← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

خواطر المصيف الماء والسماء بقلم محمد قدوري لطفي ليسانسييه في الآداب كلاهما أحب الزرقة فآثرها لنفسه لوناً، وكلاهما آثر الرهبة فاتخذها لنفسه وصفاً، وكلاهما يمتد فلا يبلغ البصر منتهاه، ويسرح فلا يعرف الطرف مداه، قد حجب كل منهما الذي وراءه، ولم يبد كل منهما غير صفحته، لا تمل السماء النظر إلى البحر، ولا يمل البحر التطلع إلى السماء، صفحتان متشابهتان، ووجهان متقابلان، قد يبسم كل منهما لصاحبه فيصفو أديم السماء وتنبسط أسارير البحر، ويكتنف ما بينهما هدوء يشرح الصدور وترتاح له النفوس، وقد يدل كل منهما على صاحبه، ويمكر كل منهما بمقابله، فيعلو وجه السماء سحاب خفيف، أو يسدل عليها نقاب منه شفاف، وترتسم على وجه البحر تقطيبة من الموج، لا يلبث معها أن يهدأ فتزول، وقد يتجهم كل منهما لصاحبه، ويتجنى كل منهما على الآخر، فتسدل السماء على وجهها حجاباً من السماء أدكن اللون، لا يشف عن شئ ولا ينم على شئ، ويثور البحر في عنف، ويحتد في غضب، فيرغى ماؤه ويزبد موجه، ويشتكي من لطماته شاطئه، وقد تستسلم السماء إلى البكاء، فترمي البحر برذاذ من الدمع أو بوابل من المطر، وقد يزأر البحر فترعد السماء، ويزهو بياض الموج فيشتد من البرق اللمعان. سبحان الذي جعل بينهما هذا الفضاء مجالاً للطير ومسرحاً لكل ذات جناح، وتعالى الذي جعل بينهما هذا الهواء حياة للكون، ومطلباً لكل ذي روح، ثم شاء ألا تتقطع بينهما الأسباب وألا تبعد بينهما الوسائل، فتقاربا على بعد، وتدانيا على تناء، أضاءت السماء بنور الشمس، فأرسلت على الماء من شعاعها فضة لا تذوب، وتحلت السماء بضوء القمر، فأهدت إلى الماء صورته، ورسمت على سطح البحر ظله، وتجملت السماء بوشى النجوم، فبعثت إلى البحر منه ببريق، ويا عجباً لوفاء تلك السماء لهذا الماء، ما يكاد ينقضي النهار وتعتزم الشمس المغيب، حتى توصيها إلا ما قصدت الماء في طريقها إلى الغروب، وأبلغته سراً من الأسرار لا يلبث وجه الشمس أن يحمرّ له احمراراً ينبئ عن السر، ويفصح عن مدلول الكلام، ويا عجباً لهذه السماء تضحك من أهل الأرض، فتخيل إليهم أنها تلاقي الماء عند الأفق، وتحسب أهل الأرض لها عذّلاً، فتوهمهم أنها طوقت الماء بجناحها، وأرخت

стр. 4727

على صفحته طرفاً من ذيلها، وتمكر بأهل الأرض، فكلما قربوا من الأفق ابتعد عنهم، وكلما علو عنه اتسع أمامهم مداه، ويا عجباً لهذه السماء حين تدل على الماء، وحين تتجنى على البحر، فتغري به الشمس أن ألفحيه بشواظ من نارك تنفذ منه إلى الصميم، وارميه بسهام من شعاعك تخترق منه الفؤاد، فما تكاد الشمس تأمر بأمر السماء، حتى يضيق البحر بوهج الأشعة وألم السهام، فتذوب حشاشته، وتتبخر عزيمته، وما تكاد السماء تحس حر أنفاسه، وتشعر بلافح زفراته، حتى تسيل من الأسى دموعها، وتتقرح من البكاء مقلتاها، لله شأنها!! تريد أن تلعب بالنار فلا يمسها سوء ولا يلحق بها أذى. ويأبى البر أن يترك الأمر خالصاً بين السماء وبين الماء، فيود أن يكون له معهما شأن أي شأن، ويجب أن يكون له من كل نصيب وافر، فيلجأ البر إلى أهله يغريهم بالبحر، وويل للبحر يومئذ من الإنسان، ويسلطهم على السماء، ويا للسماء يومئذ من أهل الأرض، أما البحر فقد قدروا عليه، وهزئوا به، فركبوا متنه، ومخروا بالسفن عبابه، وجرءوا عليه فغاصوا بالعلم إلى قاعه، لم يخفهم منه موت، ولم يرهبهم فيه وحش، أقاموا فوقه الجسور، وشيدوا عليه السدود، فقطعوه ولم تبتل لهم قدم، وعبروه ولم يخلعوا لهم ثوباً. وهكذا قرب البحر من الإنسان فاستخف به، وتكشف البحر للإنسان فلم يخش ما فيه، ولو قد كان بعيداً لما استخف به أحد، ولو قد كان غامضاً لما اطمأن إليه إنسان، ففي الغموض سر رهيب، وفي عسر المنال رغبة في النوال. ولم يكف هذا الإنسان أن يلزم الجد مع الماء، وأن يتخذ منه معيناً على الحياة، وطريقاً إلى الممالك والديار، وإنما أراد أن يمرح مع البحر، وأن يلهو بالشاطئ، فاتخذته الغيد مسرحاً يخطرن فيه، وميداناً يصلن في أرجائه، سلاحهن الجمال، وعدتهن الرشاقة، واتخذه الرجال معرضاً يرون في ما لم يكن من قبل إلى رؤيته سبيل، ويشاهدون فيه ما ليس يوجد عند غيره، واخذه هؤلاء وهؤلاء ملهى وملعباً ومصطافاً، فلم يبق للبحر من هيبته إلا اتساع مداه وتراكم لججه، ولم يعد للبحر من رهبته إلا خواطر المتأمل فيه، الناظر إليه حين يخيم عليه الظلام، وتضن عليه السماء بنورها. أما السماء فلم يبلغ منها أهل الأرض ما بلغوا من الماء، وإنما تنافسوا في العلو إليها، وتسابقوا في الارتفاع إلى ذراها، فحالت الطبيعة بينهم وبينها، وأوقفتهم عند حد من الفضاء

стр. 4728

محدود، لا يكاد المرء يعدوه حتى يضطر إلى الهبوط أو يورد نفسه موارد الهلاك، فتعلق الناس بالريح ولم يبلغوا عنان السماء، ووقفوا منها على الأبواب ولم يبلغوا منها الصميم، وقديماً تمنى فرعون لو أنه بلغ عنان السماء، وقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى) فهلك عنه سلطانه وصد عن السبيل. وهكذا بعدت السماء عن أهل الأرض فعزت عليهم وخارت دونها قواهم، وأسرفت في النأي عن الناس، فما زالت وراءها أسرار هيهات للمرء أن يكشف عنها، وما زال فيها من الأفلاك والأجرام ما ليس يعرفه الناس إلا أماني، وقد كان أهل الأرض يفرحون لرؤية السحاب، ويستبشرون بنزول المطر، ويضحكون لبكاء السماء، فما زالوا يرون فيها مصدر الخير وسر الطبيعة وينبوع الحياة، وما زال الناس يلتمسون ضوء النهار من السماء، ويفتقدون فيها ضياء البدر أو سناء النجوم حين يخيم الظلام، فحفظوا للسماء قدسيتها، وقدروا لها هيبتها، وعرفوا الجن في الأرض، وقالوا الملائكة في السماء. والناس يوقنون أن الله معهم أينما حلوا، موجود أينما وجدوا، وقد كائن في كل زمان، وهو كائن في كل مكان، ولكن شاءت قدسية السماء ألا تلهج الألسن بالدعاء حتى ترفع إليها الأكف وتتطلع نحوها الأبصار. الإسكندرية محمد قدري لطفي

стр. 4729

من الفصول التي يجب أن تقرأ مراراً العاطفة في الأدب لغوستاف لانسون الأستاذ بكلية الآداب في باريس ترجمة الأستاذ محمد روحي فيصل - ١ - تعوق العقل عن التأمل والتفكير أمور شتى وعلل مختلفة، أهمها في نظرنا هذا الاعتقاد السائد أن نشاط الذهن يخمد العاطفة المشبوبة، ويقتل النزوة الحية، ويحبس القلب الخفاق، فلا أماني ترف، ولا أحلام تطيف، ولا ذكرى تلوح، ولا هوىً يبوح، وإنما العقل كله قد نأى عن ركدة الخمود، واستيقظ من نوم الجمود، رأى في أثر رأى، وخاطر يتلوه خاطر، ومقدمة تسوق إلى نتيجة، وتحليل يسلم إلى استنباط! إنه ليحسن بالأديب المبين أن يخنق صوت الفكر ويطمس معالمه، ثم لا ينطق سوى قلبه، ولا يترجم عن غير لبه. إذن لخلت لغته من ألوان الزينة المصطنعة، وصفا أسلوبه من أصباغ البهرجة الزائفة، ثم تراءت النفس على سجيتها الموهوبة من خلال السطور، وبرزت نقية رائعة من بين سواد المداد. .!! هذه دعوى - على جمالها وروعتها - عاثرة خاسرة، ووجه الخطل فيها أن القلب لا يستغني عن العقل ولا يستطيع أن ينكره في حال من الأحوال. فإن قوى النفس متحدة مشتبكة، يتصل بعضها ببعض، وتتداخل إحداها في جارتها الأخرى، ويندس الضعيف منها في القوي، والكامن في البارز، والوديع في المتمرد. وإنما القلب الكبير تراه عند من له عقل كبير، والطلعة البصير يفطن إلى ألطف ما يضطرب في الفؤاد من الميول والنزعات، ويشعر بأدق العواطف وأهدأ الأحاسيس، وعلى قدر ما يكون العقل من الثراء والخصب، أو الفقر والجدب، يكون القلب عظيماً رفيعاً، أو وضيعاً خسيساً!! هؤلاء القديسون الصالحون ورجال البر والإحسان، هم أصحاب عقول نيرة تناهض عقول العباقرة والمفكرين، وقد يكون فيهم سذج غافلون فما يعني هذا أنهم حيوانات هائمة سائمة، وإن كانت محبة الله وبر عباده استجابة روحانية لنوازع القلب ومطالب الشعور، فإن تأسيس

стр. 4730

المدارس والأندية وبناء المستشفيات والملاجئ صورة من صور النطق المنظم، ومظهر من مظاهر الرأي والتدبير. - ٢ - يستبد الهوى المبرح، ويجور الألم البالغ، ويطغى الهيجان الثائر، فتختبط النفس وتهتاج الأعصاب ويغلي الدم، ثم تنطلق من شفاه العاني همسة محزونة، أو صرخة يائسة، أو قولة قوية جليلة، تجري خالدة على وجه الدهر، وتذهب في الناس مثلاً سائراً وحكمة مضروبة! أما النقد الحديث فما يحفل بهذا النوع من الكلام البليغ الجامع، ولا يمنحه التعظيم والإجلال مثلما تمنحه الأمم والأجيال، وإنما يراه من عمل الراوي المؤرخ الذي سرده لزملائه المعاصرين ولمن يليهم إلى يومنا هذا، ويستنكر نسبته إلى القائل الحساس، والمؤرخ - بخلاف الصحافي - يملي على الحادث رأيه ومذهبه، ويسرد الرواية على نحوه وأسلوبه، ويسكب الكلم في قالبه ومثاله. ويغضب الرجل فيحول باطنه، ويختل ظاهره، ويضطرب إحساسه، ثم تستبين طبيعته الصامتة كما خلقها الله، وكونتها الوراثة، ووجهتها البيئة!! يقذف الكلمة من فيه فإذا هي كالسيف مضاءً ونقاوة، وإذا هي جماع فطرته النائمة، وعادته الراسخة، وغريزته الكامنة. .!! لغة القلب آهة أو أنة، أو نداء أو عويل، ولكنه يكف عن التوجع والحنين حين تجتاحه موجة من الحب القوي أو الألم المميت، وقد قيل أن الهوى يعمي ويصم! فمن يفرق بين القلب والعقل ثم يروز الأول ويهمل الثاني، لزمه الإيجاز في البيان، والاقتضاب في الكلام، ذلك بأن المبين إذ يسمي شكواه ويدل على بلواه، إنما يعلن كل ما يكنه فؤاده من الخلجات، ويذكر كل ما يحز نفسه من اللواعج، ثم لا يرى شيئاً يتخذه مادة للكتابة ومفتاحاً للتحدث والإفاضة! تمثل محباً ملأ الحب جوانحه، وتغلغل في حناياه وأحشائه، واختلط بلحمه ودمه، شاء أن يصور هيامه المستفيض في إسهاب وتفصيل، فلتجدنه أحرص الناس على الإيجاز في التصوير، وأقلهم تبسطاً في الحديث، فما يكاد يسجل هذه الجملة المألوفة المبتذلة: (إني أحبك) حتى يعيد لفظها ويكرر معناها. سطران لا غير يخطهما المحب، ثم يرمي القلم في انكماش ووجوم!!

стр. 4731

ونلاحظ أن النفس الراضية المطمئنة قد تلتوي على الكاتب، وتجهده عند الإعراب والتبيين، وتستهلك ملكاته النابهة، وأدواته القوية. أما الميول المصطدمة والأهواء المتعاكسة، فهي تظهر في يسر وسهولة، ولا تستلزم عبقرية عالية أو مبيناً كبيراً. ويرجع هذا إلى أن النفس الراضية المطمئنة، لا تتطلع لغير حاضرها ولا ترغب إلا في هدوئها وراحتها، وهي إنما تنطوي على مشاعر حلوة صافية لا سبيل إلى الخلوص إليها بلفظ أو كلام، وحسبها من ذاتها أن تستمتع بما تحس، وتتملى ما تشعر، وتذوق ما تحلم! ولكن الميول والأهواء إذ ترتطم وتتعاكس تثير ألف خاطرة ولاعجة، من ندامة على الماضي وأمل في المستقبل، وخوف من المصير، وكلها هواجس يفطن لها الكاتب الصغير، بله الألمعي القدير، ثم يبرزها مخطوطة واضحة على الطرس. . . مظهر الألم صوت ملجلج، ووجه أغبر، ورعشة باليد، ودمعة في المحجر. فالإعراب عنه بلفظ قريب لا لبس فيه ولا غموض إنما يحتاج إلى عقل خصب يتأمل وجه الألم الذي يتحسسه ويدرك قيمته وأثره، ويعرف أين يتحد مع غيره من العواطف، ومتى يختلف ثم يعرضه تاماً صحيحاً غير منقوص ولا مشوه، وكلما كان التأمل العقلي كثيفاً نافذاً كان الألم أكثر وضوحاً وأبهر لوناً وأدق تعبيراً. تلكم صفحات الألم الباكي فاقرأوها بإمعان، وفتشوا فيها عن القلب المنفطر، وتبينوا النفس المعذبة، ألستم توافقوننا على أن الأديب إنما اتخذ العقل مبضعاً يشق مطاوي القلب، ويسبر غور الضلوع، وينفذ إلى حقيقة البكاء ومصدر اللوعة؟! ولقد حفظ التاريخ القديم فيما حفظ في ذاكرته الواعية رسائل طريفة انحدرت إلينا كاملة من شيشرون ومدام سيفينيه، وهي رسائل تفيض بالشكوى وتتنزى يأساً وألماً، كشف فيها الخطيب الروماني عن الحب الأبوي حين ماتت ابنته وذهبت إلى حيث لا رجعة لها، وأبانت المركيزة الفرنسية كيف تتوجع الأم الرؤوم حين تزوج ابنتها في الديار النائية والغربة الطويلة! وإن الآباء والأمهات ليبكون أبداً أولادهم وبناتهم عند الموت ووقت الفراق، ولكنهم لا يستطيعون وصف ما تكابد مهجهم من هموم وأشجان، وليس الذنب في ذلك ذنب قلوبهم المترعة المفعمة، وإنما هو ذنب عقولهم القاحلة، وألسنتهم البكيئة، وأقلامهم الجامدة.

стр. 4732

والطريف في هذا الباب ما يزعمه هيجو من أن الشاعر مصلح عظيم ونبي كريم، أرسله الله لقومه هادياً إلى مواطن الحرية والجمال والحب؛ وقد دفع هيجو إلى هذا الرأي الأرستقراطي غروره المسلكي، وحماسه الوطني، وتطرفه المعهود، وخياله الواثب. والحق أن الشاعر رجل مثلي ومثلك، يرى ما نرى ويشعر بما نشعر، وإنما يمتاز بنوع من الامتياز لا ينهض به إلا صف المصلحين ولا يرفعه إلى مقام الأنبياء - يمتاز من غيره من الناس بهذا العقل الحاجي المسجل الذي يقدر على الإبانة عما يرى ويشعر، ويعرف كيف يصور ما يتجاذبه من المنازع والأهواء. فالتأمل الذهني كما ترى ضرورة من ضرورات البيان، فلا تظهر الخلجة النفسية على النحو الذي قذفتها الفطرة ودفعها التطور واكتنفتها الحياة، إلا بالمراقبة الباطنية العميقة. والممعود إنما ينبغي أن يكون على شئ من العلم بمواقع الأعضاء حتى يصف للطبيب المرض الذي ينتابه والداء الذي ينهشه، ولكن الطفل إذ يتألم لا يفقه ألمه ولا يعلنه إلا في إبهام: يصرخ ويبكي، وهذا كل ما عنده من وسائل الإعلان وأدوات الإفصاح!! إن الأدباء المحدثين ممن نقرأ لهم ونستمع لأحاديثهم في الصباح وفي المساء، يلتزمون البساطة في اللفظ وفي المعنى، ثم ينحدرون إلى النفس المتأخرة الابتدائية التي لم يصقلها العلم ولم تهذبها المدنية، فينتزعون منها الشعور الفطير والعاطفة الساذجة، وهم موقنون أن الإخلاص في الأدب أو الصدق في التعبير لا يكون إلا حيث يكون الطفل الصغير أو الجاهل الأمي موضوع الحديث ومدار البيان، ولست أعرف انحرافاً عن الحق وخللاً في المنطق يشبه ذاك الانحراف وهذا الخلل، فإن الثقافة العلمية لن تفسد النفس والشعور، ولن تمنعهما عن البوح والظهور. وقد كان المؤلفون اليونان يستصرخون أبطال رواياتهم، ويستدرون عبرتهم، ويتعمدون إيلامهم، وكانوا يسهبون في وصف الألم، ويذكرون بواعثه ونتائجه، ويتغلغلون إلى كنهه وحقيقته. فهم فنانون حقاً يلتمسون مواطن الجمال المنسجم، وينشرون مواضع الحقيقة الفنية، أصحاء الذوق أقوياء الحواس، يجمعون إلى تبدل اللون وتقلص العضلات واختلال الحركات تدفق الألم الداخلي، وأفاعيله النفسية، وأثره في الرءوس والقلوب. وقد ترسم شكسبير خطاهم ونهج سبيلهم، فكان يصور أوضاع الجسد ثم ينفذ إلى الألم ذاته، ويربط

стр. 4733

بين اضطراب الحواس اللدنة، وهيجان النفس الباطنة. وتحسب الآن إننا كشفنا عن الصلة المتينة بين القلب والعقل، ونبهنا إلى خطر التفريق بينهما، وإلى قلة الإبداع والإنتاج عند إمحال التأمل والتفكير، فإن كثيراً من الناس ليحسون أقوى الإحساس، ويشعرون بأشد الشعور، ولكنهم لا يعبرون عن إحساسهم وشعورهم، لأنهم ضعاف العقول ضئال التفكير، وأغلب الظن أن المبين لو راض عقله وصقل ذهنه بالتأمل الدائب الملح لوفق في رسالته أحسن التوفيق، ومضى إلى غايته كما يرجو ويرجو له النقاد والباحثون. - ٣ - مادام الأديب أداة تطوير واعية مرهفة تلتقط ما يتساقط عليها من أشعة الوجود وألوان الطبيعة، وصور الحياة، فلن يحس بالفراغ يملأ ذاته ولا بالوحشة تحف نفسه وكيانه، وهو أبداً يرقب جيشان عاطفته، ويرصد خفوق قلبه. ثم يستمتع بهواه وشعوره، والاستمتاع هنا معناه إيقاف الحياة قبل أن تطوى، والإحساس بها إحساساً (مضاعفاً) قوياً. وفي النفس نزوات مبهمة خافتة، يبصرها الأديب الصناع ثم ينشرها عارية واضحة تكاد من فرط ظهورها تطفر لعين الرائي المشاهد. ويعتقد الأستاذ إميل فاجيه أن التكلف في البيان أشر ما يبلى به الأديب الفنان من العلل والأدواء، وهذا حق لا ريب فيه، وإنما الريب في قول من قال إن مراقبة النفس تقتضي التصنع، وتؤدي إلى التكلف، لأنها إنما تقتل الطبع الموهوب والهمة الفتية، والقوة الدافقة. والحق إن المراقبة إذا كانت منظمة متصلة توسع إطار الإحساس، وتوضح بداءة الشعور، وتنهض بالقريحة الخابية الهامدة. . . فلقد تستكين العاطفة ويخمد أوارها، وتهدأ حدتها ويبرد لهبها، وليس هذا ما نسميه النضوب والإمحال، وإنما هو أثر من آثار الإعياء والنصب الشديد، كأنما العاطفة المكدودة تنام في جو مظلم ساكن، وكأنما القريحة المتعبة تقف عن الشعور فترة غافلة من الزمان! وفي هذه الحال لقد يأخذ الأديب نفسه بوصف منظر أو تبيان خلجة فيقف مكتوف اليدين متلبد الحس، جامد القلم. فالمراقبة إنما توقظ العاطفة النائمة أو هي تهيجها كلما غفت، ومن العجب أن تكون سبيلاً إلى التكلف المرذول والتصنع الممقوت، وعهدنا بكبار الشعراء أمثال لافونتين ولامارتين

стр. 4734

أنهم على هيامهم بالتنقيح والمطالعة والتأمل، كانوا أطلق الشعراء لساناً، وأرقهم بياناً وأسلسهم لفظاً. ومن الأدباء من لا يستوحي نفسه، ولا يترجم عن طبعه، وإنما يستقي من ذاكرته ومحفوظاته وقراءته، وهؤلاء يكتبون في غير جدوى ولا طائل، والمعروف المتداول أنهم يأتون غالباً بتشابيه مستعارة، وكنايات معادة، وصور مبتذلة لا تعبر عن (شخصية) ولا تنم عن جديد مبتدع. وإنما الرجوع إلى الطبع دون الذاكرة الحافظة هو مصدر الأدب الخالد والابتكار القويم، وليس من شك في أن التكلف يضمحل ويتزايل أثره، كلما رجع الفنان إلى نفسه وعول على طبعه واستقى من عبقريته. ولقد يجمل بالمبين أن يتناول ما تمده القريحة في الوهلة الأولى واللمحة الخفيفة، وألا يصطنع شعوراً لا يتردد في أطواء نفسه بل يأخذ ما جادت به العاطفة من غير جهد ولا عناء!! وكلمة (أنا) ما يشتق منها قد تكون سبباً مباشراً من أسباب التكلف البياني، لأنها تتصف بالشمول وتجمع الشتات كأنما هي عنوان النفس ورمز العاطفة، والسبيل الذي ينبغي أن يسلكه الأدب الرفيع هو أن يحمل كل لفظ من ألفاظ اللغة جزءاً من النفس وقسماً من العاطفة، أما (أنا) فما ينبغي أن تكون إلا عيناً تتفجر منها الأفكار والمعاني، وتصدر عنها الأساليب واللغات، وتصب فيها فروع الكلام وأغراض البيان. فإذا كان في هذا عسر ومشقة، فإن الرياضة والمران حقيقان بأن يذللا كل شئ، وكما يخلق اللاعب المرتاض لجسده الحواجز ليجتازها، والجبال ليتسلقها، والوديان ليهبط إليها، كذلك ليخلق المبين لنفسه طرائق ملتوية لممارسها، مهما تكن تلك الطرائق وهمية خيالية، مادامت الغاية محمودة تبرر الواسطة ثم تخضعها بالتجربة والعادة. كانت العصور السالفة تقدم للمبين مواد التفكير الصحيح، وأسباب العاطفة الحية، وأدوات الكتابة الخالدة. وكانت الظروف والأحوال تنشئ المرء إنشاء جميلاً قوياً، وتعده لحياة شديدة فيها من الجد والنشاط، ومن الإبداع والإنتاج ما يزري بحياتنا الحاضرة الراكدة، ويستخف بعيشنا اللاهي الهازل. .!! كان الطالب إذا نال الشهادة وخرج من المعهد لا يرى بضاعته من العلم إلا قليلة موجزة، ولا يعتقد في نفسه إلا القصور والجهل، فما يزال يقرأ في الكتب والأسفار، ويتلقى عمن

стр. 4735

هو أكبر منه سناً وأوسع تجربة، حتى يريش ويهرم، فهو أبداً في دراسة دائبة، واختبار متصل. ولم يكن مقياس النبوغ سعة القراءة والرواية، وإنما هو الفهم السليم والنظرة الصائبة. وكانت الآداب على اختلافها دروباً متشعبة تنحدر كلها به إلى النفس الإنسانية يطالع منها ما يطالع ثم يجمع المتشابه ويفرز المتشابك، ويستعمل النابه ويعنى بالضعيف الخامل. أما القصة فما كانت تتلى للتسلي والمفاكهة أو لتزجية الوقت والفراغ، وهي التي قد تبلغ عشرات المجلدات مخطوطة ومطبوعة، وتلاقي من الرواج والذيوع ما يستدعي الدهشة والإكبار! هذا إلى تراجم المؤرخين، وتأملات الحكماء، ومواعظ الزهاد والخطباء، مما يوقظ العاطفة والشعور ويربي ملكة الانتباه والتفكير. وفي حضرة المرأة والطفل الناشئ كانت تثار في غير تحرج ولا تقية أعوص مسائل الدين والأخلاق والسياسة والاقتصاد. وكان العرف الديني والاعتراف الكهنوتي، وحب الفضيلة يقلق المؤمن، ويقض مضجعه، ويضطره إلى مراقبة نفسه وإلى التعبير الدقيق عن خطراته ونياته. ومن ثم كانت النساء اللواتي لم يتعلمن سوى الأدعية والصلوات، وكان الشبان الذين لم يفقهوا غير المبارزة والرقص - كان هؤلاء جميعاً يعبرون عن مرادهم تعبيراً حسناً، ويفكرون تفكيراً صحيحاً، فكانت الكتابة عندهم كالمحادثة والحوار، يمنحونهما الجهد والأناة، ويقصدونهما بقلوبهم وعقولهم مجتمعة متساندة. أما اليوم فالذاكرة الحافظة هي غاية الغايات، يكدسون فيها ضروب العلوم والفنون على مدى ضيق من الزمن كما يكدسون في المركب أصناف البضائع على غير نظام ولا تؤدة لتقلها إلى المرفأ سالمة لا أكثر ولا أقل. والمرفأ هنا هو الفحص الذي ينتهي عنده الدرس، وينسى الطالب بعده ما اكتسب من العلوم. ذلك بأنه تعلم منفعلاً لا فاعلاً، تعلم كما تدور الآلة من غير وعي ولا تفهم، فالبرامج واسعة، والوقت قصير، والتمثيل منعدم، والهضم سيئ. وجملة القول أن التربية الحديثة، لا تتلاءم مع شرائط الصحة العقلية، ولا تهيئ العاطفة للفن والكتابة. ومادام الخروج على البيئة مستحيلاً، فإن تهذيب الشعور وتنمية التفكير مطلبان جليلان ينبغي العناية بأمرهما والنهوض بهما. حمص (سوريا)

стр. 4736

محمد روحي فيصل

стр. 4737

١٠ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور الشيخ حسن الطويل المالكي الأمام العلامة، شيخ الشيوخ، وأستاذ الأستاذين، وأحد من تفرد في مصر بالبراعة في المعقول والمنقول، وأتقن العلوم العديدة مع الزهد الصحيح والورع وعلو النفس، والتأدب بآداب الشرع والتمسك بالكمالات. وهو حسن الطويل بن احمد الطويل بن علي، ولد بمنية شهالة إحدى قرى المنوفية، حوالي سنة ١٢٥٠ كما سمعته من تلميذه الخاص العلامة الشيخ احمد أبي خطوة. وذكر الشيخ بشير الظافر في كتابه اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة، أنه ولد سنة ١٢٥٦، وتربى بهذه القرية فقرأ القرآن الكريم وحفظه بها، ثم انتقل إلى طندتا وهو صغير، فاشتغل بتجويد القرآن وحفظ المتون بالمسجد الأحمدي نحو سنتين أو ثلاث، ثم حضر للقاهرة واشتغل بطلب العلم بالجامع الأزهر، فقرأ على شيوخ العصر، مثل الشيخ محمد عليش المالكي في الفقه والحساب وغيرهما، وعلى الشيخ حسن العدوي الحمزاوي، والشيخ إبراهيم السقاء، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ محمد الأنبابي، والشيخ احمد شرف الدين المرصفي، فظهرت عليه النجابة، وابتدأ في حضور السعد، وكان من دأبه في أول أمره معاكسة المشايخ في الدروس بكثرة الأسئلة والمناقشات، حتى حدث ما اضطره إلى الانقطاع عن الأزهر، وسبب ذلك أن أبناء العمد وأقاربهم طلبوا للدخول في الجندية بقانون وضع لذلك أمر به سعيد باشا والي مصر، ولما كان المترجم من أقارب بعض مشايخ قريته طلب معهم. تجنيده بأمر سعيد باشا وجند مع جند فصار واحداً منهم، إلا إنه لم يسلك مسلك أكثرهم في التفريط في الفروض، فكان يواظب على الصلوات والأوراد، وكان الوالي يكره من الجند من يصلي، وحدث أن المترجم جاءه من شيخه الشيخ احمد شرف الدين المرصفي كتاب فيه استغاثة يأمره بتلاوتها عقب كل صلاة، رجاء أن تفرج كربه وتخلصه من الجندية، فوقع الكتاب في

стр. 4738

أيديهم، وعدوه لذلك مذنباً، وكان عقاب المذنبين عندهم إهمال تعليمهم الفنون العسكرية وتشغيلهم في السكك الحديدية وما أشبهها من الأعمال الشاقة، فكان المترجم يشتغل بهذه الأعمال بهمة زائدة تأديباً لنفسه، لأنه ظن ما وقع له عقاباً على جراءته على مشايخه، وكان سعيد باشا يلقب المطيعين من الجند بالفراعنة، والعاصين المذنبين بالنماردة، فغضب مرة على النماردة وأمر بطردهم من الجيش، فخرجوا منه إلا أنهم بقوا تابعين له، وهم ما كانوا يسمونهم بالعساكر الأمدادية، وخرج المترجم معهم، فأقام بقريته مدة، وكان قبل ذلك يجتمع على الشيخ خالد أحد مشايخ الطريق فرأى أن يسافر إليه فسافر إلى بلدته المسماة بالسريرية من أعمال المنية أي منية ابن الخصيب ولزمه بعض أشهر عكف فيها على الاشتغال بالعلم والطريق. فراره ثم طلب إلى الجندية مرة ثانية فذهب إليه أبوه ليحضره وأراد الشيخ خالد منعه فلم يرض هو بل عاد مع أبيه إلى قريته فوجدهم أهملوا طلبه، فحمد الله وأراد والده إبقاءه معه في القرية خوفاً من أن يعود إلى الصعيد، فضاق المترجم بهذا الأمر وخرج من غير علم أبيه من القرية وهو لا يملك شيئاً، فمشى على قدميه يبيت في كل بلدة تصادفه حتى وصل إلى القاهرة، ودخلها من جهة باب الحديد فاشترى بما معه شيئاً أكله، وذهب إلى الأزهر فصادف الشيخ محمد السقاري في طريقه، فلما رأى المترجم أسرع إليه وهش له، وأخبره أنه يطلبه من مدة. ثم أنزله بداره وحلف أن يبقى بها شهراً لا يتكلف شيئاً من عنده، وكان مراد السقاري نظم قصيدة يمدح بها أحد الأمراء، فنظمها له وأخذ عليها أربعين ديناراً جائزة. ولما انقضى الشهر حفّ الله المترجم بعنايته، فطلبه الشيخ حسن العدوي لتصحيح البخاري، وكان شرع في طبعه فانتفع بأجر التصحيح. ثم طلب إلى ديوان الجهادية لتصحيح ما يطبع به، فقابل هناك احمد عبيد بك رئيس الترجمة، وامتحنه فأعجب به، وكاد يطير فرحاً وقال هذا جوهرة خفيت عنا، واستخدمه في الحال للتصحيح بهذا الديوان، وسعى له حتى محوا اسمه من الجيش حتى لا يعاد طلبه. ثقافة شاملة

стр. 4739

وكان المترجم في هذه المدة عاد لطلب العلم والاشتغال به، مع القيام بالتصحيح بالديوان، حتى شهد له شيوخه بالتأهل للتدريس فدرّس بالأزهر، وكان أول درس قرأه في شوال سنة ١٢٨٣. وابتدأ فيه بالقراءة في الأزهرية. ولم يقتصر ﵀ على العلوم المتداولة بالأزهر، بل بحث ونقب، واجتمع بالشيخ محمد أكرم الأفغاني فتلقى عنه العلوم الحكمية، وبرع فيها، وتلقى عن تلميذه خلاصة الحساب لبهاء الدين العاملي، ونظر في الهندسة والجبر وسائر العلوم الرياضية، وقرأ التاريخ قراءة إمعان وتدبر، وطالع كتب اللغة والأدب، ونظم الشعر السهل، وكتب الترسل البديع، وكان لا يسمع عن أحد يعرف علماً إلا ويسعى إليه، ويتلقاه عنه كائناً من كان، حتى صار نسيج وحده، وقريع دهره، في سائر العلوم مع بعد النظر في السياسة، وسعة العقل، وسلامة العقيدة، وشدة الإنكار على البدع والمستحدثات في الدين. مشاهير تلاميذه وقد قرأ عليه في الأزهر كثيرون من علمائه المشهورين، فكان الشيخ الأجل احمد أبو خطوة، والشيخ محمد عبده، والسيد احمد الشريف، وإبراهيم بك اللقاني، والشيخ محمد راضي البوليني، ممن قرأ عليه في الطبقة الأولى من تلاميذه. ثم قرأت عليه طبقة ثانية منها الشيخ عبد الرحمن فوده، والشيخ محمد الغريني، والشيخ عبد الرحمن قرّاعه، وقرأ عليه أيضاً الشيخ محمد بخيت، والشيخ داغر، والشيخ محمد المغربي، والشيخ احمد الزرقاني، وغيرهم ممن لا يحصون، واختص به الشيخ احمد أبو خطوة، والشيخ راضي البوليني، والشيخ عبد الرحمن فوده، والشيخ عبد الرحمن قراعه، فكانوا يقرأون عليه في داره دروساً غير الدروس الأزهرية، وصحبوه ولازموه فانتفعوا به في دينهم وأخلاقهم فوق انتفاعهم بعلمه. ثم نقل إلى نظارة المعارف وعيّن للتفتيش فيها، ولما مات الشيخ زين المرصفي مفتشها الأول سنة ١٣٠٠، وأقيم بدله الشيخ حمزة فتح الله المفتش الثاني جعل المترجم مفتشاً ثانياً. ثم نقل مدرساً بمدرسة دار العلوم، فعم الانتفاع به، وتخرج عليه أحسن من نراهم الآن من الأساتذة المتخرجين في هذه المدرسة كالشيخ الفاضل حسن منصور، والشيخ محمد المهدي،

стр. 4740

والشيخ محمد الخضري، والشيخ عبد الوهاب النجار وغيرهم من أفاضل الوقت. وفاته وبقي في هذه المدرسة إلى سنة ١٣١٧، وكانوا شرعوا في الامتحان قبل الإجازة المدرسية كالعادة، فلما كانت ليلة السبت ١٧ صفر سهر كعادته. ثم ذهب لداره معافى ليس به شئ، واستيقظ فتوضأ وصلى الصبح. ثم طلب الإفطار والقهوة، وأخذته غفوة كان فيها القضاء المحتوم، فلم تشرق شمس ذلك اليوم إلا والنعاة ينعونه والمؤذنون يؤذنون على المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، وأمّ داره شيخ الأزهر الشريف الشيخ عبد الرحمن الشربيني، والشيخ محمد عبده المفتي، وجميع العلماء والفضلاء، وكبار نظارة المعارف، وتلاميذه من الأزهر ودار العلوم، وشيعت جنازته تشييعاً سنياً، فصلوا عليه في الأزهر ودفنوه بمقابر المجاورين ﵀ وغفر له عدد حسناته. ومن غريب المصادفات أنه زارني قبل وفاته بيومين في ليلة مقمرة، فجلسنا في صحن الدار نلعب الشطرنج، وكان مولعاً به مع قلة إجادته فيه، فقال لي عندما أراد الذهاب نحن الآن في الامتحان، وقد قربت الإجازة، وصدري ضيق في هذه الأيام من الناس، ونفسي تجنح للعزلة، فهل تعرف لي مكاناً أقضي فيه بعض أيام بعيداً عنهم؟ فقلت يا سيدي إذا انتهى الامتحان فالأوفق أن نسافر معاً إلى ضيعتنا التي بقويسنا فنخلوا فيها بكتاب نقرؤه، فقال نعم الرأي هذا، وسأستصحب معي ولدي حسناً ليشترك معنا في القراءة. ثم لم يمض يومان حتى نقله الله إلى جواره ويسّر له العزلة، ولكن في دار قراره، فأصبت فيه مصيبة لم أصبها في بعيد ولا قريب، لما كان له عليّ من الفضل ولو لم يكن له عليّ سوى تصحيح العقيدة وتأديبي بآداب الحنيفية السمحاء لكفى. الأستاذ يرشد أما سبب اجتماعي به وقراءتي عليه، فإني كنت خرجت من المدارس بعد تلقي ما يتلقى بها من العلوم المعروفة وأنا في سن العشرين، وقد علق بالعقيدة شئ من آثار التربية بهذه المدارس إلا إني كنت مولعاً من الصغر بالإسلام ومحاسنه، والمطالعة في السيرة النبوية، ومناقب الأصحاب والخلفاء الراشدين، فكان ينشرح صدري لأشياء، وينقبض من أشياء

стр. 4741

تعرض لي فيها شبهات. ثم كنت أعرض ما يظهر لي من مكارم الشريعة ومقاصدها على ما عليه الناس من البدع والمحدثات التي تمسكوا بها، وجعلوها من الأصول الدينية، فأجد التناقض والتصادم، فصرت أتردد على كثير من كبار علماء الأزهر وغيرهم، لعلي أجد عندهم مفرجاً فأراهم أحرص من العامة على هذه الخزعبلات، حتى كدت أحكم بأنها من الدين، وأن الأمر دائر بين شيئين، فأما أن يكون الدين دين خرافات وخزعبلات تنفر منها الطباع السليمة، وأما أن يكون ما نراه حقاً، ولكن يمنعنا من قبوله إلحاد تأصل في النفس. حتى أرشدني بعض الأصحاب للمترجم، فأخذت في السؤال عنه من أهل العلم، فكانوا ينفرونني منه حتى بالغ بعضهم عامله الله بما يستحق ورماه بالزندقة، فقلت إذا كنت لم أجد طلِبتي عند من تسمونهم بالصلاح والورع، فلعلي أصيبها عند الزنادقة. ثم سعيت في الاجتماع به، وسألته القراءة عليه، والاهتداء بهديه، فقرأت عليه العلوم العربية والمنطق، وأعدت عليه الصرف بتوسع وعلوم البلاغة. ثم قرأت طرفاً من الحكمة في شرح الدواني على هياكل النور للسهروردي، وشرح رسالة الزوراء وغير ذلك. ولما رآني مجدّاً في التحصيل، قرر لي درساً ثانياً بعد العشاء كنا نقرأ فيه كتب الأدب ونحوها، وأنا في كل هذه المدة استوضح منه ما أشكل عليّ فيحله لي، فكان اجتماعي به ومصاحبتي إياه من أكبر نعم الله عليّ في ديني، وكثيراً ما كان يغضب مني ويؤنبني إذا رأى مني تهاوناً في الصلاة. وكان من عاداته الخروج إلى الريف كل خميس ترويحاً للنفس فكان يذهب إلى الأميرية من ضواحي القاهرة عند تلميذه الشيخعبد الرحمن فودة فيقضي عنده الخميس والجمعة ويعود يوم السبت فلما عرفته صار يذهب للأميرية بعض الأخمسة ويسافر في بعضها إلى ضيعتنا التي بقويسنا أو إلى حلوان حينما نسكن بها شتاء، فكنت أقضي معه هذين اليومين في مطالعة واشتغال حتى في حالة المشي والتنزه كنت أحمل الكتاب معي وأسمعه فيه فيقرر لي المسائل ونحن سائران. كان متصوفاً وكان رحمه سنيّ العقيدة، صوفيّ المشرب، لا يحيد عن الشرع قيد إصبع، آخذاً بمذهب الإمام ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالقبور والاستشفاء بالموتى، منكراً على المبتدعة أشد

стр. 4742

إنكار، آية من آيات الله في معرفة التفسير وحل مشكلات الكتاب المبين، متضلعاً من الحديث، متحصناً بالشريعة في كل علم يقرؤه من كلام أو حكمة أو تصوف أو رياضيات أو طبيعيات، وخص باستحضار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الاستشهاد بها على حل المشكلات الدينية، فكان أمره في ذلك عجباً وشأنه فيه مستغرباً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومع انحراف علماء الأزهر عنه لإنكاره عليهم بدعهم وما درجوا عليه، فإنهم كانوا مقرين بفضله، وكثيراً ما كانوا يحتاجون إليه في معرفة أسرار الشريعة، وحل مشكلاتها والرد على الطاعنين عليها من أرباب النحل الأخرى أو المرتدين. أخلاقه ومساعيه أما أخلاقه فزهد غريب، وعلو نفس عن الدنايا، وبعد عن الرياء، وتواضع مع كل إنسان، وسذاجة في المطعم والملبس والمسكن، لا ينفق على نفسه من مرتبه إلا القليل ويتصدق بالباقي في الخفاء؛ فلما مات قام الصراخ في دور كثيرة يسكنها فقراء وأرامل، كان يعولهم في كل شهر بما فضل من نفقته، وما علم بهم أحد حتى من أقرب الناس إليه وأخصهم به إلا بعد موته. وكان كثير الاشتغال بأمور المسلمين، دائم الهموم لما أصابهم من التأخر في مشارق الأرض ومغاربها، منتظراً فرجاً يأتيهم، ولطفاً من الله يحفهم، فتقوم فيهم دولة شعارها الدين، تقوى على جمع شملهم؛ ولذلك لما قام المهدي بالسودان وانتصر انتصاراته المشهورة واستولى على البلاد السودانية، أحسن المترجم فيه الظن وقام بنصرته بقلبه ولسانه، حتى اضطر الإنكليز أن يسيروا وراءه عيناً يخبرهم بحركاته وسكناته، وكاد يقع فيما لا تحمد عقباه لولا أن سلمه الله. ولمداومة اشتغاله بالإقراء وتربية النفوس لم يؤلف تأليفاً، غير أن نظارة المعارف لما كلفت كل مدرس بجمع ما يلقيه من الدروس، وكان يدرس التفسير بمدرسة دار العلوم، شرع بجمع ذلك في كتاب سماه (عنوان البيان) لم يطبع منه غير المقدمة سنة ١٣١٦، أي قبل وفاته بسنة. احمد تيمور

стр. 4743

المعلقات رأي جديد فيها للأستاذ عبد المتعال الصعيدي اختلف علماؤنا قديماً وحديثاً في سبب تسمية تلك القصائد التي جمعها حماد الراوية باسم المعلقات، وكان حماد أول من جمعها في أواخر عصر بني أمية وأوائل عصر بني العباس، وذلك أنه رأى زهد الناس في الشعر فجمع لهم هذه القصائد السبع وقال هذه هي المشهورات، فسميت القصائد المشهورة، ويراد بالشعر الذي زهد الناس على عهد حماد فيه الشعر الجاهلي القديم، وإلا فإن سوق الشعر كانت رائجة في عهد حماد، وكان الشعراء المحدثون في ذلك العهد لا يحصون من كثرة، وقد ابتدأوا يخرجون على الشعر القديم ويزهدون فيه ويخرجون مذاهبه وأساليبه، وكان أول من فعل ذلك بشار بن برد الذي يعد في رأس الشعراء المحدثين، وكان من أصدقاء حماد المقربين، فدعا هذا حماداً إلى محاولة إحياء ذلك الشعر المهجور، وترغيب الناس في حفظه وروايته، فجمع هذه القصائد لهم، ولعلها كانت أول ما جمع من هذا الشعر. ويؤخذ من نص الرواية السابقة في جمع حماد لها تعرف بهذا الاسم (المعلقات) وإنها كانت تسمى عقب جمعه لها بالقصائد المشهورة، أخذاً من قوله بعد انتهائه من جمعها (هذه هي المشهورات) ولو كانت تسمى قبل جمعه لها باسم المعلقات لقال بدل هذا بعد انتهائه من جمعها (هذه هي المعلقات) فسماها باسمها المعروف، ولم يعدل عنه إلى ما ذكره في تمييزها، فعدوله إلى ذلك دليل على إنها لم تكن تعرف باسم المعلقات، بل إن عنايته بجمعها وما عمله في ذلك من أقوى الأدلة على إنها لم تكن تعرف بهذا الاسم، لأنها لو كانت تعرف قبل حماد به لكان لها اسم يجمعها، وكانت مجموعة بالفعل فيه، ولم يكن هناك من حاجة إلى جمع حماد لها. فإذا أردنا أن نعرف كيف حدث هذا الاسم (المعلقات) لها بعد جمعها، فلننظر ما جرى للناس معها بعد جمع حماد لها، فلقد أخذوا يعنون بحفظها وشرحها، ثم شغفوا بذلك الحفظ والشرح واتخذوها متناً شعرياً مثل المتون التي دونت في العلوم بعد جمعها، وشغف الناس بحفظها وتعليق الشروح عليها، ولكن هذه القصائد كانت أسبق جمعاً من هذه المتون، حتى

стр. 4744

أتى عليها زمن وهي منفردة بعناية الناس بتعليقها حفظاً وشرحاً، فشاع لها بين الناس هذا الاسم الجديد (المعلقات) ونسوا به اسمها القديم (القصائد المشهورة) ثم مضوا على ذلك إلى أن جاء من العلماء من عني بفهم هذا الاسم الجديد لها، ومعرفة سر إطلاقه عليها، ففرض له تلك الفروض الخاطئة التي سنبين فيما بعد خطأها. ولاشك أن اللغة تسوغ اشتقاق هذا الاسم (المعلقات) لتلك القصائد مما عني به الناس بعد جمعها من حفظها وشرحها، فإن الحفظ تعليق لما يحفظ بمحل حفظه، والشرح تعليق على ما يكون هو شرحاً له، ولا تزال الشروح التي توضع على المتون ونحوها تسمى شروحاً وتعليقات، وقد جاء في القاموس والأساس أنه يقال فلان علق علم أي يحبه ويتبعه، وعلق شر كذلك، فهذه المعلقات معلقات مما حدث للناس بعد جمعها من حبهم لها، وتتبعهم إياها بما كانوا يتتبعونها به من حفظها وشرحها، وهي معلقات بمعنى محفوظات أو مشروحات، وقد خصت بهذا الاسم لأنها كانت أول ما عني بجمعه وتدوينه وحفظه وشرحه من الشعر. فهذا إن لم يكن هو الذي وقع في حدوث هذا الاسم (المعلقات) لتلك القصائد بعد جمعها، فهو فرض قريب يرتاح إليه العقل في بيان وجه تسميتها بذلك، وهذا شأن كل الفروض العلمية التي يراد منها تقريب فهم بعض المسائل العلمية من المعقول، إذ تستعصي عليها، ولا يمكنها بيقين معرفة سرها، وهو خير من تلك الأمور الخاطئة التي يذكرها من يذهب إلى أن تلك القصائد كانت تسمى قبل جمعها باسم المعلقات، ولا يذكرها على أنها فروض يهون الخاطئون فيها، بل على أنها أمور وقعت وكانت سبباً في تلك التسمية. قالوا إن الشعراء في الجاهلية كانوا يقصدون أسواق العرب التي كانوا يقيمونها كل سنة بجوار مكة فيتناشدون الأشعار، وكان ينصب للشاعر فيها ربوة فيصعد إليها، وتحدق به العيون، وتشرئب إليه الأعناق، فينشد قريضه عليهم حتى يأتي على آخره، فلا يقاطعه أحد ولا يستوقفه، فإذا ما أحكم القول، وبلغ من الفصاحة ما وقع اتفاقهم على حسنه وإجادته كتبوه بحروف الذهب على نفيس الديباج وعلقوه على الكعبة المشرفة، تنويهاً بشأن صاحبه، وتخليداً لذكره. وممن قال بهذا أو نحوه في سبب تسمية تلك القصائد بالمعلقات احمد بن عبد ربه القرطبي صاحب العقد الفريد، وابن خلدون، وابن رشيق. قال ابن عبد ربه: (وقد بلغ من كلف

стр. 4745

العرب بالشعر وتفضيلها له أن عمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بأستار الكعبة فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير، والمذهبات سبع يقال لها المعلقات). وقال ابن خلدون بعد كلام له في ذلك (حتى انتهوا إلى المباهاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام، موضع حجهم، وبيت أبيهم إبراهيم كما فعل امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى، وغيرهم من أصحاب المعلقات السبع). وقال ابن رشيق (وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر القديم، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء). وكان أبو جعفر النحاس المتوفي سنة ٣٣٨هـ يخالف صاحب العقد ومن تابعه على هذا المذهب في علة تلك التسمية، وكان أبو جعفر معاصراً لابن عبد ربه وهو من علماء المشرق، أما ابن عبد ربه فمن علماء الأندلس والمغرب، وقد ساح في بلاد الشرق وسمع من علمائه، ثم رجع إلى بلاده. وقد قال أبو جعفر في هذا من شرحه على تلك المعلقات (واختلفوا في جمع القصائد السبع، وقيل إن العرب كانوا يجتمعون بعكاظ فيتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال علقوا لنا هذه، وأثبتوها في خزانتي، وأما قول من قال إنها علقت بالكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة). ولم يذكر أبو جعفر من هو هذا الملك الذي كان يأمر بتعليق هذه القصائد في خزانته، وقد رجح بعضهم أنه النعمان بن المنذر لأنه هو الذي كان يعنى من ملوك المناذرة بجمع أشعار العرب، وكان عنده ديوان مكتوب جمع فيه أشعار الفحول، وقد صار ذلك الديوان أو ما بقي منه إلى بني مروان على ما رواه أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي في كتابه طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين. ويستند أبو جعفر في رأيه هذا على ما قيل أن حماداً الراوية لما رأى زهد الناس في الشعر جمع لهم هذه القصائد السبع، وقال هذه هي المشهورات، ويؤخذ من ذلك كله أن تسميتها بالمعلقات عند أبي جعفر يرجع إلى قول الملك علقوا لنا هذه، لا إلى أنها علقت في الكعبة،

стр. 4746

ولست أدري على أي شئ يستند أبو جعفر فيما ذكر عن حماد في جمع هذه القصائد، وهو كما قلنا ينقض تسميتها بالمعلقات قبل جمعه لها، سواء كان ذلك للوجه الذي ذكره أم كان للوجه الذي ذكره غيره. ولاشك أن عصر النعمان بن المنذر أحدث من عصر كثير من أصحاب المعلقات، مثل امرئ القيس وطرفة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، فلا يصح أن يكون هو الذي كان يعلق قصائدهم بخزانته، بعد إنشادهم لها بسوق عكاظ، ويكادون يجمعون على إن تلك القصائد كان ينشدها أصحابها فيه، أحدث بكثير من عهد هؤلاء الذين ذكرناهم من أصحاب المعلقات، فقد أقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، وهو العام الذي ولد فيه النبي ﷺ ، ثم بقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة، وفي عهد إنشائها كان جيل امرئ القيس وطرفة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة قد انقرض، أو كاد ينقرض، وإنا نستطيع أن نجزم بأن هذه القصائد السبع لم تقل في سوق عكاظ، ولا في غيره من الأسواق العربية التي كانت معاصرة له، وقد ذكروا لها أسباباً معروفة قيلت من أجلها، وأمكنة غير سوق عكاظ أنشدت فيها، وذكروا لبعضها ملوكاً غير النعمان قيلت أمامه، ولسنا في حاجة لتفصيل هذا كله لشهرته. عبد المتعال الصعيدي

стр. 4747

من شعر الشباب السحاب مُزْجِي الشتاءِ بخيله وبرجْلِهِ … والمنذرُ الدنيا بوشْك إيابِهِ يَشْجُوك من ماشٍ على لَممِ الرُّبَى … طَرَّاقِ أَجْوازِ المدى جوَّابه تسعى جنودُ البرد تحت جناحه … والريح والإعصار حول ركابه حيث انتحى أَرخى مسائح دَجِنْه … وتجلَّلَ الآفاقَ جَوْن حجابه ورمى على شمس الضحى بمسوحه … وطوى محياها دُجى جلبابه ليس الربيع بمانعٍ رَجَعَاتِهِ … رغم الربيع ورغم وَفْرِ شبابه فإذا دنا انقبض الفؤاد تطيُّرَا … بقدومه من بعد طول غيابه وأثار في النفس القنوط وأشفقتْ … من ثِقْلِ خطوته ومن إِلبابه فإذا سرى بردُ القِلال مخالطاً … أجزاَءه وانسلَّ في أعصابه أوْهَى عُرَاهُ وفَتَّ في أوصاله … فانصبَّ ملَء السهل في تسكابه فَجَرَتْ عيون الأرض بعد جفافها … وروى نبات الأرض من أكوابه في كل غابٍ دَاغِنٍ أو غَيْضَةٍ … غَدِقَتْ غَوَاديهِ وأفرغ ما به وبكل قاع مُمرعٍ ويفاعةٍ … توقيعُ وكَّافِ النَّدَى صبَّابه وبكل منحدرٍ تدفُقَ مَشْرَعٍ … ينساب في إزباده وحبابه لم يُلْفِ شيئاً ثم يشكو جَدْبَهُ … ظمآنَ إلاَّ لَجَّ في إخصابه حتى إذا أفنى غزيرَ شؤونه … همْياً وأَنْفَدَ كلَّ ما بِوِطَابِه وسخا على الوادي الينيعِ بروحه … وعلى ثناياه وبين شعابه وَلَّى وغادر بعده أَسلابه … تزهو بقاع الأرض في أسلابه تتمايد الأَعواد في أندائه … طرباً وتَغْدَقُ في نَقِيِّ رُضابه فأعجبْ لأسودَ ذي يدٍ بيضاء لا … ينفكُّ يُسبغ من شهيِّ رغابه جهم المحيا لا يُرام لقاؤه … والجودُ والبركاتُ ملءُ إهابه عَبَسَتْ لغُدْوته الرياضُ فإن مضى … هشَّتْ لفيض يديه بَعد ذهابه وترقرقت في كل روض قُضْبُهُ … مُخْضَلَّةً رَيَّاً بِبَرْدِ شرابه

стр. 4748

وتألَّقت حُمْرُ الزُّهور وصفرها … حَلْياً ووَشْياً في اخضرار ثيابه وسَرَى النسيم مُجَمِّعاً أين انتهى … من زهره الزاهي شَذِىً مَلابه كمبردج فخري أبو السعود

стр. 4749

حيرة إن روحي في الفضا حيرى تحوم … مثل طير ضل عن سرب الطيور واشتهى الشمس فأخفتها الغيوم … واشتهى الريح فظنت بالمسير فانثنى تهلو جناحيه الهموم … ودعا يشكو ويبكي في دعاه إن روحي ترتقي هذا الفضاء … وهو ليل مظلم رطب فسيح فيحيط القدس قلبي بالهناء … وأحس الشك في صدري يصيح وظلام الجو للشك وعاء … وانفساح الأفْق للروح صلاه هذه شتى انفعالات النفوس … كرياح البحر تأتي عاصفات جافلات في عَرا قلبي تجوس … دون وعي منه بل دون التفات أي وعي عند تهتان الكؤوس … للذي استعبدت الراح هواه؟ ما أرى جرماً ولا قبحاً بدا … لم يكن يغمر نفسي بعضه أو جمالاً أو حناناً أو هدى … لم يكن يعمر نفسي فيضه سكن العيش فؤادي والرّدى … وفؤادي بهما يقضي مناه! عقد الكون بنفسي الاتصال … فكأن الكون مني قطعةٌ وجرى الدهر عليه كخيال … هو مما في جفاني صورةٌ ما احتياجي للمطايا والرحال! … إنني للدهر والكون نواه! الظلام الوحش حولي لا يريد … عن محيا الحق إلقاء النقاب فهو يغريني به كي أستزيد … ثم يمهيه أمامي كالسراب ليتني ألقى غشاء من حديد … دامج الليل على عيني رماه! لست أخشى الحق بل أخشى الوجود … وأخاف الزهر يبكي للنسيم وأخاف البحر هدّار الوعيد … وأخاف الطير يشدو كاليتيم وأخاف الغصن يذوي كالشهيد … وتلاشيه المنايا في صباه إنني أخشى بنفسي الانفراد … ثم أخشى الناس أن تجمع بي كم يصيح الدمع في ليل الفؤاد … كهزيم عاصف مضطرب! إنما الحيرة في فهم المراد … مثل داء يجهل الطب دواه أنا من شئ إلى شئ أفر … حول نفسي مثل مخمور أدور

стр. 4750

عقرب وسط لهيب مستعر … لا يرى فيه سبيلاً للعبور!! كُتب الهم على لوح القدر … يوم حار الفهم في الفهم في معنى الحياة هتفت عيناي بي تشتكيان … قسوة الظلمة: خوفاً وعمى وهما من كل نور تخشيان … ما يوارى: حَرَقاً أو عَدَما الحياة النور والنور الأمان … والظلام الخوف والخوف الحياة! انظرا هذا شعاع الحق لاح … كشهاب يرتقي عرش السماء كلما جثناه عن قرب أشاح … فهو كالشمس التي تطوي الفضاء يتبع الطفل خطاها في الصباح … علها تقرب. . . ما جدوى خطاه؟ يا شعاع الحق في ماذا الفرار … أترى لقياك تعمى بضرى؟ أنت للقلب ملاذ ومنار … فأَنِر قلبي وأطفئ نظري إن يكن لابد من حمل الستار … لن تضئ العين للقلب عماه باريس حسن عارف

стр. 4751

رسالة رسالة كفتيت المسك عاطرةُ … بكل ما يشتهيه القلب من وطرِ ما إن تناولتُها حتى أحاط بها … قلبي ولم يكُ يدري سرها نظري ورفً في جنباتِ الصدر مبتهجاً … كالطير عادت إليه الأُمُ بالثمر وبثَّها الدم في الأحشاء فانتعشت … كالزهرِ جاد رُباه هاطل المطر مُنى الفؤاد الذي انضمت جوانحه … على لهيب من الآلام مستعر أهفو إليك وما أندى على كبدي … من أن أناديك في الآصال والبُكَر دعني أُذِعْ بعض ما تخفيه جانحتي … ففي الجوانح حب ثائر الشرر وأصطفيك بشعر أنت مُلهِمهُ … عفّ عن اللغو والإسفاف والهذر فمنك أنهل شعري ثم أبعثه … إليك عقداً بديع النظم والدُّرِر أوْلا فإن حيائي منك يمنعني … من أن أبوح بحب عنك مستتر فريد عين شوكه

стр. 4752

زهرة زهرة في الروض تزهو … في ثياب المترفين جلست تستقبل الصب … ح على العرش المكين أُهديت من كل زهر … عاطر أنفسُه وحباها الله خدَّاً … ناعماً ملمسُه فهي ريحان وور … د وهي ريا الياسمين وهي من مسك وكل الزه … ر من ماء وطين زينت زنداً جميلاً … بسوار الزَّرِد تعسل الخدين منها … بمياه البَرَدِ بَسَمت للشمس لما … سطعت فوق الخميله وبدت في الروض تزهو … مثل حسناء جميله فاسلمي يا زهرة الوا … دي من الأيدي العوادي وانبذي الماء على الأرْ … ض إلى ماء الغوادي محمد مصطفى حموده

стр. 4753

بمناسبة ذكراه الثانية حافظ بك إبراهيم الشاعر الوفي لمصر بقلم السيد احمد العجان حافظ شاعر النيل متعدد النواحي في الدراسات، متشعب المباحث في التناول، والتحليل الدقيق إنما يكشف كل ناحية ويبين كل مبحث، وليس الإلمام بعبقريته ونبوغه وشاعريته وخياله مما تأتي عليه هذه العجالة، ولكنا سنقتصر على ناحية واحدة هي وفاؤه للنيل وأهله، وكيف كان هذا الوفاء دفيناً في نفسه، مستقراً في جنانه العامر، يتحرك به لسانه في كل مناسبة، ويجري به قلمه كلما عنت فرصة. والذي نلاحظه في شعر حافظ هو ما يحملنا على اليقين بصدق وفائه وإخلاصه، ومحبته لمصر وأهلها؛ فهو إذا انتقد كان لاذع النقد قويه، يظهر المثالب، ويعدد المساوئ، ويود لو نتخلص منها، ونحيد عنها. وقد يكون في النقد اللاذع المرّ شكاً في الوفاء والإخلاص لو أنه ضن بالنصيحة وبخل بالإرشاد. ولكن حافظاً حين يهزه الألم من حالة مصر حتى ليود الخلاص من الدنيا، والفرار من الحياة، وحين يسخط شديد السخط عليهم؛ لم يكن لكراهته لهم، وبغضه إياهم، وإنما لأنه يرجو لهم الخير الشامل الغامر، والرقي الدائم السديد، يحدثنا حافظ عن ذلك بأجلى عبارة وأوضح أسلوب. أنا لولا أن لي من أمتي … خاذلاً؛ ما بت أشكو النوبا أمة قد فتّ في ساعدها … بغضها الأهل، وحب الغربا تعشق الألقاب في غير العلا … وتفدّي بالنفوس الرتبا وهي والأحداث تستهدفها … تعشق اللهو وتهوى الطربا لا تبالي لعب القوم بها … أم بها صرف الليالي لعبا ومما يقوي لدينا الأدلة على وفاء حافظ للنيل، وحبه لهذا الشعب أنه لم يكن يقنع بالتحدث عن الغرض الواحد عدة مرات بهذا الأسلوب العالي الرصين، كالذي نراه في وصفه للحالة الداخلية وموقف بعضنا من بعض، وموقف الصحافة منا ومن الوزارة، ثم موقفنا من دار المندوب البريطاني، وبيانه أن طريق الرقي هي العلم، وأنه الوسيلة في النجاح والظفر، وهو من وراء ذلك يضع أمله قوياً في الشباب، ويكثر من ندائه لهم، ولا يزال يستنهض

стр. 4754

الهمم ويضرب المثل باليابان كما سنوضح ذلك من شعره. إن إخلاص المخلص لا يؤدي ثمرته إذا لم تتوفر فيه عناصر ثلاثة: نقد قوي اللهجة للمثالب حتى يحس المنتقد ضعفه، ويقف على عيوبه؛ فيجتنب الغرور ويقترب من الفضيلة، ونصح سديد الفكرة تظهر فيه سبل الخير ويبين منه طريق الهدى؛ كي يسلكه المنصوح له دون عثار أو ضلالة؛ وأمل في الله والشعب كبير رجاء التوفيق وابتغاء الإصلاح. وهذه العناصر الثلاثة قد ظهرت بوضوح في شعر حافظ، وكان لكل منها مظاهره العدة، وأثوابه المتنوعة. وسنتناول كل منها على حدة: ١ - نقده: في الشعر السابق وصف حافظ ما نحن عليه من كراهة الأهل وحب الغرباء، وأننا كرماء لضيوفنا، نهوى الألقاب في غير العلا، ونعشق الرتب. ويحدثنا عن حالتنا النفسية بلغة سليمة مستقيمة فنحن: ألفنا الخمول ويا ليتنا … ألفنا الخمول ولم نكذب تضيع الحقيقة ما بيننا … ويَصْلى البريء مع المذنب ويهضم فينا الإمام الحكيم … ويكرم فينا الجهول الغبي ونراه يحدثنا عما هو واقع بيننا من الفخر بالمال الموروث أو بالرتب، ثم تأخذه حمية الغضب. فيقول إنما الفخر بالعلم والاختراع، وبالفضل والأدب: وهل في مصر مفخرة … سوى الألقاب والرتب وذي إرث يكاثرنا … بمال غير مكتسب فقل للفاخرين أما … لهذا الفخر من سبب أروني بينكم رجلاً … ركيناً واضع الحسب أروني نصف مخترع … أروني ربع محتسب أروني نادياً حفلاً … بأهل الفضل والأدب وماذا في مدارسكم … من التعليم والكتب

стр. 4755

وماذا في مساجدكم … من التبيان والخطب وماذا في صحائفكم … سوى التمويه والكذب ولقد عاب علينا اعتبارنا للمظاهر، وانخداعنا بالملابس: إن قومي تروقهم جدة الثو … ب ولا يعشقون غير الرواء قيمة المرء عندهم بين ثوب … باهر لونه وبين حذاء وضعف الرجولة داء كمين في بعض المصريين كشف عنه حافظ، وأبان طوائف الناس بين مهلل من المهللين لا يعرف له غرضاً، وبين ساع إلى دار المندوب البريطاني، أو متردد على أبواب الحكام. فهذا يلوذ بقصر الأمير … ويدعو إلى ظله الأرحب وهذا يلوذ بقصر السفير … ويطنب في ورده الأعذب وهذا يصيح مع الصائحين … على غير قصد ولا مأرب وداء آخر أشد فتكاً، وأقوى بطشاً، وهو الصحف التي تطن طنين الذباب، وما هي إلا حصائد ألسن تجر إلى الويلات وأنها أيبست ما بيننا في الأخذ والرد، فصحف ترى رأي المندوب البريطاني، وأخرى تعد هذا جرماً وإثماً كبيراً، والوزارة من وراء ذلك في رغد ونعيم. وصحف تطن طنين الذباب … وأخرى تشن على الأقرب وماذا في صحائفكم … سوى التمويه والكذب حصائد ألسن جرت … إلى الويلات والحرب وأرى الصحائف أيبست … ما بيننا أخذاً وردَّا هذا يرى رأي العميد=وذا يعد عليه عدَّا وأرى الوزارة تجتني … من مر هذا العيش شهدا ومصابنا الذي يفوق كل مصاب، وداؤنا الذي يعلو على كل داء، وهو تزلفنا لدار المندوب البريطاني وهو البعيد عنا لغة، وجنساً، وديناً، والأجنبي عنا مهبطاً وميلاداً، والذي لا نلتقي وإياه إلا في وادي بؤسنا ودار نعيمه، والذي لا تجمعنا وإياه آلام ولا آمال. وحافظ يبرئ المندوب من كل ذنب، ويخليه من الملام فسبيله أن يستبد، أما نحن فشأننا أن نستعد.

стр. 4756

وقالوا دخيل عليه العفاء … ونعم الدخيل على مذهبي رآنا نياماً ولما نفق … فشمر للسعي والمكسب وماذا عليه إذا فاتنا … ونحن على العيش لم ندأب أنا لا ألوم المستشار … إذا تعلل أو تصدى فسبيله أن يستبد … وشأننا أن نستعدا ٢ - نصحه وإرشاده: ولكن حافظاً لم تفل من عزيمته هذه العيوب، ولم تثن همته تلك المثالب، ولم تقعد به هذه المخازي عن إسداء النصيحة وحث الهمم، وضرب اليابان مثلاً، وجعلها قبلة. فهبوا من مراقدكم … فإن الوقت من ذهب فهذي أمة اليابان … جازت دارة الشهب فهامت بالعلا شغفاً … وهمنا بابنة العنب أيجمل من بعد هذا وذاك … بأن نستكين وأن نجمدا وها أمة الصفر قد مهدت … لنا النهج فاستبقوا الموردا ثم نراه لا يرسل النصيحة خلواً من كل سند، بل يشفعها بتلقين عظمة الآباء، والإيحاء بعزة الماضي، وجد التاريخ، ويرى أن الزمان قلب، والفلك دوار، وأنه لا علينا أن نهزم اليوم إذا كنا نتوثب للغد، وأن نبتلي في الحاضر كي نتأهب للمستقبل. فدنياك يا نيل لا تجزعن … إذا اليوم ولى فراقب غدا فلا ييؤسنك قول العداة … وإن كان قيلاً كحز المدى أتودع فيك كنوز العلوم … ويمشي لك الغرب مسترفدا ويقضي عليك قضاة الضلال … طوال الليالي بأن ترقدا ونراه لا ينسى هذا التلقين والإيحاء والاعتداد بالماضي في كل مناسبة وفرصة كما في وداعه لصديقيه محمد بك بدر، واحمد بدر عند سفرهما إلى بلاد الإنجليز. سيرا أيا بدري سماء العلا … واستقبلا التم ولا تأفلا

стр. 4757

سيرا إلى مهد العلوم التي … كانت لنا ثم ازدهاها البلى وخبرا الغرب وأبناءه … بأننا نحن الرجال الأولى لئن غدا الدهر بنا مدبراً … لابد للمدبر أن يقبلا ويختم حافظ نصيحته بالوسيلة الأولى للنجاح والظفر، والتغلب على الصعاب ألا وهي العلم، ويرى أن إنشاء الكتاتيب لا يغني عن العلم الصحيح، وأن ألف كتاب لا تعدل مدرسة عالية، أو جامعة منظمة تضم بين جنبيها رجالاً أكفاء يتعهدون الناس بالتعليم، والمداواة، والسهر على الأمن والأرواح، والقضاء فيهم، والإشراف على موارد المياه وتصريفها، ورصد الأفلاك والكواكب، والبحث عن بقايا القدماء، ومخلفات الآباء بالحفر والتنقيب. ذر الكتاتيب منشيها بلا عدد … ذر الرماد بعين الحاذق الأرب فأنشأوا ألف كتاب وقد علموا … أن المصابيح لا تغني عن الشهب هبو الأجير أو الحراث قد بلغا … حد الكتابة في صحف وفي كتب من المداوي إذا ما علة عرضت؟ … من المدافع عن عرض وعن نشب؟ ومن يروض مياه النيل إن جمحت … وأنذرت مصر بالويلات والحرب؟ ومن يوكل بالقسطاس بينكم؟ … حتى يرى الحق ذا حول وذا غلب ومن يميط ستار الجهل إن طمست … معالم القصد بين الشك والريب فمالكم أيها الأقوام جامعة … ألا بجامعة موصولة الحسب ٣ - رجاؤه في تحقيق هذه الآمال: ثم إن حافظاً ﵀ - كان عامر الفؤاد بالرجاء في الإصلاح، قوي الإيمان بالتوفيق، يود لو هيأ الله لمصر صلاحاً وللنيل سعادة. وقد وضع أمله بين يدي الشباب ونابتة العصر، ولا غرو فالشباب أقوى من يحمل الأمانة، ويؤدي الرسالة تحت إرشاد الشيوخ، وموعظة الكهول. يا مصر هل بعد هذا اليأس متسع … يجري الرجاء به في كل مضطرب

стр. 4758

لا نحن موتى ولا الأحياء تشبهنا … كأننا فيك لم نشهد ولم نغب نبكي على بلد سال النضار به … للوافدين وأهلوه على سغب متى نراه وقد باتت خزائنه … كنزاً من العلم لا كنزاً من الذهب ثم هو في ندائه للشباب يضع آلام الوطن بين يديه، يثير عواطفهم لحبه والإخلاص له، بأسلوب أخاذ بمجامع القلب والنفس جميعاً. وهو ﵀ حين يأمل الخير للنيل وواديه، ويرجو له أن تحقق آماله وأمانيه، وألا تحلو موارده إلا للمخلصين من بنيه؛ تهيج به الآلام، وتحرك كوامن غيظه ودفين حيرته. متى أرى النيل لا تحلو موارده … لغير مرتهب لله مرتقب فقد غدت مصر في حال إذا ذكرت … جادت جفوني لها باللؤلؤ الرطب كأنني عند ذكري ما ألم بها … قرم تردد بين الموت والهرب هذا حافظ الشاعر الوفي لأهله ووطنه، والمخلص لشعبه وأمته، مر عامان على وفاته، دون أن يذكره شعبه أو يحيي ذكراه؛ لولا أدبه الخالد الذي يأبى الركود ويعشق الحياة. قد أضاعوك غير أن الذي أظ … هرت من عبقرية لا يضيع فرحمه الله وجزاه بإخلاصه، وعوضه عن نكران شعبه حياة أدبه. السيد احمد العجان

стр. 4759

من الأدب الهندي محمد إقبال للدكتور عبد الوهاب عزام قدمت في الرسالة نبذاً من كتاب إقبال الذي سماه (أسرار خودى) فعرف القارئ رأي الشاعر فيما سماه (الذاتية) ورأى كيف ضرب مثلاً من الطائر الظمآن وقطعة الماس، ومن الفحم والماس. وفي هذا المقال يرى القارئ كلمتين من الكتاب نفسه: الأولى قصة الشيخ والبرهمن، ونهر الكنج وجبل هماله، والثانية (الوقت سيف). وإذا رأى القارئ غموضاً في بعض الجمل فمرجع هذا أن كثيراً من المعاني والعبارات غير مألوف في العربية، وأن الشاعر الكبير يعرض آراء من فلسفته الخاصة، لم تذلل لها اللغة التي كتب بها. وهو يشكو في كلامه عن الوقت من أن الألفاظ تضيق بالمعاني التي يحسها. وكان أهون عليّ أن أكتب في موضوعات أخرى هي أقرب إلى القراء، لولا أني أود أن أبين جهد الطاقة عن جوانب مجهولة من أدبنا الشرقي، ولاسيما فلسفة شاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال. ويرى القارئ أني أحاول بالسجع تدارك بعض ما فات من الوزن والقافية. - ١ - (قصة الشيخ، البرهمن، وحديث كنكا وهماله في بيان أن حياة الأمة تستمر بالمحافظة على سننها). كان في بنارس برهمند من الكبراء، غواص في بحر الحياة والفناء. ملك زمام الحكمة، وشحذ في الطلب والهمة، متوقد الذهن، يتحرى الدقائق، ويحلق فوق الثريا في طلب الحقائق. أوغل في لوح الجو كالعنقاء، واضطربت الشمس والقمر في شعلة فكره الوضاء. مُني زماناً بالحرمان والحسرة، لم تصب كأسه قطرة من الحكمة، وألقى شبكته في رياض المعرفة، فلم تر طائر المعنى عين الشبكة، وأدمى مخالب الفكر المجهود، ولم يحل عقدة الوجود، نطقت بعجزه آهاته، وصورت حيرة قلبه قسماته.

стр. 4760

ذهب يوماً إلى شيخ عظيم، ذي قلب سليم، فأصغى الشيخ لحديثه حتى عرف مكنون صدره، ثم قال: أيها الطائف في الأفلاك! اتخذ في الأرض مثواك. اغتربت عن المرج والصحراء فجاز فكرك آفاق السماء. يا طاوي السماء اسكن إلى الأرض قليلاً، ودع حقائق النجوم حيناً. لا أقول لك اهجر أصنامك، أنت كافر فكن جديراً بزنارك، يا أميناً على التهذيب القديم، لا تحقر دين آبائك الأولين. فإن في الألفة حياة الأمة، والكفر كذلك من أسباب الألفة. أنت ناقص حتى في الكفر، فلست أهلاً للطواف في حرم القلب. لقد بعدنا عن جادة التسليم، بعدت عن آذر وبعدت عن إبراهيم. قيسنا ليس هائماً بالمحمل، وهو في جنون العشق لم يكمل، ما جدوى الخيال الذي يطوي السماء، إن كان شمع الذاتية إلى انطفاء. قال نهر الكنج يوماً لجبل همالة وهو يجري في سفحه: أيها المتوج بالبرد من فجر الخليقة، والمتخذ زناراً من الأنهار الجارية. جعلك الله نجيّ السماء، ولكن حرمك التبختر في العراء، ما غناء هذا الوقار والرسوخ والرفعة، وقد سلبت رجلك الحياة والحركة؟ الحياة سعي دائم كالموج، وجوده من الاضطراب المتصل. فلما سمع الجبل تعيير النهر، أرسل أنفاسه بحراً من نار وقال: يا من اتخذت صفحته مرآتي، وأكننت مئات من مثله في صدري إن هذا التبختر زينة الفناء، من ذهب عن نفسه فقد حرم البقاء، قد غفلت عن مقامك، وفخرت بهلاكك، ياوليد الفلك الرفيع، خير منك الساحل الوضيع، جعلت نفسك قربان المحيط، ونثرت جوهر روحك لقاطع الطريق، كن ورداً في بستانك، خلت القرون وأنا في طينتي ثابت القدم، وتحسبني إلى الغاية لم أتقدم، كلا قد عظمت حتى بلغت السماء، واستراحت على سفحي الجوزاء، وقد ضل وجودك في البحر الخضم، وصارت ذروتي مسجد الأنجم، عيني بأسرار الفلك بصيرة، وأذني بطيرانه خبيرة، احترقت بنار السعي الدائم، فجمعت في صدري الجواهر (في صدري حجارة وفي الحجارة نار، ليس للماء سبيل إلى هذه النار) إن كنت قطرة فلا ترق نفسك بيدك، وجاهد اللجة وحارب اليم لحياتك، كن جوهراً لألاء، يزيد جيد الحسناء ضياء، أو اسمُ بنفسك وأسرع التسيار، وكن سحاباً يرمي البروق ومطر البحار، ليستجدي البحر إحسانك، ويشكو ضيقه بإنعامك، ويرى نفسه أقل من موجة لديك، ويطرح نفسه أمام قدميك.

стр. 4761

- ٢ - أتبع الشاعر الفصل السابق بفصل عنوانه (نصيحة أمير نجاة النقشبندي المعروف ببابا الصحراوي، التي كتبها لمسلمي الهند). وهو فصل ممتع بلغ فيه الكاتب من سمو الشعر، وعظمة النفس مبلغه. ثم أتبعه بكلمة عنوانها (الوقت سيف) وهذه ترجمتها: - سقى الله ثرى الشافعي، كما استقى الناس من فيضه، لقد اقتطف فكره كوكباً من السماء، حين سما الوقت سيفاً ذا مضاء، ماذا أقول في سر هذا السيف الذي يفيض بالحياة ماؤه؟ إن صاحبه فوق الخوف والرجاء، ويده أنصع من يد الكليم البيضاء، يلين الحجر لضربته، وييبس البحر لهيبته، كان هذا السيف في يد موسى فعلا أمره على التدبير، شق صدر البحر القلزم، فانقلب براً ذلك العيلم، وكان في كف حيدر فاتح خيبر، ذلك السيف العظيم الأثر. إن البصير يرى دوران السماء، ويدرك تقلب الليل والنهار في الفضاء، أنظر يا أسير الأمس والغد، تر في قلبك عالماً لا يحد، زرعت بذور الظلام في طينتك، وتوهمت الوقت خطاً بجهلك، ثم قست طول الزمان بمعيار الليل والنهار، واتخذت هذا الخيط زناراً، فملت إلى الأصنام واتخذت الباطل متجراً، كنت كيمياء فانقلبت قبضة طين، وولدت الحق ثم صرت الباطل المهين. إن تكن مسلماً فتحرر من هذا الزنار، وكن شمعاً في محافل الأحرار. لقد جهلت أصل الزمان فجهلت الحياة الخالدة، يا أسيراً في الليل والنهار مثواه، تعرف رمز الوقت من (لي مع الله) كل شئ من سير الوقت ظاهر، والحياة سر من أسرار الوقت الباهر، ليس الوقت من دوران الشمس العلية، هو أبديّ وهي ليست أبدية، الوقت هو السرور والغم، والعيد والمأتم، وهو سر الضياء، في القمر وذُكاء، قد بسطت الوقت كالمكان، ثم فرقت بين الأمس والغد في الحسبان، يا من جفلت كالشذى من بستانك، وبنيت سجنك بيدك! إن وقتنا الذي لا أول له ولا آخر، ينبت من بستان الضمير الناضر، الحياة من الدهر والدهر من الحياة، وقد قال الرسول لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله. استمع نكتة تضيء كالدر، لتعرف فرق ما بين العبد والحر: العبد ضال في الليل والنهار،

стр. 4762

والزمان في قلب الحر ضال. العبد ينسج من الأيام كفنه، ويخيط الليل والنهار على نفسه، والحر يخلع نفسه من الطين، ثم ينسج على الزمان عزمه المتين. العبد طائر في شبكة الصباح والمساء، حرمت روحه لذة السبح في الهواء، وصدر الحر الهمام، قفس لطائر الأيام، فطرة العبد تحصيل الحاصل، وخواطره تكرار قاتل، مقامه من الخمود واحد، وصوته بالليل والنهار راكد. والحر كل حين خلاق، يسكب وتره نغمة مجددة في الآفاق، فطرته لا تحتمل التكرار، وليس طريقه حلقة البركار، العبد في سلاسل من أيامه، والقضاء والقدر وِرد لسانه. وهمة الحر مشيرة على القضاء، تصور يده الحادثات كما تشاء، الماضي والآتي ماثلان لديه، والآجل عاجل بين يديه. هذا كلام برئ من الصوت والصدى، يأبى على الإدراك أبداً. أقول ولفظي من المعنى يخجل، ومعناي من ذلك اللفظ أجلّ، يموت المعنى الحي في هذه الحروف الجامدة، وتخمد ناره بأنفاسك الباردة. إن في القلب نكتة الغيبة والحضور، وإن في القلب رمز الأيام والمرور، مِزهر الوقت ذو نغمة صامتة، فغص في قلبك لتدرك أسراره الخافتة. نضّر الله عهداً كان سيف الزمان، حليف أيدينا على الحدثان، فبذرنا الدين في أرض القلوب، ورفعنا الحجاب عن وجه الحق المحجوب، وحلت عقدة الدنيا أناملنا، ونضر وجه الأرض سجودنا، وشربنا الصهباء من دنّ الحق، ثم سرنا بنشوة الحق بين الخلق، يا من أترعت كأسه الخمر المعتقة، وأذابت كأسه الصهباء المحرقة، وملأه الكبر والغرور والأثرة، فعيّرنا بالفقر والمتربة. لقد كانت كأسنا كذلك، زينة المحافل، يوم كنا وصدرنا بالقلب آهل، وثار من غبار أقدامنا عصر جديد، ينجلي بكل أمل بعيد ورويت مزرعة الحق بدمائنا، وسعد عُبّاد الحق ببلائنا، ودوّي العالم بتكبيرنا، وعمرت كعباتٌ من ترابنا. وأنزل الحق كلمة (اقرأ) فينا، ثم قسم رزقه بأيدينا. فإن يكن ذهب منا الخاتم والتاج، فلا تحقر ذلك الفقير المحتاج. إن نكن بزعمك مفسدين، وبالأفكار العتيقة مغرمين. فنحن لا نزال الأحرار أنصار التوحيد، قوامين على العالمين والله شهيد. فرغنا من غم اليوم والغد، وحالفنا الله الأحد، فنحن في قلب الحق سر مكنون، ونحن ورثة محمد وموسى وهارون، لا يزال نورنا في الشمس والقمر مصوناً، ولا يزال سحابنا بالبرق مشحوناً.

стр. 4763

إن ذات المسلم مرآة الحق، وإن وجود المسلم من آيات الحق. عبد الوهاب عزام

стр. 4764

العلوم أصل الأرض وماهية تكوينها بقلم نعيم علي راغب اختلفت الآراء وتضاربت، ثم كثر الحدس والتخمين في أصل الأرض من قديم الزمان، واستمر الحال كذلك إلى أن جاء القرن التاسع عشر يحمل معه مخترعات جليلة الشأن، عظيمة الفائدة، نخص منها بالذكر المنظار المقرب أو التلسكوب، ثم آلات تحليل الطيف الضوئي، فأمكن تكوين رأي لا يزال حتى الآن غير محكم عن أصل تكوين الأرض. وخلاصة المأخوذ به حتى الآن هو أن الأرض التي نعيش عليها جزء من المجموعة الشمسية التي تترب من عدة أجرام سماوية تتوسطها الشمس، وهي ثمانية كواكب سيارة مرتبة حسب قربها من الشمس: (عطارد. الزهرة. الأرض. المريخ. المشتري. زحل. أورانوس. نبتون). كذلك من ٦٣٥ كوكباً صغيراً سياراً بين المريخ والمشتري، وكذلك التوابع وهي أجرام سماوية صغيرة تدور حول الكواكب السيارة (كالقمر بالنسبة للأرض)؛ هذا غير عدد لا يحصى من أجرام سماوية صغيرة اسمها الشهب تدور على غير هدى. ونحن إذا رجعنا الآن إلى تكوين الأرض من هذه المجموعة، وجدنا أن الآراء متفقة على إنها كانت قبل انفصالها عبارة عن كتلة واحدة متماسكة، ثم انفصلت إلى أجزاء صغيرة كانت الأرض أحدها. وإليك بيان ذلك: كانت المجموعة الشمسية في البداية سديماً، (وهو جسم يرى بالعين المجردة كأنه سحابة بيضاء، ولكنه في الحقيقة جسم غازي شديد الحرارة جداً، له مركز أشد صلابة ولمعاناً من باقي جسمه، وهو بيضاوي الشكل)، انخفضت درجة حرارته بعامل من العوامل فانفصلت أطرافه على شكل حلقات دائرية، واستمرت بعد عملية الانفصال تدور حوله في نفس الاتجاه الذي كان يدور فيه، فتكونت من هذه الحلقات الكواكب السيارة، وكان أولها في التكوين أبعدها عن الشمس، وهو نبتون الواقع على طرف المجموعة الشمسية؛ وكان آخرها أقربها إليها وهو عطارد. وتعرف هذه النظرية بالنظرية السديمية وهي النظرية التي قال بها العالم الفرنسي الشهير في أواخر القرن الثامن عشر. حار العلماء في تفسير منشأ حرارة السديم ولم يتمكنوا من إيجاد تحليل معقول يستسيغه

стр. 4765

العقل فسكتوا على مضض حتى تقدم سير نورمان لوكيار بنظرية الشهب وخلاصتها أن النيازك العديدة التي تسبح في الفضاء إذا ما تقاربت نشأ عن اتحادها واحتكاكها درجة حرارة تبدأ قليلة المقدار لكنها تزداد كلما ازداد مقدار تقاربها من بعضها بفعل الجاذبية نحو المركز، وهكذا إلى أن تصل إلى حد تتحول معه النيازك إلى مادة غازية ثم يأتي وقت بعد ذلك تزيد في الحرارة المتشععة من الشهب عن الحرارة الناشئة من الاحتكاك فتتكاثف هذه الغازات ثانية. وتأخذ درجة حرارة السديم في الانخفاض تبعاً لذلك. وتكون أبعد الأماكن عن المركز أولاها في هذه العملية. ومن هنا نعلم أن أبعد السيارات عن مركز المجموعة أقدمها في التكوين كما سبق ذكره. استمرت النظرية السديمية مأخوذاً بها طول القرن التاسع عشر غير أنه كان فيها بعض نقط غامضة احتاجت إلى إيضاح كثير: من ذلك مثلاً إن هذه النيازك التي قيل إنها تكون السديم صغيرة الحجم إلى حد كبير تسير في الفضاء على غير هدى وبسرعة عظيمة. ومن الصعوبة أن نتصور القوة الجبارة التي سببت اتحادها بعضها ببعض. وبغير هذه القوة لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير النظرية السديمية. ومن الاعتراضات الأخرى التي قامت في وجه هذه النظرية حقيقة جغرافية ثابتة، وهي إن توابع كل من أورانوس ونبتون تدور حولهما من الشرق إلى الغرب على عكس باقي أجزاء المجموعة الشمسية. وقد تقدم في القرن العشرين بعض علماء الإنجليز والأمريكان بنظرية عن أصل تكوين الأرض تعرف بنظرية المد خلاصتها أن تكون الكواكب السيارة وقيرها من المجموعة الشمسية قد نشأ عن اقتراب نجم كبير من سديم الشمس في أوقات مختلفة. فنشأ عن اقترابه أن جذب إليه جزءاً من كتلة السديم انفصل منه بقوة هذه الجاذبية. ولا تختلف النظرية الأخيرة وهي نظرية المد عن النظرية السديمية في شئ إلا في تعليل انفصال الحلقات المكونة للمجموعة الشمسية عن جسم السديم الاصلي. وهناك اختلاف بيّن بين قولنا هذا وبين من يقول إن الأرض أصلها جزء من الشمس لأن القول الأخير غير صحيح إذ أن الأرض والشمس جزءان من سديم واحد أو كتلة واحدة وليست جزءاً من كل بالنسبة للثانية. باطن الأرض:
следующие страницы →