← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

إبراهيم بك مرزوق ومحمد سعيد بك بقلم الأستاذ محمود خيرت نقلت الرسالة في عددها الرابع والخمسين ما دونه المغفور له تيمور باشا من حياة المرحوم إبراهيم بك مرزوق وانه كان شاعرا مجيدا نظم كثيرا من المقطوعات والقصائد. ولكنه مع توسع في ذكر مولده ونشأته وأدوار تقلبه في مناصب الحكومة أوجز كثيرا في حياته الأدبية مقتصرا على ان المرحوم محمد بك سعيد هو الذي جمع ديوانه ونشره في سنة ١٣٨٧هـ، فلم يتعرض إلى شيء من شعره ليعيطنا صورة ريانة من تلك الحياة. وقد كنت أود لو أن بين يدي ديوان هذا الشاعر الذي لم اهتد إليه في المكاتب، فاسد هذا الفراغ، ومع ذلك فانه لا يزال عالقا في ذهني منه هذان البيتان: لم يُرضِني الهجرُ حتى … عُمر الحبيب تقضى والأرض ضمَّتهُ قبْلي … يا ليتني كنت أرضا (أرضى) وقد لا يكون هذا القدر القليل كافيا للحكم على هذا الشاعر من حيث ميوله المختلفة في مجموعها وعلاقتها بالبيئة التي عاش فيها، ولكنه على كل حال شاهد صدق على ما كانت عليه نفسه من الرقة وكان عليه أسلوبه من الفخامة والحلاوة والسهولة، فهذان البيتان مع انهما من المجزوء تضمنا قصة بحالها يجول فيها الحب وجناته والهجر وأناته، والموت وأظفاره، والدمع وانهاره، وهو بين الحبيب الذاهب، واليأس الغالب، يعود باللائمة على نفسه التي لم تقنع بالهجر وتجد لذاتها فيه، حتى ضمته الأرض قبل أن تضمنه حنيا قلبه الشجي المحترق، وهو مع كل هذا لا يفوته الحكم الصناعة فيخرج لنا جناسا لا نحس عنده جهدا ولا تكلفاً ولا مللاً، يجمع بين الندم على عدم الرضى، والحسرة على فوز الأرض بالحبيب من دونه. على أن الذي هداني إلى هذا الديوان وأنا فتى هو نفس المرحوم محمد سعيد بك الذي عنى بجمعه ونشره، فقد كان كثيرا التردد على المرحوم جدي، (وكان صديق أبيه)، وكان من تردده علينا أن حبب إلى نفسي قرض الشعر في ذلك العهد. ولقد كان محمد سعيد بك واسع الاطلاع غزير المادة فياضا مجيدا. اذكر انه زارنا مرة فوجد معي قريبا جميل الطلعة، فمال علي هامساً في إذن ي ما اسمه؟ قلت مصطفى، وعند

стр. 4797

ذلك انفرد بنفسه في ركن من الغرفة، حتى إذا مضت أربع دقائق اقبل علي يقول بصوت خافت: اسمع، ثم أنشدني هذا البيت: وأعطشني وجدي إلى رشف ريقه … لفرط صبابتي فمذ قال مُصْ طَفَى ومن شعره ﵀ في سيدة رثاها: أيها المغرور بالدنيا اعتبر … فبوعظ كم ينادى الزمن بينما الإنسان في الدنيا إذا … قائلٌ هذا فلان يدفن ها هنا درة خدر فارقت … قصرها الزاهي وهذا المسكن أنشد الرضوان في تاريخها … رحمة الله عليها جلشنُ وجمل عجز البيت الأخير يعطيك تاريخ السنة التي توفيت فيها تلك السيدة، وإذا علما ان محاولة الحصول على التاريخ عند قرض الشعر من الأمور المعقدة التي لا يمكن فيها الجمع بين التاريخ وحلاوة الشعر أدركنا من هذا الشعر مقدرة هذا الشاعر الكبرى في تذليل هذه الصعوبة، فان إرسال الرحمة في هذه الصيغة التي ألفها الناس وذكر اسم المرثية والحصول مع ذلك على التاريخ المطلوب في شعر من بحر الرمل حلو الألفاظ والمعنى كاف للتدلي على مكانته. ولق بل من مقدرة محمد بك سعيد انه نظم مرة قصيدة من عشرين بيتا كان كل صدر وكل عجز منها تاريخاً، وقد سمعت ذلك من جدي ﵀، وكان وقتئذ وكيلا للمطبعة الأميرية، ولعل هذه القصيدة منشورة بالوقائع الرسمية التي كانت تنشر وقتئذ له وللمرحوم الليثي وغيرهما من الشعراء. وقد روى لي محمد سعيد بك ﵀ انه هو الذي وضع القطعة الغنائية المشهورة التي مطلعها: بستان جمالك من حسنه … أبهى وأجمل م البستان على خلاف ما شاع بعد وفاته من أنها للمرحوم إسماعيل باشا صبري هؤلاء الناس الموفقون في الأدب والشعر قد لا يعلم الناس عن كثير منهم شيئاً، وهكذا يذهبون وتذهب معهم آثارهم. روي لي المرحوم السيد مصطفى لطفي المنفلوطي ان كتبة محكمة الإسكندرية الشرعية كان رئيسهم (الباشكاتب) في وقت ما رجلا نسيت اسمه خفيف الروح جيد الشعر، ولكنه كان مولعا بالشراب. وقد صادفه مرة أحد أصدقائه وهو يحتسي في

стр. 4798

حانوت خمار فطلب إليه أن يسايره حيث هو ذاهب (وكان لا يزال في القنينة نحو ثلثها) فأبى قائلاً وبلسانه التواء من اثر السكر. مضى بها ما مضى من عَقل شاربها … وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي ولا أدري إذا كان هذا البيت من مقولة أو قديم، ولكنه على كل حال دليل على سرعة ارتجاله أو سرعة خاطره. ومما يدل على ظرف هذا الرجل أن حضرة القاضي رئيس المحكمة كان معتاداً أن يقبل الموظفون (وهو معهم) يده عند كل صباح. ولكنه بلغه مرة انه مدمن على الخمر، وانه يعترض في الطرقات الفتيات المتجرات بالهوى، فغضب عليه وأسرف في تعنيفه حتى إذا ضاقت نفسه خرج من صمته صائحا ليكن ما بلغ فضيلتك عن صحيحا فمالك وسلوكي في غير أوقات عملي. وعند ذلك جن جنون الشيخ وصرخ فيه ان اخرج من هنا. أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. . .! وفي صباح اليوم التالي لم يره الشيخ مع باقي الكتبة فتذكر ما كان من أمره معه بالأمس، وأرسل في طلبه، ولكنه أبى أن يحضر فذهب إليه بنفسه، وعند ذلك أسرع صاحبنا فغطى وجهه بطرف ثوبه. . . وفي هذه الحركة من حسن الإشارة ما فيها بعد صدور ذلك اليمين. . . ﵏ جميعاً محمود خيرت بقلم قضايا وزارة المالية

стр. 4799

في ربوع جوته وفرتر من الرسالة فرنكفورت - صباح الأحد ٨ يونيو سنة ١٩٢٤ . . . الأسرة التي أقيم فيها مؤلفة من أرملة وأولادها: بنتين وصبيا أصلهم من الريف، من وتسلار حيث كان جوته موظفاً، وحيث عرف شرلوت واحبها، وكتب الأم فرتر - نزحوا إلى فرنكفورت طلبا للعيش، وسأقص عليك الآن قصة كبرى الابنتين، ويبلغ عمرها أربعة وعشرين عاما - عرف قلبها الحب وهي في السادسة عشرة حينما كانت في وتسلار، وأحاطت بحبها ظروف قاسية اضطرته ان يتزوج من سواها، فلم تطق البقاء في وتسلار فرحلت إلى فرنكفورت تبحث عن وظيفة. . . وتبعها شاب من مواطنيها كان يحبها ولا يجرؤ على التصريح لها بحبه. تبعها ليدرس بالجامعة، واصطحبا وتكتم الحب ثلاث سنوات قضي اثنتين منها في ميدان القتال، فلما انتهت الحرب عاد إلى فرنكفروت ليتم دراسته، وعادت علاقة فلتر بحبيبته تيا باح لها بحبه وطلب يدها، وظنت هي أنها تحبه فأجابته بالقبول، وتمت الخطبة، ومرت سنتان وهو يستعجل الزواج فتؤجله محتجة بغلاء الأثاث وهبوط قيمة المارك في ذلك الحين، فلما زاد إلحاحاً صارحته برغبتها في فسخ الخطبة، لأنها لا تستطيع أن تجد معه السعادة التي تنشدها، فهي مادية وهو خيالي، هي تحب الرقص ولا تفهم الموسيقى، وهو يحب الموسيقى ولا يعلم الرقص، فكانت بينهما القطعية. وهنا انقل إليك أيها الصديق قطعا من رسائله التي كتبها بدموعه بل بدماء قلبه، والتي أطلعتني الأم عليها ذات مساء وتركتها لدي ليلة لأقرأها. يقول فلتر في خطابه الأول: (مهجور! أنا مهجور! وما أطول الليل على مهجور مثلي في هذه المدينة الكبيرة! لو كنت في قرية صغيرة لخرجت إلى الجبال والغابات أشكو إليها حبي وأحدثها عن بؤسي، ولكني في هذه المدينة الكبيرة إذا خرجت لا أجد إلا السكارى وهم عائدون آخر الليل إلى مساكنهم، والنساء الخليعات وهن يتسكعن في زوايا الطرق وعلى مقاعد المتنزهات) وعلم أن (تيا) أخذت ترفض تسلم كتبه، فكتب إلى أمها يقول:

стр. 4800

(قول لتيا إنني ساكون من نفسي شخصا آخر كما تحب هي أن أكون. قولي لها إنني تقدمت في دروس الرقص وأصبحت غيري بالأمس. قولي لها تسمح لي بان أراها مرة واحدة، وسوف لا أحداثها عن حبي ولا اذكر لها شيئاً عن الماضي. قولي لي ترحمني فإني بدونها لا يمكنني أن أعيش. اسأليها عن ذنبي لديها، فان كان لي ذنب غير شدة حبي فسأكفر عنه بدمي وحياتي). وكتب في ثالث: (في مثل الغد ولدت، ولقد تعودت منذ خمس سنوات أن أتناول هديتي من المحبوبة (تيا) قبلة وعهدا على حبنا، قولي لها إنني انتظر هديتها غدا، وان تسمح بالعودة إلى مثل ما كنا. سأحضر بنفسي إليكم وكلي امل، فاستحلفكم إلا تصدموني في كل آمالي). وعلمت انه لما حضر رفضت تيا أن تقابله فأرغمتها أمها على ذلك، فأساءت لقاءه، فكتب إلى أمها: (قولي لها تجربني شهرا وأحدا، وسولا لا أحدثها عن حبي، غدا تبدأ حفلات بيتهوفن السنوية. ذكريها إنها لما سمعتها لأول مرة، وكانت معي بكت. . . وفي تلك الليلة حدثتها لأول مرة عن حبي. . . لقد اشتركت لها ولي، وسأمر بكم غدا لأرافقها). ولما بلغه إنها تخطب إلى آخر كتب إلى أمها: (أني آمل وآمل ولا أستطيع أن أيأس قبل أن يضع القسيس على رأسها إكليل الزواج من غيري، أمل لأن حبي لها لا يفنى، ولأني بدون هذا الشعور لا أستطيع أن أحيا). وكانت آخر رسائله هذه الكلمات: (سوف تتزوج من غيري! أن هذا يطن في رأسي طنين حلم مروع، وما كنت لأتصور حدوثه يوما من الأيام، وهل هناك أحد في العالم يستطيع أن ينيلها من السعادة ما أستطيع؟. قولي لها أني أتمنى لها الهناء من صميم فؤادي، وان الشيء الوحيد الذي أحذره أن تذكرني يوما من الأيام بالأسف حين لا ينفع الأسف. . . وداعاً إلى الأبد!. . .). وفي الشهر القادم موعد حفلة زفافها إلى خطيبها الجديد، دميم الخلقة، قصير، أعرج، ولكنه غني، فلقد كان أيام هبوط قيمة المارك يضارب - مع اليهود - على إسقاط عملة بلاده فأثرى وقد سمعتها أمس فقط تقولانها تأسف على فلتر، فصرخت أمها في وجهها تقول (ألم يكن ذلك من قبل؟.) فقلت لهما إنني أتعهد بأن أرده إليهم لأنه معي في الجامعة. فقالت الأم (هذا مستحيل، انك لا تعرفه، أن كبرياءه جرحت بلا شفقة، فلا يمكن أن يعود، انك لا

стр. 4801

تعرفه) - والحق يا صديقي انك لو رأيته لما رأيت إلا الكبرياء والعظمة، هو ليس بالجميل. . . طويل القامة كبير الوجه، واسع العينين، تحيط بهما هالة سوداء، بوجهه خطوط كثيرة وتجعدات عميقة، يتكلم بصوت خافت يكاد لا يسمع مع كبر جسمه، واظهر ما يتجلى عليه الكبرياء والتكتم، وقد سألته يوما عما ينوي عمله بعد حصوله على الدكتوراه فقال: انه سوف يرحل إلى أمريكا الجنوبية ليعيش هناك، فقلت له إلا يعز عليك مفارقة أهلك ووطنك؟ فأجاب (لا. ليس هنا أحد يهمه أمري).

стр. 4802

البغاء بقلم حبيب المعوشي لقد كثرت في هذه الأيام الأقاويل وتباينت الآراء في البغاء ومنعه من البلاد، وأقصاء البغايا الأجنبيات عنه عملا بقانون يسن لهذا الغرض. فمن مؤيدين لهذا القانون، ومن معارضين له، ولكل فريق فيما يدعيه حججه وبراهينه. فالذاهبون إلى تحريم البغاء مدنيا يقولون انه آفة الاجتماع ومصدر الفاحشة ومجلبة البوائق، وانه لحائل الكبير دون الزواج وتكوين الأسر، وانه العقبة القائمة في وجه كثرة المواليد إلى غير ذلك من الأدلة. والقائلون مدنياً بإباحته يؤيدون دعواهم بأنه السور الذي يصون الكثير من شرف المحصنات، والحاجز الذي يخفف - أن لم يقف - الأعداء على شرف العذارى وأعراض الأسر. أما أنا فلست أريد بهذا المقال أن أؤيد رأيا أو أخالف آخر، ولكنني إجابة لطلب بعض الإخوان من الأدباء رأيت أن انشر بإيجاز ما اعرفه من هذا القبيل وما قيل بهذا الشان في العصور الخالية وما كان للبغايا لدى مختلف الأمم من المنزلة والمقام. كانت البغايا في العهد القديم من بواعث الحمية في الرجال. فكن ينبهن فيهم الحماس البدني والنشاط العقلي ويحملنهم على الدفاع والجهاد والتضحية، والتفاني في سبيل الوطن والعقيدة. ففي حرب شعواء شهرت على قورونتية قامت البغايا في اليونان يشجعن الرجال ليذودوا عن الحمى، فهب الرجال هبة واحدة وخرجوا بحشدهم زمرا وكتائب لمواجهة العدو مستبسلين مستميتين بفضل حض البغايا وأغرائهن. ولم تقف البغايا عند هذا بل قمن وجذذن شعورهن - وكان الشعر في ذلك العهد انفس حلى النساء واجمل أزيائهن - وقدمنها قربانا للزهرة آلهة الجمال كي تساعد الإغريقيين على أعدائهم وتهبهم الفوز والظفر، وبفضل ما أبدينه من ضروب التضحية والحض والتنشيط واستفزاز الهمم انتصر الإغريقيون انتصاراً عظيماً، وعزوا أهم أسباب فوزهم للبغايا، فاكبروا عملهن واعلوا قدرهن - ومثل هذا كان يجري أيضاً في كثير من البلاد الأخرى بحيث خصهن رجال تلك العصور الخالية بالمكان الأول في الاجتماع وقالوا أن التمدين لا يقوم إلا بهن ولا يزداد انتشارا إلى بمعاونتهن، وقد شبههن بعض الكتاب الأقدمين بأريج ذكى يعطر الجو ويولي مستنشقيه الاغتباط ويحرك فيهم الهمة والجرأة والإقدام.

стр. 4803

وظل فيهن على هذا حتى ظهر الدين المسيحي فحرمت النصرانية البغاء تحريما مطلقا وجعلت من أهم أسس الكمال في الدين قهر الجسد وكبح الشهوات البدنية، ومنذ العهد الذي انتشرت فيه هذه تعاليم أخذ نجم البغايا في الأفول، وبدأ مجدهن في الزوال، فأرمت كنيسة المسيح بنبذهن من الاجتماع، فأقصين من المجالس، واضطهدن وحقرن، حتى غدون أحط من سقط المتاع وعند ما كانت الأوبئة كالطاعون والهواء الأصفر تتفشى في العالم أو تصيب الأمم نكبات ومجاعات كان الناس ينفون البغايا من البلاد ويرهقونهن بألوان العذاب ويذيقونهن شر الميتات ظنا منهم انهم بما يفعلون يلطفون غضب السماء. ففي بعض البلاد كان الزواج محرما على البغايا، وفي بعضها كانت البغايا يعزلن في الحظائر شأن المواشي، وفي عهد البابا بولس الرابع أي في القرن السادس عشر كان الشبان الأشراف في إيطاليا يعدون التغاضي عن حرق منازل العهر عارا وفضيحة. وفي مدينة تولوز في فرنسا كانت البغي التي تجرؤ على اجتياز عتبة أحد الأديرة تعد جانية فيقبض عليها وتلقى في السجن، ثم تساق للمحاكمة فيحكم عليها بأقسى عقوبة. وفي مدينة بوكير من أعمال فرنسا أيضاً كان يفرض في كل عام على البغايا الجري عاريات في أحد الميادين إلى أن تنقطع أنفاسهن وتسكت دقات قلوبهن، وفي مدينة مانطو في إيطاليا كانوا يوجبون على البغي شراء ما تلمسه من الأشياء لدى مرورها في الأسواق بحجة إنها دنسته بلمسها ولوثته بيدها النجسة الذليلة وأفسدت تجارته على صاحبه. وفي هذه المدينة أيضاً كان يحتم على البغايا تعليق الجلاجل في أعناقهم عندما يطفن في المدينة أسوة بالمصابين بداء الجذام تنبيهاً للمارة كي يبتعدوا وتحذيرا لهم من العدوى. هذا قليل من كثير مما كان يجري على البغايا في القرون الوسطى، ولكن عندما أخذ التمدين الحديث يتمشى في أنحاء العالم قل اضطهاد البغايا وأبيح لهن مخالطة الناس والظهور في المجتمعات والأندية والمجالس، بل عد البعض وجودهن من عوامل النهوض والارتقاء، وللبلوغ بالتمدين إلى أرقى درجات الكمال. السن هن اللواتي يبتدعن التأنق في المعيشة، ويطلقن الأزياء البديعة في العالم، ويروجن أسواق الحلي الغالية، والملابس الأنيقة، والمنسوجات الناعمة، والمطارف الثمنية، والمفروشات الفاخرة؟ أو لسن هن اللواتي يخرجن من خزائن الشيوخ الأشحاء ما اكتنزوه من تحف، وكدسوه من نفائس،

стр. 4804

وخبأوه من أموال، فيغدقنها على الأسواق وينتفع بها المجموع الإنساني. هذه هي الكلمة التي توخيت نشرها في هذا الباب لعل فيها فائدة، ومنها يرى ان البت في تحريم البغاء أو إباحته يسلتزم كثيرا من التروي والتفكير لمعرفة أيهما افضل وأصلح للبلاد، ولا نخال حكومتنا وهي لم تزل مترددة في سن قانون التحريم إلا مواصلة الفحص والتمحيص حتى تهتدي إلى الأصوب والأنفع فتقره. وبهذه المناسبة اذكر ما قاله ديموستين كبير خطباء أثينا، من ثلاثة وعشرين قرنا ونيفا - في النساء والبغايا وما يبتغيه الرجال منهن وهذا تعريبه: (نحن الرجال، بحاجة إلى ضروب ثلاثة من النساء: المرأة الرشيدة المثقفة لنشغل بها العقل ونلهي بها النفس والمرأة البارعة في الجمال لنرضي بها الحواس ونسكن ثورات الجسد. والمرأة الصالحة الحكيمة لتلد لنا البنين وتدبر لنا المنازل). وقد رأى أن وجود البغايا في البلاد ضروري لاستفزاز همم الرجال إبان الحروب لأن المحصنات قد يحجمن عن ذلك كيلا يعرضن أزواجهن وفلذات أكبادهن إلى الهلاك. وقال أحد علماء الفرنسيين وكتابهم في البغاء وفي الدفاع عن البغايا ما معناه: (ينحى الناس باللائمة على البغي التي تبيع جسدها وينبذونها ويصمونها بالعار، ويمطرونها وابلا من السب والثلب، على حين ان الكثيرين منهم يببعون عقولهم وأفكارهم وضمائرهم، فإذا كان العقل في حكم الناس افضل من الجسد وأسمى منه منزلة، فلماذا يحجم عن نبذ ممتهنيه ويغضي عن تعيير بائعيه، بينا ان بيعه اجلب للعار والثلب والاستنكاف من بيع الجسد.؟ ثم لماذا نرانا نجل من الرجال العظام والعلماء الأعلام من باعوا فكرهم وحريتهم وأباحوا عقولهم لقاء الدرهم. أليس هؤلاء ادعى للاحتقار والازدراء والنبذ من البغي التي تبيع جسدها وهو المادة الدنيئة الحقيرة الخاضعة للعقل ودونه قيمة ومقاماً.؟ اجل، ولكن بينا الناس يتخطبون في الخطأ والغواية ويعمهون في كثير من الضلال، وشر الضلال احتقار المرأة البائعة جسدها وإجلال الرجل الذي يسلم للعار عقله وفكره وضميره وحريته الوطنية والأدبية. فلا مراء أن في هذا الكلام حقائق يحسن النظر فيها وتعاليم يجدر بالعاقلين والنابهين التسليم

стр. 4805

بصحتها والاستفادة منها - سدد الله خطواتنا وهدانا سواء السبيل. حبيب المعوشي

стр. 4806

مخترع الرقاص منجم مصري للأستاذ قدري حافظ طوقان يعتقد كثيرون أن الرقاص (بندول الساعة) من مخترعات العالم الإيطالي الشهير غاليلو (١٥٦٤ - ١٦٤٢م)، وان هذا العالم أول من استطاع ان يستعمله ويستفيد منه. وهؤلاء الكثيرون يستغربون إذا قيل لهم أن هذا غير صحيح، وان الفضل في اختراعه يعود إلى عالم مسلم عربي، عاش في مصر ونشأ على ضفاف النيل، وقد سبق غيره في استعماله في الساعات الدقاقة، وبذلك يكون غاليلو مسبوقا بهذا الاختراع بستة قرون. أقول انهم يستغربون وأزيد على ذلك وأقول انهم قد يستهزئون، ولكن ما كان لنا أن نجرؤ فننسب هذا الاختراع الجلي إلى العرب لولا اعترافات المنصفين من علماء الإفرنج، فإذا تصفحت كتاب تاريخ العرب للعالم الفرنسي المنصف سيديو تجد نصا صريحا بأسبقية العرب في اختراع الرقاص: (. . . وكذا ابن يونس المقتفي في سيره أبا الوفاء ألف في رصد خانته بجبل المقطم الزيج الحاكمي، واخترع الربع ذا الثقب، وبندول الساعة الدقاقة). وكذلك يقول (تايلر و (سدويك ان العرب استعملوا الرقاص لقياس الزمن. من هنا يستنتج أن سبقوا غاليلو في اختراع الرقاص وفي استعماله في الساعات الدقاقة. أنا لا أقول أن العرب وضعوا القوانين التي تسيطر على البندول، ولا أقول انهم وضعوا ذلك بقالب رياضي على الشكل الذي نعرفه الان، ولكني أقول انهم سبقوا غاليلو في اختراع الرقاص وفي استعماله، وفي إيجاد علاقته بالزمن؛ وفوق ذلك كان لديهم فكرة عن قانون الرقاص (قانون مدة الذبذبة). يقول سمث العالم الأمريكي في كتابه تاريخ الرياضيات في ص ٩٧٣ من الجزء الثاني ما يلي: (ومع أن قانون الرقاص هو من وضع غاليلو إلا أن كمال الدين بن يونس لاحظه وسبقه ففي معرفة شيء عنه، وكان الفلكيون يستعملون البندول لحساب الفترات الزمنية أثناء الرصد. . .). يظهر مما مر أن العرب عرفوا شيئا عن القوانين التي تسيطر عليه، ثم جاء من بعدهم غاليلو، وبعد تجارب عديدة استطاع أن يستنبط قوانينه، إذ وجد ان مدة الذبذبة تتوقف على طول البندول وقيمة عجلة التثاقل، ووضع ذلك بشكل رياضي بديع وسع دائرة استعماله وجني الفوائد الجليلة منه.

стр. 4807

وأخشى أن يختلط الأمر على القارئ فيظن ان كمال الدين بن يونس هو نفسه ابن يونس الذي ذكره سيديو، مع أن هذا خلاف الواقع، فكمال الدين بن يونس كان (علامة زمانه، وواحد أوانه، وسيد الحكماء، قد أتقن الحكمة، وتميز في سائر العلوم). ولد في الموصل سنة ١١٥٦م، وتوفى بها سنة ١٢٤٢م، وتلقى العلم في بغداد في المدرسة النظامية. كان ذا اطلاع واسع على العلوم الشرعية، وتعين مدرسا في الموصل، قرأ الطب والفلسفة (ويعرف من فنون الرياضة من اقليدس، والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطى وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والارثماطيقي بطريق الخطائين، والموسيقى والمساحة، معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها، واستخرج في علم الأوفاق طرقا لم يهتد إليها أحد. . .). ولنرجع الآن إلى ابن يونس المصري، فهو مخترع الرقاص، واسمه أبو سعيد عبد الرحمن بن احمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري. كان من مشاهير الرياضيين والفلكيين الذين ظهروا بعد البتاني وأبي الوفاء البوزجاني، ويعده سارطون من فحول علماء القرن الحادي عشر للميلاد، وقد يكون اعظم فلكي ظهر في مصر، ولد فيها وتوفى بها سنة ٣٣٩هـ - ١٠٠٩م. ويقول بعض معاصريه انه كان ذا طباع شاذة، يضع رداءه فوق عمامته، إذا ركب ضحك الناس منه لسوء حاله وشذوذ لباسه، (وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان متفننا في علوم كثيرة، وكان يضرب على العود على جهة المتأدب). وهو سليل بيت اشتهر بالعلم، فأبوه عبد الرحمن بن يونس كان محدث مصر ومؤرخها، وأحد العلماء المشهورين فيها، وجده يونس بن عبد الأعلى صاحب الأمام الشافعي، ومن المتخصصين بعلم النجوم. وقد عرف الخلفاء الفاطميون قدر ابن يونس وقدروا علمه ونبوغه، فاجزلوا له العطاء وشجعوه على متابعة بحوثه في الهيئة والرياضيات، وقد بنوا له مرصدا على جبل المقطم قرب الفسطاط، وجهزوه بكل ما يلزم من الآلات والأدوات، وأمره العزيز الفاطمي أبو الحاكم أن يصنع زيجاً، فبدأ به في أواخر القرن العاشر للميلاد، وأتمه في عهد الحاكم ولد العزيز، وسماه (الزيج الحاكمي). ويقول عنه ابن خلكان (وهو زيج كبير رأيته في أربعة مجلدات، ولم أر في الازياج على كثرتها أطول منه). ويعترف سيديو بقيمة هذا الزيج فيقول: إن هذا الزيج

стр. 4808

كان يقوم مقام المجسطي والرسائل التي ألفها علماء بغداد سابقا. ويقول سوتر الشهير في دائرة المعارف الإسلامية: (ومن المؤسف حقا انه لم يصل إلينا كاملا، وقد نشر وترجم (كوسان) بعض فصول هذا الزيج التي فيها أرصاد الفلكيين القدماء، وأرصاد ابن يونس نفسه عن الخسوف والكسوف واقتران الكواكب). وكان قصده من هذا الزيج أن يتحقق من أرصاد الذين تقدموا وأقوالهم في الثوابت الفلكية، وان يكمل ما فاتهم، وان يضع ذلك في مجلد كبير جامع (يدل على أن صاحبه كان اعلم الناس بالحساب والتسيير). وابن يونس هو الذي رصد كسوف الشمس وخسوف القمر في القاهرة حوالي سنة ١٩٧٨م، واثبت منها تزايد حركة القمر، وحسب ميل دائر البروج، فجاء حسابه اقرب ما عرف إلى أن أتقنت آلات الرصد الحديثة. وأصلح ابن يونس زيج يحيى بن أبي منصور، وعلى هذا الإصلاح كان تعويل أهل مصر في تقويم الكواكب في القرن الخامس للهجرة. وبرع ابن يونس في المثلثات وأجاد فيها، وبحوثه فيها فاقت بحوث كثيرين من العلماء، وكانت معتبرة عند الرياضيين، ولها قيمتها الكبيرة في تقديم علم المثلثات. وقد حل أعمالا صعبة في المثلثات الكروية واستعان في حلها بالمسقط العمودي للكرة السماوية على كل من المستوى الأفقي ومستوى الزوال. وهو أول من استطاع ان يتوصل إلى إيجاد القانون الآتي في المثلثات الكروية: ١ ١ جتاس جتاص=_ جتا (س + ص) +__ (س - ص) ٢٢ وكان لهذا القانون قيمة كبرى عند علماء الفلك قبل اكتشاف اللوغارتمات، إذ يمكن بواسطته تحويل عمليات الضرب إلى عمليات جمع، وفي هذا بعض التسهيل لحلول كثير من المسائل الطويلة المعقدة. وفي زمن ابن يونس استعملت الخطوط المماسة في مساحة المثلثات. ويقول سيديو: (ولبث ابن يونس يستعمل في سنة ٩٧٩ إلى سنة ١٠٠٨م إضلالاً أي خطوطا مماسة، وإظلال تمام حسب بها جداول عنده تعرف بالجداول الستينية، واخترع حساب الأقواس التي تسهل قوانين التقويم وتريح من كثرة استخراج الجذور المربعة. . .)

стр. 4809

وهو الذي اخترع الربع ذا الثقب، وبندول الساعة الدقاقة، وفوق ذلك فوق كان ينظم الشعر نأتي على بعض منه للتنويع، فمن قوله في الغزل: أحَملُ نشر الريح عند هبوبه … رسالة مشتاق لوجه حبيبه بنفسي من تحيا النفوس بقربه … ومن طابت الدنيا به وبطيبه لعمري لقد عطلت كأسي بعده … وغيبتها عني لطول مغيبه وجدّد وجدي طائف منه في الكرى … سرى موهناً في خفَية من رقيبه نابلس قدري حافظ طوقان

стр. 4810

ذكرى أدبائنا بقلم محمد محمد مكين كتب الدكتور زكي مبارك في البلاغ ينصح أصدقاء شيخ العروبة بجمع ما تناثر من مقالاته وبحوثه وضمها في كتاب، وخشي في نهاية الأمر أن يلحق بشيخ العروبة ما لحق حافظا وإسماعيل صبري من إهمال ونسيان. وكتب الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني مقالاً أرسله من لبنان يذكر فيه انه خجلان لأن إخواننا السوريين يخلدون ذكرى الأمام الشيخ محمد عبدة ونحن نهمله. وكتب الأستاذ احمد حسن الزيات في الرسالة كلمة بكى فيها حظ الأدب والأديب وما يلاقيان من جحود وإنكار. وكتب الأستاذ محمود الشرقاوي كلمة بمجلة الأسبوع عن المنسيين (من الأدباء) قال في ختامها انه يجب على كل أديب ان يعد نفسه كالذبيح ثم يموت مدحورا لا ينال حتى كلمة الذكر. فهل يا ترى نستخلص من تلك المقالات إننا استيقظنا وتلمسنا تلك الظاهرة المعيبة - ظاهرة عقوق الأدباء وجحود العباقرة. . .؟ أخشى أن تكون اليقظة يقظة الموت. نعم مات حافظ فلم نوفه حقه ولم نقم بالواجب نحوه، ووالله إن أبناء العروبة في أمريكا لخير منا ألف مرة، فقد قاموا بواجبهم نحو حافظ وشوقي خير قيام. ومات من قبله الأديب محمد السباعي وذهب كأنه لم يخلق، وكأنه لم يخلق آثاراً أدبية لو كانت أمة غير مصر لصعدت بها إلى الأوج. وانتقل إلى جوار ربه المرحوم احمد باشا تيمور، وفضله على الأدب والعلم غير منكور، فماذا قدمناه لإحياء ذكراه؟ ورحل المرحوم إسماعيل صبري عن هذه الدار، وما زال شعره متفرقا لم يجمع في ديوان. تمضي الأعوام فنحي المنفلوطي بطعنات داميات، ونرمي خير الدين يكن بالمروق، ونتهم جبران بالسخف. ثم ننسى البارودي، وصروف، وجورجي زيدان، وحفني ناصف. ولولا وفاء أبناء دار العلوم لذهب شعر عبد المطلب هباءً منثوراً. اذكر من سنين قليلة أن أدباء مصر أرادوا الاحتفال بذكرى ابن خلدون فتقاعست همهم، وقام أدباء المغرب على ما اذكر بذلك العمل الجليل. واذكر انهم يتحدثون عن الاحتفال بذكرى المتنبي والمعري. فهل تراهم يفلحون؟

стр. 4811

ها هو ذا عام ١٩٣٤ عام حافل بالذكريات. فيه مناسبات كثيرة لإحياء ذكرى أدبائنا وعلمائنا. ففي هذا العام كانت مناسبة صالحة لذكرى قاسم امين، ولكنها ضاعت بكل أسف فلم نفعل أكثر من كتابة مقالات تافهات نشرتها الصحف وذهبت بذهاب الأمس. على إن في ذلك عبرة، هي إن دعوته لما تثمر الثمر الطيب، وإلا لعرفت المرأة المصرية قدر محررها فقامت بواجب غفل عنه الرجل. أقول أن عام ١٩٣٤ عام حافل بالمناسبات، ففيه يكون قد مضى خمسة عشر عاما على وفاة جفني ناصف، ويكون قد مضى عشر سنين على وفاة المنفلوطي. وفي أغسطس القادم يكون قد مضى عشرون عاما على وفاة جورجي زيدان. وفي ديسمبر القادم يكون قد مضى ثلاثون عاما على وفاة أمير الشعراء محمود سامي البارودي. وفي هذا العام يكون قد مضى حولان على وفاة حافظ وما يزال (يقتضي أصدقاءه المخلص حفلة التأبين وتأليف الكتاب). فماذا نعد لهذه المناسبات؟ أندعها تمر فنضع رؤوسنا في الرعام ونرمي بأنفسها في وهدة الذل والصغار، أم ننهز هذه الفرصة ولا ندعها تفلت من أيدينا؟ لست ادري ماذا تفعل جماعاتنا الأدبية على كثرتها حتى تهمل ذلك الواجب المقدس؟ أحق عليها ما كتب بمجلة كل شيء في عددها الأخير من إن جماعاتنا الأدبية تقوم على صرح واه لأنها ترمي إلى أغراض تلعب فيها الحزازات الحزبية والمآرب الشخصية الدور الأول!! وانه ينقصها روح التعاون والقدرة على كبح جماح العواطف الشخصية في سبيل الفكرة التي تعمل من اجلها الجماعة. . . إلى جماعة الأدب العربي، وجماع أبولو، والى أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر أتوجه بالرجاء أن يعالجوا ذلك النقص المعيب، فهم خير من يعهد إليهم ذلك الأمر. وأخيراً اذكر الأدباء قاطبة بان يفوا لأسلافهم حتى يفي لهم إخلافهم. وإلا كان مصيرهم مصير من سبقهم: جحود وإنكار ونسيان. طنطا محمد محمد مكين

стр. 4812

جولة بين أطلال بومبي للأديب حسين شوقي كانت بومبي المدينة التي يقصدها سراة روما وعظماؤها للمتعة واللهو، لما توافر فيها من أسباب ذلك، كما يقصد اليوم المترفون من الغربيين ساحل الرفييرا الساحر. . . وقد يرى المتجول بين أطلال بومبي آثار الطريق التي كانت تصل روما - حاضرة الدولة الرومانية العظيمة - ببومبي. . . وبومبي اليوم تبعد كيلو مترات قليلة عن البحر، أما في زمانها الغابر فقد كانت تشرف على البحر، كما كانت ترسى في مينائها يخوت أقيال الرومان الأنيقة. وبومبي التي لم يزد عدد سكانها على خمسة وعشرين ألف نسمة، كان فيها من المسارح والحانات والحمامات العامة وأماكن المصارعة ما يجذب النفس ويستهوي الفؤاد. . . وكل ذلك باق أكثره على رغم الزلزالين الكبيرين اللذين منيت بهما بومبي من عشرين قرنا خلت. . . وما اجمل الدور التي شيدها سراة روما في بومبي ليخلوا إليها في أوقات فراغهم للهو اللعب، وقد حليت أرضها وسماؤها بالفسيفساء الملون الرائع، وبالصور الزيتية الجميلة، المنقولة عن الاساطير، وقد شيد أكثر هذه الدور على طراز خليط من الطرازين الروماني والإغريقي. . . لأن الرومان اعجبوا بالحضارة اليونانية، فنقلوا منها إلى بلادهم فنونها، وآدابها، وديانتها. .! وقد بلغ إعجاب القيصر نيرون بالإغريق انه تعلم لغتهم فأتقنها، وكان يشجيه أن يغني بها، وقد وهب صوتاً رخيماً. . . وقد شيدت هذه الدور على النظام الآتي: باب ضخم على الشارع، يلج منه الزائر إلى دهليز ضيق يوصل إلى فناء فسيح ليس له سقف، سوى سماء نابولي الصافية الزرقاء، وقد زين هذا الفناء بالأزهار النادرة، كما حلى بالتماثيل المرمرية الجملية التي تمثل الآلهة، وبعض هذه التماثيل لا يزال قائما في مكانه وبعضه هدمته الزلازل، والبعض الآخر نقل إلى متحف نابولي. . . وفي وسط هذا الفناء تقوم نافورة من المرمر، يتفجر منها الماء عذبا سلسالا. . . وحول جنبات هذا الفناء بنيت حجر الدار، وقد بلغت عناية القوم بأولادهم انهم أنشئوا لهم

стр. 4813

حجرا خاصة زينوا جدرانها بالصور الزيتية الفكاهية التي تلائم مزاج الأطفال. . . كما أن بومبي كانت لها معابد فخمة صدعتها الزلازل فأودت بمعظم عمدانها الكورنتية الأنيقة. . . وقد شيدها القوم زلفى للآلهة حتى يغمضوا أعينهم عما يقترفونه من كبار الآثام الخلقية بين جدران هذه المدينة المتهتكة. . . كذلك الآلهة المصرية ايزيس، التي ذاع صيتها في العالم القديم وعظم شأنها، لها معبد خاص في بومبي، وقد عبدها الرومان في صورة سيدة رومانية! وقد شاهدت تمثالها في متحف نابولي. . . وهناك حي للمتبذلات كن يقبلن من أهل المرح وعودهم بان يدفعوا شيئا. . . وشاهدت في إحدى الحجرات اسما منقوشا على الحائط يتعهد صاحبه بان يدفع الإتاوة في الزيارة المقبلة! وشوارع بومبي مرصوفة مرصعة بالحجر، وقد وضعوا في مفترقاتها أحجاراً بعلو الأرصفة، ليعبر عنها المارة من الشعب في الأيام الممطرة، أما المترفون فكانوا يسيرون في عربات محمولة على أكتاف عبيدهم. . . ولكن يلوح لي أن أهالي بومبي قد بالغوا في الاستهتار واقتراف الرذائل، حتى اغضبوا الآلهة عليهم برغم ما شيدوه لهم (رشوة) من معابد، فسلطوا على المدينة جارها الرهيب بركان فيزوف فزلزل أرجاءها، وأخذ يرميها بشواظ من النار السائلة والدخان الكبريتي الخانق، حتى تصدعت قصورها ودورها، وهلك معظم أهلها، وقد رأيت على عتبة إحدى تلك الدور أسرة قد أدركتها القارعة وهي على أهبة الفرار فتحجرت جثثها، وكانوا في فرارهم يحملون حليهم، ففنوا وبقيت هذه الحلي إلى اليوم معروضة في متحف نابولي، شاهدة على حرص الإنسان حتى وهو ملاق حتفه! أي بومبي! أيتها المدينة الساحرة كنت هوة الأخلاق وبؤرة الرذيلة، فضربتك الآلهة، فأصبحت اليوم مثلا خالدا على الدهر جزاء فجورك، وما انبث في كل شق من شقوقك من دعارة وفساد. . . أي بومبي! أيتها المدينة الفاتنة، لقد كان ما حل بك من عقاب عدلا، حتى لتجزع الطير من ان تحوم بين أسوارك رهبة وذعرا، على رغم مضى عشرين قرنا على نكبتك!

стр. 4814

أي بومبي! أيتها المدينة الخالدة! لا تجزعي على ما أصابك فالدنيا دول، فكم من مدن كانت اعظم منك شأنا، وارفع بنيانا اندثرت كان لم تكن، حتى أن بعضها تلاشى فلا يعرف الآن مكانه. . .! حسين شوقي

стр. 4815

أدب الزراعة للأستاذ محمد محمود جلال ما زلنا نحس حنينا إلى الأدب، ولو أقصتنا ظروف الحياة عن بيئاته ومجامعه، ويهفو بألبابنا شوق ملح إلى كتبه ورسائله برغم الفارق الظاهر، والحجاب الذي تكاد تسدله شواغل الحياة في الزراعة والمال والاقتصاد. فنتلمس في أجوائنا جهد الطاقة نسيمه المنعش، وهو للروح حاجة كحاجة الزرع للماء. والأدب في عرفي روح كل كيان، ولا ينقبض بفضله عن أي عمل أو مهنة، وإنما يتلون ويختلف باختلاف الأعمال والبيئات. وهو عنوان الحياة والذوق - فلا يعرض نفسه إلا لراغب الاجتلاء. وعندي انه شيء من التفهم، وحسن النظر يجده المرء ماثلا. ويجد غذاءه دافقا بغير من. وها هي ذي ﵀ تقرب البعيد، وتعوض من طرف ما يخال ضنا من طرف آخر. فتبسط لنا يده جل شأنه - فيما تبسط - من صحيفة الحقل قصائد عامرة الأبيات، شجية النغمات. وفي أمثال أخواتنا الفلاحين وإشاراتهم واستعاراتهم قطع من المنثور المليء بالمعاني الدقيقة القيمة، ولكن بالأسلوب الذي يتفق والنشأة، ويتسق مع البيئة. رافقت مرة أحد مفتشي الجمعية الزراعية متعهدا حقلا للقطن من الزراعة الخاصة، سائرين خلف ناظر الزراعة، نطوف باحثين كل منا بقدر علمه، وعنينا جميعا بالتحقق من خلو الحقل من الآفات. ثم من النبات الغريب، وتدرجنا إلى حالة الزرع ودرجة العناية به. ثم إلى البذرة وانتقائها، والناظر في كل ذلك فخور بنتائج اشرافه، ينتظر الحكم في ثقة وثبات. ظننا حين هنأناه بحسن عمله، أننا فرغنا وليس لنا إلا أن نعود أدراجنا!! وإذا بالناظر يغير السير، ويتجه إلى أقصى الجهة الشرقية في خطوات متئدة، وفي معان من التوسل للاقتداء به. ثم نظر نظرة هادئة إلى أسفل، أعقبها بإحدى أبعد مدى إلى الغرب، وقال يخاطب المفتش: (أرجو أن تنظر لترى النبات في خطوط لا تشكو عوجا؟ ثم انظر في أي ناحية، إلا تجد النبات في مستوى وأحد في الارتفاع؟ أليس هذا الحقل قصيدة إذن؟ أليست خطوط القطن مفصولا بينها (بالمساقي) المقاطعة لها - أبياتاً من الشعر من صدر وعجز؟

стр. 4816

ثم أليس في نغمة الناظر على سذاجتها شاعرية؟ أي والله! ولقد روحت عني هذه الملاحظة كثيرا من العناء، وسرى في جسمي ما يسري عندما اخرج من عملي مكدود الذهن، كليل الخاطر، فاقرأ قصيدة للمتنبي أو مقطوعة لشوقي بك رحمهما الله! على أني بين مشاغل المادة من مرور وفحص وإرشاد، وبين متعة الأدب الذي خبرت فذكرت، لم أزل بين القطن، ولم اعد الحقل وفيه ريان، وذكرت قول شوقي بك في (باريس): إن كنتِ للشهوات رياً فالعلى … شهواتهن مُروَيات فيك ولطالما عز القطن وعز معه زارعوه، فلم تكن تسمع بيننا إلا تنويها بذكره، وتدليلا لاسمه، ففاز من أدب الزراعة بأقشب الأثواب، وأجذب الأسماء والاشارات، فدعى (بذي العين البيضاء) وسمى (أبا الذهب). حتى إذا دهمت الأزمة، وحلت الكارثة، في سنة ١٩٣١ بتدهور اسعاره، لم يبخل عليه أدب الزراعة (بذي القلب الأسود) فإذا تساءلت دهشا أو أنكرت عدم الوفاء لمن سبقت على الفلاح نعمه!! قيل لك: أو ليس بذوره سوداء حقا؟ أو ليست تقع من (اللوزة) في الصميم؟. تقول هذا مجاج النحل تمدحه … وان ذممت فقل قيء الزنابير ألم ترى إلى حقل القطن في أواسط شهر أكتوبر، وقد كادت تجف سوقه وقد اشتد سواد لونها، ودنت قطوفها بيضاء تحلى عاطله وتلين من وحشة جفافه. أليست الأولى أشبه بالليل، جاءته الثانية نجوما ذات لألاء تخفف من قساوة ظلمائه، منتشرة بين أعاليه وأسافله وأواسطه هدى للساري. فإذا حان القطاف، وانتشر في الحقل الصغار يجمعون ثمار عمل طويل الأمد، عوضوا من شدة السوق وآذاها طراوة القطوف لينة طيعة في بياض ناصع خلال سواد قاتم. يمزج الوصل بالصدود وياما … أعذب الوصل من خلال الصدود! فإذا انتهى اليوم وقاربت الشمس المغيب، ففي آخر الحقل (الموازين القسط) منصوبة للعاملين، تحدد نتائج أعمالهم. وتحدد لكل ما يستحق من جزاء، ويؤجر الإنسان بقدر عمله. ولقد يمر الصبي وما جمع بأكثر من يد. فهذا ينظر إلى خلو الطقن من طين الأرض، وذاك

стр. 4817

يحقق خلوه من الرطوبة (عب الندى)، وآخر ينظر في النظافة عموما، كما يفعل جمهرة الأدباء وصفوة النقاد حين يطالعهم بديوانه شاعر، أو ينشر كتابه ناثر، فكل وذوقه، وكل وما يستسيغ من المعاني، فيرهفون أقلامهم بما يعن لكل منهم، وكل يؤدي أمانته. بل ان اليوم الواحد في موسم (الجني) ليمثل رواية كاملة للدنيا. فمن جد للسعي، إلى تشعب للعمل، إلى تنافس فيه، إلى اختلاف في النظر والمذاهب، إلى وضع لنظريات الحياة، فينما فريق يجمع بكلتا يديه ما تصلان إليه ايا كان نوعه، إلى فريق ينتقي ويدقق عن يقين بماله ونتائج سعيه، فالأولون يفرحون بالكم، والآخرون يدخرون النوع والدرجة شفيعا إذا نقصت الموازين. في نهاية اليوم ما يشبه تصفية الحياة، والنظر في صحيفتها، فمن مقل مجيد، إلى مكثر مسيء، إلى سابق بالخيرات. ثم ما هي إلا لحظات حتى لا ترى للازدحام أثراً، وينصرف كل بما افاد، ويتفرق الجمع إلى مختلف الجهات، وتمر أيام قليلة فتجعل من تلك البقاع التي تشبه المناجم الغنية، أحطاباً سمراء مهجورة، ثم تحيلها الأيام هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا. محمد محمود جلال

стр. 4818

الرسالة للأديب احمد علي المكي كان صدور (الرسالة) فتحا جديدا في الأدب العربي، وخطوة كبيرة في ميدان العلوم والفنون، وهي الآن في شكلها الحاضر تعد آية في غزارة موادها، وحسن طبعها، وأنيق رسمها، وسحر مقالاتها، وبديع منظرها، ومنظر غلافها الرائع. وإذا أنعمنا النظر إليها من حيث مركزها الأدبي في الوقت الحاضر، نجدها - مع قرب صدورها - قد أصبحت في طليعة المجلات العربية الأدبية، وكونت لنفسها مركزا ساميا، بين كثير من أخواتها التي مع قدمها لا تزال سائرة متطلعة إلى مثل هذه الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة. وصدورها في (مصر) العربية - التي لها الحق في ان تفتخر وتزهى على بقية الأقطار العربية بكثرة مجلاتها المتنوعة، ووفرة جرائدها المختلفة - لم يكن حاجزا دون انتشار صداها في عموم البلاد العربية وأبنائها، ولم يمنعهم وجود البون الشاسع، والحواجز الطبيعية الجغرافية، وتفرقهم في مختلف الأقطار، من أن يجعلوها (منبرا) عاما لنشر ثمار قرائحهم الوقادة، وعصارة أفكارهم الثاقبة، ونتائج تجاربهم الأدبية والعلمية، وآرائهم القيمة العالية، واقتباساتهم الطريفة الظريفة، من الثقافة العربية لملائمة للذوق العربي الشرقي. خذ أي عدد من أعدادها الثمينة فلن تجده إلا عنوانا للرابطة الأدبية العربية الوثيقة. فهذه المقالة لكاتب مصري بليغ، وتلك قصيدة منشأة أو مترجمة عن الإنجليزية أو الفرنسية لشاعر في سوريا أو العراق أو الموصل، من غير أن تتعصب لطائفة مخصوصة - شأن كثيرة من المجلات - أو تقديم كاتب وطني على غيره، أو التشدق بالنعرة الوطنية. هذه الظاهرة الجليلة التي امتازت بها هذه المجلة الغراء تحملنا على أن نسميها بحق: مجلة العالم الأدبي العربي - ولا تتجاوز سياج الحقيقة والواقع، إذا سميت بهذا الاسم أو اتخذته شعارا لها. وهذه الميزة الواضحة السامية، هي التي ألجأتني وحفزتني إلى كتابة هذه الأسطر، مع إظهار الأسف الزائد إذ لم تقع عيني وأنا أراجع الفهرس للسنة الأولى، وأتتبع إعداد السنة الثانية على اسم كاتب حجازي يكون قد اشترك مع إخوانه وزملائه المعاصرين في الأدب،

стр. 4819

على صفحات هذه الصحيفة الغراء، ليساهمهم في هذه النهضة العلمية الفكرية المباركة، وليتعرف إليهم، ويعرفهم بنفسه، وإلا يكون بعيدا عنهم، إذ هو اقرب الناس إلى هذه المجلة الراقية علاقة ورابطة، وأحوجهم إلى الاشتراك في مثل هذه الخدمات الأدبية الجليلة، وباشتراكنا معهم يمكننا أن نؤمل من مديرها المفضال الأستاذ الزيات، إذا أراد أن يشيد بذكر أبناء الرافدين والنهرين إلا ينسى (الحرمين) كذلك. مكة المكرمة أحمد علي

стр. 4820

مهمة الناقد بقلم نظمي خليل شغلت الصحف في الأيام الأخيرة ببعض الدواوين الشعرية وانبرى النقاد والكتاب لهذه الدواوين بالعرض والتحليل. وهذا أمر مألوف، فقد اصطلح الناس على أن يتناولوا كل اثر فني جديد يعرضون له تارة في شيء من التقدير والإعجاب، وتارة في شيء من التحقير والسخط، وحجة كل ناقد أو مستوعب لهذا العمل الفني انه يراه كذلك، وان ذوقه الأدبي يوحي له بهذا. ولست أريد اليوم أن اسلك هذا الطريق أو أتناول ديوانا من هذه الدواوين بالعرض أو النقد. ولكني أريد أن أتساءل في هدوء ما فائدة النقد وما مهمة الناقد؟ لا ارغب من طرح هذا السؤال أن أثير ضجة في ميدان النقد، أو أن أحط من شأن النقاد، ولكني أتساءل مخلصا ما الفائدة الحقيقة التي تعود على الفن من نقد النقاد وتحليلهم؟ لقد انحط فن النقد عندنا حتى صرنا نرى الناقد لا يعدو أحد رجلين: رجل يكيل المدح في كرم وسخاء، وآخر يرمي بالشتائم والهجاء اللاذع المؤلم في غير تحرج ولا استحياء، وليس هذا عمل الناقد الفنان، فما كان النقد في يوم من الأيام مدحا أو هجاء، ولن تكون مهمة الناقد في يوم من الأيام أن يقف من الأثر الفني موقف من يقول انه حسن أو انه قبيح، ولكن الناقد الفنان هو الذي يستوعب ويقف على هذا الخلق الفني سواء في الأدب أو النحت أو التصوير أو الموسيقى، ويقول لماذا هو حسن وأين موضع القبح فيه. ويجب عليه إلا يبني حكمه هذا على ذوقه الشخصي، فلو اعتمد النقد على الذوق فقط لنالته الفوضى وعمه الفساد. ولكن النقد لابد له من قواعد وأصول تقوم بجانب هذا التحكم الفردي فتخفف من غلوائه وتوقفه عند حده. ولست اذهب إلى ما ذهب إليه تين المؤرخ الفرنسي من أن زماناً معيناً ومكاناً معيناً وجواً معيناً تنتج أدباً خاصاً. فأنا لا أريد أن احشر النقد في زمرة العلوم، ولكني أرى انه لا يمكن أن يكون فنا خالصا يقوم على الذوق، أو علما محضا مرجعه القواعد والأصول. أعود بعد هذا الاستطراد إلى سؤالي السابق الذي طرحت، والذي شغلني كثيرا ولا سيما في هذه الأيام، إذ لا يكاد ينقضي يوم حتى اقرأ في صحيفة أو أكثر من صحيفة بحثوا

стр. 4821

مستفيضة تارة عن ديوان (وراء الغمام) وتارة عن ديوان (الملاح التائه) وهكذا، أتساءل في شيء كثير من الإخلاص ما الفائدة الحقيقية التي عادة على أصحاب هذه الدواوين، ولست اعني بأصحاب الدواوين أشخاصهم ولكني اعني ملكة الإنتاج وقوة الإبداع فيهم. هل استفاد هؤلاء الشعراء من تلك البحوث المستفيضة؟ هل زادت ثروتهم الفنية؟ هل نجد في آثارهم المستقبلة أثراً لهذه البحوث؟ ليس من شأني أن أتجعل الزمن فاحكم على آثار هذه البحوث ومواضيع النقد التي كتبت وتكتب حول هذه الدواوين. ولكني اعرض لكاتب من كبار كتابنا الذين ظهروا حديثا وهو الأستاذ (توفيق الحكيم) لم يكن هذا الكاتب معروفا لدى القراء قبل عام، ولكنه استطاع ان يتبوأ مكانة سامية بين كبار كتابنا في اقل من أسبوع، إذ ما كاد يذيع باكورة آثاره الفنية الرائعة (أهل الكهف) حتى ذاع صيته وعرف في كل مكان. وهنا ألقى السؤال (هل كانت شهرة الأستاذ توفيق الحكيم آتية من جانب النقاد الذين تناولوا روايته أو قصته التمثيلية في إعجاب وتقدير شديدين؟ أم من تلك المسرحية نفسها وما فيها من فن صاحبها وقدرته على تفهم أصول القصة والمحاورة؟.) أني لا أتردد في الإجابة على هذا السؤال معلنا رأيي في صراحة أن شهرة توفيق الحكيم استمدت غذاءها من روح فضل أساتذة النقد عليه، فقد شادوا بفضله، ووقفوا الناس على فنان كان أمره مجهولا من الكثيرين. ولكني أسال ما الذي عاد على فن الأستاذ الحكيم من هذا التهليل والتكبير. قد يكون أساتذة النقد أفادوا الأستاذ كمؤلف يريد أن يتعرف للجمهور ويتحدث عنه الناس ويقبلوا على شراء كتبه. وقد يكون أساتذة النقد أفادوا القراء بما استكشفوه في نتاج توفيق الحكيم من فن رائع وعبقرية كامنة. فأقبل القراء على مؤلفاته متزاحمين مدفوعين على قراءتها بما كتبه هؤلاء الأساتذة عنها. ربما كان في هذا الكلام الصواب كله أو بعضه، فكلنا يعرف أن القراء إنما يقرأون بالتأثير كما يتمغطس بعض المعادن من بعض. فإذا قرأ القارئ كتابا واعجب به أخذ يبدي هذا الإعجاب لمن حوله فيثير فيهم الرغبة القوية لقراءة هذا الكتاب. وهو لا يقنع بهذا ولا يهدأ حتى يقبل أصدقاؤه على هذا الكتاب، وق يكون الأمر على عكس ذلك، فقد يقرأ قارئ كتابا فيضيق به ويسخط على صاحبه ثم هو لا يبقى على هذا السخط في نفسه بل يخلق المناسبات لإعلانه في المجالس وفي الأندية

стр. 4822

والمجتمعات، ثم هو لا يرتاح ولا يستقر حتى يجد من يشاركه هذا السخط والضيق بالعاطفة والشعور سواء أكانت هذه العاطفة جميلة أو غير جميلة. وسواء كان هذا الشعور في جانب صاحب الكتاب أو عليه. وقد يكتب أحد أساتذة النقد مقالا يتناول فيه كتابا من الكتب بالبحث والتحليل فيستهوى هذا المقال لب قارئ من القراء - وقد يستهوى كثيرين - فيعلن هذا القارئ آراء هذا الناقد في ذلك الكتاب بين أصدقائه وإخوانه وتكون النتيجة أن يتزاحم هؤلاء الأصدقاء على قراءة هذا الكتاب مدفوعين بما سمعوا أو قرأوا عن هذا الكتاب. فيقرأونه وهم تحت تأثير هذا المقال. وأني أسوق إلى القارئ مثالاً على هذا. كنت منذ أربعة أعوام اكره الشاعر (تنيسون) وأضيق به كلما هممت أن اقرأ شيئا من شعره. كان هذا منذ أربعة أعوام لم اكن قرأت قبلها نقدا أو تحليلا لشعر هذا الشاعر. قضيت على ذلك عامين وأنا اكرهه، بل كنت اقرأ كل من يذكر اسمه أمامي أو يعجب به، حتى كان لي مع الأستاذ (سكيف) أستاذ الدراما وشكسبير بكلية الآداب نقاش شديد حول هذه الكراهية الغربية. فأخذ الأستاذ يبسط لي جمال شعر ذلك الشاعر، ثم كان ان قرأت كتابه الصغير وهو ثلاث محاضرات كتبها مستوعبا بعض قصائده مقدرا فنه. فأخذ رأيي يتغير وأقبلت على قراءة شعر ذلك الشاعر في حب وتقدير عظيمين. وأني اقف اليوم من الشاعر بروننج ما وقفته بالأمس من الشاعر تنيسون، ولست ادري أوفق إلى أستاذ كذلك الأستاذ أو إلى كتاب كذلك الكتاب يحبب إلى قراءة شعر هذا الشاعر، أو أني سأقبل عليه من نفسي أو أظل على انصرافي عنه بقية أيامي. أعود إلى سؤالي الأول (هل استفاد الأستاذ توفيق الحكيم شيئا من هذه الضجة الكبرى التي آثارها بمؤلفاته الثمينة. أني أرى أن الفائدة الفنية معدومة، ولكني مع ذلك لا أتجاهل فائدة النقاد للقراء وللمؤلف. للقراء كمرشد يأخذهم إلى مواطن الحسن الفني، وينبههم إلى مواضع الضعف ومواطن القبح، وللمؤلف كإعلان عن كتابه وكإشادة بفنه السامي. ليس في هذا الكلام تعسف ولا مغالاة. وإني أرجو كل من يرى أو يخيل إليه انه يرى أن في هذا إجحافاً بحقوق النقاد إلا يثور ويحنق، بل أرجو منه أن يهدأ ويخلو إلى نفسه يسائلها هل غير الأستاذ توفيق الحكيم شيئا في فنه نزولا على رأي أو تنفيذا لنقد، هل

стр. 4823

تفتحت طبيعته عن أشياء كانت أثراً للنقد أو نتيجة لنصائح النقاد. هل زادت ملكة الإنتاج وقويت عنده بعد نشر هذه البحوث وكتابة هذه المقالات. كلا. أرجو كل من يرى في هذا تطاولاً على النقد والنقاد إلا يحنق ويسخط بل يهدأ ويخلوا إلى نفسه يسائلها ما الفائدة التي عادت على فن شكسبير من مئات الكتب التي كتبت عنه. لقد كتب عن شكسبير ما لم يكتب عن أي إنسان آخر. وانك لترى اختلافاً كبيراً فيما كتب عنه. فمن النقاد من تناول حياة شكسبير الأولى ومنهم من تحدث عن شكسبير شاعر الإنسانية، وشكسبير الممثل، وشكسبير المؤلف المسرحي، وشكسبير المصور المبدع، وشكسبير الفنان وهكذا. هناك مئات الكتب عن شكسبير وهناك عشرات الكتب كتبت في غرض واحد مثل شكسبير (المؤلف المسرحي) ولكنك لن تجد رأيين يتفقان، ولن تعثر على كاتبين قد سلكا مسلكا وأحدا في بحثهما، ثم أرجو أن تسأل نفسك هذا السؤال: (ما بال أولئك النقاد يصلون لياليهم بأنهارهم صامدين للبحث صابرين على الشدائد في هذه البحوث الطويلة المستفيضة؟ ستقول انهم يريدون أن يحلوا الغاز شكسبير ويشرحوه حتى يعرف الناس من هو شكسبير. ستقول انهم يريدون أن يحللوا مسرحيات شكسبير ويطبقوها على الحياة الواقعية التي نحياها كل يوم. يريدون أن يبرزوا مواهب شكسبير الفنية ودقة فهمه للطبيعة الإنسانية وما فيها من شتى العواطف والأهواء من حب وبغض وحقد وغيرة وحيرة ويأس وأمل وخيبة وخيانة وغدر. انهم يريدون أن يكشفوا عن اثر الطبيعة في فن شكسبير واثر الحياة الطبيعة في شعره. انهم يريدون هذا وغير هذا، ولكن هل وفقوا إلى شيء من هذا الجواب. لا. لم يوفقوا إلى إزاحة الستار عن سر تلك العبقرية الشاذة وعن ذلك الفن الخالد. لقد كتب كثيرون عن مآسي كتب برادلي كتابه (المأساة عند شكسبير) وهو احسن ما كتب في هذا النوع: حلل في أبطال مآسيه الكبرى عطيل وهاملت والملك لير وماكبث. وكتب كثيرون غير برادلي عن فن شكسبير الدرامي أو التمثيلي. ولكن هل استطاع كاتب من مئات الكتاب ان يكشف الستار عن سر هذه العبقرية وجلالها؟ هل افلح كاتب من مئات الكتاب أن يقدم لنا صورة واضحة لنفسية هاملت الحائر وطبيعته العميقة وفلسفته الغامضة؟ هل استطاع كاتب أن

стр. 4824

يحدد لنا غرض شكسبير من مأساته الخالدة (الملك لير) وهل استطاع علم وظائف الأعضاء وعلم النفس الحديث أن يفسرا ظواهر الجنون في الملك لير وهاملت، وغرائز الغدر والخيانة في (ياجو)، والشعور بالغيرة في عطيل، ومطامع الإنسان في ماكبث؟ بل هل استطاع كاتب أو وصاف بارع أن يصف لنا شكسبير شاعر الطبيعة الفذ في كوميدياته: (كما تحبها). (وحلم ليلة في منتصف الصيف)، (والعاصفة) لا. لا. لقد اجهد مئات الكتاب أفكارهم في شرح رجل وأحد وفي تفهم نفسية فرد فلم يفلحوا. بل تشعبت بهم البحوث وتباعدت آراؤهم وتضاربت. فعلام كان كل هذا الإجهاد والنصب؟ وعلام كان كل الاهتمام؟ لم يأت هذا الإجهاد بثمرة، ولم تكن لاهتمامهم نتيجة، فقد فشلوا جميعا وعجزوا عن تفهم روح الشاعر نفسه، عجزوا عن أدراك سر عبقريته. فيا ليت شكسبير الذي أبدع كل هذا المسرحيات وجاء بهذه المعجزات الفنية في الشعر أراح أولئك النقاد وأراحنا نحن القراء، فكتب موجزا صغيرا لمآسيه وكوميدياته يشرح فيه فكرته وأغراضه، ولكن شكسبير معجزة الدهر قد أبى أن يقف الناس على أسرار فنه، ومن يدري؟ ربما لم يعرف هو نفسه من أمر فنه شيئا فمات وبقى لغزا لن يحل. فإذا القينا نفس السؤال (هل استفاد فن شكسبير من هؤلاء النقاد الذين يعدون بالمئات؟ كان الجواب بالنفي طبعاً، لأن شكسبير لم يعض حتى يرى هؤلاء النقاد، واغلب الظن انه لم يعن بأمر هؤلاء النقاد ولم يأبه بمعاصريه الذين تناولوا مؤلفاته بالنقد سواء المعجبون المشجعون أو الناقمون الحاقدون. فان شكسبير لم يكتب ليعجب النقاد أو يسخطهم، بل اغلب الظن انه لم يفكر في إغضابهم أو إعجابهم، وهذا شأن الفنان الحر الطليق لا يفكر إلا في نفسه وفي نفه ولا يأبه إلا لرأيه ولا يخلص إلا لفنه. ولكني مع ذلك لا أنكر إن هذه المئات من الكتب التي كتبت عن شكسبير قد أعانت وستعين كل دارس لشكسبير؛ ستعينه بقدر ما وصل إليه هذا الكاتب من تفهم لروح شكسبير ووقوف على أسرار عظمته الفنية. أقول أعانت القارئ وستعينه، ولكنها لن تقفه على مواطن الإعجاز في شكسبير الأصيل، فلن يعرف قارئ هذه الكتب موطن الإعجاب بهاملت والغرض الأساسي الذي كتبت من اجله، وسيظل البطل هاملت حيرة الألباب والعقول ما

стр. 4825

بقى في العالم إنسان مفكر. فإذا كان هذا أمر النقاد والشراح من الفنانين العظام، ففيم إذن تنحصر مهتمهم؟ هل لهم رسالة يؤدونها كالكتاب؟ في رأيي أن الناقد عالة على الكاتب، أرى أن الناقد شخصية ثانوية تعيش على غيرها؛ فلولا الكاتب لما وجد الناقد، ولولا الخلق والابتكار والإنتاج لما وجد النقد ولما سمعنا صياح النقاد الذي يصم الآذان. فلولا شخص وأحد كشكسبير لما وجد مئات النقاد الذين وان كانوا قد أرشدونا إلى بعض مواطن الحسن والإعجاز في فن شكسبير، إلا أني أرى أن هذه المهمة وإن كانت عظيمة الفائدة في ذاتها، اقل من أن تكون مهمة مئات من الرجل قد استمدوا حياتهم الفنية ووجودهم الأدبي من عبقرية فرد وأحد هو شكسبير. نظمي خليل بكالوريوس آداب

стр. 4826

جواب عن سؤال الإلياذة والأوذيسة . . . أشرتم في كتابكم (تاريخ الأدب العربي) إشارة موجزة إلى ديواني الإلياذة والاوذيسة. فهل تتفضلون وانتم. . . بكلمة في الرسالة عن موضوعي هذين الديوانين. . . (سنغافورة) م. ع. خ الإلياذة والاوذيسة منظومتان يونانيتان نسبتا إلى هوميروس، واستفاضتا في الشعوب والأجيال تحملان اثر العبقرية الإغريقية، وترددان صدى الحرب الطروادية، وتمدان الآداب العالمية بالغذاء والقوة. موضوع الإلياذة غضب اخيل، وهو حادث بسيط من حوادث حرب طروادة وقع في السنة العاشرة من حصارها، واستغرق وأحدا وخمسين يوما، تبتدئ بشجار اخيل وأغاممنون وتنتهي بقتل هكطور. وتنقسم هذه الملحمة إلى أربعة وعشرين نشيدا تمثلت فيها صور الحياة اليونانية بأساطيرها وعاداتها وآدابها جلية رائعة مؤثرة. وأهم أبطالها من الإغريق أغاممنون ملك أرجوس ومسينا وأمير الجيش، ومينيلاس أخو اغاممنون وملك اسبارطة، واخيل ملك الفذيوتيد، وبتروكل صديق اخيل، ونسطور ملك بيلوس، وأوليس ملك اتيكا؛ ومن الطرواديين هكطور وفاريس ابنا فريام ملك طروادة، واينوس حمو فريام الخ. وللآلهة في الإلياذة شأن خطير واثر كبير: فزحل ومنيرقفا مع الإغريق، وابولون والمريخ مع الطراوديين. فهم يدبرون القتال، ويحمون الأبطال، ويتقارعون فيما بينهم انتصارا لطائفة على أخرى. وملخصها أن أبولون سلط الوباء على معسكر الإغريق، فاعمل فيهم منجله انتقاما منهم على سبيهم بنت كاهنة كريريس. ثم جل الخطب بوقوع الخلاف بين اغاممنون واخيل من اجل سبيه نفسها الأول على الثاني فاستأثر بها دونه من غير حق. ولما عجز اخيل الباسل عن الأخذ لنفسه من امير الجيش اعتزال الحرب وهو يكاد ينشق من الغيظ والحنق، فرجحت كفة الطرواديين باعتزاله، وحالفهم النصر منذ استراحوا من قتاله. ودارت الدائرة على الإغريق فجرح ديوميد وأوليس، وأخذ هكطور يحرق أسطولهم وأحدق بهم الخطر من كل جانب. فلما رأى ذلك بتروكل استعار سلاح اخيل وصمد إلى العدو فأجلاه عن موقفه. إلا أن أبولون أسعف الطرواديين فتصدى للبطل فاسقط خوذته ونزع درعه، حتى امكن هكطور ان يضربه

стр. 4827

الضربة القاضية. وجاء نعى بتروكل إلى صديقه اخيل فسارع إلى الخنادق، وما كادت العيون تأخذه حتى وقع الرعب في قلوب الطرواديين، وسرت الحمية في نفوس الإغريق. فاستخلصوا جثة بتروكل، وشق على اخيل أن يطل دم صديقه، فصالح الزعماء وأزمع قيادة الجيش. وأرسل أمه إلى فلكان اله النار تأتيه منه بسلاح ولامة. فلما تسربل بالحديد خاص المعركة فأوقع بالطرواديين وقذف بهم في نهر الاجزنت، والتقى بهكطور فحمل عليه وقتله، ثم شده إلى مركبته وطاف به مسحوبا على وجهه حول جدران طروادة على مشهد من أسرته الضارعة الحزينة. ثم احتفل بعد ذلك بجنازة بتروكل؛ واوحى اله من الآلهة إلى فريام أبي هكطور ان يذهب إلى اخيل يسأله جثة ولده؟ فذهب الشيخ يسترحم البطل المنتصر، ويتوسل إليه بذكرى أبيه حتى رق له ورد إليه أشلاء القتيل. أما موضوع الاوذيسة فهو مخاطر أو ليس بعد سقوط طروادة ورجوعه إلى اتيكا بعد أن عوقته عن هذه الأوبة أقدار الإلهة المعادين عشر سنين. وتنقسم هذه الملحمة إلى أربعة وعشرين نشيدا أيضاً، وقعت حوادثها في خلال أربعين يوما، وهي دون الإلياذة في الأسلوب والقوة والجاذبية، حتى كان هذا الاختلاف الشديد دليلا من أدلة الأستاذين الناقدين فيكو الإيطالي، وولف الفرنسي، على أن هاتين الملحمتين ليستا من صنع مؤلف وأحد. وملخصها أن أوليس لدى عودته من حصار طروادة حل عليه غضب نبتون اله البحر فأضله بين جزره وسواحله؛ وطال نزوحه عن وطنه حتى ندبه أهله وبكاه قومه، وحتى جرؤ الطغاة من الأمراء على أن يستبيحوا ذماره ويهلكوا ماله، ويكرهوا بنيلوب زوجه، على أن تختار أحدهم لها بعلا. وغضب تليماك ابن أوليس على حداثة سنه لانتهاك حرمته، وإنتهاب ثروته، وابتذال فنائه؛ فخرج في البحث عن أبيه عند رفاقه من أبطال طروادة، ائتماراً بمشورة الآلهة منيرفا. فذهب إلى نسطور في بيلوس، والى منيلاس في اسبارطة، فقص كل منهما عليه ما كابداه في أوبتهما من الأهوال، ونعيا إليه بتروكل واخيل واغاممنون واجاكس؛ اما أوليس فانهما لا يعلمان شيئا عن مصيره. وكان أوليس في ذلك الحين أسيراً في جزيرة (اوجيجي) عند الحورية جاليبسو، فظفر بالنجاة على ظهر طوف، ولكن عاصفة هوجاء هبت عليه فقذفت به في ساحل جزيرة (الفياسين) على حالة بين الحياة والموت؛ فاقتاده أهلها إلى ملكهم السينوس، فقص عليه

стр. 4828

أوليس ما عاناه من الشدائد منذ غادر طروادة، فاعجب الملك بشهامته وفصاحته، واعد له سفينة أقلته إلى اتيكا، فلما وطئت قدمه أرضه تنكر في زي سائل، ونزل عند الشيخ (اوميه) حارس قطعانه؛ واتفق أن رجع تليماك إلى وطنه في ذلك الحين فلقى أباه وعرفه، وأخذ يديران الحيلة معا لهلاك أولئك الأمراء المعتدين بمعونة الخدم المخلصين. وكانت بنيلوب طوال هذه السنين قد نجحت في مماطلة هؤلاء الخطاب الملحفين بان علقت قبولها الخطبة على فراغها من الثوب الذي كانت تنسجه، وهيهات أن تفرغ منه، لأنها كانت تظل النهار كله تنسج فيه، حتى إذا جاء الليل نقضت ما نسجته. فلما طال الزمن وانقطع الرجاء من أوبة الغريب، وكلت الحيلة، وأهلك الخطابة الزرع والضرع، أوشكت ان تذعن لولا أن دخل أوليس متنكرا إلى قصره وفتك بأعدائه، وتعرف إلى زوجه الوفية بنيلوب، وجده الشيخ لابرت، وأخذ يجمع أهبته لمقاومة أهل المقتولين، إلا أن منيرفا حلت في شخص منطور صديق أوليس ومشير تليماك، فضمنت بحكمتها لمملكة اتيكا السلام الدائم والرخاء العميم. (الزيات)

стр. 4829

١١ - أعيان القرن الرابع عشر للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور الشيخ علي الليثي سيد الندماء ولد سنة ١٢٣٦، كما تحققه من بعض أفراد أسرته، كان في ابتداء أمره مقيما بمسجد الأمام الليث، وكان ينزل إلى الأزهر لطلب العلم، ويعود للمبيت هناك، وكان كريما على فقره. ثم ورد على مصر الشيخ السنوسي الكبير قاصدا الحج، فاتصل به، وأخذ عنه الطريق وحج معه، ولما عاد إلى مصر لم يفارقه. بل سافر معه إلى جغبوب، وأقام هناك مدة لم يفتأ فيها يطلب العلم ويستفيد. ثم فارقه وعاد لمصر، واتصل بأم عباس باشا الوالي فجعلته شيخا على مجلس دلائل الخيرات عندها. ثم اتصل أيضاً بالأمير احمد باشا رفعت بن إبراهيم باشا الكبير. فاعتقد فيه، واطلعه على خزانة كتب عنده، فاطلع على ما فيها واستفاد منها. وبسبب سفره إلى جهة المغرب اتهموه بمعرفة الزايرجة والاوفاق، فلما تولى سعيد باشا على مصر، أمر ضابط مصر عبده باشا بجمع من يأكلون أموال الناس بالباطل بهذه الخزعبلات، ونفيهم إلى السودان، فسيق المترجم معهم لما علق به من هذه التهمة، فبقى في السودان إلى أن عفى عنه وعاد لمصر. ولما تولى إسماعيل باشا على مصر، تلالا نجم المترجم، وبدا سعده، فاتصل به، وقربه هو والشيخ عليا أبا النصر، وجعلهما نديمين له كنديمي جذيمة، وصار لا يصبر عنهما في مجالس انسه، فكانا إذا حضرا تلك المجالس أزاحًا الكلفة وتبسطا معه في القول والتندير، فكانت لهما في ذلك من النوادر ما يملأ الأسفار. وقد بلغ من شغفه بهما ان خصص لهما قاعة بديوانه يجلسان بها كأنهما من المستخدمين فيه. وحدث مرة أن أمر بكتابة ألواح على باب كل قاعة في الديوان، ليعرف من بها، كقلم التشريفات، وقلم التحريرات ونحوها، وسألهما العالم عم يكتبه على قاعتهما، فقال المترجم اكتب عليها: إنما نطعمكم لوجه الله. وبسبب تقرب المترجم من الخديوي قصده الناس في الشفاعات عند الكبراء، ونفع الله به خلقا كثيرا، جزاه الله عز مسعاه خير جزاء.

стр. 4830

ثم لما عزل الخديو، وتولى ولده محمد توفيق باشا، شغف أيضاً بالمترجم واحله محله من القبول. حتى كانت الفتنة العرابية وسفر الخديوي إلى الإسكندرية، فانضم المترجم إلى العرابيين اضطرارا أو اختيارا، فلما عاد بعد الفتنة لم يؤاخذه، وصفح عنه، وقابله المترجم بقصيدة مطلعها. كل حالٍ لضده يتحوّل … فالزم الصبر إذ عليه المعوّل تبرأ فيها من الفتنة، وأبان عذره في الانضمام إلى العرابيين، فإنه كان إذا سافر إليه كل أسبوعين، ركب من هنا سفينة بحلوان، فانه كان إذا سافر إليه كل أسبوعين، ركب من هنا سفينة بخارية وذهب بها إلى ضيعة المترجم التي بشرق اطفيح، فيقيم عنده يوما ويتغدى فيها، وهو شيء لا يفعله مع غيره. ولهذا السبب اعتنى المترجم بتلك الضيعة، فغرس فيها البساتين والكروم، وبنى قصرا صغيرا لنزول الخديو، وحرمه وحاشيته، ولم يزل هذا شأنه معه حتى مات الخديوي، فلم يكن له حظ مع ولده عباس باشا، كما كان مع أبيه وجده، فجعل أكثر إقامته بتلك الضيعة، يشتغل باستغلالها ومطالعة كتبه، فإذا حضر لمصر نزل بداره التي بجهة باب اللوق، فيقيم بها أياما. ثم يعود، ولم يزل كذلك حتى اعتلت صحته وطال مرضه اشهرا، حتى توفاه الله إلى رحمته في يوم السبت ١٠ شعبان سنة ١٣١٣ عن سن عالية، وقد شبع من الأيام وشبعت منه، ونال من العز والجاه إلى مماته ما لم ينله غيره. وكان رحمه اله أية في حسن المجالسة، محببا إلى القلوب، أديبا شاعرا، حاضر الجواب، فكه الحديث، إذا عرفه إنسان تعلق به، وكره مفارقته، مع انه كان دميم الصورة، اطلس، ليس في وجهه إلا شارب خفيف، وشعرات على ذقنه. ولما حضر لمصر السلطان برغش ملك زنجبار، فلازمه مدة مقامه بالقاهرة، واعجب السلطان به إعجابا شديدا. ثم لما عاد لبلاده. صار يتعهده بالرسائل والهدايا من العنبر ونحوه كل سنة، فيهدي هو بها أخصاءه وأصحابه وكذلك ما كان ينتج ببساتينه من غرائب الفاكهة، وأصناف الأعناب النادرة، كان موقوفا جميعه على الهدايا لا يبيع منه شيئاً. واقتنى خزانة كتب نفسية اجتمعت لها بالإهداء والشراء، والاستنساخ وغالي فيها، وبذل الأثمان العالية، فجلبت له من الأفاق وعرفه نجار الكتب والوراقون فحصوه بكل نفيس منها. ثم لما مات اقتسمها ورثته، وبقيت إلى الآن

стр. 4831

محبوسة تحت أيديهم لا ينتفع بها. وكان أدباء مصر وفضلاؤها يقصدونه في تلك الضيعة، فينزلهم على الرحب والسعة، ويقيمون عنده الأيام والأشهر، وهو مقبل عليهم بكرم خلقه ولطائفه، ومحاضراته المستحسنة، وقد يقيم الإنسان عنده شهرا أو أكثر، وهو يؤنسه كل يوم بحديث جديد لا يعيده. وبالجملة فقل أن يوجد مثله، أو يجتمع لإنسان ما اجتمع له، مع الورع والتقوى خصوصا في أواخر أيامه ﵀ رحمة واسعة

стр. 4832

الشيخ محمد شهاب الدين المصريّ الشاعر شريف النسب اشتغل أولا بالقبانة، ثم دخل المحكمة الشرعية تلميذا للتعلم، ومال للأديب، ونظم الشعر، وداخل الأعيان حتى اتصل بعباس باشا والي مصر، وتقرب إليه ومدحه بالقصائد فاحبه وقربه حتى صار كبير جلسائه وندمائه، وجعل له في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين والثلاث إذا كلبه للمجالسة والمنادمة، وأفاض عليه من نعمه، وقبل شفاعته حتى صار له بذلك جاه طويل عريض، وله معه نوادر غريبة، منها ان المترجم كان جالسا في حجرته مرة في أحد القصور، ومعه بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول إليه، فقال في عرض كلامه، يقولون إن البغلة لا تحمل، أفلا يكون ذلك بسبب رطوبات أو ما أشبهما تعيق حملها؟ أفلا يكون ذلك بسبب رطوبات أو ما أشبهها تعيق حملها؟ وعند افندينا أطباء كثيرون، فلو انه اطال الله بقاءه أمر بعضهم بالبحث في سبب هذه العلة وأزالتها، فلست اشك في أنها تحمل بعد ذلك. وأسرع بعض العيون، فبلغ عباسا باشا كلامه، فجاءه بعد هنيهة أحد رجال القصر يقول له: يا أستاذ يقول لك أفندينا أننا سنأمر الأطباء بما اشرت، ولكن إذا لم تحمل البغلة ماذا يكون؟ فبهت القوم لنقل المجلس بهذه السرعة إلا المترجم، فانه وقف قال: بلغ أفندينا ان عبده شهابا له كذبتان كل سنة أيام البذنجان، هذه إحداهما. وكان ﵀ رقيق المزاج، أنيس المحضر، لا يمل جليسه من نوادره، وتلعق بعلم الموسيقى فبرع فيه، وأخذه عنه كثيرون وجمع فيه كتابا سماه سفينة الملك. وله ديوان شعر طبع بمصر، وكانت وفاته سنة ١٢٧٤. الشيخ محمد أبو الفتح الحنفي مفتي الإسكندرية ولد في أوائل القرن الثالث عشر، وطلب العلم بالأزهر على الشيخ الصاوي وغيره من شيوخ الوقت، ثم انتقل لرشيد وتزوج بها بنت السيد عباسي من مشهوري رشيد. وكان ملازماً للشيخ محمد البنا الكبير، فلما انتقل الشيخ إلى إسكندرية انتقل المترجم معه وبقى

стр. 4833

بها وانتخب أميناً لفتواها، وكان مفتيها إذا ذاك الشيخ الدويري، ثم لما مات الدويري تولى البناء الإفتاء فنقل المترجم لمنصب آخر، ولما مات البناء تولى هو إفتاء الثغر وبقى به إلى ان مات. وكان له شغف زائد بجمع الكتب واقتناء نفاسئها، حتى اجتمعت له خزانة نفيسة بيعت بعد موته بثمن بخس. وكان رأى بناته وزوجته إبقاءها فلم يرض ولده، فذهبت وتفرقت بعد ما عانى أبوه ما عانى في شرائها واستنساخها. وكان له ولع أيضاً بجمع الساعات فجمع منها نوادر وطرفا بيعت بعد موته أيضاً، ولم يترك شيئا من الحطام سوى دار بإسكندرية كان يسكنها في أواخر أيامه وكانت وفاته يوم الاثنين سادس شهر صفر سنة ١٢٩٤ ودفن يوم الثلاثاء، ورثاه الشيخ عبد الرحمن الأبياري قاضي إسكندرية بقصيدة مطلعها: أهذي سيوف الدهر جرّدها الدهر … أما السنة الشهباء جفّ بها الزهر ومن مؤلفاته كتاب تبويب الأشباه والنظائر لأن نجيم، وشرع في كتاب آخر في الفقه لم يكمله، وكانت له يد طولي في علم الميقات، وهو جد صاحبنا العالم الفاضل الشيخ حسن منصور لامه. احمد تيمور

стр. 4834

في الأدب العربي أبو العتاهية بقلم عبد الحليم عباس لا اعرف. ما هو هذا الشيء الذي يجذبني إلى قراءة هذا الشاعر، ومعاودة هذا القراءة الفينة بعد الفينة. فليست جودة شعره هي كل شيء، فهناك من يفوقه طلاوة لفظ، وصحة أداءه، وسمواً في الشاعرية. لا لأنه يعيد لنا صورة حقبة رائعة للمجد العربي، والحضارة العربية، التي نما في أحضانها وتقلب في أعطافها، والتي تغذي فينا هذه العزة القومية، التي نشعر أنها مثلومة، كلما رأينا الوطن نهباً مقسما مهيض الجناح. . . هناك غيره من الشعراء، يمثلون أروع الحقب، وأزهى الأزمنة للفتح الإسلامية ثم نحن لا نستطيب احاديثهم، ولا نستملح سيرهم بهذا المقدار. . . ولعل السبب يعود إلى هذه العواطف والفكر، التي يبعثا فيك هذا الشاعر، والى هذا التركيب النفساني، الذي يبعث فيك صدى متضارب النغمات، ومزيجاً من العواطف فيها السخرية المشوبة بالعطف، وفيها الضحكة العالية، تنطلق لتقطعها عواطف الرثاء والرحمة. . . وليس هذا بالقليل، وآية متعة أسر للنفس، واخصب للفكر، من أن تفخر وترثى وتتفكه وتعبث. ثم تستعبر لتعود فتضحك ملء أشداقك. إنها الحياة مصغرة في سيرة شاعر ما أحراها منا بدراسة مستفيضة. نسب أبي العتاهية وعصره قوام النقد في العصر الحديث النقد الحديث يقول أن العبقري ثمرة عصره، غذتها هذه الأصلاب، وهذه البطون تتلقفها، وهي تنسل من الاجيال، وتتمشى ببطء إلى زمنها المقدور وميقاتها المحثم، فللبحث في خصائص العباقرة، يجب أن تتناول قبل كل شيء البحث في أزمانهم، وتحليل هذه العوامل التي تتضافر على خلقهم. ثم مقياس إبداعهم الفني، وما يتركون من آثار، بمقاييس الجمال والفن المتواضع عليها في أزمانهم. . .

стр. 4835

ولا مشاحة في أن هذه النظرية ارتفعت بالنقد إلى حيث أصبح مأمون الجانب من عبث الأهواء، وتقلب الميول، وألقت ضياء على هذه الدياجير التي كانت تعتور الباحث، وتتكاءد المنقب؛ بيد إنها من وجهة ثانية جادت على العبقري، ولم تحسب لهذا السر يودع في نفسه حسابا في أبحاثها، فليس الزمن، وليست قوانين الوراثة، هي كل شيء في إيجاد العبقري وتكوين رسالته. وإنما هو سر غامض مستعص حله كغيره من هذه الأسرار التي تحيط بهذا العالم الأكبر والأصغر، والتي يحاول العقل جهده إماطة اللثام عنها، ثم لا يجد غنيمة بعد الكد إلا سلامة القفول. . . وإلا فأي شيء هذا الذي يخلق الاثنين من صلب وأحد، وفي زمن بعينه، ثم تتسامى نفس أحدهما وتفتح أفكاره، فإذا هو يغذي الإنسانية بزاد المعرفة، ويتسامى بها، ويزيد في ذخيرة الخلود. وأما الثاني فيعيش خاملا مغمورا ويندس في سواد الناس. . . فقمين بنا أن نحسب لهذا حسابا في أبحاثنا. . . ثم نحسب لهذا المزاج والتركيب النفسي في الشاعر، وهو اثر من آثار هذه الهبة ألقته القوة المجهولة، في نفس الفنان وركبت أعصابه على مثال خاص، ليتلو رسالته ويهتف بلحنه على نغمة مرقومة ونحو خاص: حسابا عله لا يقل أهمية عن عوامل الزمن وقوانين الوراثة. . . وما أحرانا ونحن نبحث بحثا مقتضبا عن الشاعر - أبي العتاهية - أن نغفل - ولو إلى حين - عوامل العصر والوراثة لنتكلم عن مزاجه، وحسبنا أن نعلم عن العصر والأصل. . . أن أبا العتاهية تحدر من أصل وضيع، ومن الموثوق انه اشتغل ببيع الفخار، ورافق المخنثين. أما الزمن فيكفينا أن نعلم انه من هذه الأزمان التي كان تنكر كل فضيلة، والتي يطلق عليها كلمة المتشائمة والتي كانت لاشك، والإغراق في المجون اظهر مميزاتها. مزاج أبي العتاهية وأول ما يطالعك من مزاج أبي العتاهية هذا التناقص، وهذا الاضطراب، فيما يأخذ ويدع، وفيما ينهج من سبل. فلقد تجاذبت نفسه طرفي النقيض، وكان يرى الدنيا ويلابس الوجود على هدى نزعتين بينهما من الاختلاف ما بين النقيض ونقيضه. . . فهو آونة مندفع بتيار اللذة مستغرق بهذا المجون، الذي وصل بعصره حد الشناعة، وطورا تتقمصه أرواح الزهاد، فيلبس المسوح ويهجر اللذائذ، وتتملكه تملكا عنيفا فكرة الخوف من الموت. فإذا هذه الدنيا باطل، وإذا هو
следующие страницы →