Полный текст (65 431 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
في العصور الأخيرة.
وإني أميل بعد ذلك إلى أن أقرر أن أعظم تغيير أحدثته الثقافة الإسلامية، بعد ذلك التغيير الهائل، وهو دخول هذا العدد العظيم من الهند في دين التوحيد، إنما هو ما طرأ على الهند من الميل إلى تذوق التاريخ.
فإن هذا العلم لم يصادف هوى في قلوب الهنود من قبل، إذ كان يعتبر أمراً مادياً صرفا في نظر قوم مفكرين وفلاسفة بالسليقة. وهذا هو السبب في أن التاريخ الهندي القديم قد جمع بصعوبة عظيمة، وكان الاعتماد في جمعه على ما عثر عليه من السكة والتماثيل، دون أن يكون هناك بجانب هذه الأشياء مخلفات كتابية.
ولا تزال التواريخ بل القرون التي ظهر فيها بعض الحكام الأولين موضع جدل ومناقشة. فلما ظهرت الهند الإسلامية، دبت الحماسة في قلوب الناس فجأة نحو كتابة التاريخ، وكان من نتيجة ذلك أن دونت مع التوسع أخبار جميع ملوك دلهي ابتداء من القرن الثالث عشر.
وينبغي أن لا يفوتني هنا أن أذكر إدخال الحروف الهجائية العربية في الهند، وانتشار الكتابة بين الناس على العموم، في بلد كان كلما يتعلق بالعلم والكتابة فيه محصوراً في أيدي البراهمة.
أواسط آسيا وبلاد فارس:
مهما أطنبنا في وصف الأثر الذي تركه تعلم اللغة العربية في عقول سكان أواسط آسيا والهند، فلن يعد ذلك منا إسرافا أو مبالغة، فإن الأثر الذي تركته العربية في عقول الأتراك والفرس، ومسلمي الهند، كان أجل شأنا وأعظم خطراً من الأثر الذي تركته اللاتينية في عقول الأدباء من أهل أوربا في العصور الوسطى.
فمع أن اللاتينية كانت الواسطة للكتابات الدينية والعلمية، لم يكن هناك ميزة أخرى من ورائها سوى تلك المهارة الأدبية التي كان يتصف بها كل من ثقفها. إذ كان قبل حركة الأحياء الكاثوليكية بزمن طويل، نصف سكان أوربا ينظمون الشعر ويتغنون به، كما أن بعض اللغات كانت قد اتخذت فعلا شكلا محدوداً، واصطبغت بصبغة البيئة التي وجدت فيها.
ولم يكن الأمر كذلك في العربية، فان العربية قد أمدت المستنيرين في أواسط آسيا بثقافة
стр. 492
تعتبر جديدة من جميع الوجوه. وبثت في قلوب هؤلاء أفكارا طريفة، وفتحت أمام أعينهم عوالم جديدة، وبعبارة أخرى، فان العربية أمدت الفرس والأتراك والهنود (بلغة جديدة) ولا غرابة في ذلك، فانه بالقضاء على الديانات القديمة قضاء ظاهراً، وبحلول العربية محل اللغات القديمة في المسائل الأدبية، ثم باستبدال الثقافة الإسلامية بكل ما يرجع في أصله إلى الثقافة الآرية، كل أولئك يحملنا على القول بأن العربيةأمدت بلاد فارس بخزائن جديدة من العلم، إلى جانب لغة مكتوبة منظمة. أو قل أمدت الفرس (ببعث قومي جديد مع ثقافة حديثة) وكل ذلك في وقت واحد، فلقد أتحفت العربية أواسط آسيا بالشعر العربي الذي غيّر وجه الشعر هناك، ثم بالفلسفة اليونانية، وغيرها من العلوم.
ونستطيع أن نقول أن المجوسية لم يكن لها الا معنى ضئيل في عقول معظم الرعايا الساسانيين، وكان لا يفهمها الا طائفة الكهنة، بينما كانت لغة الكتب المقدسة وهي الفهلوية لا يكاد يفهمها إلا رجال الدين، وطائفة الموظفين الرسميين.
فمن السهل أيضاً أن نتصور الأثر المباشر الذي أحدثته العقائد الإسلامية في الفرس، بله الروعة والدهشة للتي تركهما في نفوسهم ذلك الكتاب المقدس الذي نزل بلسان سهل مبين.
هذا وينبغي أن لا ننسى أنه في الأيام الأولى قبل إدخال الشكل، وخلو العربية من الحروف التي تعين الساكن والمتحرك لم يكن من السهل قراءة اللغة العربية، ولكن العربية كانت على أي حال أسهل من الفهلوية، إذ كان نظام هذه الأخيرة في الكتابة أصعب نظام عرف حتى ذلك الوقت. ولكن حينما ظهرت مدارس النحو في الكوفة والبصرة، أصبح من السهل ضبط العربية واستيعابها.
وهذا البحث يؤدي بنا إلى الهجاء العربي، وإلى فن الإملاء، ذلك الفن الذي كان حتى ذلك الوقت مجهولا تمام الجهل في فارس والهند.
أحس الناس وعلى الخصوص غير العرب منهم فضلا عن الزهو الذي داخل نفوسهم بتعلم اللغة العربية، سرورا وميلا عظيما نحو تلك الحروف المرنة السهلة وهي الحروف الهجائية العربية. ولقد كان لهذه الحروف في نفوسهم مثل ما للصور من الجمال الفني ولا سيما إذا نقشت على ظاهر المباني، أو إذا حفرت على الأضرحة والمقابر سواء ما كان منها ثلثاً أو كوفياً أو نسخاً.
стр. 493
ولست (إلى حد كبير) أشك في أن هذه الزخرفة الأنيقة في رسم الحروف العربية إنما كانت نتيجة لتحريم تصوير الأشخاص في العهود الأولى. ولكن بحث هذه النقطة ربما يخرج بي بعيداً عن الموضوع.
ويجب ألا ننسى أن العرب لم يدخلوا معهم إلى تلك البلاد أي شيء في شكل فني، وأن الفرس كانت لهم تقاليد فنية ترجع إلى ما يزيد على ألف سنة. ومما يدعو إلى الدهشة أن الإغريق وقد حكموا الفرس فعلا نحو قرنين لم يتركوا فيها أي أثر أدبي، كما انهم لم يتركوا شيئا من هذا في الهند. وكذلك لم يترك فتح الفرس لمصر أي أثر في تلك البلاد. وهكذا استمر الفرس حتى الفتح الإسلامي محتفظين بآدابهم منعزلة تماما عن أي تأثير من غيرهم.
وكانت آداب الفرس محدودة من جهة الانتاج، فلم يكن لديهم عدا بعض الكتب الدينية الا مجموعة من السير والتواريخ كما أنهم ترجموا أمثال بيدبا عن السنسكريتية.
على إن بعض القطع الفهلوية تدلنا على أن الفرس قد أكثروا من الشعر، وربما كانت (المناظرة) ترجع في أصلها إلى الفرس ولكن الأوزان والقوافي العربية كانت أمرا جديدا بالنسبة لهم. وان المرء ليعجب لتلك السرعة التي أخذ بها الفرس هذه الأشياء.
وأريد أن أختتم كلامي بكلمة عما تدين به العربية للفرس. كلنا نعرف أن خلفاء المسلمين في دمشق وبغداد كانوا يدينون للفرس بكل المسائل المتعلقة بالحكم ونظام الملك، ومما يذكر عن أحد الخلفاء الأمويين أنه قال: (أني لأعجب من أمر هؤلاء الفرس: لقد حكموا ألف سنة دون أن يحتاجوا إلينا مرة. بينما نحن لم نستطع مدة المائة سنة التي حكمناها أن نستغني عنهم لحظة).
إن العلم الإسلامي في القرون الأولى كان يدين للإغريق بالمسائل العلمية والفلسفية، ولكنه كان يدين للفرس بما وصل إليه من الآداب الجميلة. وما علينا لكي نفهم أثر الفرس في تلك الثقافة العربية الفخمة إلا أن نستعيد أسماء هؤلاء الشعراء والكتاب المجيدين لنرى عدد من يرجع منهم إلى الفرس من حيث الأصل أو المولد.
(محمود الخفيف)
стр. 494
طرائف من شعر الشباب
عتاب
للأستاذ محمود الخفيف
أي ذنب جنيت؟ أن فؤادي … مذ أردت الجفاء يخفق رغبا
أي ذنب جنيت غير ودادي … أيكون الوداد عندك ذنبا؟
ذاك ذنبي وكيف أقلع عنه؟ … إن ذنبي تعلتي ورجائي
ذاك دائي ولست أشفق منه … فهو برئي وسلوتي وعزائي
كيف أُجْزَى على الوداد جفاء! … وأُسام العذاب من غير ذنب!
كيف أرجو مع الجفاء عزاء! … إن هذا الجفاء يُذهب لبي
يخفق القلب إن خطرت ويهفو … وتَمُرين في سكون غريب
وتظنين أنني عنك أغفو … كيف أغفو ومهجتي في لهيب؟
لست أنسى وقد مررت سريعا … لم تبالي بحيرتي واضطرابي
نظرة منك خلفتني صريعا … نظرة الهجر والجفا والتغابي
أزجر القلب إذ أراك وأبدى … غضبة الحر وابتئاس الوَلوع
أكتم الحزن والتألم جهدي … فإذا ما مضيت فاضت دموعي
كنت قبل الجفاء طلق المحيا … أنهب اللهو والسعادة نهبا
كنت طوع الشباب حرا قويا … لا أرى في الحياة سهلا وصعبا
كنت كالسيل دافقاً لا أبالي … بملام ولا أخاف رقيبا
هادئ النفس لا أهاب الليالي … لا أرى في الوجود شيئاً رهيبا
كنت كالطائر المغرد ضحكا … مستفيض السرور عذب الشباب
كنت كالطفل لست أعرف شكا … مطمئن الفؤاد جم التصابي
أسبق الشمس كل يوم شروقا … فأحيي الصباح فوق التلال
أنزل السهل حيث شئت طليقا … مشرق الوجه سابحاً في الخيال
يرقص الزهر عن يميني اختيالا … وتغني الطيور صوب يساري
ويفيض الغدير عذباً زلالا … رائع الحسن مثل وجه النهار
стр. 495
كنت جم النشاط أقضي نهاري … (كفَراش الربيع بين الزهور)
دائم الوثب لا يقر قراري … أملأ السمع من غناء الطيور
جعل الحب كل شيء نضيرا … وأثار الجمال كامن حسي
وسها الدهر فاغتدوت قريرا … كل ما في الوجود يبهج نفسي
كنت أنت الجمال ملء عيوني … كنت أنت الحياة تملك لبي
كنت أنت الهناء ملء جفوني … كنت أنت الشعور يملأ قلبي
كنت وحي القريض ينفث سحرا … في فؤادي فيستجيب لساني
أنظم الدر من حديثك شعرا … أين من وقعه رقيق الأغاني؟
أعشق الكون كله في هواك … إذ أرى الكون في هواك جميلا
أطلب المجد كي أنال رضاك … لا أرى في الجهاد عبئاً ثقيلا
كم سقانا السرور كأساً دهاقا … وحبانا الشباب عيشاً رضيا
كم نهلنا من الوداع رحيقا … وشربنا الغرام عذبا شهيا
ويح نفسي أذاك عهد تولى؟ … أم تريدين بالجفاء عتابي؟
ولعمري لقد سئمت فهلا … آمل الوصل بعد طول العذاب؟
من رآني يهوله اليوم لوني … واكتئابي ولوعتي وذبولي
وهن العظم في الصبابة مني … ودهى الناس حيرتي وذهولي
يهمس الناس: قد علاه اصفرار … ويشير العليم في غير همس
أيها الناس إن دائي خطير … أو ليس الغرام يضني ويؤسي؟
قتل الحب كم أحل دماء … من دماء الشباب في غير حق!
ولكم أورث النفوس عناء … واستباح القلوب في غير رفق!
ليت قلبي يطيعني في غرامي … حطم القلب في الهوى كبريائي
أيها القلب أنت أصل سقامي … واكتئابي ومحنتي وبلائي
ويح نفسي! أما لهمي انتهاء؟ … كدت أقضي صبابة ونحولا
ويح قلبي! أما لقلبي ارعواء؟ … أو لم يأن أن يثوب قليلا؟
شهد الله، لو تحرر قلبي … لتمنيت أن يعود أسيرا
стр. 496
فاقتليني إذا أردت بذنبي … سوف أبقى بما جنيت فخورا
كدت أهوى الشقاء لولا اشتياقي … لذة الحب لوعة واضطراب
أن بعد الغياب يحلو التلاقي … ويلذ الهوى وينسى العذاب
أخدع القلب في الهوى وأسَرِّي … عن فؤادي بأنني سأراك
أن هذا الخيال يشرح صدري … كيف بالوصل حين ألثم فاك؟
стр. 497
الفلاح
رفقاً بنفسك أيها الفلاح … تسعى وسعيك ليس فيه فلاح
// لك في الصباح على عنائك غدوة … وعلى الطوى لك في المساء رواح
هذي الجراح براحتيك عميقة … ونظيرها لك في الفؤاد جراح
في الليل بيتك مثل دهرك مظلم … ما فيه لا شمع ولا مصباح
فيخر سقفك إن همَت عين السما … ويطير كوخك إن تهب رياح
هذي ديونك لم يسدد بعضها … عجزاً، فكيف تسدد الأرباح؟
بغضون وجهك للمشقة أسطر … وعلى جبينك للشقا ألواح
عَرق الحياة يسيل منك لآلئاً … فيُزان منها للغنى وشاح
قد كان يجديك الصياح لديهم … لو فجر الصخرَ الأصم صياح
يتنازعون على امتلاكك بينهم … فلهم عليك تشاجر وكفاح
كم دارت الأقداح بينهم ولم … تملأ بغير دموعك الأقداح!
حسب الولاة الحاكمون على القرى … أن ثَمّ أجساد ولا أرواح
كيف التفاهم بين ذينك: نائح … يشكو العذاب، وسامع مرتاح
قد أنكروا البؤس الذي بك محدق … أفينكرون الحق وهو صراح؟
يا غارس الشجر المؤمل نفعه … دعه فان ثماره الأتراح
اقلعه فالثمر اللذيذ محرم … للغارسين وللقوي مباح
أصبحت تورثك الحقول أسى فما … يهتاج أنَسك نشرها الفياح
أفنت حقولك آفة أرضية … عاثت بها وشعارها الإصلاح
سر ببؤسك فاضح لذوي الغنى … لو أن سرك في البلاد يباح
يا ريف ان كتاب بؤسك مشكل … يعيا بحل رموزه الشراح
أطيار روضك غالها باز العدا … وعدا على أسماكك التمساح
الورد قد خنقته أشواك الربى … ظلما وفر البلبل الصداح
يا ريف ما لك شرب أهلك آجن … رنق، وشرب ولاة أمرك راح؟
النجف. أحمد الصافي النجفي
стр. 498
وداع
أذكري يوم أن رحلت اذكريه … لا قضى الله بعد ذلك بينا
يوم كنا على المحطة نبغي … لو يطول الوقوف ثمَّ علينا
قد أخذنا لنا مكاناً قصيا … فذكرنا غرامنا واشتكينا
ونخاف القطار يأتي، فنمضي … ننظر الساعة التي في يدينا
بل خدعنا نفوسنا (يا سعاد) … وعبثنا بعقربيّ ساعتينا
نحسب الوقت بالدقيقة حتى … قدم (القطر) من بغتة فبكينا
وتضنين بالفراق، إلى أن … دق صوت الناقوس في أذنينا
فركبت القطار، ثم تهادى … فحكانا، ونحن نمشي الهوينى
لم يكن بعد، غير بضع ثوان … واختفيتم عن عيننا واختفينا
افترقنا ولم نبل غليلا … ولنا اليوم أشهر ما التقينا
لا جزى الله يوم بينك خيرا … كم أسال الدموع من مقلتينا!
محمد برهام
стр. 499
بعد الحب
// لم تكن للحياة قبل لقائي … بك معنى، فأنت معنى حياتي
زهَرُ الروض كان خلوا من العط … ر فأمسى معطَّر النَفحاتِ
وليالي الربيع كانت بلا سح … رٍ فباتت ظلالها ساحراتي
وبنفسي لحن سجين عن الحب … وناي مشوش الصرخات
أنت أطلقته فدوَّم في الصد … ور غني بأعذب النغمات
والهوى يصبغ الحياة بلون ال … ورد حتى تعود شتى النبات
إنني إن أسفت آسف للما … ضي، تولى لم أدر طعم الحياة
هو عهد مضى، وعيني عليها … حجب من ستائر مظلمات
ثم جاء الهوى ففتح عينيَّ … فأبصرت فتنة الكائنات
فإذا بالجمال يسبح في الجو … ويسري شذاه في النسمات
وإذا بالجمال يسبح في الرو … ض ويهدي شذاه للزهرات
كل ما في الجمال حلو مع الحب … فيا حب أنت سر الحياة
أمين عزت الهجين
стр. 500
في الأدب الشرقي
نظرات في الأدب الفارسي
منذ نشأته إلى إغارة التتار
للدكتور عبد الوهاب عزام
- ٢ -
يروي عن الرودكي أنه نظم شعراً كثيراً جداً يقدره بعضهم بألف ألف بيت. وأنه نظم كليلة ودمنة، ولكن ليس عندنا من شعر الرودكي كله الا قطع منها نحو٢٤٢ رباعية، ومن الحكايات المأثورة المشهورة عن هذا الشاعر ما ذكره نظامي العروض، أن الأمير نصر بن أحمد خرج بجيشه إلى هراة فأعجب بهوائها وثمارها، وبقى يتردد في أرجائها أربع سنين حتى ضاق العسكر ذرعاً، ولم يستطيعوا صبراً عن أوطانهم وأولادهم، فذهبوا إلى الرودكي وجعلوا له خمسة آلاف دينار على أن ينظم شعراً يشوق الأمير إلى بخارى. فنظم قصيدة وجاء الأمير وهو يصطبح، فغناها على المزهر فما أتم الأبيات حتى نهض الأمير مسرعا إلى فرسه لا يصبر حتى يلبس حذاءه، وتوجه إلى بخارىلا يلوي على شيء، فلم يدركه الناس الا بعد فرسخين، وهناك قدم له الحذاء فلبسه.
وأول هذه الأبيات:
بعرى جرى موليان آيد همي … بعرى يا لهربان آيد همي
(ما يزال يهب علينا نسيم نهر جيحون … وما نزال ننشق على بعد روح الأحباء)
ثم يؤثر على الرودكي شعر من نوع الدوبيت أو الرباعي. وهو ضرب فارسي. فهذا أول شعراء الفرس ينظم على أساليب العرب وعلى أسلوب آخر، وهذا ينبئ بما سيكون عليه الشعر الفارسي الحديث من الجمع بين الصبغتين العربية والفارسية.
ثم نجد هذا الشاعر يسبق إلى نظم القصص، إذ نظم كليلة ودمنة، وهذه ميزة أخرى من مزايا الشعر الفارسي كلف بها الشعراء من بعد.
توالى الشعراء من بعد الرودكي وارتقى الشعر على الزمن حتى بلغ غايته.
شجع السامانيون الآداب الفارسية، ولمنصور بن نوح منهم شعر فارسي، فنبغ في أيامهم
стр. 501
شعراء يقاربون الثلاثين، ثم شرعوا يؤلفون ويترجمون الكتب من العربية إلى الفارسية، فترجم تاريخ الطبري وتفسيره (وألف لهم بالفارسية كتاب أبي منصور والهروي في الطب) ومنه نسخة مخطوطة في فينا، وهي أقدم مخطوط فارسي (سنة ٤٤٧ هـ) وألف لهم كذلك كتاب في التفسير. فهذه الكتب الأربعة أقدم نثر فارسي بأيدينا.
وأما بنو بويه فليس لهم أثر في الأدب الفارسي، وأكثر أمرائهم كانوا شعراء في العربية. ووزيراهم ابن العميد، والصاحب من حملة لواء الأدب العربي لا الفارسي، وحسبنا أن الصاحب لم يقصده به الا شاعران فارسيان هما المنطقي والخسروي، على كثرة شعراء العربية الذين مدحوه.
وكان الزياريون في طبرستان من حماة العلوم والآداب، ولكن شيخهم قابوس كان أميل إلى العربية، وقد مدحه الخسروي السرخسي من شعراء الفرس، كما اتصل بابنه منوجهر الشاعر الفارسي الذي سمى نفسه منوجهري تبعاً لسيدة. وقد ألف كيكادس حفيد قابوس كتابه قابوس نامه بالفارسية لتربية ابنه.
وكان من المتصلين بقابوس أبو علي بن سينا، وله شعر بالفارسية، وقد ألف كتابه دانش نامه علائي بعد موت قابوس، فأهداه إلى علاء الدولة أبي جعفر كاكوية في اصفهان وسماه باسمه.
وكان محمود بن سبكتكين في غزنة مقصد كبار الأدباء والعلماء، وأثر عنه وعن ابنه محمد شعر فارسي. فمن شعرائه: العنصري والأسدي، والعسجدي، والفردوسي الذي قدم له الشاهنامه، فلم يعطه محمود ماأراد فغاضبه وهجاه، وقد ألف شرف الملك من شعراء محمود كتابا في الديوان بالفارسية سماه كتاب الأصطفا. ويقال إن اليميني من شعراء محمود أيضاً كتب تاريخ محمود بالفارسية، وكتب البيروني كتاب التفهم في النجوم بالفارسية والعربية.
وفي عصر السلاجقة، ذلك العصر المديد نبغ شعراء كثيرون جداً عد منهم عدني أكثر من مائة - وأعظمهم الأنوري والخاقاني نظامي الكنجري، والأزرقي، وظهير الغارياني، وناصر خسرو والخيام، وبابا طاهر، والفصيحي، ومسعود سعد، والأديب صابر، والمعزي، وعمق البخاري، وسوزني، ونظامي العروض؛ ومن الصوفية: أبو سعد بن أبي الخير، والأنصاري، ثم مجد الدين سنائي، وفي نهاية هذا العصر فريد الدين العطار.
стр. 502
ولا ريب أن هذا العصر أزهى عصور الشعر الفارسي.
ومن المؤلفين والكتاب في هذا العصر نظام الملك الوزير مؤلف سياستنامه، والغزالي والسجزي الفرخي مؤلف ترجمان البلاغة في الشعر والصناعات البديعية، والرشيدي السمرقندي مؤلف زينت نامه في علم الشعر، ورشيد الدين وطواط مؤلف الكتاب الذائع الصيت: حدائق السحر في دقائق الشعر، والبهرامي مؤلف غاية العروضيين وكنز القافية، والأسدي مؤلف لغة الفرس، وشاهمر دامه بن أبي الخير مؤلف الموسوعة (نزهة نامه لملاني) ألفها لعلاء الدولة، وخاص بك أمير طبرستان آخر القرن الخامس، والباخرزي مؤلف دمية القصر، ومؤلف طرب نامه وهي رباعيات فارسية، وأبو المعالي محمد بن عبيد الله مؤلف كتاب بيان الأديان في آخر القرن الخامس. ومن مؤلفي الصوفية الهجويري صاحب كشف المحجوب وهو من أقدم الكتب الصوفية، ألف في القرن الخامس.
ومن المترجمين من العربية إلى الفارسية. الجرباذقاني، ترجم تاريخ العتبي للفارسية، وجمال القرشي مترجم الصحاح، وفراهي الذي نظم قاموساً عربياً فارسياً يقرأ في مدارس إيران حتى اليوم، والزوزني الذي كتب معجما عربيا فارسيا سماه ترجمان القرآن، ونصر بن عبد الحميد مترجم كليلة ودمنة.
وفي العصر القصير الذي بين السلاجقة والمغول نجد من الشعراء العطار وجلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي وغيرهم. ونجد من المؤلفين ابن اسفنديار مؤلف تاريخ طبرستان، وفخر الدين الرازي مؤلف الاختيارات العلائية، ونصير الدين الطوسي، وشمس قيس مؤلف المعجم، ومحمد عوفي مؤلف لباب الألباب.
هذه نظرة عامة غير شاملة ولا بالغة. ترينا كيف بدأ الأدب الفارسي شعرا ونثرا، وكيف توإلى مع الدول المختلفة. ويكفي هنا أن يقال إن لباب الألباب يحتوي على ٢٧ ملكاً نظموا بالفارسية و٤٣ وزيراً، و٦٩ عالماً، ويذكر من الشعراء تسعة وثلاثين ومائة.
ولأجل أن ندل على حظ الأقطار المختلفة من هذا العدد نقول: ان خراسان وهي مهد الأدب الفارسي الحديث ينالها ٣١ من العلماء الذين نظموا بالفارسية و٥٥ من الشعراء. وما وراء النهر ١٣ من العلماء، و٢٢ شاعراً. والعراق ١٦ من العلماء و١٦ من الشعراء. وغزنة وما يليها ٢٢ شاعراً. فخراسان أوفرها حظاً.
стр. 503
بعد هذا يحق لنا أن نسأل ما مميزات هذا الأدب الفارسي الإسلامي في الشعر والنثر؟
فأما الشعر فيشارك الشعر العربي في موضوعه من الهجاء والمدح والغزل والفخر والوصف (في ميل إلى المبالغة) ويمتاز بأشياء:
(١) ذكر ملوك الفرس القدماء وأبطالهم مثل فريدون ورستم، وزال، وكأس جمشيد، وقد سرى هذا إلى الشعر العربي الذي نظم في بلاد الفرس كشعر بديع الزمان وأمثاله.
(٢) يمتاز الشعر الفارسي بميزتين عظيمتين: الشعر القصصي والشعر الصوفي.
فأما الشعر القصصي فقد أولع الفرس به في كل عصر، وقد رأينا أن أبان بن عبد الحميد نظم كتاب كليلة ودمنة بالعربية، وأن الرودكي أول شعراء الفرس الكبار نظم هذا أيضاً، ومن الأدلة على ولع الفرس بالقصص قصة يوسف وزليخا، فهذه القصة مأخوذة من القرآن، ولكن شعراء العرب لم يهتموا بها، وأما الفرس فقد نظموها مراراً، نظمها من كبارهم الفردوسي وجامي. ونظمها آخرون. ورواية وامق وعذراء التي قيل أنها قدمت لعبد الله بن طاهر فأمر بطرحها في الماء؛ نظمها العنصري شاعر محمود الغزنوي، ثم الفصيحي في رعاية كيكادس الزياري ونظمها أربعة شعراء آخرون.
وحسبنا شاهنامه الفردوسي التي حاكاها شعراء كثيرون فألفوا شاهنمات لم تنل ما نالته من القبول والصيت؛ ومن القصص المنظومة رواية خسرو وكل، وبلبل نامه لفريد الدين العطار، وسلامان وايسال لمولانا جامي وغيرها مما لا يتسع المقال لتعديدها.
وأما الشعر الصوفي فقد بدأه أبو سعيد بن أبي الخير من بلدة مهنا في خراسان، وأبو عبد الله الأنصاري من هراة. نظما فيه قطعاً ورباعيات، ولكن لم يكثر فيه التأليف الا بعد مدة طويلة، إذ نبغ طليعة فرسانه سنا، الغزنوي، ثم قفاه العطار ثم تلاه إمام الصوفية مولانا جلال الدين الرومي صاحب المثنوي الذي يسمى القرآن في اللغة الفارسية، ويقال لمؤلفه لم يكن نبيا ولكن أوتي كتاباً.
ومن بعد غارات التتار نبغ لسان الغيب شمس الدين حافظ الشيرازي والشيخ عبد الرحمن الجامي الذي يعد آخر شعراء الفرس العظام.
والحق أن اللغة الفارسية تبذ سائر لغات العالم بهذا النوع من الشعر النفسي الإنساني الفلسفي الذي يرتفع عن جدال المذاهب وعصبيات الأجناس، وينفذ إلى بواطن الأشياء
стр. 504
فيرى الوحدة الإلهية المتجلية في مظاهرها العديدة.
стр. 505
الأدب الياباني
للأستاذ أحمد الشنتناوي
- ٢ -
انتهينا في مقالنا الأول من الكلام عن الأدب الياباني حتى نهاية العقد الثامن من القرن التاسع عشر، أي بعد أن هدأت الثورة اليابانية الأهلية وابتدأت بوادر التجديد تظهر في جميع نواحي الحياة اليابانية كما هي العادة دائما عقب الثورات الاجتماعية الخطيرة التي تظهر في الأمم. وكان حظ الأدب الياباني من هذا التجديد عظيما إذ لم يلبث أن ظهر في الميدان الأدبي (كويو) وهو مؤسس المدرسة الأدبية الحديثة في اليابان المسماة (أصدقاء المحبرة) وكان هو وتلاميذه وأتباعه يدينون بالمذهب الواقعي، ولا يكتبون الا القصص المفعمة بالمشاعر الرقيقة، والتي تتزاحم فيها العواطف والنزعات المختلفة، متخذين كتاب الحياة مصدرا ومعينا لما يكتبون ويصفون. وبالرغم من تباين أتباع (كويو) في الأعمار والمراكز الاجتماعية والأزمنة التي عاشوا فيها كانوا يضربون جميعا في مؤلفاتهم على هذا الوتر الحساس الذي طرب له (كويو) فاتخذه شعاراً لمدرسته الأدبية الحديثة، ونعني به المذهب الواقعي. ولم يعمر (كويو) طويلا بل توفي في عنفوان شبابه بعد أن طبقت شهرته جميع أنحاء اليابان. وتعد قصته الموسومة (بشيطان الذهب) أبلغ أعماله الأدبية على الإطلاق. ولقد اشترك مع (كويو) في تأسيس تلك المدرسة الأدبية الحديثة أديب آخر يدعى (روهان) ولو أن هذا لم يكن يميل إلى المذهب الواقعي، بل كانت الروح الغالبة على مؤلفاته هي الروح الخيالية الدينية الفلسفية. كذلك اكتسب هذا الأديب شهرة فائقة بقصة ألفها تدعى (بوذا المدلل) وهو لم يكتب شيئا آخر غير تلك القصة، ولو أن العمر امتد به إلى ما بعد تاريخ هذا الكتاب بكثير.
وبعد الحرب الصينية اليابانية أخذت الآداب الغربية تطغي على اليابان رويدا رويدا، وكان أعظمها أثرا مؤلفات تولستوي وإبسن إذ ترجمت إلى اليابانية آثارهم وآثار غيرهم من زعماء الأدب الأوربي أمثال موبسان وهوجو وزولا وغيرهم حواليعام ١٨٩٦ حتى وقف العقل الياباني حائرا أمام هذا السيل الجارف من الآداب الأوربية؛ وحاول (كويو) وأتباعه أن يدخلوا روحا جديدة تحليلية على الأدب الياباني، وفعلا أصدروا عدة مؤلفات تعبر
стр. 506
أصدق تعبير عن نفسية الشعب الياباني الحديث، كما تعصب فريق آخر لأدب زولا وحاولوا تقليده.
وبعد انتهاء الحرب الروسية اليابانية التي شب أوارها عام ١٩٠٥ نجد الآداب اليابانية تزيد صبغتها الغربية وتقوى، فأننا نجد مثلا (هجوتسو) أحد أساتذة جامعة (واسدا) في طوكيو يعود بعد سياحته الطويلة في ربوع أوربا ويؤسس مدرسة أدبية جديدة هي تحوير للمدرسة الأدبية الفرنسية المعروفة بالمدرسة الطبيعية، حسبما تقتضيه البيئة اليابانية وأذواق الشعب الياباني. وأهم المبرزين في تلك المدرسة هما
تبدأ الحرب العالمية بعد ذلك ويخفت صوت الآداب الأوربية نوعا ما، فتجد الآداب اليابانية المجال أمامها متسعا لكي تقف بنفسها في الميدان، وتسمع صوتها للملأ، فتقوم في اليابان حملة عنيفة على الأدب المكشوف، وهو شعار المدرسة الطبيعية، ويطلب أصحاب تلك الحملة بإلحاح أن تكون الآداب وسيلة لطب المثل العليا، وأنها يجب أن تسير في جو محتشم طاهر، وأصبح هؤلاء فيما بعد زعماء المدرسة (الإنسانية) وهؤلاء لم ينجحوا الا في القضاء على أصحاب الأدب المكشوف، ولكنهم في الوقت نفسه ظلوا في إسار الآداب الغربية. ولعل أشهر هؤلاء الجماعة وأرسخهم أدبا هو (أريزيما) وأشهر أعماله الأدبية قصته المسماة (تلك المرأة) وهي تاريخ حياة امرأة حديثة (مودرن) تمثل في جملتها العقلية اليابانية في ذلك العهد الذي تشبع بالروح الغربية، ويمكننا أن نعتبر هذه القصة مثالا لحالة الأدب الياباني في ذلك العصر الذي أغارت فيه الحضارة الغربية على بلاد الشمس المشرقة.
والمتصفح لتاريخ الأدب الياباني منذ أقدم عصوره إلى الآن يمكنه أن يلاحظ بكل وضوح مقدار اختلاف العقلية اليابانية عن العقلية الغربية. فالذي تنفرد به العقلية اليابانية هو سرعة استعدادها لاعتناق كل ما هو جديد. بل التهامه التهاما دون التأمل والنظر فيما إذا كان الطعام الذي ستتناوله في مقدرتها هضمه أم لا. وليس معنى هذا أنها عقلية عديمة القدرة على التمييز والاختيار ولكن هذا التمييز وهذا الاختيار يأتيان بعد فترة من الزمن بعد أن تملك النفس زمامها وتألف رؤية الشيء الجديد ويذهب عنها بريقه ولمعانه. ويمكننا أن نذكر لك أن اليابان كانت تعشق أدب تولستوي عام ١٨٩٤ فتحولت عنه إلى سودرمان
стр. 507
وهوبتمان عام ١٨٩٦، ثم تحولت عنهما عام ١٨٩٧ إلى موبسان وزولا وهوجو ثم منهم إلى ترجنيف عام ١٨٩٨ ثم إلى نيتشه عام ١٩٠١ ثم إلى مكسيم جوركي ومترلنك عام ١٩٠٢ وأخيرا انتهى بها التنقل والمطاف إلى تشيكوف وواجنر عام ١٩٠٣. وإذا عرفنا هذا لا نعجب إذا رأينا اليابان تحتفل احتفالا عظيم الشأن بالعيد المئوي للشاعر شيلر، أو إذا رأيناها تخصص الصفحات الأولى من جرائدها ومجلاتها المحترمة للكتابة عن إبسن ومؤلفاته ومكانته الأدبية الممتازة عقب وفاته. لهذا يمكننا أن نعتبر الآداب الغربية نوعا من أنواع (المودة) التي تروح وتغدو كل عام بين أوربا واليابان.
ولم يعقب هذا اللقاح المتعدد الأنواع والأجناس الا نوعا من الآداب أشبه شيء بالثوب الذي تزدحم فيه الألوان دون تناسق أو تآلف أو ترتيب، ولكن يصح الآن أن نقول أن الآداب اليابانية قد تخلصت من جميع تلك العناصر الغربية بل يمكن أن نميز فيها بوضوح اتجاهين يابانيين جديدين. فانه بعد المدرسة الإنسانية التي أنشأها (سيرا كابا) عقب المدرسة الطبيعية ظهرت مدرسة أخرى جديدة تدين بالمذهب الواقعي جعلت همها مخاطبة الجماهير والتحدث إليهم عن معايب الطبقة الرأسمالية الغنية؛ وكان زعيم هذه المدرسة الجديدة (كيكوتي) الذي أسس عام ١٩١١ في اليابان جمعية أدبية أطلق عليها اسم (جمعية القصصيين) ولا يزال أثر هذه المدرسة نافذ المفعول حتى اليوم، لأن آثار (كيكوتي) وأتباعه الأدبية قد لاقت هوى في نفوس العدد الأكبر من اليابانيين لأن رجال المال هم القابضون على زمام الأمور في تلك البلاد.
أما الاتجاه الآخر فهو أن جماعة من كتاب اليابانيين الحديثين أخذوا على عاتقهم أن يصفوا في كتاباتهم حياة الطبقة الدنيا من اليابانيين أي طبقة العمال ومن إليهم، وقد تعمقوا في هذا الوصف حتى أنك تكاد تلمس بيديك في كتاباتهم هيكل البؤس والتعس المخيم على هذه الطبقة الفقيرة.
وخلاصة الموقف الأدبي الآن في اليابان هو أن هناك في الميدان أربع فرق من الأدباء تتنازع الجمهور الياباني، فالفريق الأول هم أصحاب المدرسة الكلاسيكية الذين يعشقون الآداب لذاتها، وهؤلاء يمثلون الطبقة الأرستقراطية من المجتمع، ويقفون وجها لوجه أمام الفريق الثاني أي الأدباء الذين يعبرون عما تكنه صدور الطبقة الدنيا من آلام وآمال وهموم
стр. 508
وأحزان؛ ثم الفريق الثالث وهم أدباء المدرسة الحديثة الذين يحبون التجديد في كل شيء حتى في العواطف الإنسانية ويطلقون عليهم تهكما اسم (المدرسة الاستقراضية) وآثارها مع ذلك لا تخلو من الطرافة في نواحي عدة منها. أما الفريق الرابع فهم أدباء المدرسة الشعبية وينضم تحت لوائها العدد الأكبر من أدباء اليابان وهم يخاطبون الشعب الياباني كأنه كتلة واحدة لا تباين فيها ولا اختلاف.
стр. 509
في الأدب الغربيّ
قصة فيلسوف عاشق
للدكتور طه حسين
- ٢ -
واتصلت زيارة أغوست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة؛ وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها الا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئاً فشيئاً من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتا طويلا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سروراً وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وماله لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى؛ وماله لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لوناً من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئاً فشيئاً. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والأغراء الذي يتجه إلى العقل حيناً وإلى الشعور حيناً آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من
стр. 510
هذه الشباك جميعاً وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقاً راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أجوست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذات نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحداً يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلاً في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلا ممتازا مرتفع النفس كبير القلب خليقا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذه الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها الا مودة صادقة وإخلاصا لا حد له.
ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أجوست كونت.
وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحاً مبتهجا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديراً. فهو لا يرفع شيئاً الا بحساب ولا يضع شيئاً الا على نظام ولا يأتي حركة الا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله وعما سيحتاجان إليه من نفقة
стр. 511
وعن ترتيب البيت وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمراً لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها لا تلتفت ولا تلوي على شيء وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرة متعللة قائلة إنها قد تعجلت الوعد وتبين لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفاً ملحاً. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فان كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروى وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال ان ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد الا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئاً وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئا أو لا يكاد يملك شيئا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروساً
стр. 512
رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقا معلوما، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضاً تعمل لخدمة الأدب أن أعجزها ان تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعاً مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
ويستأنف زياراته للأسرة محتملا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفوراً قوياً يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضاً. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتوراً وانحلالا. وأخذت تقاوم سعالا متكرراً مضنياً ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضاً في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها
стр. 513
الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتاً من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهداً شديداً فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئناناً شديداً، فلما نهض لينصرف اختلس قبلة من فمها، ولكنه لك يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتاباً مشهوراً يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيا طيب النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد الا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضاً أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينس الحب ولم يفكر في الأعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ود ومعونة فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى الا صلة مصدرها الحب والرغبة.
وزارته ذات يوما وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأن في عينه لحباً لا حد له، وشهوة لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها الذين توردهما الحمى فلا يرى الا جمالا مغرياً وحسناً فتانا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادراً على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها،
стр. 514
ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضاً. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرة الأوضاع الاجتماعية، أسيرة هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس، فلم تظفر من خليلتك الا بشر ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلماً جداً، وباعثاً للابتسام أحياناً أن يرى الفيلسوف جاثياً أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولأن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا علي سلطان.
وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعاً من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
أقبل عذب الصوت رضي النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديث عذبة كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه منذرا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئا وقوراً يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
فانظر إلى الفيلسوف وقد جثى أمام الشيخ ضارعاً مستعطفاً حتى رق له الشيخ فقال أنصرف الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيئسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعاً حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له
стр. 515
وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجه فأحكم إرتاجه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلاً قليلاً. فلما تقدم النهار ودنى المساء فتح الباب وخرج صامتا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها فهي إذا في قلبه، هي إذا تقاسمه حياته الذائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي الا أن استحال حبه لكلوتيلد ديناً وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تلقى في نظام ومجلاته كانت تقرأ في نظام ورسائله كانت تقرأ ويرد عليها في نظام أيضاً.
ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجا يسيرا وأن شخصه لشديد التعقيد.
стр. 516
فولتير المؤرخ
للأستاذ زكي نجيب محمود
لبث التاريخ قروناً يتلوها قرون، وهو لا يحسب للشعوب حساباً، ولا
يعنى بحياة الإنسان قليلا ولا كثيراً، إنما ملئت سطوره وأفعمت
صفحاته بذكر الملوك والأمراء، فكان تاريخ الأمة هو تاريخ ملوكها،
أما سائر الطبقات، التي هي في الواقع لحمة الحياة وسداها، وهي
الإنسانية بأسرها، هي مبعث القوى والنشاط جميعاً، فكانت لا تظفر من
المؤرخ بسطر واحد فضلا عن صفحة أو كتاب.
بقيت الحال كذلك ما بقيت الشعوب بعيدة عن دوائر السيطرة والحكم، ثم ما كادت تنهض أوربا نهضة الأحياء، ويستيقظ الناس من ذلك السبات العميق، وتبدأ الديمقراطية الصحيحة تنشر ألويتها، وتجد سبيلها إلى صميم القلوب، حتى انقلب ذلك الوضع الخاطئ، واتخذ شكله المستقيم، وأصبحت الشعوب وحياتها عند التاريخ كل شيء.
ولكل انقلاب رسوله الأمين، ورسول ذلك الانقلاب في كتابة التاريخ هو فولتير، الذي يمثل في شخصه حلقة الاتصال بين العهدين، وجسر التطور بين المنهجين.
كان فولتير كثير القراءة والاطلاع إلى حد النهم، وكلما تقدمت به السن ازداد في ذلك إمعاناً وإدمانا، حتى احتوى في نفسه شطراً عظيما من عصارات الأذهان البشرية التي سبقته إلى الوجود، فلم يسعه أمام ذلك الإنتاج العقلي الغزير، الا أن يكبر العقل الإنساني إلى درجة التقديس، وقد أوحى إليه ذلك الإكبار أن يجرد قلمه للارتفاع بمكانته إلى أعلى عليين. فأخذت تلك اليراعة العبقرية تدبج الفصول التي تظهر فيها عظمة العقل ظهورا واضحاً لا يخطئه النظر، ثم تطورت عنده تلك النزعة فولدت في نفسه عنصراً جديداً، هو حب الإنسانية والفناء من أجلها، فأخذ يسمو بها بمقدار ما يصب غضبه ونقمته على أيدي الجهالة السوداء التي اعترضت سبيل تقدمها، وكانت عثرات في طريقها. هذا التقديس للعقل وللإنسانية، وهذا السخط الذي أراد أن يسحق به عوامل الجمود على اختلاف ألوانها، كان أول عنصر جديد أدخله فولتير في كتابة التاريخ.
стр. 517
ونحن إذا تتبعنا مؤلفاته التاريخية، التي كتبها في مراحل عمره المختلفة، أدركنا على الفور تدرج تلك النزعة في نفسه تدرجاً أدى بها إلى تلك الخاتمة التي ذكرنا.
كانت باكورة مؤلفاته التاريخية (حياة شارل الثاني عشر) الذي كتبه ولم يزل يرسف في أغلال التقاليد، التي أملت عليه مثله الأعلى، فأخرج كتابه للناس آية في تمجيد شارل، وإكليلا من الزهر يتوج به هامة ذلك الملك، الذي سما به إلى مرتبة رفيعة لا يدانيها من البشر إلا الأقلون. وكل عبقريته انه نشر الدماء وبعثر الأشلاء!! وانه خاض في أوروبا من الشمال إلى الجنوب، فاحتواها في قبضته من تركيا إلى السويد!! ولكن نفس فولتير لم تضطرب فيها عاطفة واحدة نحو ذلك الشعب الذي نسج حول مليكه تلك العظمة الحربية بخيوط من أرواحه وما ملكت أيديه، كلا ولم يحسب حساباً لتلك الشعوب التي داسها شارل تحت أقدامه، وأذل أعناقها لتخلي أمامه الطريق!.
يسجل ذلك الكتاب أولى مراحل فولتير الفكرية، ولكنه لم يكد يفرغ من كتابه ويذيعه في الناس، حتى اتجه بسائره إلى دراسة العلوم الطبيعية والرياضية: إلى دراسة ما أكتشفه نيوتن وما أرتاه لوك. وهنا آمن بعظمة العقل الإنساني إيمانا لا تزعزعه الريب والشكوك، وما هي الا أن عاد إلى ميدان التاريخ يجول فيه ويصول، ويبحثه في ضوء إدراكه الجديد ولبه المأخوذ بجلال الإنسان. فأخذ يعالجه بأسلوب لم يعهده التاريخ من قبل، بعيد كل البعد عن الطريق التي انتهجها في كتابه عن شارل الثاني عشر.
بهذه النزعة الناشئة. وفي هذا الضوء الجديد، نشر مؤلفه المشهور عن لويس الرابع عشر، الذي أن قرأته فلن تتجاوز ورقات قليلة، حتى تلمس هذا الأسلوب التاريخي الجديد، وتدرك المدى البعيد الذي انتقلت إليه عقليته في كتابة التاريخ. فبينما هو يسرد عليك في كتابه الأول قصة واحد من الملوك، تراه يصور في كتابه الثاني عصراً بكل ما أحتوى من ضروب الحياة. بل تستطيع ألا تجشم نفسك مؤونة القراءة لتتبين هذا الفرق بين الكتابين، ويكفي أن تلقي نظرة عجلى على عنوانيهما لتدرك ما تناول وجهة نظره من تطور وانقلاب؛ فعنوان الكتاب الأول (تاريخ شارل الثاني عشر) وعنوان الثاني (عصر لويس الرابع عشر) في كتاب شارل أخذ يسرد في تفصيل وتطويل ما طرأ على حياة ذلك الملك من أحداث، وما كان يطبع شخصيته من ضروب المميزات والفضائل، أما في هذا الكتاب
стр. 518
الأخير، فقد تتبع الشعب في نزعاته وميوله وحركاته، وقد ذكر في مقدمته أنه. (لن يصف حياة رجل واحد، بل سيعني بأحوال الشعب جميعاً) فبينما تراه يلم إلماماً سريعاً بأخبار الحروب، تراه يذكر في إطناب نواحي الحياة الأخرى التي لم تحظ قبل فولتير بصفحة واحدة من صفحات التاريخ. فقد عقد فصلا للتجارة والحكومة الداخلية، وآخر للحالة المالية، وثالثاً لتاريخ العلوم، كما اختص الفنون الجميلة بفصول ثلاث. وعلى الرغم من أنه كان يعتقد ان النزاع الديني لا يستحق الا القليل، الا أنه أفسح لأخبار الكنيسة في عصر لويس الرابع عشر من كتابه مكاناً واسعاً، لأنه لم يشك في أنها لعبت دورا خطيراً في شؤون الحياة، التي أراد أن يصورها في مؤلفه هذا تصويرا دقيقاً.
ولكنا يجب أن نلاحظ أن هذا الكتاب، وإن يكن خطوة واسعة وانقلاباً خطيرا في دراسة التاريخ، الا انه لم يخل من شوائب الماضي إذ أطال فولتير (في غير ما موجب للتطويل) في تفصيل حياة لويس الرابع عشر نفسه، وما كان يتقلب فيه من ضروب اللهو والعبث والمجون، ثم حاول بعد ذلك أن يقيم الدليل على سمو مكانته وعظمة مجده، وأن يدفع حراب النقد التي كانت تصوب إلى أسمه من كل حدب وصوب.
كان ذلك الكتاب إذن وصلة التطور بين عهدين، لأنه ثار على القديم من ناحية، وتعلق بأسبابه من ناحية أخرى، ثم ما كادت تنطوي سنوات أربع، حتى طلع على العالم بسفره الجليل في أخلاق الشعوب، الذي يعتبر بحق أسمى ما أنتجه العقل الإنساني في القرن الثامن عشر.
لم يعن فولتير في هذا الكتاب كثيرا بدسائس البلاط، وتتابع الوزارات، وما أصاب الملوك من سعود ونحوس، ولكنه حاول أن يترسم آثار الإنسانية في سيرها وتقدمها مرحلة بعد مرحلة، فهو يقول فيه (أريد أن أكتب تاريخاً للمجتمع الإنساني، غير معني بما نشب فيه من حروب، وأن أبين في جلاء ووضوح كيف كان يعيش الأفراد في حياتهم العائلية الخاصة، وما هي الفنون المختلفة التي كانوا يعالجونها، ذلك لأن الموضوع الذي أنا بصدده، هو تاريخ العقل البشري، فلن أسرد الحوادث التافهة الحقيرة، ولن أعني بأخبار الأمراء والعظماء وما قام بينهم من ملوك فرنسا من قتال وعراك، ولكني سأدرس المراحل التي اجتازها الإنسان حتى انتقل من الهمجية إلى المدنية).
стр. 519
وهكذا ضرب فولتير مثلا أعلى للتاريخ كيف يكون، فاهتدى بهديه المؤرخون من بعده، وأخذوا يدرسون ما هو جدير بالدرس ويسقطون من حسابهم تلك التفصيلات الجافة المملة التي لا تتصل بالحياة الا بسبب واه ضئيل، والتي غصت بها مجلدات التاريخ من قبل.
لم يكن فولتير في تلك الروح الجديدة الا مرآة صافية ينعكس فيها ما تضطرب به نفوس القوم في القرن الثامن عشر، لذلك لم يكن هو الكاتب الوحيد الذي اختط لنفسه هذا النهج، بل عاصره منتسيكو وتيرجوا، اللذان نسجا على هذا المنوال في كتابة التاريخ.
وهكذا بدأ المؤرخون يحولون موضوع الدراسة من أشخاص الملوك والأمراء، إلى حياة الشعوب وما يرتبط بها من مصالح. فأخذوا ينقضون الآراء العتيقة البالية، ويبذرون في النفوس بذور القلق والاضطراب، ثم يحتقرون تلك الشخصيات، التي كانت تملأ عظمتها النفوس من قبل، والتي كانت أقرب إلى الآلهة منها إلى البشر.
وبذلك انقلب التاريخ معولا لهدم الملكية والأرستقراطية بعد أن كان أداة قوية للدعاية لسلطانهم. وأصبح قيثارة تنبعث منها نغمات الديمقراطية، وتقديس الإنسان، وتمجيد الأيدي العاملة؛ ثم أخذت تلك الألحان الجديدة تدوي أصداؤها في جنبات أوروبا عامة وفرنسا خاصة، حتى انتهت بالثورة الكبرى، التي ثلت العروش ودكت قوائم الأرستقراطية دكاً. ولعل ما حدا بفولتير إلى انتهاج هذا الأسلوب في كتابة التاريخ، هو ميله إلى التعميم في دراسته للأشياء. فهو لا يطمئن للبحث في الجزئيات، الا إذا كان ذلك على سبيل الاستشهاد وضرب الأمثلة التي تؤيد قاعدة عامة ومبدأ شاملا. لهذا تراه قد أقام التاريخ على أساس المراحل التي اجتازتها الإنسانية عامة في تطورها؛ أما الملوك ومن إليهم فهم بمثابة الجزئيات من تلك الكتابة الإنسانية؛ فلا يجوز دراستها لذاتها. ولم تقتصر تلك الروح التعميمية على كتابة التاريخ. بل اشتملت روايته أيضاً. فهو لم يحاول أن يصور فيها عواطف أفراد وأخلاق آحاد. إنما قصد إلى إبراز روح العصر الذي وقعت حوادث الرواية فيه.
كان من النتائج الطبيعية لهذه السبيل التي سلكها فولتير في كتابه التاريخ بناء على إكبار العقل الإنساني، وإجلال صفوف الشعب، التي هي نسيج الحياة الاجتماعية ومادتها، انه كان يزهو بحاضره إذا قاسه إلى الماضي، كما كان قوي الأيمان، مزدهر الأمل في مستقبل
стр. 520
الإنسانية، ما دامت جادة في طريقها لا تلوي على شيء، أو على الأصح لا يلويها عن تلك الجادة المستقيمة شيء. لذلك كان يضيق صدرا بمن عاصره من الكتاب الذين كانوا إذا أرسلوا بصرهم إلى المستقبل، ارتد حسيرا إليهم، وإذا جالوا الطرف في حاضرهم، قتلهم اليأس والقنوط؛ فكانوا يولون وجوههم إلى الوراء، يستعيدون صورة الماضي، التي كان يخيل إليهم أنها أقرب إلى الخير والكمال. والشعوب إذا دب فيها دبيب العجز والقعود، التمست في الماضي مثلها إلا على، أما إذا كانت فتية قوية، فهي تنظر إلى المستقبل يحدوها الأمل والرجاء. وليسمح لي القراء أن استطرد قليلا فأقول أنني لا اطمئن إلى هذه اللوعة التي يتردد انينها الحين بعد الحين، أسفاً وحسرة على (السلف الصالح) الذين غيبهم التاريخ في جوفه العميق، سواء أكان هذا السلف من المصريين القدماء أم من العرب. إنما يجب ان نذكر أولئك وهؤلاء كما يذكر الشاب القوي طفولته الضعيفة العاثرة، لا كما يذكر الشيخ المتهدم شبابه الفتي الضائع.
أعود فأقول أن فولتير قد ضاق صدراً بتلك الطائفة من الكتاب، التي كانت تنشد مثلها الأعلى في الحياة الماضية، فلم يتردد في أن يذيع في الناس صورة ذلك الماضي المظلم الغشوم، وأن يطلع أمته على حقيقة العصور الوسطى التي كانت تتخبط في ديجور الجهل والفوضى، حيث كانت أشنع الجرائم ترتكب بغير قصاص، وأشراف الإقطاع يبطشون بالناس بطش العزيز المقتدر بغير حساب؛ وبذلك عرف فولتير كيف يهدم تلك الفئة الضالة المضللة، وعرف كيف يمحو هذا الإعجاب السخيف المصطنع بالماضي البالي العتيق، كما عرف كيف يبسط للناس في الأمل الوارف الظلال؛ وكان المعول الذي اتخذه لتحطيم ذلك جميعا، هو سخره اللاذع وتهكمه القارص بهؤلاء الذين يعيشون في الحاضر بأجسادهم، وفي الماضي بنفوسهم وعقولهم (فليستمع الجامدون!!) وقد أخذ عليه بعض النقاد، انه إنما لجأ إلى السخر عندما أعوزه المنطق الذي يدعم به ما يقول! فأين إذن من هو أقوى من فولتير حجة وأسد منطقا؟! ولسنا نشك في أن من المنطق الا يناقش تلك الطائفة بالمنطق! وإلا فحدثني بربك كيف تجد الحجة العقلية سبيلها إلى نفوس هؤلاء، الذين نبذوا الجديد لأنه جديد، ومجدوا القديم لأنه قديم، مع أن العكس أولى وأقوم، لأنه أقرب إلى سنة الحياة؟!.
لله در فولتير في تلك السخرية التي صادفت أهلها وأصابت مرماها، فقد استطاع أن يسحق
стр. 521
رجال الدين سحقاً، وأن يسقط أعلام الفكر في عصره، الذين أرادوا أن يعودوا بالإنسانية أدراجهاإلى الماضي، وعرف كيف يزلزل عروش هؤلاء وأولئك (وكانت مكينة حينئذ) زلزالا عنيفا، بأن احتقرهم وازدراهم، تارة بالإهمال والحذف، وطورا بتصويرهم في كتاباته في صور تبعث القراء على الضحك.
نعم استطاع فولتير أن يقوض سلطان الكنيسة المخيف، وان يهزأ بالدراسات الكلاسيكية، التي كانت موضع الإعجاب والتقدير حينا طويلا من الدهر. ولكنه لم يكن هداما وكفى، بل أقام على تلك الأنقاض بناءً قويا من الأمل في المستقبل بعد اليأس من الإصلاح، ومن العناية بالشعوب دون الملوك، بعد أن كانت تلك الشعوب في زوايا الإهمال والنسيان وقد استعان على ذلك جميعا بقوة المنطق تارة، وبالسخرية اللاذعة طورا، حتى كتب له النجاح والتوفيق.
هكذا كان فولتير من رسل الديمقراطية في الطليعة، ومن أبطال الثورة الفرنسية في المقدمة، لأنه حطم ذلك التقديس الإلهي الذي كان يحيط بالملوك ورجال الدين، ثم رفع الشعب حتى تبوأ تلك المكانة السامية، فلوح له بمستقبل مزدهر هنيء سعيد، فلعبت تلك الأماني الحلوة بأفئدة القوم، وضاقوا بحياتهم صدرا، وبدأ القلق يساور النفوس. تعجلا لذلك المستقبل الموعود، فأخذ الشعب يتحفز ويتوثب، إلى أن هب في الثورة الكبرى، وحطم ما كان يرسف فيه من أصفاد وأغلال.
لم يعد لويس السادس عشر الحقيقة حين قال، وقد وقعت عينه في السجن على كتب فولتير وروسو: (لقد انقض هذان الرجلان ظهر فرنسا) ويقصد بذلك أسرة البوربون.
ذلك هو فولتير، الذي لم يكن واحداً في عداد الأفراد، بل احتوى في شخصه عصراً بكل ما فيه من عقل وروح، حتى قال عنه فكتور هوجو: (إذا ذكرت فولتير، فقد ذكرت القرن الثامن عشر).
وهذه هي آثار ما كتبه من أدب وتاريخ، واضحة في النعرة الديمقراطية التي تحتوي الأرض من أقصاها إلى أقصاها، فحق له أن يقول: (إن الكتب تحكم العالم).
стр. 522
العلوم
مركز الكون
للأستاذ عبد الحميد سماحه. مفتش مرصد حلوان
في يوم ٢٢ يونيه سنة ١٦٣٣ وقف العالم الإيطالي الكبير جاليليو جاليلي أمام المحكمة المؤلفة بأمر من قداسة البابا وقتئذ، لسماع الحكم عليه بشأن عقيدته العلمية. وصدر الحكم المشهور فكان لطمة جريئة على وجه الحقيقة العلمية، ليس لها مثيل في التاريخ.
ثبت لدى المحكمة أن جاليليو اعتقد اعتقاداً فاسداً ومنافياً للتعاليم السماوية، بأن الشمس هي مركز الكون وأنها لا تتحرك من الشرق إلى الغرب، وإنما الأرض هي التي تتحرك، وأنها ليست مركز الكون، فحكمت عليه بأن يرتد عن عقيدته هذه وأن يعلن لعنته عليها، واحتقاره لها. ثم بالغت المحكمة في قسوتها، فقضت على جاليليو بالسجن؛ لولا أن تداركته العناية الإلهية، فقد أشفق البابا على الشيخ العظيم، وألغى في اليوم التالي الجزء الأخير من الحكم، ولكنه قضى عليه بأن يلزم عقر داره في الريف، وألا يتصل بأحد الا بأذن خاص.
هكذا جرحت كرامة العلم في شخص واحد من أعز أبنائه. ولم يكن جاليليو في الحقيقة هو صاحب هذه النظرية، فقد زعم بدوران الأرض والقمر والكواكب السيّارة، حول نار مركزية فيلالاوس حوالي القرن الخامس قبل الميلاد. ومن بعده ارستاركس العظيم أحد علماء مدرسة الإسكندرية في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد؛ فقد قال بأن الشمس والنجوم كلها ثابتة لا تتحرك، وأن الأولى هي مركز الكون؛ وأن الأرض تتحرك حول محورها مرة كل أربع وعشرين ساعة، وحول الشمس مرة كل سنة، فيتسبب عن حركتها الأولى ظاهرة الليل والنهار، وعن حركتها الثانية ظاهرة الفصول. ولكن أرسطو اعترض على ذلك اعتراضا عظيما فقال: لو أن الأرض تدور حول الشمس لتسبب عن ذلك تغيير ظاهري في مواقع النجوم؛ ولما كانت الأرصاد الفلكية لا تحقق هذه النتيجة، زعم أرسطو بأن الأرض ثابتة لا تتحرك، وأنها مركز الكون. وعلى هذا الأساس وضع علماء الفلك التفسيرات المختلفة لحركة الكواكب السيارة في السماء. ومع أن الأرصاد لم تؤيد تفسيراتهم المعقدة لم يجرؤ واحد منهم على الأنداد عن تعاليم أرسطو الفيلسوف العظيم دهراً طويلا؛ حتى كان منتصف القرن السادس عشر، وفيه نشر كتاب للعالم البولندي كبرنكس وفيه
стр. 523
يفسر المؤلف حركة الكواكب السيارة على أساس نظرية أرستاركس القديمة تفسيراً سهلا، تتحقق بواسطة الأرصاد. فيقول بأن الأرض وجميع الكواكب السيارة تدور حول الشمس. ولكن ما كاد ينشر الكتاب حتى قامت قيامة الكنيسة والجامعات على السواء، وأوصدوا أبوابهم من دون نظرية كبرنكس الجديدة، ووضعوا أصابعهم في آذانهم إذ لم يرق في نظرهم أن يكون مهد الإنسانية ومهبط روح الله عيسى ﵇ على مثل ما يدعيه كبرنكس في نظريته.
ثم كانت حرب طاحنة بين الحقيقة والوهم، كان النصر فيه حليف الحقيقة؛ لأن جاليليو كان قد أبى بالبراهين العملية على صحة نظرية كبرنكس؛ فرأى بمنظاره الجديد كيف أن الزهرة تتشكل بأشكال مثل أشكال القمر. وبرهن على أن ذلك لا يكون إلا نتيجة لدورانها حول الشمس. ثم جاءت البراهين تلو البراهين على صحة نظرية كبرنكس حتى ثبتت وأصبحت مما لا يقبل الشك. وتعتبر هذه الحقيقة الحجر الأساسي في علم الفلك الحديث، بل ربما كانت هي أهم الحقائق العلمية على وجه الإطلاق.
بعد ذلك تقدمت الأبحاث العلمية في هذا الاتجاه فوجد أن الشمس بدورها ليست الا واحدة من مجموعة شموس، أو نجوم مثلها يقدر عددها بمائة ألف مليون وهذه المجموعة تسمى المجموعة المجرية، وهي المحدودة في السماء بذلك السديم العظيم المعروف (بسكة التبانة) وهي تشبه في شكلها عجلة السيارة، وتدور حول محور عمودي على سطحها مار بالمركز، وان الشمس مع ذلك ليست هي مركز المجموعة، بل ولا قريبة منه، ولذلك تدور حول المركز بمعدل مائتي ميل في الثانية.
ولما تقدمت وسائل الرصد، خطت الأبحاث العلمية خطوة كبيرة أخرى في هذا الاتجاه، فوجد أن ملايين عديدة من المجموعات كالمجموعة المجرية، وهي المعروفة بالسدائم الخارجة عن المجرة. فالسديم (م ٣١) من المرآة المسلسلة مثلا يبلغ قطره ربع قطر المجموعة المجرية، ووزنه يعادل وزن خمسة آلاف مليون شمس؛ وانه كالمجموعة المجرية يدور في الفضاء حول محور عمودي على مستوى سطحه.
وتبدو هذه المجموعات في المنظار مختلفة الأشكال نظراً لتباين أوضاعها بالنسبة إلينا. أما الأبحاث العلمية الحديثة فنسبتها كلها إلى أصل واحد وإلى سلسلة واحدة من التطورات،
стр. 524
فالكروي التام منها مثل (٣٣٧٩ يصبح كرويا ناقصاً مثل السديم (٤٦٢١ ومع مضي الزمن يصبح كالعدسة المتعصرة من الجانبين مثل السديم (٤٥٩٤ ثم يصير كالقرص أو عجلة السيارة مثل السديم (٤٥٦٥ أو السديم المجري نفسه. وفي منتصف هذه السلسلة من التطورات يبدأ تكون النجوم.
ترى إذن كيف أن مركز الأرض في الكون ضئيل إلى أقصى حد؛ فهي أحد أفراد المجموعة الشمسية تدور حول الشمس (التي هي مركز المجموعة) مرة كل سنة. أما الشمس فهي واحدة من مجموعة عظيمة من نجوم أو شموس تعد بآلاف الملايين؛ وهي الأخرى تدور حول مركز المجموعة. ومثل هذه المجموعة مجموعات كثيرة تعد بالملايين متشابهة في تكونها ومنشئها وتطوراتها.
هذا هو مركز الأرض بالنسبة إلى الأجرام السماوية الأخرى فكيف لو نقيس عليه آمالنا ومطامعنا ومتاعبنا في هذه الحياة؟
стр. 525
الشاي
في عام ٥٤٣ بعد الميلاد، حضر من الهند إلى الصين ناسك متعبد، يذيع في الناس دينه ويدعو إلى الخير والسلام. وما وطئت رجلاه أرض الصين، حتى نذر أن يصوم عن النوم تسعة أعوام، يتأمل فيها فضائل ربه (بوذا) ويعدد مناقبه، ويسبح بآلائه وحمده، وظل على هذه الحال صاحياً ثلاثة أعوام، ثم غلبه النوم، فلما استيقظ استشاط غضباً من نفسه. ولما كان لكل زلة عقاب، قص أجفان عينيه، وألقى بهما إلى الأرض. ثم أخذ من جديد في التأمل والتعبد خمس سنين أخر، ثم بدأت رأسه تميل للنعاس، ولكن وقعت يده اذ ذاك على شجيرة قريبة، فأخذ يتلهى بمضغ أوراقها، فوجد فيها القوة على مغالبة النوم، ووجد فيها اليقظة المنشودة، فأتم تسعة الأعوام المنذورة في يقظة وتهجد. وكانت هذه الشجيرة تسمى بالصينية (شا).
بهذا تتحدث أساطير الصين. ومهما يكن من الأمر، فلا شك أن الشاي أول ما عرف في الصين، ثم انتقل منها إلى اليابان، وهناك زرعوه تعمداً، ثم انتقل غرباً إلى الهند، فأوربا. ولعل أكثر الأمم الأوربية شرباً للشاي، الأمة الإنجليزية، حتى ليظن ظان أنه نبات متوطن بها، وأن عادة شربه نشأت بداءة في تلك الجزيرة الغربية، ثم تفشت في الأمم مشرِّقة. وليس الأمر كذلك، فان الشاي كان شيئاً نادراً في إنجلترا في منتصف القرن السابع عشر، وكان ثمن الرطل منه نحو عشرة من الجنيهات. وكان شراباً جديداً يسقاه الخاصة في مقاهي مختارة. ولما بدأ يدخل المنازل كانوا يغلونه كما يغلون الخضر، ثم يصفونه، فأما الماء فيصبونه في البلاعة جهلا، وأما الورق فيبسطونه كالمربيات على الخبز المزبود فيأكلونه. وبالطبع صحح هذا الخطأ سريعاً تجار لهم في ذلك مصالح، وزاد المستهلك من الشاي في تلك البلاد عاما بعد عام، حتى أربى في السنوات الأخيرة على ٤٠٠ مليون رطل بمعدل نحو من ثمانية أرطال للفرد في العام.
والشاي أوراق شجيرات لا يكاد يزيد ارتفاعها على متر ونصف المتر، تظل خضراء طول العام، فلا تعرو في الخريف، تحمل وريقات صغيرة، يتراوح طولها بين خمس السنتيمترات والعشر، لها شكل كسنان الرمح، وحرف ذو أسنان. وتزرع تلك الشجيرات فلا يقطف منها شيء في العام الأول، فإذا حانت السنة الثانية تهيأت وريقاتها للقطاف، ويزداد المقطوف منها بتتابع الأعوام. ولما كانت تزرع لورقها، لا لخشبها أو ثمرها، كان
стр. 526
لا بد من تقليم أفرعها، كي لا تطول مُصعِدَة، وينتج عن هذا خروج أفرع جديدة من جوانب الأفرع المقلمة، أفرع تكتسي كلها بالورق فيكثر المحصول من الأوراق. وبعد قطف الأوراق تنشَّر على حصر لتجف وتذبل، ثم تدرج وتبرم باليد في ضغط على أسطح من الخشب، والقصد من ذلك تكسير الخلايا لتجود بزيتها العطري، فتطيب رائحته. ويعقب ذلك عملية الاختمار فتعرض الأوراق لدرجة حرارة تتراوح بين ٣٥، ٤٠ درجة مئوية، فتتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر، ثم يقتم لونها إقتماما، وذلك بسبب الخمائر التي فيها، فهي تؤكسد بعض حامض التنيك الذي بالورق، فتستحيل إلى مادة ذات لون قاتم تكسب الشاي لونه المألوف. وعملية الاختمار هذه من الأهمية بالمكان الأول، وعلى إجادتها تتوقف جودة الشاي.
أما الشاي ذو اللون الأخضر الذي يباع في الأسواق فيحضر بطريقة كطريقة الشاي الأسود الآنفة، غير انه يحمص قبل تخميره في أوعية تسخن بالغاز تسخيناً هيناً، وهذا التسخين يقتل بعض تلك الخماير التي كانت سبباً في أكسدة حامض التنيك، وفي إحداث اللون القاتم، فإذا تخمرت الأوراق بعد ذلك، قامت بالتخمير بقية الخمائر التي لم يقتلها التسخين، ولهذا يظل الشاي حافظاً لشيء من إخضراره الأول وانفتاح لونه.
والشاي يحتوي مواد كيميائية كثيرة، أهمها ثلاثة أصول: أولها الزيت الطيار، وهو الذي يكسب الشاي نكهة تصعد إلى أنف شاربه فتجد منها السبيل إلى قلبه ونفسه. ومقدار هذا الزيت بالغ في القلة، ولعله لو زاد لما طاب الشاي شرابا. وثانيهما حامض التنِّيك، ويسمى التنِّين كذلك؛ وهو مادة صلبة سحيقة بين البياض والسمرة تذوب في الماء. ويبلغ مقدار التنين في الشاي على العادة من ١٠ إلى ١٧ في المائة من وزن الأوراق. والتنين قابض شديد، تعرف أثره في لسانك إذا تذوَّقته. وسبب قبضه انه يرسِّب الزلال والمخاط اللذين باللسان والفم، وبأغشية الجسم الأخرى كالتي تتبطَّن بها القناة الهضمية من معدة وأمعاء. فتجف تلك الأغشية وتنقبض وتقل إفرازاتها. ولذلك كان التنين دواء للإسهال، ودواء للالتهابات التي تعتري القناة الهضمية. فانه فضلا عن تقليل الإفرازات، فإن الراسب الذي يحدثه عند التقائه بمخاط جدران الأمعاء الملتهبة، يقي هذه الجدران مس الطعام في سيره واحتكاكها بما فيه من بقايا خشنة مؤذية. ويستخدم التنين دواء للثة الدامية، وفي التهاب
стр. 527
الحلق فيتعاطى غرغرة. هذه كلها لا شك فضائل ولكن في المرض، أما في الصحة فهي مؤذيات يزيد أذاها بالإسراف من شرب الشاي. فمن ذا الذي يحب الإقلال من إفرازاته الطبيعية التي عليها مدار الهضم؟ ومن ذا الذي يحب أن يستعيض عن معدته الطرية الملساء بما فيها من مخاط بمعدة كجلد القرب؟ عرفت سيدة عجوزا يؤذيها الشاي خفيفا، ولكنها تستريح عليه إذا كان ثقيلا كلون الدم السكيب. وكانت تتتعاطاه في بدء كل طعام وفي آخره؛ وما ذاك الا أنها كانت قريحة المعدة لا تحتمل مس الطعام وإن لان. ولكن ليت شعري عمَّ يتساقاه فلاحونا عافاهم الله، فتلك بكارجهم لا تكاد تطفأ من تحتها النار، فيقذفون فيها بالماء فالشاي، فالماء فالشاي، حتى يصبح الشراب أقتم من طالعهم الأسود، أعن أمعدة قريحة يتساقونه فيجدوا فيه شفاء من ألم؟ أم لأنهم لم يجدوا في سوء الغذاء وقلته وفي الامراض الكثيرة المتوطنة بمصر كالبلهارسيا والانكلستوما أداة كافية لهد قواهم فاتخذوا من الشاي في العقد الاخير أداة جديدة تقتل في بطأ وطول؟
وثالث الأصول التي بالشاي وأهمها مادة قلوية تسمى بالكافيين، وإن شئت قلت القهوتين، وإن شئت قلت الشايين، وهذه كلها معناها الأصل الفعّال في الشاي أو في القهوة المتعارفة؛ فالأصلان واحد. وهذا الأصل أهم ما في هذين الشرابين من الأصول الطبية. أما أثره فيظهر في مراكز المخ العليا، فهو يزيد في يقظة العقل عامة، وفي المقدرة على الحكم في الأمور وعلى حسن الاستنتاج، وربط الفِكَر. وهو يذهب بالتعب عقليا كان أو جثمانياً. ولعل شرب الناس له في العصر بعد انقضاء أكثر عمل اليوم، كان لحكمة اهتدى إليها الشاربون بغريزتهم. وهو فوق ذلك يدرّ البول.
وللشاي في الأمم المدنية الحديثة أثر اجتماعي كبير، فقد اتخذت منه تلك الأمم وجبة خفيفة، خفيفة على المعدة وعلى الجيب على السواء، يجتمع عليها أهل الأعمال يتحدثون برهات قصيرة، وأهل المودة يتسامرون ساعات قليلة، ويلتقي عليها الأحباب في برء وعفة، يتجاذبون أطراف الأحاديث الحلوة، ببطون بالطعام خفيفة، وقلوب بالحب مفعمة ثقيلة.
стр. 528
القصَص
يوم عصيب في جبل المقطم
للأستاذ محمد الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات
بوزارة المعارف
كان ذلك في يوم جمعة في شهر فبراير سنة ١٩١٩، ولم أكن وقتها حديث عهد بجبل المقطم، أو قليل خبرة بوديانه وطرقاته، ولكنها حالة طارئة من النوع الذي يبتلى به رواد الصحراء. فتودي بهم أو تجعلهم يتخبطون فيها على غير هدى، إلى أن تنتشلهم العناية الألهية (كانت تجربة قاسية ولكن الله سلم)، ولا يظنن القارئ أن هذه التجاريب وأمثالها تصد رواد الجبال والصحراوات عن رحلاتهم، بل هي مما يزيد في خبرتهم وحماستهم ويجعلهم (معيدين) يقدمون غير هيابين أو وجلين.
خرجت من منزلي في هذا اليوم في الصباح الباكر، وبصحبتي أحد الأصدقاء نقصد زيارة الغابة المتحجرة الكبرى بجبل المقطم على أربع ساعات من القلعة بالسير الحثيث جهة الجنوب الشرقي وكان اليوم صحواً، والطقس معتدلا، والهواء ساكناً، وكنا على عزم أن نعود بعد الظهر بقليل، فلم نأخذ معنا ماء ولا طعاما سوى شطيرتين (سندوتش) لكل منا. وكانت ملابسي خفيفة وليس معي من مرافق الرحلات الجبلية سوى عصا قصيرة.
وصلنا المنشية في منتصف الساعة السابعة، ثم درنا حول القلعة من جهة (عرب اليسار) وبعد أن اجتزنا تكية سيدي المغاوري أخذنا نرتقي الجبل؛ وبعد نصف ساعة وصلنا هضبة المقطم السفلى، وبعد أن مررنا بقلعة الجبل ومقام سيدي
الجيوشي أخذنا طريقنا إلى هضبة المقطم العليا، ثم أخذنا نسير في نفس الطريق الذي يسلكه عادة الذي يقصدون (عيون موسى) وبعد ساعة مررنا بعيون موسى، ثم انحدرنا إلى وادي اللبلابة وهو واد متسع قليل الارتفاعات، فأخذنا طريقنا فيه متجهين نحو الجنوب وبعد ساعتين من عيون موسى وصلنا الغابة المتحجرة الكبرى بعد أن قطعنا نحو ١٨ كيلو متراً.
كانت الساعة وقتئذ العاشرة والنصف. وكنا على أحسن ما نكون نشاطاً وسروراً، وكانت الشمس ساطعة، والهواء دافئاً منعشاً، وبعد أن استرحنا قليلا تناولنا ما كان معنا من الطعام.
стр. 529
ثم انطلقنا نجوس خلال الغابة باحثين مستطلعين. فهذا جذع شجرة ملقى على الأرض تخاله من بعد أنه جذع شجرة حقيقي. فإذا تبينته عن قرب وجدته قطعة من الصخر الرملي. فالرمل قد حل مكان الخلايا النباتية بألوانها وأشكالها وتعرجاتها، وإذا طرقته بقطعة من الصخر أعطى صوتاً له رنين المعدن (وهذا فرع شجرة حل به ما حل بالجذع) وقد قضينا في الفرجة نحو الساعتين، وكان كل شيء حتى الآن على ما يرام، ولكن لم نكد نتهيأ للرجوع حوالي منتصف الساعة الواحدة. حتى شعرنا بأن ريحاً شمالية غربية باردة بدأت تهب في وجوهنا، ثم تلبد الأفق من جهة الغرب بسحب كثيفة، وزادت سرعة الريح. وبعد قليل انتشر في الجو ضباب كثيف وحوالي الساعة الواحدة سقط رذاذ خفيف وبدأت الشمس تحتجب وراء السحب.
فلما تغير الحال كما رأيت عولنا على العودة مسرعين، فاتجهنا نحو الشمال الغربي قاصدين السير في نفس الطريق الذي سلكناه في الصباح ونظراً لتلبد الجو بالضباب واختفاء الشمس. اعتمدنا في تعرف الجهات على هبوب الريح، فجعلنا نسير في الاتجاه المضاد لهبوبه. وبعد أن سرنا نحو ساعة بالسير الحثيث لحظت أن معالم الطريق بدأت تتغير. فلم أهتم لذلك ظناً مني أنه ربما انحرفنا قليلا جهة الشرق أو الغرب، ولكن بعد ساعة أخرى أدركت أني أسيره في طريق لم آلفه من قبل فساورني بعض القلق وأخذ صاحبي يسألني عن موضعنا بالنسبة للقلعة ومتى نصل وهكذا من الأسئلة المتنوعة، كنا قد وصلنا في هذا الوقت إلى واد صخري عميق ظننته لأول وهلة وادي عيون موسى. ولكن بعد أن نزلناه وسرنا فيه قليلا تأكدت انه غيره، وهنا أمطرتنا السماء مدراراً فتبللت ملابسنا وتوحل الطريق فأعاقنا عن السير، ثم برد الجو، فلم نر بداً من الالتجاء إلى مغارة قريبة لنستريح فيها قليلا، فلما خف المطر استأنفنا السير في نفس الاتجاه، وبعد ساعة أخرى أدركت تماماً أني أسير على غير هدى وأيقنت بعد أن تنكر الطريق أني قد ظللت، فتملكني ضيق شديد وساورتني المخاوف وأخذت أندب سوء المصير في هذه المفاوز حيث لا ماء ولا طعام ولا غطاء، ولكني وجدت من الحكمة ان أخفي حالي عن صاحبي، فكتمت كربي وتكلفت الاطمئنان تكلفا وكنت كلما سألني عن القلعة وعن سبب تأخرنا أجبته أنا لابد واصلان إن شاء الله، ولكن بالرغم من محاولتي إخفاء اضطرابي وتصنعي الهدوء لحظ
стр. 530
صاحبي في وجهي شدة الحيرة والقلق، فأخذ يشكو الجوع والبرد والتعب، وزاد الطين بلة أن ثارت في وجهنا في هذه اللحظة زوبعة رملية شديدة وهطل المطر كأنه أفواه القرب فعميت عيوننا وأصبحنا غرقى في لجة من الماء والوحل، وكنا عندئذ نسير على ظهر جبل عال لا يزيد عرضه على عشرين متراً، وعن شمالنا واد عميق جدرانه قائمة كالطور ولا يقل انخفاضه عنا عن مائة متر أو يزيد، وعن يميننا واد آخر كالأول الا أنه أكبر اتساعا وأقل انحداراً، وكان الظلام منتشراً في كل مكان، وريح باردة
عاتية تسفي في وجوهنا الرمل والتراب باستمرار، فتعذرت الرؤية واشتد بنا الكرب وتوقعت في كل خطوة أن نهوى في هوة عميقة أو نسقط على الأرض من الإعياء. طلب مني صاحبي ونحن في هذا الموقف الحرج أن نأوي إلى ملجأ يقينا البرد والمطر وشكا إلى ما حل به من التعب المضني. فطيبت خاطره وشجعته ثم أفصحت له عن حقيقة موقفنا بكلمات قليلة ورجوته أن يصبر، وقلت له أن الليل قد داهمنا وليس لنا من واق في هذه الجبال الا رحمة الله. وأن الوقوف عن الحركة يضر بنا فملابسنا مبللة وبطوننا خاوية والبرد قارص ولا فائدة من التذمر، ثم أردفت ذلك قائلا: ربما كنا أقرب إلى السلامة مما يبدو لنا الآن. فلما وقف صاحبي على ما نحن فيه اضطرب كثيراً ولكن لم يلبث لحسن الحظ أن سلم أمره لله وقال سر بنا وسأتبعك فالله سبحانه يتولانا بلطفه وهدايته. ثم قال: ولماذا لا نسير في عكس اتجاهنا خصوصا وإنا قد جربنا السير في اتجاه مضاد للريح ولم نصل إلى غاية. فقلت له ربما لحظت أني دائما أسير والريح في وجهي وذلك لأني أعلم أن هبوب الريح في مصر في هذا الشهر من السنة يكون عادة من الشمال الغربي أو الغرب، فالسير في هذا الاتجاه أسلم عاقبة ما دمنا لا نملك وسيلة أخرى من وسائل الاهتداء إلى الجهات الأصلية. ولا بد أن يؤدي بنا السير آجلا أو عاجلا إلى وادي النيل. فقال عسى! ثم سكت. وبعد أن قطعنا مرحلة أخرى رأيت من الحكمة أن التجئ إلى الوادي بسبب الظلام الدامس والبرد القارص فاخترت نقطة ظننت أنها ربما تكون أقل خطورة للهبوط إلى الوادي، وأشرت إلى صاحبي أن يتبعني وأن يكون حريصاً منتبها وأن يستجمع كل قواه حتى لا تزل قدمه فيهوى إلى الحضيض، فأومأ بالإيجاب، وفي أقل من نصف ساعة وصلنا بطن الوادي بسلام وبعد أن استرحنا قليلا أخذنا طريقنا متبعين تعاريج الوادي قائلاً
следующие страницы →