← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

من الفقير عبداً اجتماعياً، لفقر هذا ولمال ذاك؛ بل هي المساواة النفسية لا غيرها، وإن اختلفت طبقات الاجتماع. والأكرم هو الأتقى لله، بمعنى التقوى؛ والأقوم بالواجب، على معنى الواجب؛ والأكفأ للإنسانية، في معاني الإنسانية. فقر ذلك السيد الأعظم ليس فقراً، بل هو كما رأيت: ضبط السلطة الكائنة في طبيعة التملك، لقيام التعاون الإنساني على أساسه العمليّ؛ هو المحاجزة العادلة بين المصالح الاقتصادية الطاغية يمنع أن تأكل مصلحةٌ مصلحةً فتهلك بها، ويوجب أن تلد المصلحةُ مصلحةً لتحيا بها. والنبي الفقير العظيم هو في التاريخ من وراء كل هذه المعاني كالقاضي الجالس وراء موادّ القانون. ﷺ . مصطفى صادق الرافعي

стр. 4622

بين يدي شهرزاد للأستاذ توفيق الحكيم شهرزاد متكئة على الوسائد تنظر باسمة في حوض ماء من المرمر وبين يديها الوزير قمر. . . . شهرزاد - (في مكر) أراك يا قمر تسرف في إطرائي وتبخس قدر صديقك. الوزير - لم أبخس قدره. شهرزاد - (في مكر) يخيل إلى أنك نسيت ما بينكما من ود عجيب. الوزير - (في حدة) لم أنس شيئاً. شهرزاد - (في خبث) بلى! الوزير - (في حدة عمياء) إني لم أنسى شيئاً. إنما أبين لك لماذا أنت تحبينه أسمى الحب، فلا تزعمي لي غير هذا مرة أخرى. إني لست أُخدع. لست أُخدع. لست أُخدع! شهرزاد - (هادئة) قمر؟ ماذا دهاك؟ الوزير - (يثوب إلى رشده) مولاتي مغفرة. . إني. . شهرزاد - انك أحياناً لا تملك نفسك. الوزير - إني. . أردت أن أقول انك غيرِتِه، وأنه انقلب إنساناً جديداً منذ عرفك. شهرزاد - انه لم يعرفني. (يسمعان طرقاً شديداً) الوزير - (يرهف السمع) هذا هو. شهرزاد - إن شهريار يحمل دائماً مفتاحه ولا يدخل القصر ليلاً إلا من سردابه. الوزير - مَن هذا الطارق إذن؟ شهرزاد - اذهب وجئني بالخبر. (الوزير يخرج مسرعاً) شهرزاد - (كالمخاطبة لنفسها) مسكين أنت يا قمر! (الوزير يعود على عجل) قمر - مولاتي! أتدرين من الطارق؟ رجل عجيب الزي، يقول انه المؤلف، ويلتمس المثول

стр. 4623

بين يديك. شهرزاد - (في عجب) المؤلف؟ أي مؤلف؟ قمر - لم أفهم مراده. إنما هذا ما قاله لي. شهرزاد - أدخله لنتبين أمره. قمر - أفي مثل هذه الساعة من الليل؟ شهرزاد - وماذا يضير. انك معي. قمر - نعم سألبث معك. (يخرج قمر في الحال) شهرزاد - (كالمخاطبة لنفسها) المؤلف؟: أتراه أحد السحرة قد أرسل في طلبه شهريار؟ (قمر يعود وخلفه توفيق الحكيم يلتفت يمنة ويسرة منبهر البصر مما في القصر من عجائب لم يسبق لعين مثله أن وقعت على مثلها) شهرزاد - (تلتفت إليه وتتأمل زيه وتأذن له في الدنو منها ولكنه يقف مكانه جامداً) (تقدم يا هذا) توفيق - مولاتي. . . شهرزاد - ماذا بك؟ توفيق - أأنا بين يدي شهرزاد؟ قمر - نعم أنت في حضرة الملكة العظيمة. توفيق - (كالمخاطب لنفسه) نعم، لا يمكن لهذا الجمال أن يكون لغيرها. شهرزاد - بِمَ تهمس كمن به مس؟ توفيق - مغفرة أيتها الملكة، إني. . . شهرزاد - لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ توفيق - هذا الجمال. . . شهرزاد - (لقمر) أرأيت يا قمر! انك قد جئتني آخر الليل بمُعْجَب مفتون. قمر - (لتوفيق) ماذا جئت تصنع هنا أيها الرجل؟ توفيق - (همساً) لست أدري. . . (يعود فيتأمل شهرزاد)

стр. 4624

شهرزاد - أرجو منك ألا تطيل النظر إلى هكذا. توفيق - مولاتي! لا أستطيع. شهرزاد - أين الجلاد؟ توفيق - خير لك أن تأمري بي فتطاح رأسي من أن تطلبي إلى ألا أعجب بك. شهرزاد - أتراني حقَّا جميلة؟ توفيق - نعم. شهرزاد - إن لي جسداً جميلاً! أليس لي جسد جميل؟ توفيق - ليس الجسد وحده. شهرزاد - اقترب. توفيق - كلاَّ. شهرزاد - لماذا؟ توفيق - (يشير إلى الحوض) هذا الحوض. . . شهرزاد - أيخيفك هذا الحوض؟ توفيق - أخشى أن تزل قدمي فأسقط وأنا لا أحسن السباحة. . . شهرزاد - انه قليل الغور توفيق - لا شيء عندك قليل الغور. شهرزاد - (تتفرس فيه) عجباً! انك تتكلم كما يتكلم شهريار! من أنت؟ توفيق - خادمك توفيق الحكيم. شهرزاد - أتعني أنك صاحب توفيق أم أنك صاحب حكمة؟ توفيق - لا هذا ولا ذاك، ولكنه اسم من الأسماء. شهرزاد - وما صناعتك؟ توفيق - أؤلف القصص. شهرزاد - مثلي؟ توفيق - لم أيلغ شأوك. وليس لي ذكاؤك ولا خيالك. شهرزاد - انك تسرف في إطرائي وتبخس قدر نفسك.

стр. 4625

توفيق - قدر نفسي؟ وما أدراك به؟ وهل عرفت لي قصصاً على الأقل أيتها الملكة؟ شهرزاد - كلاَّ. ماذا صنعت من القصص؟ توفيق - قصة (شهرزاد) شهرزاد - (في عجب) أنا؟ توفيق - نعم أنت. شهرزاد - متى صنعتها؟ توفيق - ليس يعني الزمن الذي صنعت فيه. شهرزاد - أصنعتها في الماضي؟ توفيق - بل في المستقبل. شهرزاد - فهمت. هذا الزي العجيب. . . توفيق - نعم. إني أهبط إليك الساعة من المستقبل الذي أعيش فيه لألقاك في الماضي الذي فيه الآن تعيشين كما يهبط الطائر من الشمال إلى الجنوب في غابة متسعة الأرجاء. شهرزاد - يا للعجب! كلامك هذا يذكرني بشهريار. توفيق - أترين هذا؟ شهرزاد - لكنك أهدأ نفساً منه. توفيق - نعم، الآن. شهرزاد - (تنظر إليه ملياً) إني أعجب كيف أن القدر لم يجمع بيننا قبل الآن؟ توفيق - لقد جمع بيننا دائماً. شهرزاد - أين؟ توفيق - (يشير إلى قلبه) هنا. شهرزاد - (في عجب تشير إلى قلبه) هنا؟ توفيق - نعم. ومن هنا خرجت أنت إلى الوجود. فما أنت إلا صنع النار والنور الكائنين هنا (يشير إلى قلبه) شهرزاد - هذا جميل. توفيق - أرأيت من أي مادة أنت مصنوعة يا مخلوقتي العزيزة!

стр. 4626

قمر - (يتململ) من هذا الرجل! توفيق - صه أيها الوزير. فكر في شأنك أنت، ودعني فيما أنا فيه. فما جئت الليلة إلا من أجل شهرزاد. شهرزاد - جئت من أجلي؟ توفيق - نعم. شهرزاد - وماذا تريد مني؟ توفيق - أريد أن أعيش إلى جانبك. قمر - (في غضب وهياج) أيها الرجل! من أنت أيها الرجل؟ توفيق - أنا كائن أشقى منك حالاً. شهرزاد - (باسمة لتوفيق) لماذا؟ توفيق - لأني أشعر ببرد الوحدة يكتنفني في تلك السماء ذات السحب. شهرزاد - ويل للمبدعين. توفيق - صدقت، أَجل يا شهرزاد لو لم يعش المبدع في مخلوقاته لقتله برد الوحدة. شهرزاد - تريد إذن أَن تهبط إلى الأرض. توفيق - لقد قلتها يا شهرزاد. لا شيء غير الأرض؟ شهرزاد - أَين شهريار يسمع منك؟ وهو الذي هجر الأرض يريد السماء.! توفيق - لا تخشى عليه من بأس. سوف يعود إليك. شهرزاد - متى؟ توفيق - يوم يعلم أَن السماء في الأرض. شهرزاد - يا هذا. أريد منك شيئاً. . . توفيق - ماذا؟ شهرزاد - أَمنحك قبلة.! توفيق - تمنحينني قبلة؟ شهرزاد - نعم. توفيق - وهبتها قمرا.

стр. 4627

قمر - (في استنكار) مولاي! توفيق - خذها أَيها الأبله. من ذا يرفض قبلة من شهرزاد؟ قمر - (يخرج سريعاً). . . توفيق - هرب الأحمق. شهرزاد - (تنظر إلى توفيق ملياً) عرفتك أَخيراً. توفيق - (باسما) أَعرفتني؟ من أَنا؟ شهرزاد - أَأَنت هو؟ أَم أَنك تعيش فيه؟ توفيق - من هو؟ شهرزاد - شهريار! توفيق - صه. لست أَدري. . . لست أَدري. . . هذا سؤال لا ينبغي أَن يوضع. ولا ينبغي أَن يلقى عليّ. شهرزاد - إذن ارتفع. فما أَنت إلا شبح من الأشباح. توفيق - شبح من؟ شهرزاد - شبح شهريار.! توفيق - لا تقولي هذا. إنما هو الشبح وأَنا الحقيقة. شهرزاد - أَمام الأبد هو الحقيقة التي ستبقى وهو خالقك وهو مخلدك، وما أَنت إلا خيال سوف تتبعه صاغراً على مرّ الأيام. وان ذكر اسمك على الدهر فإنما يذكر خلف اسمه. انك تزعم الآن أنك صانعنا ومبدعنا أَمام ذلك الزمن المحدود، وإنما نحن في الحقيقة صانعوك ومبدعوك في الغد أَمام الخلود. . . توفيق - ويل لي. شهرزاد - ماذا بك؟ توفيق - أأنا عنك شبح؟ تلك هي السخرية الكبرى! في وحدتي ينخر في نفسي الشك. فإذا هبطت بينكم ألتمس اليقين علمت إني شبح لا حقيقة. وإني وليد صنعكم أنتم أمام الدهور. شهرزاد - كل شيء يصنع كل شيء. . . توفيق - نعم.

стр. 4628

شهرزاد - ليس هناك إلا حقيقة واحدة. توفيق - ما هي؟ شهرزاد - أننا جميعاً لسنا حقيقة. توفيق - وأَنا معكم. شهرزاد - وأَنت معنا لا فرق بينك وبيننا. توفيق - (بعد لحظة) صدقت! ولا أَمل لي مع ذلك في أَن أَعيش إلى جانبك. شهرزاد - اليوم كلاَّ. توفيق - ومتى إذن؟ شهرزاد - في الغد، يوم تصبح من مادتنا، لو أَن لنا اليوم مادة. توفيق - فهمت. وداعاً يا شهرزاد. شهرزاد - إلى الملتقى! توفيق الحكيم

стр. 4629

٣ - من روائع عصر الأحياء حياة بنفونوتو تشلليني مكتوبة بقلمه مثل عال للترجمة الشخصية للأستاذ محمد عبد الله عنان زج بنفونوتو تشلليني إلى غيابة الحصن الرهيب (حصن سانت انجيلو) مرة أخرى، وهو كسير الساق، طريح الفراش وألقي في تلك المرة إلى غرفة مظلمة ضيقة رطبة، تتمثل فيها روعة الأسر، ورهبة العدم؛ وشعر أن لهب حياته يخبو، فانكب على قراءة الكتاب المقدس استعداداً للقاء ربه؛ ولكنه بعد أن لبث أياماً في قراءته، شعر أن قبساً جديداً يضئ حياته، وتولاه نوع من السكينة المعنوية وصفاء النفس؛ ويصف لنا تشلليني ذلك التطور النفسي الغريب الذي حقق له خلال الألم المبرح نوعاً من السعادة، وحوّله من فتى مضطرم الأهواء والنزعات، إلى شبه قديس يتجرد بعواطفه نحو الملكوت الأعلى، لا يذكر شيئاً من ملاذ هذا العالم وحواسه؛ ويقص علينا في عدة صحف شائقة حوادث حياته في ذلك الظلام الدامس، وكيفعرضة للأحلام الروحية البديعة، ويبدو تشلليني في هذا الوصف كاتباً بارعاً، في بيانه كثير من القوة والسحر؛ والمحن تطلق البيان والشاعرية؛ أجل، وغدا تشلليني شاعراً أيضاً، يكتب فوق الصفحات البيضاء من (توراته) أبياتاً من الشعر الصوفي، ويشتغل بوضع قصيدته الكبيرة (الكابيتولو) في وصف السجن ومديحه، ووصف ما عانى من ألم، وما آنس من سعادة نفسية ثم توفي محافظ الحصن، صديقه القديم الذي كان يرعاه ويجتهّد في تخفيف محنته وخلفه أخوه في منصبه. وكان البابا كلما خطر له أن يطلق تشلليني من أسره تدخل ولده السنيور بيرلويجي وحال دون قصده. وكان خصوم تشلليني يودون موته بأي الوسائل، وكان السم بالطبع أيسر وأنجح الوسائل التي تستعمل في هذا العصر الفياض بالجريمة والغدر. وعلى ذلك عهد أحد رجال البطانة إلى أحد حراس السجن أن يضع شيئاً من مسحوق الماس في طعام تشلليني، وعهد بسحق الماس وإعداده إلى صائغ من أريزو؛ وقدم الطعام المسموم إلى تشلليني فأكله، ولكنه لاحظ في النهاية ذرات تلمع في أحد الصحون، فخفق قلبه، واعتقد

стр. 4630

بعد فحصها أنها ذرات الماس القاتلة. يقول: (فأيقنت عندئذ بأني هالك، وامتزج الحزن والإيمان في قلبي حينما هرولت إلى الصلاة. ولبثت مدى ساعة أواجه الموت المحقق، وأضرع إلى الله، وأشكره على أن هيأ لي هذا الموت الهين، وشعرت برضى عميق، وباركت العالم والزمن اللذين عشت فيهما؛ والآن فإني أعود إلى أرض أفضل برعاية الله التي أيقنت إني كسبتها). ولكن أملاً غامضاً في الحياة حمله على أن يتأمل الذرات اللامعة مرة أخرى، وأن يفحصها بواسطة مدية صغيرة، فانتهى بعد فحصها وسحقها إلى أنها لا يمكن أن تكون من الماس، وأنها مسحوق مادة لامعة أخرى لعلها لا تؤذي الحياة. والظاهر أن الصائغ الذي عهد إليه بسحق الماس قد طمع فيه واستبقاه لنفسه واستبدله بهذه المادة. وعلى أي حال فقد نجا تشلليني من هذه المحاولة، واستمر أياماً يرفض الطعام الذي يحمل إليه ما لم يذقه أمامه حارس السجن وقضى ربك أخيراً أن تختم المأساة المروعة وأن يطلق سراح البريء. ذلك أن الكردينال دي فرارا مبعوث فرانسوا الأول ملك فرنسا قدم إلى رومة لمفاوضة البابا في بعض الشئون، وانتهز هذه الفرصة فالتمس من قداسته أن يفرج عن تشلليني، وأن يسلمه إليه، منوهاً باهتمام ملك فرنسا بأمره، فاضطر بولس الثالث أن يجيب ملتمسه، وأوفد رسوله في الحال إلى الحصن مع كبيرين من حاشية الكردينال، وأفرج عن تشلليني، وأخذ إلى الكردينال دي فرارا، فاستقبله بترحاب، وأنزله بقصره. فلبث به مدى حين ينفض عنه عثار السجن، ويستجمع قواه الذاهبة، ويستعيد مواهبه التي كادت أن تخبو. ولما انتعشت نفسه، عاد فانكب على عمله المحبوب، وأخذ يشتغل بطائفة من الأواني والتحف التي عهد إليه الكردينال دي فرارا بصنعها. ولما أتم الكردينال مهمته في رومة اعتزم السفر إلى فرنسا، فسار تشلليني في ركبه مع فتاه اسكانيو وزميل له يدعى باجولو، وسبفه الكردينال إلى فرنسا، وتخلف هو حيناً في فلورنس وفيرارا، ثم كتب إليه الكردينال ليوافيه إلى باريس، فسار إليها مع عامليه، ولم يكن راضياً عن معاملة الكردينال له من الوجهة المادية، ولكنه لم يستطع التخلف قياماً بحق الوفاء والعرفان لأنه هو الذي أنقذه من إسار السجن. ووصل إلى باريس، ثم سار إلى فونتنبلو حيث كان يقيم الملك وبلاطه، وهنالك لقي الكردينال، فأكرمه وأنزله منزلاً حسناً، ثم استقبله الملك فرانسوا الأول بترحاب وأغدق

стр. 4631

عليه عطفه، وقدم إليه التحف والحلي التي صنعها لحسابه، فأعجب بجمالها ودقتها وهنأه على براعته، وعهد إليه بصنع تحف أخرى، وأقطعه منزلاً للعمل والإقامة، وأجرى عليه راتباً حسناً. وهنا يفيض تشلليني كعادته في وصف التحف التي عهد إليه ملك فرنسا بصنعها والزخارف التي وضع نماذجها لبعض أبواب قصر فونتنبلو، ثم يصف لنا حياته اليومية في عاصمة فرنسا. وكانت كالمعتاد حياة عاصفة مليئة بالشجار والمنازعات، وكان قد اتخذ له صاحبة جديدة، هي فتاة فرنسية تدعي كاترينا، تشتغل لديه كنموذج فني، فكانت هذه العلاقة مثاراً لعدة منافسات وفضائح غرامية يصفها لنا تشلليني بصراحته المعروفة. ويقص علينا كيف فاجأ ذات يوم فتاه باجولو متلبساً بالخيانة مع كاترينا، وكيف تسممت بينهما العلائق من أجل ذلك، وطرد الفتاة الخائنة وصاحبها، ثم انتهى بأن رتب لهما انتقاماً جهنمياً هو أنه عقد زواجهما بالإكراه، وسيفه معلق على رأسيهما ثم عاد بعد ذلك فاستخدم كاترينا نموذجاً وخليلة لكي يذل بذلك أنف عامله السابق باجولو، وكيف أنه استخدم بعد ذلك فتاة أخرى، وأولدها طفلة ثم صرفها مع طفلتها بشيء من المال، ولم يرهما بعد ذلك قط ولبث تشلليني في خدمة ملك فرنسا حيناً من الدهر، ولكنه لم يحظ بعطف الدوقة دتامب صاحبة الملك، وكانت تستأثر يومئذ بالنفوذ في البلاط، وأنفت نفسه من أن يترضاها بوسائل لا تتفق مع كبريائه، فلبثت من جانبها تدس له لدى الملك وتخلق الصعاب في وجهه. ولكن الملك أعرض عن تحريضها حيناً، وعهد إلى تشلليني بأعمال فنية كبيرة منها تماثيل فضية عديدة، وأحواض زهر، وباب برنزي وغيرها، وأدى الفنان هذه الأعمال كلها ببراعته الفائقة، وأعجب بها الملك أيما إعجاب. وأخيراً شعر تشلليني بأن عطف الملك قد فتر، وعاف هذه الحياة المضطربة الفياضة بالأحقاد والدس، فاستأذن في السفر، وذهب إلى الكردينال دي فرارا يلتمس إليه العون في العودة إلى وطنه، فأجاب ملتمسه، وغادر فرنسا غير آسف على فراقها، ووصل إلى إيطاليا بعد رحلة شاقة، وقصد إلى مدينة فلورنس مسقط رأسه، وكان ذلك في صيف سنة ١٤٤٥. وبعد أن أقام أياماً إلى جانب أسرته، سعى إلى لقاء الدوق كوزيمو دي مديتشي أمير فلورنس، فاستقبله بترحاب وعهد إليه بصنع تمثال (لبرسيوس) وتمثال نصفي له، وقضى حيناً في خدمته، ولكن سوء تفاهم وقع بينه وبين الدوقة زوج الأمير، حمله على مغادرة فلورنس، وعندئذ سافر إلى البندقية وأقام بها

стр. 4632

حيناً ثم سافر إلى رومة وزار هنالك ميشيل أنجلو المهندس والفنان الخالد، وكان يومئذ يعني ببناء كنيسة القديس بطرس وزخرفتها، ليفاوضه في بعض المسائل الفنية. ثم عاد إلى فلورنس، بعد أن عاد التفاهم بينه وبين الدوق، واشترى هنالك ضيعة صغيرة بما اجتمع له من المال، واستقر هنالك منكباً على تحفه وتماثيله وهنا ينتهي ما كتبه بنفونوتو تشلليني عن حياته. وقد كتب تشلليني هذه الصحف بين سنتي ١٥٥٨ و١٥٦٦، ولكنه يقف فيها عند سنة ١٥٦٢. وكانت أوصاب الشيخوخة قد دهمته يومئذ، وذهبت بذلك العزم المضطرم الذي كان يلتهب أبدا؛ وملك تشلليني سحر القلم فكتب في ذلك الحين أيضاً قصته (تراتاتي) يكرر فيها القصة القديمة المعروفة بذلك الاسم. وليس في حياته ما يستحق التدوين يومئذ غير زواجه سنة ١٥٦٥، وهو في الخامسة والستين من خادمته بيرا دي سلفادوري، تزوجها عرفاناً بما قدمته في خدمته أثناء مرضه من الغيرة والإخلاص، ورزق منها بولدين هما أبنه أدريا سيموني، وأبنته مادلينا، وتبنى أيضاً أبناءها من زوجها الأول. وتوفي الفنان الكبير في ١٣ فبراير سنة ١٥٧١، بمنزله في فلورنس، ودفن باحتفال فخم، وخبت تلك الحياة التي لبثت سبعين عاماً تملأ ما حولها حركة ونشاطاً واضطراما. هذه خلاصة لذلك المجلد الضخم الذي تركه لنا بنفونوتو تشلليني عن حياته الغريبة الحافلة. وإذا كان تشلليني قد عُدّ من أقطاب الفنانين في عصر الأحياء، فانه يرتفع بأثره إلى صف أقطاب كتاب هذا العصر. ولم يكن تشلليني كاتباً كما قدمنا، ولم تهيئه تربيته الساذجة، ولا حياته الشريدة المضطربة لمعالجة الكتابة؛ ولكن البيان هبة الطبيعة؛ وقد كان تشلليني أبن الطبيعة، وهبته كثيراً من خلالها الباهرة؛ فكان القلم في يده يدون به حوادث حياته، كالريشة يرسم بها نماذج تحفه. وليست روعة ترجمة تشلليني في هذا البيان القوي الساذج الساحر فقط، ولكنه أيضاً في تلك الصراحة الخشنة التي يحدثنا بها تشلليني، وفي تلك البساطة الرائعة التي يكشف لنا بها عن دخائل نفسه. ويقول لنا تشلليني في الخطاب الذي يوجهه إلى صديقه بنديتو فارشي بشأن ترجمة أنه لم يكتب إلا ما وعته الذاكرة من حقائق حياته. يقول: (والواقع أنني لم أكتب سوى الصدق، وقد أغضيت عن كثير من الحوادث العجيبة التي كان غيري يعطيها أهمية خاصة. ذلك أن لدي شئوناً عظيمة كثيرة أقصها،

стр. 4633

وقد تركت كثيراً مما هو أقل أهمية منها لكي لا يفيض بي القول فأخرج مجلداً ضخماً جداً). ولم ينته إلينا قبل تشلليني أو بعده أثر كأثره يمتاز بتلك الروعة والصراحة والحقائق المدهشة، وإن كانت هنالك ثمة تراجم شخصية عديدة غربية وشرقية ترتفع إلى ذروة البيان والطرافة الأدبية. وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما بين ترجمة تشلليني و (اعترافات) جان جاك روسو من وجوه الشبه والتباين، وأخصها أن جمال ترجمة تشلليني مستمد بالأخص من روحه التي تكاد تمثل في كل صفحة من صفحاته؛ أما جمال الاعترافات، فهو مستمد على الأغلب من السحر الذي يسبغه بيان روسو وقلمه على حوادث حياته. وفي رأينا أن ترجمة تشلليني تتفوق من ناحية الفن والطرافة والروعة على اعترافات روسو؛ وعلى أي أثر غربي آخر من نوعها. ولدينا في العربية أثر هام من نوع التراجم الشخصية القوية. ذلك هو ترجمة المؤرخ الفيلسوف أبن خلدون لنفسه، وهي المشهورة (بالتعريف). فقد دوّن أبن خلدون حوادث حياته في مجلد خاص في أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر، أعني قبل أن يكتب تشلليني ترجمته بقرن ونصف؛ و (التعريف) ترجمة شخصية، ولكن الحياة السياسية العاصفة التي خاض أبن خلدون غمارها والتي يقصها علينا في هذا السفر، تسبغ على (التعريف) لون التاريخ العام؛ ذلك أبن خلدون ضنين علينا بمواطن الإفضاء الشخصي التي تملأ ترجمة تشلليني، وهو يؤثر دائماً أن يدون من حوادث حياته ما يرتفع إلى أهمية الحياة العامة وحوادث التاريخ؛ بيد أنه يحدثنا أيضاً عن نفسه وعن خلاله، ولا يتردد في الافضاء بكثير مما لا يحسن الإفضاء به، لا عن حياته الداخلية ولكن عن حياته العامة. وفي تعريف أبن خلدون، كما في ترجمة تشلليني عنصر القصة الشائقة لحوادث حياة حقيقية. فان فيلسوفنا يصف لنا في تعريفه كيف يجوز من قصر إلى قصر، ويتعرض لمخاطر النقمة والاعتقال والمطاردة، ويسير في ركب الجند، ويمثل إلى جانب أميره في المعارك الحربية، ويقوم بقضاء المهام الخطرة في أعماق الهضاب والصحاري. ونراه في دمشق في السبعين من عمره يجوز مخاطر جديدة، وينزل من أبراج المدينة المغلقة مدلى بحبل ليقصد إلى معسكر الفاتح التتري تيمورلنك، وغير ذلك من الحوادث الغريبة الشائقة. والواقع أن هنالك شبهاً عظيما بين ترجمة أبن خلدون وترجمة تشلليني مع اختلافهما في

стр. 4634

النوع، فكلتاهما تفيض بمواطن الجرأة والمخاطرة ومواطن الإفضاء والصراحة. وإذا كانت ترجمة الفنان الإيطالي تعتبر في الأدب الغربي نموذجاً بديعاً للترجمة الشخصية، وقطعة رائعة من العرض الساحر والقصص الشائق، فان (تعريف) أبن خلدون يتبوأ مثل هذه المكانة في أدبنا العربي. ولأثر تشلليني فوق ذلك أهمية تاريخية، فهو يصور لنا كثيراً من ألوان الحياة الاجتماعية في عصر الاحياء، وهو عصر تطور عظيم في تاريخ الإنسانية؛ وفيه وصف شائق لكثير من أحوال البابوات وبذخهم وقصورهم، ووصف لأخلاق الأحبار ودسائسهم واستغلالهم لطبقات المجتمع الأخرى، ووصف لأحوال الجمهوريات الإيطالية في ذلك العصر وأمرائها وسادتها؛ والخلاصة أنه يلقى أكبر الضياء على تاريخ عصر من أهم عصور إيطاليا، وعصر يعتبر بحق فجر التاريخ الحديث. وفي رأينا أن كتاب تشلليني من أجدر الآثار الغربية وأحقها بالترجمة العربية؛ وقد ترجم فعلاً من الإيطالية إلى جميع اللغات الأوربية؛ فعسى أن يتقدم بعض شبابنا المثقف فيتحفنا بترجمة عربية بديعة لذلك الأثر البديع. (تم البحث) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 4635

٢ - الامتيازات الأجنبية والضرائب للأستاذ زكي دياب المحامي يرى بعض الشراح أن إعفاء الأجانب من الضرائب التي تفرضها الحكومة المصرية قائم على اتفاقات دولية، وهم في زعمهم خاطئون. وآية ذلك أن الاتفاقات الخاصة بالامتيازات كانت ترمي إلى إعفاء الأجانب الكيدية، وخصوصاً ضريبة الرأس وهي ما تقضي قواعد الشريعة المطبقة في الدولة العلية حينذاك بأن تجبى من كل أجنبي يقيم أكثر من سنة في بلد إسلامي. وكانت تعتبرها الشريعة أيضاً نوعاً من الجزية، فضلاً عن أن في دفعها مظهراً للاستبداد والتعسف المالي. هذا ويلاحظ أنه وإن كانت هذه الاتفاقات تحمي الأجانب من حملة المكايد إلا أنها لم تعفهم إعفاء مطلقاً من الضرائب بكافة أنواعها. وقد كان الأجنبي منظوراً إليه بعين الكراهية لنزعته الدينية، وبدراسة نصوص الاتفاقات الفرنسية والإنجليزية يظهر ذلك جلياً. على أنه وإن كانت الاتفاقات الفرنسية تعفي الأجانب من فرائض صغيرة فيها شيء من التعسف، فان ذلك الوضع لا يمنع من فرض ضرائب معروفة لدى الدول المتمدينة، فالهوة سحيقة بين الجزية القديمة التي كانت تفرض من جانب الظافر على المهزوم وبين الضرائب التي تفرض في الدول الحديثة. وترى الأوساط الأجنبية هنا وجوب الإعفاء من كل تلك الضرائب، ضريبة الأراضي العقارية والرسوم الجمركية، ويرد على هذا بأن العامل الوحيد الذي حدا بالدول إلى طلب هذا الامتياز والحرص عليه هو وضع الأجانب في مأمن من تيار الضرائب الكيدية التي كان يفرضها الحكام في ذلك الوقت بدليل أن نص الاتفاقات لا يتضمن إعفاء عاماً للأجانب، فالدول في الواقع كانت تقصد حماية رعاياها من حيث طريقة جباية الضريبة ولكنها لا تعارض في فرضها. وما دامت قد ذهبت العلة فلا داعي لبقاء المعلول. فدوافع الكيد معدومة. ولا غرو فمبدأ المساواة في تحميل الضرائب قد حبذته لجنة التحقيق في بيانها سنة ١٨٧٨. وهي مؤلفة من أجانب عينوا بعد مفاوضات مع الدول. أليست هذه حجة قوية؟ وأليست هذه شهادة شهود من أهلها؟ وفي مؤتمر لندن سنة ١٨٨٥ أكدت الدول بصراحة رغبتها في المساواة، ورأت من العدل

стр. 4636

إخضاع الرعايا الأجانب القاطنين بمصر لنفس الضرائب التي يخضع لها المصريون. . وقبلت (الدول) تنفيذ ديكريتو سنة ١٨٨٤ الخاص بالضرائب على أراضي البناء فسرى على الأجانب والمصريين كما سبق القول. وفي قرارات ذلك المؤتمر الخطير حجة لنا دامغة لا يأتيها الباطل من بن يديها ولا من خلفها. وفي مستهل القرن العشرين استنكرت الشخصيات الكبيرة المعروفة في عالم السياسة نظام الامتيازات في مصر فصرح اللورد ملنر في كتابه أو (إنجلترا في مصر) بأن إعفاء الأجانب من الضرائب في القطر المصري من المنح التي خلقتها الامتيازات بدون وجه حق، وفي عبارته التالية مبلغ ذوده عن رأيه الحكيم: ' وأعرب لورد كرومر بأنه لا يتردد في القول بأن النظام المعروف بالامتيازات في مصر لا يتفق إطلاقاً وحالة مصر الحاضرة: ' , ' ' , ' وبعد، أليس من الجور في أخص صورة أن مصر وقد خطت في سبيل المدنية الصحيحة والتقدم خطوات لم تنكرها عليها الدول؟ أليس من الجور أن مصر هذه إن أرادت فرض ضريبة جديدة تستعين بها على ما تقوم به من أعمال كبار أن تلجأ إلى اثنتي عشرة دولة تلتمس موافقتها. إنه مظهر من مظاهر قصور السيادة، وجرح لا يندمل في صميم العزة القومية. ومن ذلك ما حدث خلال المدة التي أعلنت فيها الأحكام العرفية على البلاد، إذ جرت السلطة العسكرية على إصدار أوامر تسري على الوطنيين والأجانب سواء بسواء، وكان بين هذه الأوامر ما يتعلق بفروض مالية قبل الأجانب، والوطنيون يحملونها. فلما ألغيت الأحكام العرفية أثار إلغاؤها دفائن العصيان المدني لأوامر الحكومة المصرية، فامتنع أكثر الأجانب عن دفع ضريبة الحفر، وأشار بذلك بعض القناصل وعللوا الامتناع بأن دولهم لم توافق عليها. وما كانوا ليقولوا كلمة وقت أن فرضتها السلطة العسكرية. ومجمل القول أن نظام الضرائب في مصر جد متناقض، وعلة ذلك نظام الامتيازات العتيق والتوسع الضار الذي خلقه العرف السائد الآن والقواعد القديمة البالية، والأوضاع الكيدية

стр. 4637

المهينة التي صورتها الامتيازات. وهل ترى من العدالة أن الأراضي الزراعية وجلها في يد المصريين تثقل بالضرائب حتى لتكاد تستغرق الإيراد، أما التجارة الواسعة وهي في يد الأجانب، والصناعة الممتازة المكسبة، والمصارف الكبرى وكل ذلك في يدهم، فمعفى من الضرائب. وأخيراً فلا تردد في إبراز الحقيقة نيرة في سطور معدودة ذلك أن قيام الأجانب متمسكين في وجه مصر بامتيازاتهم كلما حاولت الحكومة المصرية السعي لإلغائها أو تخفيف وطأتها سيكون له من الأثر الخطير ما يقرب أجل الامتيازات، لأن الحال على ما هي عليه لن تدوم طويلاً ولابد لمبادئ العدالة أن تسود يوماً ما. (تم البحث) زكي دياب

стр. 4638

الذكرى للأديب حسين شوقي مضى عام كامل منذ أن رافق (س) رفاتها إلى المقرّ الأخير، فرأى أن يزور القبر بهذه المناسبة وأن يضع على الضريح طاقة من البنفسج، لأنها كانت تحب هذا الزهر الذي طالما لاحت زرقته في إنسانيْ عينيها، ثم قصد إلى محل الشاي حيث اعتاد مقابلتها لدى خروجها من عملها، وجلس إلى المائدة التي كانت تجلس إليها وهي تنتظره في شغف وسرور. . ثم أقبل الخادم وكان هو بعينه الذي خدمهما في العام الماضي، فحياه (س) كالعادة في لطف ودعة، ثم طلب الطلب نفسه: قدحْين من الشاي، فدهش الخادم لأن الرجل لم يكن معه أحد، ثم أخرج (س) مجموعة من الرسائل التي علتها صفرة القدم ثم أخذ يتلوها واحدة واحدة للمرة المتمّمة للمائة، ولكن كان يجد فيها دائماً لذة جديدة كأنها لحن من ألحان ديبوسي الشجية التي لا تملها النفس أبداً. . ها هي ذي ذكريات الماضي ماثلة أمامه: مقابلاته الأولى مع محبوبته، رحلاتهما، نزهاتهما، نوادرهما، جلساتهما في هذا المكان نفسه، تناولهما الشاي في هذه الساعة نفسها، كل ذلك كان يحسّ وجوده، حتى المحبوبة خيل إليه أنها بجواره. . كان يشعر بلذّة عظيمة من أجل هذا، لقد أتى عملاً يعدّ من معجزات الرسل إذ تحدّى الفناء وعلا سلطانه فوق سلطان الدهر، ولو إلى زمن قصير! مضت ساعة، فساعة ولم يحضر أحد. . وكان الخادم يرقبه فظن أن الرجل ضحية خيبة أمل من عشيقة. . ولكن على حين فجأة تذكر قصة هذا الرجل ففهم الحقيقة المؤلمة لما كان يبدو على (س) من مظاهر اليأس المتجلد، فخجل من نفسه وأشفق على الرجل شفقة عظيمة، كما أعجب من تحدّيه للموت ومن وفائه لمحبوبته المتوفاة، ثم اقترب منه ومد إليه يده معتذراً لسوء ظنه قائلا: آسف جداً يا سيدي لقد شككت في وفائك، سامحني! فصافحه (س) في حزن وألم مردداً: لا بأس لا بأس. . وكأنه أفاق من حلمه الجميل فعاد إلى عالم الألم والشقاء، يئن تحت سلطان الزمن. حسين شوقي

стр. 4639

رأي عربي مسيحي في محمد محمد والعرب قصيدة في ذكرى مولد الرسول بقلم وصفي قرنفلي توطئه عقيدتي الشخصية، أن محمداً ﷺ رسول كبقية الرسل، وكما جاز للمسيحيين أن يجمعوا للمسيح (ص) صفتيْ الألوهية والإنسانية الممتازتين، فقد يجوز لي أن أرى في سيّد قريش نبياً دينياً ومنقذاً قومياً في آن واحد. فأنا أحترمه (ص) كنبي جاءنا بالهدى والرجمة، وانضوى إلى لوائه كمنقذ الشرق من إسار الفرس والرومان، وأنا أرى في الدين الإسلامي قوة للشرق في جهاده يجب استغلالها، وإذا لم يكن للقرآن من يدٍ إلا صيانة لغتنا - واللغة أجلّ مظاهر القومية - لكفاه ذلك فضيلة تحمد، ويداً تشكر. فاعترافاً بفضل محمد وقرآنه على العرب والعربية كتبت ما كتبت، وأكتب من طوال الفصول في جرائد الفتح في (مصر) والاعتصام في (حلب) والرابطة في (دمشق) وسواها من الصحف الإسلامية، عدا رسائلي وقصائدي القومية في بقية الصحف العربية وفي سبيل محمد وقرآنه لقيتُ وألقى ما أكابد من عَنَتِ الجهل وسخر رجاله، فُحبيتُ (الرياء) وساماً، ورُميت بالكفر والضلالة، وقيل إنني أداري الأكثرية فأصانع المسلمين، وأني حزب القوة أنّى كانت القوة، وكان أشد أولئك الغاضبين عنَتاً وغيظاً، كهل مسيحي يدعى (سمعان) قرأ لي مقالاً في (الجزيرة) فهزّه الغضب حتى لقد همّ بى لو استطاعني، ولكني هزأت به وترفعت عن خصامه، فالى (سمعان) هذا ومن أخذ أخْذَهُ صرفتُ وجه الخطاب في مستهل القصيدة. إنني مسيحي كما يحب (سمعان) أن أكون، ولكني لا أرى في مسيحيتي ما يمنعني عن الاعتراف بهدى محمد ويده على الإنسانية والعرب! ولعل الضلالة كل الضلالة أن نحصر الفضيلة والهدى في دين من الأديان، فلكل دين ميزاته، ولكل دين فضائله، ومرجع كل دين إلى الله (ولله ما في السموات وما في الأرض،

стр. 4640

والى الله تُرجع الأمور) القصيدة قد يقولون (شاعر نصراني … يُرسل الحبَّ في كذاب البيانِ) (يتغنى هوى الرسولِ ويهذي … بانبثاق الهدى من القرآن) (ينتحي الجبهة القوية يحدو … ها رياءً، والشعر (لا وجداني) (قسماً بالمسيح، لو قام للشيطا … ن حزب، أشاد بالشيطان.) كذبوا والرسولِ، لم يجر يوماً … - بخلاف الذي أكنّ - لساني ما تراءيت بالهوى، بل سقاني … طائفُ الحبّ والهوى ما سقاني أوَ عارٌ على فتى يعربيٍ … أن تغنّى بالسيد العدنانى؟ أوَ ليس الرسول منقذَ هذا (م) … الشرق من ظلمة الهوى والهوان؟ صاح بالشرق واستثار بنيه … فتنادوا بالفرس والرومان ومشوا للحياة تحت رايته السم … حاءِ صفّاً موطَّد الأركان وبنوا مجدنا المؤثّل صرحاً … من نِثار العروش والتيجان وأتوا قمة الزمان فكانوا … سادة الأرض في شباب الزمان أَفكُّنا لولا الرسول سوى العب … دان؟ بئست معيشة العُبدان! أو ليس الوفاء أن تُخلص المن … قذ حباً إن كنت ذا وجدان؟ فالتحيات والسلام أبا القا … سم تُهدى إليك في كل آن قلْ (لسمعان) إن ما في عروقي … عربي، وأن ما في لساني أتغنى بالحق، والحق يا صا … ح لا مسلم ولا نصراني إنما الشاعر الذي أنا منه … فوق ذاك الارتجاف والبهتان قد تعالى عن الرياء بريئاً … من هوى الشيخ أو هوى المطران كلُّ هذي الأديان - لو عقل النا … س - سبيل هادٍ إلى الرحمن أخذته الغاياتُ فانشعب السي … رُ وضلت قوافل الركبان فاذا الناس في مريج من الأم … ر حيارى مشلولة الأذهان يترامون بالكبائر والاث … م ويمضون طيّة الأضغان

стр. 4641

أيها الناس! ما أتى الرسل للتف … ريق لكن لوحدة الإنسان كلنا مسلمون لله، فحتا … م الترامي بالكفر والإيمان؟ كلنا صائرون لله يوماً … (يوم تنشق وردة كالدهان) أتدينون بعضَكم؟ مَن حباكم … أيها الناس سلطة الديان؟ فاتقوا الله! واتركوا الأمر لل … هـ، وخلّوا ضلالة الكهّان أم نراكم علمتم الغيب فأصدر … تمُ إذ أصدرتمُ عن عيان؟ فقذفتمْ في زيداً وبوّأ … تُم عميراً مقصورة في الجنان جلّ سبحانه عن الشرك في الرأ … ي وعلم المصير والسلطان! منقذ الشرق! قد أتيناك نشكو … ضيعة الحق وانخذال الأماني فاحي فينا ميْتَ العزائم وابعث … نائرات الهدى ودُرس المباني قد أضعنا ذاك التراث وضِعنا … في شعاب الحياة والوديان منقذ الشرق! أنت لم تنقذ المس … لمَ دون المواطن النصراني فجزاء الإحسان أن ينهض الشر … ق جميعاً بواجب المهرجان حمص (سورية) وصفي قرنفلي

стр. 4642

لماذا أخفقت جمعية الأمم في نشر السلام في العالم؟ للكاتب الإنجليزي الشهير (ولز) من أعظم كتاب العالم اليوم، أصالة رأي وقوة بيان، يزيد كتاباته روعة نزعته الإنسانية الصادقة التي تتجلى في كل ما يكتب. لا يشاطره مكانته الرفيعة في عالم الأدب الغربي من كتاب اللغة الإنجليزية سوى (برنادشو) الكاتب الالرندي الشهير بنقده اللاذع. غير أنه يختلف عن (شو) في أنه لا يقتصر على هدم الأنظمة الاجتماعية التي يتراءى له فسادها، وإنما يكلف نفسه عناء خلق أنظمة جديدة تخلفها. فهو يهدم ليبني، وينتقد ليصلح. من أحدث ما كتب (ولز) ومن أروع ما أنتج، كتابه (شكل الأشياء القادمة) الذي بحث فيه ما يكون عليه العالم في سنة ٢١١٦؛ فقد تصور شخصاً يعيش في هذا التاريخ، أخذ يدرس تطورات العالم الاجتماعية منذ سنة ١٩١٣، حيث انتهى ذلك التطور بحكومة عالمية يعيش فيها كل فرد سعيداً، لا استعباد فيها ولا استبداد، ولا احتكار ولا منافسة. وليُلمّ قراء الرسالة الذين لم تصل أيديهم إلى هذا الكتاب بعض ما فيه، ترجمت فصلاً منه بالعنوان المذكور آنفاً ترجمة حرة مختصرة: بحث في الفصل السابق لهذا الفصل معاهدة فرسايل بحثاً مستفيضاً وانتقدها انتقاداً مراً، ثم أخذ في هذا الفصل يشرح أسباب فشل جمعية الأمم كما يأتي: (قبل أن نضرب صفحاً عن ذكر (ويلسون)، ذلك الرجل الخيالي، يجدر بنا أن نلفت الأنظار إلى العوامل التي أدت إلى فشله. لم تكن شخصيته مكتملة للميزات الضرورية لنجاح الهدف الذي كان يرمي إليه. ولكن هذا النقص يجب ألا يجعلنا نتناسى استحالة تحقق مطمحه في ذلك الوقت. فأنانيته الضيقة، والروح الانتقامية التي عوملت بها دول أوربا الوسطى وما إلى ذلك، جعلت من الخطر مجابهة العالم غير المستعد آنئذ بجمعية أمم. فلم يكن في ذلك الوقت استعداد فكري كاف لقبول نظام عالمي؛ و (الحكومة العالمية) أو الحكومة الحديثة الحاضرة كانت مجرد فكرة غامضة لم تبحث جيداً. فلا ريب إذن أن وليسون تسرع في خلقه جمعية الأمم، إذ كان لزاماً أن ينتشر علم النفس الاجتماعي، وأن يطبق قبل القضاء على فوضى الحكومات الملكية واستبدالها بسلطة مركزية.

стр. 4643

غير أن ويلسون الذي لم يسبر غور الواجب الذي ألقي على عاتقه، ولم يحط بما يكتنفه من عقبات، رأى من غير روية ولا تبصر، انه من السهل عليه توحيد البشر. فقد حاول أن يرتق نظام ذلك الزمن البالي، وأن يجيزه كنظام جديد. لم يحلم بتهذيب نظام النقد، ولم يفكر بالحاجة إلى انتشار النظام الاشتراكي في العالم، وانقلاب النظم التربوية انقلاباً شاملاً، قبل أن يكون في الإمكان استقرار السلام في العالم. ولكن على الرغم من كل نقائصه يظهر أنه كان أبعد رجالات زمنه نظراً. فجمعية الأمم هذه غير الناضجة، والعديمة الأثر، لم تساعد على توطيد السلام الدولي، وإنما على العكس من ذلك كانت حجر عثرة في سبيله؛ إذ منعت الناس أن يفكروا تفكيراً حراً في هذا الموضوع. ومن المؤسسات التي وجدت لمساعدة جمعية الأمم وعرقلة مساعي ناقديها (جمعية الأمم البريطانية) فكانوا يقولون بأن (وجود جمعية الأمم خير من عدمه). وقد فاتهم أن البد الخاطئ أسوأ من عدمه. في العشر سنين التي تلت الحرب العالمية لم تكن أفكار مجددة في السياسة العالمية يؤبه لها، ولم يرجع البشر إلى بحث توحيد العالم، إلا بعد أن ثبت لهم ثبوتاً لا شك فيه عدم صلاحية جمعية الأمم للغرض الذي كونت من أجله. ظلت حركة (الحكومة العالمية) في الاثنتي عشرة سنة التي تلت تلوح وتختفي. وكان من الضروري أن تتوحد جهود محبي السلام والشيوعيين والاشتراكيين، وكل من سار على نهجهم من الذين حاولوا حل المعضلات الاجتماعية، وكانوا لا يزالون يقضون أوقاتهم في مناضلة بعضهم وفي التراشق بالتهم. وعلى كل فقد انقضى منتصف القرن العشرين قبل أن يتسع نطاق الدعاية في العالم (للحكومة الحديثة). نابلس عبد القادر صالح

стр. 4644

١ - كتاب نهج البلاغة بقلم محمد محمد العزازي ذلك الكتاب المنسوب إلى فارس الفصاحة وصيقل البلاغة وإمام الخطابة، والضارب في ميدان البيان بما لم يلحقه فيه لاحق، ولا وصل إليه سابق. أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. كتاب نابه الشأن، رفيع القدر، بليغ الموعظة، صادق الحكمة، قد توفرت عليه سنين طوالاً أقرأ ما بين دفتيه مرة وأخرى وثالثة حتى بدت لي فيه آراء أردت بها تحقيق أمره. والكشف عن سره. مستنداً في بحثي إلى ما هدتني إليه الفكرة وطول المراس. . وجل الذي قيل في الكتاب كلمات مجملة. لا تشفي غليلاً ولا تقوم دليلاً، فالشيعة على أن الكتاب بجملته وتفصيله لأمير المؤمنين علي، والمنصفون من النقدة والنظار على أن فيه ما هو مدخول منحول بدعوى أنه يتعرض لبعض الصحابة بالطعن والتجريح. . وهناك من يدعي أن الذي لعلي من القلة بحيث لا يصح أن ينسب الكتاب إليه. وعلى كل فهذه كلمات - كما قلنا - مجملة لا تشبع الباحث. ولا توقف الناظر عند حد أو تلزمه رأياً. وهذا ما يدعونا إلى بحث المسألة على ضوء العلم والأدب والحقيقة والتاريخ. والكتاب في جملته عالي الأسلوب فخم العبارة صقيل الديباجة، لطيف الروح يتحدر إلى النفس بسهولة. والذي يدور عليه الكلام في الكتاب كما يقول الرضى (أقطاب ثلاثة أولها الخطب والأوامر، وثانيها الكتب والرسائل، وثالثها الحكم والمواعظ) وهذا تقسيم حسن، والمعقول ألا يخرج كلام أمير المؤمنين عن هذا. . فأمير المؤمنين أحد رجالات الإسلام غير مدافع. وله في الفصاحة والشجاعة والفضل والنبل يد طولى. بايع أبا بكر نزولاً على حكم الإجماع. ورضى بعمر نزولاً على اختيار أبي بكر، وأخطأته الشورى بعد أبن الخطاب، ثم انتهت إليه بعد عثمان. فكان أمير المؤمنين أربع سنين وتسعة أشهر أخذ يصلح فيها ما يراه فاسداً ويجمع كلمة المسلمين ويلم شعثهم. وقد نقض بعض الصحابة بيعته فكانت حروب. انتهى بعدها الحكم إلى معاوية بعد تنازل الحسن. فكل هذا يدعو أمير المؤمنين إلى الخطب في شأنه. وفي صلاح المسلمين وفي رجال جيشه. يحثهم على الأخذ بحقهم، ويستفزهم للقاء عدوهم وإلى الأوامر يصدرها إلى عماله ورجاله وأعوانه. وإلى الكتب والرسائل يبعث بها إلى الثغور والعمال، بل وتجري بينه وبين معارضيه، كل يؤيد رأيه ويقيم حجته ويدعي

стр. 4645

الحق في جهته والباطل في جهة صاحبه. أما الحكم والمواعظ فأشياء كانت في نفس على غرسها فيها حب الصلاح للناس يلقيها عليهم يبين لهم طريق الهدى ومنارة الحق ويذكرهم بالله ويفهمهم المعاش والمعاد، مما يدل على إخلاص علي وطيبة نفسه وسمو روحه وكرم أخلاقه وقوة إيمانه وحبه للمسلمين. . . ولكن الذي يعنينا هو: هل كل ما في الكتاب من خطب وأوامر وكتب ورسائل وحكم ومواعظ لأمير المؤمنين علي.؟ أم أن فيه ما ليس له. . نريد أن نعرض أمام القارئ صوراً مختلفة من الكتاب نشرحها له تشريحاً دقيقاً ثم نخرج على ما يهدينا إليه البحث. وليكن أول ما نعمل فيه المبضع الخطبة الأولى من الكتاب التي يقول الرضى في عنوانها إنها خطبة يذكر فيها ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم، وعبارات هذه الخطبة منسجمة ميالة آخذة بعضها بحجز بعض. وهي ميتدأة بتحميد بديع يعقبه تنزيه لله عما لا يليق به، وكلام في معرفته مترتب على بعضه على مثال القضايا المنطقية، ثم ذكر للخلق من ابتدائه إلى انتهائه على مثال ما في الكتب المقدسة، وذكر لخلق آدم ومعصيته وخروجه من الجنة. وذكر لذريته في الأرض، وكلام عن الأنبياء من أبنائه حتى انتهى إلى محمد وبعثه؛ والقانون السماوي الذي نزل به، وخص من ذلك الحق، فتكلم فيه كلاماً كثيراً. ولو نظرنا إلى هذه الخطبة لوجدنا أسلوبها أقرب إلى الأسلوب التأليفي منه إلى الأسلوب الخطابي، فهي خالية من الاندفاعات الخطابية، ويظهر على عباراتها أنها وليدة التفكير، فترتب العبارات على بعضها ترتباً مطرداً على مقتضى قوانين المنطق مما لا يتيسر في الخطابة ولا يتأتى في الارتجال، وما كان علي ليخطب غير مرتجل، والتحميد الذي في أولها (الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون. ولا يحصى نعماءه العادُّون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم ولا غوص الفطن. الخ.) هذا التحميد أشبه بالتحاميد التي تبتدأ بها الكتب. وهو يخالف التحاميد في صدر الإسلام. وهو ملحق بتنزيهات كالتي تلحق التحاميد في العصر العباسي حتى أن في العصر العباسي ما يوافقه في المعنى ويكاد يشبهه في اللفظ، ويجري معه في النسق والترتيب والروح، مما يجعلنا نرجح أنه من تحاميد ذلك العصر التي منها (الحمد لله المتعالي عن تشبيه الجاهلين، وتحديد الواصفين، وتكييف الناعتين. يوصف لا بالعرض والطول، وينعت بغير الشبح

стр. 4646

الممثول. ويحد لا بالخلق المعدود، والجسم الموجود، بل يتناهى من وصفه، إلى ما دل عليه من صنعه، ويوقف من نعته، على ما أخبر به عن نفسه. وكيف يوصف من لم يره أحد، أو يحد من لم يحده بلد، أو يشبه غير ذي أعضاء، أو يكيف غير ذي أجزاء. لو رئي لوصف، ولو وصف لمثل، ولو مثل لكان له نظير الخ) فكل هذه التنزيهات من منع التحديد والرؤية، ونفي الصفات على نسق واحد في التحميدين. مما يجعلنا لا نشك في أنها وليدة عصر واحد، ونشك في أنها وليدة عصرين، ثم لو قارنا هذا التحميد بتحميدات أمير المؤمنين التي يهدينا البحث إلى أنها له. . لوجدنا بوناً شاسعاً في المعنى والأسلوب والروح مما يظهر منه أن القائل غير واحد. . . ثم لنا نظرة في هذه التنزيهات وهي قوله في صفة الله (الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود. ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل محدود. . . أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده. وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه. ومن قرنه فقد ثناه. ومن ثناه فقد جزاه. ومن جزاه فقد جهله. ومن جهله فقد أشار إليه. ومن أشار إليه فقد حده. ومن حده فقد عده. ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه). . هذه التنزيهات تجري على نسق بديع من البيان والمنطق وكلها عقائد كلية في علم الكلام. وأهم ما يطالع الباحث فيها شيئان: هما المحور الذي تدور عليه. والغرض الذي صيغت من أجله هما منع رؤية الله ونفي الصفات. فمنع الرؤية يؤخذ من العبارات الأولى، لأن الإدراك قد نفي، والرؤية أحد الأدراكات، ولأنها تقتضي تكييفاوقد دلل على بطلان التكييف. ولذلك نرى أبن أبي الحديد عند شرحه لهذا الكلام يطنطن في هذه المسألة، ويدلل عليها بأدلة المعتزلة، ويرد على الأشاعرة رداً قوياً ومعقولاً. وأما نفي الصفات فقد جاء صريحاً في قوله. (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة). . ونفي الصفات كلام جرى بين علماء الكلام وأخذ به المعتزلة - واحتدم فيه النزاع والجدال بينهم وبين الأشاعرة. والمعتزلة ينفون الصفات بدعوى أنها تثبت تعدد القدماء، وأنه لابد من تغاير بين الصفة والموصوف،

стр. 4647

وأن الموصوف يسبق الصفة، ولذلك يحرجون الأشاعرة فيسألونهم عن كيفية قيام الصفات بالذات إن كانت زائدة عنها. والذي يعنينا من هذا الكلام أن مسألة الرؤية ومسألة نفي الصفات لم تنشأ إلا بعد نشوء مذهب الاعتزال، وإلا بعد أن اختلف واصل بن عطاء وأستاذه الحسن البصري في مسألة الاختيار ومسالة مرتكب الكبيرة إن لم يتب. فلم يكن لهذه المسائل أثر في زمن علي. ولم يكن لعلي أو الناس وقت يخلون فيه إلى نفوسهم ويفكرون في مثل هذه الأشياء. وليس عندهم ما يدعوهم إلى التفكير في هذه الأشياء. وإنما كانوا في زمن الرسول والخليفتين من بعده يفكرون في الفتوح وفي أنها الدين الجديد وأغلب الخلاف كان في فروع الأحكام لا في أصول العقائد. وفي زمن الخليفة الثالث حصلت فتن سياسية أفضت إلى قتله. ولم تكن هذه الفتن لتترك الناس يفكرون في مثل هذه العقائد، وفي زمن علي قام الخلاف بين أمير المؤمنين وبين ناقضي بيعته فاشتعلت به نار الحرب وانتهى الأمر إلى الأمويين. وحصل بهذا الانقسام خلاف جديد لا في الأشياء التي نحن بصددها وإنما في شيء آخر هو الإمامة، انقسم الناس به إلى شيعة وخوارج ومعتدلين. . فالمعقول إذن والمعروف من التاريخ السياسي وتاريخ علم الكلام أن هذه العقائد جاءت متأخرة عن علي وزمن علي وأنها نشأت بعد نشوء مذهب الاعتزال وصارت من مسائله وكلياته. . . فالدليل ناهض والحجة ناصعة على أن علياً لم يقل هذه العبارات ولا نشأت في عصره. . وربما كان الرضى قائلها. أو أنها وقعت للرضى منسوبة للأمام فألحقها بالكتاب وبنظرة في هذه العبارات نجدها عبارات تأليفية محضة، فعبارة (نفي الصفات) وعبارة (لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف الخ) هي بعينها الجارية على ألسنة المؤلفين والباحثين في علم الكلام حتى أن أبن أبي الحديد يقول عند العبارة الأخيرة هذا دليل المعتزلة بعينه. . ويظهر على هذه العبارات بأجمعها أنها جاءت وليدة جدل وبحث، وان فيها تكلفا محسوسا جاء من إقامة الدليل المنطقي ومن قرع الحجة بأختها مما يشهد على أن هذا الكلام من أحد المتحمسين لهذا المذهب. والمنافحين عنه وأنه حدث بعد احتدام الجدل بين الفريقين. (يتبع) - أبو حماد

стр. 4648

محمد محمد العزازي

стр. 4649

العلم الحديث ينصف العرب العصور المظلمة تسمية تاريخية خاطئة للأستاذ بشير الشريقي هذا هو الموضوع الطريف الذي أثاره في هذه الأيام الدكتور جورج سارتون أستاذ علم التاريخ في جامعة وشنطون، وإني أنقله فيما يلي كما لخصته مجلة (أخبار العلم في عددها ٦٧٤ سنة ١٩٣٤ (ليعلم المؤرخون المعاصرون بأن (العصور المظلمة) لم توجد حقيقة؛ من الجائز أن غربي أوربا قد عانى المتاعب خلال القرن السادس حتى العاشر الميلادي من جراء تراجع الثقافة الرومانية التي لم ينعم بها غربي أوربا الاّ زمناً قليلاً؛ وان المشعل الروماني قد همد تحت أقدام البرابرة المهاجرين؛ ولكن نور الثقافة لم يخمد أبداً في الأرض التي تطل على شرقي البحر الأبيض المتوسط، والتي هي الوطن الحقيقي والطبيعي لما نسميه خطأ (بالمدنية الغربية) لقد انتقل مصباح الثقافة الدري من أيدي اليونان البيزنطيين إلى أيدي العرب الفاتحين المؤمنين بالله وبمحمد، وكان في أيديهم أكثر تألقاً وبهاء. إن سبب اضطراب آراء مؤرخي القرون الوسطى هو أنهم وان كانوا يجيدون اللغة اللاّتينية، فقد كانوا يجهلون اللغة العربية جهلاً تاماً، على حين كان كل تقدم في العلم والثقافة، يسجل منذ عهد محمد حتى منتصف القرن الثاني عشر باللغة العربية. ولكن هذا لا يعني بأن مدينة الإسلام المشرقة التي امتدت من قلب الهند حتى منتهى غربي أسبانيا المتوحش كانت من عمل الفاتحين فحسب؛ يقول الدكتور سارتون، إن العرب أول من نزلوا الميدان أسيادأ للعالم، لم يكونوا أحسن ثقافة من قبائل الهند الغربية، ولكنهم كانوا ذوي أهبة ممتازة فاقتبسوا بسرعة عجيبة كل ما يمكن اقتباسه من مدنية البيزنطيين، واستطاعوا في خلال جيلين اثنين فقط أن يرتقوا في العلم منزلة لم يرتق إليها أحد من قبلهم، وكذلك برهنت الثقافة التي نشروها على أنها توافق طبيعة كل الشعوب. إن تكييف العرب لعلوم اليونان وتوسيعهم لفنونهم قد بلغ بهم الذروة في الفلك والرياضيات والطب والطبيعيات والكيمياء، وهم لم بقتصروا على نشر الثقافة فيما بينهم، بل نشروها

стр. 4650

خارج ممتتلكاتهم. إن موسى بن ميمون أعظم فلاسفة اليهود، لم يكن يكتب بالعبرية، بل بالعربية، ومن المسلم به الآن أن تأثير العرب كان قوياً في نجاح القديس توماس أكونياس مؤسس مناهج الدرس في العصور الوسطى التي تعتبر بحق جسراً بين تفكير القرون الوسطى والتفكير الحديث. وعلى ذلك فان سلسلة الثقافة ظلت تامة ولم تنقطع من عهد اليونان إلى ثقافة العرب إلى مدينة أوربا الحديثة شرقي الأردن بشير الشريقي المحامي

стр. 4651

تحليل نفسي الأفعال المفقودة أو الفلتات للدكتور عبد الفتاح سلامة إذا كانت الأمثلة السائرة والقصص المتداولة بين الجمهور تدل على شيء، فإنما يكون ذلك لأنها نتيجة لتجارب كثيرة، لمس كل فرد حقيقتها، وعرف مقدار الحكمة فيها ويمكن له الاستفادة منها بتطبيقها على ما قد يصادفه من حوادث. وقد تكون القصة الآتية واحدة من هذه القصص، وإنا لنذكرها هنا لأنها تحتوي على فعل مفقود أو فلتة. وإذا عرفنا أن راوي هذه القصة هو أحد رجال البوليس فان من السهل معرفة إلى أي حد يمكن للبوليس والقضاء الاستفادة من هذه الفلتات. قال صديقنا - والعهدة على الراوي - إن اثنين كانا يسيران في جهة بعيدة عن العمران فأراد أحدهما اغتيال الآخر، وبعد أن استعطفه دون جدوى قال له: وهل تظن أنك ناج من القصاص؟ فأجابه: ولمَ لا؟ فقال المسكين: (الهوا يخبر). ولكنه قتله ووارى جثته التراب ورجع وحده إلى بلدته؛ ولم يهتد أحد إلى مقر القتيل المسكين. مضى على ذلك وقت غير قصير، واطمأن القاتل إلى النجاة. وفي ذات ليلة قمرية جميلة جلس القاتل وزوجه يتبادلان الحديث - والحديث ذو شجون - وتوالت الأفكار على رأسه، وإذا به يبتسم في غير موضع للابتسام، وإذا بزوجه تصر على معرفة سبب الابتسام، فيقول لها إنه تذكر كلمة قالها رجل معتوه أثناء قتله، وهذه الكلمة هي (الهوا يخَبّرْ). فلا تزال هي به حتى يعترف لها بكل شيء يتعلق بالجريمة وبمكان الجثة. فالابتسام إذن هو الفلتة التي كشفت سراً كان يحرص على كتمانه؛ وهي التي حققت المثل القائل: (مهما تبطن، تظهره الأيام). ولا حاجة بنا إلى القول بأن فلتات مشابهة لهذه قد اضطرت الزوجة إلى الاعتراف إلى صديقة لها، وهكذا شاع الأمر وأمكن إدانة القاتل. ولعلنا نكون قد توصلنا بإيراد هذه القصة إلى إيضاح ما نقصد من كلمة (فلتات، أو أفعال مفقودة)، إذ أننا بعد أن تكلمنا عن تأثير الإيحاء في بعض الأمراض العصبية وكذلك في بعض الأمراض الأخرى، نود أن نتكلم عن التحليل النفسي، لأنه هو الوسيلة الوحيدة للكشف عن المشادة اللاشعورية، وهي التي تحدث بين ذلك الشيطان - اللاشعور - والنفس.

стр. 4652

ويكون التحليل النفسي ممكناً بالمناقشة والاستفادة من الفلتات ومن الأحلام ومن الأعراض عند المرضى. وقد سبق أن تكلمنا عن تفسير الأحلام التحليلي. أما الفلتات أو الأفعال فإنها أفعال تصدر في الغالب عن غير إرادة الإنسان، كأن ينطق في سياق حديثه بكلمة لا يريدها، وقد ينتبه أو لا ينتبه إلى ما صدر منه، (فلتة لفظية). أو قد يكتب كلمة غير التي يريد كتابتها، أو قد ينسى كلمة كان يود أن يكتبها، (فلتة كتابية). وقد ينسى الإنسان شيئاً كان يذكره منذ لحظة قصيرة، فيبحث عن قلم وهو في يده، أو يريد أن يتذكر اسم شخص أو بلد كان يعرفهما تماماً، ولكنه لا يمكن له ذلك، (فلتة من فلتات الذاكرة، وهو ما نسميه بالنسيان). وكذلك قد تتحدث إلى شخص وهو منتبه اليك، ولكنه لا يلبث أن يسرح ببصره في الفضاء، أو أن يتغير لونه، أو أن يلعب بأصابعه في أي شيء، ثم يسألك أو لا يسألك بعد ذلك عما كنت تتحدث به إليه لأنه (لم يأخذ باله). وهذا بالطبع معناه أنه حدث له ما صرف انتباهه إلى ناحية أخرى. فلماذا لفظ الإنسان أو كتب ما لا يريد؟ ولماذا نسى ما كان يعرفه تماماً منذ لحظة قصيرة؟ السبب في ذلك هو في وجود رغبتين عند الإنسان، وفي أن إحداهما مكبوتة والرغبة المكبوتة قد تكون لا شعورية أو شعورية أو تمييزية كذلك، حيث لا يعرف عنها صاحبها شيئاً إلا بعد التحليل. أما إذا كانت شعورية أو تمييزية فان صاحبها ليس في احتياج إلى تحليل لمعرفتها. هذا فيما يتعلق بالرغبة المكبوتة. أما الرغبة الأخرى فإنها في الغالب رغبة تمييزية، ولكنها قد تكون شعورية أو لا شعورية كذلك؛ فصاحب الفعل المفقود إذن يجد نفسه أمام رغبتين، وهو في أثناء تعبيره عن الرغبة غير المكبوتة عنده تتحين الرغبة المكبوتة أي فرصة للظهور، وهي عند ما تسنح لها هذه الفرصة تجد سبيلها إلى الظهور بواسطة أي لفظ أو حركة تنم عليها. وهذا اللفظ أو الحركة هو ما تسميه الفلتة أو الفعل المفقود أو الفعل غير الإرادي أو ومع أن الفعل المفقود قد أظهر الرغبة المكبوتة فانه لم يتمكن من تنفيذ هذه الرغبة. لأن الإنسان سرعان ما يستنكر صدور هذه الفلتة منه، ويتساءل كيف أخطأ في تعبيره. والواقع أن الرغبة المكبوتة وهي التي سببت هذه الفلتة قد اكتفت بهذا التحقق الرمزي أو التلميحي

стр. 4653

بواسطة الفعل المفقود، لأن التحقق الفعلي تأباه عليها ظروف الحياة، فهو إذن غير ممكن لها. وهكذا تكتفي الرغبة المكبوتة بالأوهام بدلاً من الحقيقة الواقعة، ومثلها في ذلك مثل الأفكار الذاتية التي سبق أن تكلمنا عنها سواء بسواء. لأن الرغبة المكبوتة مهما كانت شعورية أو تمييزية فإنها في الأصل من اللاشعور، وهو الذي يكتفي في تنفيذ رغباته بالأوهام. وأما الفرص التي تنتهزها الرغبة المكبوتة فهي كثيرة: فالتعب واهتياج الشعور والاجتهاد الفكري وكل ما من شأنه أن يقلل من انتباه الإنسان يساعد على إيجاد هذه الأفعال المفقودة. والرغبتان اللتان نشأ عنهما الفعل المفقود قد تكونان متعارضتين، فيكون اللفظ إذن عكس ما كان يراد تماماً، وقد تكون إحدى الرغبتين معدلة للأخرى أو مكملة أو مؤكدة لها؛ وسنذكر فيما بعد بعض الأمثلة على كل نوع منها. ولنرجع الآن إلى ابتسامة القاتل التي سببت اكتشاف سره، ونرى هل هي الأخرى وليدة رغبتين عنده؟ وهل في هاتين الرغبتين ما يدل على التعارض؟ والى أي حد يمكن استخدام الفلتات في الكشف عن خفايا نفسية المجرم؟ فلقد جلس هذا إلى زوجه وعنده رغبتان: الأولى حب الظهور بالبطولة، وإظهار بأسه وقوته. والثانية حب كتمانه لما فعل خوفاً من تسرب الأخبار والوقوع تحت طائلة العقاب، فهو إذن بين رغبتين تتنازعانه، وبينما تشتد رغبة النجاة في كبت رغبة الزهو والاعتداد بالنفس إذا بهذه الرغبة الأخيرة تنتهز الفرصة للظهور في وقت ضعف الرغبة الأولى تحت تأثير الهوى. وهكذا يتحقق الزهو والفخر، ولكن هذا التحقق إن هو إلا تحقق رمزي وذلك بالابتسام، وما الابتسام إلا رمز الانتصار، لأن رغبة النجاة مهما ضعفت فإنها لا تسمح بالاعتراف والفخر الصريح. وهكذا كان، فقد ابتسم الرجل في غير موضع الابتسام، ولكنه مع ذلك يأبى الاعتراف الصريح أولاً. وهنا نرى الزوجة تقوم بدور المحلل النفسي فتستخلص منه ما كان يأبى الاعتراف به. وإذا كنا فيما سبق قد قلنا إن الشعراء والأدباء والفنانين يستخدمون الخيال، فان ذلك من دواعي الفخر لهم، لأن التخيل ممكن وموجود عند كل إنسان، وإنما امتاز هؤلاء بإمكان استخدام خيالهم وتحقيق أحلامهم على صورة رمزية جملية تأخذ بالألباب. وفوق ذلك فان لهم من حسن الذوق ودقة الحس ما يسمح لهم بملاحظة كل ما يمر أمامهم من دقائق الحياة،

стр. 4654

وهكذا فان الأفعال المفقودة أو الفلتات لم تفت عليهم، بل انهم استخدموا هذه الأفعال لتجميل الأسلوب وتوضيح المقصود، وقد أظهر لنا فرويد مثلين من ذلك. ففي رواية تاجر البندقية لشكسبير تقول بورشيا لبسانيو الذي يتقدم إلى الصناديق الثلاثة ليجرب حظه في نيل يدها (إن عينيك هذه تقسمني إلى نصفين. فالنصف الأول لك وأما النصف الثاني فهو لك. . . . أريد فهو لي). والسبب في هذه الفلتة الكلامية هو أن بورشيا تريد أن تقول إنها كلها له. وفي رواية أخرى. يقول كاستنبرج لاوكتافيو. (إلى أين أنت ذاهب). فيجيب اوكتافيو (إليها. . . إلى الدوق هيا بنا) والسبب في هذه الفلتة أيضاً هو رغبة اوكتافيو في اللحاق بالفتاة التي يحبها وأما النكت والفكاهات التي تقال على البديهة فإنها نوع آخر من الأفعال المفقودة، إلا أن قائلها يتذرع بالضحك لستر رغباته الكامنة، ومع ذلك فان هذه الرغبات كثيراً ما تكتفي حقيقة بالأوهام، فلا تصر على التنفيذ الحقيقي لها، وإنما تكتفي بالرموز والتلميح كما تقدم. ويمكن استخدام هذه الأفعال في انتخاب الأسئلة المحرجة وفي توجيه الاتهامات والمناقشة إلى الهدف الذي يرمي إليه المحقق، أما فيما يتعلق بالمرض فان التحليل النفسي لا يطمع من المريض أن يعترف برغباته اللاشعورية، ولكنه يطمع فقط في أن يعرف المريض رغباته في أثناء المناقشة معه، ولو أنه قد ينكرها بتاتاً، وقد يكون ذلك الإنكار خجلاً أو لأي سبب آخر، ولكن إنكاره هذا لا يمنع من وصول رغبته إلى الشعور، ومن ثم إلى التمييز لمناقشتها. فليس الاعتراف إذن ضرورياً للشفاء ما دامت الرغبة قد وصلت إلى التمييز، والإنكار نفسه قد يكون طريقة من طرق السمو بالرغبة، وهذا السمو هو في الواقع ميزة من ميزات التحليل النفسي ومن أجلها يفضل على الإيحاء. والرغبة المحرمة يسمو بها الإنسان إذا صورها وعدلها فأصبحت غير مخالفة لنظام المجتمع وتقاليده. فقد يفكر الإنسان في الأضرار بأي شخص كان لكراهيته له، وذلك إظهاراً لمقدرته على البطش والأذى، ولكنه قد يسمو فيكتفي فقط بإظهار قدرته على الأذى ثم يعفو ويتسامح بعد ذلك. وهذا هو ما يحدث تماماً عند ما يسمو المريض العصبي رغبته. ولكن رغبة هذا المريض العصبي ليست من هذا النوع البسيط من الرغبات فإنها هي والرغبات التي تتجلى في الأحلام والتي تملي على الفنان فنه ليست إلاّ رغبات جنسية تتعلق بأشخاص من ذوي القربى، وقد

стр. 4655

عرف كل من المريض العصبي، وصاحب الرؤيا، ورجل الفن طريقه إلى تحقيق رغبته. وإن كان هذا التحقيق رمزياً مشوهاً لا يدل في الظاهر على أي رغبة محرمة، ولكن التحليل في كل الحالات قد أثبت أن أعراض المريض والرؤيا ومنتجات الفن ليست إلاّ هذا التحقيق الرمزي المشوه لهذه الرغبات. فالرغبة المحرمة المجهولة لصاحبها لأنها مكبوتة بفعل الضمير هي أصل كل أعراض المرض، وهي أصل الرؤيا، وهي التي توحي الفن إلى الفنان، بل هي سبب التخيل وكل ما يبينه الخيال من تصورات وأمان، وإذا كنا قد ذكرنا الفنان هنا فان من الإنصاف أن نقول إنه عرف كيف يسمو برغبته ذلك السمو البارع الجميل. ولا يمكن أن يكون هذا الموضوع تاماً إلا إذا تلكمنا عن المسألة الجنسية، وعن قصة أوديب الملك كما ينظر إليها فرويد، وهذا ما نرجو أن نتمكن من إيضاحه فيما بعد، إلاّ أن ما سبق أن أوردناه يسمح لنا أن نقول إن الإيحاء وحده لا يمكن أن يثمر الشفاء التام الدائم إلا إذا سبقه التحليل والكشف عن الرغبات الكامنة السالفة الذكر. ولنرجع الآن إلى الموضوع الذي يشغلنا وهو الفلتات أو الأفعال المفقودة. فقد بينا أن هذه الفلتات قد تكون كلامية. كأن يذكر كلمة غير التي كان يود أن يقولها أو يقرأها إذا كان يتكلم أو يقرأ من أي ورقة أو كتاب. أو فلتة سماعية، كأن يسمع كلمة غير التي قيلت له أو بمعنى آخر يتخيل سماع الكلمة المعينة، أو فلتة كتابية كأن يكتب غير الكلمة التي كان يريد كتابتها أو يمحو كلمة غير التي كان يريد محوها. أو فلتة من فلتات الذاكرة وهو ما نسميه بالنسيان - وقلنا إننا سنذكر بعض الأمثلة على كل هذا، وأن الكلمة الخطأ قد تكون عكس الكلمة المطلوبة - المخالفة قد تكون في ترتيب الحروف وفي معنى الكلمة - أو معدلة لها أو كلمة مدغومة في غيرها. الخ والواقع أن الأمثلة على كل نوع منها كثيرة ولا تدخل تحت حصر، ومن منا لم يسمع أو يلاحظ الكثير منها في كل يوم وفي كل مكان؟. ولهذا فإنني أترك الأمثلة لمن يود أن يلاحظ بنفسه هذه الفلتات وأن يتعرف إلى الغرض الذي حدثت من أجله. وأتكلم الآن عن فلتات الذاكرة أو النسيان، فقد أخبرني صديق لي أنه أراد مرة أن يتحدث عن شخص عرفه من مدة قريبة وعرف اسمه وسمع ذلك الاسم مراراً، ولكنه مع ذلك كان ينسى اسمه كلما أراد أن يتحدث عنه. وبعد جهد في محاولة استذكار الاسم فانه يذكر اسما آخر على

стр. 4656

أنه الاسم مطلوب - وهكذا يسمى صديقي ذلك الشخص (شافعي) دائما بدل اسمه الحقيقي، وذلك بعد جهد في التذكر بدون جدوى، وهو إذ يقول إن اسمه شافعي لا يقولها بصفة التأكيد أيضاً في كثير من الأحيان: وفي ذات مرة بعد لحظة قصيرة من التأملات أخذت الأفكار تتوالى على عقله ولم يكن يقصد أن يتذكر الاسم الذي ينساه دائماً وإذا به يصيح فجأة إن اسمه (شبلي) نعم. هذا هو ما حدث لصديقي، وأراد أن يعرف لماذا نسى ذلك الاسم، ثم لماذا ذكر شافعي بدل شلبي مع شكه أيضاً في أن ذلك هو اسمه الحقيقي. ولما سألته أن يذكر لي كل ما يعرفه عن أي شخص آخر يسمى بنفس هذا الاسم (شلبي) أخبرني أنه كان يعرف شخصاً بهذا الاسم ولكن لم تكن بينهما صادقة ما. بل بالعكس فانهما كانا متنافرين - هذا يفسر لنا نسيان الاسم (شلبي) ولكنه لا يفسر لماذا يسميه شافعي في كثير من الأحيان فسألته ان يذكر لي شيئا عمن يعرفهم باسم شافعي هذا. وهنا صاح متعجبا انه يعرف شخصاً محترماً بهذا الاسم وأن هذا الشخص المحترم (شافعي) من حيث الخلقة والشكل العمومي يشبه (شلبي) ذلك الشخص المكروه الذي مضى على معرفته إياه وقطعه كل علاقة به زمن طويل - هذا هو إذن سر إبدال الاسم، وهو جواب ما كان يسأل عنه. وقد ذكر فرويد أن رجلاً كان بينه وبين زوجته نفور، ولكنه لم يكن قد صارحها بأي شيء، وهي مع ذلك تحبه وتخلص له. وقد أهدته كتاباً شيقاً في نظرها ليقرأه. ولكنه وضعه في جهة معينة ولما أراد البحث عنه لقراءته لم يتمكن من تذكر المكان الذي وضعه فيه برغم كل الجهود التي بذلها في هذا السبيل. ثم حدث أن والدته مرضت مرضاً شديداً حمل زوجته على أن تعتني بها وتمرضها، وكان من نتيجة ذلك أن شعر الزوج بشكره لزوجته لعنايتها بوالدته، وتحول هذا الشكر إلى تقدير، ثم رجع الحب إلى سابق عهده. ثم لما رجع إلى بيته ذات يوم فتح درجاً من أدراج المكتب بدون أي فكرة عن إمكان العثور على الكتاب ولكنه لدهشته وجده فيه، برغم مضى أكثر من ستة أشهر على وجوده فيه، وبحثه عنه على جملة مرات في هذه المدة. أليست عوامل المودة والنفور هي التي تؤثر في النسيان والتذكر وحدها؟ فإننا سبق أن تكلمنا عن فعل الضمير في هذا الشأن، وكيف أنه يكبت الرغبة فيردها إلى اللاشعور،

стр. 4657

ولست في حاجة إلى القول بأن الإنسان لا يذكر أو بمعنى آخر لا يشعر إلا بما يعرفه الجزء الشعوري من عقله. فكل فكرة تتمكن من الوصول إلى الشعور فهي شعورية، أي أن الإنسان يعرفها ويذكرها، وكل فكرة ترتد إلى اللاشعور أو تحفظ فيه فهي فكرة لاشعورية لا يعرفها الإنسان ولا يذكر الحوادث المتعلقة بها. على أنه من السهل التنقيب عما يوجد في ذلك المخزن - اللاشعور - إذا ترك الإنسان لحرية تفكيره العنان، فلا يعترض حرية التفكير هذه بنقد أو تجريح ولا يرمي أي فكرة تأتي إليه بأنها غير معقولة أو غير جائزة أو الخ. . . بل يترك نفسه للتفكير فلا تلبث الأفكار إذن أن تتوالى كما يقول المثل - الشيء بالشيء يذكر - لأننا سبق أن بينا أن الأفكار والرغبات مسجلة على قواعد الاصطحاب والقرينة، أي أن الأشياء المتشابهة أو المتضادة - والمتقاربة والمتباعدة مسجلة بالقرب من بعضها، وإذا ذكر أحدهما فلابد من تذكر الآخر. وإذا ذكر الإنسان صديقه فلا يلبث أن يذكر أشياء كثيرة معه كبيته أو المقهى الذي يجلسان به أو الكلام الذي حدث بينهما، وإذا تذكر هذا المقهى فقد يذكر مقهى آخر في أوربا أو أي بلد آخر، ويذكر معه الحوادث التي مرت به في هذا المقهى الآخر وهلم جراً. فاذا كانت الفلتات تخدم التحليل النفسي لأنها توجه نظر المحلل إلى وجهات مهمة فتوحي إليه بالأسئلة الواجب إلقاؤها على المريض، وهذا يتطلب من المحلل ذهناً صافياً وفكراً سليماً، فان على المريض واجباً آخر يجب عليه أن يرعاه، وهو أن يلتزم الإخلاص في كل إجاباته على الأسئلة التي توجه اليه، ويجب أن يعلم أن مقدار إخلاصه هذا يعرفه الطبيب المحلل نفسه. وفوق ذلك فانه يجب أن يترك أفكاره حرة من كل قيد فيجيب بكل ما يخطر على باله بصرف النظر عن موافقة ذلك للمعقول والجائز أو مخالفته لهما. ولا يفوتني أن أذكر هنا أن شاعرنا شوقي بك في روايته الخالدة (مجنون ليلى) قد ذكر فلتة على لسان ليلى العامرية، فقد ذكرت المسكينة اسم قيس مرتين دون أن تشعر، ولما نبهتها زميلة لها إلى ذلك قالت: وأي شيء في ذلك لو ذكرت قيساً ثلاثا. ثم قالت (يا قيس ناجي باسمكالقلب اللسان فعثر) دكتور عبد الفتاح سلامة طبيب مستشفى برقاش

стр. 4658

٩ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور محمد أفندي أكمل هو محمد أكمل بن عبد الغني بك فكري بن لطف الله بن حسين، الشاعر الأديب الظريف؛ ولد بالقاهرة ونشأ بها واعتنى والده بتعليمه وتهذيبه، ثم أدخله في الديوان الخديوي للتعليم كتلميذ، وكان كبار هذا الديوان مدة الخديو إسماعيل باشا، فجود الخط به وألمّ باللغة التركية، وكانت له حدبة بظهره شوهت خَلْقه، ورأى والده أن لا مطمع في استخدامه بمنصب لائق، لحدبته وقصر قامته، فاستحسن له طلب العلم بالأزهر، وكان يرجو أن يكون من كبار العلماء، فلازم الطلب به وقرأ النحو والعلوم العربية على الشيخ أحمد المنصوريّ، والشيخ محمد البجيرميّ، وكان أحدب مثله، وكثيراً ما كان يقعده بجواره في حلقة الدرس. ثم انقطع عن الطلب ولازم والده، وكان والده جماعة للكتب، مغالياً في اقتنائها شراء واستنساخاً، ينفق عليها جلّ ما يصل ليده، ويحي الليالي في مقابلة ما يستنسخه منها وتصحيحه وضبطه، فكان المترجم يعاونه في ذلك، واطلع بهذا السبب على كثير من الكتب العلمية والأدبية والدواوين الشعرية، وعاشر من كان يجتمع بوالده من العلماء والأدباء وتردد عليهم واستفاد منهم، وعرف مدة طلبه بالأزهر كثيراً من أدبائه وشعرائه المجيدين كالشيخ عبد الرحمن قرّاعة، والشيخ أحمد مفتاح وحفني بك ناصف وغيرهم، فاستفاد منهم أيضاً، ونظم الشعر والزجل وأدوار الغناء، واشتهر بحسن المحاضرة وملاحة التندير وسرعة الجواب وخفة الروح، وكان كثيراً ما يجعل محور تنديره دائراً على حدبته، فيأتي بما يضحك الثكلى، بل كان لا يأنف من ذكرها في شعره، كقوله من زجل في الوباء الذي حلّ بمصر أوائل سنة ١٣٢٠ وما فعله الأطباء من الهجوم على الدور وترويع ربات الخدور: شاعرْ وناثرْ زّجالْ عالْ … فنّ الأدبْ فيدُه لِعْبَهْ لطيفْ زكيِ وفَهْمُهْ سَيَّالْ … وِرِقّتُهْ منَ اللهْ وَهْبَهْ مخْلِصْ لاْخواُنه ومَيَّالْ … نَادْرِةْ زَمَاُنهْ ولُه حَدَبَهْ ما فِيهْش عيْب ظاهرْ معروفْ … قَصِيرْ ولكنِ فِيهْ أقْصَرْ

стр. 4659

واللى يعيش يَاما بِيْشُوْف … واللى بِيمْشى بِشُوف أكتَرْ ومن ولوعه بحدبته شرع في جمع كتاب في نوادر الحدبان وما قيل فيهم من الأشعار، وتراجم مشهوريهم، أخبرني أنه جمع منه جزءاً إلا أنه لم يتمه ونقل والده مدة محمد توفيق باشا الخديو من الديوان إلى المحاكم الأهلية قاضياً، وتوفي يوم الثلاثاء ٢٩ المحرم سنة ١٣٠٧ وخلف له ولاخوته ضيعة بالصعيد أصاب المترجم منها ستون (فداناً) باعها وبدد ثمنها بالإسراف حتى احتاج للاستخدام بديوان الأوقاف بمرتب قليل دون الكفاف، وعاش في ضيق ومضض بعد ما تعوده من السعة والرفاهية، وأخذ يتقرب للخديو بنظم التواريخ في كل عيد واحتفال وحل وترحال وينشرها في صحف الأخبار رجاء أن تبلغه فيأخذ بيده فلم يستفد شيئاً وراح تغزّ له في الريح، وكان قصر شعره في أواخر عمره على هذه التواريخ فنظم منها الغث والسمين. وكنا إذا قرب عيد أو سفر أو قدوم للخديو لا ننتفع به لاشتغاله بالنظم والحساب وإعمال الروية فيصير هذا ديدنه في غدوه ورواحه وقيامه وقعوده حتى يمن الله عليه بشيء يرتضيه وترك له والده غير الضيعة داراً بسوق الزلط بيعت أيضاً، وترك خزانة كتب كبيرة قل أن تضارعها خزانة في نفائس الكتب ونوادر الأسفار، وهي التي أفنى عمره وماله في جمعها، وأتعب نفسه في تصحيحها وضبطها، وصبغ الورق وصقله لنسخ ما كان يستنسخه منها، فوق ما كان يتكلفه من السعي في البحث عنها في الخزائن المهجورة وعند الورّاقين، واتخذ له في داره مصنعاً للتجليد، واستخدم عدة نساخ أجرى عليهم المرتبات فاختصوا بالنسخ له لا يشتغلون لسواه، وكان هو وعبد الحميد بك نافع من أدباء القرن الثالث عشر يتباريان في ذلك ويتسابقان. أخبرني المترجم عن والده أنه بلغه أن تاجراً من الورّاقين قدم من سفر بكتب أوصاه عبد الحميد بك نافع بجلبها له وبينها ديوان البحتري وكان اذ ذاك لم يطبع بل لا يعرف في مصر إلا باسمه، فأسرع إليه وبذل له مالاً فوق قيمة الديوان على أن يعيره له يوماً وليلة فقط يطالع فيه، فرضى وأعاره إياه، فلما أتى به لداره أعطاه لمجلده ففك له تجليده وأحضر في الحال عدة نساخ فرقه عليهم كراريس فنسخوه وقابلوه، ولم يمض اليوم والليلة إلا وقد ردت النسخة الأصلية لصاحبها مجلدة كما كانت، ثم قابله بعد ذلك عبد الحميد بك وأخذ يفاخره بوجود الديوان عنده واختصاصه به، فقال له خفّض عليك يا أخي

стр. 4660

هذا شيء أكلنا عليه وشربنا حتى مججناه، ثم أخرج له نسخة الديوان من الخزانة. وبلغه مرة وهو يسمر مع بعض أصحابه أن بعضهم رأى عند فلان الوراق رسالة من الرسائل، وكان هو يتطلبها من زمن وينشدها فلا يجدها، فلم يسعه إلا أن قام في الحال وأخذ يسأل عن دار الوراق من هنا وهناك حتى اهتدى إليها بعد ما مضى هزيع من الليل، فأيقظه من نومه وساومه في الرسالة بقيمة فوق قيمتها ولم يمهله للصباح بل أنزله من الدار وذهب معه إلى حانوته ففتحه ليلاً وأخرجها له ولم يهدأ له بال حتى باتت الرسالة عنده. فلما مات عرّض المترجم كتبه للبيع فبيعت وتفرقت واقتنى نفائسها ونواردها الكونت لندبرج قنصل السويد بمصر، وكان من مستعربي الأفرنج المولعين بجمع الكتب العربية، وأدركت أنا أوارخها فاقتنت منها بضعة عشر كتاباً، منها ما هو بخط عبد الغني بك نفسه، وبحواشيها آثار التصحيح واختلاف النسخ التي كان يقابلها بها وكان أول التقائي بالمترجم في دار أبن أختي محمود توفيق بك، وهي إذ ذاك مجمع الأدباء ومحط رجال الفضلاء، فلما رأيته استغربت شكله واستملحت محاضرته، ثم رأيته يناقش الأدباء ويطارحهم الشعر، فدنوت منه وكنت صغيراً في أول الطلب، وقد تعذر علي فهم باب أفعل التفضيل، وأجهدت نفسي في درسين متوالين على تفهمه، فلم يفتح علي بشيء فيه، فسألته عنه فأوضحه لي بعبارة سهلت علي فهمه، فكان بعد ذلك كثيراً ما يقول لي ممازحاً: إذا ذكرت شيوخك فاذكرني معهم ولا تنسني. ثم تأهل ببنت حنفي بك، وكان لأسرتها نوع اتصال بنا، فاتصلت المودة بيني وبينه بهذا السبب، وازدادت ملازمته لي لما سكن بجوارنا، فكان يزورني عصر كل يوم ويبقى حتى نسمر معاً ثم ينصرف، فتارة كنا نحي الليالي بمسامرات أدبية ومذاكرات علمية، أو بمطالعة بعض الكتب، وتارة بمقابلة ما كنت أستنسخه وتصحيحه، وكان لا يمل من المقابلة مهما يطل الوقت فيها، ويقول هذا شيء دربني عليه والدي وعودني إياه من الصغر. وأشار عليّ مرة أستاذنا العلامة محمد محمود الشنقيطي أن أطالع أمالي أبى عليّ القاليّ مطالعة إمعان وتدبر، ولم تكن طبعت بعد، فاستنسخت منها كراريس عكفت على مطالعتها، وأخبرت المترجم أنني سأحتجب عن الناس بضعة أيام حتى أستوفي ما يهذه الكراريس، فغاب عني ثلاثة أيام ثم حضر ومعه زجل، ينحي فيه على الأستاذ وعلى أبي على القالى اللذين تسببا في انقطاعي عن الإخوان
следующие страницы →