Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
أنه الاسم مطلوب - وهكذا يسمى صديقي ذلك الشخص (شافعي) دائما بدل اسمه الحقيقي، وذلك بعد جهد في التذكر بدون جدوى، وهو إذ يقول إن اسمه شافعي لا يقولها بصفة التأكيد أيضاً في كثير من الأحيان: وفي ذات مرة بعد لحظة قصيرة من التأملات أخذت الأفكار تتوالى على عقله ولم يكن يقصد أن يتذكر الاسم الذي ينساه دائماً وإذا به يصيح فجأة إن اسمه (شبلي)
نعم. هذا هو ما حدث لصديقي، وأراد أن يعرف لماذا نسى ذلك الاسم، ثم لماذا ذكر شافعي بدل شلبي مع شكه أيضاً في أن ذلك هو اسمه الحقيقي. ولما سألته أن يذكر لي كل ما يعرفه عن أي شخص آخر يسمى بنفس هذا الاسم (شلبي) أخبرني أنه كان يعرف شخصاً بهذا الاسم ولكن لم تكن بينهما صادقة ما. بل بالعكس فانهما كانا متنافرين - هذا يفسر لنا نسيان الاسم (شلبي) ولكنه لا يفسر لماذا يسميه شافعي في كثير من الأحيان فسألته ان يذكر لي شيئا عمن يعرفهم باسم شافعي هذا. وهنا صاح متعجبا انه يعرف شخصاً محترماً بهذا الاسم وأن هذا الشخص المحترم (شافعي) من حيث الخلقة والشكل العمومي يشبه (شلبي) ذلك الشخص المكروه الذي مضى على معرفته إياه وقطعه كل علاقة به زمن طويل - هذا هو إذن سر إبدال الاسم، وهو جواب ما كان يسأل عنه.
وقد ذكر فرويد أن رجلاً كان بينه وبين زوجته نفور، ولكنه لم يكن قد صارحها بأي شيء، وهي مع ذلك تحبه وتخلص له. وقد أهدته كتاباً شيقاً في نظرها ليقرأه. ولكنه وضعه في جهة معينة ولما أراد البحث عنه لقراءته لم يتمكن من تذكر المكان الذي وضعه فيه برغم كل الجهود التي بذلها في هذا السبيل. ثم حدث أن والدته مرضت مرضاً شديداً حمل زوجته على أن تعتني بها وتمرضها، وكان من نتيجة ذلك أن شعر الزوج بشكره لزوجته لعنايتها بوالدته، وتحول هذا الشكر إلى تقدير، ثم رجع الحب إلى سابق عهده. ثم لما رجع إلى بيته ذات يوم فتح درجاً من أدراج المكتب بدون أي فكرة عن إمكان العثور على الكتاب ولكنه لدهشته وجده فيه، برغم مضى أكثر من ستة أشهر على وجوده فيه، وبحثه عنه على جملة مرات في هذه المدة.
أليست عوامل المودة والنفور هي التي تؤثر في النسيان والتذكر وحدها؟ فإننا سبق أن تكلمنا عن فعل الضمير في هذا الشأن، وكيف أنه يكبت الرغبة فيردها إلى اللاشعور،
стр. 4657
ولست في حاجة إلى القول بأن الإنسان لا يذكر أو بمعنى آخر لا يشعر إلا بما يعرفه الجزء الشعوري من عقله. فكل فكرة تتمكن من الوصول إلى الشعور فهي شعورية، أي أن الإنسان يعرفها ويذكرها، وكل فكرة ترتد إلى اللاشعور أو تحفظ فيه فهي فكرة لاشعورية لا يعرفها الإنسان ولا يذكر الحوادث المتعلقة بها. على أنه من السهل التنقيب عما يوجد في ذلك المخزن - اللاشعور - إذا ترك الإنسان لحرية تفكيره العنان، فلا يعترض حرية التفكير هذه بنقد أو تجريح ولا يرمي أي فكرة تأتي إليه بأنها غير معقولة أو غير جائزة أو الخ. . . بل يترك نفسه للتفكير فلا تلبث الأفكار إذن أن تتوالى كما يقول المثل - الشيء بالشيء يذكر - لأننا سبق أن بينا أن الأفكار والرغبات مسجلة على قواعد الاصطحاب والقرينة، أي أن الأشياء المتشابهة أو المتضادة - والمتقاربة والمتباعدة مسجلة بالقرب من بعضها، وإذا ذكر أحدهما فلابد من تذكر الآخر. وإذا ذكر الإنسان صديقه فلا يلبث أن يذكر أشياء كثيرة معه كبيته أو المقهى الذي يجلسان به أو الكلام الذي حدث بينهما، وإذا تذكر هذا المقهى فقد يذكر مقهى آخر في أوربا أو أي بلد آخر، ويذكر معه الحوادث التي مرت به في هذا المقهى الآخر وهلم جراً.
فاذا كانت الفلتات تخدم التحليل النفسي لأنها توجه نظر المحلل إلى وجهات مهمة فتوحي إليه بالأسئلة الواجب إلقاؤها على المريض، وهذا يتطلب من المحلل ذهناً صافياً وفكراً سليماً، فان على المريض واجباً آخر يجب عليه أن يرعاه، وهو أن يلتزم الإخلاص في كل إجاباته على الأسئلة التي توجه اليه، ويجب أن يعلم أن مقدار إخلاصه هذا يعرفه الطبيب المحلل نفسه. وفوق ذلك فانه يجب أن يترك أفكاره حرة من كل قيد فيجيب بكل ما يخطر على باله بصرف النظر عن موافقة ذلك للمعقول والجائز أو مخالفته لهما.
ولا يفوتني أن أذكر هنا أن شاعرنا شوقي بك في روايته الخالدة (مجنون ليلى) قد ذكر فلتة على لسان ليلى العامرية، فقد ذكرت المسكينة اسم قيس مرتين دون أن تشعر، ولما نبهتها زميلة لها إلى ذلك قالت: وأي شيء في ذلك لو ذكرت قيساً ثلاثا. ثم قالت (يا قيس ناجي باسمكالقلب اللسان فعثر)
دكتور عبد الفتاح سلامة طبيب مستشفى برقاش
стр. 4658
٩ - أعيان القرن الرابع عشر
للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور
محمد أفندي أكمل
هو محمد أكمل بن عبد الغني بك فكري بن لطف الله بن حسين، الشاعر الأديب الظريف؛ ولد بالقاهرة ونشأ بها واعتنى والده بتعليمه وتهذيبه، ثم أدخله في الديوان الخديوي للتعليم كتلميذ، وكان كبار هذا الديوان مدة الخديو إسماعيل باشا، فجود الخط به وألمّ باللغة التركية، وكانت له حدبة بظهره شوهت خَلْقه، ورأى والده أن لا مطمع في استخدامه بمنصب لائق، لحدبته وقصر قامته، فاستحسن له طلب العلم بالأزهر، وكان يرجو أن يكون من كبار العلماء، فلازم الطلب به وقرأ النحو والعلوم العربية على الشيخ أحمد المنصوريّ، والشيخ محمد البجيرميّ، وكان أحدب مثله، وكثيراً ما كان يقعده بجواره في حلقة الدرس. ثم انقطع عن الطلب ولازم والده، وكان والده جماعة للكتب، مغالياً في اقتنائها شراء واستنساخاً، ينفق عليها جلّ ما يصل ليده، ويحي الليالي في مقابلة ما يستنسخه منها وتصحيحه وضبطه، فكان المترجم يعاونه في ذلك، واطلع بهذا السبب على كثير من الكتب العلمية والأدبية والدواوين الشعرية، وعاشر من كان يجتمع بوالده من العلماء والأدباء وتردد عليهم واستفاد منهم، وعرف مدة طلبه بالأزهر كثيراً من أدبائه وشعرائه المجيدين كالشيخ عبد الرحمن قرّاعة، والشيخ أحمد مفتاح وحفني بك ناصف وغيرهم، فاستفاد منهم أيضاً، ونظم الشعر والزجل وأدوار الغناء، واشتهر بحسن المحاضرة وملاحة التندير وسرعة الجواب وخفة الروح، وكان كثيراً ما يجعل محور تنديره دائراً على حدبته، فيأتي بما يضحك الثكلى، بل كان لا يأنف من ذكرها في شعره، كقوله من زجل في الوباء الذي حلّ بمصر أوائل سنة ١٣٢٠ وما فعله الأطباء من الهجوم على الدور وترويع ربات الخدور:
شاعرْ وناثرْ زّجالْ عالْ … فنّ الأدبْ فيدُه لِعْبَهْ
لطيفْ زكيِ وفَهْمُهْ سَيَّالْ … وِرِقّتُهْ منَ اللهْ وَهْبَهْ
مخْلِصْ لاْخواُنه ومَيَّالْ … نَادْرِةْ زَمَاُنهْ ولُه حَدَبَهْ
ما فِيهْش عيْب ظاهرْ معروفْ … قَصِيرْ ولكنِ فِيهْ أقْصَرْ
стр. 4659
واللى يعيش يَاما بِيْشُوْف … واللى بِيمْشى بِشُوف أكتَرْ
ومن ولوعه بحدبته شرع في جمع كتاب في نوادر الحدبان وما قيل فيهم من الأشعار، وتراجم مشهوريهم، أخبرني أنه جمع منه جزءاً إلا أنه لم يتمه
ونقل والده مدة محمد توفيق باشا الخديو من الديوان إلى المحاكم الأهلية قاضياً، وتوفي يوم الثلاثاء ٢٩ المحرم سنة ١٣٠٧ وخلف له ولاخوته ضيعة بالصعيد أصاب المترجم منها ستون (فداناً) باعها وبدد ثمنها بالإسراف حتى احتاج للاستخدام بديوان الأوقاف بمرتب قليل دون الكفاف، وعاش في ضيق ومضض بعد ما تعوده من السعة والرفاهية، وأخذ يتقرب للخديو بنظم التواريخ في كل عيد واحتفال وحل وترحال وينشرها في صحف الأخبار رجاء أن تبلغه فيأخذ بيده فلم يستفد شيئاً وراح تغزّ له في الريح، وكان قصر شعره في أواخر عمره على هذه التواريخ فنظم منها الغث والسمين. وكنا إذا قرب عيد أو سفر أو قدوم للخديو لا ننتفع به لاشتغاله بالنظم والحساب وإعمال الروية فيصير هذا ديدنه في غدوه ورواحه وقيامه وقعوده حتى يمن الله عليه بشيء يرتضيه
وترك له والده غير الضيعة داراً بسوق الزلط بيعت أيضاً، وترك خزانة كتب كبيرة قل أن تضارعها خزانة في نفائس الكتب ونوادر الأسفار، وهي التي أفنى عمره وماله في جمعها، وأتعب نفسه في تصحيحها وضبطها، وصبغ الورق وصقله لنسخ ما كان يستنسخه منها، فوق ما كان يتكلفه من السعي في البحث عنها في الخزائن المهجورة وعند الورّاقين، واتخذ له في داره مصنعاً للتجليد، واستخدم عدة نساخ أجرى عليهم المرتبات فاختصوا بالنسخ له لا يشتغلون لسواه، وكان هو وعبد الحميد بك نافع من أدباء القرن الثالث عشر يتباريان في ذلك ويتسابقان. أخبرني المترجم عن والده أنه بلغه أن تاجراً من الورّاقين قدم من سفر بكتب أوصاه عبد الحميد بك نافع بجلبها له وبينها ديوان البحتري وكان اذ ذاك لم يطبع بل لا يعرف في مصر إلا باسمه، فأسرع إليه وبذل له مالاً فوق قيمة الديوان على أن يعيره له يوماً وليلة فقط يطالع فيه، فرضى وأعاره إياه، فلما أتى به لداره أعطاه لمجلده ففك له تجليده وأحضر في الحال عدة نساخ فرقه عليهم كراريس فنسخوه وقابلوه، ولم يمض اليوم والليلة إلا وقد ردت النسخة الأصلية لصاحبها مجلدة كما كانت، ثم قابله بعد ذلك عبد الحميد بك وأخذ يفاخره بوجود الديوان عنده واختصاصه به، فقال له خفّض عليك يا أخي
стр. 4660
هذا شيء أكلنا عليه وشربنا حتى مججناه، ثم أخرج له نسخة الديوان من الخزانة. وبلغه مرة وهو يسمر مع بعض أصحابه أن بعضهم رأى عند فلان الوراق رسالة من الرسائل، وكان هو يتطلبها من زمن وينشدها فلا يجدها، فلم يسعه إلا أن قام في الحال وأخذ يسأل عن دار الوراق من هنا وهناك حتى اهتدى إليها بعد ما مضى هزيع من الليل، فأيقظه من نومه وساومه في الرسالة بقيمة فوق قيمتها ولم يمهله للصباح بل أنزله من الدار وذهب معه إلى حانوته ففتحه ليلاً وأخرجها له ولم يهدأ له بال حتى باتت الرسالة عنده. فلما مات عرّض المترجم كتبه للبيع فبيعت وتفرقت واقتنى نفائسها ونواردها الكونت لندبرج قنصل السويد بمصر، وكان من مستعربي الأفرنج المولعين بجمع الكتب العربية، وأدركت أنا أوارخها فاقتنت منها بضعة عشر كتاباً، منها ما هو بخط عبد الغني بك نفسه، وبحواشيها آثار التصحيح واختلاف النسخ التي كان يقابلها بها
وكان أول التقائي بالمترجم في دار أبن أختي محمود توفيق بك، وهي إذ ذاك مجمع الأدباء ومحط رجال الفضلاء، فلما رأيته استغربت شكله واستملحت محاضرته، ثم رأيته يناقش الأدباء ويطارحهم الشعر، فدنوت منه وكنت صغيراً في أول الطلب، وقد تعذر علي فهم باب أفعل التفضيل، وأجهدت نفسي في درسين متوالين على تفهمه، فلم يفتح علي بشيء فيه، فسألته عنه فأوضحه لي بعبارة سهلت علي فهمه، فكان بعد ذلك كثيراً ما يقول لي ممازحاً: إذا ذكرت شيوخك فاذكرني معهم ولا تنسني. ثم تأهل ببنت حنفي بك، وكان لأسرتها نوع اتصال بنا، فاتصلت المودة بيني وبينه بهذا السبب، وازدادت ملازمته لي لما سكن بجوارنا، فكان يزورني عصر كل يوم ويبقى حتى نسمر معاً ثم ينصرف، فتارة كنا نحي الليالي بمسامرات أدبية ومذاكرات علمية، أو بمطالعة بعض الكتب، وتارة بمقابلة ما كنت أستنسخه وتصحيحه، وكان لا يمل من المقابلة مهما يطل الوقت فيها، ويقول هذا شيء دربني عليه والدي وعودني إياه من الصغر. وأشار عليّ مرة أستاذنا العلامة محمد محمود الشنقيطي أن أطالع أمالي أبى عليّ القاليّ مطالعة إمعان وتدبر، ولم تكن طبعت بعد، فاستنسخت منها كراريس عكفت على مطالعتها، وأخبرت المترجم أنني سأحتجب عن الناس بضعة أيام حتى أستوفي ما يهذه الكراريس، فغاب عني ثلاثة أيام ثم حضر ومعه زجل، ينحي فيه على الأستاذ وعلى أبي على القالى اللذين تسببا في انقطاعي عن الإخوان
стр. 4661
ويذكر فيه بعض من كان يجتمع بنا
وقد أطلعته على رسالة عندي جمعها الشيخ احمد الفحماوي صاحب الخط الحسن، المشهور بكتابة لزوم ما يلزم للمعري وسماها (بنات أفكار وعرائس أبكار في ألقاب أهل العصر) ذكر بها كنى وألقاباً وضعها لفضلاء أواخر القرن الثالث عشر عبد الحميد بك نافع، وإبراهيم افندي طاهر الشاعر الرقيق المشهور على سبيل المزاح والدعابة، فقلبا كل واحد بلقب شاعر متقدم، أو رجل مشهور يوافق اسمه هيئة الملقب به، أو شيئاً يغلب على أخلاقه وأحواله، كتلقيبهما مصطفى أفندي المنعوت بكامل بالعكوَّك، لأنه كان قصيراً جداً معوَّج القدمين، وتلقيهما الشيخ محمد الرافعي الكبير شيخ رواق الشاميين بالأزهر وأحد كبار علمائه بملاّ مسكين، لأنه كان نحيفاً وبقوامه بعض احديداب يرى كأنه تواضع وانكسار، وتلقيبهما عبد الغني بك أبا المترجم بالأخطل، لأنه كان ضخم الجسم كبير الهامة. فلما اطلع المترجم عليها جن بها جنوناً وشرع في وضع رسالة تماثلها في فضلاء عصره، وسألني مشاركته فيها كما فعل ذانك الأديبان فامتنعت خشية اللوم، فانفرد هو بتأليفها وأتى فيها بغرائب ذهب أغلبها عن الذهن لطول العهد، فمن ذلك تلقيبه للعالم الفاضل على رفاعة باشا أبن رفاعة بك المشهور، بابن المقفع لنحافته ودخول شدقيه، وتلقيبه للعالم الفاضل يحي أفندي الأفغاني، بالقدوري لغرابة شكله وقصر ساقيه تشبهاً له بالقدر من الفخار، والقدوري اسم عالم من الحنفية مشهور. وكان الشيخ محمد الحفني المهدي أبن أخي مفتي مصر الشيخ العباسي المهدي ولعاً بذم الناس منقباً عن معايبهم، لهجاً بها في المجالس، لم يسلم منه أحد حتى عمه، واشتهر بذلك حتى أبغضه عارفوه وتحاموا عن الاجتماع به، فلقبه بابن هِرمهْ، وهي كلمة سب عند العامة، فقلت له هذا لا يستقيم لك لأن ابن هرمة الشاعر بفتح أوله فتأنف وقال لا أجد له لقباً ينطبق عليه غير هذا فدعني من شنقيطيتك. ثم لما فرغ منها سألته عما لقب به نفسه، ففكر وقال أحسن لقب ينزل علىَّ ابن قتيبة، ثم تركه وتلقب بالمقوقس. وضاعت هذه الرسالة فيما ضاع من أوراقه وأشعاره، ويغلب على الظن أنه مزقها لأنه وقع له بسببها نفور بينه وبين بعض من لقبهم، فانه لما لقب صاحبنا وصاحبه الشيخ احمد مفتاح لسلامة طويته، بالأبله البغدادي، غضب منه وكاد يتفاقم الشر بينهم، وغضب منه صاحب آخر كان قصيراً ممتلئاً يتدحدح في مشيته كما يتدحدح البط لأنه لقبه
стр. 4662
بابن بطوطة، فأخفى الرسالة لهذا السبب وطوى ذكرها.
وكان ﵀ في الزجل، متقناً لصياغة الأدوار التي يتغنى بها، وأكثر ما كان متداولاً منها بين المغنين في عصره كان من نظمه، وأما شعره فالإجادة فيه قليلة إلا ما ضمنه النكت والتنديرات العامية، فمن أحسن ما وقفت عليه منه قوله من مرثية في صاحبه علي رفاعة باشا
جزعت وللحرّ أن يجزعا … وودَّعت صبري إذ ودَّعا
وجادت عيوني على بخلها … وحُق لها اليوم أن تدمعا
وروَّع قلبي النوى بعد ما … أمنت ومثلي كم رُوّعا
لحا الله يوماً أشاعوا به … وقالوا أمير العلا شيعا
فما كان أصعب تأبينه … وما كان أسوأه موقعا
وما كان حق البكاء ولكن … فزعت ولا بدع أن أفزعا
تجرعت من هوله كل صاب … وغيري من الناس كم جرعا
وما دار في خلدي أنني … أرى البدر يرضى الثرى مضجعا
ولكن شأن الزمان عجيب … فما كان أضيع عهداً رعى
يقول النعيّ عليّ قضى … ولم يدر أن العلا قد نعى
نعى سيداً صيته طائر … حوى الفضل في شخصه أجمعا
فدكت رواسي الدنى بعده … وماد الزمان بما أودعا
وغابت شموس المعارف لما … ذوى غصنه بعد ما أينعا
فقل للخطابة ذوبي أسى … ولا تطلبي بعده مصقعاً
وقل للكتابة لا تحفلي … بمن يتبّجح في المدعى
وقل للعلوم فقدت أميراً … مضى تاركاً فضله مشرعاً
وقال مورّيا باسم الطبيب سعد بك سامح:
يا سعد مالك معرضاً … عنيّ وقلبي فيك طامحْ
إني أتيتك قائلاً … أنا تائب يا سعد سامح
وقال مورّيا باسم محمد ثابت:
стр. 4663
ان كنت في ريب بصدق محبتي … وسمعت عني ما تقوَّل شامت
فاعلم فديتك دائماً إني على … عهد المحّبة يا محمد ثابتُ
ولما مرضت شقيقتي السيدة عائشة التيمورية وأحست بدنو الأجل نظمت في مرضها أبياتاً لتكتب على قبرها وتركت مصراع التاريخ لمن ينظمه بعدها وهي:
قد كنت عائشة فنوديت ارجعي … للقبر مأوى كل حيّ فان
فأتيت صفر الكف عن مرضاته … ومقرة بالعجز والعصيان
جرّدت من ثوب الهدى لكنّ لي … تاجاً من الإسلام والإيمان
ونزلته مستشفعاً بمحمد … وتوّسلي عفواً من الرحمن
أصبحت ممن زار لحديَ راجياً … خير الدعا وتلاوة القرآن
لكم البقا إخوان ديني أرّخوا
فنظم المترجم التاريخ بقوله: (قبر لعائشة سما بجنان)
٣٠٢ ٨١١ ١٠١ ١٠٦
١٣٢٠
وله غير ذلك مما ذهب عن الذهن الآن، ولكثرة ممارسته للتواريخ الشعرية كان يأتي فيها أحياناً بغرائب في ابراز المقصود بدون حشو كقوله في تاريخ ولادة ولده عبد الغني: (عبد الغني ابن أكمل).
وكانت وفاته فجأة قبل ظهر يوم الثلاثاء ٢٢ ذي القعدة سنة ١٣٢١ ودفن بمقابر باب النصر رحمه الله تعالى.
стр. 4664
من طرائف الشعر
تعالي
لشاعر الشباب السوري أنور العطار
تَعَالَيْ نَسْأَلِ الذِّكْرَى … عَنِ الحُبَّ وَمَاضِيهِ
وَعَنْ سِحْرِ لَياليهِ … وَعَنْ حُلْوِ أَمَانيهِ
حَكايَا مَا تَني تَنْ … هَلُ مِنْ ضِحْكٍ وَتمْويهِ
قَصَصْنَاهَا عَلَى قَلْ … بيْنِ مَغْمُورَيْنِ بالتِّيهِ
وَهَذَا اللَّيْلُ كَمْ أَصْغى … وَكَمْ أَصْغَتْ دَرَاريهِ
لَقَدْ قَرَّبَنَا الْحُبُّ … وَضَمَّتْنَا أَوَاخيهِ
وَلَمْ تَنْوِ القِلَى أَهْليِ … فَلِمْ أَهْلُكِ تَنْويهِ
حَيَاتي مِنْكِ في نَوْحٍ … وَتَعْذِيبٍ وَتأْوِيهِ
فَهَلْ أَظْفَرُ في الهَجْرِ … بطَيْفٍ مِنْكَ أُصْبِيهِ
أُفَدِّيهِ بأَحْلَامِي=فَيُسْليني وَأُسْليهِ
وَأُغْرِيهِ بِأَشْعَارِي … فَيَبْكيِني وَأَبْكيهِ
وَكَمْ قَاسَمَني اللَّيْلُ … أَنيناً بِتُّ أُخْفِيهِ
شَجَانِي مِنْهُ مَا أّشْجى … وَأَضْنَانيَ مُضْنيهِ
أَسًى للْقَلْبِ مَا يَن … ْشُدُ إِلاَّ مَا يُعَنَّيهِ
وَمَا يَبْرَحُ طُولَ الدَّ … هْرِ طِفْلاً في تَمِّنيهِ
يُعِدُّ الفَرْحَةَ الكُبْرَى … لِحُبٍ كامِنٍ فِيهِ
إِذَا سَاوَرَني الْوَجْدُ … وَأَطْيَافُ لَيَاليهِ
وَأَضْنى قَلْبيَ الْهَمُّ … وَأَحْزَانُ عَوَادِيهِ
لَمًسْتُ الْبُرَْء في اللَّيْلِ … وَفي صَمْتِ دَياَجيهِ
كلَانَا موُحَشٌ رُوخاً … سَقِيمٌ غَابَ آسِيهِ
إِذَا ضَاعَ لَكَ الحُلْمُ … الذي عِشْتَ تُرَجَّيهِ
فما تَطْمَعُ في الْعَيشِ … وَلَا يُغْريِكَ حَاليهِ
стр. 4665
لَقَدْ لَقَّنِتني الحُبَّ … وَمَعْسُولَ أَغَانِيهِ
وَأَوْحَيْتِ ليَ الشَّعْرَ … وَمَنْ غَيْرُكِ يُوحِيهِ؟
وَنَجْوَى لحْنِهِ البَاكِي … وَأَنَّاتِ قَوَافيهِ
قَطَعْنَا الْعُمْرَ في الُحْبَِ … وَفِي غَمْرَةِ وَادِيهِ
فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنْهُ … سِوَى طَيْفٍ نُنَاجِيهِ
دمشق
أنور العطار
стр. 4666
ليلة الزورق
لعبد العزيز أفندي عتيق
حينما ذَهَّب الأصيلُ مياه الني … ل، واختال في الرياض جميلا
أبصرتني أطوف حول حِماها … سادرَ الخطوِ، حائراً، مخبولا
هتفتْ بي: إليّ يا صاح أقبلْ … أنا مَن قد بحثت عنها طويلا
ذاك وكرُ الهوى، ألستَ تراه … مثلما كان شاعرياً ظليلا؟
ذاك روضي، فقرَّ عيناً ونفساً=يا حبيبي، واجلسْ إليَّ قليلا
واسقني بالجمال والسحر شعراً … شفقياً يُميت مني الغليلا
كيف جانيتَ روضكَ الفينانا … أتسلّيتَ؟ أم نسيت المكانا؟
كلما طفتُ بالمكان أثارتْ=وقفاتُ الوداع مّني الحنانا
وأرى القلب في غيابك أمسى … يا حبيبي موزّعاً حيرانا
أيها الغائب الذي خالط القل … ب هواه، تعال نحي هوانا
خُذْ ذراعي إلى ذراعك واصعدْ … ربوةَ الأمس، واسقني الألحانا
رُبَّ ليلٍ سهرتُه أتقّلى … فيه وحدي، وأشتكي الحرمانا!
ها هو النايُ حالماً بالأغاني … فأعِدْها سحرّيةَ الأنغام
ها هو الناي يا حبيب فؤادي … غنّ للحِب، للنفوس الظوامي
فاذا ما شُغلتُ عنكَ بنفسي … وبما هاج من هوى وضرام
فدعِ النايَ جانباً، وأدِرهْا … قُبُلاتٍ من ثغركَ البسّام
ودع الربوةَ السحيقة تخفي … أثرينا عن أعين الأقوام
ولنعش ها هنا كما نتمنى … للأغاني، للحب، للالهام
وانظر الشمس! هل شجتك اختلاجاً … وهي تخطو إلى الفناء السريع؟
كم أضاءت وجددت من الحياة … وتجلت في كل أفق وسيع
ثم همَّتْ فليس في الكون إلا … نائحٌ في مواكب التشيع
يا حبيبي خلِّ الوقارَ وهيا … نوقظ اللهو بعد طول هجوع
بالأغاني، وبالحديث، وبالشع … ر، وبالسحر، والهوى والدموع
стр. 4667
فغداً تذهب الحياة بشمسْي … نا وتمضي بنا لغير رجوع!
وانظر البدر في الفضاء سَبوحاً … يغمر الكونَ وجهُه بالنور
أطَلق السحرَ في السماء وفي الأر … ض، فبتنا في عالم مسحور!
لا نرى فيه غير ليلٍ وضئٍ … يبعث الشوق والهوى في الصدور
يا حبيبي خذني إليك وأنعِشْ … شفتينا بثغركَ المخمور. .
قرَّب البدر بيننا ورعانا … فتمَّتعْ بساعة من سرور
ما غناء الساعات، تمضي خُواء … من لقاء، أو رحلة، أو سمير؟
وارقب الزورق المقدسَ يبدو … من بعيدٍ كالطائفِ الجّوالِ
كم عبرنا به الخَضمَّ وقد أغ … فى وجُلْنا به كل مجال
نوقظُ الموجةَ الصغيرة بالهم … سِ، فتبدِي تثاؤب الأطفال
وأغاني المجداف تُضِفي على اليمِّ (م) … رداءً من رهبةٍ وجلال
يا حبيبي حان الوداع فهيا … جئتَ نقضي حقَّ الليالي الخوالي
كم حبتنا بصفوها ورعتنا … نضّر الله وجهَها من ليال
ورسا الزورق المقدسُ للشطْ … طِ فيا للصفاءِ يخطو الينا
ودعانا الملاّحُ بالنغم العذْ … ب، فأروى بصوته مهجتينا
أيهذا الملاحُ أيَّةَ ذكرى … فوق هذا الخضمِ هجتَ لدينا؟
قرّب الزورقَ المقدس كالأم … سِ، وهيئ لنا به مجلسْينا
وامض في اليمّ حيث تسعد بالصف … و، ونُحيي في ظلّه أملينا
طال شوقي إلى المطاف بدنيا … كم شجتنا وأطلقتْ خاطرينا!
قلتُ والبدرُ، والدراري … حالماتٌ، والكون وسنان صاح
يا رجاَء القلبِ الجريح - ومازا … ل - أمَا آن أن تداوي جراحي؟
بي ظِماءٌ إلى حديثكِ عذباً … واشتياقٌ لوجهكِ الوضاح
قد سَهوْنا عن الحياة وبتنا … في محيطٍ من الطلاقة ضاح
فابعثي النور في جوانب نفسي … وارحميني من وحشة الأرواح
شدّ ما ضقتُ بانفرادي وسُهدي … واغترابي، في غُدوتي ورواحي!
стр. 4668
أنا لولاكِ لم أعشْ في حياةٍ … ثقلَتْ محملاً وساءت مَقرّا
ليس تصفو لنا، وهيهات تصفو … للذي ازداد بالحقائق خِبْرا
أنتِ جَمَّلِتها لعيني ونفسي … وفؤادي، فلست ألوكِ شكرا
فتعالَيْ نعِشْ هنا في حمى اليمّ (م) … وننسى ما ساءنا، أو سرّا
نتناغى كالطير في كنَف الدو … ح ونطوي الساعات أنساً وبشرا
ذاك لبُّ الحياة، بل ذاك أندى … ما حوته الحياة برّا وبحرا
وصحا الشوقُ عارماً فإذا هِي … في جنونٍ ورعشةٍ قبلتني
ثم ألقتْ برأسها فوق صدري … كالذي نام من مَلاٍل وأيْنِ
وسرى الريح ليناً فاطمأنت … واستراحتْ في جانبي المطمئن
وشجاها الهوِى فألقت بأذني: … يا حبيبي طاب المكان فغَنِ
غنّ لى غنوةَالربيع على اليمّ (م) =ورَوِّ الفؤاد من كل لحنِ
فاختضنتُ العود الحبيب إلى النف … س، وأيقظته ورحت أُغني:
حينما يشرق الربيعْ … في سماء الحدائق
ونرى حسنَه البديع … في وجوه الشقائق
سوف ألقاكِ ها هنا … فوق ذا الزورق السبوحْ
حيث تصفو لنا المنى … ويَقرُّ الهوى الجموحْ
يا مُحياً عبدْته … مثلما يُعبدُ الآلهْ
وجمالاً عشِقتُه … عِشق من لا يَرى سواه
كم تمنيت لو نكونْ … في حمى اليمّ مفردْين
في وقاءٍ عن العيونْ … حيث نحيا كطائرين!
قدَّر الله يا حبيبْ … للغريبين بالتلاقْ
فمتى تسعدُ القلوب … بلقاءٍ بلا افتراق؟!
ورسا الزورق المقدس للشطْ … طِ، فصاح الملاح: هيا، فقمنا
ومشينا على بساط من العُش … ب نديٍ، يهتز في حيث سرْنا
ووقفنا في كل مجلس حُبٍ … وادَّكرْنا من سحره ما ادكرنا
стр. 4669
ثم ودَّعتها وعدْتُ وأحلا_مي إلى عالمي الشقيِّ مُعنّى
ثم ودَّعتها وعدْتُ وأحلا … مي إلى عالمي الشقيّ مُعّنى
أسأل القلب: كيف يا قلب مرَّت … ليلةُ الزورق الحبيب، وأينا؟
وأراني مُردّداً في حنين: … ليت أنا نعيدها! ليت أنا!!
ميت غمر
عبد العزيز عتيق
стр. 4670
بمناسبة ذكرى وفاة الإمام
وقفة على دار الإمام محمد عبده بعين شمس
للشاعر الحاج محمد الهراوي
أظلاماً وأنت في عين شمس … وعبوساً من بعد صفو وأنس؟
كيف أصبحتِ يا مثابة غاد؟ … كيف أمسيتِ يا منارة ممسي؟
كنت والعهد منك غير بعيد … بيت مَلك بغير تاج وكرسي
كنتِ للفضل والمكارم والنب … ل جميعاً، للناس من كل جنس
كنت للعلم، والمعلم، والطا … لب، مجلي نهي، ومعهد درس
عطلت هذه الدروس وكانت … ملء أهل الزمان في كل حس
وانطوت ثم لا يزال صداها … بين صدر يرن فيه وطرس
فانظر الدار وهي قفر خلاء … بعد أهل، فهل ترى من محس؟
واسأل الرسم إن أصبت جواباً … في كلام أو في إشارة خرس
هيه يا دار بعد أنس أجيبي … كيف أوحشت بين يوم وأمس؟
لا تراكِ العيون من دمعها المس … بل حزناً، إلا بنظرة خلس
نظرات تعيد ذكرى إمام … كاد ينسى، وصنعه غير منسي
حسدت مجدك الليالي فمالت … بعد لين عليك ميلة بأس
أقفرت هذه الربوع وأقوت … واستحالت إلى معالم درس
لا يكاد البناء يقوى على الأر … ض ولا يثبت الجدار بلمس
ما بناك الذي بناك ليزهى … بالذي شاد من قباب وأس
هو لو شاء شاد عرشاً وفرشاً … من لجين ومن حرير الدمقس
إنما آثر التواضع حكماً … للذي فيه من تواضع نفس
ليس يعني بزخرف العيش حُرٌّ … قطع العيش بين نفي وحبس
فأقام البناء من لبنات … خشنات أطرافها غير مُلس
لا يبالي وكل شيء سيبلى … أن يطوف البلى عليه بطمس
أنكر النفس ثم باع هواها … في سبيل الأوطان بيعة بخس
стр. 4671
ومضى يحمل الكريهة فرداً … مستعيناً بكل بأس وبؤس
مستعيناً بالله والحزم والعز … م ووحي الحجى وتدبير رأس
نفس حر تجملت بخلال … يتجافين عن صغار ورجس
خصه الله بالمواهب والرأ … ي بعيد المرام صلب المجس
رجل كان حين يقطع أمرا … يتقاضاه من مخالب يأس
ليس يثنيه عن أياديه قوم … يصبغون الجميل صبغة ورس
فلقد عاش (عبده) في زمان … جل من فيه أهل كيد ودسّ
حسدوا فيه نعمة الله فيهم=ورموه بكل منكر حدس
فاذا مات أيقنوا أي ركن … هدمته يد الضلال بفأس
قل لشعب حظ النوابغ منه … حظ سقراط حين أودي بكأس
تقتلون النبوغ حياً وتمضو … ن بُكيا عليه في بطن رمس
أيها الناس، ههنا قام بيت … فوق آثار خفرع وكيوبس
لم يكن من صروح هامان فرعو … ن ولا كان من حصون الفرس
فاذا ذل فالذي قد بناه … ليس من طينة الذليل الأخس
آه لو كان شكسبير بناه … أو بناه أخوه (هيجو) الفرنسي
لرأى الناس أي دار تجلت … واستحالت إلى حظيرة قدس
أثر النابغين في كل شعب … هو ميراث كل جيل وحرس
أيها الناس ههنا سر مجد … قبست منه نورها عين شمس
وهنا ههنا أشعة ذكرى … تستضيء العقول منها بقبس
فأقيموا البناء من قبل أن يأ … تي يوم يحول من متاع للبس
واجمعوا فيه ما تشتت منه … بيد الدهر من متاع ولبس
واجعلوه للعلم داراً وللد … ين مناراً، أو مرجعاً للتأسي
ينبري للوفود منه خطيب … صامت القول من بلاغة قُس
يوعظ العقل للحياة ويمضي=يفتح العين من عماء ونعس
ذاك من جانب الوفاء إلى الشع … ب نداء لصاحب غير نكس
стр. 4672
محمد الهداوي
стр. 4673
بمناسبة ذكرى حافظ
شاعر النيل
بقلم الأديب أحمد عثمان عبد المجيد
لولا أن الخطب في شاعر النيل هو خطب الشرق الذي كان الفقيد لساناً من ألسنته، وعموداً من عمد نهضته، وبطلاً من أبطال المحاماة عن حريمه، والذود عن حقيقته، وقائداً من قواده البسلاء الميامين، وداعية فيه إلى الإخلاص في الجهاد، والإحسان في البلاء، ليظفر بحقه في الحياة والسلطان. لولا أن الفقيد كان ذلك الرجل ما جل الخطب فيه وما فدح وما كان لمثلي أن يجاوز طوره، ويصطنع ما لا يطيق، ويدفع نفسه دفعاً في مزدحم الكرام الكاتبين عن حافظ شاعر النيل فيعرضها لشيء كثير من العنت والمشقة.
ومن أعجب العجب أن يريغ هذا القلم اللدن تلك السبيل برغم ما يتعاور حامله من تبلد القريحة، وركود الذهن، وأن يأسره ذكرى شاعر النيل وحده فيتحدث عنه يوم مضى على وفاته الأربعون، ثم العام، وها هو ذا يتحدث عنه وقد تصرم العام الثاني على وفاته أمس.
وأعتقد أن حافظاً ما ملك من نفسي إلا بما غلب عليه من إيثار الوطن وفدائه، وغلب على شعره من الحماسة الوطنية والنزوع إلى الحرية، والولوع بالاستقلال والسيادة. ولعل أقل ما نجزي به حافظاً ﵀ أن نكثر الحديث عنه، وأن نقدمه إلى شعرائنا الذين آثروا أدب الصبابة واللذة، وجنحوا بالأدب عن أن يكون وسيلة من وسائل إلهاب الشعوب المستضعفة وإنهاضها للمطالبة بالحقوق والدفاع عن الذمار، وظنوا أن تزويق الحديث وتليين المعارض والمقاطع ووصف الغانيات، وأسباب الترف من الأوليات التي يجب أن يعنى بها الأديب، وأن يخلص لها الأدب.
لمثل هؤلاء يجب أن نقدم حافظاً مثلاً للأديب الذي عرف غاية الأدب السامية فجعل نتاجه الجم وقفاً عليها، وجهاداً في سبيلها، ولم يحاول أن يسلك بالأدب مسلك أكثر أدبائنا الذين جحدوا حق الوطن عليهم، وتأثروا طريقة الأدب العربي في فنونه التي خلت إلا قليلاً جداً من الشعر الوطني الذي يحدث عن آمال الشعوب ورغائبها.
لذلك لم يأل جهداً في تسجيل ما للشرق من مفاخر، عز بها حقبة من الزمن، وما ينبعث لتحقيقه في إيمان ثابت، وجهاد صادق من مآرب وغايات. ضارباً له الأمثال ليشد أزره،
стр. 4674
ويصحح عزيمته، ويثير حفيظته، ويزيد إيمانه بحقه، واعتزازه بمجده
فتش في آثار حافظ كلها يأخذ ببصرك هذا الطابع المجيد، وتر أنه لم ينس الحديث عن مصر والشرق حتى في مدائحه، ومراثيه، لأنه لم يمدح ولم يرث إلا الغطارفة الذين عرفهم وعرفتهم مصر مجاهدين في سبيلها، مخلصين في الذود عنها، بل لم ينسه في خمرياته التي يستعبد الحديث عنها السمع والبصر واللب جميعاً، ويأخذ بذمام الفكر فلا يدعه يجنح إلا إلى اللهو والخمر والقيان والندمان وما إليها.
لم يذهب حافظ في أدبه ذلك المذهب إلا متأثراً بمصريته الصميمة، وما أفاده من صحابة الأحرار من كره الاستعمار وضيق بالذل، وما لقيه من عناد الإنجليز بالسودان وما مني به بعد من بؤس وشدة.
كل هذه العوامل قربت بينه وبين الشعب، فأحس منه ضعف النفوس، وتزايل الوحدة، وتردد المستضعف، وخوف الذليل، وأراد الإصلاح ما استطاع فاتخذ سبيله ليرضى بسعيه عن نفسه، ويكون كما قال:
لعمرك ما أرقت لغير مصر … وما لي دونها أبداً مرام
وقوله:
إني لأحمل في هواك صبابة … يا مصر قد خرجت عن الأطواق
لذلك لم يدع باباً من أبواب الجهاد إلا ولجه، فكان له في سبيل الوطن والدين والأخلاق مواقف عز بها وبز، وأقعد غيره عن أن يلحق به ويدانيه، واصطنع في جميعها الجرأة والصراحة وخلطها أحياناً بالتهكم اللاذع، والسخرية المرة، لتكون أبلغ في التأثير وأبقى في الآذان. واليك حديثه مع غادة اليابان مثلاً تر فيه كيف برز حافظ في هذا المضمار، وجمع إلى سلامة الشعر وشرف المقصد دقة التصوير، وسمو التصور:
لا تلم كفى إذا السيف نبا … صح مني العزم والدهر أبى
أنا لولا أن لي من أمتي … خاذلا ما بت أشكو النوبا
أمة قد فت في ساعدها … بغضها الأهل وحب الغربا
وهي والأحداث تستهدفها … تعشق اللهو وتهوى الطربا
لا تبالي لعب القوم بها … أم بها صرف الليالي لعبا
стр. 4675
ثم يمضي يصف تفريط أمته. وعشقها الألقاب في غير العلا، وجهادها بالنفوس في سبيل الرتب، وتباغضها وتحاسدها، وما إلى ذلك مما يقعد بالمصلحين، ويثبط همم المجاهدين إلى أن يقول مخاطباً غادة اليابان:
قلت والآلام تفري مهجتي … ويك ما تصنع في الحرب الظبا
فسليني إنني مارستها … وركبت الهول فيها مركبا
وتقحمت الردى في غارة … أسدل النقع عليها هيدبا
جال عزرائيل في أنحائها … تحت ذاك النقع يمشي الهيدبى
فدعيها للذي يعرفها … والزمي يا ظبية البان الخبا
وهو بذلك الحديث كله يمهد لما يريد أن يقدمه نصيحة للشباب ويجعله مثيراً لهممهم، باعثاً لهم من مراقدهم، فأي شاب يعرف للرجولة حقها يسمع حديث حافظ على لسان هذه الغادة فيرضى أن يسيغ المذلة، ويقيم على الخسف الذي يراد به فيكون أحد الأذلين؟
فأجابتني بصوت راعني … وأرتني الظبي ليثاً أغلبا
إن قومي استعذبوا ورد الردى=كيف تدعونيَ الا أشربا
أنا يابانية لا أنثني … عن مرادي أو أذق العطبا
أنا إن لم أحسن الرمي ولم … تستطع كفاي تقليب الظبا
أخدم الجرحى وأقضي حقهم … وأواسي في الوغى من نكبا
ولسنا في حاجة إلى أن نقول: إن حافظاً قد بلغ في هذه القصيدة مبلغاً من الإحسان يحسد عليه، وأشرف بها على الغاية، وأسمعت كلماته من به صمم
ولم يزل يتبع الصيحة المدوية أخرى أشد وأعلى ليستقيم له قياد النفوس. ويدفع الشباب المترف المنعم الذي سدر في شهواته وغلا في مباهجه، ونسى حق الوطن عليه - إلى ما يجب أن يعمل له ويشغل نفسه به فانه
عار على ابن النيل سباق الورى … مهما تقلب دهره أن يسبقا
فتدفقوا أسداً وصونوا نيلكم … فلكم أفاض عليكم وتدفقا
فمن البلية أن تباع وتشترى … مصر وما فيها وألا تنطقا
تلك هي البلية البالغة، والهوان الأكبر، والفعلة النكراء، فأحر برجال الغد المأمول أن يلموا
стр. 4676
الشعث، ويرأبوا الصدع، ويسعوا إلى خير هذا الوطن المسكين سعياً ملاكه التضحية بالنفس والتفدية بالعزيز
رجال الغد المأمول إن بلادكم … تناشدكم بالله أن تتذكروا
فكونوا رحالاً عاملين أعزة … وصونوا حمى أوطانكم تتحرروا
ويا طالبي الدستور لا تسكنوا ولا … تبيتوا على بأس ولا تتضجروا
فما ضاع حق لم ينم عنه أهله … ولا ناله في العالمين مقصر
لست أدري إذ أقرأ لحافظ هذا وكثيراً غيره فأرى دعوته إلى الثورة سافرة غير مقنعة، وحفيظته على الاستعمار صريحة غير منكتمة، ماذا يكون منه لو أفسح له القانون قليلاً في الحرية؟ وأي شيء بعد هذا نرتقبه من مجاهد، ونرجوه من حر.؟
إن من يعرف صرامة القانون إذ ذاك وما رمي إليه المشترع الإنجليزي من كبت الشعور، والتفزيع والكيد للاحرار، ليعتقد أن حافظاً آثر عنت القانون، وشدته ليقضي حاجة نفسه، وحاجة أمته في ذلك الوقت العصيب الذي سعى فيه كثير من الخاصة إلى رجال الاستعمار متزلفين مؤثرين أنفسهم على الوطن
فهذا يلوذ بقصر الأمير … ويدعو إلى ظله الأرحب
وهذا يلوذ بقصر السفير … ويطنب في ورده الأعذب
وهذا يصيح مع الصائحين … على غير قصد ولا مأرب
لله درك يا حافظ! لقد جاهدت والغمرات من حولك منكرات والقوم مشغولون عنك بذات نفوسهم. فما فنيت عزيمتك ولا وهى صبرك، ولا دفعك ذلك إلى اليأس إلا حين ترجو الإلهاب والتهييج، فما أجمله يأساً يوقظ الشعور ويحفز الغافل إلى المناداة بالحقوق
حطمت اليراع فلا تعجبني … وعفت البيان فلا تعتبي
فما أنت يا مصر دار الأديب … وما أنت بالبلد الطيب
وكم فيك يا مصر من كاتب … أقال اليراع ولم يكتب
فلا تعذليني لهذا السكوت … فقد ضاق منك ما ضاق بي
أيعجبني منك يومَ الوفاق … سكوت الجماد، ولعب الصبي
وكم غضب الناس من قبلنا … لسلب الحقوق ولم نغضب
стр. 4677
غضب الناس لحقوقهم فاستردوها، ونمنا نحن عن حقوقنا وهي ملء الأرض، وشغلنا عن مجدنا الدابر وهو ملء التاريخ، ورضينا بالدون من العيش قسما وحفظاً وقد
كنا قلادة جيد الدهر فانفرطت … وفي يمين العلا كنا رياحينا
كانت منازلنا في العز شامخة … لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
وكان أقصى مُنى نهر المجرة لو … من مائه مزجت أقداح ساقينا
والشهب لو أنها كانت مسخرة … لرجم من كان يبدو من أعادينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا … شزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا حسب … ولا صديق، ولا خل يواسينا
في هذه الأبيات وفي كثير غيرها يذكرنا حافظ بسلطان الشرق وملكه، وعلمه وفلسفته، وأيامه الخالية، ثم بعبوديته وفقره المادي والأدبي ليبعث من ألقى السمع إلى النهوض، وينبه الغافل الكسل إلى ماله من حقوق مسلوبة
ولبس من شك في أن شاعرنا قد أدى بقصائده هذه ما وجب عليه كمصري صميم إنيكن زاد وأربى، وأن الشعب قد أحمسه تذكير بنعمى عريضة تحولت أبؤساً، وعز باهر آض ذلاً. ولكن نفسه الكبيرة ما كانت لترضى بهذه التضحية الحق، فلولا صرامة القانون لأرتنا عجباً، فمثلها لا يقنع بما دون النجوم.
متى أرى النيل لا تصفو موارده … لغير مرتقب لله مرتهب
فقد غدت مصر في حال إذا ذكرت … جادت دموعي لها باللؤلؤ الرطب
إذا نطقت فقاع السجن متكئ … وان سكت فان النفس لم تطب
وكما لم يحمد حافظ جهاده وبلاءه لم يحمد للشباب نهوضهم المقدور، وجهادهم المحدود، وهو يريدهم أسوداً ضارية لا ترتد عن الغاية أو تبيد، فأنحى عليهم باللائمة وأغلظ لهم في القول، وقرعهم وتحدى رجولتهم فقال:
أنابتة العصر إن الغريب … مجد بمصر فلا تلعبي
يقولون في النشء خير لنا … وللنشء شر من الأجنبي
أفي الأزبكية مثوى البنين … وبين المساجد مثوى الأب
وكم ذا بمصر من المضحكات … كما قال فيها أبو الطيب
стр. 4678
هذه النابتة التي راضها حافظ على التضحية فارتاضت بعد شماس، وأدبها ذلك الأدب الجميل وطالما أوضعت في اللهو وجنحت إلى الأثرة فجنت على الأمة، هي التي تسعى اليوم غير وانية، وتمضي غير متريثة، لا يشغلها عن جهادها الشريف ما يُمنى لها من كيد، وما يراد بها من هون، لقد علمها بالصراحة، وعرض عليها شر ما فيها من الخصال لتتوقاه، وكان عليها حديد اللسان إن ترددت حين العزم وتقاعست عند النائبة
حسبي هذه الصور البارعة التي تدل دلالة واضحة على أن حافظاًً - أحسن الله جزاءه - كان شاعرا الوطنية الثائرة، لم يقدع ثورته الخوف، ولم يأسر قلمه التزلف والرياء، ولم يخالف بين قوله وفعله
وستظل هذه الناحية من شعر حافظ شغل الباحثين ما دام الحديث عنها يمتد ويمتد فلا يقوم بالإيفاء فيه الإطناب المطنب، وما دامت النفوس الأليمة تستروح برد الراحة في دراسة هذه الآثار التي تحدث عن أشهى أمنية من أمانيها، وما دام - حافظ - نفسه يأبى أن يحتفل بغير هذه الناحية، ويقول ما معناه (إن من قضى شبابه في الجيش، ثم انغمس بعد تسريحه في شعر الوطنية؛ هيهات أن يجد متسعاً لما وراء ذلك) وأختتم الكلام بعرض مختار من إحدى قصائده في داهية دنشواي الدهياء، وقد صاغها من حسرات نفسه وآلام شعبه، ورثى فيها العواطف الشريفة - يقتلها حب الاستعمار في نفوس أهله - فجاءت طرازاً وحدها في قوة التأثير وجمال النظم قال:
خفضوا جيشكم، وناموا هنيئاً … وابتغوا صيدكم، وجوبوا البلادا
واذا أعوزتكم ذات طوق … بين تلك الربى فصيدوا العبادا
انما نحن والحمام سواء … لم تغادر أطواقنا الأجيادا
لا تظنوا بنا العقوق ولكن … أرشدونا إذ ضللنا الرشادا
ثم يقف بعدُ من المستعمر موقف الخصم العنيد، فلا يدع له حجة ولا ينجيه من التثريب والملامة:
أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو … أقصاصاً أردتمُ أم كيادا؟
أحسنوا القتل إن ضننتم بعفو … أنفوساً أصبتم أم جمادا؟
ليت شعري أتلك محكمة التف … تيش عادت أم عهد نيرون عادا؟
стр. 4679
كيف يحلو من القوى التشفي … في ضعيف ألقى إليه القيادا؟
ثم يمضي بعدُ حسراته وزفراته حتى ينتهي إلى تقريع أبناء مصر الذين ينقلبون حرباً عليها، ويكونون عوناً للمستعمر على خضد شوكتها؛ ويخلص من ذلك إلى قوله وقد أنكر تصرف هؤلاء الأعيان وزرى عليه:
لا جرى النيل في نواحيك يا مصر … ولا جادك الحيا حيث جادا
أنت أنبتّ ذلك النبت يا مصر … فأضحى عليك شوكاً قتادا
أنت أنبتّ ناعقاً قام بالأمس … فأدمى القلوب والأكبادا
إيه يا مْدرهالقضاء ويا من … ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا … قد لبسنا على يديك الحدادا
هذه الروح القوية التي استبانت فيما أوردنا من شواهد هي التي صدر عنها حافظ في جهاده الوطني الذي صار من أجله شاعر النيل غير مدافع ولا منازع.
وما زال ﵀ يغذي الحركة الوطنية، ويشيد بها حتى ألقى عصاه بدار الكتب، فصرم بها زماناً لا ينشدنا إلا لماما.
وما كان للنفوس التي خالطها حبه، وغذاها أدبه، وطبعت على أن تسمع صوته متصلاً لا ينقطع، أن تسكن إلى تلك الحال، وأن ترضى بذلك القليل يأتيها منجما في أوقات متباعدة.
فلما ترك ﵀ المنصب محالاً إلى الراحة والدعة، أمّلت خيراً واستشرقت وأنست إلى مقطوعاته التي كان ينظمها اليوم بعد اليوم، ولكن ما هي إلا جولة أو جولتان حتى رفع القلم، وطوى الأثر، وودعنا حافظ
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر
أبى البؤس الذي ألح على حافظ حياته أن يدعه بعد وفاته، فكفرت الأمة بأياديه عليها، ولم تعرف لذكراه حقها، وكان أقل ما يجب عليها لمن عاش حياته مجاهداً في سبيلها، مسبحاً باسمها، أن تجعل يوم وفاته أحد أيامها الخالدات، تهرع فيه إلى تمجيد ذكره وإعلاء قدره، وأن تنشر صحيفة جهاده للأدباء ليتأثروه فيه ويعملوا على شاكلته.
وليس هذا وحده هو كل ما أصاب حافظاً من بؤس بعد وفاته، فان خلصاءه الذين عاشروه ولابسوه ولزمهم بذلك ما يجب على الصديق للصديق، قد نفضوا أيديهم مما تعاهدوا عليه
стр. 4680
إثر وفاته واجتمعوا من أجله، وقد كان فيه قليل من كثير جداً يجب عليهم لذلك الشاعر الصديق الذي أضحى بين هؤلاء الصفوة الأنساء أو النسيان وكلاهما شر.
وبعد، فتلك كلمة فيها إيجاز وقصور، لم أرد فيها كشفاً عن فضل مستور، وبياناً لقدر منكور، ولكني أردت أن أؤدي لشاعر النيل بعض ما وجب علّي بالأخذ عنه، والانتفاع بآثاره. فان أك قد قاربت ما أردت فحسبي، وإلا أكن فالمجتهد يعذر.
أحمد عثمان عبد المجيد
стр. 4681
بين الشك والإيمان
الشاعر الإيطالي (ليوباردي)
للأستاذ خليل هنداوي
- ٢ -
أعجب ليوباردي بالموت والفناء، فقال في مقطوعة له:
_ أيها الموت الرحيم الذي لم أزل أدعوه إلى منذ تألق صباي: تعال أغلق إلى الأبد عينيَّ، فقد طرحت بعيداً عني كل أمل خادع يتعلل به العالم، ويلهو كالطفل. أنا لا رجاء لي إلا بك، ولن أرتقب إلا النهار الذي أرقد فيه مسنداً جبيني على صدرك الطاهر)
وهكذا أصبحت نفسه لا يشبعها لون من ألوان الحياة وآمالها، لا الحب ولا زهوه، ولا الأمل وآفاقه؛ لا يشبعها ولا يطفئ رغائبها إلا لقاء الموت.
قد تسمع هذه اللهجة من غير ليوباردي فتصد عنها، ولكنك تسمعها من هذا القلب الخافق والروح المعذب فتوقظ نفسك الهاجعة وتهيج قلبك الهامد، لأن اللهجة التي ينطق بها الشاعر ليست لهجة خاصة، وإنما هي لهجة الإنسانية التي تأتي من حيث لا تعلم، وتنطلق إلى حيث لا تدري.
يقول ليوباردي: إن الجميل هو عدو الحقيقي، ولكن هذا الجمال الخادع هو - عندي - خير من الحقائق الأرضية الدنيئة. ألا فلنهذب الأشياء التي تفسح ساحات الخيال، فهي أجدى نفعاً على الناس لأنها تبعث على النسيان. إن الآداب هي رفيعة المقام، وهي القائدة إلى المثل العليا، والدرس يبعث على التعزي، وهو يبهج ويلهي النفس. أما الحب فهو نعمة لأنه يتصور ويتأمل. أما الأمل فهو الأريج الفواح الذي يعطر مسارب كل مكان. وإذا كنت أعتقد أن الموت هو خير هذه الأشياء، فلأنه يفاجئ الإنسان المسترسل في أوهامه، لا يقتل هذه الأوهام إلا بقضائه على الحياة؛ لماذا تصلح حياتنا؟ هل تصلح إلا للازدراء؟
- ٥ -
ومن الغريب أن ترى ليوباردي الكاتب يناقض ليوباردي الشاعر، فرسائله لا تكاد تخلو من ذكر الله وهو في شعره جاحد لوجوده، يقول في إحدى رسالاته (والأجل الذي كتيه الله لي
стр. 4682
لما يحن! ولكنني أرجو من الآلام التي أنهكتني أن تسوقني إلى الراحة الخالدة التي أطلبها كل يوم، هرباً من العذاب الذي أضواني.)
كان ليوباردي يجحد وجود العناية الإلهية، والآن يثبتها لأنه يحس وجودها بالضرورة التي تفرض وجودها. يقول الشقي (إذا كان هنالك كائن في السماء أو الأرض أو في قاع البحار، فلا أقول عنه إنه رحيم، ولكنه شاهد على عذابي)
كان ليوباردي يحتقر البراعة، وينسى الأسماء الخالدة اللامعة وها هو الآن في ذات مساء، في مدينة (رومة) يرقى ربوة ((سانت أتومزيو) حيث قضى (لوتاس) نحبه، ينحني إزاء قبر هذا الشاعر الكبير، ويستوي تحت ظلال الشجرة التي ألف الشاعر أن يفئ إليها متأملاً في غروب الشمس، هنالك يقول ليوباردي لا شيء جميل على الأرض؛ عظمة اليراعة التي تعيش وتخلد هي فوق كل عظمة. وكان يقول عن الحب إنه حلم فارغ، غير خليق به أن يقلق نفساً صافية، وها هو ذا الآن يجعل من الحب رسول السعادة الحقيقة، ترسله الآلهة إلى قلوب بني الإنسان. (فهو إذا هبط الأرض تحرى عن أشرف القلوب وأطهرها، وبث فيها من روحه وعذوبته. حتى ليحس صاحب الحب أن في قلبه روحاً غريبة تثنيه عن العالم) وهو الكاتب إلى أخيه (بالله أجبني. . . أنا في حاجة إلى الحب. . . الحب. . . النار. . . الهيام. . . الحياة) وهو الذي يحدث عن صداقة أنقذته، وبدلت بؤسه هناء وجعلته يؤمن بأن في الحياة أفراحاً كان يحسبها مستحيلة.
كان ليوباردي يساير مذهب الجاحدين وجود المشاعر السامية في الإنسان، والآن أصبحت هذه الأكاذيب عنده أسمى شيء في أخلاق الإنسان، تدل على شيء هو أعظم من الرداء الترابي، فيصرف وجهه عن الأرض ليتأمل في عظمة الفضاء الشاسع والعوالم السابحة فيه، فيرى كل شيء صغيراً حقيراً عند هذه النفس، فيعرف أن النفس هي أوسع بخاطراتها وتأملاتها من كل عالم، فتشكو هذا النقص وتحس الفراغ والسأم؟ أليس هذا بما فيه برهاناً على شرف الطبيعة الإنسانية؟
هذه المشادة هي المعركة التي تقوم بين القلب والروح، ولكن هذه المعركة التي تتخذ من صدر (ليوباردي) ميداناً عنيفاً هي معركة دائمة لا انتهاء لها. يحفزها الألم ويسعر ضرامها الشقاء ذلك الألم الذي نحا بالشاعر إلى هذه الوجهة العابسة من فلسفة الشك، وطبيعي أن
стр. 4683
تكون هذه الوجهة غيرها فيما لو قيَّضت المقادير لهذا الشاعر حياة ناعمة وعيشاً رغداً، إذا لكبست الحياة متفائلاً جديداً يشدو بمحاسنها ويلهج بالثناء على جمالها، وسيان عندها شاعر بكى وشاعر شدا:
فلله ما أظلم الفلسفة إذا كان قليل من هناء يبيض وجهها فيبيض العالم، وقليل من شقاء يسوَّد وجهها فإذا العالم كله ظلمات بعضها فوق بعض. والحقيقة - وأجدر بالحقيقة أن تكون وراء هناء الإنسان ووراء شقائه، ولكن قل لي من الذي يستطيع أن يتجرد من جميع هذه الظواهر، ومن ذا الذي يقدر على أن يضمن سلامة عقله إذا جاع بطنه، وأن يبقى على هنائه إذا عضه ألم أو فرَّ منه أمل
- ٦ -
وهكذا ظل ليوباردي تتشاطر قلبه نوازع مختلفة، وينحط على جسده الداء إثر الداء، يحاول أن يهدئ ثائرتها عنه بتنقله من رومة إلى بولونيا، ومن بولونيا إلى فلورنسا، إلى نابولي، والداء لا يزيد إلا تمكناً منه، حتى آثر الشاعر الموت لنفسه على ان يذلها بسبب الحاجة، وقد دفعه ألمه هذا للكتابة إلى والده (. . . ان ما رتبته لي لا يكفي. . . على أنني أريد ألاّ أحيا كما يحيا الناس، ولكن الموت هو أفضل عندي، ولكن الموت يجب ارتقاب أجله، فلو كان الأمر بيدي لما طلبت إليك - والله شهيد علي - أن تمنحني شيئاً.)
تعرف في نابولي إلى صديقه (رانيري) ذلك الصديق الذي أخلص له كل الإخلاص، وظل أميناً حتى اللحظة التي غادر فيها ليوباردي الوجود، وفي نابولي اعتزل الشاعر الناس، فلا يبصر منهم أحداً، ولا يسمع عنهم شيئاً، كأنما عزلته هذه هي عزلة الموت. ينطبق عليه فيها قوله (أصبحت جزعاً يفكر ويقاسي العذاب، هو لا يزجى حياته إلا في التفكير، ولا يشغله في عزلته ألاّ التأمل. إذا رآه الناظر يخطر بين خرائب (بومباي) عند الغروب، تمثل شبحاً قديماً يزحف بين الخرائب يرثي حظها وحظ نفسه
وجد على قمة جبل تنفث مائعاً نارياً نبتة ضعيفة تحاول أن تنزل فيها جذورها، فمثل الشاعر نفسه بالنبتة الحقيرة وناجاها قائلاً: (وأنت أيضاً، ستخضعين لقوة النار، وستنحنين تحت الأثقال، ولكنك لن تنحني جبانة أمام الظالم، ولن تلتفتي إلى السماء بكبرياء أهوج)
يطغى على ليوباردي هذا الشك العنيف، فينكر الخلود ويعلن قبل موته أن هذه الفلسفة
стр. 4684
البائسة - كما يدعوها - ليست نتيجة ألمه وشقائه، ولكن نتيجة اعتقاد وايمان، ويؤلف مقطوعة الموت والحب، معنوناً إياها ببيت للشاعر (لمينادر) (هنالك يموت شاباً من تحبه الآلهة)
وإزاء هذا التناقض الذي شاهدناه بين قصائده ورسائله كتب أيضاً (وداعاً يا صديقي العزيز. . إنني أحس في نفسي رغبة هائجة لعناقك، ولكن كيف؟ وفي أي موطن أستطيع؟ أخاف جداً ألا يكون هذا بقدر طول حديقة (أسفوريل). حدثني عن دروسك، وأحببني دائماً، وداعاً لك من كل قلبي)
انتشرت الكوليرا في نابولي وكثرت ضحاياها، فنقله (رانيني) صديقه الحميم إلى (بورتيسي). وفي الرابع عشر من يونيو عام ١٨٣٩ أخذت الشاعر نوبة إغماء قوية تزايلت لها أعضاؤه، ولم يكن عند الشاعر إلا صديقه وأخت صديقه، كانت تمسح العرق المتصبب من جبين العليل، وكان (رانيني) يساعده بحركات رياضية على التنفس، وكل هذا لم يغنه شيئاً. فعاد بعد لأي إلى وعيه واتسعت عيناه، ونظر إلى صديقه نظرة عميقة، وقال به بلهجة يمازجها التنهد: (لن أراك أبداً) ثم انقطعت أنفاسه وهمد قلبه الهمدة الأخيرة
ووري جثمانه في الكنيسة الصغيرة (سانت فينال) حيث يرقد غير بعيد عنه رفات الشاعر الأكبر (فرجيل). فيا لله من هذا الحظ الذي جمع بين لحدي هذين الشاعرين العظيمين، وهما على قربى في الوطن والفكر والشعر. قد انشق الاثنان من نبعة، وانطلقا ليرقدا في رقعة واحدة. كلاهما تألم، وكلاهما لقي حتفه في ميعة الصبا، وكلاهما أيس من العالم الثاني، وود أن ينتقم من المقادير ويثأر لشقائه فقالا: (هي المقادير! ما أوجدت الإنسان ليحيا، وإنما أوجدته ليموت)
وهذه الفكرة التي تجعل الموت غاية الوجود قد رددها ليوباردي في مقطوعته (أنشودة الديك)
_ يخيل اليَّ أن المآل الوحيد لكل موجود هو الموت، لن يموت شيء لم يوجد، ولن يولد شيء من العدم.
يتجه كل مخلوق بأعماله وآماله إلى السعادة.
فيسعى ثم يقف مجهوداً دون أن يدركها.
стр. 4685
ثم يجد أن جميع أعماله - لا تؤول وا أسفاه! إلا إلى مشيئة الطبيعة المكتوبة على كل موجود - وهي الموت)
وكأنه يقول، وهو المتألم، خلقنا لنتألم، ثم لنفنى.
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 4686
العلوم
تطور فكرة النظام الشمسي عند اليونان
بقلم فرح رفيدى
. . . هذه أول مقالة من عدة مقالات في تطوير فكرة النظام الشمسي عند اليونان وعند الكنيسة في العصور الوسطى، وعند العرب، ثم الانقلاب الأخير الذي حدث على عهد كويرنيكس وجاليليو.
وقفت في مساء ليلة من ليالي الصيف متأملاً انحدار الشمس إلى المغرب انحداراً بطيئاً، وكان الشفق بألوانه ممتعاً للأنظار، محركا للنفوس. لكني لم أبال بجمال المنظر أكثر من أن الشمس ستتوارى عني وراء الجبال بضع دقائق
وأجهدت نفسي في تلك الآونة لأرى الشمس واقفة وأشعر نفسي متحركاً مع الأرض، لكن جهدي ذهب عبثاً، إذ مازلت أرى الشمس تهوي مسرعة لتختفي عن ناظري، والشفق يزداد احمراراً كلما دنت من المغيب. فبالرغم عني لم أرها إلا متحركة وبالرغم عن كل شيء لم نلاحظ الشمس تقف ثانية واحدة في مجراها اليومي، فهي أبداً في كل يوم نشاهدها صباحاً في المشرق، ترتقي رويداً في هذه القبة الزرقاء، إلى أن تصل أوجها في منتصف النهار، ثم تأخذ في الانحدار والاختفاء وراء الأفق الغربي، فتضئ هناك ما كان مظلماً، وتبقى خلفها الظلمة ترتقبها النجوم بأعين ساحرة متلألئة.
وقد نشاهد القمر أحياناً يظهر بعد اختفاء الشمس، فيسلك مسلكها، ويتبع خطاها واحدة واحدة، إلى أن يتدرج في انحداره وراء الجبال أو وراء البحار. ففي أثناء هذه الدورة العظيمة من الشمس، أو هذا الانقلاب الخطير المتعاقب من ليل ونهار، من بفكر أو يشعر أنه دائر حول محور الأرض بسرعة تقرب من الألف ميل في الساعة، وأنه في اثنتي عشرة ساعة ينقلب أسفله إلى أعلاه وأعلاه إلى أسفله؟ وكيف يكون هذا الدوران السريع ولا نرى البنايات تتهدم، والأشجار تتساقط، والمياه تتطاير في الفضاء والناس تقع وتقوم؟. إن هذا الدوران حركة عنيفة قادرة على تفتيت الأرض وهدمها. فبما أن كل هذه الأشياء لا تحدث، فالأرض إذن ثابتة لا تتحرك في وسط هذه القبة المستديرة. نعم ذلك ما اعتقده اليونان الأقدمون وجاهر به بطليموس في القرن الثاني بعد الميلاد. فثبات الأرض في
стр. 4687
مركزها كان النقطة الأساسية في النظام اليوناني القديم.
لنقف الآن قليلاً، ولنتصور أنفسنا في يوم ٢٢ يوليو عند ما يكون النهار على أطوله، والشمس مشرقة تماماً على الخط المار بين الغرب والشرق منا. لندع الشمس تدر حول الأرض كعادتها ونحن نرقبها كل يوم من مسقطها ونعين موضعها بين الجبال أو ان شئنا بين النجوم، فبعد أيام نرى أن الخط المار بنا وبها قد بدأ في الانحراف قليلاً عن خط الشرق والغرب، ولا يزال الخط في الانحراف ولا تزال الشمس متنقلة بين النجوم إلى أن يأتي الخريف بعد الصيف الحار، ويقترب الشتاء ببرده القارس، ويأتي يوم ٢٢ ديسمبر حيثما يكون النهار على أقصره، فبلغ الخط منتهى انحرافه، وبدأ بالرجوع إلى مكانه الأول. ثم لحق الربيع الشتاء، وما كاد يطرب بنضارته وجماله الشعراء حتى يباغته الصيف بحره وجفافه، ويأتي يوم ٢٢ يوليو حيث يرجع الخط لمكانه الأول. وذلك بعد أن أنهت الشمس مسيرها بين النجوم. لأن ذلك كان ما اعتقده أرسطو وبطليموس في النظام الكوني وعللاه بقولهما: إنه لو كانت حركة الشمس هذه ظاهرية فقط ومسببة عن حركة في الأرض في جهة معكوسة، لكنا رأينا النجوم أيضاً تسير بهذه الحركة الظاهرية مع الشمس، وبما أنا لا نلاحظ أي انتقال أو تغيير في النجوم فالأرض إذن ثابتة لا محالة، وأي تغيير قد يحدث في بعض هذه اللوامع في الليل فانه راجع إلى الأجرام نفسها لا إلى حركة الأرض أو دورانها. وهذا التعبير الذي أذاعه المعلم الأول أرسطو تعبير منطقي يسلم به العقل، ولذلك ظل معتقداً راسخاً في قلوب الناس قروناً عديدة
أول ما يلاحظ الناظر في الليل إلى السماء هو الاختلاف البيّن في لمعان النجوم، فاستدل اليونان من ذلك على أن النجوم الأشد لمعاناً هي أقرب إلى الأرض من غيرها، وقد وجدوا أن من غريب أمر بعض هذه النجوم، أنها تنتقل من مكان إلى أخر، لذلك سميت بالنجوم السيارة فبثوا العيون وراءها ترصدها أينما حلت، واعتقد أرسطو أن هذه النجوم السيارة إن هي إلا أجسام طبيعية تدفعها إلى الحركة أرواح حالة فيها. وبما أن الأرواح تسير بقوة الإله الأكبر، والكاهن هو الواسطة بين الله والإنسان، فالكاهن إذن عالم بأمر هذه النجوم. فادعى الكاهن هذه المعرفة فأخذ يدرس حركاتها، فلما لم يعلم بسر حركتها ظن أن الروح تحركها، ولما رآها تسير بنظام لا يدركه قال هي تسير بلا نظام، وأن بعضها يسلك على
стр. 4688
حسب حظ الواحد وسعده، فمنها ما يتحرك لخير ومنها يتحرك لشرّ. ومن ذلك انتشر الاعتقاد بمعرفة حظوظ الناس من معرفة حركات النجوم، فصار العالم بالأرواح عالماً بالنجوم ومسالكها، وأصبح صاحب الدين في الدنيا وهو صاحب العلم أيضاً، ولم يمكن عند ذلك التمييز بين الاثنين.
عرف اليونان من الكواكب خمسة غير الشمس والقمر.
عرفوا: (١) الزهرة، وهي الكوكب المتألق في السماء عند الصباح أو عند المساء، وقد دعاها الرومان إلهة الحب لجمالها وافتتانهم بها؛ وليس من الغريب أن يقرن نابليون حظه بها، إذ قال لأحد جنوده ذات ليلة: (انظر! هذه نجمتي، ما دامت متألقة فلا شك في نجاحي).
(٢) عطارد، رسول الآلهة، يُرى أحياناً في الشفق فقط بعد مغيب الشمس، يلبث قليلاً ثم يتبعها، وهو كالزهرة يرى أيضاً في الصباح.
(٣) المريخ، ونراه أحياناً متألقاً، وأخرى ضعيف الإشعاع، أحمر اللون، وهو إله الحرب عند الإغريق.
(٤) المشتري، إله الآلهة، وهو كزوس عند اليونان، وثاني الكواكب بشدة لمعانه، فلا عجب إن عرفه الناس من زمن قديم.
(٥) زحل، المعروف ببطء حركته بين النجوم الثوابت، عرفه الأقدمون كأبعد سيار عن الأرض.
ليس لنا أن نبين الأبحاث التي قام بها علماء اليونان في علمي الهيئة والنجوم، ولكن المهم الآن أن نعرف بعض من قاموا بتأسيس فكرة النظام الشمسي التي عرفت بالنظام البطليموسي، والتي ما كانت إلا تعديلاً لما اعتقده أرسطو العظيم في هذا الكون العجيب.
في سنة ٥٣٢ ق. م قام فيتاغورس وأنشأ أخوية دينية كان لها اعتقادها الخاص في كروية الأرض، وكان هو أول من فرض حركة الأرض حول الشمس، لكن أرسطو رفض هذا الفرض لعدم ظهور دواع تؤيده، وكان أيضاً هبارخس أول من أظهر استدارة فلكي الشمس والقمر حول الأرض.
وفي سنة ٣٧٠ ق. م، أظهر يودكس فكرة الكرات المتراكزة، فبنى على هذه الفكرة من
стр. 4689
بعده أرسطو ورؤساء الكنيسة في العصور الوسطى.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد قام المعلم الأول أرسطو، الذي تلقى على أفلاطون فيلسوف ذلك العصر، وجمع ورتب التعاليم اليونانية بعد أن حللها وناقشها مع تلاميذه، وقاسها بمقياس العقل والمنطق، وعزا الحوادث والتغيرات في النجوم إلى مسبباتها الظاهرة، وخلّف للملأ خلاصة التعاليم اليونانية منقحة بفلسفته المنطقية، فأكبر العالم هذه العظمة فيه، فمال على كتبه ومؤلفاته يدرسها، فوجدها غاية المنطق، وسداد الرأي، وقوة الدليل، فاقتنع وآمن بها إيماناً ذهب بالشك في صحتها من قلبه
لم يكتف أرسطو بأن جعل الأرض ثابتة، بل تصور النظام الكوني كله مؤلفاً من كريات مستديرة الشكل في أحجام مختلفة والواحدة في جوف الأخرى؛ وعلى هذه الكرات جعل الأجرام السماوية تدور حول الأرض.
وقد حسب النجوم الثوابت كلها على أبعاد متساوية من الأرض، لذلك جعلها على سطح كرة واحدة، وقد علل اختلاف الأضواء المنبعثة من بعض السيارات باختلاف بعدها عن الأرض. ولما زادت العناية بمراقبة النجوم، ودقت ملاحظاتهم لها، تبينوا اختلافات كثيرة في حركاتها، لم يقدروا على تعليلها بكرة واحدة، فزادوا عليها كرات، وقالوا إن هذه الحركة الظاهرة ما هي إلا مجموع حركات دائرية على كرات مختلفة، وزاد أرسطو على هذه الكرات اثنتين وعشرين كُرة، كانت سبباً في تعقيد النظام اليوناني بدلاً من تسهيله.
الاسم الأكبر الذي كثيراً ما نصادفه في كتابات اليونان القديمة في علوم الهيئة وبين مؤلفات العصور الوسطى، وفي الكتب العربية المنقولة عن اليونانية هو بطليموس مؤلف كتاب الماجسطي الذي ترجمه إلى العربية الحجاج بن يوسف بن مطر سنة ٧٨٦م. وكان لهذا الكتاب المقام الأول بعد أرسطو لمدة أربعة عشر قرناً.
عاش بطليموس من سنة ١٠٠ إلى سنة ١٧٠ ب. م. وكان مولده على أيام الإمبراطور هدريان، وكان مقيماً طول مدته في الإسكندرية، وهو معدود من أشهر رياضي ذلك العصر. وكتابه الماجسطي يحوي كثيراً من العلوم الرياضية والجغرافية عن أبحاثه في علمي الهيئة والنجوم. وقد وافق هبارخس في تراكز الأجرام السماوية ودورانها حول الكرة الأرضية، ونزع فكرة الكرات فكرة أرسطو، وأدخل نظام الدوائر الصغيرة وهو النظام
стр. 4690
الذي عرف باسمه من بعده، وهو أن الكواكب تدور في دوائر مراكزها تدور في دوائر أكبر منها حول الأرض.
بهذه الفكرة تمكن بطليموس من تعليل حركات الكواكب السيارة في السماء ذهاباً وإياباً، ومن تعليل ثباتها مدة من الزمن عند تغييرها من ذهاب إلى إياب وبالعكس. فقد قال إن حركة الذهاب والإياب مسببة عن كون حركة الكوكب في جهة عمودية لاتجاه خط النظر وثبات الكوكب مسبب عن كون حركة الكوكب في اتجاه واحد مع خط النظر، وذلك كما يلاحظ في حركة اقتراب أو ابتعاد الكوكب عن الأرض، إذ يعجز الإنسان عن إدراك الحركة فيظن صاحبها ثابتاً.
وأما انحراف السيارات عن دائرة البروج أو فلل الشمس فهو ناتج عن ميلان سطوح الدوائر الصغيرة عن سطح الدائرة الكبيرة.
وهذا النظام الكوني نظام بطليموس وهبارخس، وان كان مرتكزاً على جعل الأرض ثابتة بالنسبة إلى عوالم النجوم حولها فان الأرصادات الدقيقة للحركات الظاهرية لم تذهب قط سدى، وهي من الأهمية بمكان في تقدم علم الهيئة الحديث. والحقيقة في فكرة النظام البطليموسي أنها لم تبتدئ مع بطليموس، فأول من عرض هذه الفكرة كان ابولونيوس في القرن الثالث قبل الميلاد، فقبلها هبارخس في القرن الثاني قبل الميلاد، ولما أتى بطليموس في القرن الثاني بعد الميلاد، توسع فيها وزاد عليها وشرحها شرحاً وافياً في كتابه الماجسطي، وظلت أساس معتقد الناس والكنيسة في النظام الكوني أربعة عشر قرناً.
فرح رفيدي
стр. 4691
القصص
الهيكل العظمي
للشاعر الفيلسوف رابندرانات طاغور
في الغرفة المجاورة لحجرة نومنا - نحن الأطفال - كان هناك هيكل عظمي معلقاً، يجلجل في الليل حين يداعب النسيم عظامه، أما في النهار فقد كنا نحركه بأنفسنا، وكان يدرس لنا علم العظام طالب بمدرسة طب كامبل، ذلك لأن مَن حولنا وطدوا العزم على أن يجعلوا منا أساتذة مبرّزين في كل المواد، ومهما كان نجاحنا فلم نكن لنخبر به أحداً ممن يعرفنا، كما كنا نخفي ذلك عمن لا يمت إلينا بصلة.
مرت سنون اختفى في أثنائها الهيكل من الحجرة، كما محيت بقايا علم الأستولوجيا من ذاكرتنا، ولم تترك وراءها أثرا، وفي يوم من الأيام كان منزلنا في هرج يموج بالضيوف، وقدّر لي أن أقضي الليلة في الحجرة القديمة، وعبثاً كنت أحاولإغراء الكرى ليطرق جفوني؛ وبينما أنا أتقلب في مضجعي سمعت كل ساعات الليل تدق دقة واحدة إثر أخرى في المعبد المجاور لي، وبعد عدة دقائق انطفأ المصباح الموضوع في ركن الحجرة، بعد أن ظل شعاعه الخفَّاق يضطرب، فأسلمني الظلام إلى تذكر بعض أحباء فقدناهم، وتأملت خفوت الشعاع في محيط من الديجور القاتم، ومن ثم قارنت بينه وبين خروج الروح من أجسامنا البشرية الضئيلة وهالني الشبه العظيم بينهما.
وقد جعلني تداعي الأفكار أفكر في الهيكل العظمي، وبينا أنا أرسم في خيالي صورة للجسد البشري الذي كان يكسو هاتيك العظام النخرة، خيّل إليّ إني أسمع وقع أقدام تجوس خلال الحجرة وحول الفراش وتتلمس الجدران، وأحسست إني أسمع أنفاس المتجول المضطربة، وكأنما أعياه البحث فمضى يذرع الغرفة جيئة وذهوباً، وخدعت نفسي بأن ما أسمع ليس إلاّ من قبيل الوهم، وما صوره لي إلا الأرق الطويل، وتشتت العقل، ومحاكاة اضطراب أعصابي حاكي لوقع الأقدام؛ ومع ذلك فقد عرتني قشعريرة سرت في جسدي، ولكي أتخلص من هذا الوهم هتفت صارخاً: (مَن هنا؟) وإذا بالساري يقف حذاء فراشي ويقول: (إنه أنا، لقد جئت أفتش عن هيكلي الذي بارحته). فرأيت من الجبن أن أتخاذل أمام مخلوق صوّره وهمي، وجسَّمه خيالي؛ فأمسكت جيداً بالوسادة وقلت: إنه عمل جميل في هذا الوقت
стр. 4692
المتأخر من الليل! ما جدوى هذا الهيكل لك الآن؟ وإذا بالصوت يصدر من الكلة نفسها ويقول: يا له من سؤال عجيب! إن في هذا الهيكل عظاماً كانت سياجاً يقي قلبي الفتى الذي لم يجاوز السادسة والعشرين، أفلا يحق لي أن أراه مرة أخرى؟. فقلت له: (لا شك في ذلك، إنها رغبة سامية محترمة، فلتبحث عنه ما شئت، ودعني أنعم بالكرى قليلا!)
فقال الصوت: (أظنك هنا منفرداً، حسن، إني لأغتنم هذه النهزة لأجلس برهة معك، نتجاذب فيها الحديث، وتلك سجيّتي، فقيماً كنت أجلس إلى الرجال نتحادث، ولكن في الخمسة والثلاثين عاماً الأخيرة، أبدلت ذلك بأنيني مع الرياح الداوية عند قبور الأموات، وهاأنذا أتكلم مع فرد من بني البشر لأول مرة منذ مماتي).
وأحسست أن شخصاً يجلس قرب كلة سريري، فأذعنت الواقع وأجبت: (إن هذا في الحقيقة لشيء جميل جدا، وهيا بنا نتكلم في شيء طريف) فقال الصوت: (إن أجمل شيء أتذكره هو تاريخ حياتي، فدعني أقصه عليك)
وحينذاك دقت الساعة دقتين فانطلق محدثاً وقال:
(عندما كنت في ميعة العمر في دنياكم، كنت أخشى شيئاً واحداً كما أخشى الموت، ألا وهو زوجي، وكانت احساساتي أشبه باحساسات سمكة علقت بالشص، إذ كنت أحسبني هذه السمكة، وقد نزعت من ذلك الهدوء الذي شعرت به في منزل الصبا. لقد مات زوجي عقب زواجي بشهرين ولم يكن حزنهم على وفاته أكثر من حزنهم على حظي التعس، أما أبوه فقد نظر إلى وجهي ذات يوم وقال لزوجه: ألا ترين في عينها نذير الشؤم؟
ثم قال الصوت: (أمنصت أنت لقصتي: آمل أن تكون قد أعجبتك!)
فقلت: (لقد أخذت على جماع مشاعري وإن مبدأها ليشوق المرء إلى نهايتها.)
(ثم عاد الصوت يقول: دعني أتمها، لقد عدْت إلى منزل والدي، والسرور يملأ نفسي، واستنكر الناس هذا مني، ولكني كنت أعرف جيداً إني على قسط وفير من الجمال، ألا ترى ذلك؟)
(فقلت: لا شك في ذلك، ولكن يجب أن تتذكري إني لم أرك أبداً.)
فصاح الصوت: (عجباً لك! ألم ترني مطلقاً! إذن فما هذا الهيكل العظمي، ها ها، لا بأس عليك، لقد كنت أمزح معك وهل في مقدوري أن أعرفك كيف كان في هاتين الحفرتين
стр. 4693
الغائرتين عينان يشع منهما السحر، وألاّ تشابه بين الشفتين الياقوتيتين اللتين كانتا تفتران عن ابتسامة فتانة وبين تلك الأسنان القاتمة التي تعودت أن تراها، وإني كلما حاولت أن أصور لك ما كنت عليه من جمال عبقري، وحسن وبهاء ورقة، ابتسمت طربا كما أشعر بشيء من الحزن والغضب، وإن أشهر أطباء عصري لم يكن يخطر على بالهم أن عظامي ستكون يوماً وسيلة لتفهيم دروس الاستولوجي، أتعرف طبيباً شاباً - كما أعرف - قارن بيني وبين زهرة (الشامباك) وما دار بخلده أن هذا الهيكل المحطم لفتاة كانت هي زهرة الجمال، وكلما سرت شعرت بأني قطعة من الماس المتلألئ ألقيت في جوف الثرى، وأن كل حركة مني تثير عاصفة من الإعجاب، وكم أمضيت الساعات الطوال أتأمل هاتين اليدين اللتين تمناهما كثير من الشبان المتيمين، ولكن هذا الهيكل الجامد، لا يستطيع أن يحرك شعورك نحوي، ولست أملك وسيلة أدحض بها هذا الافتراء الذي يوحيه إليك هيكلي، ولذلك أشعر بمقت للرجال، وهاأنذا أطرد الكرى عن مقلتيك بوصفي لك شفتي الورديتين.)
فصحت قائلاً: (أقسم لك بجسدك، أنك لو كنت محتفظة به حتى الآن لما كان للاستولوجي أثر في ذاكرتي، ولكان الذي يملؤها هو صورة الحب القوي العاصف يلوح لي في غياهب الليل، ولست أذكر لك أكثر من ذلك.)
فتابع الصوت كلامه قائلاً: (لم تكن لي فتاة شقيقة، أما أخي الوحيد فقد وطد العزم على ألاَّ يتزوج، وكنت أقضي الوقت منفردة في الحديقة أتفيأ ظلال الأشجار المتهدلة، وأسبح في بحر الخيال. فأتصور العالم كله يعبد جمالي، وأن النجوم الزهر تسكر من حسن طلعتي، وأن الرياح تدوي إعجاباً بي، والعشب المخضر يضطرب ثملاً حين أخطر فوقه، وكنت أحسب شباب العالم كلهم كالأعشاب التي أطؤها بقدمي، ولكن قلبي لأمر ما كان ينطوي على شيء من الألم، وكان لأخي صديق اسمه (شيكار) أتم دراسته بكلية الطب وأصبح طبيب العائلة، وكنت أرقبه عن كثب من خلال الأستار، أما أخي فقد كان رجلاً شاذاً اعتزل الناس، وأوى إلى ركن مظلم، وإذ كان (شيكار) صديقه الوحيد فقد أبيح لي أن ألقاه، وكنت إذا مضيت إلى الحديقة مساء، تخيلت كل عشبها (شيكارا) آخر. أمنصت أنت إلي؟ فيم تفكر الآن؟)
стр. 4694
فقلت (أفكر فيما لو كنت (شيكارا) هذا!)
فقال الصوت: (تمهل قليلاً، وأنصت للقصة كاملة، ففي يوم ممطر، أصابتني الحمى، وجاء الطبيب يعودني، وكانت هذه أول مرة ألقاه فيها، وكنت أتكئ على حافة النافذة حتى تصبغ حمرة الشفق المودع وجنتي، وحين جاء الطبيب تأمل في وجهي ملياً فقلدته، وتأملت في نفسي فخيل إلى أن وجهي وردة حمراء، قد ألقيت على وسادة بيضاء، فسأل الطبيب أخي أن يجس النبض، ولم أر طبيباً أجبن منه، حتى أن أصابعه كانت تضطرب ولا تستقر حين أقبل يتلمس معصمي، وفي النهاية سجل حرارة الحمى التي انتابتني، أما أنا فقد قدرت خفقان قلبه، أعندك شك في ذلك؟)
فقلت: (كلا. كلا، إن خفقات الفؤاد لتحكي قصته!!)
فقال الصوت: (بعد أن أبللت من مرضي المنهك، ألفيت كل أحبابي قد رغبوا عني، وأخيراً أصبح الطبيب يعود مريضاً فحسب، وكنت في هذه الأمسيات أرتدي ثوباً أبيض، وقد تدلت عليه ضفائر شعري المحلاة بزهور الياسمين الأبيض، ومن ثم أتخذ مقعدي المعتاد تحت أفنان الأشجار ومرآتي في يدي، وربما تظن أن رؤية الشخص لصورته وجماله في المرآة تجعله ملولاً. ولكن الواقع غير ذلك، لأني لم أكن أرى نفسي بعيني رأسي، لقد كنت شخصين في جسد واحد، فكنت أنظر لنفسي بعين الطبيب، وشعرت بجنون الحب، ولكن برغم هذا الدلال الذي أسرفت فيه قد كانت آهة حبيسة تتردد في صدري وتئن كما تئن رياح الليل، ولم أكن في ذلك الحين وحيدة، بل كنت حين أسير أتطلع بعين كئيبة إلى أصابع قدمي وأعجب ماذا تكون حالة الطبيب لو أنه شاهدني الآن، أما في الظهيرة، حين تتوسط ذكاء كبد السماء، ولا يسمع صوت هنا أو هناك إلا صيحة حدأة لا تلبث أن تتلاشى، فقد كان يمر خلف سور حديقتنا بائع الصقور ينادي (صقور زجاجية للبيع) وحينذاك أبسط على العشب خرقة بيضاء أجلس عليها وأعتمد رأسي بكفي، ويدي الأخرى تعبث بالحشائش، وكنت أتخيل أن هناك من يرقبني في مجلسي هذا ويعجب بي، ويود لو أنه طبع قبلة على أطراف أصابعي الوردية. . ولكن كيف أتم لك قصتي، وفي استطاعتي أن أسامرك حتى الصباح ولكن ذلك يبغضها لك. . . . إذن دعني أظل في قصتي، أما الطبيب فحين مارس صناعته جيداً استأجر غرفة في الدور الأرضي بمنزلنا وجعلها عيادة
стр. 4695
للمرضى، وكنت أتسلى بسؤالي إياه عن الأدوية والسموم والمقدار الذي يميت من هذا الدواء أو ذاك، ولكن هذه الأحاديث أخذت طوراً آخر، فقد جعلتني أتأمل في فكرة الموت، وكان الحب والموت شاغلي تفكيري وحياتي
مضى على ذلك ردح من الزمن، لاحظت فيه على الطبيب تشتت الذاكرة، وخيل إلي أنه يحتفظ في صدره بسر يخجل أن يحدثني عنه، وفي ذات ليلة جاء مرتدياً كثيراً من الملابس واستعار مركبة أخي، وهنا ثارت الدهشة في نفسي، ومضيت استفسره عن كل شيء، وبعد أن تجاذبت معه الحديث سألته: ألك أن تخبرني يا (دادا) عن وجهة الطبيب هذه الليلة وقد استعار مركبتك؟. . . . فأجابني أخي في صوت أجش (إلى الموت) فصحت به (أخبرني حقيقة أين هو ذاهب). . فقال في شيء من الصراحة (مضى ليتزوج) فتعالت ضحكاتي طويلاً وقلت: أحقاً ما تقول؟
وعرفت حينذاك أن العروس وريثة ثرّية، ستنفح الطبيب مبلغاً كبيراً من المال، ولكن لماذا كان يخدعني طيلة الوقت بإخفائه ذلك عني، وهل توسلت إليه ألا يتزوج حتى لا يحطم قلبي؟ ولكن تلك سجية الرجال طبعوا عليها فتصديقهم ضرب من البلاهة، لقد عرفت في حياتي كلها رجلاً واحداً، ولكنه سرعان ما اختفى وتفقدته فلم أجده.
وبعد أن أتم الطبيب عمله وعاد الينا، وتهيأ للعمل سألته ضاحكة: لقد أحسنت يا دكتور، أعزمت على الزواج هذه الليلة؟ ولم يُفقده سروري ابتسامة محياه فحسب، بل أثاره ذلك فسألته: (ولمَ لم توقد الثريات ولم تعزف الموسيقى؟)
فأجابني في تنهد: (وهل تحسبين في الزواج سعادة أو لذة؟)
فانفجرت ضاحكة وقلت: لا، لا، لن يكون ذلك، وهل هناك عرس لم توقد فيه المصابيح ولم تعزف الموسيقى؟
وظللت أزعج أخي حتى أصدر أمره بإحضار جماعة الموسيقى، وكنت أبتسم طيلة الوقت، وأتحدث عن العروس وحياتها، وما سأفعله حين تأتي المنزل. وسألته: خبرني يا دكتور هل ستظل تجس النبض؟ ثم انفجرت ضاحكة؛ وتم عقد الزواج في ساعة متأخرة من الليل، وقبل ابتدائه كان أخي والطبيب قد جلسا إلى خوان صغير يشربان كأساً من الخمر، ولما هتك القمر أسداف الظلام، سألت الطبيب: (أنسيت عروسك وقد حان الوقت؟) ومضيت إلى
следующие страницы →