Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
القصص
الهيكل العظمي
للشاعر الفيلسوف رابندرانات طاغور
في الغرفة المجاورة لحجرة نومنا - نحن الأطفال - كان هناك هيكل عظمي معلقاً، يجلجل في الليل حين يداعب النسيم عظامه، أما في النهار فقد كنا نحركه بأنفسنا، وكان يدرس لنا علم العظام طالب بمدرسة طب كامبل، ذلك لأن مَن حولنا وطدوا العزم على أن يجعلوا منا أساتذة مبرّزين في كل المواد، ومهما كان نجاحنا فلم نكن لنخبر به أحداً ممن يعرفنا، كما كنا نخفي ذلك عمن لا يمت إلينا بصلة.
مرت سنون اختفى في أثنائها الهيكل من الحجرة، كما محيت بقايا علم الأستولوجيا من ذاكرتنا، ولم تترك وراءها أثرا، وفي يوم من الأيام كان منزلنا في هرج يموج بالضيوف، وقدّر لي أن أقضي الليلة في الحجرة القديمة، وعبثاً كنت أحاولإغراء الكرى ليطرق جفوني؛ وبينما أنا أتقلب في مضجعي سمعت كل ساعات الليل تدق دقة واحدة إثر أخرى في المعبد المجاور لي، وبعد عدة دقائق انطفأ المصباح الموضوع في ركن الحجرة، بعد أن ظل شعاعه الخفَّاق يضطرب، فأسلمني الظلام إلى تذكر بعض أحباء فقدناهم، وتأملت خفوت الشعاع في محيط من الديجور القاتم، ومن ثم قارنت بينه وبين خروج الروح من أجسامنا البشرية الضئيلة وهالني الشبه العظيم بينهما.
وقد جعلني تداعي الأفكار أفكر في الهيكل العظمي، وبينا أنا أرسم في خيالي صورة للجسد البشري الذي كان يكسو هاتيك العظام النخرة، خيّل إليّ إني أسمع وقع أقدام تجوس خلال الحجرة وحول الفراش وتتلمس الجدران، وأحسست إني أسمع أنفاس المتجول المضطربة، وكأنما أعياه البحث فمضى يذرع الغرفة جيئة وذهوباً، وخدعت نفسي بأن ما أسمع ليس إلاّ من قبيل الوهم، وما صوره لي إلا الأرق الطويل، وتشتت العقل، ومحاكاة اضطراب أعصابي حاكي لوقع الأقدام؛ ومع ذلك فقد عرتني قشعريرة سرت في جسدي، ولكي أتخلص من هذا الوهم هتفت صارخاً: (مَن هنا؟) وإذا بالساري يقف حذاء فراشي ويقول: (إنه أنا، لقد جئت أفتش عن هيكلي الذي بارحته). فرأيت من الجبن أن أتخاذل أمام مخلوق صوّره وهمي، وجسَّمه خيالي؛ فأمسكت جيداً بالوسادة وقلت: إنه عمل جميل في هذا الوقت
стр. 4692
المتأخر من الليل! ما جدوى هذا الهيكل لك الآن؟ وإذا بالصوت يصدر من الكلة نفسها ويقول: يا له من سؤال عجيب! إن في هذا الهيكل عظاماً كانت سياجاً يقي قلبي الفتى الذي لم يجاوز السادسة والعشرين، أفلا يحق لي أن أراه مرة أخرى؟. فقلت له: (لا شك في ذلك، إنها رغبة سامية محترمة، فلتبحث عنه ما شئت، ودعني أنعم بالكرى قليلا!)
فقال الصوت: (أظنك هنا منفرداً، حسن، إني لأغتنم هذه النهزة لأجلس برهة معك، نتجاذب فيها الحديث، وتلك سجيّتي، فقيماً كنت أجلس إلى الرجال نتحادث، ولكن في الخمسة والثلاثين عاماً الأخيرة، أبدلت ذلك بأنيني مع الرياح الداوية عند قبور الأموات، وهاأنذا أتكلم مع فرد من بني البشر لأول مرة منذ مماتي).
وأحسست أن شخصاً يجلس قرب كلة سريري، فأذعنت الواقع وأجبت: (إن هذا في الحقيقة لشيء جميل جدا، وهيا بنا نتكلم في شيء طريف) فقال الصوت: (إن أجمل شيء أتذكره هو تاريخ حياتي، فدعني أقصه عليك)
وحينذاك دقت الساعة دقتين فانطلق محدثاً وقال:
(عندما كنت في ميعة العمر في دنياكم، كنت أخشى شيئاً واحداً كما أخشى الموت، ألا وهو زوجي، وكانت احساساتي أشبه باحساسات سمكة علقت بالشص، إذ كنت أحسبني هذه السمكة، وقد نزعت من ذلك الهدوء الذي شعرت به في منزل الصبا. لقد مات زوجي عقب زواجي بشهرين ولم يكن حزنهم على وفاته أكثر من حزنهم على حظي التعس، أما أبوه فقد نظر إلى وجهي ذات يوم وقال لزوجه: ألا ترين في عينها نذير الشؤم؟
ثم قال الصوت: (أمنصت أنت لقصتي: آمل أن تكون قد أعجبتك!)
فقلت: (لقد أخذت على جماع مشاعري وإن مبدأها ليشوق المرء إلى نهايتها.)
(ثم عاد الصوت يقول: دعني أتمها، لقد عدْت إلى منزل والدي، والسرور يملأ نفسي، واستنكر الناس هذا مني، ولكني كنت أعرف جيداً إني على قسط وفير من الجمال، ألا ترى ذلك؟)
(فقلت: لا شك في ذلك، ولكن يجب أن تتذكري إني لم أرك أبداً.)
فصاح الصوت: (عجباً لك! ألم ترني مطلقاً! إذن فما هذا الهيكل العظمي، ها ها، لا بأس عليك، لقد كنت أمزح معك وهل في مقدوري أن أعرفك كيف كان في هاتين الحفرتين
стр. 4693
الغائرتين عينان يشع منهما السحر، وألاّ تشابه بين الشفتين الياقوتيتين اللتين كانتا تفتران عن ابتسامة فتانة وبين تلك الأسنان القاتمة التي تعودت أن تراها، وإني كلما حاولت أن أصور لك ما كنت عليه من جمال عبقري، وحسن وبهاء ورقة، ابتسمت طربا كما أشعر بشيء من الحزن والغضب، وإن أشهر أطباء عصري لم يكن يخطر على بالهم أن عظامي ستكون يوماً وسيلة لتفهيم دروس الاستولوجي، أتعرف طبيباً شاباً - كما أعرف - قارن بيني وبين زهرة (الشامباك) وما دار بخلده أن هذا الهيكل المحطم لفتاة كانت هي زهرة الجمال، وكلما سرت شعرت بأني قطعة من الماس المتلألئ ألقيت في جوف الثرى، وأن كل حركة مني تثير عاصفة من الإعجاب، وكم أمضيت الساعات الطوال أتأمل هاتين اليدين اللتين تمناهما كثير من الشبان المتيمين، ولكن هذا الهيكل الجامد، لا يستطيع أن يحرك شعورك نحوي، ولست أملك وسيلة أدحض بها هذا الافتراء الذي يوحيه إليك هيكلي، ولذلك أشعر بمقت للرجال، وهاأنذا أطرد الكرى عن مقلتيك بوصفي لك شفتي الورديتين.)
فصحت قائلاً: (أقسم لك بجسدك، أنك لو كنت محتفظة به حتى الآن لما كان للاستولوجي أثر في ذاكرتي، ولكان الذي يملؤها هو صورة الحب القوي العاصف يلوح لي في غياهب الليل، ولست أذكر لك أكثر من ذلك.)
فتابع الصوت كلامه قائلاً: (لم تكن لي فتاة شقيقة، أما أخي الوحيد فقد وطد العزم على ألاَّ يتزوج، وكنت أقضي الوقت منفردة في الحديقة أتفيأ ظلال الأشجار المتهدلة، وأسبح في بحر الخيال. فأتصور العالم كله يعبد جمالي، وأن النجوم الزهر تسكر من حسن طلعتي، وأن الرياح تدوي إعجاباً بي، والعشب المخضر يضطرب ثملاً حين أخطر فوقه، وكنت أحسب شباب العالم كلهم كالأعشاب التي أطؤها بقدمي، ولكن قلبي لأمر ما كان ينطوي على شيء من الألم، وكان لأخي صديق اسمه (شيكار) أتم دراسته بكلية الطب وأصبح طبيب العائلة، وكنت أرقبه عن كثب من خلال الأستار، أما أخي فقد كان رجلاً شاذاً اعتزل الناس، وأوى إلى ركن مظلم، وإذ كان (شيكار) صديقه الوحيد فقد أبيح لي أن ألقاه، وكنت إذا مضيت إلى الحديقة مساء، تخيلت كل عشبها (شيكارا) آخر. أمنصت أنت إلي؟ فيم تفكر الآن؟)
стр. 4694
فقلت (أفكر فيما لو كنت (شيكارا) هذا!)
فقال الصوت: (تمهل قليلاً، وأنصت للقصة كاملة، ففي يوم ممطر، أصابتني الحمى، وجاء الطبيب يعودني، وكانت هذه أول مرة ألقاه فيها، وكنت أتكئ على حافة النافذة حتى تصبغ حمرة الشفق المودع وجنتي، وحين جاء الطبيب تأمل في وجهي ملياً فقلدته، وتأملت في نفسي فخيل إلى أن وجهي وردة حمراء، قد ألقيت على وسادة بيضاء، فسأل الطبيب أخي أن يجس النبض، ولم أر طبيباً أجبن منه، حتى أن أصابعه كانت تضطرب ولا تستقر حين أقبل يتلمس معصمي، وفي النهاية سجل حرارة الحمى التي انتابتني، أما أنا فقد قدرت خفقان قلبه، أعندك شك في ذلك؟)
فقلت: (كلا. كلا، إن خفقات الفؤاد لتحكي قصته!!)
فقال الصوت: (بعد أن أبللت من مرضي المنهك، ألفيت كل أحبابي قد رغبوا عني، وأخيراً أصبح الطبيب يعود مريضاً فحسب، وكنت في هذه الأمسيات أرتدي ثوباً أبيض، وقد تدلت عليه ضفائر شعري المحلاة بزهور الياسمين الأبيض، ومن ثم أتخذ مقعدي المعتاد تحت أفنان الأشجار ومرآتي في يدي، وربما تظن أن رؤية الشخص لصورته وجماله في المرآة تجعله ملولاً. ولكن الواقع غير ذلك، لأني لم أكن أرى نفسي بعيني رأسي، لقد كنت شخصين في جسد واحد، فكنت أنظر لنفسي بعين الطبيب، وشعرت بجنون الحب، ولكن برغم هذا الدلال الذي أسرفت فيه قد كانت آهة حبيسة تتردد في صدري وتئن كما تئن رياح الليل، ولم أكن في ذلك الحين وحيدة، بل كنت حين أسير أتطلع بعين كئيبة إلى أصابع قدمي وأعجب ماذا تكون حالة الطبيب لو أنه شاهدني الآن، أما في الظهيرة، حين تتوسط ذكاء كبد السماء، ولا يسمع صوت هنا أو هناك إلا صيحة حدأة لا تلبث أن تتلاشى، فقد كان يمر خلف سور حديقتنا بائع الصقور ينادي (صقور زجاجية للبيع) وحينذاك أبسط على العشب خرقة بيضاء أجلس عليها وأعتمد رأسي بكفي، ويدي الأخرى تعبث بالحشائش، وكنت أتخيل أن هناك من يرقبني في مجلسي هذا ويعجب بي، ويود لو أنه طبع قبلة على أطراف أصابعي الوردية. . ولكن كيف أتم لك قصتي، وفي استطاعتي أن أسامرك حتى الصباح ولكن ذلك يبغضها لك. . . . إذن دعني أظل في قصتي، أما الطبيب فحين مارس صناعته جيداً استأجر غرفة في الدور الأرضي بمنزلنا وجعلها عيادة
стр. 4695
للمرضى، وكنت أتسلى بسؤالي إياه عن الأدوية والسموم والمقدار الذي يميت من هذا الدواء أو ذاك، ولكن هذه الأحاديث أخذت طوراً آخر، فقد جعلتني أتأمل في فكرة الموت، وكان الحب والموت شاغلي تفكيري وحياتي
مضى على ذلك ردح من الزمن، لاحظت فيه على الطبيب تشتت الذاكرة، وخيل إلي أنه يحتفظ في صدره بسر يخجل أن يحدثني عنه، وفي ذات ليلة جاء مرتدياً كثيراً من الملابس واستعار مركبة أخي، وهنا ثارت الدهشة في نفسي، ومضيت استفسره عن كل شيء، وبعد أن تجاذبت معه الحديث سألته: ألك أن تخبرني يا (دادا) عن وجهة الطبيب هذه الليلة وقد استعار مركبتك؟. . . . فأجابني أخي في صوت أجش (إلى الموت) فصحت به (أخبرني حقيقة أين هو ذاهب). . فقال في شيء من الصراحة (مضى ليتزوج) فتعالت ضحكاتي طويلاً وقلت: أحقاً ما تقول؟
وعرفت حينذاك أن العروس وريثة ثرّية، ستنفح الطبيب مبلغاً كبيراً من المال، ولكن لماذا كان يخدعني طيلة الوقت بإخفائه ذلك عني، وهل توسلت إليه ألا يتزوج حتى لا يحطم قلبي؟ ولكن تلك سجية الرجال طبعوا عليها فتصديقهم ضرب من البلاهة، لقد عرفت في حياتي كلها رجلاً واحداً، ولكنه سرعان ما اختفى وتفقدته فلم أجده.
وبعد أن أتم الطبيب عمله وعاد الينا، وتهيأ للعمل سألته ضاحكة: لقد أحسنت يا دكتور، أعزمت على الزواج هذه الليلة؟ ولم يُفقده سروري ابتسامة محياه فحسب، بل أثاره ذلك فسألته: (ولمَ لم توقد الثريات ولم تعزف الموسيقى؟)
فأجابني في تنهد: (وهل تحسبين في الزواج سعادة أو لذة؟)
فانفجرت ضاحكة وقلت: لا، لا، لن يكون ذلك، وهل هناك عرس لم توقد فيه المصابيح ولم تعزف الموسيقى؟
وظللت أزعج أخي حتى أصدر أمره بإحضار جماعة الموسيقى، وكنت أبتسم طيلة الوقت، وأتحدث عن العروس وحياتها، وما سأفعله حين تأتي المنزل. وسألته: خبرني يا دكتور هل ستظل تجس النبض؟ ثم انفجرت ضاحكة؛ وتم عقد الزواج في ساعة متأخرة من الليل، وقبل ابتدائه كان أخي والطبيب قد جلسا إلى خوان صغير يشربان كأساً من الخمر، ولما هتك القمر أسداف الظلام، سألت الطبيب: (أنسيت عروسك وقد حان الوقت؟) ومضيت إلى
стр. 4696
صيدليته أتلمس فيها قليلاً من مسحوق وضعته في كوبته حين كان مشغولاً عنها. وإذ ذاك رفعها إلى فمه وتجرّعها دفعة واحدة، ثم صوّب إلى نظرة اخترقت شغاف قلبي وقال: الآن سأذهب إلى حيث لا عودة لي أو مآب.
ولما صمتت الموسيقى للراحة، مضيت إلى غرفتي وارتديت ثياب عرسي الحريرية الموشاة بالذهب، وأخذت جواهري كلها ووضعت شارة العرس الحمراء على مفرقي، ومن ثم هيأت فراشي تحت شجرة في الحديقة.
وكانت ليلة جميلة ناعمة، ورياح الشمال الهادئة تقبّل ما تمر عليه فتحمل الطمأنينة إلى القلوب، وقد فاح في أرجاء الحديقة عطر الياسمين الشذى، وبينما الموسيقى آخذة في الهدوء شيئاً فشيئاً، كان وجه القمر يلتحف حجب السحاب المغبر القاتم، وبدأت أغيب عن الدنيا رويداً رويدا، وأفقد شعوري، وأغلقت عيني مبتسمة، وتذكرت مجيء الناس ومشاهدتهم إياي هنا، ولكن وا أسفاه على الملابس الحريرية المذهبة؛ وحين استيقظت على صوت لغط حولي، ألفيت ثلاثة شبان يدرسون علم العظام على هيكلي، فجاشت في نفسي الآلام وأخذت زهرات الشباب تتفتح عن أكمامها، وإذا بالأستاذ يشير بعصاه إلى عظامي مسمياً إياها بأسمائها العلمية، ولكن أترى أثراً لهذه الابتسامة الأخيرة، وهل أعجبتك القصة؟ فقلت يالها من قصة رائعة!
وفي هذه اللحظة زنت أول صيحة وقلت: (أأنت هنا؟) فلم يجيبني سوى الصدى، وحينذاك كانت أشعة الصباح قد نفذت إلى الحجرة.
حسن محمد محمود
стр. 4697
العدد ٥٦ - بتاريخ: ٣٠ - ٠٧ - ١٩٣٤
стр. 4698
بين السياسة والأدب أيضاً
أشارت (الرسالة) في عددها الماضي إلى كلمة أسف وعتاب مُر كتبتها إحدى الزميلات الدمشقيات لمناسبة وفاة شيخ العروبة المغفور له احمد زكي باشا، تشكو فيها من طغيان السياسة على الأدب في مصر، وتنعى علينا تقصيرنا في حق العظماء الراحلين من أدبائنا ومفكرينا، وتلاحظ أن العلامة الراحل لم يشيع إلى مقره الأخير بما يجب لعلمه وأدبه وخدماته للإسلام والعرب، من التجلة والاهتمام؛ هذا بينما تغمر ذكرى بعض الراحلين من رجال السياسة بمظاهر الإجلال الشامل، وتفرد لها في الصحف عشرات الفصول الرنانة، ويحتفى بها أيما احتفاء.
ونعود فنعقب على ما كتبته الرسالة بأن ملاحظة الزميلة الدمشقية جديرة بكثير من التأمل، وفيما تنعيه علينا كثير من الحق. فنحن نشعر منذ أعوام طويلة بطغيان الاعتبارات السياسية على كثير من مظاهر حياتنا العامة والخاصة، ونشعر بما تجنيه هذه الاعتبارات على كرامة التفكير والأدب. وقد ظهر هذا الأثر في مواطن ما زالت تثير في نفوسنا كثيراً من الأسى والألم. ففي مثل هذا الوقت منذ عامين، توفي شاعر مصر الكبير المغفور له حافظ إبراهيم، فكان حقاً لعظمته وعبقريته أن يكون جنازه حادثاً قومياً عظيماً تشترك فيه الأمة كلها شعباً وحكومة؛ ولكن حافظاً شيع إلى قبره في حشد متواضع من الأصدقاء والمعجبين، وحالت الاعتبارات السياسية دون أن يسبغ على جنازه أية صفة رسمية أو قومية، ولم يقم لذكراه أي حفل تأبين لائق. وكان لهذا الإغفال المؤلم صداه يومئذ، فألفت لجنة من بعض الكبراء والأدباء أصدقاء حافظ لتستدرك هذا التقصير المعيب في حقه، ولتقوم بما يجب لتخليد ذكراه؛ ولكن هذه اللجنة لم توفق للأسف إلى القيام في هذا السبيل بعمل يذكر؛ ولم تبد دوائر الأدب من جانبها أي اهتمام بحافظ وتراثه، ولا زالت ذكرى الشاعر العظيم نسياً منسياً.
وثمة حادث آخر ظهر فيه طغيان هذا التيار السيئ، هو أنه لما أرادت الحكومة أن تكرم ذكرى أمير الشعراء المغفور له احمد شوقي بك في حفل رسمي دعت إليه ممثلي الأقطار العربية الشقيقة، لم تفكر في زميله وقرينه حافظ؛ ولو أنها أرادت أن تكرم ذكرى الشعر للشعر والأدب للأدب ولم تبد مثل هذه التفرقة بين رجلين اشتركا في حمل زعامة الشعر العربي زهاء ربع قرن، وساهما في مجد مصر الأدبي بقسطين متعادلين لكان عملها جديراً
стр. 4699
بكل تقدير. ولكن ظروف هذا الحفل كلها كانت تنم عن تغلب هذه الاعتبارات الخاصة في إقامته وفي تنظيمه؛ وهي ظروف واعتبارات شعر بها ولاحظها وأسف لها جميع إخواننا مندوبي الأقطار العربية الذين شهدوا هذا الاحتفال.
وبعد فهل نسي أحد قصة مثّال مصر العظيم مختار وما جنته الاعتبارات السياسية على شخصه وفنه أثناء حياته ثم بعد وفاته؟ لقد قضى مختار معذباً منسياً مهضوم الحقوق، لا تحفل الحكومة بأمره، ولا تذكر أن له فناً وآثاراً رفعت اسم مصر عالياً؛ وحذت الهيئات العلمية والأدبية حذو الحكومة في تناسي مختار وفنه وذكراه.
وهذا الروح المعيب يكاد يتغلغل في جميع الهيئات المصرية، رسمية، وغير رسمية. وفي كل يوم ترتكب في ظله وتحت تأثيره تصرفات يأباها العلم والأدب، وتأباها اللياقة والذوق السليم. وكثيراً ما تجني هذه التصرفات على العلم والأدب، وحقوق العلماء والأدباء. والأمثلة عديدة معروفة لا يتسع المقام لذكرها، والتبعة في ذلك لا تقع على الهيئات الرسمية أو الحزبية وحدها وإنما تقع أيضاً على الهيئات العلمية والأدبية نفسها، وعلى العلماء والأدباء أنفسهم. أما تبعة الهيئات، والهيئات الرسمية بنوع خاص، ففي إنها تمزج بين السياسة والأدب عن عمد وتدبير، وتخضع الأدب والعلم لمؤثرات السياسة وهواها؛ هذا مع إن التفكير والأدب تراث قومي عام، بل هما تراث إنساني يرتفع فوق جميع الاعتبارات والمؤثرات الحزبية والمذهبية. ومن واجب الحكومات والهيئات المستنيرة أن تقدر هذا المبدأ وأن تحترمه دائماً. وإنما تبعة الهيئات العلمية والأدبية والعلماء والأدباء، ففي أنهم بجمودهم وتقصيرهم يشجعون على تلك التصرفات المغرضة المعيبة، وأحياناً يساهمون في ارتكابها متأثرين بنفس تلك الاعتبارات التي يجب عليهم أن يحاربوها بكل قواهم.
لقد جنت هذه الاعتبارات والمؤثرات على تفكيرنا وأخلاقنا وأصابت حركتنا الأدبية بكثير من ضروب الفساد والشر، وكانت هيئاتنا الرسمية والعامة دائماً في ذلك قدوة لا تحمد. وما زلنا منذ أعوام نعاني هذا الإفساد ونستكين له. أفلم يحن الوقت إذاً لكي نحارب هذا التيار الخطر ونعمل على إقناع حكومتنا وهيئاتنا العامة بأن الحركة الأدبية يجب أن تحرر من تلك المؤثرات والاعتبارات الخاصة، وإن التراث الفكري والأدبي يجب أن ينظر إليه لذاته، وإن من حق المفكرين والأدباء أن ينالوا دائماً، أثناء حياتهم وبعد مماتهم، من رعاية
стр. 4700
حكومتهم وأمتهم ما هو جدير بأقدارهم العلمية والأدبية قبل كل شئ؟
(ا. ع)
стр. 4701
نجار ونجار
للأستاذ احمد أمين
استأجر دكاناً أمام منزلنا الأسطى حسن النجار.
وهو شاب في نحو الثلاثين من عمره، مهزول الجسم، أصفر الوجه، ينتعل نعلاً بالية، ويلبس ثياباً رثة، وعلى رأسه طربوش أسفله أسود، وأعلاه أحمر، وقد دفعه إلى الوراء ليظهر (قصته) من شعره، فرّعها فروعاً ورفعها إلى السماء لتناطح السحاب.
ينظر إليك بعين منتفخة كأنه قريب العهد - دائماً - بنوم طويل ثقيل، ويمشي متطرحاً كأن في رأسه - دائماً - فضلة خُمار، وعلى وجهه غبرة كأن الماء لم يمسه أبداً، أقوى شئ فيه لسانه في السباب، وصوته في النزاع.
ليس لفتح دكانه أو إغلاقه موعد ولا لعمله وراحته وقت محدد، يحلو له أحياناً أن يغلقه في الصباح ويفتحه في الظهر إذا بدأ الناس يقيلون، وأحياناً يسره أن يتركه مغلقاً طوال النهار ويفتحه ليلاً حيث يبدأ الناس في النوم، فيضئ مصباحه ويخرج عدده وأدواته في الشارع، ويأخذ في نجارته ما حلا له ذلك، فحيناً إلى الفجر، وحيناً إلى الصباح، تحاول أن تصده عن ذلك وتنصحه فيظهر الطاعة ثم يستمر في خطته؛ وأحياناً تنقلب دكانه في الليل حلبة الكميت، يتنادمون ويتشاربون حتى إذا تمشت الخمر في مفاصلهم، ودبت في عظامهم، ذهبت بهم كل مذهب، وأخذت منهم كل مأخذ. فتغنوا أحياناً، فوقع الغناء في نفوسهم أحسن موقع، وصاحوا جميعاً بصوت واحد: آه! ممدودة ما طاوعتهم أنفاسهم - وأحياناً يعدلون عن الغناء إلى تبادل النكات، ويعقبون كل نكتة بضحكة عالية تسر نفوسهم وتخرق آذان جيرانهم.
وإذا فتح الدكان نهاراً فمعرض غريب، لا لجودة المصنوعات ولا دقة المعروضات، ولكن لأصحاب الحاجات قد أتوا يطالبون بإنجاز أعمالهم، والشكوى من تأخير طلباتهم، ثم يصل الأمر في أغلب الأحيان إلى تدخل البوليس، وأحياناً يكون ما هو أدهى وأمر، إذ يكون قد سلم إليه صاحب حاجة دولابه أو كرسيه لإصلاحه فلم يجد دولابه ولا كرسيه، لأن الأسطى حسن اضطرته الحاجة الملحة فباعه وأضاع ثمنه.
وهكذا أصبح شارعنا بحمد الله معرضاً في النهار للسباب والمشاكل والخصومات
стр. 4702
والبوليس، ومنتدى جميلاً ليلاً لأهل السماح الملاح، إلى الصباح.
وأخيراً عدت من عملي يوماً فرأيت الزحام شديداً على دكان الأسطى حسن، وإذا جلبة وضوضاء، وصياح يملأ الآذان؛ وإذا المنادي ينادي لبيع عدد النجارة وأدواتها:
منشار في حالة جيدة!
عشرة قروش - أحد عشر - إثنا عشر
ألاوونا - ألادو - ألاتريه
وهكذا حتى تم بيع كل ما في الدكان وفاءاً لكرائها خمسة شهور تأخرت على الأسطى حسن. وكان شعوري إذ ذاك مزيجاً من غبطة وألم، وحزن وفرح فقد آلمتني خاتمته، وأفرحني ما منيت به نفسي بعد ذلك من نوم هادئ سعيد.
ودعوت ربي جاهداً ألا يرغب في الدكان مستأجراً بعد، فإن كان ولابد فكواء أو عطار، لا نجار ولا بائع فراخ ولا مبيض نحاس، وقصرت شكواي على الله بعد أن جربت البوليس فوجدته لا يأبه لهذه السفاسف وليس له من الزمن، ما يلفته لهذه الصغائر.
ولكن أبى القدر أن يستجيب دعوتي - وكأن الدكان وقف على سكنى النجارين - فقد سكنها أيضاً هذه المرة نجار، ولكنه من صنف آخر - هو نجار رومي، لم أشعر بسكناه إلا بعد شهر، لأنه لم يكن في عمله شئ غير عادي، فهو يفتح دكانه وقت العمل ويغلقها عند الغروب، وينجر فتندمج أصوات دقاته ونجارته في أصوات البائعين وحركات المارين وأصوات السيارات.
دعوته يوماً لإصلاح دولاب، فإذا شاب يشترك مع الأسطى حسن في سنه، ويختلف عنه في كل شئ آخر، جميل الهندام وإن لم يكن ثمينه، صفف شعره في أناقة ولمعان بينما اعتنى الأسطى حسن (بقصته) فقط - عمل عمله في هدوء وإتقان، وكأنه يحترم نفسه ويحترم عمله، ويقدر نوع معيشته وما يلزم لها، فطلب ضعف ما كان يطلبه زميله فدفعته راضياً.
له في جوارنا ستة أشهر أو تزيد لم أسمع صوته، ولم أسمع شاكياً من تأخر موعد أو تصرف سيئ. ولم يقلق راحتي كما أقلقها من كان قبله، فهو وإن لم يكن كواء أو عطاراً كالذي رجوت فليس شراً منهما، وتبين بعد أن الأمر ليس نوع الصناعة، وإنما هو نوع
стр. 4703
الصانع.
ونزلت بيتاً في ضاحية من ضواحي الإسكندرية، فرأيت (فيلا) جميلة على شاطئ البحر، لا يسكن مثلها - عادة - إلا من ورمت جيوبهم، وانتفخت محافظهم، راديو، وبيانو، وما شئت من أسباب النعيم ورفاهة العيش؛ ولكن لفت نظري رجل يلبس قباء، ويحزم وسطه بحزام، وعليه جاكتة بسيطة نظيفة، قد أرخى لحيته، ودفع طربوشه إلى الوراء، يحمل أقمشة على كتفه يكاد ينوء بحملها، وهو من الصنف اليهودي الذي نراه يجول في الشارع كل يوم يبيع (الدمور) و (الزفير) و (الباتستا). حيرني أمر هذه (الفيلا) بجمالها ونظافتها، وأمر هذا الرجل، يخرج صباحاً يحمل سلعته على كتفه وقد هزلت؛ أمستأجر هذا الرجل حجرة صغيرة في البيت، أم قريب فقير لأصحابه عطفوا عليه وآووه واحتملوا منه أن يعيش بينهم وينزل في مسكنهم؟ وفي الحق كان هذا لغزاً شغلني شرحه، وأعياني حله؛ ثم هدتني المصادفة البحتة إلى اكتشاف الأمر وافتضاح السر: هو رب البيت! وهو عميد الأسرة، وليس فيها إلا زوجه وأولاده، ولكن كلهم يعمل، وكلهم يكسب: هذه خياطة، وإحدى بناتها معلمة بيانو، وهذا ابنه كهربائي، وهذا الآخر يعمل في مصلحة التلغراف، وكل كاسب يعطي ما كسب لأبيه، ويجمعون من ذلك ما يجمعه موظف وسط أو فوق الوسط، ثم هم جميعاً يعلمون كيف يعيشون، وكيف ينعمون بالعيش بأقل مصرف، ويعلمون ما ينفقون وما يدخرون.
قارنت بين هذا الرجل ورجل مصري آخر كان يجول أمام بيتنا أيضاً، يحمل سلعة كسلعة اليهودي، وينادي على (حرير المحلة)، وتصورته وبؤسه، وتصورت أسرته وبؤسها، وكيف يتحد العملان، وتتباين المعيشتان.
ثم نسمع الشكوى الحارة من العمال العاطلين، والمتعلمين العاطلين، ونسمع من يرجع العلة إلى تفشي الأمية حيناً، وإلى نوع الدراسة حيناً، وإلى غير ذلك من أسباب، وليس في نظري سبب أهم من نقص الأخلاق؛ ولست أعني أخلاق العمل، من معرفة طرق الكسب، وإجادة العمل، وحسن العرض، وعدم الأنفة من مزاولة الحرفة مهما حقرت، وضبط الدخل والخرج، وفوق ذلك كله العلم بفن الحياة.
احمد أمين
стр. 4704
القبلة الأولى. .!
هي البريد الذي حمل عني رسالة حبك، والإخلاص لك، فأداها في أمانة وطهر. .
هي الوحي الذي هبط بالألفة، وارتفع بالكلفة. .
هي الرسول الذي بلّغك ذوب عاطفتي في صدق وفطانة. .
هي طابع الوفاء ختمتُ به على يغرك الزاهي الجميل. .
هي اعتراف بالمحبة أبرقتُ به إلى قلبك من أخصر طريق. .
هي تذكار الصفاء سجّلته على لطف شفتيك. .
هي برهان الولاء استخلصته من سحر عينيك. .
هي التصريح الصامت لما يكنه القلب من لوعة وهيام. .
هي الضغطة الرفيقة التي تذكي في النفس الحب والغرام. .
هي السلسبيل الصافي الذي يندّى لها المدنف الولهان. .
هي النسمة الوادعة اللينة التي تطيف بالنفوس فتنتعش. .
هي الأرج الذاكي الذي تمتلئ به الصدور فتنشرح. .
هي الرحيق المختوم، والوردة النضرة، والزهرة المتفتحة. .
هي الجمال كله. يعلن عن نفسه في خفوت وهمس يزيدانه روعة ورهبة. ويملآنه إجلالاً وهيبة. .
كمال الدين حسين
مدرس
стр. 4705
أحلام في الشارع
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
على عتبة (البنك) نام الغلام وأخته يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جواً رخامياً في برده وصلابته على جسميهما.
الطفل متكبكب في ثوبه كأنه جسم قُطّع وركمت أعضاؤه بعضها على بعض، وسجّيت بثوب ورمي الرأس من فوقها فمال على خده.
والفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة، بدأها المصور ثم أغفلها إذ لم تعجبه. كتب الفقر عليها للأعين ما يكتب الذبول على الزهرة: أنها صارت قشاً. . .
نائمة في صورة ميتة، أو كميتة في صورة نائمة؛ وقد انسكب ضوء القمر على وجهها وبقي وجه أخيها في الظل؛ كأن في السماء ملكاً وجه إليها المصباح وحدها إذ عرف أن الطفل ليس في وجهه علامة همّ، وأن في وجهها هي كل همها وهم أخيها.
من أجل أنها أنثى قد خلقت لتلد، خلق لها قلب يحمل الهموم ويلدها ويربيها.
من أجل أنها أعدت للأمومة، تتألم دائماً في الحياة آلاماً فيها معنى انفجار الدم.
من أجل أنها هي التي تزيد الوجود، يزيد هذا الوجود دائماً في أحزانها.
وإذا كانت بطبيعتها تقاسي الألم لا يطاق حين تلد فرحها، فكيف بها في الحزن. . .!
وكان رأس الطفل إلى صدر أخته وقد نام مطمئناً إلى هذا الوجود النسويّ الذي لابد منه لكل طفل مثله مادام الطفل إذا خرج من بطن أمه خرج إلى الدنيا وإلى صدرها معاً.
ونامت هي ورأسها مرسلة على أخيها كيد الأم على طفلها. يا إلهي! نامت ويدها مستيقظة!
أهما طفلان؟ أم كلاهما تمثال للإنسانية التي شقيت بالسعداء فعوّضها الله من رحمته ألا تجد شقياً مثلها إلا تضاعفت سعادتها به؟
تمثالان يصوران كيف يسري قلب أحد الحبيبين في الجسم الآخر فيجعل له وجوداً فوق الدنيا، لا تصل الدنيا إليه بفقرها وغناها، ولا سعادتها وشقائها، لأنه وجود الحب لا وجود العمر؛ وجود سحري ليس فيه معنى للكلمات فلا فرق بين المال والتراب، والأمير والصعلوك؛ إذ اللغة هناك إحساس الدم، وإذ المعنى ليس في أشياء المادة ولكن في أشياء الإرادة.
стр. 4706
وهل تحيا الألفاظ مع الموت، فيكون بعده للمال معنى وللتراب معنى؟. . . هي كذلك في الحب الذي يفعل شبيهاً بما يفعله الموت في نقله الحياة إلى عالم آخر، بيد أن أحد العالَمين وراء الدنيا، والآخر وراء النفس.
تحت يد الأخت الممدودة ينام الطفل المسكين، ومن شعوره بهذه اليد خفّ ثقل الدنيا على قلبه.
لم يبال أن نبذه العالم كله، مادام يجد في أخته عالم قلبه الصغير. وكأنه فرخ من فراخ الطير في عشه المعلق، وقد جمع لحمه الغض الأحمر تحت جناح أمه، فأحس أهنأ السعادة حين ضيّق في نفسه الكون العظيم وجعله وجوداً من الريش.
وكذلك يسعد كل من يملك قوة تغيير الحقائق وتبديلها، وفي هذا تفعل الطفولة في نشأة عمرها ما لا تفعل بعضه معجزات الفلسفة العليا في جملة أعمار الفلاسفة.
وما صنع الذين جنّوا بالذهب، ولا الذين فتنوا بالسلطة، ولا الذين هلكوا بالحب، ولا الذين تحطموا بالشهوات - إلا أنهم حاولوا عبثاً أن يرْشوا رحمة الله لتعطيهم في الذهب والسلطة والحب والشهوات ما نوّلته هذا الطفل المسكين النائم في أشعة الكواكب تحت ذراع كوكب روحه الأرضي.
ألا إن أعظم الملوك لن يستطيع بكل ملكه أن يشتري الطريقة الهنيئة التي ينبض بها الساعة قلب هذا الطفل.
وقفت أشهد الطفلين وأنا مستيقن أن حولهما ملائكة تصعد وملائكة تنزل، وقلت هذا موضع من مواضع الرحمة، فإن الله مع المنكسرة قلوبهم، ولعلي أن أتعرض لنفحة من نفحاتها، ولعل ملكاً كريماً يقول: وهذا بائس آخر. فيرفّني بجناحه رفّة ما أحوج نفسي إليها، تجد بها في الأرض لمسة من ذلك النور المتلألئ فوق الشمس والقمر.
وظهر لي بناء (البنك) في ظلمة الليل من مرأى الغلامين - أسود كالحاً، كأنه سجن أقفل على شيطان يمسكه إلى الصبح، ثم يفتح له لينطلق معمّراً، أي مخرباً. . . أو هو جسم جبار كفر بالله وبالإنسانية ولم يؤمن إلا بنفسه وحظوظ نفسه فمسخه الله بناءً، وأحاطه من هذا الظلام الأسود بمعاني آثامه وكفره.
يا عجباً! بطنان جائعان في أطمار بالية يبيتان على الطّوى والهمّ، ثم لا يكون وسادهما إلا
стр. 4707
عتبة البنك! ترى من الذي لعن (البنك) بهذه اللعنة الحية؟ ومن الذي وضع هذين القلبين الفارغين موضعهما ذلك ليثبت للناس أن ليس البنك خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب. .؟
وقفت أرى الطفلين رؤية فكر ورؤية شعر معاً، فإذا الفكر والشعر يمتدان بيني وبين أحلامهما، ودخلت في نفسين مضّهما الهم واشتد عليهما الفقر، وما من شئ في الحياة إلا كادّهما وعاسرهما؛ ونمت نومتي الشعرية. . .
قال الطفل لأخته: هلمي فلنذهب من هنا فنقف على باب (السيما) نتفرج مما بنا، فنرى أولاد الأغنياء الذين لهم أب وأم.
انظري هاهم أولاء يُرى عليهم أثر الغنى، وتعرف فيهم روح النعمة؛ وقد شبعوا. . . إنهم يلبسون لحماً على عظامهم، أما نحن فنلبس على عظامنا جلداً كجلد الحذاء؛ إنهم أولاد أهليهم، أما نحن فأولاد الأرض؛ هم أطفال، ونحن حطب إنساني يابس؛ يعيشون في الحياة ثم يموتون، أما نحن فعيشنا هو سكرات الموت، إلى أن نموت؛ لهم عيش وموت، ولنا الموت مكرراً.
ويلي على ذلك الطفل الأبيض السمين، الحسن البزّة، الأنيق الشارة، ذاك الذي يأكل الحلوى أكل لص قد سرق طعاماً فأسرع يحدر في جوفه ما سرق؛ هو الغنى الذي جعله يبتلع بهذه الشراهة كأنما يشرب ما يأكل، أو له حلق غير الحلوق، ونحن - إذا أكلنا - نغصّ بالخبز لا أُدْمَ معه، وإذا ارتفعنا عن هذه الحالة لم نجد إلا البشيع من الطعام وأصبناه عِفناً أو فاسداً لا يسوغ في الحلق، فإذا انخفضنا فليس إلا ما نتقمم من قشور الأرض ومن حُتات الخبز كالدواب والكلاب؛ وإن لم نجد ومسّنا العُدم وقفنا نتحيّن طعام قوم في دار أو نُزُل فنراهم يأكلون فنأكل معهم بأعيننا، ولا نطمع أن نستطعمهم وإلا أطعمونا ضرباً فنكون قد جئناهم بألم واحد فردّونا بألمين، ونفقد بالضرب ما كان يمسك رمقنا من الاحتمال والصبر.
هؤلاء الأطفال يتضورون شهوة كلما أكلوا فيعودوا ليأكلوا، ونحن نتضور جوعاً ولا نأكل، لنعود فنجوع ولا نأكل، وهم بين سمع أهليهم وبصرهم؛ ما من أنّة إلا وقعت في قلب، وما من كلمة إلا وجدت إجابة؛ ونحن بين سمع الشوارع وبصرها، أنين ضائع، ودموع غير مرحومة!
стр. 4708
آه لو كبرت فصرت رجلاً طويلاً عريضاً! أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا احمد؟
- إنني أخنق بيديّ كل هؤلاء الأطفال!
- سَوأة لك يا احمد، كل طفل من هؤلاء له أم مثل أمنا التي ماتت، وله أخت مثلي؛ فما عسى ينزل بي لو ثكلتك إذا خنقك رجل طويل عريض؟
- لا، لا أخنقهم؛ بل سأرضيهم من نفسي؛ أنا أريد أن أصير رجلاً مثل (المدير) الذي رأيناه في سيارته اليوم على حال من السطوة تعلن أنه مدير. . . أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا احمد؟
- أرأيت عربة الإسعاف التي جاءت عند الظهر فانقلبت نعشاً للرجل الهرم المحطم الذي أغمي عليه في الطريق.؟ سمعتهم يقولون: إن المدير هو الذي أمر باتخاذ هذه العربة، ولكنه رجل غُفل لم يتعلم من الحياة مثلنا، ولم تحكِمه تجارب الدنيا فالذي يموت بالفجاءة أو غيرها لا يحييه المدير ولا غير المدير، والذي يقع في الطريق يجد من الناس من يبتدرونه لنجدته وإسعافه بقلوب إنسانية رحيمة، لا بقلب سواق عربة ينتظر المصيبة على إنها رزق وعيش.
إن عربات الإسعاف هذه يجب أن يكون فيها أكل. . ويجب أن تحمل أمثالنا من الطرق والشوارع إلى البيوت والمدارس؛ وإن لم يكن للطفل أم تطعمه وتؤويه فلتصنع له أم.
كل شئ أراه لا أراه إلا على الغلط، كأن الدنيا منقلبة أو مدبرة أدبارها، وما قطّ رأيت الأمور في بلادنا جارية على مجاريها؛ فهؤلاء الحكام لا ينبغي أن يكونوا إلا من أولاد صالحي الفقراء، ليحكموا بقانون الفقر والرحمة، لا بقانون الغنى والقسوة، وليتقحموا الأمور العظيمة المشتبهة بنفوس عظيمة صريحة قد نبتت على صلابة وبأس، وخلق ودين ورحمة؛ فإنه لا ينهزم في معركة الحوادث إلا روح النعمة في أهل النعمة، وأخلاق اللين في أهل اللين؛ وبهؤلاء لم يبرح الشرق من هزيمة سياسية في كل حادثة سياسية.
إن للحكم لحماً ودماً هو لحم الحاكم ودمه؛ فإن كان صلباً خشناً فيه روح الأرض وروح السماء فذاك، وإلا قتل اللين والترف الحكم والحاكم جميعاً. وهؤلاء الحكام من أولاد الأغنياء لا يكون لهم هم إلا أن يرفعوا من شأن أنفسهم، إذ السلطة درجة فوق الغنى، ومن
стр. 4709
نال هذه استشرف لتلك، فإذا جمعوهما كان منهما الخلق الظالم الذي يصور لهم الاعتداء قوة وسطوة وعلوّاً، من حيث عدموا الخلق الرحيم الذي يصور لهم هذه القوة ضعفاً وجبناً ونذالة. إن أحدهم إذا حكم وتسلط أراد أن يضرب، ثم لم تكن ضربته الأولى إلا في المبدأ الاجتماعي للأمة، أو في الأصل الأدبي للإنسانية. ويحرصون على ما به تمامهم، أي على السلطة، أي على الحكم؛ فيحملهم ذلك على أن يتكلفوا للحرص أخلاقه، وأن يجمعوا في أنفسهم أسبابه؛ من المداراة والمصانعة والمهاونة، نازلاً فنازلاً إلى درك بعيد، فينشرون أسوأ الأخلاق بقوة القانون ماداموا هم القوة.
- وماذا تريد أن يصنع أولاد الأغنياء يا احمد؟
- أما أولاد الأغنياء فيجب أن يباشروا الصناعة والتجارة ليجدوا عملاً شريفاً يصيبون منه رزقهم بأيديهم لا بأيدي آبائهم، فإنه والله لولا العمى الاجتماعي لما كان فرق بين ابن أمير متبطّل في أملاك أبيه من القصور والضياع وابن فقير متبطل في أملاك المجلس البلدي من الأزقة والشوارع. . .
وابن الأمير إذا كان نجاراً أو حداداً أصلح السوق والشارع بأخلاقه الطيبة اللينة، وتعففه وكرمه، فيتعلم سواد الناس منه الأمانة والصدق، إذ هو لا يكذب ولا يسرق مادام فوق الاضطرار، ولا كذلك ابن الفقير الذي يضطره العيش أن يكون تاجراً أو صانعاً فتكون حرفته التجارة، وهي السرقة، أو الصناعة وهي الغش، ويكون في الناس أكثر عمره مادة كذب وإثم ولصوصية.
آه لو صرت مديراً! أتدرين ماذا أصنع؟
- ماذا تصنع يا احمد؟
- أعمد إلى الأغنياء فأردهم بالقوة إلى الإنسانية، وأحملهم عليها حملاً، وأصلح فيهم صفاتها التي أفسدها الترف واللين والنعمة، ثم أصلح ما أخل به الفقر من صفات الإنسانية بالفقراء، وأحملهم على ذلك حملاً، فيستوي هؤلاء وهؤلاء، ويتقاربون على أصل في الدم إن لم يلده آباؤهم ولده القانون. ألا إن سقوط أمتنا هذه لم يأت إلا من تعادي الصفات الإنسانية في أفرادها، فتقطّع ما بينهم، فهم أعداء في وطنهم، وإن كان اسمهم أهل وطنهم.
ومتى أحكمت الصفات الإنسانية في الأمة كلها ودانى بعضها بعضاً - صار قانون كل فرد
стр. 4710
كلمتين، لا كلمة واحدة كما هو الآن. القانون الآن (حقي) ونحن نريد أن يكون (حقي وواجبي) وما أهلك الفقراء بالأغنياء، ولا الأغنياء بالفقراء ولا المحكومين بالحكام إلا قانون الكلمة الواحدة.
أنا احمد المدير. . . لست المدير بما في نفس احمد، ولا بمعدته وبطنه، ولا بما يريد احمد لنفسه وأولاده. . . كلا، أنا عمل اجتماعي منظم يحكم أعمال الناس بالعدل، أنا خلق ثابت يوجه أخلاقهم بالقوة، أنا الحياة الأم مع الحياة الأطفال الأخوة في هذا البيت الذي يسمى الوطن، أنا الرحمة، عندي الجنة ولكن عندي جهنم أيضاً مادام في الناس من يعصي، أنا بكل ذلك لست احمد، لكني الإصلاح.
هأنذا قد صرت مديراً أعسّ في الطريق بالليل وأتفقد الناس ونوائبهم.
من أرى؟ هذا طفل وأخته نائمان على عتبة البنك في حياة كأهدامهما المرقعة، في دنيا تمزقت عليهما، قم يا بني، لا تُرَع إنما أنا كأبيك، تقول اسمك احمد، واسم أختك أمينة؟
تقول: إنك ما نمت من الجوع، ولكن مضمضت عينك بشعاع النوم؟
يا ولديّ المسكينين بأي ذنب من ذنوبكما دقتكما الأيام دقاً وطحنتكما طحناً، وبأي فضيلة من الفضائل يكون ابن فلان باشا وبنت فلان باشا في هذا العيش اللين يختاران منه ويتأنقان فيه، ما الذي ضر الوطن منكما فتموتا، وما الذي نفع الوطن منهما فيعيشا؟
إن كنت يا بني لا تملك لنفسك الانتصار من هذه الظليمة فأنا أملكها لك، وإنما أنا المظلوم إلى أن تنتصر، وإنما أنا الضعيف إلى أن آخذ لك الحق.
إليّ بابن فلان باشا وبنت فلان باشا.
يا هذا عليك أخاك احمد ولتكن به حفياً، ويا هذه عليك أختك الآنسة أمينة. . .
أتأبيان، أنفرةً من الإنسانية، وتمرداً على الفضيلة، أحقاً بلا واجب، دائماً قانون الكلمة الواحدة!؟ خلقتما أبيضين سخرية من القدر وأنتما في النفس أحبوشة الزنج ومناكيد العبيد.
ورفع احمد يده. . . .
وكان الشرطي الذي يقوم على هذا الشارع، وإليه حراسة البنك قد توسنهما ودخلته الريبة، فانتهى إليهما في تلك اللحظة وقبل أن تنزل يد سعادة المدير بالصفعة على وجه ابن الباشا وبنت الباشا كان هذا الشرطي قد ركله برجله فوثب قائماً واجتذب أخته وانطلقا عَدْو الخيل
стр. 4711
منم ألهوب السوط.
وتمجدت الفضيلة كعادتها. .!. . أن مسكيناً حلم بها. .
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4712
أدب الرواة المسلمين
فن في الأدب العربي يحتفظ بقيمته وجدته
للأستاذ محمد عبد الله عنان
فن من فنون الأدب العربي لم تذهب الأيام بجدته؛ ولا يزال تراثه رغم كر الزمن يحتفظ بقيمته الفنية فضلاً عن قيمته التاريخية؛ ذلك هو فن السياحة والمشاهدة. ففي الأدب الغربي، القديم والحديث، تتبوأ كتب السياحة والمشاهدة مكانة رفيعة، سواء كانت لمكتشف يرود مجاهل القارات ثم يسجل اكتشافاته، أو لكاتب يجوب البلاد بقصد الدرس والمشاهدة ويدون ملاحظاته ومشاعره. وقد كانت كتب السياحة قبل قرنين أو ثلاثة تعتبر دائماً بالنسبة للمجتمعات التي كتبت لها كتب استكشاف تلقي أضواء جديدة على أحوال المجتمعات التي كتبت عنها؛ فلما تقدمت المواصلات وتقاربت الشعوب، وكثر تعارفها، وتوثقت بينها الصلات العلمية والأدبية، لم يبق للسائح المتجول ما يكتشفه من أحوال الشعوب المتمدنة أو التي تأخذ بقسط من الحضارة، إلا ما يمليه عليه الدرس الخاص لأحوال هذه الشعوب، وأصبحت كتب الاستكشاف وقفاً على رواد المجاهل والعلماء الذين يجوبون معهم مجاهل البحار أو اليابسة ليكشفوا جديداً من الآثار أو الأنواع. وكتب الفريق الأول يغلب عليها الطابع الأدبي، وأما كتب الرواد الفنيين فيغلب عليها الطابع العلمي.
وقد عرف الأدب العربي فن السياحة والمشاهدة في عصر مبكر جداً. فمنذ القرن الثالث نرى الجغرافيين العرب يطوفون أرجاء العالم المعروف يومئذ للوقوف على أحوال البلدان والأقاليم المختلفة وخواصها ويدونون مشاهداتهم في كتب لا زالت حجة عصرها. ومن أعظم هؤلاء الجغرافيين الرحل، اليعقوبي الذي طاف العالم الإسلامي من السند إلى الأندلس وتجول في جميع بلاد فارس والجزيرة ومصر والمغرب والأندلس في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، ووضع كتابه الجامع (البلدان)، والمسعودي المؤرخ والجغرافي الذي طاف أنحاء العالم الإسلامي شرقاً حتى الهند والصين وجزائر الهند الشرقية، واخترق المحيط الهندي حتى شواطئ أفريقية الشرقية وجزيرة مدغشقر، وشهد عجائب هذه الآفاق، ودونها في كتبه ولاسيما مروج الذهب والتنبيه والإشراف، وذلك في أوائل القرن الرابع الهجري. بيد أننا لا نريد أن نتحدث هنا عن هؤلاء العلماء
стр. 4713
والجغرافيين، وإنما نتحدث بالأخص عن طائفة من الرحل والمكتشفين المسلمين الذين تصور آثارهم أحوال البلاد والمجتمعات التي شهدوها، وتعتبر من الوجهة الفنية آثاراً وصفية اجتماعية قبل أن تعتبر آثاراً جغرافية. ولدينا في الواقع ثبت حافل من أولئك الرواد المشغوفين بالسياحة ودراسة أحوال الأمم، ولدينا كثير من آثارهم التي ما زالت تعتبر رغم قدمها نماذج حسنة لهذا النوع من الأدب المفيد الشائق معاً. وما نذكره منهم ومن آثارهم في هذا الفصل، نذكره على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر؛ وإنما نلاحظ أن الذين عرفوا منهم وعرفت آثارهم هم أقلية صغيرة بالنسبة إلى أولئك الذين لم تصل إلينا آثارهم أو التي انتهت آثارهم إلينا، ولكنها ما زالت مخطوطات منسية في ظلمات المكاتب العامة والخاصة.
ومن أقدم أولئك الرواد الوصفيين الذين انتهت آثارهم إلينا أبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي الذي أنفق نحو ثلاثين عاماً في الطواف بالأمم الإسلامية من بغداد إلى الأندلس، يدرس أحوالها وخواصها وأحوال شعوبها ومجتمعاتها، وذلك في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي). وقد دون ابن حوقل رحلته ومشاهداته في كتاب أسماه (المسالك والممالك)، وهو أثر يجمع بين الناحية الجغرافية والناحية الوصفية. بيد أنه يعنى بالمشاهدات الوصفية عناية خاصة، وفيه يدون ابن حوقل خلال أخبار رحلته أحوال الأمم التي مر بها وما شاهده فيها من المناظر والمعاهد والآثار والخواص التي تستحق الذكر. وقد مرّ ابن حوقل خلال رحلته بمصر، في أواخر الدولة الأخشيدية، وخصص لمشاهداته فيها فصلاً طويلاً يصف فيه مصر الفسطاط ومعاهدها والنيل ومجراه، وكثيراً من أحوال المجتمع المصري يومئذ. وأسلوبه يجمع بين الطابعين العلمي والأدبي. ولدينا في القرن السادس رحالتان شهيران أحدهما يجوب العالم المعروف يومئذ من المشرق إلى المغرب، والآخر يجوبه من المغرب إلى المشرق، والأول هو أبو الحسن علي بن أبي بكر المعروف بالسائح الهروي، نسبة إلى هراة بلدة أسرته. وقد ولع أبو الحسن بالأسفار منذ حداثته، وخرج من الموصل مسقط رأسه يجوب أنحاء العالم لغير قصد سوى التفرج والاستكشاف، وذلك نحو سنة ٥٦٨هـ (١١٧٣م)، وأنفق زهاء ربع قرن في رحلته، فطاف أرجاء الشام وفلسطين ومصر، وقبرص وغرب الأناضول وزار قسطنطينية
стр. 4714
عاصمة الدولة البيزنطية، واخترق البحر الأبيض وتجول في جزائره حتى صقلية؛ ولم يترك، على قول ابن خلكان (براً ولا بحراً ولا سهلاً ولا جبلاً من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلا رآه، ولم يصل إلى موضع إلا كتب خطه في حائطه). واشتهر ذلك في الآفاق كلها، وهو الوحيد الذي تلقبه الرواية الإسلامية (بالسائح) وأسره الفرنج والقرصان مراراً، وضاعت كتبه ومذكراته، كما يخبرنا بذلك كتابه الذي انتهى إلينا، وهو سفر صغير عنوانه (الإشارات إلى معرفة الزيارات) وفيه يقص باختصار سير رحلته، وما شاهده من الأماكن والمعاهد، دون وصف ولا إسهاب. وفي أواخر القرن السادس استقر أبو الحسن في حلب بعد طول التجوال، ونال حظوة لدى أميرها وتوفي سنة ٦١١هـ (١٢١٤م) ودفن بتربة أعدها لنفسه، وكتب عليها حسب وصيته ومن إنشائه تلك الكلمات المؤثرة: (هذه تربة العبد الغريب الوحيد علي بن أبي بكر الهروي، عاش غريباً، ومات وحيداً، لا صديقاً يرثيه، ولا خليلاً يبكيه، ولا أهطل يزورونه، ولا إخوان يقصدونه، ولا ولد يطلبه، ولا زوجة تندبه؛ آنس الله وحدته، ورحم غربته).
وأما الثاني فهو أبو الحسين محمد بن احمد بن جبير الأندلسي. رحل من الأندلس شرقاً إلى أفريقية ومصر والشام والحجاز. وكان رحالة بطبيعته قوي الملاحظة والوصف. رحل من غرناطة إلى المشرق ثلاث مرات، الأولى سنة ٥٧٨هـ والثانية سنة ٥٨٥هـ، والثالثة في أواخر القرن السادس، وقطع البحر الأبيض مراراً، وطاف بمعظم جزائره وثغوره الجنوبية والشرقية، وتجول في بلاد مصر والشام والحجاز، وقاسى في أثناء تجواله كثيراً من الشدائد، وأشرف مراراً على الهلاك في البحر، واستقر أخيراً بالإسكندرية وتوفي بها سنة ٦١٤هـ (١٢١٧م) ودون أخبار رحلاته في سفر كبير ممتع يسميه (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار). وفيه يدون مشاهداته في الأمم والبلاد التي زارها؛ ويقص حوادث أسفاره مفصلة بالتواريخ في نوع من (المذكرات)؛ وهو أثر شائق الأسلوب والوصف يعتبر نموذجاً بديعاً لأدب الرواد.
ونستطيع أن نذكر من الرواد المسلمين في هذا العصر أيضاً، عبد اللطيف البغدادي الطبيب العلامة الذي وفد على مصر في أواخر القرن السادس الهجري، وطاف بعد ذلك فلسطين والشام وبلاد الروم الأناضول يدرس أحوالها ومجتمعاتها. وقد دون عبد اللطيف مشاهداته
стр. 4715
في مصر في كتاب كبير لم يصل إلينا، ولكن وصلت إلينا منه عدة فصول اختارها عبد اللطيف وسماها كتاب (الإفادة والاعتبار) وهي فصول قوية بديعة عن أحوال مصر وخواصها الطبيعية والاجتماعية، يغلب عليها الأسلوب العلمي الذي يمتاز به مؤلفها.
على أن أعظم الرواد المسلمين هو أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الطنجي الشهير بابن بطوطة. ولم يكن ابن بطوطة رحالة عظيماً فقط يجوب أنحاء العالم المعروف يومئذ، بل كان أيضاً مكتشفاً عظيماً يقصد إلى مجاهل البر والبحر. وكتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) وهو المعروف برحلة ابن بطوطة أجمل وأنفس أثر عربي في هذا النوع من الأدب. وقد خرج ابن بطوطة من طنجة مسقط رأسه في سنة ٧٢٥هـ (١٣٢٥م) يجوب أقطار العالم، واخترق بلاد المغرب ومصر والشام وبلاد العرب وبلاد الروم وقسطنطينية، وفارس وخراسان وتركستان والهند وسيلان والصين وجزائر الهند الشرقية؛ واخترق في عوده قلب أفريقية من السودان إلى بلاد النيجر؛ ووقف على كثير من مجاهل بعض الأقطار والأمم التي لم تكن معروفة يومئذ تمام المعرفة؛ ووصل إلى أعالي نهر النيجر وإلى تمبكتو وسكوتو قبل أن يصل إليها الرواد الأوربيون ويكتشفها الرحالة الإنجليزي منجوبارك بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون. وسلخ في رحلاته نحو ربع قرن؛ وترك لنا عن أسفاره واكتشافاته ومشاهداته ذلك الأثر الذي يعتبر بحق من أبدع آثار السياحة والاكتشاف.
وقد لبث أدب الرواد متصلاً في العربية حتى العصر الحديث؛ فنجد المقري مؤرخ الأندلس - مثلاً - يصف لنا فاتحة (نفح الطيب) رحلته البحرية من المغرب إلى المشرق في أسلوب رائع؛ ونجد العلامة الصوفي عبد الغني النابلسي يجوب بلاد الشام ومصر والحجاز، وذلك سنة ١١٠٥هـ (١٦٩٤م)، ويترك لنا عن أسفاره ومشاهداته أثراً نفيساً هو كتاب (الحقيقة والمجاز) الذي تحتفظ دار الكتب بنسخة خطية منه.
ومما تقدم نرى أن أدب السياحة قد بدأ في العربية في عصر مبكر، واستمر على كر العصور. وكثيراً ما قيل إن تراث الأدب العربي أضحى قديماً لا يساير العصر، وأن فنونه قد عفت، وأنه ليس في تعداد فنونه ومناحيه كالأدب الغربي. ولكنا نستطيع أن نقول هنا على الأقل، إن الأدب العربي قد سبق الأدب الغربي في فن السياحة والمشاهدة بعصور
стр. 4716
طويلة؛ وهذا مترتب بالطبع على إن الرواد المسلمين كانوا أسبق من الرواد الغربيين إلى التجوال في أنحاء العالم المعروف يومئذ، وإلى ارتياد الكثير من الأنحاء المجهولة. والواقع أن أول رحالة غربي كبير ارتاد أنحاء المشرق وآسيا هو الرحالة الإيطالي مركو بولو؛ وكانت رحلته إلى المشرق في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر؛ هذا بينما يرجع نشاط الرواد المسلمين إلى القرنين الثاني والثالث من الهجرة (القرنين الثامن والتاسع من الميلاد). وأقدم أثر غربي قيم في السياحة هو أثر مركو بولو الذي يصف فيه أحوال الأقطار الأسيوية ولاسيما الشرق الأقصى. وقد كان أول أثر استطاع الغرب أن يقف فيه على عظمة الشرق يومئذ وبذخه وبهائه وروعة حضارته. ولكن الأمم الإسلامية كانت تعرف أقصى الأمم الشرقية ومعظم الأمم الغربية على يد جغرافييها وروادها قبل ذلك بقرون.
على أنه مما يؤسف له أن أدب السياحة في العربية قد انحط في العصر الأخير، كما انحط كثير من فنونها، وأضحى نوعاً من المشاهدات الطائرة تكرر في كل فرصة وفي كل أثر جديد، وتكتب بالأسلوب الصحفي الركيك، وتقف عند الأخبار والمشاهدات السطحية، كوصف السفينة والبحر والشوارع والفنادق والملاهي، بأساليب وعبارات مملة؛ وقلما يعنى السائح المتفرج بالمشاهدات والدراسات العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ومن الأسف أننا لا نستطيع أن نجد بين كتب السياحة التي أخرجت في العصر الأخير كثيراً من الآثار التي تمتاز بقيمتها الأدبية والفنية.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4717
حول اقتراح
نقابة للأدباء للشبان
بقلم حنفي غالي
قرأت المقال الشيق الممتع الذي نشرته مجلة الرسالة الغراء لذلك الأديب الكبير مقترحاً فيه تأليف نقابة للأدباء الشبان، تجمع شملهم، وتوحد كلمتهم، ويكون لهم منها قوة ترد عنهم هجمات المعتدين، ودرع يقيهم طعنات الطاعنين؛ فراقني منه ميل خالص للعدل، ورغبة صادقة في الإنصاف، فأحببت أن أقول في هذا الموضوع كلمة صريحة لوجه الحق، غير متأثر من جانبي الشبان أو الشيوخ برغبة أو رهبة.
وكم كنت أود أن يتجه اقتراح الأديب اتجاهاً غير اتجاهه، ويرمي إلى غاية غير غايته، فيدعو إلى تكوين جماعات من الشباب تلتف كل منها حول شيخ أو أكثر من شيوخ الأدب، تفيده وتستفيد منه؛ تفيده بإعلاء ذكره وإظهار فضله وإعانته في عمله، ونستفيد منه بالاستماع لنصائحه والتشرب بروحه والتأدب بأدبه؛ ويكون هذا خيراً من تأليف نقابة تغري بالمصارعة وتغري بالمناجزة، وأليق برجال يجتمعون قاطبة حول عرش الفن، ويتعبدون له ويتقدمون بقرابينهم إليه، لا فارق فيهم بين شاب وشيخ، وخامل ونابه، ومغمور ومشهور. نعم كنت أصبو إلى تلك الأمنية وأتحرق شوقاً إليها؛ ولكنني الآن قد انصرفت عنها وزهدت فيها، فقد هممت بالعمل على تحقيقها وإنفاذها في العام الماضي إجابة لرغبة شيخ من شيوخ الأدب محبب إليّ، عزيز عليّ، فوجدت السبيل إلى ذلك شائكاً وعراً بسبب المعركة التي احتدمت حينئذ بين الأدباء الشبان والشيوخ والتي لا زال جرحها وقتالها يسقطون حتى اليوم، فرغبت في الوقف على أسبابها، وتعرف من أوقد شعلتها الأولى، أهم الشيخ أم الشباب! واستطعت باتصالي بهؤلاء وأولئك أن أستشف روح كل منهما، وأستكنه خبيئة نفسه؛ فعلمت علم اليقين أن التبعة في ذلك إنما يقع أكثرها على الشيوخ، لأنني وجدت في الأدباء الشباب كرماً وتضحية وإن كان فيهم غرور. أما الشيوخ فلست أغالي إذا وصفتهم بعنت الحزازة وصلف الأستاذية - كما يقول الأستاذ صاحب الرسالة - بل بالخروج عن طور الحكمة والرزانة المعروفة عنهم، أو المفروضة فيهم على الأقل؛ ولله ما أعجب تقلبات الأيام! فقد كان هؤلاء الشيوخ بعينهم ينعون على رجال
стр. 4718
المدرسة القديمة واستبدادهم وتخطيهم الرقاب بشهرتهم، واستغنائهم عن الإخلاص والصدق ويفخرون بأن مذهبهم الجديد إنما يقوم على أساس من الحجج الناصعة، والبراهين الدامغة؛ ولا يبغي سوى الحرية والحق، وما زالوا يعملون المعاول في المذهب القديم حتى أحالوه صعيداً جرزاً، ولكن ما كادوا ينتصرون ويفرح الشباب بهذا الانتصار وتفيض نفوسهم غبطة وابتهاج له، حتى تبدلت نفوسهم، وتجهمت قلوبهم، وأصبحوا للشباب ألد الأعداء، بعد أن كانوا أخلص الأصدقاء، وأخذوا يضعون اللجم في الأفواه والأصفاد حول الأعضاد، والعقبات في سبيل النفوس الناشئة السائرة على الدرب، وبذلك مثل شيوخ الأدب في مصر وفي القرن العشرين المأساة المبكية المضحكة التي مثلها من قبلهم رجال الثورة الفرنسية حين ثاروا على استبداد البوربون، فقوضوا صرحه، ثم أقاموا مكانه استبداد نابليون، أليس كذلك؟!
رحم الله المدرسة القديمة وطيب ثرى رجالها الأبرار! لقد قال الأستاذ الدكتور طه حسين عن أحدهم وهو المغفور حفنى بك ناصف (كنا نستعينه على أن نكون خيراً منه، وكان يعيننا على ذلك راضياً به مبتسماً له راغباً فيه). فأين هذه العلاقة الأبوية العطوفة من علاقة الإذلال والاستعباد التي يريد شيوخ الأدب أن تكون بينهم وبين الشباب؟ هم يخيرون أدباء الشباب بين أمرين أحلاهما مر، أما أن يندمجوا في أشخاصهم ويفنوا فيهم ويسبحوا لهم بكرة وأصيلا وغدواً ورواحاً، وإلا فالويل والثبور لهم أن حدثتهم نفسهم بإبداء رأي حر في كتاب شيخ أو قصيدة، أو يتربصون بهم حتى إذا وقعوا في أيديهم فرائس أثخنوهم طعناً فما يبقون فيهم ذماء من حياة؛ فالموقف الأول مفسد للنفوس مميت للضمائر، والموقف الثاني مثبط للهمم مضعف للعزائم، وكلاهما لا يرضى الكرامة ولا العدل، وما كان للشباب وهم الذين طالما غسلوا بدمائهم الزكية طريق الحرية أن يقبلوا الابتعاد في الأدب بعد أن أبوه في السياسة.
ولست أرى مبرراً لهذا الموقف الشاذ الغريب من الشيوخ فالمألوف أن الأدباء يختلفون في الرأي ويختصمون في الفن فماذا يخيفهم من نقد الشباب لآثارهم؟ إلا أن الأمر لا يخلو من أحد اثنين: أما أن إنتاج الفني قوي لا مغمز فيه فلا يعقل أن النقد يغض من قدره وينقص من قيمته، أو أنه ضعيف فيكون من حق الفن ألا يدخل في حرمة المقدس. أما دعوى
стр. 4719
الشيوخ بأنهم وحدهم حراس الفن وأمناء هيكله فهي دعوى مرفوضة شكلاً وموضوعاً، مرفوضة شكلاً لسخافتها الظاهرة وبعدها عن الجد بعد ما بين الأرض والسماء، وهي مرفوضة موضوعاً لأن وسائل النقد هي الذوق والإطلاع وهما متوفران لكثير من أدباء الشباب.
والحق أن من شيوخ الأدب من هو مقدور فوق قدره، ولعل هذا سر فزعه من النقد وجزعه من كل يد تمتد إلى آثاره ولو كانت عاجزة ضعيفة.
على أنني لست أخلي أدباء الشباب من كل تبعة، ففيهم غرور يحمل بعضهم على النزول إلى ميادين لم يعدوا لها العدة ولم يتخذوا الأهبة، ولكن أي ضير على الشيوخ لو قابلوا نزوات الشباب بابتسام الأب البار الحنون الذي يغفر ويتجاوز عن كثير؟
ولقد نشأ عن هذا الموقف الشاذ بين الشيوخ والشبان أن غشى الحياة الأدبية في مصر غشاء من الحقد والرياء في النقد فلا يكاد يظهر مؤلف أدبي حتى يرفعه الأنصار إلى السماء، ويهبط به الخصوم إلى الغبراء بغير حق، فانظر ماذا فعل شيوخ الأدب بديواني الشاعرين المهندس وناجي؛ أوليس فيهما ما يستحق الإعجاب والتقدير؟ بلى، وإني لأترك الكلام هنا للأستاذ المنصف صاحب الرسالة إذ قال: إن ما فيهما من مساوئ هو من ضئال العيوب التي تختفي في بهر الجمال وروعة الصنعة، فالحكم في حياتنا الأدبية الآن للهوى والغرض لا للعقل والعدل، فما علاج هذه الحالة. إنني وإن كنت أرى في تأليف نقابة لأدباء الشباب ما يغري بالصراع والنضال، ولكنني أؤيد الاقتراح كل تأييد على أن يكون الشباب على حسن الظن بهم تسامحاً ونبلاً، فلا يكونوا البادئين بصبغ العيون بلون الدماء - كما يقول الأديب الكبير - فإذا بغى من الشيوخ باغٍ أو عدا عادٍ فليقف منه الشباب موقف المدافع في سبيل إعلاء كلمة الحق، وإقرار العدل في نصابه، ورد الأمور إلى مجراها الطبيعي.
فالنقابة بما تبثه من روح التعاون بين الشباب، وبما تخلقه من قوة الاتحاد في الغاية والغرض، ستزيل كل العقبات المصطنعة من طريقهم، وتبدد هذه السحب التي تراكمت في سماء حياتنا الأدبية، وحبذا لو امتد نشاطها فشمل جميع الأقطار العربية، وضمت بين أعضاءها أدبائها الشبان، فيكونون رسل محبة وسفراء خير.
стр. 4720
ولكن النقابة لن تكون جديرة بالتقدير والاحترام، إلا إذا كان وجه الفن قبلتها وغايتها، والإخلاص له قائدها ورائدها، فلا يتقارض أعضاؤها المديح والثناء الزائف، بل يتبادلون النصح والإرشاد الصادق، فإذا مارست سفينة الشباب في هذا السبيل القويم والصراط المستقيم، فلاشك أنها بالغة غايتها منتهية إلى بر السلامة محوطة برعاية الله ملكوءة بعنايته.
قد أمن الله مجراها وأبدلها … بحسن عاقبة من سوء منقلب
حنفي غالي
стр. 4721
حقائق
١ - الأثينيون القدامى والفرنسيون الحديثون يبذون غيرهم من الأمم في شغفهم بجمال الحياة ومباهجها. كما يبذونهم كذلك في رقة الأخلاق وظرف الشمائل.
٢ - يقول المثل (لا ألفة بين اللصوص) ومعنى ذلك أن الشر يهدم الصداقة.
٣ - إن دراسة الشعر والفصاحة الموسيقى والتصوير وغير ذلك من الفنون الجميلة تبث في الناس روح الدماثة والرقة والإيناس.
٤ - إن لتداعي الأفكار تأثيراً عظيماً جداً على العقل والأخلاق، فنرى إن اشغال الذوق توجه العقل إلى مواطن الجمال والسمو. وترد عنه أسباب الضعة والفساد، ذلك إنها تبحث على حب الأولى. والنفور من الثانية بقوة التداعي والترابط.
٥ - كما إن الموسيقى تطرب السمع. والألوان البهيجة تفتن العين. كذلك بدائع الذوق تهذب العقل لذلك نرى أن الموسيقي يؤلمه اختلال الألحان. والفنان يزعجه اضطراب الألوان، والذوق الرقيق تؤذيه شراسة الأخلاق وغلظة الطباع.
ترجمة عامر عبد الوهاب عامر
стр. 4722
الموت والخلود
للأستاذ زكي نجيب محمود
أما أحدهما فكان يحب الحياة ويخشى الموت، وأما الآخر ففيلسوف يستصغر شأنها وينفذ ببصره وراء ظواهرها الزائلة إلى حيث الحقيقة الخالدة. جمعت بينهما الأيام على مائدة واحدة فدار بينهما الحديث وتشعبت أطرافه، وما لبث الحوار بينهما طويلاً حتى مس موضع التناقض بينهما. . .
تراسيماكوس - لله ما أعجب الموت! لا يكاد يمس الحي بأطرافه الباردة، حتى تنقلب تلك القوة المفكرة المدبرة الفعالة إلى جمود الصخر، يلقى بها في جوف القبر الصامت، وكأنها بعض تربته، أفتستطيع يا صديقي أن تحدثني حديثاً جلياً واضحاً لا يغمض ولا يلتوي عن قصة هذا الموت العجيب؟ ماذا عساي أن أكون بعد هذا القضاء المحتوم؟
فيلاليش - ستكون كل شئ ولن تكون شيئاً
تراسيماكوس - لم أكن والله أتوقع منك حين طرحت السؤال، إلا عبارة كهذه مبهمة مرنة، أسرفت في المرونة والإبهام حتى وسعت كل معنى، فلم أظفر مما أريد بشىء، وماذا عسى أن أفيد من جواب يتنافر الصدر فيه مع العجز، ويتناقض شطره الأول مع شطره الثاني، فيزيد المشكلة تعقيداً على تعقيد ولا يوضح منها شيئاً؟ ولكنها الفلسفة العقيمة تأبى إلا أن تعلو بنفسها فوق مستوى الإفهام فتربك العبارة إرباكاً وتغلقها إغلاقاً، كأنما أريد لها أن تقتصر على قائليها، وكان خليقاً بها إن أرادت أن تمكن لنفسها من العقول، أن تلتمس سبيلاً طيعاً ذلولاً، لا وعراً ولا شائكاً، فيروده الرائدون جميعاً.
فيلاليش - عفواً صديقي، فما قصدت إلى التناقض عمداً بل اضطررت إليه اضطراراً، فهذه اللغة التي تواضع الناس على اصطناعها في التفاهم، لم تنشأ أول أمرها إلا لكي تكون أداة للتعبير عما يقع تحت الحس من أشياء، فلما درج الإنسان صاعداً في سلم الرقي، وبدأت تدور في رأسه خلجات من الفكر المجرد ثم أراد أن يبرزها في ثوب من اللفظ، لم تسعفه إلا هذه اللغة، التي إنما خلقت للمحسوسات، والتزم أن يجرى في قوالبها المحدودة تلك الآراء المطلقة التي لا تعرف الحدود، فلم يكن بد من هذا التناقض والاضطراب، فأنا إن فكرت في مصيرك بعد الموت، فلست أعنى بجسدك وما يطرأ عليه، بل يسبح الفكر في
стр. 4723
حقيقتك التي تكمن وراء هذا الستار من اللحم والعظم في جوهرك مجرداً عن قوالب المادة، وما أضيق اللغة عن هذا النطاق الفسيح!
تراسيماكوس - ويحك! أو تريد أن تجعل مني رجلين، فرجل من مادة في إهاب من الجلد، ورجل مجرد خبئ وراء الأستار تراه أنت من دون صاحبه؟
فيلاليش - وأي غرابة فيما أزعم يا صديقي؟ أفتظن أن هذه الأجسام والأجساد التي تنبث في أنحاء الكون، والتي تدركها بواسطة الحواس، هي كل شئ؟ اللهم إن صح هذا لكان الإنسان كتلة من اللحم والشحم والعظام، وقل على أفكاره ومشاعره وشتى مظاهره حيوية العفاء، لأنها لا تسلك إليك سبيلاً من عين أو أنف أو أذن!! لا، لكل شئ حقيقة كامنة وراء ظاهره، ما في ذلك شك ولا ريب، فإن أدركك الموت يا أخي أفنى منك هذا الفرد الذي يحاورني الآن، هذا الشخص المعين الذي أراه وأسمعه، ماذا أقول؟ هذا التراسيماكوس، فلن يكون بعد الموت شيئاً مذكوراً، ستنحل مادته وستسلك ذراتها سبلاً شتى، فطائفة إلى شجرة تدخل في تركيبها، وطائفة إلى حيوان، وثالثة إلى صخرة تلقى في طاق الكوخ لتصد عن ساكنيه الهواء كما يقول شاكسبير، ولكن ليست هذه الشخصية إلا ظاهرة فانية مع الموت، ولها بطانة باقية إلى الأبد، ليست إلا قالباً صيغت فيه حقيقتك الخالدة. فالفرد منك ظاهرة مادية عارضة محصورة في أطواق الزمان والمكان، فلها بدء وخاتمة، وهي تشغل حيزاً من الفراغ، فأما سرك وجوهرك، أما الحقيقة التي اندست في مادتك فلا تعرف زماناً ولا مكاناً، فهي في الكون منذ الأزل، أرادت أن تثبت وجود نفسها، فتجسدت في الكائنات التي ترى، فهي لا تختلف في شخصك عنها في شخصي، أو في شخص هذا الطائر الذي تراه يخفق بين أطباق الهواء. . . فإن أدركت المنية سيفنى منك الفرد، وستخلد الحقيقة ممثلة في سائر الأحياء، لعلك الآن قد آمنت بما زعمته لك من أنك لن تكون بعد الموت شيئاً، وستكون كل شئ؟
تراسيماكوس - ولكن خلودي في أشخاص آخرين لا يساوي عندي جناح بعوضة، مادمت لن أحيا بشخصي هذا، فإن كان تراسيماكوس الذي يطارحك الحديث الآن، سيفنيه الموت، فسحقاً للحقيقة، إذ ليس لي في خلودها غناء.
فيلاليش - مهلاً! هب أنك خيرت في أن تعيش بعد الموت بشخصيتك التي تتشبث بها
стр. 4724
على شرط واحد، وهو أن تسلب منك تلك الشخصية شهوراً ثلاثة فحسب، ثم ترد إليك إلى الأبد، فماذا أنت قائل؟
تراسيماكوس - لا أتردد في القبول فرحاً راضياً.
فيلاليش - ولكنك تعلم أنا لو سلبناك الوعي والشعور حيناً من الدهر، ثم بعثنا فيك اليقظة والحياة، فلن تدرك كم لبثت في غيبتك إلا أن يقص عليك نبؤها بعد البعث. فهؤلاء أصحاب الكهف أووا إلى كهفهم فضرب الله على آذانهم عدة سنين، ثم بعثهم، فقال قائل منهم كم لبثتم؟ قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم؛ مع أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا. فإن كنت كهؤلاء ستفقد إدراك الزمن، فما ضرك لو أطلنا أمد الرقاد المفروض إلى آلاف ثلاثة من السنين؟
تراسيماكوس - لا شئ، أحسبك مصيباً فيما تقول!
فيلاليش - وإذا فرضنا أن تلك الآلاف الثلاثة قد تعاقبت عليك في رقدتك، وأن أحداً لن يوقظك بعدها، أفتظن أن في ذلك وبالاً عليك؟ اللهم لا! فإن كانت عشرات قليلة من السنين قد عودتك الحياة وربطتك بها ربطاً وثيقاً، يعز عليك كثيراً أن تنفصم عراه، أليس أجدر بذلك الأمد المديد أن يعودك الموت ويوثق بينك وبينه الصلات؟ وأحسب أنك لو ظفرت بمن يبعثك ويرد إليك وعيك المفقود، لن ترضى عندئذ أن تطرح حالاً لابستك طول ذلك العهد الطويل، وسيزيد في اطمئنانك حينذاك علمك أن هذه القوة السحرية العجيبة التي تحببك في الحياة الآن، ستظل تنشر من الأحياء ملايين وملايين لا تنفك متعاقبة إلى الأبد.
تراسيماكوس - ما أبرعك في الحوار، وما أروعك في سحر المنطق وطلاوة الحديث!! إني لأكاد أستخف بشخصي وأستصغر حياتي، التي طالما أحببتها وحرصت عليها أشد الحرص ولكن هيهات، فلن أنخدع بهذا الإغراء، وما زلت أريد بعد هذا كله أن أحيا بهذه الشخصية نفسها.
فيلاليش - يا رعاك الله! كأنما بلغت شخصيتك من الكمال شأواً بعيداً، بحيث يعز ضريبها على الدهر، وكأنك عاجز الخيال لا تستطيع أن تتصور حالاً خيراً وأسمى؟ عجباً! ألا تريد أن تستبدل بنفسك الناقصة المحدودة نفساً أسمى مرتبة وأبقى خلوداً؟
تراسيماكوس - ولكنني يا صديقي لست أملك في ذلك اختياراً، فشخصي بالغاً ما بلغ من
стр. 4725
نقص وتحديد، هو نفسي، وهو عندي أعز ما في الوجود، لا أعدل به شيئاً، ولا أرجو إلا أن يمتد الأجل بهذه الذات التي ترى صورتها وتسمع صوتها، ولا يعنيني في كثير أو قليل تلك الحياة الخالدة التي تظل باقية في الكائنات الأخرى، والتي تحاول بكل ما وسعك من دليل أن تقيم الحجة على أنها حياتي أنا، فلست أرى خيراً في حياة لا أحس بنفسي أنها حياتي.
فيلاليش - لست وحدك يا صاح تريد أن تبقى، فكل كائن دبت فيه الحياة يريد البقاء، وحسبك هذا دليلاً قوياً على أن هذه الرغبة الشاملة التي تنطق فيك بهذا الرجاء، إنها ليست صيحة الفرد منك، ولكنها نزعة الوجود بأسره، إنها قوة عارمة تنشد البقاء ولا عبرة عندها بالأفراد مادامت تحقق بقاءها المنشود، فرغبة البقاء، أو إرادة الحياة، وقد التمست لنفسها الوجود والخلود، وجسدت نفسها في أفراد الكائنات، وألقت في أنفسهم وهماً بأنهم غايات مقصودة لذاتها، لكي يحرصوا على الحياة ويكونوا وسيلة صالحة لبقائها، والواقع أنهم ليسوا إلا أداة تستغلها تلك الإرادة، وسواء لديها أفنى هذا الفرد المعين أم امتد به الأجل، مادامت تجد من غيره ما يضمن بقاءها. . . حسبك يا أخي أن تعلم أنك أداة لتلك الإرادة الشاملة، وأنك صورة من صورها، وإنك لست غاية مستغلة قصدت لذاتها، وإن الحياة لن تخسر بفقدك شيئاً، بل لعلك تجني من ذلك خيراً كثيراً، لأنها كانت سجينة في قيود فرديتك، مثقلة بمادة جسدك، ثم انطلقت إلى حيث لا قيود ولا حدود! حسبك هذا لتعلم أن قصة الموت صبيانية تافهة، فليس جديراً بالخوف والإشفاق، وليست حياة الفرد خليقة بهذا التقدير العجيب، ولكم يبعثني على السخرية إنسان يتمسك بحياته ويتشبث بها، ويشفق من الموت ويخشاه، كأنه وحده الكائن الحي الذي نيط به بقاء الحياة.
تراسيماكوس - ليس لعمري أبعث على السخرية من هذا الهراء، ولولا رغبتي في السمر واللهو، لما استمعت إليك لحظة واحدة.
زكي نجيب محمود
стр. 4726
خواطر المصيف
الماء والسماء
بقلم محمد قدوري لطفي ليسانسييه في الآداب
كلاهما أحب الزرقة فآثرها لنفسه لوناً، وكلاهما آثر الرهبة فاتخذها لنفسه وصفاً، وكلاهما يمتد فلا يبلغ البصر منتهاه، ويسرح فلا يعرف الطرف مداه، قد حجب كل منهما الذي وراءه، ولم يبد كل منهما غير صفحته، لا تمل السماء النظر إلى البحر، ولا يمل البحر التطلع إلى السماء، صفحتان متشابهتان، ووجهان متقابلان، قد يبسم كل منهما لصاحبه فيصفو أديم السماء وتنبسط أسارير البحر، ويكتنف ما بينهما هدوء يشرح الصدور وترتاح له النفوس، وقد يدل كل منهما على صاحبه، ويمكر كل منهما بمقابله، فيعلو وجه السماء سحاب خفيف، أو يسدل عليها نقاب منه شفاف، وترتسم على وجه البحر تقطيبة من الموج، لا يلبث معها أن يهدأ فتزول، وقد يتجهم كل منهما لصاحبه، ويتجنى كل منهما على الآخر، فتسدل السماء على وجهها حجاباً من السماء أدكن اللون، لا يشف عن شئ ولا ينم على شئ، ويثور البحر في عنف، ويحتد في غضب، فيرغى ماؤه ويزبد موجه، ويشتكي من لطماته شاطئه، وقد تستسلم السماء إلى البكاء، فترمي البحر برذاذ من الدمع أو بوابل من المطر، وقد يزأر البحر فترعد السماء، ويزهو بياض الموج فيشتد من البرق اللمعان.
سبحان الذي جعل بينهما هذا الفضاء مجالاً للطير ومسرحاً لكل ذات جناح، وتعالى الذي جعل بينهما هذا الهواء حياة للكون، ومطلباً لكل ذي روح، ثم شاء ألا تتقطع بينهما الأسباب وألا تبعد بينهما الوسائل، فتقاربا على بعد، وتدانيا على تناء، أضاءت السماء بنور الشمس، فأرسلت على الماء من شعاعها فضة لا تذوب، وتحلت السماء بضوء القمر، فأهدت إلى الماء صورته، ورسمت على سطح البحر ظله، وتجملت السماء بوشى النجوم، فبعثت إلى البحر منه ببريق، ويا عجباً لوفاء تلك السماء لهذا الماء، ما يكاد ينقضي النهار وتعتزم الشمس المغيب، حتى توصيها إلا ما قصدت الماء في طريقها إلى الغروب، وأبلغته سراً من الأسرار لا يلبث وجه الشمس أن يحمرّ له احمراراً ينبئ عن السر، ويفصح عن مدلول الكلام، ويا عجباً لهذه السماء تضحك من أهل الأرض، فتخيل إليهم أنها تلاقي الماء عند الأفق، وتحسب أهل الأرض لها عذّلاً، فتوهمهم أنها طوقت الماء بجناحها، وأرخت
стр. 4727
على صفحته طرفاً من ذيلها، وتمكر بأهل الأرض، فكلما قربوا من الأفق ابتعد عنهم، وكلما علو عنه اتسع أمامهم مداه، ويا عجباً لهذه السماء حين تدل على الماء، وحين تتجنى على البحر، فتغري به الشمس أن ألفحيه بشواظ من نارك تنفذ منه إلى الصميم، وارميه بسهام من شعاعك تخترق منه الفؤاد، فما تكاد الشمس تأمر بأمر السماء، حتى يضيق البحر بوهج الأشعة وألم السهام، فتذوب حشاشته، وتتبخر عزيمته، وما تكاد السماء تحس حر أنفاسه، وتشعر بلافح زفراته، حتى تسيل من الأسى دموعها، وتتقرح من البكاء مقلتاها، لله شأنها!! تريد أن تلعب بالنار فلا يمسها سوء ولا يلحق بها أذى.
ويأبى البر أن يترك الأمر خالصاً بين السماء وبين الماء، فيود أن يكون له معهما شأن أي شأن، ويجب أن يكون له من كل نصيب وافر، فيلجأ البر إلى أهله يغريهم بالبحر، وويل للبحر يومئذ من الإنسان، ويسلطهم على السماء، ويا للسماء يومئذ من أهل الأرض، أما البحر فقد قدروا عليه، وهزئوا به، فركبوا متنه، ومخروا بالسفن عبابه، وجرءوا عليه فغاصوا بالعلم إلى قاعه، لم يخفهم منه موت، ولم يرهبهم فيه وحش، أقاموا فوقه الجسور، وشيدوا عليه السدود، فقطعوه ولم تبتل لهم قدم، وعبروه ولم يخلعوا لهم ثوباً. وهكذا قرب البحر من الإنسان فاستخف به، وتكشف البحر للإنسان فلم يخش ما فيه، ولو قد كان بعيداً لما استخف به أحد، ولو قد كان غامضاً لما اطمأن إليه إنسان، ففي الغموض سر رهيب، وفي عسر المنال رغبة في النوال.
ولم يكف هذا الإنسان أن يلزم الجد مع الماء، وأن يتخذ منه معيناً على الحياة، وطريقاً إلى الممالك والديار، وإنما أراد أن يمرح مع البحر، وأن يلهو بالشاطئ، فاتخذته الغيد مسرحاً يخطرن فيه، وميداناً يصلن في أرجائه، سلاحهن الجمال، وعدتهن الرشاقة، واتخذه الرجال معرضاً يرون في ما لم يكن من قبل إلى رؤيته سبيل، ويشاهدون فيه ما ليس يوجد عند غيره، واخذه هؤلاء وهؤلاء ملهى وملعباً ومصطافاً، فلم يبق للبحر من هيبته إلا اتساع مداه وتراكم لججه، ولم يعد للبحر من رهبته إلا خواطر المتأمل فيه، الناظر إليه حين يخيم عليه الظلام، وتضن عليه السماء بنورها.
أما السماء فلم يبلغ منها أهل الأرض ما بلغوا من الماء، وإنما تنافسوا في العلو إليها، وتسابقوا في الارتفاع إلى ذراها، فحالت الطبيعة بينهم وبينها، وأوقفتهم عند حد من الفضاء
стр. 4728
محدود، لا يكاد المرء يعدوه حتى يضطر إلى الهبوط أو يورد نفسه موارد الهلاك، فتعلق الناس بالريح ولم يبلغوا عنان السماء، ووقفوا منها على الأبواب ولم يبلغوا منها الصميم، وقديماً تمنى فرعون لو أنه بلغ عنان السماء، وقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى) فهلك عنه سلطانه وصد عن السبيل. وهكذا بعدت السماء عن أهل الأرض فعزت عليهم وخارت دونها قواهم، وأسرفت في النأي عن الناس، فما زالت وراءها أسرار هيهات للمرء أن يكشف عنها، وما زال فيها من الأفلاك والأجرام ما ليس يعرفه الناس إلا أماني، وقد كان أهل الأرض يفرحون لرؤية السحاب، ويستبشرون بنزول المطر، ويضحكون لبكاء السماء، فما زالوا يرون فيها مصدر الخير وسر الطبيعة وينبوع الحياة، وما زال الناس يلتمسون ضوء النهار من السماء، ويفتقدون فيها ضياء البدر أو سناء النجوم حين يخيم الظلام، فحفظوا للسماء قدسيتها، وقدروا لها هيبتها، وعرفوا الجن في الأرض، وقالوا الملائكة في السماء.
والناس يوقنون أن الله معهم أينما حلوا، موجود أينما وجدوا، وقد كائن في كل زمان، وهو كائن في كل مكان، ولكن شاءت قدسية السماء ألا تلهج الألسن بالدعاء حتى ترفع إليها الأكف وتتطلع نحوها الأبصار.
الإسكندرية
محمد قدري لطفي
стр. 4729
من الفصول التي يجب أن تقرأ مراراً
العاطفة في الأدب
لغوستاف لانسون الأستاذ بكلية الآداب في باريس
ترجمة الأستاذ محمد روحي فيصل
- ١ -
تعوق العقل عن التأمل والتفكير أمور شتى وعلل مختلفة، أهمها في نظرنا هذا الاعتقاد السائد أن نشاط الذهن يخمد العاطفة المشبوبة، ويقتل النزوة الحية، ويحبس القلب الخفاق، فلا أماني ترف، ولا أحلام تطيف، ولا ذكرى تلوح، ولا هوىً يبوح، وإنما العقل كله قد نأى عن ركدة الخمود، واستيقظ من نوم الجمود، رأى في أثر رأى، وخاطر يتلوه خاطر، ومقدمة تسوق إلى نتيجة، وتحليل يسلم إلى استنباط! إنه ليحسن بالأديب المبين أن يخنق صوت الفكر ويطمس معالمه، ثم لا ينطق سوى قلبه، ولا يترجم عن غير لبه. إذن لخلت لغته من ألوان الزينة المصطنعة، وصفا أسلوبه من أصباغ البهرجة الزائفة، ثم تراءت النفس على سجيتها الموهوبة من خلال السطور، وبرزت نقية رائعة من بين سواد المداد. .!!
هذه دعوى - على جمالها وروعتها - عاثرة خاسرة، ووجه الخطل فيها أن القلب لا يستغني عن العقل ولا يستطيع أن ينكره في حال من الأحوال. فإن قوى النفس متحدة مشتبكة، يتصل بعضها ببعض، وتتداخل إحداها في جارتها الأخرى، ويندس الضعيف منها في القوي، والكامن في البارز، والوديع في المتمرد. وإنما القلب الكبير تراه عند من له عقل كبير، والطلعة البصير يفطن إلى ألطف ما يضطرب في الفؤاد من الميول والنزعات، ويشعر بأدق العواطف وأهدأ الأحاسيس، وعلى قدر ما يكون العقل من الثراء والخصب، أو الفقر والجدب، يكون القلب عظيماً رفيعاً، أو وضيعاً خسيساً!! هؤلاء القديسون الصالحون ورجال البر والإحسان، هم أصحاب عقول نيرة تناهض عقول العباقرة والمفكرين، وقد يكون فيهم سذج غافلون فما يعني هذا أنهم حيوانات هائمة سائمة، وإن كانت محبة الله وبر عباده استجابة روحانية لنوازع القلب ومطالب الشعور، فإن تأسيس
стр. 4730
المدارس والأندية وبناء المستشفيات والملاجئ صورة من صور النطق المنظم، ومظهر من مظاهر الرأي والتدبير.
- ٢ -
يستبد الهوى المبرح، ويجور الألم البالغ، ويطغى الهيجان الثائر، فتختبط النفس وتهتاج الأعصاب ويغلي الدم، ثم تنطلق من شفاه العاني همسة محزونة، أو صرخة يائسة، أو قولة قوية جليلة، تجري خالدة على وجه الدهر، وتذهب في الناس مثلاً سائراً وحكمة مضروبة! أما النقد الحديث فما يحفل بهذا النوع من الكلام البليغ الجامع، ولا يمنحه التعظيم والإجلال مثلما تمنحه الأمم والأجيال، وإنما يراه من عمل الراوي المؤرخ الذي سرده لزملائه المعاصرين ولمن يليهم إلى يومنا هذا، ويستنكر نسبته إلى القائل الحساس، والمؤرخ - بخلاف الصحافي - يملي على الحادث رأيه ومذهبه، ويسرد الرواية على نحوه وأسلوبه، ويسكب الكلم في قالبه ومثاله.
ويغضب الرجل فيحول باطنه، ويختل ظاهره، ويضطرب إحساسه، ثم تستبين طبيعته الصامتة كما خلقها الله، وكونتها الوراثة، ووجهتها البيئة!! يقذف الكلمة من فيه فإذا هي كالسيف مضاءً ونقاوة، وإذا هي جماع فطرته النائمة، وعادته الراسخة، وغريزته الكامنة. .!!
لغة القلب آهة أو أنة، أو نداء أو عويل، ولكنه يكف عن التوجع والحنين حين تجتاحه موجة من الحب القوي أو الألم المميت، وقد قيل أن الهوى يعمي ويصم! فمن يفرق بين القلب والعقل ثم يروز الأول ويهمل الثاني، لزمه الإيجاز في البيان، والاقتضاب في الكلام، ذلك بأن المبين إذ يسمي شكواه ويدل على بلواه، إنما يعلن كل ما يكنه فؤاده من الخلجات، ويذكر كل ما يحز نفسه من اللواعج، ثم لا يرى شيئاً يتخذه مادة للكتابة ومفتاحاً للتحدث والإفاضة! تمثل محباً ملأ الحب جوانحه، وتغلغل في حناياه وأحشائه، واختلط بلحمه ودمه، شاء أن يصور هيامه المستفيض في إسهاب وتفصيل، فلتجدنه أحرص الناس على الإيجاز في التصوير، وأقلهم تبسطاً في الحديث، فما يكاد يسجل هذه الجملة المألوفة المبتذلة: (إني أحبك) حتى يعيد لفظها ويكرر معناها. سطران لا غير يخطهما المحب، ثم يرمي القلم في انكماش ووجوم!!
следующие страницы →