Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
- ٢ -
أتبع الشاعر الفصل السابق بفصل عنوانه (نصيحة أمير نجاة النقشبندي المعروف ببابا الصحراوي، التي كتبها لمسلمي الهند).
وهو فصل ممتع بلغ فيه الكاتب من سمو الشعر، وعظمة النفس مبلغه. ثم أتبعه بكلمة عنوانها (الوقت سيف) وهذه ترجمتها: -
سقى الله ثرى الشافعي، كما استقى الناس من فيضه، لقد اقتطف فكره كوكباً من السماء، حين سما الوقت سيفاً ذا مضاء، ماذا أقول في سر هذا السيف الذي يفيض بالحياة ماؤه؟ إن صاحبه فوق الخوف والرجاء، ويده أنصع من يد الكليم البيضاء، يلين الحجر لضربته، وييبس البحر لهيبته، كان هذا السيف في يد موسى فعلا أمره على التدبير، شق صدر البحر القلزم، فانقلب براً ذلك العيلم، وكان في كف حيدر فاتح خيبر، ذلك السيف العظيم الأثر.
إن البصير يرى دوران السماء، ويدرك تقلب الليل والنهار في الفضاء، أنظر يا أسير الأمس والغد، تر في قلبك عالماً لا يحد، زرعت بذور الظلام في طينتك، وتوهمت الوقت خطاً بجهلك، ثم قست طول الزمان بمعيار الليل والنهار، واتخذت هذا الخيط زناراً، فملت إلى الأصنام واتخذت الباطل متجراً، كنت كيمياء فانقلبت قبضة طين، وولدت الحق ثم صرت الباطل المهين.
إن تكن مسلماً فتحرر من هذا الزنار، وكن شمعاً في محافل الأحرار. لقد جهلت أصل الزمان فجهلت الحياة الخالدة، يا أسيراً في الليل والنهار مثواه، تعرف رمز الوقت من (لي مع الله) كل شئ من سير الوقت ظاهر، والحياة سر من أسرار الوقت الباهر، ليس الوقت من دوران الشمس العلية، هو أبديّ وهي ليست أبدية، الوقت هو السرور والغم، والعيد والمأتم، وهو سر الضياء، في القمر وذُكاء، قد بسطت الوقت كالمكان، ثم فرقت بين الأمس والغد في الحسبان، يا من جفلت كالشذى من بستانك، وبنيت سجنك بيدك! إن وقتنا الذي لا أول له ولا آخر، ينبت من بستان الضمير الناضر، الحياة من الدهر والدهر من الحياة، وقد قال الرسول لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله.
استمع نكتة تضيء كالدر، لتعرف فرق ما بين العبد والحر: العبد ضال في الليل والنهار،
стр. 4762
والزمان في قلب الحر ضال. العبد ينسج من الأيام كفنه، ويخيط الليل والنهار على نفسه، والحر يخلع نفسه من الطين، ثم ينسج على الزمان عزمه المتين. العبد طائر في شبكة الصباح والمساء، حرمت روحه لذة السبح في الهواء، وصدر الحر الهمام، قفس لطائر الأيام، فطرة العبد تحصيل الحاصل، وخواطره تكرار قاتل، مقامه من الخمود واحد، وصوته بالليل والنهار راكد. والحر كل حين خلاق، يسكب وتره نغمة مجددة في الآفاق، فطرته لا تحتمل التكرار، وليس طريقه حلقة البركار، العبد في سلاسل من أيامه، والقضاء والقدر وِرد لسانه. وهمة الحر مشيرة على القضاء، تصور يده الحادثات كما تشاء، الماضي والآتي ماثلان لديه، والآجل عاجل بين يديه.
هذا كلام برئ من الصوت والصدى، يأبى على الإدراك أبداً. أقول ولفظي من المعنى يخجل، ومعناي من ذلك اللفظ أجلّ، يموت المعنى الحي في هذه الحروف الجامدة، وتخمد ناره بأنفاسك الباردة. إن في القلب نكتة الغيبة والحضور، وإن في القلب رمز الأيام والمرور، مِزهر الوقت ذو نغمة صامتة، فغص في قلبك لتدرك أسراره الخافتة.
نضّر الله عهداً كان سيف الزمان، حليف أيدينا على الحدثان، فبذرنا الدين في أرض القلوب، ورفعنا الحجاب عن وجه الحق المحجوب، وحلت عقدة الدنيا أناملنا، ونضر وجه الأرض سجودنا، وشربنا الصهباء من دنّ الحق، ثم سرنا بنشوة الحق بين الخلق، يا من أترعت كأسه الخمر المعتقة، وأذابت كأسه الصهباء المحرقة، وملأه الكبر والغرور والأثرة، فعيّرنا بالفقر والمتربة. لقد كانت كأسنا كذلك، زينة المحافل، يوم كنا وصدرنا بالقلب آهل، وثار من غبار أقدامنا عصر جديد، ينجلي بكل أمل بعيد ورويت مزرعة الحق بدمائنا، وسعد عُبّاد الحق ببلائنا، ودوّي العالم بتكبيرنا، وعمرت كعباتٌ من ترابنا. وأنزل الحق كلمة (اقرأ) فينا، ثم قسم رزقه بأيدينا. فإن يكن ذهب منا الخاتم والتاج، فلا تحقر ذلك الفقير المحتاج. إن نكن بزعمك مفسدين، وبالأفكار العتيقة مغرمين. فنحن لا نزال الأحرار أنصار التوحيد، قوامين على العالمين والله شهيد.
فرغنا من غم اليوم والغد، وحالفنا الله الأحد، فنحن في قلب الحق سر مكنون، ونحن ورثة محمد وموسى وهارون، لا يزال نورنا في الشمس والقمر مصوناً، ولا يزال سحابنا بالبرق مشحوناً.
стр. 4763
إن ذات المسلم مرآة الحق، وإن وجود المسلم من آيات الحق.
عبد الوهاب عزام
стр. 4764
العلوم
أصل الأرض وماهية تكوينها
بقلم نعيم علي راغب
اختلفت الآراء وتضاربت، ثم كثر الحدس والتخمين في أصل الأرض من قديم الزمان، واستمر الحال كذلك إلى أن جاء القرن التاسع عشر يحمل معه مخترعات جليلة الشأن، عظيمة الفائدة، نخص منها بالذكر المنظار المقرب أو التلسكوب، ثم آلات تحليل الطيف الضوئي، فأمكن تكوين رأي لا يزال حتى الآن غير محكم عن أصل تكوين الأرض.
وخلاصة المأخوذ به حتى الآن هو أن الأرض التي نعيش عليها جزء من المجموعة الشمسية التي تترب من عدة أجرام سماوية تتوسطها الشمس، وهي ثمانية كواكب سيارة مرتبة حسب قربها من الشمس: (عطارد. الزهرة. الأرض. المريخ. المشتري. زحل. أورانوس. نبتون). كذلك من ٦٣٥ كوكباً صغيراً سياراً بين المريخ والمشتري، وكذلك التوابع وهي أجرام سماوية صغيرة تدور حول الكواكب السيارة (كالقمر بالنسبة للأرض)؛ هذا غير عدد لا يحصى من أجرام سماوية صغيرة اسمها الشهب تدور على غير هدى.
ونحن إذا رجعنا الآن إلى تكوين الأرض من هذه المجموعة، وجدنا أن الآراء متفقة على إنها كانت قبل انفصالها عبارة عن كتلة واحدة متماسكة، ثم انفصلت إلى أجزاء صغيرة كانت الأرض أحدها. وإليك بيان ذلك:
كانت المجموعة الشمسية في البداية سديماً، (وهو جسم يرى بالعين المجردة كأنه سحابة بيضاء، ولكنه في الحقيقة جسم غازي شديد الحرارة جداً، له مركز أشد صلابة ولمعاناً من باقي جسمه، وهو بيضاوي الشكل)، انخفضت درجة حرارته بعامل من العوامل فانفصلت أطرافه على شكل حلقات دائرية، واستمرت بعد عملية الانفصال تدور حوله في نفس الاتجاه الذي كان يدور فيه، فتكونت من هذه الحلقات الكواكب السيارة، وكان أولها في التكوين أبعدها عن الشمس، وهو نبتون الواقع على طرف المجموعة الشمسية؛ وكان آخرها أقربها إليها وهو عطارد. وتعرف هذه النظرية بالنظرية السديمية وهي النظرية التي قال بها العالم الفرنسي الشهير في أواخر القرن الثامن عشر.
حار العلماء في تفسير منشأ حرارة السديم ولم يتمكنوا من إيجاد تحليل معقول يستسيغه
стр. 4765
العقل فسكتوا على مضض حتى تقدم سير نورمان لوكيار بنظرية الشهب وخلاصتها أن النيازك العديدة التي تسبح في الفضاء إذا ما تقاربت نشأ عن اتحادها واحتكاكها درجة حرارة تبدأ قليلة المقدار لكنها تزداد كلما ازداد مقدار تقاربها من بعضها بفعل الجاذبية نحو المركز، وهكذا إلى أن تصل إلى حد تتحول معه النيازك إلى مادة غازية ثم يأتي وقت بعد ذلك تزيد في الحرارة المتشععة من الشهب عن الحرارة الناشئة من الاحتكاك فتتكاثف هذه الغازات ثانية. وتأخذ درجة حرارة السديم في الانخفاض تبعاً لذلك. وتكون أبعد الأماكن عن المركز أولاها في هذه العملية. ومن هنا نعلم أن أبعد السيارات عن مركز المجموعة أقدمها في التكوين كما سبق ذكره.
استمرت النظرية السديمية مأخوذاً بها طول القرن التاسع عشر غير أنه كان فيها بعض نقط غامضة احتاجت إلى إيضاح كثير: من ذلك مثلاً إن هذه النيازك التي قيل إنها تكون السديم صغيرة الحجم إلى حد كبير تسير في الفضاء على غير هدى وبسرعة عظيمة. ومن الصعوبة أن نتصور القوة الجبارة التي سببت اتحادها بعضها ببعض. وبغير هذه القوة لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير النظرية السديمية. ومن الاعتراضات الأخرى التي قامت في وجه هذه النظرية حقيقة جغرافية ثابتة، وهي إن توابع كل من أورانوس ونبتون تدور حولهما من الشرق إلى الغرب على عكس باقي أجزاء المجموعة الشمسية.
وقد تقدم في القرن العشرين بعض علماء الإنجليز والأمريكان بنظرية عن أصل تكوين الأرض تعرف بنظرية المد خلاصتها أن تكون الكواكب السيارة وقيرها من المجموعة الشمسية قد نشأ عن اقتراب نجم كبير من سديم الشمس في أوقات مختلفة. فنشأ عن اقترابه أن جذب إليه جزءاً من كتلة السديم انفصل منه بقوة هذه الجاذبية.
ولا تختلف النظرية الأخيرة وهي نظرية المد عن النظرية السديمية في شئ إلا في تعليل انفصال الحلقات المكونة للمجموعة الشمسية عن جسم السديم الاصلي.
وهناك اختلاف بيّن بين قولنا هذا وبين من يقول إن الأرض أصلها جزء من الشمس لأن القول الأخير غير صحيح إذ أن الأرض والشمس جزءان من سديم واحد أو كتلة واحدة وليست جزءاً من كل بالنسبة للثانية.
باطن الأرض:
стр. 4766
كانت الأرض كما قلنا جزءاً من السديم الشمسي وكانت حرارتها في البداية شديدة جداً ثم انخفضت وأخذت في القلة تدريجاً بفعل الإشعاع فبردت قشرتها الظاهرية شيئاً فشيئاً حتى وصلت لحالة الصلابة، ثم تجعدت هذه القشرة تبعاً لبرودة الأجزاء الباطنية وأخذت في التقلص فتكونت فيها منخفضات ملأتها الأبخرة المتكاثفة (الماء) وأخذت معالم الحياة تظهر شيئاً فشيئاً وكان آخر هذه المعالم هو الإنسان. إلا أن باطن الأرض ظل مرتفع الحرارة. تدل على ذلك ظواهر طبيعية عديدة:
١ - تزيد درجة الحرارة بمعدل درجة واحدة فهرنهيت لكل عمق مقداره ٥٦ قدماً.
٢ - سخونة المياه التي تخرج من الينابيع الساخنة. وقد وجد أن درجة حرارة الماء الخارج من نافورات أيسلندة ٢٦١ ف.
٣ - خروج المواد المنصهرة من البراكين.
ولقد أثارت الظاهرة الأولى اهتمام العلماء وكانت سبباً في
اختلافات كثيرة وقعت بينهم في القرن التاسع عشر، لأنه إذا
كانت زيادة درجة واحدة فهرنهيت لكل ٥٦ قدماً بعد الخمسين
قدماً الأولى صحيحاً واستمرت هذه الزيادة باطراد لوجب أن
تكون حرارة الباطن ١٥٠٠ درجة حرارة مئوية على عمق
٢٨ ميلاً أو على عمق ١١٤١ من نصف قطر الأرض. وهذه
الدرجة تذوب عندها أشد العناصر صلابة. فوجب على هذه
الحال أن يكون سمك القشرة الأرضية الصغرى غايته ٢٨
ميلاً وفيما يلي ذلك يكون الباطن منصهراً.
غير أنه ثبت في القرن الحالي أن باطن الأرض صلب، وأن الأرض تتكون من طبقتين متميزتين عن بعضهما:
стр. 4767
الأولى: طبقة سطحية تتكون من صخور قليلة الكثافة يطلق عليها اسم
الثانية: طبقة معدنية عظيمة الكثافة تسمى
وأن الطبقة السطحية تحتوي بالقرب من الظاهرات على جيوب مملوءة بالمواد المنصهرة، وهي ما تعرف بالحمم ومنها تفيض البراكين عند ثورانها. وهناك أدلة تثبت أن باطن الأرض أصلب منها:
(١) كلما تعمقنا في باطن الأرض زاد الضغط بنسبة العمق الذي نصل إليه، ومعنى ذلك أن الطبقات على عمق ١٠٠ متر مثلاً تقع تحت ضغط يساوي عمود الهواء وثقل الطبقات التي تعلوها. ولذا فإن المواد التي توجد على هذا العمق تحتاج إلى درجة حرارة اكثر بكثير من الدرجة التي تنصهر عندها نفس المواد إذا ما وجدت على سطح الأرض.
(٢) لما كانت كثافة الأرض ٦ر٥ وكثافة السطح الخارجي ٥ر٢ وجب أن تكون كثافة الباطن أعلى من ذلك بكثير حتى يكون الناتج ٦ر٥.
(٣) تزيد سرعة الموجة الزلزالية عند مرورها في باطن الأرض عنها على السطح، فقد لوحظ أنه بينما تسير الموجة بسرعة ٨٦ر١ ميلاً في الثانية على السطح، فإنها تسير بسرعة ٠٥ر٥ أميال في الثانية في باطن الأرض.
(٤) لو كان باطن الأرض سائلاً لوجب أن يتأثر بالمد والجزر، فيظهر ارتفاع في القشرة الأرضية من جهة المد، وانخفاض في الجهة الأخرى.
(٥) قد ثبت أن النشاط الراديومي محصور في دائرة ضيقة غاية قطرها ٤٥ ميلاً من السطح الخارجي. ولو كانت الصخور التي دون هذا العمق، تحتوي على راديوم لازدادت كمية النشاط الراديومي. ولما كانت المواد الحديدية التركيب من المواد القليلة الخالية من هذا النشاط. يثبت لنا من ذلك أن باطن الأرض يتكون من مادة حديدية عظيمة الكثافة، وهذا يتفق مع النظرية الشهبية التي قال بها السير نورمان لوكيار. كما يتفق مع الحقيقة الثابتة في النقطة الثالثة.
انتهينا الآن من ماهية باطن الأرض، وسنبحث في مقال آخر في ظواهر حرارة باطن الأرض، فنتكلم عن البراكين وظواهرها وأسبابها. ثم نبين التضارب الحادث في تعريفها جغرافياً، والتغليط العلمي في شرح ظواهرها وأسبابها.
стр. 4768
نعيم علي راغب
دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافيا
стр. 4769
القصص
من التاريخ
ذكرى زينب
بقلم مهدي الجم الطرابلسي
أقبلت عليه متهادية، تحمل أذيالها الجواري السود، وجلست قربه وقالت بصوتها العذب: عمْ صباحاً أيها الأمير. فقال: عمي صباحاً أيتها الأميرة. قالت: ما لي أراك طويل التأمل، عميق التفكير، مؤرق الليل، محزون النهار؟ قال: آه يا زينب! كيف لا يأرق العربي ويموت أرقاً، ويحزن وذوب حزناً، إذا استُلب الكرامة، وفقد الحرية؟؟
حنانيك يا زينب! إني أكاد أموت هماً وكمدا! إني أريد أن استقل استقلالاً تاماً! إني أريد أن أملك زمام المشرق والمغرب!
إلى متى أنا خاضع للروم؟ إني أخاف هؤلاء اللئام يا زينب، وأرهب غدرهم، فهم لا يرعون ذمة، ولا يوفون عهداً، ولا يصدقون قولاً. إني أشفق أن يمر بنا حين نذل فيه، ونساق للهوان والصغار سوق الإبل!
إن الحرية يا زينب لا تنال بمعاهدة ولا مفاوضة، بل تنال بالدم، والدم وحده. ونحن لا جيش لنا ولا عدة، فمن اين نأتي بالدم؟ أبالشجاعة وحدها؟
أفديك يا زينب! اهدني بنور وجهك المشرق، وحبك إياي، وإخلاصك لي سبل الحرية!
فقالت حييت أيها الأمير! هيئ جيشك، وحالف سابور ذا الأكتاف ملك الفرس، ولأسِر معك نحارب الروم ولا نرجع إلا ظافرين أو مقتولين. فلَلموت في سبيل الحرية خير ما يتصف به العربي!!
عاد أمير تدمر بعد أيام وقال لزينب: لقد سار ملك الروم بجيش جرار على سابور ملك الفرس، وخفت أن يظفر به، فصالحته من بعد ما اتفقت مع سابور عليه. إلا أن الفرس هزموا جمع الروم، وأسروا مليكهم، فأشفقت كثيراً أن يسير سابور إلينا يطلب الوِتر، وما أحسبه إلا قاضياً علينا القضاء الأخير!
ولقد أرسلت إليه رسول الاعتذار، وكتاب الوفاء، وإعلان السلام، وهدية المحبة
стр. 4770
والإخلاص، فعتا اللئيم عتواً كبيراً، فأهان الرسول، ومزق الكتاب، ورفض السلام، ورمى بالهدية، وتهددني أمام الوفد الذي أرسلته إليه، ثم طرده من مجلسه، وأخشى أن يحقق وعيده! فهبت زينب تقول: الساعة يلتئم المجلس الحربي، والساعة يعلن الحرب على العِلج، والعداء على لئيم العجم. . .
وفي تلك الساعة التأم المجلس الحربي التدمري، وبدا من القادة أنهم يترددون في إعلان الحرب، لأنهم يعلمون أن سابور ملك عظيم، تتصدع له الجبال خشية. وإنهم لفي ترددهم إذا زينب تبدو على المنبر متلثمة، ثم تخطب خطاباً بليغاً، تحرك به العواطف، وتلهب القلوب، وتهيج النفوس، وتهتف قائلة: العربي لا يرضى بالذل والهوان، وإنما يرضى بهما الفرس والرومان، فهو للعز يموت، وهما للذل يحيان.
وبعد أيام تكون الجيوش العربية في طريقها إلى الفرس، يتقدمها أمير تدمر (أذينة) وأميرة تدمر (زينب) الزبّاء.
تلاقى الجمعان، وكانت جولتان، ثم انهزم الفرس، وسبى أذينة من قصور سابور الحور والولدان، وأسر الأحرار والعبدان.
وأتي بسابور ترهقه ذلة، ووجهه قترة، فاعتذر واسترحم، وذل واستكان، ودفع الجزية عن يدٍ صاغراً، وأضحت تدمر جنة البادية بما نقل إليها من بلاد فارس.
امتلأت نفس أذينة بنشوة الانتصار، فعلم أن بعض الروم عصوا ملكهم وثاروا عليه، فسار إليهم ورد عصيانهم إياه طاعة، وثورتهم عليه استكانة، وعاد مع زينب إلى قاعدته بين هتاف ودعاء، وما انقضت أيام حتى أتى وفد ملك الروم (جاليانوس) يرأسه الأمير (سولفا)، ومثل بين يدي الملك العربي والملكة وشكرهما باسم الملك والإمبراطورية الرومانية، وقدم إليهما ولاءها وصداقتها. انفتحت أمام أذينة مدارج الآمال، وأمِل السيادة التامة، والحكم المطلق، فكتب إلى جاليان يسأله إياهما وأشياء أخرى تضر بملكه، فحنق ملك الروم وغضب وأرسل قائده (أورل) بجيش ليحرق تدمر ويخربها، ويزيل هذه العقبة الكأداء من طريق مطامعه في الشرق. فانتهز الفرصة سابور فزحف بجيشه إلى حاضرة البادية يريد الانتقام، وكان في حمص ابن أخٍ لأذينة يلقب بالمعنيّ، وكان يحسد عمه، ويريد سريره، فلما رأى تألب الأمتين عليه قال حان حينه. اقتله وألبس تاجه، وأرث عرشه.
стр. 4771
فأما سابور فهزمته زينب بشجاعتها وبسالتها. وأما الروم فلم يبدأوا الحرب بعد. وأما المعني فاستأذن أذينة، ودخل عليه بوفد من أتباعه وأنصاره، فلما اشتد الهجير، وهدأ القصر، اغتاله وأعلن نفسه ملكاً على تدمر.
هاجت زينب هياجاً شديداً، وهتفت بقوادها المخلصين إلى الانتقام، وأهابت بشعبها إلى الثورة، وسارت بالجيوش إلى حمص، ثم حاربت المعني حروباً كثيرة، وصاولته بنفسها، وأخيراً أسرته، وحكمت عليه وعلى من ساعده ولاذ به بالصلب والفصد، وقالت هذا أقل ما يعاقب به خائن الوطن، وهكذا استأثرت بسرير تدمر وحدها، وما أجدر زينب بسرير تدمر، وما أليق زينب لأعظم من مثله.
كانت ميّ جميلة رائعة الجمال، حسناء بارعة الحسن، وكانت مي وفية كريمة شجاعة صبوراً، وكيف لا تكون كذلك وهي الابنة البكر لزينب ملكة العرب؟
وكان سولفا رئيس الوفد أميراً جميلاً فتاناً كريماً، اعتلقته مي اعتلاقاً شديداً، وشغفت به كثيراً، ولم يكن ما يضمر لها من الحب بأقل ما تضمر له، ولطالما اجتمعا وتشاكيا الهوى والجوى. إلا أن سولفا فارقها إلى روما ليفي عهد الرسالة، ومي تعذبت لفراقه كثيراً؛ وحنت إليه حنيناً، وبكت حتى كادت تتلف. وعلمت أمها بأمرها فعذرتها في نفسها، لأنها تعرف الحب ودلائله وأفعاله، وجنونه وفنونه. إلا أن الذي آلمها أن الروم أعداؤها وسيحاربونها، وما سولفا إلا رجل من رجالهم، بل قائد من قوادهم، فإذا خان وطنه في سبيل حبه استصغرته ولم ترض أن تصهر إليه، وإن لم يخن فابنتها مائتة غراماً ما في ذلك شك.
ولقد أقبلت عليها ذات يوم فقالت لها: أي مي! أي ابنتي العزيزة! لقد وكلت إليك ملك تدمر إلى حين، لما أعهد من حزمك ودرايتك، وأما أنا فذاهبة لأحارب الروم وأموت، أو أملك ما بين المشرق والمغرب. فتوكلت مي راضية مسرورة. إلا أنها بكت لفراق أمها كثيراً، وتجلدت لفراق سولفا وتصبرت فما ازدادت إلا حزناً ولوعة.
انقضى شهر، ثم أتى البشير يعلن انتصار مليكته على الروم، وإنها أسرت كثيراً من قادة الجيش وضباطه، فأمرت مي بسوق الأسرى إلى تدمر، وفي تدمر أطلّت عليهم من الطاق، فرأت بينهم الأمير سولفا، ففرحت كثيراً واندفعت إليهم، وحيتهم، ودعتهم إلى قصرها،
стр. 4772
وأكرمتهم كثيراً، لأن سولفا بينهم، لا لأنهم قادة، ولا لأنهم من الروم. وهؤلاء أعجبوا بها وبحنكتها وأخلاقها كثيراً، وأول من أعجب بها سولفا. وبعد حينٍ أقبلت زينب فارسة كمياً، فزغردت النساء، وهزجت الأطفال، وغردت طيور الأماني. وما انتهت إلى قصرها حتى سرّحت الأسرى، فأعظم الناس كرم خلقها، وهتف العرب والروم وكثير من الفرس: مرحى زينب الزباء! مرحى ملكة العرب!
لم تقنع زينب باستقلالها التام، بل أرسلت جيشاً فغزا ساحل البحر الأبيض الآسيوي كله، وأعدت جيشاً آخر لغزو النيل، وفتح مصر، فجعلت تدمر ملكية عظيمة يخشى بأسها القياصرة والأكاسرة. وملك الفرس الجديد (بهزاد) عقد معها معاهدة ليجعل منها ملاذاً وحمىً، وخطب مياً من زينب، فأقبلت هذه على ابنتها، وقالت بشراك يخطبك بهزاد ملك الفرس، فاعترفت لها مي بحبها سولفا وغرامها به. ولكن زينب تريد أن تزوجها ببهزاد لتأمن شره، فقد يكون له شر. فدعت سولفا إليها وقالت. أهكذا أيها الأمير تسيء إلى من أحسن إليك؟ قال ما كان لي ذلك أيتها المليكة المعظمة! قالت نمي إليّ أنك جاسوس لقائدك (أورل). قال اسمحي لي أيتها المليكة أن أقول لك، إن مثلي أرفع من أن يكون جاسوساً. إني لا أخفي أني صديق (أورل)، وصديق ملكي، وصديق الروم كلهم، كما أني أعترف أني صديق مخلص إليك، وإلى ابنتك. فوجمت زينب وقالت أيها الأمير! لقد وجدتك قائداً شجاعاً، ووطنياً مخلصاً، وصديقاً لي أميناً. وسأجعلك القائد الثاني للجيش الذي سأسيّره إلى مصر، فحارب وعد إليّ ظافراً منتصراً. فقال سأكون إياه، وكان إياه.
إلا أن مياً خافت أن يُقتل في هذه الحرب. وعلمت أن أمها لم ترسله إلا لتنجو منه.
وبعد شهور أقبل فارس يقول. إن الجيش العربي قد انتصر، وعاد إلى المعسكر غانماً، غير أن أمراً أحزن الجيش كله، هو أن الأمير سولفا الذي ناضل كثيراً، وكان سبب النصر والفوز الأكبر، اختفى بغتة.
ما وصل الخبر إلى مي حتى صاحت قائلة: آه إنها حيلة مدبرة! إن سولفا قد قتل. ثم انزوت في حجرتها، وأنشأت تبكي وتنتحب. ولبثت على حالها أياماً، لا تأكل ولا تتكلم، حتى وهنت ووقعت في سرير المرض. فعالجها الطبيب فشفيت، إلا أن وجهها الناضر الزاهي أضحى شاحباً حائلاً، لا رونق فيه ولا حياة.
стр. 4773
أقبل رسول بعد ذلك يقول إن الأمير سولفا حي، وهو يحارب المصريين بعيداً عن المعسكر. فطار لب مي فرحاً، وكادت تهوي على يدي الرسول تلثمهما شكراً، لكنها خلعت عليه خلعة، ووصلته بالمال والحلي.
عاد القائد العربي (زبدا) بعد أيام يرافقه الأمير سولفا فاستأذنا على زينب، ومثلا بين يديها فقال (زبدا) أيتها الملكة المعظمة، إن الأمير سولفا بطل يجب أن يفتخر بمثله، فهو هو الذي هزم المصريين، وجعل العلم العربي يخفق على ربوع النيل.
ما زال الروم يسألون زينب أن تعترف بسلطانهم عليها، وأن تدفع لهم جزية الانتداب، وما زالت زينب على شممها وإبائها، لا تعترف لهم بشيء. وأرسل إليها أورل ذات مرة يقول، تعترفين بسلطاننا عليك، وتدفعين الجزية، أو أحاربك وأخلعك، وأصلبك، وأسبي ابنتك، وأتوّج على سريرك زيد بن المعنيّ. فثارت زينب ثورتها، وغضبت غضبتها، وجمعت المجلس. وقالت إلى الحرب أيها الأبطال، إلى الانتقام أيها الرجال! إن تدمر العربية لا تستكين أبداً لتطاول الروم أو البربر. . .
وهكذا اضطرمت الحرب، ورحل الروم المقيمون في تدمر إلى وطنهم، بينهم الأمير سولفا. ولاقت زينب جيش الروم ورأت أن زيد بن المعني تحت لوائهم، فقالت الويل له من عاقبة كعاقبة أبيه، وحاربت وناضلت كثيراً، وشجعت القادة، وتقدمتهم إلى الموت.
غلب الروم، وانهزم جمعهم، فتبعتهم زينب تريد التنكيل بهم والقضاء عليهم، فما أحست إلا وفرسان جيشها في مستنقعات (العُوَيق) يغالبون الموت والموت يغالبهم، وما أحست إلا والروم قد طوق المشاة من جيشها، وأعمل فيهم السيوف، فجزعت كثيراً، وخطبت في سائر جنودها الخطب الحماسية، فما أفادت، وما زالت عددها تنفد، وعددها يقل حتى أوشكت على الهلاك فاستنجدت ملك الفرس قال مي ابنتك وأعنيك. فما رأت بداً من التراجع فتراجعت ودخلت تدمر محزونة مكتئبة، وأغلقت الأسوار.
بينما كانت زينب تحارب الروم جوار (إنطاكية) كانت مي ابنتها ترسل إليها العدد، وتدير أمر المملكة، وأقبل عليها ذات يوم رسول وقال لقد وجدنا الأمير سولفا يا سيدتي قتيلاً في سهول حماه. فقالت في نفسها إذن أهلك معه. وأمرت خادماً لها أن يأتيها بثعبان تتعلم إمساكه. ففعل. فخلت الثعبان وقربت الناب القاتل من الثدي الزاهي وهتفت قائلة: نفسي
стр. 4774
فداء الأمير سولفا، وما كاد الناب يغرز في الثدي حتى هتفت وقالت: لا لا. نفسي فداء الوطن. ورمت الثعبان من النافذة. وإنها لتفعل إذا رسول بالباب يقول سيدتي هذه خوذة الأمير سولفا يرسلها إليك وهو جريح نعالجه وسيشفى عن قريب، فقالت: وا فرحتاه! ووصلت الرسول بما يستحقه.
حاصر أورل بجيشه تدمر، وطال الحصار فملّ، ونفدت مؤن المدينة، وتضاغى الناس جوعاً، فجمعت زينب المجلس الحربي، فلقيها القادة باكين، فقالت لم البكاء أيها الأبطال؟ إما الموت، وأما الحياة!
وصعدت ابنتها مي المنبر وقالت إن حفيدة السميْدع مياً لتضحي بنفسها فداء الوطن.
أخرج بكم أيها الأبطال، من السرداب الخفي الذي يصل تدمر بنهر الفرات. ثم أسير إلى ملك الفرس وأعلن له قبول خطبته إياي، ثم نرجع بجيش وعدةٍ من عنده، فنكرّ على الروم، ونمزقهم شر ممزق!
فأكبرت زينب إخلاص ابنتها، وتفاديها وتضحية حبها في سبيل الواجب، وأكبر القواد إخلاص أميرتهم وشجاعتها.
في تلك الساعة قال زيد بن المعني لأورل قائد الروم: إن بين الفرات يا سيدي وبين المدينة سرداباً خفياً، ترسل منه زينب رسولها إلى بهزاد، ليمدها بالرجال والزاد، قال إذن الليلة تمسكون الرسول، وتفتحون الأبواب، وتدخلون المدينة، وتدكون القصر دكاً دكاً وتثلون العرش ثلاً ثلاً!
وما غشي الليل واختلط، حتى كانت مي متقلدة حمائل سيفها تتقدم القواد في السرداب، وتشجعهم. وما أطلت حتى كان زيد يطوقها بجنده، فأهابت به قائلة الويل لك أيها الخائن، وأقامت تحارب وتناضل ما تقدر أن تفعل، وودت لو تقتل ولا تؤسر، إلا أن أورل أقبل بجيشه فأسرها، وفتح المدينة، وأسر زينب، لكن لم يثل العرش ثلاً، وإنما توّج على سرير تدمر زيد الخائن.
سيقت زينب وابنتها والقواد إلى منزل الذل والهوان، وحكم أورل على زينب بالصلب، وفي الساعة التي كادوا ينفذون بها الحكم، كان قائد جميل روماني يدفع الجموع بمنكبيه، ويهب بالجلاد قائلاً: رويدك أيها العِلج. ويتقدم إلى أورل، ويركع عند قدميه، ويقول: أنا
стр. 4775
صديقك سولفا أناشدك الصداقة التي بيننا أن تعفو عن زينب! إنها بطلة يا سيدي! إنها لم تحاربك إلا دفاعاً عن حريتها واستقلالها وكرامتها، فلا تلطخ جبين الدولة الرومانية الناصع بقتل البطلات اللائى يضحين أنفسهن في سبيل الحرية والكرامة والاستقلال!! فصرخت زينب قائلة: لا، لا، الموت أعذب لي من الحياة بعد الآن! إن العربية لا تعرف الحياة إلا بالعز، ولن تعرفها إلا به أبداً!!
عفا أورل عن زينب وابنتها وأمر بنقلهما معظمتين إلى قصره. وتقدم الأمير سولفا يوماً من مي يخطبها فقالت: أنا لا أخفي عليك أيها الأمير أني أحبك كثيراً، ولكن لا أقدر أن ألبّي طلبك إلا حين أبعث؛ وأنا اليوم ميتة! إن العربيات اللائى دوخن الفرس والروم، وخفقت رايات نصرهن في لبنان وربوع النيل، لا يرضين التزوج بالروم، ولا يعرفن الحياة والحب إلا مع العز والكرامة والحرية.
حماه
مهدي الجم الطرابلسي
النقد
стр. 4776
شخصية أبي شادي في ديوانه (الينبوع)
بقلم الأديب حسن كامل الصيرفي
يمر صدى المطرب أمام جهاز (الراديو) فيطوف في الأثير بين رياح عاصفة ونسمة هادئة، ويمتزج في ضجيج الحياة وجلبتها ويغرق في صمت البوادي والقفار، حتى يتلقاه جهاز الاستلام فإذا الصوت ناطق بشخصية صاحبه. . كذلك يمر ذهن الشاعر بمحيط الحياة، يسمو إلى الأفلاك فلا يسمع منه أهل الأرض إلا همسات ونجوى يستشعرون فيها حناناً وراحة، ويهبط منها إلى صخب الحياة فيحاول أن يلطف من حدة ذلك الصخب بأنغام قيثارته، ولكن جمود الحياة يستثيره فيترك القيثارة لحظات تراه فيها صاخباً ثائراً متململاً، وهو بين سموه عن الحياة وبين اندماجه فيها محتفظ بشخصيته.
وهناك شعراء يفقدون شخصياتهم في جولاتهم الواحد منهم كالمهرج عليه رقع ليس بين ألوانها وحدة وتناسب. فالاحتفاظ بالشخصية يرجع إلى مؤهلات الشاعر الفنية، فالأول يطوف ويقف ويحلق ويهبط، وهو ينظر إلى العالم كما ينظر المصور إلى اللوحة التي يخط عليها بريشته عارفاً حدودها. أما الآخرون فيسيرون في طريقهم على غير هدى لم يرسموا لأنفسهم غاية.
وبمقدار احتفاظ الشاعر بشخصيته تكون قوته أو ضعفه، فلننظر إذاً في ديوان (الينبوع) ولنبحث عن شخصية أبي شادي، وعن مدى ظهورها أو تلاشيها. ولقد قرأت هذا الديوان فما كانت شخصية ناظمه تنأى عني أو تنمحي من أمامي قد يفقد الشاعر في أثناء حلمه الجميل ذاته ولكنه لن يغيب عن قارئه إذا استطاع أن يمزج روحه بآثاره.
فأبو شادي الذي أعرفه في حياة الناس شعلة فانية يريد أن يجمع العالم في يده فيحيله قطعة فنية في أقصر وقت كما تحيل النظرة الفاتنة دنيا العاشق لحظة قصيرة العمر مسرعة الخطى يتعجل اقتناص ما وراءها، هو نفسه أبو شادي الذي عرفته في حياة الشعر شعلة فانية يشقيها التسامي ويفنيها الكد.
فلأبي شادي شخصية واحدة تظهر دائماً وإن تنوعت ثيابها وتشكلت، فهو محب للحياة متصوف في حبه عالمي الروح، يريد الحياة خالصة سامية، يريدها قطعة فنية، فهو يحاول تهذيبها، أو هو يحاول تلوينها بألوان من السعادة تختلف فتبدو للناس عجباً، وتجتمع عنده
стр. 4777
في قرارة نفسه، فلا يراها إلا وحدة متماسكة الأطراف متساوقة لا تناقض فيها، ويراها طريقاً إلى غايته وسبيلاً إلى أداء فكرته، وأنه ليشعر بحيرته بين كل هذا، ولكنها حيرة الشاعر أمام ربط معاني قصيدته حتى يلم بها فإذا هي آية تؤلف بين أبياتها وحدة تامة فيقول:
عييت من قلقي فيما وجدت له … وفي المعاني لكوني أو لأحلامي
أسائل الدهر عنها وهو مضطرب … مثلي، وأصحب كالمبهوت أعوامي
وأنتحي عن وجودي شبه منعدم … في الصمت، والصمت آمالي وآلامي
في حيرة وكأني عالمٌ يئست … منه الحياة فعافت روحي الدامي
أبكي وأضحك في نفسي فإن بها … من التناقض إيساري وإعدامي
ما بين ضدين قد عاشت وليس لها … من شاغل غير معنى عيشها السامي
تصدّرت لهموم الناس تسعدهم … وعوقبت بين أحبابٍ وأخصام
ولقد ظلت غايته، وهي نشدان المثل الأعلى، تتبعه كظله حتى أكسبته هذه الشخصية: شخصية الصوفي العالمي؛ فهو أمام الجمال المغري صوفيّ يحوّل الشهوة الصاخبة في أعماق جسده فناً يملأ روحه ويغمرها، ولا يرى في ذلك الجمال إلا روح الوجود وروح الفن كما في قصيدته (العيون المتكلمة).
ولقد جاهر الكثيرون ممن نقدوا أبا شادي بأن في قصيدته (الينبوع) التي يقول فيها:
أيها الينبوع كم ساع إليك … يدعي بغضاً كما أهوى لديك
كل ما يرجوه موقوف عليك … فإذا الانعام منك وإليك!
أنت سحر غامضٌ للعالم … أنت ينبوع الرجاء الدائم
أنت موسيقى الخلود الباسم … أنت ومض للشريد الهائم!
أيها الينبوع يا رمز الأبد … يا شعاع الله في طيف الجسد
كم معانٍ فيك كادت لا تحدّ … وعزاءٍ عن حياة تفتقد!
دعوةً صريحة إلى الشهوة، وأن ليس فيها نظرة صوفية، ذلك أن فيها تقديساً للجسد، وتقديس الجسد ليس من معاني الصوفية عندهم. فهل يرى هؤلاء أن الشهوة حقيرة للدرجة التي لا تسمح للشاعر بأن يتناولها في فنه مع أنها الدافع الأول إلى خلق مواهب الفنانين،
стр. 4778
وليست العبقريات إلا شهوة تجمعت في عدسة عين صوفية فتطهرت واستحالت سمواً. ومن منا ينكر أن هناك مثّالين عبدوا تماثيلهم وفتنوا بها بعد أن كانت فتنتهم وقفاً على المثال، وهل عيب عليهم تصويرهم جسد امرأة عارية تحمل معنى من معاني القداسة يراها المثّال ويراها كل من مسته يد الفن وإن خفيت على بعض الناس.
إن الفنان عندما يتكلم عن الأجساد أو يصفها لا تكون لديه إلا فكرة واحدة هي تقديس الجمال، وهذا هو ما عناه الدكتور أبو شادي في قصائده عن الجمال والحب، وما عبر عنه بقوله:
عبثي هو الفن الجميل، وروحه … روح السمو وإن يعدّ ضلالا
يعيش أبو شادي في بيئة ظالمة جاحدة، تحيط به خصومات وأحقاد وأعداء مناوئون، وقصيدته (المهزلة) التي صور فيها هذه البيئة تصويراً بديعاً سكب فيه من شعوره ما يتدفق حاراً، من أقوى الشعر الاجتماعي العاطفي. وفيها يقول:
ويلي من الدهر! يبكيني ويبتسم … ولا يرد عوادي جَوْرِهِ السقمُ
قد عدَّ شر ذنوبي ما يفيض به … قلبي إلى الناس من حب ويزدحم
ويلي من الدهر! ويلي! مَن أقرَّ له … هذا العتوّ؟ وهل في الحب متهمُ
أطلّ دمعي وماء العين مضطرم … وهاج وجدي وسخط القلب محتدمُ
أنا الذي في شكاتي يزأر الشمم … وفي بكائي وناري يهزم الألمُ
سخرت من بيئتي لما برمت بها … ونُحت لكن نواحي كله كرم
لست الذي إن تغالي في محبته … فساءه الدهر عمراً ناله الندم
وهو إذ يصور لنا البيئة المصرية - وكم له من صور عنها! منها الحزينة الهادئة والصارخة الملتهبة والمتهكمة اللاذعة! - وينغمس في مناقشات ومجادلات لا يفقد شخصيته البارزة، تلك الشخصية الصوفية الزاهدة فيقول:
وعشتُ في وحدتي الموفورَ في شرفي … أبكي وأضحك والأحداث تلتطمُ
ولقد جمع ديوان (الينبوع) صوراً شتى لصوفية أبي شادي الغالبة عليه منها هذه الأبيات من قصيدة (غليون الشاعر)
أشعل الغليون من نا … ري وحيداً في الظلام
стр. 4779
ناظراً نحو سماء … في ضرام كضرامي
حبأتها غير لمعٍ … في نجوم كابتسامي
حرقة الدنيا أطلت … من ثقوب في الغمام
كل ما فيها جميل … هو قلب في اضطرام
وكأن الخالق الفن … ان يشقى بالتسامي
وهذه الأبيات من قصيدة (وداع الشاطئ في الإسكندرية) هي لوعة الفنان العازف بين الصخور الصمّاء:
إيه يا قلب تأمل … هذه دنيا الصراعِ
يبدع الفنان لكن … هو كالنور المشاعِ
خاسر مهما تفانى … في وفاءٍ وابتداعِ
وفي قصيدته (عيش الألوهة) صفحة ٦٣ نزوع قوي إلى التغلغل في أعماق كل ألوان الجمال، ليعيش في لبه وصميمه عيشة الألوهة، بعيداً عن أذى الحياة في حلم من أحلام الجنة. ولقد تلعب ريشته وترقص، فترسم لنا أخيلة لتلك السعادة التي يحكم بها في هدوئه وتصوفه
فأبو شادي ذلك الإنسان الدائم الحركة، الموزع الجهود، المختلف الصور، المتناقض السبل، رجل يحمل في طياته شخصية واحدة تظهر في شعره دائماً أتم الظهور، وفي قصيدته (بعد الكفاح) التي يتكلم فيها عن القطن المكدس بعد جنيه، فيعطينا منه فكرة، هي تلك الفكرة التي تشغل باله، والتي تشرق وتغرب فيها شخصيته، فيقول:
هذي بقايا القطن ترقد في الثرى … كجنود حرب بعد طول كفاحِ
صرعى مجندلة، ولكن بعدما … ضحت بأجمل نورها الوضاحِ
حتى النبات يرى الضحية واجباً … ومُنىً فليس يضنُّ بالأرواحِ
هذه الشخصية التي تجلت لي في مطالعة (الينبوع) شخصية أبا شادي التي تلابس شعره هي بنفسها التي طالعتني وتجلت لي يوم قرأت دواوينه السابقة، وهي هي بنفسها التي يعيش بها بين الناس، فليس من الحق أن ننكر على شعرائنا ثبات شخصياتهم في شعرهم إلا إذا دققنا واندمجنا في روح الشاعر.
стр. 4780
حسن كامل الصيرفي
стр. 4781
العدد ٥٧ - بتاريخ: ٠٦ - ٠٨ - ١٩٣٤
стр. 4782
حول باخرتنا (النيل)
بيننا وبين الأجانب
لمصر ماض بحري مجيد يرجع إلى عهد الفراعنة، وكان لمصر
أساطيل حربية وتجارية تشق عباب البحر الأبيض، ليس عهدنا بها
بأبعد من قرن، ولو لم تتألب أوربا النصرانية على مصر المسلمة في
نافارين، ولو لم تصب مصر بعد ذلك بما أصيبت به من المحن
السياسية التي هدت من إرادتها وحرياتها، لكان لها اليوم أسطول
يحمي ثغورها، وكانت لها سفن تجوب البحار وتأخذ بنصيبها من
حركة النقل والتجارة. فلما أتيح لمصر الناهضة أخيرا أن تبدأ بغزو
الميدان الاقتصادي، اتجهت الأماني والجهود إلى إحياء الملاحة
التجارية المصرية؛ ووفق بنك مصر - امتن واعز صروحنا
الاقتصادية - إلى وضع الدعامة الأولى في سبيل تحقيق هذه الأمنية،
فاقتنى باخرتين كبيرتين هما (زمزم) و (النيل)؛ وأدت (زمزم) في
موسم الحج الماضي للحجيج من مختلف الأمم الإسلامية اجل
الخدمات؛ وخصصت (النيل) لقطع البحر الأبيض والسفر بين
الإسكندرية ومرسيليا، وقامت إلى اليوم بأربع رحلات موفقة، وأثارت
بحسن استعدادها وفخامتها ودقة نظامها، واعتدال أجورها إعجاب كل
من شهدها أو سافر على ظهرها من المصريين والأجانب؛ واغتبط
المصريون أيما اغتباط إذا أصبحوا يستطيعون السفر على ظهر باخرة
مصرية فخمة، تسيرها وتستثمرها أموال ومصالح مصرية، ويشعرون
أثناء السفر عليها انهم بين أهلهم وذويهم.
стр. 4783
بدأت مصر إذن بغزو ميدان اقتصادي جديد كان حتى اليوم وقفا على الأجانب، هو ميدان الملاحة البحرية؛ ومن قبل غزت مصر - خلال الأعوام الإثني عشر الأخيرة على يد بنك مصر وشركاته - مختلف الميادين والأعمال الاقتصادية والصناعية؛ ونمت هذه المؤسسات وازهرت، تحفها عناية الله، وإخلاص القائمين بأمرها وعطف الأمة كلها، حتى غدت ركنا هاما في حياة البلاد الاقتصادية التي كانت من قبل كلها غنما للمصالح والأيدي الأجنبية؛ وبثت هذه الحركة المباركة في الأمة روح الاهتمام بالمشاريع الاقتصادية والثقة فيها؛ وأخذت المصالح الأجنبية التي غصت بنجاحها تنظر إلى المستقبل بعين الخوف والجزع؛ وتلتمس لمحاربتها مختلف الوسائل والدعوات. وآخر ما أذيع عن جهودها في هذا السبيل موقفها من شركة الملاحة المصرية، ومن باخرتها (النيل)، فقد عرف إن بعض الجهات تبث ضد (النيل) دعوة سيئة، وتحث الأجانب على مقاطعتها، وتشترك بعض وكالات السياحة في هذه الخصومة فت
فتأبى نشر (النيل) في قوائمها، وتأبى التعريف عنها وعن أجورها أو مواعيدها؛ وهذه خصومة غربية في الواقع؛ أولاًلأن شركة الملاحة المصرية تدخل ميدان المنافسة المشروعة عزلاء من كل حماية خاصة، ولا تعتمد إلى على جهودها ومؤازرة شركتهم وباخرتهم؛ وثالثاً لأن هذه الدعوة في ذاتها غير صحيحة، إذ الواقع إن النيل من أفخم بواخر البحر الأبيض وأحسنها استعداداً، هذا فضلاً عن اعتدال أجورها ومصرية جوها ومحيطها.
على ان هذا التحرش من جانب المصالح الأجنبية بالجهود المصرية المشروعة لا يمكن ان يضر هذه الجهود، وإنما يرتد أثره بالعكس إلى المصالح الأجنبية ذاتها. فقد طال عهد مصر بعسف هذه المصالح التي تحيها الامتيازات الأجنبية الباغية؛ وقد عرفت مصر التي تطمح إلى استكمال حرياتها السياسية إن التحرير الاقتصادي دعامة قوية في هذا السبيل؛ وعرفت المصالح الأجنبية إن هذه الامتيازات التي تتمسك دائما بسلطانها وحمايتها لا يمكن أن تحقق لها ما تريد من عطف الشعب الذي تعمل بينه، لأن عطف الشعوب لا يكسب بالقوة والعنف، وعرفت من جهة أخرى إن هذا العطف ينثال على كل مشروع مصري خطير، ورأت أخيراً أن مصر تغزو الميدان الاقتصادي الذي احتكرته عصراً، بقوة ونجاح؛ فهذه
стр. 4784
العوامل كلها تجعل المستقبل مظلما في وجه المصالح الأجنبية، وتحملها على أن تقف أمثال هذه المواقف التي لا تعرب عن فطنة ولا كياسة من مصالح بلد ما زالت تستغل كرمه ورعايته وضعفه.
إن في هذا الموقف وأمثاله لعبرة جديدة لمصر والمصريين. وفي وسع مصر دائما - في مثل هذه الظروف على الأقل - ان تقابل هذه الخصومة بمثلها؛ فالمصريون الذين يسافرون على البواخر الأجنبية ألوف وألوف؛ ولن تتاثر شركة الملاحة المصرية و (النيل) بهذه الدعاية الوضعية؛ ولكن الشركات الأجنبية يمكن أن تتكبد خسائر فادحة يوم يقاطعها المصريون بحق، ويؤثرون عليها (النيل) وغيرها من البواخر التي نرجو أن تقتنيها مصر في أمد غير بعيد.
فلتسر شركة الملاحة المصرية، ولتسر كل شركاتنا المصرية في طريقها محفوفة بالرعاية القومية الشاملة، فان هذا العدوان لن يضيرها في شيء، ولكنه بالعكس يكسبها عطفاً جديداً، ويمدها بروح جديد لمتابعة العمل المجيد الذي تقوم به في سبيل مصر.
(ع)
стр. 4785
في اللهب ولا تحترق
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
أفي الممكن هذا؟
لعوب حسنة الدل، مفاكهة مداعبة، تحي ليلها راقصة مغنية؛ حتى إذا اعتدل الليل ليمضي، وانتبه الفجر ليقبل - أنكفات إلى دارها فنضت وشيها، وخرجت من زينتها، وخلعت روحا ولبست روحا، وقالت: اللهم إليك، ولبيك اللهم لبيك. ثم ذهبت فتوضأت وأفاضت النور عليها، وقامت بين يدي ربها تصلي. . .!
هي حسناء فاتنة، لو سطع نور القمر من شيء في الأرض لسطع من وجهها. وما تراها في يوم إلا ظهرت لك احسن مما كانت، حتى لتظن إن الشمس تزيد وجهها في كل نهار شعاعة ساحرة، وان كل فجر يترك لها في الصبح بريقا ونضرة من قطرات الندى.
وتحسب أن لها دما يطعم فيها يطعم أنوار الكواكب، ويشرب فيما يشرب نسمات الليل.
وإذا كانت في وشيها وتطاريفها وأصباغها وحلاها لم تجدها امرأة، ولكن جمرة في صورة امرأة؛ فلها نور وبصيص ولهب، وفيها طبيعة الإحراق. . . أن الذي وضع على كل جمال ساحر في الطبيعة خاتم رهبة - وضع على جمالها خاتم قرص الشمس فإذا رأيتها بتلك الزينة في رقصها وتثنيها - قلت: هذه روضة مفتنة اشتهت أن تكون امرأةفكانت، وهذا الرقص هو فن النسيم على أعضائها.
وهي متى نفذت إلى البقعة المجدبة من نفسك أنشأت في نفسك الربيع ساعة أو بعض ساعة.
وتنسجم أنغام الموسيقى في رشاقتها نغمة إلى حركة؛ لأن جسمها الفاتن الجميل هو نفسه أنغام صامتة تسمع وترى في وقت معا وتنسكب روحها الظريفة بين الرقص والموسيقى، لتخرج لك بظرفها صراحة الفن من إبهامين كلأهما يعاون الآخر.
وهي في رقصها إنما تفسر بحركات أعضائها أشواق الحياة وأفراحها وأحزانها، وتزيد في لغة الطبيعة لغة جسم امرأة.
وكان الليل والنهار في قلبها، فهي تبعث للقلوب ما شاءت ضوءاً وظلمة.
وهي إلى القصر، غير انك إذا تأملت جمالها وتمامها حسبتها طالت لساعتها.
стр. 4786
والى النحافة، غير انك تنظر فإذا هي رابية كان بعضها كان مختبئا في بعض.
ويخيل إليك أحياناً في فن من فنون رقصها ان جسمها يتثاءب برعشة من الطرب، فإذا جسمك يهتز بجواب هذه الرعشة لا يملك إلا أن يتثاءب. . .
ويجن رقصها أحياناً، ولكن لتحقق بجنون الحركة أن العقل الموسيقي يصرف كل أعضاء جسمها.
ومهما يكن طيش الفن في تأودها ولفتتها ونظرتها وابتسامها وضحكها - ففي وجهها دائما علامة وقار عابسة تقول للناس: أفهموني.
ولما رأيتها شهد قلبي لها بان على وجهها من نور الجمال نور الوضوء؛ وإنها متحرزة ممتنعة في حصن من قلبها المؤمن، يبسط الأمن والسلامة على ظاهرها؛ وان لها عيناً عذراء لا تحاول التعبير، لا سؤالاً ولا جواباً ولا اعتراضا بينهما؛ وان قوة جمالها تستظهر بقوة نفسها، فيكون ما في جمالها شيئا غير ما في النساء - شيئاً عبقرياً بالغ القوة، يكف الدواعي ويحسم الخواطر، ويرغم الإعجاب إن يكون ذهولاً وحيرة، ويكره الحب أن يرجع مهابة واحتشاماً.
والرواية كلها في باطنها تظهر على ضوء من مصباح قلبها، وما وجهها إلا الشاشة البيضاء لهذه (السيما)، وهل يكون على الوجه إلا أخيلة القلب أو الفكر؟
وعندي أن المرأة إذا كان لها رأي ديني ترجع إليه، وكان أمرها مجتمعاً في هذا الرأي، وكانت أخلاقها محشودة لها، متحفلة به - فتلك هي الياقوتة التي ترمي في اللهب ولا تحترق، وتظل مع كل تجربة على أول مجاهديها، إذ يكون لها في طبيعة تركيبها الياقوتي ما تهزم به طبيعة التركيب الناري.
وليس من امرأةإلا وقد خلق الله لها طبيعة ياقوتية، هي فطرتها الدينية التي فيها؛ إن بقيت لها هذه بقيت معها تلك، ولكنها حين تنخلع من هذه الفطرة تخذلها الفطرة والطبيعة معاً، فيجعل الله عقابها في عملها، ويكلها إلى نفسها؛ فإذا هي مقبلها أغلاطها ومساوئها بطرق عقلية ان كانت عالمة، وبطرق مفضوحة إن كانت جاهلة. وما بد أن تستسر بطباع إما فاسدة وإما فيها قوة الاستحالة إلى الفساد؛ ويرجع ضميرها الخالي محاولاً أنئ من ظاهرها، بعد ان كان ظاهرها هو يمتلئ من ضميرها؛ وتصبح المرأة بعد ذلك في حكم أسباب
стр. 4787
حياتها، مصرفة بهذه الأسباب، خاضعة لما يصرفها؛ ويذهب الدين وينزل في مكانه الشيطان؛ ويزول الاستقرار ويحل في محله الاضطراب؛ وتنطفئ الأشعة التي كانت تذيب الغيوم وتمنعها أن تتراكم، فإذا الغيوم ملتف بعضها على بعض؛ وتخذل القوة السامية التي كانت تنصر المرأة على ضعفها فتنصرها بذلك على أقوى الرجال، فإذا المرأة من الضعف إلى تهافت، تغلبها الكلمة الرقيقة، وتغترها الحيلة الواهنة، وتوافق انخداعها كل رغبة مزينة، ويستذلها طمعها قبل أن يستذلها الطامع فيها. ولتكن بعد ذلك من هي كائنة أصلا وحسبا وتهذيبا وعقلا وأدبا وعلما وفلسفة، فلو إنها امرأةمن (الإسمنت المسلح) لتفتتت بالطبيعة التي في داخلها، ما دامت الطبيعة متوجهة إلى الهدم بعد ان فقدت ما كان يمسكها أن تهدم وان تنهدم.
لقد رق الدين في نسائنا ورجالنا. فهل كانت علامة ذلك إلا أن كلمة (حرام، وحلال) قد تحولت عند أكثرهم وأكثرهن إلى (لائق، وغير لائق) ثم نزلت عند كثير من الشبان والفتيات إلى (معاقب عليه قانوناً، ومباح قانوناً. . .) ثم انحطت آخراً عند السواد والدهماء إلى (ممكن، وغير ممكن. . .).
قالت الياقوتة، أعني الراقصة:
- أخذت أبي من عهد الطفولة بالصلاة، واثبت في نفسي ان الصلاة لا تصح بالأعضاء ان لم يكن الفكر نفسه طاهرا يصلي لله مع الجسم، فان كانت الصلاة بالجسم وحده لم يزدد المرء من روح الصلاة إلا بعدا. وقر هذا في نفسي وأعتدته، إذ كنت أتعبد على مذهب الأمام الشافعي (رض)، فأصحح الفكر، واستحضر النية في قلبي، وانحصر بكلي في هذا الجزء الطاهر قبل أن أقول: (الله اكبر)؛ وبذلك أصبح فكري قادراً على أن يخلع الدنيا متى شاء ويلبسها، وان يخرج منها ثم يعود إليها؛ ونشأت فيه القوة المصممة التي تجعله قادرا على أن يتصرف بي عما يفسد روح الصلاة في نفسي، وهي سر الدين وعماده.
ويا لها حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى الروح أبداً إما متصلة أو مهيأ لتتصل. ولن يعجز اضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه بضع ساعات، متى هو اقر اليقين في نفسه، انه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو إثماً؛ ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى،
стр. 4788
وإنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته - مهما طال - عمل بضع ساعات. قالت الياقوتة: ورأيت أبي يصلي، وكذلك رأيت امي، فلا تكاد تلم بي فكرة آثمة إلا انتصابا أمامي فاكره أن استلئم إليها فأكون الفاسدة وهما الصالحان، واللئيمة وهما الكريمان؛ فدمي نفسه ببركة الدين يحرسني كما ترى.
قلت: فهذا الرقص. . .؟
قالت: نعم، انه قضى علي أن أكون راقصة، وان التمس العيش من اسهل ثلاث طرق، والينها وأبعدها عن الفساد، وان كان الفساد ظاهرها. أريد: الرقص، أو الخدمة في بيت، أو العمل في السوق. وأنا مطيقة لحريتي في الأولى، ولكني لن املكها في الأخيرتين ما دام علي هذا الميسم من الحسن؛ وكم من امرأةمتحجبة وهي عارية الروح، وكم من سافرة وروحها متحجبة. ان كنت لا تعلم هذا فاعلمه، وليس السؤال ما سالت، بل يجب ان يكون وضعه هكذا: هل ما ترى هو في ثيابي فقط، أو هو في ثيابي ونفسي؟
ها أنت ذا تغلغل نظرتك في عيني إلى المعاني البعيدة، فهل ترى عيني راقصة؟
قلت: لا والله، ما ارى عيني راقصة، ولكن عيني مجاهد في سبيل الله. . .! فاستضحكت وقالت: بل قل: عيني مجاهد يهزم كل يوم شيطانا أو شياطين.
إني لأرقص وأغني، ولكن أتدري ما الذي يحرزني من العاقبة، ويحميني من وباء هذا الجمهور المريض النفس؟ فاعلم أني لا اشعر بالجمهور، ولا بروح المسرح، إلا كما اشعر بروح المقبرة والمشيعين إليها؛ فهيهات بعد ذلك هيهات! ومن هذا لا أحس بقلوبهم ولا بشهواتهم، وما أنا بينهم إلا كالتي تؤدي عملا فنيا على ملأ من الأساتذة الممتحنين، والنظارة يحكمون لها أو عليها؛ فهي في فكرة الامتحان، وهم لأنفسهم فيما شاءوا. . .
ولست أنكر أن أكثرهم، بل جميعهم يخطئ في طريقة تناوله السيال الكهربائي المنبعث من نفسي، ولكن لا علي، فهذا السيال نفسه ينبعث مثله من الزهر، ومن القمر والكواكب، ومن كل امرأةجميلة تمشي في الطريق، ومن كل جميل في الطبيعة، وحتى من الأمكنة والبقاع إذا كان لإنسان فيها ذكريات قديمة، أو نبهت ببعض معانيها بعض معانيه.
قالت الياقوتة: فإنما كما ترى؛ اضطرب وجوها من الاضطراب في جذب الناس ودفعهم
стр. 4789
معا. وإذا سلمت المرأة من أن يغلبها الطمع على فكرها سلمت من أن يغلبها الرجل على فضيلتها. وفي النساء حواس مغناطيسية كاشفة منبهة خلقت فيهن كالوقاية الطبيعية، لتسلم بها المرأة من أن تخطر عفتها لغرض، أو تغرر بنفسها لإنسان؛ فانك لتكلم المرأة، وتزين لها ما تزين، وهي شاعرة بما في نفسك، وكأنها ترى ما في قلبك ينشأ ويتدرج تحت عينيها، وكأنه في وعاء من الزجاج الرقيق الصافي تحمله على كفك ويفضح، لا في قلب من لحم ودم تخفيه بين جنبيك فيطوي ويكتم.
وليس يبطل هداية هذه الحاسة في المرأة إلا طمعها المادي في المال والمتاع والزينة؛ فان هذا الطمع هو القوة التي يغلب بها الرجل المرأة، فبنفسها غلبها: وإذا تبذل طمع امرأةفي رجل فهي مومس، وان كانت عذراء في خدرها.
ويا عجبا! إن وجود الطبيعة في النفس غير الشعور بها؛ فليس يشعر المرأة بتمام طبيعتها النسائية إلا الزينة والمتاع وما به المتاع والزينة. فكان الحكمة قد وقتها وعرضتها في وقت معا، لتكون هي الواقعة أو المخطرة لنفسها، فبعملها تجزي، ومن عملها ما تضحك وتبكي. قالت الياقوتة: ولذا أخذت نفسي إلا اطمع في شيء من أشياء الناس، وسخوت عن كل ما في أيديهم؛ فما يتكرمون علي إلا بهلاكي، وحسبي أن يبقى لعيني قلبي ضوؤهما المبصر.
وأنا اعتمد على شهامة الرجل، فان لم أجدها علمت أني بازاء حيوان إنساني، فأتحذروه حذري من مصيبة مقبلة. وإذا جاءني وقح خلق الله وجهه الحسن مسبة له، أو خلقه هو مسبة لوجهه القبيح، ذكرت أني بعد ساعة أو ساعات أقوم إلى الصلاة، فلا يزداد مني إلا بعد وان كان بازائي، فاغلط له واتسخط، واظهر الغضب واصفعه صفعتي.
قلت: وما صفعتك؟
قالت: إنها صفعة لا تضرب الوجه ولكن تخجله.
قلت: وما هي؟
قالت الياقوتة: هي هذه الكلمة: أما تعرف يا سيدي أني أصلي وأقول (الله اكبر) فهل أنت اكبر. . .؟ أأقيم لك البرهان على صغارك وحقارتك، أأنادي الشرطي. . .؟!
تختنق بالرقص وتنتعش بالصلاة، وفي كل يوم تختنق وتنتعش. ولكني لا أزال أقول:
أفي الممكن هذا؟
стр. 4790
أفي المترادت شرعاً! رقصت وصلت. . .؟
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4791
أزمة الكتاب ومصير الكتب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان القرن التاسع عشر عصر الآلات والاختراعات الصناعية، فحلت الآلة مكان اليد العاملة في معظم الصناعات، وحرم ملايين العمال من العمل اليدوي، وساد البؤس في الطبقات العاملة، واستمر هذا التطور طول النصف الأخير من القرن الماضي حتى استقرت الصناعة أخيراً على قواعدها الجديدة، وحل العمل النفي والآلي مكان العمل اليدوي.
واليوم نشهد انقلابا عظيما آخر في مصير الإنتاج العقلي؛ فقد كان (الكاتب) حتى أوائل هذا القرن أهم وانفس غذاء علي للطبقات المثقفة، وكانت قراءة الكتب المختارة أسمى وأمتع وسائل التربية والتهذيب والرياضية العقلية، ولكن التطورات العلمية والأدبية والاجتماعية التي حدثت منذ الحرب الكبرى كان لها اثر كبير في تطور الذوق الأدبي أو بعبارة أخرى في قيمة الكتب وفي مركز القراءة وميول القراء. وليس من ريب في أن الكتاب قد فقد اليوم كثيرا من سحره وقيمته المادية والاجتماعية، وقل الإقبال كثيرا على اقتنائه وقراءته، ولكن ذلك لا يعني أن منسوب القراءة قد هبط، فالقراءة بالعكس قد كسبت من هذا التطور بصفة عامة، وزاد منسوبها بلا ريب تبعا لازدياد نسبة المتعلمين في مختلف الأمم؛ وإذا كان الذوق الأدبي قد تطور وخسر الكتاب القيم كثيرا من قرائه، فان أولئك القراء تحولوا إلى ألوان جديدة من الأدب الحفيف والى قراءة الصحف والمجلات. والواقع أن الصحافة أول وأقوى العوامل الجديدة التي آثرت في مركز الكتاب ومدى انتشاره. ففي ربع القرن الأخير تقدمت الصحافة تقدماً عظيماً، وغزت كل ميادين التفكير والعلوم والفنون، ولم تبق دوريات خبرية فقط؛ ومعظم الصحف اليومية السياسية، في جميع الأمم، تخصص للأدب والنقد والعلوم والفنون والمسرح والاقتصاد والمالية والرياضة صحفا خاصة حافلة بمختلف البحوث والشذور القيمة، هذا عدا القصة الصغيرة اليومية، وعدا الرواية المسلسلة، وعدا الصور الكثيرة؛ ثم هنالك المجلات الأدبية والعلمية، الأسبوعية والشهرية، وقد بلغت مدى عظيما من التقدم والذيوع، وأضحت مسرحا لأعظم الاقلام، ومعرضا لمختلف البحوث وأهمها. وتمتاز المجلة على الكتاب بتنوع مادتها، فهي تجمع بين الفصول الأدبية والعلمية
стр. 4792
والسياسية، والقصة والمسرح والأزياء، ويكاد كل عدد منها يكون كتابا مستقلا بذاته، وهي دائما متنوعة متجددة ترضي مختلف القراء والأذواق بأكثر مما يرضي الكتاب الموحد الفكرة والموضوع، والصحافة الأدبية هي بلا ريب اشد خصوم الكتاب ومنافسيه، واشدها تأثيراً في مركزه ومدى انتشاره لأنها تبدو في بعض ألوان من الكتاب، وتأخذ بالسهل الموجز منها، حتى انك لترى أحياناً موضوعات وبحوثا خطيرة تشغل في الكتاب مجلدا أو مجلدات تلخصها المجلة في فصل لا يتجاوز عدة صفحات، وربما كان ملخصها مؤلف الكتاب ذاته؛ هذا إلى ما تتوخاه المجلة من اختيار الموضوعات الشائقة والأساليب السهلة التي تغري كثيراً من القراء على تفضليها على الكتاب.
هذه المنافسة الأدبية القوية كانت وما تزال شديدة الوطأة على الكتاب، ولم يكن في وسع الكتاب أن ينافسها، لأنها تجري طبقا للعوامل النفسية وطبقا لتطور الظروف الاجتماعية؛ أضف إلى ذلك المسالة الاقتصادية اعني مسالة الثمن، فالصحف والمجلات تعرض بضاعتها الأدبية على الجمهور بأثمان بخسة يستطيع إن يؤديها الملايين، معتمدة في ذلك على كثرة انتشارها وما تجنيه من أجور الإعلانات. ولكن الكتاب القيم لم يستطع حتى اليوم وليس في الإمكان ان ينزل إلى هذا المستوى. نعم حاول كثير من المؤلفين والناشرين أن يسايروا هذا التطور في الذوق الأدبي، فعمدوا إلى إخراج الكتب السهلة الموجزة، والى معالجة الموضوعات العلمية الخطيرة في أساليب خفيفة عادية مما يعرف اليوم بتبسيط العلوم، وهي طرية تعالج بها اليوم اخطر واعقد الموضوعات العلمية في الصحف والمجلات، وان كانت لا تؤديها دائما بما يجب من الدقة والتحقيق، وكذلك عمد كثير من المؤلفين والناشرين إلى إخراج الموضوعات الخطيرة العلمية والسياسية والاجتماعية وغيرها في ملخصات صغيرة، وفي فصول متناثرة، أو إلى جمع القطع المختارة في كتاب وأحد ليكون له بذلك ما للمجلة أو الصحيفة من التنوع، وعمدوا فوق ذلك إلى إخراج هذه الكتب في طبقات شعبية رخيصة لتكون في متناول جميع الطبقات، ومن المعروف أيضاً أن كثيراً من كتاب القصص العالميين يخرجون اليوم كتبهم في طبعات شعبية عديدة، ويتحرون اختيار القصص والحوادث المثيرة والشائقة، وكثير منهم يفضل كتابة القصص الشرطية، وقطع السينما لأنها تدر عليهم أرباحا حسنة. والخلاصة ان الكتاب اضطر تحت
стр. 4793
ضغط هذه المنافسة الشديدة التي شرحناها أن يتطور نوعا وان يساير الذوق الأدبي والظروف الاجتماعية الجديدة. ولكنه مع ذلك لا يزال بعيداً عن أن يسترد مركزه أو يقاوم هذا التيار الجارف الذي يهدد مركزه وقيمته وتقاليده وقد غدت السينما والراديو من اشد خصوم الكتاب، ففي السينما تلخص أو تمسخ أمهات القصص حتى يمكن إخراجها في صور تلائم الجمهور، ولا يقع الجمهور منها إلا على الجانب القصصي، ولا يلمس شيئا من قيمتها الأدبية أو الفنية الهامة، وتذاع فيه ملخصات عن معظم المباحث والموضوعات الخطيرة التي تعني بها الحركة الفكرية، ومزيته في انه ينقل ذلك كله للسامع وهو جالس في مكانه الوثير في المقهى أو المنزل، لا يكلفه عناء القراءة، وخطره على الكتاب والحركة الفكرية في أن الإذاعة الموجزة السهلة تمسخ معظم الموضوعات العلمية والأدبية التي تتناولها، وتصرف بذلك ملايين السامعين عن قراءتها وتتبعها في مصادرها القيمة.
وفي ظل الطغيان السياسي الذي يسود اليوم بعض الأمم المتمدنة تواجه الحركة الفكرية ويواجه الكتاب اشد المخاطر والأزمات، ففي بلاد كإيطاليا وألمانيا وتركيا وبولونيا وروسيا تسودها النظم (الدكتاتورية)، وتخمد الحريات السياسية والفكرية، تصطبغ الثقافة والتفكير بنفس الألوان التي يفرضها الطغيان وتقتضيها مصلحته وغاياته السياسية؛ وحيثما تنعدم حرية الفكر، تخبو حركة التأليف الحر وتغدو الصحافة والمفكرون والكتاب طوعاً أو كرها جنود النظام القائم، ويطارد المفكرون الأحرار، وتطارد كتبهم بلا رافة؛ وفي ظل هذه الأنظمة الطاغية، التي يزعم فيها الطغاة وأعوانهم انهم يعبرون عن رغبات الشعب وأماله وتفكيره، يختفي الإنتاج الفكري القيم ويتحول إلى نوع من الأدب الذليل الخاضع، يشيد جله بالطغاة ونظمهم ومبادئهم وأعمالهم. وقد شهدنا من مناظر هذا الاضطهاد الفكري في العهد الأخير ألوانا شنيعة في ألمانيا، في ظل الطغيان الهتلري، حيث طورد جميع المفكرين والكتاب الذين لم يسايروا الطغيان الجديد ولم يرتضوا فظائعه، ففر منهم من فر خارج ألمانيا، وقتل من قتل، واعتقل من اعتقل؛ وشرد كثير من أقطاب الأدب الألماني المعاصر، وحظرعلى دور النشر الألمانية أن تتعاقد معهم أو تنشر لهم شيئا، ومنعت كتبهم من التدأول، واحرقت كتب كثيرة في أوائل عهد النازي في شوارع برلين على نحو ما كان يجري في العصور الوسطى على يد محاكم التحقيق؛ والخلاصة إن الإنتاج الأدبي في
стр. 4794
ألمانيا قد أصيب في عهد الطغيان الهتلري بضربة مميتة، وأضحت الثقافة الألمانية والأدب الألماني الحاضر والصحافة الألمانية الحاضرة صورة متماثلة مملة للمبادئ والنظريات والآراء التي يفرضها الطغيان السياسي يمر الإنتاج الأدبي دائما بهذا الدور، ويصاب التأليف بمثل هذا العقم والتماثل ويواجه الكتاب اشد المحن.
وهنالك أخيرا روح العصر؛ فعصرنا عصر سرعة ورياضة، والسرعة تدفع كل الناس بلا هوادة، وشغف الرياضة يستغرق اهتمام الشباب وفراغه؛ فلا يجد من الوقت أو الرغبة ما يحمله على التماس القراءة، ولا سيما القراءة الرزينة الهادئة. وإذا أتيحت للشباب فرصة القراءة اليوم فماذا يقرأ؟ الكتب أو المجلات الخفيفة، المبتذلة غالبا، لأنه لا يقرأ وإنما يقرأ للهو فقط، ولا يريد أن يبذل جهودا عقلية في استيعاب كتب الثقافة الرفيعة، وهذه الروح السيئة بلا ريب، من أقوى العوامل في صرف أنظار الشباب عن الكتاب.
وهل نحن بحاجة للقول بان جميع ما قدمنا من العوامل والظروف ينطبق على سير الحركة الفكرية والإنتاج الأدبي في مصر كل الانطباق؟ إن الكتاب يواجه في مصر نفس الأزمة الخطيرة التي يواجهها في جميع الأمم المتمدنة؛ وقد صرفت الصحافة والمجلات الأدبية والقصصية ولا سيما المجلات الخفيفة والماجنة أنظار الشباب عن القراءة الرزينة المفيدة؛ وافسد الأدب المبتذل، ولا سيما الأدب الجنسي ذوق الشباب وعقليته، فأنحط مستوى تفكيره وتقديره؛ وأضحى الكتاب القيم لا يجد بكل أسف بين الشباب كثيرا من الأنصار. أضف إلى ذلك ظرف مصر الخاص وهو انتشار الأمية فيها، وضعف نسبة المتعلمين إلى حد لا يزال يزري بكرامتها، ولولا إن الشعوب التي تتكلم العربية التي نكتب بها في مصر تبلغ زهاء سبعين مليوناً، لكان خطب الإنتاج الأدبية العربي مضاعفاً؛ ومع ذلك فالمعروف أن الكتب العربية القيمة تواجه اشد الأزمات، وان الكتاب الذي لا يطبع منه سوى ألفي أو ثلاثة آلاف نسخة يمكث أعواماً طويلة قبل أن تنفذ نسخه بين السبعين مليوناً من الشعوب التي تتكلم العربية والخلاصة أن الكتب تواجه اشد أزمة عرفتها في العصر الحديث. وقد تتفاقم هذه الأزمة، ويزداد ذيوعه كساداً، ولكن الكتاب لا يمكن مع ذلك أن يختفي أو يموت. ذلك أن الكتاب قد ولد مع المدنية الإنسانية، ولبث مدى العصور اقدس متنفس للذهن البشري، وما دام الذهن البشري ينتج ويعبر عما يجول فيه، فلا بد من التجائه إلى الكتاب،
стр. 4795
وقد مر الإنتاج الفكري ومرت الكتب خلال العصور المظلمة بمحن شديدة، ولاذت بالاختفاء أيام الغزوات البربرية في عهد الهون والوندال، ولبثت في الأمم الأوربية مدى قرون تقبع في ظلمات الاديرة، ولم تجد متنفساً وملاذاً إلا في الدول الإسلامية، في ظل المدنية الإسلامية الزاهرة؛ واستمرت محاكم التحقيق (التفتيش) عصورا تجد في مطاردة التفكير الإنساني وفي مصادرة الكتب وحرقها؛ ولكن هذه الخطوب والمحن كلها لم تخمد جذوة التفكير الإنساني، ولم تقض على حياة الكتاب؛ وخرج الكتاب ظافرا من هذه المحن، وجاءت المطبعة في فجر العصر الحديث فاستطاع بعونها أن يغمر العالم؛ ولم تقو عصور الطغيان ونظمه على مغالبة الذهن البشري؛ فإذا كان الكتاب يجوز اليوم أزمة فكرية اجتماعية، نظرا لتطور الحياة والاختراعات العلمية، فتلك أزمة مؤقتة، سوف يتاح للكتاب أن يتغلب عليها متى استطاع أن يهيئ نفسه للسير مع الظروف الجديدة في ألوان لا تغض من قدره ورفيع مكانيه.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 4796
إبراهيم بك مرزوق ومحمد سعيد بك
بقلم الأستاذ محمود خيرت
نقلت الرسالة في عددها الرابع والخمسين ما دونه المغفور له تيمور باشا من حياة المرحوم إبراهيم بك مرزوق وانه كان شاعرا مجيدا نظم كثيرا من المقطوعات والقصائد. ولكنه مع توسع في ذكر مولده ونشأته وأدوار تقلبه في مناصب الحكومة أوجز كثيرا في حياته الأدبية مقتصرا على ان المرحوم محمد بك سعيد هو الذي جمع ديوانه ونشره في سنة ١٣٨٧هـ، فلم يتعرض إلى شيء من شعره ليعيطنا صورة ريانة من تلك الحياة.
وقد كنت أود لو أن بين يدي ديوان هذا الشاعر الذي لم اهتد إليه في المكاتب، فاسد هذا الفراغ، ومع ذلك فانه لا يزال عالقا في ذهني منه هذان البيتان:
لم يُرضِني الهجرُ حتى … عُمر الحبيب تقضى
والأرض ضمَّتهُ قبْلي … يا ليتني كنت أرضا (أرضى)
وقد لا يكون هذا القدر القليل كافيا للحكم على هذا الشاعر من حيث ميوله المختلفة في مجموعها وعلاقتها بالبيئة التي عاش فيها، ولكنه على كل حال شاهد صدق على ما كانت عليه نفسه من الرقة وكان عليه أسلوبه من الفخامة والحلاوة والسهولة، فهذان البيتان مع انهما من المجزوء تضمنا قصة بحالها يجول فيها الحب وجناته والهجر وأناته، والموت وأظفاره، والدمع وانهاره، وهو بين الحبيب الذاهب، واليأس الغالب، يعود باللائمة على نفسه التي لم تقنع بالهجر وتجد لذاتها فيه، حتى ضمته الأرض قبل أن تضمنه حنيا قلبه الشجي المحترق، وهو مع كل هذا لا يفوته الحكم الصناعة فيخرج لنا جناسا لا نحس عنده جهدا ولا تكلفاً ولا مللاً، يجمع بين الندم على عدم الرضى، والحسرة على فوز الأرض بالحبيب من دونه.
على أن الذي هداني إلى هذا الديوان وأنا فتى هو نفس المرحوم محمد سعيد بك الذي عنى بجمعه ونشره، فقد كان كثيرا التردد على المرحوم جدي، (وكان صديق أبيه)، وكان من تردده علينا أن حبب إلى نفسي قرض الشعر في ذلك العهد.
ولقد كان محمد سعيد بك واسع الاطلاع غزير المادة فياضا مجيدا. اذكر انه زارنا مرة فوجد معي قريبا جميل الطلعة، فمال علي هامساً في إذن ي ما اسمه؟ قلت مصطفى، وعند
стр. 4797
ذلك انفرد بنفسه في ركن من الغرفة، حتى إذا مضت أربع دقائق اقبل علي يقول بصوت خافت: اسمع، ثم أنشدني هذا البيت:
وأعطشني وجدي إلى رشف ريقه … لفرط صبابتي فمذ قال مُصْ طَفَى
ومن شعره ﵀ في سيدة رثاها:
أيها المغرور بالدنيا اعتبر … فبوعظ كم ينادى الزمن
بينما الإنسان في الدنيا إذا … قائلٌ هذا فلان يدفن
ها هنا درة خدر فارقت … قصرها الزاهي وهذا المسكن
أنشد الرضوان في تاريخها … رحمة الله عليها جلشنُ
وجمل عجز البيت الأخير يعطيك تاريخ السنة التي توفيت فيها تلك السيدة، وإذا علما ان محاولة الحصول على التاريخ عند قرض الشعر من الأمور المعقدة التي لا يمكن فيها الجمع بين التاريخ وحلاوة الشعر أدركنا من هذا الشعر مقدرة هذا الشاعر الكبرى في تذليل هذه الصعوبة، فان إرسال الرحمة في هذه الصيغة التي ألفها الناس وذكر اسم المرثية والحصول مع ذلك على التاريخ المطلوب في شعر من بحر الرمل حلو الألفاظ والمعنى كاف للتدلي على مكانته. ولق بل من مقدرة محمد بك سعيد انه نظم مرة قصيدة من عشرين بيتا كان كل صدر وكل عجز منها تاريخاً، وقد سمعت ذلك من جدي ﵀، وكان وقتئذ وكيلا للمطبعة الأميرية، ولعل هذه القصيدة منشورة بالوقائع الرسمية التي كانت تنشر وقتئذ له وللمرحوم الليثي وغيرهما من الشعراء.
وقد روى لي محمد سعيد بك ﵀ انه هو الذي وضع القطعة الغنائية المشهورة التي مطلعها:
بستان جمالك من حسنه … أبهى وأجمل م البستان
على خلاف ما شاع بعد وفاته من أنها للمرحوم إسماعيل باشا صبري هؤلاء الناس الموفقون في الأدب والشعر قد لا يعلم الناس عن كثير منهم شيئاً، وهكذا يذهبون وتذهب معهم آثارهم. روي لي المرحوم السيد مصطفى لطفي المنفلوطي ان كتبة محكمة الإسكندرية الشرعية كان رئيسهم (الباشكاتب) في وقت ما رجلا نسيت اسمه خفيف الروح جيد الشعر، ولكنه كان مولعا بالشراب. وقد صادفه مرة أحد أصدقائه وهو يحتسي في
стр. 4798
حانوت خمار فطلب إليه أن يسايره حيث هو ذاهب (وكان لا يزال في القنينة نحو ثلثها) فأبى قائلاً وبلسانه التواء من اثر السكر.
مضى بها ما مضى من عَقل شاربها … وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
ولا أدري إذا كان هذا البيت من مقولة أو قديم، ولكنه على كل حال دليل على سرعة ارتجاله أو سرعة خاطره.
ومما يدل على ظرف هذا الرجل أن حضرة القاضي رئيس المحكمة كان معتاداً أن يقبل الموظفون (وهو معهم) يده عند كل صباح. ولكنه بلغه مرة انه مدمن على الخمر، وانه يعترض في الطرقات الفتيات المتجرات بالهوى، فغضب عليه وأسرف في تعنيفه حتى إذا ضاقت نفسه خرج من صمته صائحا ليكن ما بلغ فضيلتك عن صحيحا فمالك وسلوكي في غير أوقات عملي. وعند ذلك جن جنون الشيخ وصرخ فيه ان اخرج من هنا. أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. . .!
وفي صباح اليوم التالي لم يره الشيخ مع باقي الكتبة فتذكر ما كان من أمره معه بالأمس، وأرسل في طلبه، ولكنه أبى أن يحضر فذهب إليه بنفسه، وعند ذلك أسرع صاحبنا فغطى وجهه بطرف ثوبه. . . وفي هذه الحركة من حسن الإشارة ما فيها بعد صدور ذلك اليمين. . .
﵏ جميعاً
محمود خيرت
بقلم قضايا وزارة المالية
стр. 4799
في ربوع جوته وفرتر
من الرسالة
فرنكفورت - صباح الأحد ٨ يونيو سنة ١٩٢٤
. . . الأسرة التي أقيم فيها مؤلفة من أرملة وأولادها: بنتين وصبيا أصلهم من الريف، من وتسلار حيث كان جوته موظفاً، وحيث عرف شرلوت واحبها، وكتب الأم فرتر - نزحوا إلى فرنكفورت طلبا للعيش، وسأقص عليك الآن قصة كبرى الابنتين، ويبلغ عمرها أربعة وعشرين عاما -
عرف قلبها الحب وهي في السادسة عشرة حينما كانت في وتسلار، وأحاطت بحبها ظروف قاسية اضطرته ان يتزوج من سواها، فلم تطق البقاء في وتسلار فرحلت إلى فرنكفورت تبحث عن وظيفة. . . وتبعها شاب من مواطنيها كان يحبها ولا يجرؤ على التصريح لها بحبه. تبعها ليدرس بالجامعة، واصطحبا وتكتم الحب ثلاث سنوات قضي اثنتين منها في ميدان القتال، فلما انتهت الحرب عاد إلى فرنكفروت ليتم دراسته، وعادت علاقة فلتر بحبيبته تيا
باح لها بحبه وطلب يدها، وظنت هي أنها تحبه فأجابته بالقبول، وتمت الخطبة، ومرت سنتان وهو يستعجل الزواج فتؤجله محتجة بغلاء الأثاث وهبوط قيمة المارك في ذلك الحين، فلما زاد إلحاحاً صارحته برغبتها في فسخ الخطبة، لأنها لا تستطيع أن تجد معه السعادة التي تنشدها، فهي مادية وهو خيالي، هي تحب الرقص ولا تفهم الموسيقى، وهو يحب الموسيقى ولا يعلم الرقص، فكانت بينهما القطعية.
وهنا انقل إليك أيها الصديق قطعا من رسائله التي كتبها بدموعه بل بدماء قلبه، والتي أطلعتني الأم عليها ذات مساء وتركتها لدي ليلة لأقرأها.
يقول فلتر في خطابه الأول: (مهجور! أنا مهجور! وما أطول الليل على مهجور مثلي في هذه المدينة الكبيرة! لو كنت في قرية صغيرة لخرجت إلى الجبال والغابات أشكو إليها حبي وأحدثها عن بؤسي، ولكني في هذه المدينة الكبيرة إذا خرجت لا أجد إلا السكارى وهم عائدون آخر الليل إلى مساكنهم، والنساء الخليعات وهن يتسكعن في زوايا الطرق وعلى مقاعد المتنزهات) وعلم أن (تيا) أخذت ترفض تسلم كتبه، فكتب إلى أمها يقول:
стр. 4800
(قول لتيا إنني ساكون من نفسي شخصا آخر كما تحب هي أن أكون. قولي لها إنني تقدمت في دروس الرقص وأصبحت غيري بالأمس. قولي لها تسمح لي بان أراها مرة واحدة، وسوف لا أحداثها عن حبي ولا اذكر لها شيئاً عن الماضي. قولي لي ترحمني فإني بدونها لا يمكنني أن أعيش. اسأليها عن ذنبي لديها، فان كان لي ذنب غير شدة حبي فسأكفر عنه بدمي وحياتي).
وكتب في ثالث: (في مثل الغد ولدت، ولقد تعودت منذ خمس سنوات أن أتناول هديتي من المحبوبة (تيا) قبلة وعهدا على حبنا، قولي لها إنني انتظر هديتها غدا، وان تسمح بالعودة إلى مثل ما كنا. سأحضر بنفسي إليكم وكلي امل، فاستحلفكم إلا تصدموني في كل آمالي).
وعلمت انه لما حضر رفضت تيا أن تقابله فأرغمتها أمها على ذلك، فأساءت لقاءه، فكتب إلى أمها: (قولي لها تجربني شهرا وأحدا، وسولا لا أحدثها عن حبي، غدا تبدأ حفلات بيتهوفن السنوية. ذكريها إنها لما سمعتها لأول مرة، وكانت معي بكت. . . وفي تلك الليلة حدثتها لأول مرة عن حبي. . . لقد اشتركت لها ولي، وسأمر بكم غدا لأرافقها).
ولما بلغه إنها تخطب إلى آخر كتب إلى أمها:
(أني آمل وآمل ولا أستطيع أن أيأس قبل أن يضع القسيس على رأسها إكليل الزواج من غيري، أمل لأن حبي لها لا يفنى، ولأني بدون هذا الشعور لا أستطيع أن أحيا).
وكانت آخر رسائله هذه الكلمات: (سوف تتزوج من غيري! أن هذا يطن في رأسي طنين حلم مروع، وما كنت لأتصور حدوثه يوما من الأيام، وهل هناك أحد في العالم يستطيع أن ينيلها من السعادة ما أستطيع؟. قولي لها أني أتمنى لها الهناء من صميم فؤادي، وان الشيء الوحيد الذي أحذره أن تذكرني يوما من الأيام بالأسف حين لا ينفع الأسف. . . وداعاً إلى الأبد!. . .).
وفي الشهر القادم موعد حفلة زفافها إلى خطيبها الجديد، دميم الخلقة، قصير، أعرج، ولكنه غني، فلقد كان أيام هبوط قيمة المارك يضارب - مع اليهود - على إسقاط عملة بلاده فأثرى وقد سمعتها أمس فقط تقولانها تأسف على فلتر، فصرخت أمها في وجهها تقول (ألم يكن ذلك من قبل؟.) فقلت لهما إنني أتعهد بأن أرده إليهم لأنه معي في الجامعة. فقالت الأم (هذا مستحيل، انك لا تعرفه، أن كبرياءه جرحت بلا شفقة، فلا يمكن أن يعود، انك لا
следующие страницы →