما بينهما؛ وذلك الضيق في حيز المتاع للحاسة هو الضيق الحي الذي يوسع حيّز المتاع للروح. وبالجملة فذلك النقص من المادة لم يكن إلا لنفي النقص عن الفضيلة، وذلك الاحتقار للعرَض الفاني الزائل هو المعنى الآخر لتقديس الخالد الباقي. فليس هناك خبز الشعير، ولا الجوع، ولا رهن الدرع عند اليهودي. كلا، كلا، بل هناك حقيقة نفسية عقلية، ثابتة متزنة. قائمة بعناصرها السامية: من اليقين والعقل والحكمة، إلى الرفق والحلم والتواضع، تخبر هذه الدنيا العلمية الفلسفية المفكرة أن ذلك النبي العظيم هو الرجل الاجتماعي التام بأخلاقه وفضائله، وهو الذي بُعِث لتنقيح غريزة تنازع البقاء، وكسر هذه الحيوانية، وقمع نزواتها، وإماتة دواعيها، والسمو بخواطرها فهو بنفسه صورة الكمال الذي بعث لتحقيقه، وإثبات أنه الممكن لا الممتنع، والحقيقي لا الخيالي. ليس هناك درع مرهونة في ثلاثين صاعا، ولا الفقر، ولا خبز الشعير. كلا، كلا، بل هناك تقرير أن النصر في معركة الحياة لا يأتي من المال والثراء والمتاع، ولكن من المعاناة والشدة والصبر، وأن التقدم الإنساني لا يباع بيعاً، ولا يؤخذ هوناً، بل هو انتزاع من الحوادث بالأخلاق التي تتغلب على الأزمات ولا تتغلب الأزمات عليها، وأن هذا المال وهذه الشهوات - في حقائق الحياة ومصائرها - ككنوز الأحلام لا تكون كنوزاً إلا في مواضعها من أرض الغفلة والنوم، فلا لذة منها إلا بمقدار خفيف من هذه الغفلة. وليس إلا

стр. 4619

الأحمق أو المخذول أو الضائع هو الذي يقطع العمر نائماً أبداً ليظل مالكاً أبداً لهذه الكنوز، وهو يعلم أنه لابد مستيقظ، وأنه متى انتبه في آخرته لم يجد منها شيئاً (ووجد الله عنده فوفاه حسابه) كلا، كلا، ليس هناك فقر ولا جوع وما إليهما، بل هناك وضع هذه الحقيقة: ينبغي أن تجد نفسك، وموضع نفسك، وإيمان نفسك، وعزة نفسك، فإذا أدركت ذلك ورفعت نفسك إلى موضعها الحق، وأقررتها فيه وحبستها عليه، وحددتها بالإنسانية من ناحية، وبالله من الناحية المقابلة - رأيت إذن أن قيمتك الصحيحة في أن تكون وسيلة تعطي وتعمل لتعطي، لا غاية تأخذ وتعمل لتأخذ - ومهما ضيق عليك، فنما أنت كالشجرة الطيبة تأخذ تراباً وتصنع حلاوة. وما قط نبتت شجرة في مكانها لتأكل وتشرب وتختزن السماد والتراب، وتحصنهما وتمنعهما عن غيرها، ولو قد فعلت ذلك شجرة لكان هلاكها فيما تفعل، إذ تحاول أن تضاعف فائدتها من قانون العالم، فيكون طمعها سريعاً في إفساد الصلة بينهما، فلا يجد القانون فيها نظامه، ومن ثم لا تجد في القانون نظامها، فيهلكها الذي كان يحييها، وتستبعد لحظّ نفسها فيفقدها ذلك حرية الحياة التي كانت لها في نفسها. يقول نبينا ﷺ : (إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تنزع من بين جبينه وهو يحمد الله .) فهذا هو أسمى قانون اجتماعي يمكن أن تظفر به الإنسانية وما يأتي لها ذلك إلا إذا أصبحت تلك المعاني التي أومأنا إليها شعوراً اجتماعياً عاماً، مقرراً في النفس، قائماً فيها على إيمان راسخ بأن الفرد هو صورة المجتمع لا صورة نفسه وحدها، وأن الناس كحب القمح في سنبلة ليس لجميعه إلا قانون واحد، فموضع كل حبة من السنبلة هو ثروتها، علت أو سفلت، وكثير ما تأخذه أو قل، وإذا كان أساس الحياة في الحبة منها أن تجد قوامها وكفايتها من مادة الأرض فتمام الحياة فيها أن يغمرها النور من حولها، وأن يستمر النورمن حولها يغمرها. فالحبة من السنبلة بكل خير على كل حال، وإنها لتُنْزَع وما بها أنها نُزِعت، ولكنها أدت ما تؤدِيّ، وانقطعت من قانون لتتصل بقانون غيره، وما اغتنت ولا افتقرت، ولا أكثرت ولا أخَفَّتْ؛ بل حققت موضعها، فإنها ما نبتت لتبقى، وما نمت إلا لينقطع نماؤها. وكذلك المؤمن الصحيح الإيمان، الصادق النظر في الحياة؛ هو أبداً في قانون آخرته؛ فهو أبداً في

стр. 4620

عمل ضميره. والناس في هذه الحياة كحشد عظيم يتدفق من مضيق بين جبلين ينفذ إلى الفضاء؛ فإذا هم أدركوا جميعاً أنهم مُفْضُون إلى هذه النهاية مرّوا آمنين وكان في يقينهم السلامة، وفي صبرهم الوقاية، وفي نظامهم التوفيق، وفي تعاونهم الحياة؛ فهم بكل خير على كل حال، ما دام هذا قانون جميعهم، فأيما رجل شذَّ منهم فاضطرب فطاش هلك وأهلك من حوله، ومن عكس منهم موضعه ونكص على عقبيه أهلك من حوله وهلك. والموت أشقى الموت هنا - اعتبارُ الحاضر بنفسه، والضجرُ منه، وجعل الإنسان نفسه غاية؛ والحياة أهنأ الحياة - اعتباره بما وراءه، والصبر على شدته، وجعل الإنسان نفسه وسيلة. فذلك معنى خبز الشعير، والقلة والضيق، ورهن الدرع عند يهودي من سيد الخلق وأكملهم، ومن لو شاء لمشى على أرض من الذهب. فهو ﷺ يعلم الإنسانية أن الرجل العظيم النفس لا يكون في الحياة إلا ضيفاً نازلاً على نفسه. ومن معاني ذلك الفقر العظيم أن خبز الشعير هو رمز من رموز الحياة على التحلُّل من خلق الأثَرةِ، والبراءةِ من هوى الترف؛ ورهن الدرع رمز آخر على التخلص من الكبرياء والطمع؛ والعُسْرة رمز ثالث على مجاهدة الملل الحي الذي يفسد الحياة كما يفسد بعض النبات النبات. ومجموع هذه الرموز رمز بحاله على وجوب الإيقاظ النفسي للأمة العزيزة التي تقود أنفسها بمقاساة الشدائد ومجاهدة الطباع، لتكون في كل فرد مادة الجيش، وليصلح هذا الجيش قائداً للإنسانية. على أنه ﷺ حثّ على طلب اليسار، والتغلٌّل من الأعمال الشريفة بالغلَّة والمال، فقال: (إنك إن تدع عيالك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس). ورأى عابداً قد انقطع للعبادة حتى أكلت نفسه جسمه، ووصفوا له من زهده وعبادته، فقال ﷺ : من يعوله؟ قالوا كلنا نعوله. فقال: كلكم خير منه!. . إلى أحاديث كثيرة مروّية، هي تمام القانون الأدبي الاجتماعي في الدنيا، تثبت أن الحي إن هو إلا عمل الحيّ. ولكن حين يكون سيد الأمة وصاحب شريعتها رجلاً فقيراً، عاملاً مجاهداً، يكدح لعيشه ويجوع يوماً ويشبع يوماً، فلم يقلب يده في تِلاد من المال يرثه ولم يجمعها على طريف منه يورّثه - فذلك هو ما بيناه وشرحناه وذلك كالأمر نافذاً لا رخصة فيه على ألاّ يتخذ الغني

стр. 4621

من الفقير عبداً اجتماعياً، لفقر هذا ولمال ذاك؛ بل هي المساواة النفسية لا غيرها، وإن اختلفت طبقات الاجتماع. والأكرم هو الأتقى لله، بمعنى التقوى؛ والأقوم بالواجب، على معنى الواجب؛ والأكفأ للإنسانية، في معاني الإنسانية. فقر ذلك السيد الأعظم ليس فقراً، بل هو كما رأيت: ضبط السلطة الكائنة في طبيعة التملك، لقيام التعاون الإنساني على أساسه العمليّ؛ هو المحاجزة العادلة بين المصالح الاقتصادية الطاغية يمنع أن تأكل مصلحةٌ مصلحةً فتهلك بها، ويوجب أن تلد المصلحةُ مصلحةً لتحيا بها. والنبي الفقير العظيم هو في التاريخ من وراء كل هذه المعاني كالقاضي الجالس وراء موادّ القانون. ﷺ . مصطفى صادق الرافعي

стр. 4622

بين يدي شهرزاد للأستاذ توفيق الحكيم شهرزاد متكئة على الوسائد تنظر باسمة في حوض ماء من المرمر وبين يديها الوزير قمر. . . . شهرزاد - (في مكر) أراك يا قمر تسرف في إطرائي وتبخس قدر صديقك. الوزير - لم أبخس قدره. شهرزاد - (في مكر) يخيل إلى أنك نسيت ما بينكما من ود عجيب. الوزير - (في حدة) لم أنس شيئاً. شهرزاد - (في خبث) بلى! الوزير - (في حدة عمياء) إني لم أنسى شيئاً. إنما أبين لك لماذا أنت تحبينه أسمى الحب، فلا تزعمي لي غير هذا مرة أخرى. إني لست أُخدع. لست أُخدع. لست أُخدع! شهرزاد - (هادئة) قمر؟ ماذا دهاك؟ الوزير - (يثوب إلى رشده) مولاتي مغفرة. . إني. . شهرزاد - انك أحياناً لا تملك نفسك. الوزير - إني. . أردت أن أقول انك غيرِتِه، وأنه انقلب إنساناً جديداً منذ عرفك. شهرزاد - انه لم يعرفني. (يسمعان طرقاً شديداً) الوزير - (يرهف السمع) هذا هو. شهرزاد - إن شهريار يحمل دائماً مفتاحه ولا يدخل القصر ليلاً إلا من سردابه. الوزير - مَن هذا الطارق إذن؟ شهرزاد - اذهب وجئني بالخبر. (الوزير يخرج مسرعاً) شهرزاد - (كالمخاطبة لنفسها) مسكين أنت يا قمر! (الوزير يعود على عجل) قمر - مولاتي! أتدرين من الطارق؟ رجل عجيب الزي، يقول انه المؤلف، ويلتمس المثول

стр. 4623

بين يديك. شهرزاد - (في عجب) المؤلف؟ أي مؤلف؟ قمر - لم أفهم مراده. إنما هذا ما قاله لي. شهرزاد - أدخله لنتبين أمره. قمر - أفي مثل هذه الساعة من الليل؟ شهرزاد - وماذا يضير. انك معي. قمر - نعم سألبث معك. (يخرج قمر في الحال) شهرزاد - (كالمخاطبة لنفسها) المؤلف؟: أتراه أحد السحرة قد أرسل في طلبه شهريار؟ (قمر يعود وخلفه توفيق الحكيم يلتفت يمنة ويسرة منبهر البصر مما في القصر من عجائب لم يسبق لعين مثله أن وقعت على مثلها) شهرزاد - (تلتفت إليه وتتأمل زيه وتأذن له في الدنو منها ولكنه يقف مكانه جامداً) (تقدم يا هذا) توفيق - مولاتي. . . شهرزاد - ماذا بك؟ توفيق - أأنا بين يدي شهرزاد؟ قمر - نعم أنت في حضرة الملكة العظيمة. توفيق - (كالمخاطب لنفسه) نعم، لا يمكن لهذا الجمال أن يكون لغيرها. شهرزاد - بِمَ تهمس كمن به مس؟ توفيق - مغفرة أيتها الملكة، إني. . . شهرزاد - لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ توفيق - هذا الجمال. . . شهرزاد - (لقمر) أرأيت يا قمر! انك قد جئتني آخر الليل بمُعْجَب مفتون. قمر - (لتوفيق) ماذا جئت تصنع هنا أيها الرجل؟ توفيق - (همساً) لست أدري. . . (يعود فيتأمل شهرزاد)

стр. 4624

شهرزاد - أرجو منك ألا تطيل النظر إلى هكذا. توفيق - مولاتي! لا أستطيع. شهرزاد - أين الجلاد؟ توفيق - خير لك أن تأمري بي فتطاح رأسي من أن تطلبي إلى ألا أعجب بك. شهرزاد - أتراني حقَّا جميلة؟ توفيق - نعم. شهرزاد - إن لي جسداً جميلاً! أليس لي جسد جميل؟ توفيق - ليس الجسد وحده. شهرزاد - اقترب. توفيق - كلاَّ. شهرزاد - لماذا؟ توفيق - (يشير إلى الحوض) هذا الحوض. . . شهرزاد - أيخيفك هذا الحوض؟ توفيق - أخشى أن تزل قدمي فأسقط وأنا لا أحسن السباحة. . . شهرزاد - انه قليل الغور توفيق - لا شيء عندك قليل الغور. شهرزاد - (تتفرس فيه) عجباً! انك تتكلم كما يتكلم شهريار! من أنت؟ توفيق - خادمك توفيق الحكيم. شهرزاد - أتعني أنك صاحب توفيق أم أنك صاحب حكمة؟ توفيق - لا هذا ولا ذاك، ولكنه اسم من الأسماء. شهرزاد - وما صناعتك؟ توفيق - أؤلف القصص. شهرزاد - مثلي؟ توفيق - لم أيلغ شأوك. وليس لي ذكاؤك ولا خيالك. شهرزاد - انك تسرف في إطرائي وتبخس قدر نفسك.

стр. 4625

توفيق - قدر نفسي؟ وما أدراك به؟ وهل عرفت لي قصصاً على الأقل أيتها الملكة؟ شهرزاد - كلاَّ. ماذا صنعت من القصص؟ توفيق - قصة (شهرزاد) شهرزاد - (في عجب) أنا؟ توفيق - نعم أنت. شهرزاد - متى صنعتها؟ توفيق - ليس يعني الزمن الذي صنعت فيه. شهرزاد - أصنعتها في الماضي؟ توفيق - بل في المستقبل. شهرزاد - فهمت. هذا الزي العجيب. . . توفيق - نعم. إني أهبط إليك الساعة من المستقبل الذي أعيش فيه لألقاك في الماضي الذي فيه الآن تعيشين كما يهبط الطائر من الشمال إلى الجنوب في غابة متسعة الأرجاء. شهرزاد - يا للعجب! كلامك هذا يذكرني بشهريار. توفيق - أترين هذا؟ شهرزاد - لكنك أهدأ نفساً منه. توفيق - نعم، الآن. شهرزاد - (تنظر إليه ملياً) إني أعجب كيف أن القدر لم يجمع بيننا قبل الآن؟ توفيق - لقد جمع بيننا دائماً. شهرزاد - أين؟ توفيق - (يشير إلى قلبه) هنا. شهرزاد - (في عجب تشير إلى قلبه) هنا؟ توفيق - نعم. ومن هنا خرجت أنت إلى الوجود. فما أنت إلا صنع النار والنور الكائنين هنا (يشير إلى قلبه) شهرزاد - هذا جميل. توفيق - أرأيت من أي مادة أنت مصنوعة يا مخلوقتي العزيزة!
следующие страницы →