Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
محبوسة تحت أيديهم لا ينتفع بها.
وكان أدباء مصر وفضلاؤها يقصدونه في تلك الضيعة، فينزلهم على الرحب والسعة، ويقيمون عنده الأيام والأشهر، وهو مقبل عليهم بكرم خلقه ولطائفه، ومحاضراته المستحسنة، وقد يقيم الإنسان عنده شهرا أو أكثر، وهو يؤنسه كل يوم بحديث جديد لا يعيده. وبالجملة فقل أن يوجد مثله، أو يجتمع لإنسان ما اجتمع له، مع الورع والتقوى خصوصا في أواخر أيامه ﵀ رحمة واسعة
стр. 4832
الشيخ محمد شهاب الدين
المصريّ الشاعر
شريف النسب اشتغل أولا بالقبانة، ثم دخل المحكمة الشرعية تلميذا للتعلم، ومال للأديب، ونظم الشعر، وداخل الأعيان حتى اتصل بعباس باشا والي مصر، وتقرب إليه ومدحه بالقصائد فاحبه وقربه حتى صار كبير جلسائه وندمائه، وجعل له في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين والثلاث إذا كلبه للمجالسة والمنادمة، وأفاض عليه من نعمه، وقبل شفاعته حتى صار له بذلك جاه طويل عريض، وله معه نوادر غريبة، منها ان المترجم كان جالسا في حجرته مرة في أحد القصور، ومعه بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول إليه، فقال في عرض كلامه، يقولون إن البغلة لا تحمل، أفلا يكون ذلك بسبب رطوبات أو ما أشبهما تعيق حملها؟ أفلا يكون ذلك بسبب رطوبات أو ما أشبهها تعيق حملها؟ وعند افندينا أطباء كثيرون، فلو انه اطال الله بقاءه أمر بعضهم بالبحث في سبب هذه العلة وأزالتها، فلست اشك في أنها تحمل بعد ذلك. وأسرع بعض العيون، فبلغ عباسا باشا كلامه، فجاءه بعد هنيهة أحد رجال القصر يقول له: يا أستاذ يقول لك أفندينا أننا سنأمر الأطباء بما اشرت، ولكن إذا لم تحمل البغلة ماذا يكون؟ فبهت القوم لنقل المجلس بهذه السرعة إلا المترجم، فانه وقف قال: بلغ أفندينا ان عبده شهابا له كذبتان كل سنة أيام البذنجان، هذه إحداهما.
وكان ﵀ رقيق المزاج، أنيس المحضر، لا يمل جليسه من نوادره، وتلعق بعلم الموسيقى فبرع فيه، وأخذه عنه كثيرون وجمع فيه كتابا سماه سفينة الملك. وله ديوان شعر طبع بمصر، وكانت وفاته سنة ١٢٧٤.
الشيخ محمد أبو الفتح الحنفي
مفتي الإسكندرية
ولد في أوائل القرن الثالث عشر، وطلب العلم بالأزهر على الشيخ الصاوي وغيره من شيوخ الوقت، ثم انتقل لرشيد وتزوج بها بنت السيد عباسي من مشهوري رشيد. وكان ملازماً للشيخ محمد البنا الكبير، فلما انتقل الشيخ إلى إسكندرية انتقل المترجم معه وبقى
стр. 4833
بها وانتخب أميناً لفتواها، وكان مفتيها إذا ذاك الشيخ الدويري، ثم لما مات الدويري تولى البناء الإفتاء فنقل المترجم لمنصب آخر، ولما مات البناء تولى هو إفتاء الثغر وبقى به إلى ان مات. وكان له شغف زائد بجمع الكتب واقتناء نفاسئها، حتى اجتمعت له خزانة نفيسة بيعت بعد موته بثمن بخس. وكان رأى بناته وزوجته إبقاءها فلم يرض ولده، فذهبت وتفرقت بعد ما عانى أبوه ما عانى في شرائها واستنساخها. وكان له ولع أيضاً بجمع الساعات فجمع منها نوادر وطرفا بيعت بعد موته أيضاً، ولم يترك شيئا من الحطام سوى دار بإسكندرية كان يسكنها في أواخر أيامه وكانت وفاته يوم الاثنين سادس شهر صفر سنة ١٢٩٤ ودفن يوم الثلاثاء، ورثاه الشيخ عبد الرحمن الأبياري قاضي إسكندرية بقصيدة مطلعها:
أهذي سيوف الدهر جرّدها الدهر … أما السنة الشهباء جفّ بها الزهر
ومن مؤلفاته كتاب تبويب الأشباه والنظائر لأن نجيم، وشرع في كتاب آخر في الفقه لم يكمله، وكانت له يد طولي في علم الميقات، وهو جد صاحبنا العالم الفاضل الشيخ حسن منصور لامه.
احمد تيمور
стр. 4834
في الأدب العربي
أبو العتاهية
بقلم عبد الحليم عباس
لا اعرف. ما هو هذا الشيء الذي يجذبني إلى قراءة هذا الشاعر، ومعاودة هذا القراءة الفينة بعد الفينة.
فليست جودة شعره هي كل شيء، فهناك من يفوقه طلاوة لفظ، وصحة أداءه، وسمواً في الشاعرية.
لا لأنه يعيد لنا صورة حقبة رائعة للمجد العربي، والحضارة العربية، التي نما في أحضانها وتقلب في أعطافها، والتي تغذي فينا هذه العزة القومية، التي نشعر أنها مثلومة، كلما رأينا الوطن نهباً مقسما مهيض الجناح. . . هناك غيره من الشعراء، يمثلون أروع الحقب، وأزهى الأزمنة للفتح الإسلامية ثم نحن لا نستطيب احاديثهم، ولا نستملح سيرهم بهذا المقدار. . . ولعل السبب يعود إلى هذه العواطف والفكر، التي يبعثا فيك هذا الشاعر، والى هذا التركيب النفساني، الذي يبعث فيك صدى متضارب النغمات، ومزيجاً من العواطف فيها السخرية المشوبة بالعطف، وفيها الضحكة العالية، تنطلق لتقطعها عواطف الرثاء والرحمة. . . وليس هذا بالقليل، وآية متعة أسر للنفس، واخصب للفكر، من أن تفخر وترثى وتتفكه وتعبث. ثم تستعبر لتعود فتضحك ملء أشداقك. إنها الحياة مصغرة في سيرة شاعر ما أحراها منا بدراسة مستفيضة.
نسب أبي العتاهية وعصره
قوام النقد في العصر الحديث
النقد الحديث يقول أن العبقري ثمرة عصره، غذتها هذه الأصلاب، وهذه البطون تتلقفها، وهي تنسل من الاجيال، وتتمشى ببطء إلى زمنها المقدور وميقاتها المحثم، فللبحث في خصائص العباقرة، يجب أن تتناول قبل كل شيء البحث في أزمانهم، وتحليل هذه العوامل التي تتضافر على خلقهم. ثم مقياس إبداعهم الفني، وما يتركون من آثار، بمقاييس الجمال والفن المتواضع عليها في أزمانهم. . .
стр. 4835
ولا مشاحة في أن هذه النظرية ارتفعت بالنقد إلى حيث أصبح مأمون الجانب من عبث الأهواء، وتقلب الميول، وألقت ضياء على هذه الدياجير التي كانت تعتور الباحث، وتتكاءد المنقب؛ بيد إنها من وجهة ثانية جادت على العبقري، ولم تحسب لهذا السر يودع في نفسه حسابا في أبحاثها، فليس الزمن، وليست قوانين الوراثة، هي كل شيء في إيجاد العبقري وتكوين رسالته. وإنما هو سر غامض مستعص حله كغيره من هذه الأسرار التي تحيط بهذا العالم الأكبر والأصغر، والتي يحاول العقل جهده إماطة اللثام عنها، ثم لا يجد غنيمة بعد الكد إلا سلامة القفول. . . وإلا فأي شيء هذا الذي يخلق الاثنين من صلب وأحد، وفي زمن بعينه، ثم تتسامى نفس أحدهما وتفتح أفكاره، فإذا هو يغذي الإنسانية بزاد المعرفة، ويتسامى بها، ويزيد في ذخيرة الخلود. وأما الثاني فيعيش خاملا مغمورا ويندس في سواد الناس. . . فقمين بنا أن نحسب لهذا حسابا في أبحاثنا. . . ثم نحسب لهذا المزاج والتركيب النفسي في الشاعر، وهو اثر من آثار هذه الهبة ألقته القوة المجهولة، في نفس الفنان وركبت أعصابه على مثال خاص، ليتلو رسالته ويهتف بلحنه على نغمة مرقومة ونحو خاص: حسابا عله لا يقل أهمية عن عوامل الزمن وقوانين الوراثة. . .
وما أحرانا ونحن نبحث بحثا مقتضبا عن الشاعر - أبي العتاهية - أن نغفل - ولو إلى حين - عوامل العصر والوراثة لنتكلم عن مزاجه، وحسبنا أن نعلم عن العصر والأصل. . . أن أبا العتاهية تحدر من أصل وضيع، ومن الموثوق انه اشتغل ببيع الفخار، ورافق المخنثين. أما الزمن فيكفينا أن نعلم انه من هذه الأزمان التي كان تنكر كل فضيلة، والتي يطلق عليها كلمة المتشائمة والتي كانت لاشك، والإغراق في المجون اظهر مميزاتها.
مزاج أبي العتاهية
وأول ما يطالعك من مزاج أبي العتاهية هذا التناقص، وهذا الاضطراب، فيما يأخذ ويدع، وفيما ينهج من سبل.
فلقد تجاذبت نفسه طرفي النقيض، وكان يرى الدنيا ويلابس الوجود على هدى نزعتين بينهما من الاختلاف ما بين النقيض ونقيضه. . . فهو آونة مندفع بتيار اللذة مستغرق بهذا المجون، الذي وصل بعصره حد الشناعة، وطورا تتقمصه أرواح الزهاد، فيلبس المسوح ويهجر اللذائذ، وتتملكه تملكا عنيفا فكرة الخوف من الموت. فإذا هذه الدنيا باطل، وإذا هو
стр. 4836
موف من الصلاح على الغاية. . . حتى ليحار فيه أهل عصره، وقد تصل بهم الحيرة إلى حد أن يحيلوا أمره إلى العبث، ويرموه بالتدجيل، والحق أن ليس في هذا عبث ولا تدجيل، وان الأمر صادر عن عقيدة خالصة طهور، وهذا التناقض قريب المرد إذا رحنا نستوضح خافيه على ضياء مزاحه، حتى لنرى أن قد تقاربت هذه المتناقضات، فإذا هي تنبع من عين واحدة. . .
فأبو العتاهية - لم يكن مستقيم المزاج وإنما هو مضطربة، وقد طغى فيه الجانب العاطفي، ولم تتح له نشأة صالحة، ولا بيئة هادئة، تخفف من حدة هذا الاضطراب، وتأخذ بزمام هذه العاطفة إلى حيث يتمكلها العقل، ويفرض عليها سلطانه، وقد بلغ من طغيان هذه العاطفة أن أصبح الشاعر عرضة لانفعالات مخيفة مستهجنة في عرف العقل، والعاطفة الصحيحة، كان يتخذ - مثلا - لباسه من قوصرتين يدخل رأسه في إحداهما. ويدخل رجليه في الأخرى، كل ذلك زهادة في الدنيا وكرها لنعيمها، ولكن أية سخرية تتملكن إذا رأيته يلقيهما بعد حين ليتخير على المنى، ويجري مع الغواية، وليسيم سرح اللهو، على أن ينفض يده كرة أخرى من نعيم الدنيا، ويجلس حجاماً لأبناء الفقراء، يبتغي المثوبة، ويطلب الباقيات الصالحات، ثم تكون آخر أمنياته. وقدمه في حياض الموت أن يسمع غناء مخارق.
كل ذلك جائز في عرف هذا المزاج المضطرب وليس بمستغرب منه، وإنما المستغرب ان يمشي وفاق نظام معين، وخطة مقررة. . . وإذا عرفنا هذا من أبي العتاهية، فقد عرفناه ظاهرا وباطنا، وأصبح سيرنا معه مأمون الغرابة. وأصبح لهذه الخطرات المستغربة علتها الأصيلة المعروفة المنبع والمورد. وأصبحنا نرقب منه في كل أمر شذوذا وانحرافا إلى ضده. فإذا رأيناه مثلا ينعى على الناس حرصهم ويقول:
تعالى الله يا سلم بن عمرو … أذلَّ الحرص أعناق الرجال
ارتقبنا منه ان يكون نادرة في الحرص.
وإذا نهض ليرى الناس صغارة دنياهم وحقارة بدرهم وأموالهم.
إن مال المرء ليس له … منه إلا حظه الحسن
كل حي عند ميتته … حظه من ماله الكفن
عرفنا انه أعجوبة الزمن، ونادرة العصر، في البخل والتقتير. . . عاتبه صديق له على
стр. 4837
هذا البخل المنقطع النظير وقال له: أن الناس يزعمون انك من شدة بخلك، وفرط تكالبك على حطام الدنيا لا تأكل اللحم - أو الأصح تشتريه - إلا في العيدين، فتأوه أبو العتاهية وقال: والله لقد ظلموني. وأني قد اشتريت لحما وتوابل في يوم عاشوراء.
على أننا نرى هذا البخل في حاجة إلى كلمة خاصة، فلقد كان من المنتظر أن يهب أبو العتاهية ولو مرة ليتلف هذا المال ويبذره جريا مع هذا المزاج، ولكنه لم يفعل هذا ولا جال بنفسه: وعلة هذا تعود إلى أمرين، أولهما انه نشأ في صميم الفقر، وذاق غصته، وعرف ان المادة هي كل شيء في قيم الرجال.
ما الناس إلا للكثير الما … ل أو ما دام في سلطانه
وكان سيئ الظن بالناس، يخشى عادية الفقر، ويخشى ان طاح به غدر الزمان ألا يجد أخاً معينا.
أنت ما استغنيت عن صا … حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه … ساعة مجك فوه
والسبب الثاني، انه أرضى مزاجه الغريب، بمناضة الناس وشدة حرصه وتكالبه، فكلما عن له ان يتلف ماله ذكر سوء المنقلب. فيندفع غلوا في التقتير.
وابو العتاهية سوداوي المزاج من نوع خاص يميل إلى ما يميلون إليه، ولكن أعصابه ما كانت لتقوى على السير على منهاجهم. فهو يتبرم بالناس وينشد الوحدة.
برمت بالناس وأخلاقهم … وصرت أستأنس بالوحدة
ولكنه لا يقوى على وحشة الوحدة. فيعود ليندفع بشدة في صخب الاجتماع، فهو ضعيف الأعصاب من جهة، ومضطربها من جهة ثانية، واصدق مظهر يدل على ضعف أعصابه ما كان من أمره في شأن الدين. فقد زعم أهل عصره انه كان زنديقا، وقد انتابه الشك في أمر العقائد، وجاراهم في هذه النظرة رجال النقد الحديث، ولكنهم لم يبينوا لنا مدى هذه الحيرة في أمر الدين، ومقدار هذا الشك. فهو قد شك وحار، ولكنه شك الطفل وحيرته، تروعه الأشباح وتتملك وعيه الهواجس، فلا يجد بدا من الاستسلام فيروح يتعلق بالدين تعلق الخائف. ويستسلم إلى خرافاته استسلام العجائز.
إلهي لا تعذبني فإني … مقرُّ بالذي قد كان مني
стр. 4838
فمالي حيلة إلا رجائي … لعفوك إن عفوت وحسن ظني
وانظر إليه لتتحقق صدق هذه النظرة وهو يناجي الموت، فما كان ليقف عنده وقفة المعري يسأله ويستوحيه عن أسراره وغوامضه، وإنما هي وقفة الخائف الرعديد، تلجمه روعة الموقف وتأخذ عليه الدهشة مسارب الفكر، فإذا كل ما يهجس بخاطره ويدور بخلده، خشوع عميق، ووصف مقتضب للموت يلوذ بعده، إلى إظهار التوبة والضراعة.
كلنا في غفلة والموت يغدو ويروح لبنى الدنيا من الدنيا غبوق وصبوح رحن في الوشن وأصبحهن عليهم المسوح نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح ويزيد في رخاوة هذه الأعصاب واضطرابها أن أبا العتاهية لم ينل حظا وافيا من الثقافة، وكان أيضاً ضعيف الخبرة بالدنيا لم يمر عليه من التجارب، ما يصقل هذه العاطفة المستوفزة.
ولمعترض ان يقول: كيف يكون ضعيف الخبرة، قليل التجربة من طفحت بأمثاله كتب الأدب وأسفاره. فهو قد نظم أرجوزة فحسب، أودعها مئات بل آلاف الأمثال والحكم الرائعة، وصحيح هذا، بيد أن هذه الأمثال ونحن نقلبها ونعيد تلاوتها، لا نجدها تدل على علم مستفيض وخبرة واسعة، فكلها في معنى وأحد، وان تجاوزته فإلى معان متشابهة مطروقة، فهو يرى أن الدنيا ما برح مقدورا عليها الفناء، فخير زاد للمرء التقي، أو السمعة الحسنة، ومن يقل غير هذا؟
حسبك مما تبتغيه القوت … ما أكثر القوت لمن يموت
هي المقادير قلمني أو فذر … إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
كأن كل نعيم أنت ذائقه … من لذة العيش يحكى لمعة الآل
وهكذا دواليك من العبر الرخيصة القريبة المتناول، والتي لا تحتاج إلى سعة في العلم ولا سمو في التفكير كالتي تجري على لسان المتنبي مثلاً: وإنما نحتاج إلى هذا اللسان الذرب، والشاعرية السمحة. ومن أولى بها من هذا الذي كان يتناول الشعر من كمه كما يقول الأصمعي، ولعل هذا هو السبب الذي يعود إليه كثرة السقط في شعره.
شرقي الأردن
عبد الحليم عباس
стр. 4839
أغنية النيل
للشاعر الحضرمي على احمد باكثير
يا جسر إسماعيلْ … بُورِكْتَ من جسرِ
أنت سِوَار النيلْ … رُصِّع بالدُّرِّ!
حلا بهِ وازدَانْ … مِعصمُهُ الناعمْ
كأنَّهُ وسنانْ … بالأملِ الحاِلمْ!
بين المصابيحِ … في نورها الفاِترْ
تُوحِى بما توحى … للمهُلْهَم الشاعرْ
من نجمةٍ وسنى … لنجمة وسنى
قد كسرت جفنا … فأغربت حُسنا!
مَنْ عَلَّم النُّورا … فلسفةَ الكسرِ؟
أَستَلْهَمَ اُلحورا … دقائق السِّحْر؟!
مَنْ عَلَّم النُّورا … ترنيقةَ الطّرفِ؟
أَستلهم الحورا … صناعة اَلحنْفِ؟!
في شطِّهِ قامّتْ … بواسقُ النَّخل
عرائس هامَتْ … بالمَيْسِ والدلِّ
برَزْنَ ممشوقاتْ … ورافعات الهامْ
يُحسَبْنَ - منسوقات - … علامَ الاِسْتفْهِام!
والقمر المحزون … مبتسم النغَّرِ
يبكى لمن يبكون … من عَنَت الدهر
يسامر العاشق … ويسعد الولهان
ويسعف الغارق … في لجج الأحزان
وساخراً يبسمْ … بَسْمَةَ فُولْتيرِ
من هالك ينعمْ … بعيشِ مغرورِ
سخريَّة تعلمْ … بواعث الّسخرِ
стр. 4840
من عاَلمٍ يحلمْ … وقَدَرٍ يجرى!
يطوف بالأرض … في سِحْنة الناقم
لسُنَّةٍ تَقْضىَ … فراقَها الدائم
منعكس نورُه … في صفحة الماء
راقصة حُورهُ … بلحن لألاء!
كأنه أحلامْ … أحلام حسناَء
لا تعرف الالأم … تعصف أهواَء!
والنَّسَمُ الهامِسْ … في إذن الليلِ
يَبُلُّ ما لامَسْ … بطَرَفِ الذيلِ
يمسُّ - في رفق - … جسمك مبتلاّ
كصالحٍ يَرقى … بالذكر معتلاّ!!
والزورق الناعِسْ … يغفو على الماءِ
كالبائس اليائس … في وسِطْ نعماءِ!
يرتّل الشِّعرَا … مجدافه اللاغبْ
يشيّع العمرا … ويندب الصاحبْ
يجري فيرعاه … - في ألمٍ - بالى
يهيجُ مسراه … ذكرى الهوى الخالى!
غنّى به الملاّحْ … أغنيّة اُلحبّ!
يكرّر التَّصداحْ … بالنَّغم العذب
يمدّها: يا ليل! … يا ليل! يا عيني!
مناديا بالويل … من ألم البين
يجري على نهرِ … سِماؤه العطفُ
يهفو على مصرِ … وشَدَّ ما يهفو!!
يمشي على هَوْنَ … مشىَ الطواويسِ
من عهد فرعونِ … موسى ورمسيس
стр. 4841
يطوي لها البُعدا … شهراً على شهرٍ
من خلف (اوغندا) … في لَهفٍ يجري!
يخترق السودانْ … لأختهِ مِصْرِ
قطُران معدودان … ألدهرَ كالقُطر!
حتى إذا وافى … من بعد ما أعيي
طوّف تطوافا … بكعبة الدنيا!
وراح ينصبُّ. . . … للبحر في اطمئنانْ
كما قضى الصّبُّ … بعد اللّقا جذلانْ!!
ما جشّم النَّهرا … تلك المشقّاتِ؟
علَّ بها سِرَّا … من أجله ياتى
أراحِمٌ يسقى … جُرْد صحاريها؟
أم عاشقٌ يبغي … لثم عذاريها؟!
فَقَطْرَةٌ منهُ … برشفها غَادَهْ
لاهيةٌ عنهُ … تكفلُ إسعادْه!!
أوّاه! هل نجهلْ … ما عرف الماءُ؟
في عزِّها تقُتَلْ … ونحن أحياء!!
يا مصر نفديكِ … نحنُ بنى يعربْ!
آمالنا فيكِ … كالشمس لاتغرب!!
مَنْ ذا يواسيكِ … إن لم نكنْ نحنُ!
لَحْنُ أمانيكِ … لكلّنا لَحْنُ!!
جزيرة العُرب … مصُر لها أُمُّ
عقيدةُ الربّ … تجمع والجِذْمُ
ليس لها عنها … صرفق ولا تحويل
معدودة منها … ما دام يجري النيل!
(فؤاد) يحميها … مليكها العادِلْ
стр. 4842
من طامع فيها … مخادعٍ خاتِلْ
وراءه الشَّعبْ … نَسلُ الفراعينِ
تحفزه العُرب … وعِزَّة الدين
مَلْكٌ به باهَتْ … ممالك الدنيا
بفضله نالتْ … رتُبتَها العُلْيا
قَلَّدَها نالتْ … رُبّتَها العُليْا
جدَّدّ أو ردَّا … جلالها الخاِلدْ
في عهده الميمون … ارتقت (الفُصْحى)
إذ كان كالمأمون … لم يأُلها نُصحا
(جامعة) الآداب … و (الدار) و (الأزهرْ)
تهَّيُ الطلاب … للحادث الأكبر!
يختصُّ بالإعظام … وخِالصِ الُحبِّ
جامعةَ الإسلام … ووحدَةَ العُرْبِ
عاشَ و (فاروقا) … لبَيْضة الإسلام
كلأهما يُوقَى … من نُوَب الأيام
للوحدة الحقَّ! … للوحدة العظمى!
مُبلَغةِ الشرق … مكانه الأسمى
يا مصر نفديك! … نحن بنى يعربْ
آمالنا فيك … كالشمس لا تغرب!
مَنْ ذا يواسيكِ … إن لم نكنِ نحنُ؟
لَحْنُ أمانيكِ … لكلّنا لَحْنُ!!
علي أحمد باكثير
стр. 4843
يا طبيب
// لا تقل يا طبيب إنك ماضٍ … بشحوبي ولوعتي وذبولي
حبذا الضعف والهزال دواءً … لفؤاد المشَرِدَّ المتبولِ
إيه يا لحظة الوداع، لقد جُرْ - تِ على المدنَفِ الطريد العليلِ
قبلاتٌ مسكوبةٌ في سكونٍ … وعناقٌ في ضجَّةٍ وعويلِ
ودموعٌ ممزوجةٌ بدمٍ يجري من القلب، مستفيضِ الهطولِ
وزفيرٌ يكاد يحرق أحشاء المُعَنَّى … من وَقْدهِ والغليلِ
وذراعٌ هوتْ تعانق خصراً … صِيغَ من تربة الضنى والنحول
ويَدٌ في يَدٍ تُسِرَّانِ أشياَء … بِضغطٍ مُحَبَّبٍ وذهولِ
وعيونٌ تَقُصُّ بالنظر الفَاِترِ … أقصوصةَ الغرامِ الجميلِ
وتَنُصُّ الآمال تاجاً من السِحْرِ … على مفرق الزمان الجهولِ!
حين سار القطار طَارَ صوابي … وتمايلتُ في ذهولٍ طويلِ. . .
وطَغَتْ عِلَّتى. وجُنَّ جُنونى … ووَهَتْ قُوَّتى. وضلَّ سبيلي!
لا تقل يا طبيبُ إنك ماضٍ … بشحوبي ولوعتي وذبولي
ثغرُها يا طبيبُ طِبِّى فَعَجِّلْ … بِبَواكِير رِيِقِهِ المعسولِ!
مختار الوكيل
стр. 4844
في الأدب الإنجليزي
ديكنز وولز
بقلم رشدي ميخائيل السيسي
فترات تقصر أحياناً، وأحياناً تطول وتطول، ليس يعنيني أن اعرف أهي من صفاء الذهن وراحة البال، أم ضجر طارئ وملال، اعكف فيها على القراءة والاطلاع، فأذهب إذا ذاك إلى دنيا غير هذه الدنيا، ويغمرني إحساس غير ما يغمرها من إحساس، وسأخفق أن حاولت أن اظفر بتعليل لهذا العكوف: أتدفعني إليه رغبة الأعراض عن حقائق الحياة خشية الاصطدام بها، أم يغريني به نزوع إلى تفهم هذه الحقائق ونشدان هذا الفهم فيما ضمته صفحات الكتب من عصارة الأذهان؟
لن اظفر بجواب قاطع، ولا يعنيني أن اظفر به، إنما أؤكد انه ليس احب إلى نفسي في مثل هذه الفترات من أن أتناول بيدي أثراً من آثار (ديكنز) معبود الإنجليز ومهبط وحيهم بعد شكسبير، وان اذهب معه في سلسلة من الرحلات نغشى في خلالها رياضا من الأمل الواسع العريض فنستنشق العبير ونتفيأ الظلال، ثم نروح تائهين في صحارى من الشقاء، فنكتوي بلافح الحر وقاسي الهجير، ثم لا نحرم في هذا المدى الترامي من الشقاء القاحل ان نلمح واحة الرجاء من بعيد فنتسابق إليها نتقي وهج الحر ولفح الهجير، ولكنا لا نأمن بين الحين والحين على أقدامنا وجسومنا ان تدميها أشواك من إلياس والخيبة، ثم لا نلبث ان نرتفع على أجنحة الخيال إلى سماء من السعادة والثراء.
وديكنز في هذه الأثناء لا يفتأ يحدثني في لهجة تلين وترق حتى لكأنها حفيف الأشجار وموسيقى الالهة، ثم تعلو وتشتد حتى لكأنها دوى العواصف وقصف الرعود، يروح يحدثني عن القناعة وعن البؤس والبائسين، ويحدثني أيضاً عن التمرد وعن الظلم والظالمين، وكأنه يسكب على جراحات التمرد من نفسي بلسما من القناعة والرضا، ولكنه لا ينى بعد ذلك ان يمزق بيده ما عالج من جراحات في قسوة الحقيقة وعنف الواقع، بينما هو يتحدث إلى في لهجة يفعمها الألم والغضب عن استبداد الغني بالفقير، وعن افتراس القوي للضعيف، ويهيب بي وبقارئيه جميعا في فكر عنيف وفي لفظ ملتهب شديد: ان ارحموا البائسين ودافعوا عن المظلومين!! ذلك هو ديكنز الكاتب الإنجليزي الكبير الذي يملأ عين
стр. 4845
القارئ بالدموع وفمه بالضحكات في الفترة الواحدة! والذي يمزج الجد بالهزل، ويخلط الحكمة بالدعابة، ويسوقها جميعا في كتاباته طعمة سائغة فيها تنوع وجدة، وفيها قوة وحق وجمال.
وقد يعلم القارئ إن ديكنز مات عن ثورة كبيرة تبلغ عشرات الألوف، فهو إذن قد ذاق حياة الترف والثراء وتنعم بها، وهو لهذا لم يعجز عن تصوير هذا الضرب من المعيشة تصوير فنان خبير، ولكنك إذ تقرأه وهو يقص تاريخ طفولته الحزينة القاتمة وما لاقاه أبانها من صدمات متتالية ومن متاعب جمة مع شظف العيش والحرمان، لابد ستأخذك رعدة عنيفة من فرط التألم لهذه الطفولة المعذبة الشهيدة، وستعلم السر آنئذ في قدرة ديكنز على التعبير عن الأم البائسين وشقاء الفقراء والمعوزين تعبيرا رائعا مفعما بالحياة.
وليس يخلو مؤلف لديكنز من آهات متوجعة، ومن صرخات حزينة، ومن دموع ملتهبة، يسكبها في غير حرص أو تقتير على مذبح الإنسانية المضطهدة المعذبة، إلا انه لم يكن في كتاباته ناقما عنيفا إلى الحد الذي يثير الفقراء على الأغنياء ويدفعهم إلى إلحاق الأذى بهم، بل كل ما كان يرمي إليه أن يهز النخوة ويلين القلوب ويستدر منها العطف والرحمة والإيثار. . .
ولد ديكنز عام ١٨١٢ وعاش ثمانية وخمسين عاما قاسى في العقدين الأول والثاني منها ما قاسى لفقر والديه المدقع ولزجهما في السجن وفاء لديونهما، ولكنه بدأ يرقى سلم المجد منذ استهل العقد الثالث. . . واشتغل في أوائل شبابه بالصحافة فكان مخبرا لبعض الصحف، ثم مندوبا برلمانيا فمحررا، فكان بحكم عمله هذا مضطرا إلى ان يزج بنفسه في كل بيئة، وان يختلط بكل طبقة ويعاشر كل طائفة من الناس، فاكتسب خبرة وافية بمختلفة الشخصيات ومختلف النفسيات بعد دراستها دراسة وافية، فأفاد كل الفائدة بهذه الخبرة، إذ تيسير له ان يوفق إلى أبعد حد في تصويره للشخصيات المختلفة التي تناولها في قصصه ورواياته.
ويشبه ديكنز من هذه الناحية بعض الشبه (ولز) الكاتب الإنجليزي المعاصر الذي اشتغل بالصحافة فأصبح لا يكف عن التعرض لمشاكل العالم الاجتماعية الراهنة والاجتهاد في معالجتها وفرض الحلول المختلفة لها في أسلوب رائع مفيد، بيد أنه على الرغم من هذا لن يكون الخلود من نصيب كتبه، لأن قيمتها موقوفها على الجيل الذي عاش فيه، وان طال
стр. 4846
اجلها فلن تتعدى الجيل الذي يليه، إذ سيجد العالم المتطور إذ ذاك إن كل ما جاء بها من نظريات ومبادئ قد تحقق جميعه أو جله، واقتصرت أهميتها على الناحية التاريخية دون غيرها، ذلك (لان النزعة الصحفية في الكاتب إنما تعمل لفنائه لا لخلوده، وهذا الفناء هو في الواقع تضحية الكاتب بنفسه في سبيل جيله) على حد قول بعض كتابنا الاجتماعيين.
وإذا صدق هذا الرأي عند تطبيقه على (ولز) الذي لم يكترث لغير علاج المشاكل الاجتماعية فهو لا يصدق إذا أرسلناه على إطلاقه، وخاصة إذا أردنا تطبيقه على ديكنز.
صحيح أن ديكنز قد كتب معظم قصصه الرائعة للصحف إذ ذاك، ولكنها ستظل خالدة على مدى العصور، خلود ما فيها من قوة ومن حق ومن جمال، ولأنها انتزعت من صور الإنسانية انتزاعا، فملأتها عواطف هذه الإنسانية التي لن تتغير، اجل، وستظل خالدة لأنها صورة من الفن الخالد رسمتها ريشة أديب فنان سيعيش تراثه على مدى العصور، وليست موضوعا اجتماعيا يتغير ويختلف وفقا للحوادث والظروف، ويزداد مقدار ما فيه من الصحة أو يقل تبعا لقدرة كاتبه على وضع الفروض والاحتمالات الصحيحة والاستطراد منها إلى تقرير نتائج يثبت المستقبل القريب أو البعيد صحتها، فولز إذن ليس كاتبا اجتماعيا فحسب، ولكنه كاتب ثاقب البصر بعيد النظر، صادق الفراسة، سليم المنطق والاستدلال. أما ديكنز فأديب فنان ينقل إلينا أحاديث الطبيعة والإنسانية وعواطفها، ويعبر عنها جميعاً اصدق تعبير وأجمله، وهو في مهمته السامية لا يختلف بأي حال عن المصور المبدع أو الشاعر المطبوع. في الحق انه يكفيك أن تقرأ أي كتاب لديكنز حتى تصل إلى هذه النتيجة الصحيحة عنه دون لأي دون إجهاد.
والأديب إذا تناول أي موضوع من المواضيع التاريخية أو الاجتماعية - أو حتى الاقتصادية الجافة - وجعله مادة لكتابته تراه لا يفتأ يرويه بدماء قلبه الحية ويغذيه، ولا يفتأ يسبغ عليه من روحه ونفسه وشتى عواطفه واحساساته، حتى يبعث في الحياة بكل معانيها وصفاتها، ويكفينا إذا أردنا تطبيق هذا القول على ديكنز ومخلفاته الأدبية ان نستعرض كتابه أو بتعبير أدق طرفته الفنية الرائعة (قصة عن مدينتين) فتؤمن بصحته كل الإيمان، نعم! فبالرغم من ان موضوع هذه القصة تاريخي جاف وهو تاريخ الثورة الفرنسية، وبالرغم من انه تاريخ دموي مروع تقشعر منه الأبدان، وأنه غير حديث العهد بنا، فإننا مع
стр. 4847
هذا لا نكاد نقرؤه حتى نحس في أعماقنا أن هذه القصة في جوهرها إنما قد كتبت لنا وبيننا، والتعليل المعقول لهذا أن الكاتب قد استمدها من وحي الإنسانية الخالدة غير المتغيرة - الإنسانية التي تؤلف بين جميع المشاعر وشتى الاحساسات - وانه قد استلهمها من معنى الحياة غير الزائلة، التي هي حق للجميع دون استثناء، والتي قد ترك أمر فهمها وإدراكها لهذا (الجميع) كل حسب اجتهاده ومدى تفكيره.
بيد أن هذا لن يكون حال كل اجتماعي مهما علا كعبه ونبه أمره، لأنه إنما يعالج المشاكل الراهنة في عصره التي لابد أن تقتصر أهميتها على العصر الذي كتبت فيه، وهو قد يفرض لها حلولا مختلفة يصدق بعضها أو معظمها كما هو الحال مع ولز في كتابه الذي نشره قبل الحرب الكبرى وقدر فيه احتمالات صدقت فرأسته فيها، حتى لقد اعتبرها البعض من قبيل النبوءات، ولكن بالرغم من صدقها فلن يقدر لها الخلود بأي حال كأي (تراث أدبي فني) من مخلفات ديكنز العظيم.
رشدي ميخائيل السيسي
стр. 4848
العلوم
فكرة النظام الشمسي عند الكنيسة في العصور الوسطى
بقلم فرح رفيدي
ما هب صرح مدنية روما ينهر بقدوم البرابرة الأوربيين من الشمال حتى انتشرت الديانة المسيحية انتشارا سريعا، وصادفت في قلب الشعب التعس تربة خصبة تنمو فيها، لإفتتانه بوعودها الجميلة، ولأنها واسطة انتقال من حياة ملأى بالمصائب والعذاب إلى حياة السعادة والهناء. فتأسس من معتنقي هذه الديانة الجديدة جماعات أخوية تحت رعاية أحدهم يرشدهم إلى الحياة القويمة، أو يلقنهم دروسا في الحصول على الحياة الأخرى. ومن هذه الجماعات أو رؤسائها تكونت طبقة الاكليروس، وفي يدها أمور الشعب الدينية والمدنية. وكان نظام هذا الاكليروس أشبه بنظام دائرة التامين على الحياة: تتاجر بالنفوس؛ فكان الإنسان يعطى ماله وأرضه ودينه، وحتى عقله للكنيسة، لكي يؤمّن حياته بعد الموت. فان راعى قوانينها أعطى تلك الحياة في الجنة، وان خالفها حرمته من الكنيسة وكان نصيبه جهنم بعد الموت.
لكن الكنيسة لم تنشأ فقط بعقائدها الدينية، ولم يكن الكتاب المقدس دعامتها الوحيدة في بناء صرح نفوذها وتحكمها في الشعب؛ بل كان هناك مع الديانة المسيحية المدنية اليونانية، وهير ثروة كبيرة وتركة ثمينة خلقها الأقدمون، فلم تقدر على إهمالها وطرحها جانبا والاكتفاء بتعاليم المسيح وحدها. ويرجع السبب في هذا إلى إن اثر المدنية اليونانية في قلوب الناس لم يذهب باعتناقهم الديانة الجديدة، وليس من السهل أن يذهب تأثير قرون طوال بقيام نزعة جديدة، وفي أمد قصير؛ دعك مما كان لأرسطو وكتاباته من التأثير الجسيم في العقلية اليونانية أولا وفي الكنيسة ثانيا.
قد نرى هنا الكنيسة بازاء الدين المسيحي والمدنية اليونانية تكاد تقع في مأزق حرج من احتمال تناقض العلم القديم بالدين المقتبس الجديد، وقد ينتج عن رأينا هذا السؤال: كيف تمكنت الكنيسة إذنمن التوفيق بين الاثنين؟ أو كيف قدرت أن تستمسك في تلك النقطة الحرجة؟ الجواب على ذلك هو أن الدين المسيحي والمدنية اليونانية لم يتناقضا قط، وكيف يتناقضان والأول خرج من تأثير الثاني؟ فمثلا لم تكن هناك فكرة واحدة أساسية في أصل الكون عند اليونان، حتى تناقض قصة الخليقة في كتاب التكوين، وأساطير اليونان القديمة
стр. 4849
تحتوي على قصص كثيرة مختلفة في أصل الكون؛ فليس من الغريب إذن أن تقتبس شعوب أوربا المتنصرة في ذلك الحين فكرة التوراة عن بدء العالم، وان تطرح خرافاتها القديمة جانبا. فالديانة المسيحية أتت موافقة للتعاليم اليونانية.
فاستمرت الآراء والمعتقدات اليونانية في النظام الشمسي وحركته آراء ومعتقدات للناس في العصور الوسطى. ولم يحدث هناك أي تغيير جديد أو انقلاب أساسي في النظام اليوناني القديم، إلا ما زيد عليه بسبب الدين المسيحي، من إدخال فكرتي الجنة والنار فيه. وذلك ظهر بالنظام الذي تصوره الشاعر الإيطالي دانتي في منتصف القرن الثالث عشر:
تصور دانتي الأرض ثابتة في وسط الأفلاك السبعة، ووراء الفلك السابع أي فلك زحل تصور منطقة البروج مكان النجوم الثوابت، وفوق منطقة البروج ما يسميه بسماء السماوات أو عليين ووضع جهنم في وسط الأرض، وفوق الأرض تحت الأفلاك قسمه إلى طبقات مختلفة العلو، الأولى طبقة الماء من حيث تنزل الأمطار، والثانية طبقة المطهر حيث يطهر غير الواقعين في الخطيئة المميتة، وأخيراً طبقة الجنة الأرضية، وتقع ما بين فلك القمر والمطهر.
هذا النظام دليل بين على مقدار توافق العلم والدين، وامتزاج الاثنين معا بصورة يصعب فيها تميز الواحد من الآخر. ولان دانتي شاعر خيالي يتصور نظاما شمسيا يدلن على عدم سير العلم حينئذ في الطريق الذي يضمن له التقدم الصديد أو الانقلاب إلى ما هو صحيح وغير ذلك، فقد كان الاعتقاد الشديد بان منقطة البروج لها تأثير في جسم الإنسان. فالإثنتا عشر برجا كل وأحد منها له تأثير خاص على عضو خاص في جسم الإنسان، فمنها ما يؤثر على الرأس، ومنها ما يؤثر على القلب، ومنها ما يؤثر على الأطراف وباقي الأعضاء. وقد تخيلوا أيضاً إن بعض الكرات التي تدور عليها السيارات تختلف بحسب نظام خاص في العدد والموسيقى، وان هذه الكرات تحدث في دورانها نغمات متلائمة، لا يحظى بسماعها إلا أناس مخصصون. وهذه النغمات هي ما يسمونه بموسيقى الأفلاك تصعد لتمجيد الله الجالس فوق الأفلاك في سماء السماوات.
وأما لماذا لم يتقدم العلم في العصور الوسطى، فذلك ليس لتناقض العلم والدين، وعدم مقدرة الشعب والكنيسة على التوفيق بينهما، كما قال الدكتور سارطن بل لأن الديانة المسيحية
стр. 4850
زادت تأثير المدنية اليونانية على الشعب تأثيرا جسيما، حتى لم يكن عنده شك في صحتها وضرورة الاستسلام إليها. من الأمور الظاهرة أن بعض العلوم اليونانية، بصورتها كما تلقاها أهل العصور الوسطى، لم تكن قابلة للتطور الاساسي، وخصوصاً في علمي الهيئة والنجوم، وذلك لأن الأساس المبني عليه علم الهيئة مثلا كان خطأ محضا. فنظام اليونان الشمسي مهما آتى أهل العصور الوسطى بالبراهين والحجج الدامغة، ومهما زادوا عليه من تفاصيل وشروح، لم يكونوا ليزدادوا إلا تعمقا في الخطأ وبعدا عن الصواب. وبعظم تأثير الكنيسة وارسطو معا على عقول الشعب كثر الاختلاف والتناقض في الآراء والتعابير العلمية والدينية، فعم الغموض وتولد الشك في قلوب الناس في كثير من المعتقدات السائدة. إلا إن الأرض ظلت ثابتة بين يدي الإله أطلس مدى أربعة عشر قرنا إلى أن آتى كوبرنيسك في أواخر القرن الخامس عشر، وحركها من بين يديه. وذلك لأنه رأى الاعتقاد بدوران الأرض حول الشمس اسهل من الاعتقاد بان الكون بجلاله وعظمته وعدد شموسه يدور حول ذرة صغيرة في الفضاء تدعى أرضا.
فرح رفيدي
стр. 4851
مظاهر الحرارة الباطنة للأرض
بقلم نعيم علي راغب
دبلوم عال في الجغرافية
إذا كان هناك شك وتضارب في الآراء الجغرافية عن ماهية باطن الأرض وحالته التي هو عليها، سائلا كان آم صلبا، فانه ليس هناك أدني شك في ان هذا الباطن حار، تدل على حرارته مظاهر ثابتة منها:
١ - المناجم والحفر العميقة: من المعلوم أن هواءها اشد حرارة من هواء السطح الخارجي، وكلما زاد العمق ارتفعت درجة الحرارة تبعا لذلك. ففي منجم بالقرب من الذي عمقه ٢٤٤٥ قدما ترتفع درجة الحرارة إلى ٩٤ف يقابلها في الخارج ٥٠ف، كذلك شأن الحفر العميقة، فان الماء يخرج منها في درجة حرارة مرتفعة، وبالقرب من باريس بئر عمقها ١٧٩٨ قدما يخرج الماء منها في درجة ٨١. ٥ فهرنهايت.
٢ - ينابيع الحارة: وتلك ظاهرة تكاد تكون: عامة في العالم اجمع، وعلى الأخص في المناطق البركانية، ومن أمثلة ذلك تلك الينابيع التي توجد في مدينة وكرلسباد، وشمال غربي اسبانيا، إذ يخرج الماء منها في درجات حرارة عالية ١٥٨ ف و١٦٧ ف و١٩٢ ف على التوالي حسب الترتيب السابق.
٣ - النافورات: وهي عبارة عن ينابيع ساخنة توجد عادة في المناطق البركانية، وتمتاز من الينابيع السالفة في رقم ٢ بارتفاع درجة حرارة الماء الخارج منها، إذ قد تبلغ ٢٦١ف كذلك بقوة اندفاعه منها إلى علو كبير قد يزيد على ٢٠٠ قدم ويطلق عليها بعض الجغرافيين أحياناً اسم البراكين المائية.
ويحسن بنا في هذا المقام أن نعرف النافورات وأسباب ثورانها فنقول: - إنها عبارة عن عيون تتصل بباطن الأرض بواسطة قصبة على شكل أنبوبة يتراوح قطرها كثرة وقلة تبعا للنافورة نفسها (في النافورة الكبرى بجزيرة الجليد يبلغ قطر النافورة ٨ أقدام ويحيط بها شبه حوض قطره يبلغ ٥٦ قدما وارتفاعه ١٥ قدما).
ولتفسير أسباب النافورات يجب أن نذكر حقيقة جغرافية وطبيعية وهي أن الماء يغلي عند درجة ٢١٢ فهرنهايت أو ١٠٠ مئوي تحت ضغط يعادل الضغط الجوي، لذلك إذا زاد
стр. 4852
الضغط وجب أن ترتفع درجة الغليان، وعلى هذا فان الماء الذي يوجد في أسفل قصبة النافورة قد تزيد درجة حرارته على درجة الغليان ولكنه لا يغلي عندها لوجوده تحت ضغط عمود الماء الذي يعلوه، إلا أن ارتفاع درجة الحرارة يسبب تمدد الماء ويرفعه إلى مستوى أعلى من المستوى الذي كان عليه في قصبة النافورة، وهذا يسبب تمدد الماء السطحي فيفيض على جوانب الحوض، ولما كان الضغط قد قل بذلك على الماء الموجود في أسفل القصبة فانه يتمكن من الغليان ويتحول جزء كبير منه إلى بخار يدفع طبقات الماء التي تعلوه، ويسمع لمحاولته الخروج إلى السطح العلوي أصوات شديدة كأصوات الفرقعة، وعلى قدر قوة البخر يكون ارتفاع الماء المندفع.
وتوجد النافورات في مناطق ثلاث من العالم هي: -
١ - أيسلندا: ويوجد بها ما ينيف على ١٠٠ نافورة تزدحم منطقة بركانية صغيرة المساحة لا تزيد على ميلين مربعين.
٢ - منطقة يلوستون في الولايات المتحدة وتقع في الغرب منها وفيها بضع مئات من العيون، منها ما يزيد حجما وقوة على النافورات العظمى بأيسلندا واشهرها نافورة دقيقة في مواعيد تفجرها حتى لتكاد تضبط عليها ساعتك، إذ إنها تقذف كل مدة تتراوح بين ٦٠ و٨٠ دقيقة نحو عنان السماء عمودا من الدخان الأبيض إلى ارتفاع ١٥٠ قدما مكونا منظرا من اجمل المناظر الطبيعية.
٣ - في نيوزلندا: توجد الجزيرة الشمالية التي تشتهر نافوراتها بعظم مقدار السليكات التي تخرج ذائبة في مائها والتي ترسب حولها وتكون مدرجات كانت إلى ما قبل سنة ١٨٨٦ مجموعة من اجمل المناظر الطبيعية في العالم حتى حدث أن ثار بركان في نفس السنة هدم الجانب الأكبر منها.
٤ - البراكين: وهي المظهر الرابع لمظاهر الحرارة الباطنة للأرض ومن أهمها ان لم يكن أهمها، ولذا سنترك الكلام عليها إلى مقال آخر يتسع للكلام عنها بالتفصيل اللائق بخطر موضوعها.
نعيم علي راغب
دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافية
стр. 4853
القصص
من الأدب التركي
فتاة الصحراء
رآها اليوم مرة في صحراء فلسطين فاحبها وتزوجها، ونقلها من تلك الصحراء المقفرة الهادئة، من وطنها العزيز إلى وطنه استنبول، إلى ضوضاء المدن وجلبتها.
عاش الزوج سنين طويلة في البلاد النائية، في الأماكن البعيدة عن وطنه، ثم عاد ومعه كنز حبه، تلك الفتاة التي تشبه زهرة ذابلة، والتي نشأت وترعرعت في الصحراء بجانب نخلة عارية وفوق رمال حارة، عاد بها إلى استنبول تلك البلدة العظيمة التي تجمع أصنافاً من الناس وأنواع من البشر، وتعج بمن فيها من السكان. أراد أن يجد لها في استنبول العظيمة مكانا تعيش فيه هانئة لا تذبل فتنصل ولا تجف فتسقط.
كان متوسط الحال، فهو لا يستطيع أن يقدم إليها في بلد كاستنبول حياة صحراوية، فلابد له ان يجد لها في أقاصي البلدة مكانا هادئا منزويا.
لم يتركا مكانا في أستا بنول ولا محلة إلا بحثا فيها عن دار فلم يجدا ما يوافقهما، وبالأحرى لم تجد الزوجة ما يلائمها وما يلائم روحها الصحراوية، وكانت تظنانها إذا بحثت كثيرا في أنحاء البلدة العظيمة وجدت منزلا في روح الصحراء.
كلما زارا دارا كان ينظر الزوج بطرف عينه إلى زوجته ليرى في عينيها الصافيتين ما ينطبع فيهما من انقباض أو انشراح، إلا إنها كانت بعيدة الغور لا يظهر في عينيها ما يجول في قلبها. وكان زوجها أيضاً يود من صميم فؤاده أن يجد مكاناً ترى فيه فتاة الصحراء ولو شيئاً صغيراً يذكرها بالصحراء وطنها العزيز.
وفي يوم من الأيام نهضا صباحاً ليذهبا إلى دار قيل لهما إنها موافقة لرغائبهما وهي في محلة (السلطان أيوب) فذهبا إليها وتسلقا الهضبة التي قامت عليها تلك المحلة حتى بلغا الدار المقصودة، كانت الزوجة كعادتها لا تبدي اعتراضاً أبداً، بل كانت تمشي بجانبه كآلة صماء، وقد تعبت من البحث عن الدار التي تريدها في تلك البلدة التي لم تر أولها ولم تعرف آخرها.
كانت الدار صغيرة مشرفة على البحر فيها غرفتان وبهو وحديقة صغيرة، وكانت فتاة
стр. 4854
الصحراء تنظر إلى كل ذلك بفتور وملل فإذا بشيء يعلق به نظرها، لقد لمعت أمام عينيها شمس الصحراء: هناك في الحديقة الصغيرة شجرة نخل، نعمانها صغيرة هزيلة، ولكنها كانت كافية لأن تمثل لها وطنها العزيز. لقد أثر منظر تلك الشجرة في فتاة الصحراء تأثيراً عظيماً، وأعطى روحها حرارة شمس لطيفة أجرت الدم الذي جمد في عروقها منذ فارقت صحراءها، وفتحت تلك الشجرة الطريق بين عينيها وبين الصحراء النائية عنها: فرأت أباها وأمها واخوتها، وعلى قيد غلوة منهم رأت جملها الذي يغمض عينيه السوداوين الكبيرتين أمام الشمس وهو يمد عنقه إلى الأمام.
لقد جاءتها هذه الشجرة بالصحراء، الصحراء العزيزة عليها، وبكل شيء قد تركته هناك، وألقته في أحضانها فكأنها بجانبه تلامسه ويلامسها.
نظرت إلى زوجها بعينين يلمع فيهما بريق السعادة لأول مرة بعد عدة شهور، كانت تلك النظرة تفيد معنى: إنني وجدت مبتغاي، وإني هنا، هنا فقط أستطيع أن أعيش بجانب هذه النخلة الصغيرة.
لقد حلت تلك الدار المشرفة على مياه الخليج من قلب المرأة محلاً رفيعاً، فأحبتها بعد زوجها، بقدر حياتها، بقدر وطنها. نزلا في الدار وعاشا فيها سنة طويلة.
كانت تعيش هنا بعيدة عن الناس لا تخرج لزيارة أحد كائناً من كأن، بعيدة عن الحياة الغريبة، عن الوجوه الغريبة، في تلك البلدة الغريبة.
لقد زارتها جاراتها يوماً، فلما رأينها لا تبتدئ معهن خطاباً ولا ترد عليهن جواباً إلا بنظراتها الفاترة الحزينة التي تطلب بها الرحمة والشفقة، ذهبن في الحديث عنها مذاهب شتى كل واحدة ترى فيها رأيا، فلما علمن أن بينها وبينهن حاجزاً من الاختلاف في اللغة يمنعها من الاتصال بهن تألمن لها أشد الألم، ثم أخذت تلك الرحمة تستحيل إلى سخرية واستهزاء.
إن أهل المدن فطروا على أن يعدوا أهل الصحراء دونهم في كل شيء، وهكذا كان شأن نساء تلك المحلة، كن يستهزئن بالمرأة المسكينة، وكن يضحكن منها ويقهقهن، لأنها لا تفهم ما يقلنه من الكلمات فيها، وكن يجدن في ذلك لذة عظيمة كما يجد الأولاد القساة لذة في تعذيب الحيوان الذي لا حول له ولا قوة، فشعرت فتاة الصحراء بذكائها الفطري أنهن كن
стр. 4855
يضحكن منها، فنفرت منهم ولم تعد تقابلهن.
لقد نسى نساء الحي وجود فتاة الصحراء بينهن، عدا عجوز دردبيس كانت تتردد على نساء الحي فتقص عليهن أحاديثها وجدالها مع كنتها، وتقلق راحتهن بتلك الأحاديث التي لا تعرف الانتهاء، حتى مللنها وسئمن ثرثرتها، فكانت تتردد على فتاة الصحراء فتجلس أمامها وتبدأ حديثها باسم الله وتبقى مدة طويلة تتكلم وتتكلم، ثم تختم القصة بدموع ترسلها من عينيها وتغادر البيت وهي تقول للمرأة التي لم تفهم منها غير دموعها: (إلى الملتقى يا بنيتي لقد أزعجتك بثرثرتي، شرفينا).
كانت العجوز لا تني عن زيارة فتاة الصحراء، وأخيرا شعرت إنها وحدها التي كانت تتكلم طيلة هذه الأيام، فقالت لفتاة الصحراء: ما لك لا تتكلمين يا ابنتاه؟ أبكماء أنت أم ماذا؟
فلما رأت فتاة الصحراء لم تجبها إلا بابتسامة مبهمة ولم تقل إلا برأسها نهضت وغادرت المكان على إلا تعود إليه مرة أخرى.
لم يبق من يطرق باب الدار الصغيرة، ولم يبق من يوقظ شمس الصحراء النائمة هنا من أحلامها، إلا إنها أحياناً كانت تنزل عند إرادة زوجها ورغبته وتذهب معه إلى النزهة، ولكنها كانت تعود إلى بيتها وهي مريضة قلباً لا جسماً، لقد كانت تشبه طائراً صغيراً فارق عشه ليطير، فوهى جناحاه ووقع على الأرض.
إنها لا تكون سعيدة إلا إذا كانت في منزلها منفردة بنفسها أمام شجرة النخل مستغرقة في رؤياها، وفي ذلك الحين فقط تظهر الشمس لعينيها؛ إنها حين تجلس تلك الجلسة، في تلك الساحة التي يبدو لها منها وجه السماء، والتي تشبه في نظرها قصرا من القصور تنسى ذلك الدور الأخير من أدوار حياتها، وتعود بخيالها في غفلة لذيذة إلى تلك البحار الرملية التي تجري فيها بقوة هائلة س يول أشعة شمس بلادها فتغمرها غمرا، وتملأ أرجاءها ونواحيها.
إنها في ذلك الحين حين تجلس إلى تلك النخلة التي تشبهها في محبة الوطن، وتشاركها الأسف والحزن، وترتسم على شفتيها ابتسامة حزن يائسة، لوقوعها بعيدة عن وطنها وعن شمس وطنها وعن سماء وطنها، تجمع تلك الهضاب والتلال التي أمامها بعضها إلى بعض، حتى يغيب عن نظرها ذلك البحر الذي أمامها، وترى أشعة الشمس تغمر تلك الصحراء،
стр. 4856
وتبصر ألوف النخيل المنتشرة فيها يسلم بعضها على بعض من بعيد بأغصانها الخضراء العالية الرءوس فإذا رسمت في خيالها هذه الصورة الجميلة، وأتقنت صنعها كل الإتقان، وأعطتها من حسن تمثيلها حياة حقيقية، خيل إليها إن آباها وأمها واخوتها وجملها ذا العينين الواسعتين السوداوين أمامها وتحت نظرها، فخفق قلبها لهم، وحاولت أن تهجم عليهم مسلمة معانقة.
وربما ذهبت بعض الأحيان في النهار إلى الحديقة ووضعت حصيرا تحت النخلة التي لا ترد أغصانها عنها أشعة الشمس واضطجعت عليها، ورفعت عينيها إلى السماء، وسافرت بفكرها إلى أقصى حدود الخيال.
كانت ترى قطع السحب تمشي في السماء على غير انتظام، فهي إذن أما ذاهبة نحو قومها، أو آتية من عندهم؛ فالسحب إذن قد رأت قومها أو سترأهم، فكانت تبتسم لهؤلاء السائحات وتسألهن: ألم يجئنها بسلام من قومها وصحرائها؟ أو تسألهن أن يتركن لها في أجنحتهن مكانا صغيرا يسع خبرا عنها لقومها وأهلها.
في أعقاب خريف السنة التي قضتها في تلك الدار رأت الطيور تطير أسرابا أسراباً في السماء، فاهتمت لذلك وسألت زوجها عنها فقال لها: (إنها ذاهبة إلى بعيد! إلى البلاد الحارة). فقالت في نفسها إنها ستمر إذنبوطنها العزيز. فكانت تضطجع تحت نخلتها وتغني بصوت حزين أناشيد قومها وألحانهم الشجية، مضمنة ذلك شوقها الشديد، متوهمة إن تلك الطيور ستقفل راجعة إليها تحمل إليها أجوبة تلك الألحان والأشواق.
جاء الشتاء بخيله ورجله، وأصبحت فتاة الصحراء لا تقدر على الجلوس تحت نخلتها، والتمتع بظلها، وشم رائحتها، فأخذها من اليأس ما زاد في الأم نفسها، وأصبحت تقعد بجانب نافذتها ساعات فراغها من عمل المنزل غارقة في بحر من الألأم والأفكار، فما يدري ما الذي كان يشغل خيالها ويقلق بالها في ذلك الحين، أمنظر النخلة التي كانت تخشى عليها من البرد القارس، والهواء العاصف؟ أم انتظار الطيور تقبل عليها من ناحية من نواحي السماء المستورة بالغيوم، تنقل إليها أخبار أهلها ووطنها؟
كانت فتاة الصحراء كلما مضى يوم من الشتاء هزلت وضعفت، وأخذ نور عينيها يخبو تدريجا. فلم يخف ذلك على زوجها، فقال لها: (ما بك؟ أراك تخفين عني شيئا يمضك
стр. 4857
ويؤلم، لقد سئمت الوحدة وتشوقت لرؤية أهلك وصحرائك) كانت تنكر ذلك، ولكنها كانت شوق زائد إلى رؤيتهم، إنها اشتاقت إلى الصحراء، إلى شمسها، إلى جوها الصافي، إلى نخيلها، إلى والديها واخواتها، إلى جملها، اجل! أشتقات إلى كل هؤلاء، ولكنها كانت كالأطفال تنكر شوقها وتصر على الانكار، ومع هذا كانت تدير وجهها تحت تمثال صحرائها، إلا وهو نخلتها وتنظر إليها بحزن عميق.
اقبل الربيع:
علمت ذلك من زوجها فابتهجت وفرحت: جاء الربيع، كانت تظن انه إذا جاء الربيع. أتاها بتذكار جميل من أهلها ومن قومها، ولكن هيهات، جاءها الربيع بالمصيبة الكبرى: ستباع الدار، وهما مضطران إلى النزوح عنها إلى غيرها.
الدار يبيعها صاحبها: ستفارق إذنفتاة الصحراء حلمها الجميل، ستفارق النخلة، خطر لها خاطر فجائي وهو أن تأخذ معها شجرتها إلى الدار التي ستسكنها، ذكرت لزوجها رأيها فوافقها على ذلك، وقرراً أن يأخذا معهما النخلة سلوتها الوحيدة.
رحلا إلى دار صغيرة مظلمة في حي فقير مظلم فصنعا للشجيرة محلا أمام النافذة ووضعاها فيه وربطاها إلى حديد النافذة.
لقد قنعت فتاة الصحراء بهذه الدار الصغيرة المظلمة، ما كانت ترى في هذه الدر السماء الصافية، ولا الشمس المشرقة، ولا القمر الزاهي، ولا النجوم الزاهرة، ولا الدور الشاهقة، لكنها كانت ترى نخلتها المحبوبة فيسكن قلبها لرؤيتها، فحياتها منوطة بها. تجلس دائما بقرب النافذة واضعة رأسها على يدها، وتنظر إلى رفيقة وطنها بقلب أضناه الشوق وبرحت به الذكرى. ولكن النخلة كانت تذوى كطفل أخذ غصبا من حضن أمه، وفتاة الصحراء تذبل بذبولها كشجيرة انتزعت من مغرسها، فاستحكم الذبول في الاثنتين، فكان يظن الناظر إليهما أن سراج حياتيهما ينطفئ تدريجا.
نهضت يوما من فراشها وذهبت كعادتها إلى نخلتها، ولكنها تراجعت إلى الوراء دهشة، ماذا ترى؟ رأت نخلتها العزيز رفيقتها ومؤنستها قد انكسرت من وسطها حيث الرباط، وسقط رأسها إلى الأرض، فهدت تلك المصيبة من قوة الفتاة، فجلست بجانبها وذرفت دموعا غزيرة خرجت من أعماق قلبها المحطم لفراق الوطن والأهل.
стр. 4858
عاد زوجها مساء فألفاها على تلك الحالة باكية حزينة. فسألها قائلا: (ما بك؟ أعلميني أسباب حزنك وكدرك، ما الذي يبكيك؟) فاعترفت لأول مرة قائلة: (لنذهب! لنذهب إلى هناك!) وأشارت بيدها إلى بعيد، إلى ديار أهلها وقومها.
عادت الطيور ولم تأتها بخبر من أهلها، ولكن ما الذي يهمها من ذلك ألان، إنها ذاهبة بنفسها إلى الصحراء، إلى الوطن الذي طالما فكرت فيه أضناها بعدها عنه، وذرفت لذلك دموعا غزيرة. . . لقد ذهبا إلى الصحراء ومضى على ذهابهما زمن طويل. . . فليت شعري، أفتاة الصحراء لا تزال تجلس تحت ظل أشجار النخيل، تغني أناشيدها القومية فرحة مسرورة بالوطن العزيز الذي كانت ترى بجانبه جمال الآستانة قبحا، وماءها ملحا، وهواءها رديئا، وجوها وبيئا، وشمسها قاتمة، ونجومها مغمضة نائمة، أم هي نائمة نوما أبديا تحت أطباق الثرى، وحيدة منفردة وظلال أشجاب النخيل تبكي عليها؟
(حلب)
فتاة الفرات
стр. 4859
من المسرح الغنائي
١ - سافو
لأوجييه أميل
ترجمة الأستاذ محمود خيرت
مقدمة
ليس الفونس دوديه بمجهول من المشتغلين بالأدب الفرنسي وهو ذلك الكاتب الوجداني الرشيق الأسلوب، السليم الذوق، البارع في وصف الحقيقة، فهو المنبع الصافي، والسهل الممتنع، يأخذك خلال ما يكتب، ويسحرك بيان ما يصور، فلا يلبث أن يشد أعصابك شدا، ويجري دموعك سيولاً، ويلهب مشاعرك إلهابا وأنت ذاهل تشارك بالرغم منك أشخاص قصصه ما يوزعه عليهم من مختلف العواطف المضطربة المتباينة.
وسافو إحدى آياته الكبرى التي جمع فيها بين الشهوة الثائرة، وعاطفة الأمومة الطاهرة، ظهرت في سنة ١٨٨٤ وهو في الرابعة والأربعين من عمره (لأنه ولد سنة ١٨٤٠) وقد امتلأ تجربة وخبرة، وشبع شهرة وصيتا، فكانت من القصص الخالدة، حتى إن قطعة سافو التمثيلية الغنائية (أوبرا) التي أخذت عنها دائما متجددة الشباب تمثل في فرنسا إلى الان، وفي مصر بدار الأوبرا الملكية كل موسم تقريبا. وهذه القطعة هي التي غنينا بنقلها (للرسالة) إلى لغتنا العربية الكريمة.
واسم سافو على ما يظهر غير فرنسي، لأنه اسم امرأةإغريقية اشتهرت ما بين القرن السادس والسابع قبل الميلاد بشعرها، كما اشتهرت بخلاعتها واستهتارها، حتى إنها لما ملك اليأس عليها كل سبيل ألقت بنفسها من أعلى صخرة (لوكاد) في اليم.
ولقد وضع برادييه المثال الفرنسي الشهير في سنتي ١٨٤٨ و١٨٥٢ تمثالين أولهما من البرونز والثاني من المرمر كأنا محل إعجاب الناس، حتى إن كثيراً منهم حصلوا على نسخ منهما، وقد سماهما باسمها. ولا يمكن أن يكون أراد بهما تخليد تلك القصة الشهيرة التي لم تظهر كما قدما إلا في سنة ١٨٨٤ لأن أول هذين التمثالين تم ودوديه في الثامنة من عمره، وظهر ثانيهما قبل نشر قصته بنحو اثنتين وثلاثين سنة. ومن هذا يتضح أن برادييه
стр. 4860
إنما وضع التمثالين المذكورين تخليدا لذكرى تلك الإغريقية.
وإذا علمنا ان دوديه رجل (شأن كل كاتب) واسع الاطلاع مفروض وقوفه على تاريخ تلك الإغريقية وظروف حياتها، وكذلك علمه بآمر هذين التمثالين جزمنا بأنه ما تب تلك القصة إلا وهو متأثر بهذين الظرفين لقيام وجه الشبه بين هذه المرأة وبين سافو ربيبة قلمه من حيث الحب والخلاعة والاستهتار. ولأن قصته والقطعة الغنائية المأخوذة عنها تناولتا ذكر التمثال المرمري الذي أشرنا إليه.
على ان من العجيب ما لحظناه من انه جعل فتاة قصته مصرية، وان واضع القطعة التمثيلية المنقولة عنها جعلها أندلسية؟
أما الناقل فقد يكون التبس عليه الأمر بين هذه المصرية وبين راقصة أخرى أندلسية جاء ذكرها أيضاً في نفس القصة. ولكن دوديه أكد وصف سافو بالمصرية في أكثر من موضع منها، فلابد إذن أن واضع تلك القطعة تعمد جعلها أندلسية، لأن سافو كما وصفها دوديه امرأةفطرت على الحب العنيف المتقعد، وهي أيضاً كثيرة الأهواء لا تستقر عند حبيب وأحد، ولا تطيب حياتها إلا بالتنقل من حب إلى حب، وكلها صفات تتوافر كثيرا في الأسبانيات، حتى أن بروسبير ميريميه اضطر إلى اختيار (كرمن) في قصته البديعة من بينهن.
ودوديه الكاتب القدير لا يفوته ذلك أيضاً، ولكنه قصد إلى تمصير سافو قصدا، وقد خصها بالإجادة في رقص (البطن) فإذا كان هذا ما أراده فقد التوى عليه قصده، لأن مثل هذا النوع من الرقص ليس من عادات الباريسيات، وقد أراد بقصته وصف تلك العادات، ولأنه كان عليه ما دام هذا قصده إلا يسمى فتاته سافو، لأن سافو الإغريقية لا تعرف مثل هذا الرقص، ولان المصرية لا تتسمى بهذا الاسم.
وعلى كل حال فقد رأى إلا يجعل الخاتمة واحدة في سافو التاريخ وسافو القصة، فغلب هذه على اليأس الذي ذهب بحياة أختها، وأحياها الحياة الكبرى حياة الأم التي تحطم قلبها وتتطهر من أقذار الآثم لتنصرف إلى تربية طفلها. فكان فيما اختار عظيما رائعا، وهو ينزل على حكم الطبيعة، ويساير غريزة التكوين البشري.
محمود خيرت
стр. 4861
الرواية
الفصل الأول
(بهو ينتهي إلى مصنع المثال كاوودال. يموج البهو بالمقنعين والعذارى المقنعات، لأن الليلة راقصة، وأما المصنع فتدوي فيه نغمات الآلات الوترية، وسافو (واسمها المستعار فني) ترقص وتغني، والمجتمعون يصيحون من النشوة والطرب. وأخيراً يظهر في البهو كاوودال ولا بودري مقنعين)
كاوودال - انظروا آيها الشبان كيف أصبح الشيوخ أكثر فتوة منكم!
لابودري - إني راحل يا أستاذي
كاوودال - طبعا لأن المجلس لم يعجبك
لابودري - كلا، ولكني لا أستطيع البقاء فوق هذا
كاوودال - بل قل إن هذه الراقصة ذات العيون السود لم تفتنك، إن رشاقة هذه الأندلسية لا تدع عقلا لعاقل، وهي تجتمع دائما هنا بأصحابها، فلم لا تشاركهم هذا الانس؟ (يغني)
يا غضون الشباب
الجميع - يا غضون الشباب
فني (سافو) - إن عذْب القُبل=هان فيه العذاب
وسواد المقل … طاب فيه الجنون
الجميع - يا شباب الغصون
لابودري - مهما كان من الأمر فآني سأرحل
كاوودال - يا عدوّ الملاح
الجميع - ما علينا جناح=فانتظر للصباح
كاوودال - ما أغربك آيها الفتى. تفر من هذا الأنس وتزعم انك شاب
لابودري - وكأني بك في سن العشرين
كاوودال - مع إني في الستين (ثم يخاطب حنا) وأنت لم لا ترقص يا حنا؟ كنت أظنك في مجلي هذا السرور أكثر نشاطا ومرحا
стр. 4862
حنا - إنني ما رقصت عمري
كاوودال - ولكن الرقص ينفض عنك تراب القرية. تشجع
لابودري - العبرة بالخطوة الأولى. هيا
كاوودال - ألا تعرف هؤلاء الفتيات الجميلات؟
حنا - لا يا سيدي.
كاوودال - وكيف تراهن
حنا - رائعات
كاوودال - إلا أقدمك إليهن
حنا - أشكرك واعتذر، فقد أكون محل سخريتهن
السيدات - ها ها ها (ضحكات)
لابوردي - (وكأنه يكلم نفسه) ولم؟ ما ابسط هذا الفتى!
كاوودال - تعال معي
حنا - دعني بالله (يمتنع فينصرف كاوودال ومن معه إلى المصنع)
كإنني في حلم. هذه هي السعادة التي يتغنون بها!
(هنا يسمع ضجيج المجتمعين في المصنع وهم يغنون):
نماذجُ المصنَعْ … سافو لها تاجُ
جبينها يسطعْ … كالتّبرِ وهَّاج
سُبحان من أبدع … جماَلها سافو
ماذا اسمع؟ كل شيء في هذا المصنع يشد أعصابي. فأين أنا من قريتي كنز السكون والنور؟ ومن خمائلها يحمل النسيم ارجها فيعطر الأرجاء. لقد كنت في المساء أجوب غاباتها النضرة فتهزني الأحلام، وهواؤها العليل يشدو ومن خلال أوراقها فأنسى قسوة الشتاء. قريتي التي تفيض بالأمل والحب ما أبعدها ألان عني!
(يسمع هرج في المصنع وضحك طويل ثم يخرج بعضهم يتعقب فني)
أحدهم - قلة يا فني
فني - اخسأ
стр. 4863
هو - (الذي يتعقبها) قبلة واحدة صدقة عن هذا الحسن. . .
فني - تظهرون الغرامَ لي=في ابتسام مُغرّر
خِدعٌة ليس ينطلي … سبكها في نواظري
إنكم تصدعونني … أنكم تخدَعونني
(تفلت منهم وتسأل كاوودال)
من هذا الفتى الجميل (مشيرة إلى حنا)
كاوودال - لا اعرفه
فني - ولم لا أساله آنا؟
كاوودال - شأنك معه (يبتعد ضاحكا)
فني - (تقترب من حنا) ما اسمك يا صاحبي؟
حنا - حنا جوسين
فني - قروي؟
حنا - نعم
فني - وهل أنت مصور؟
حنا - لا يا سيدتي (مطرقا)
فني - أحسنت. ولكن لم أنت مطرق؟ وماذا رابك مني؟
حنا - بالله لا تسخري مني يا سيدتي
فني - آنا؟ انك بالعكس سحرتني وان كنت غير مصور (يسمع صوت كاوودال ولا بودري يناديان)
الطعام. . . الطعام
فني - (في إذنحنا) إلى الملتقى يا حنا
كاوودال - هيا يا أخواني
الجميع - (داخل المصنع) الغداء! الغداء!
إن لذة الأنام … في تذوق الطعام
الغذاء! الغذاء!
стр. 4864
كاوودال - (من الداخل) سافو!
(يحأول حنا الدخول فتمنع مضطربة)
فني - لا تدخل يا حنا. تعال معي
حنا - ولكن. . .
فني - تعال. تعال
حنا - (يخضع) غلبتني مقلتاها=فسبيل قدماها
عقل فني فيك تاها … سهم عينيك رماها
حنا - يا لهيبي!
فني - يا حبيبي!
(يذهبان بينما المصنع في هرج وانس)
(يتبع)
стр. 4865
العدد ٥٨ - بتاريخ: ١٣ - ٠٨ - ١٩٣٤
стр. 4866
ذكرياتنا القومية
تعاودنا في كل عام بعض الذكريات الأليمة التي يغص بها تاريخنا الحديث؛ وفي الأمم المغلوبة التي سلبت أعز ما تزهو به الأمم، أعني حرياتها القومية، تنسخ الذكريات الأليمة كل ماعداها من ذكريات الفخار والمجد؛ وإذا أتيح لها يوماً أن تحتفل بإحدى هاته الذكريات المجيدة، فان محنتها الحاضرة تكدر دائماً صفاء شعورها القومي، وتذهب بكل ما يمكن أن تأنس به من كبرياء وغبطة وفخار.
وقد مرت بنا منذ أسابيع قلائل بعض هذه الذكريات السود في تاريخنا: حوادث الإسكندرية المشئومة في ١١ يونيه؛ وضرب الأسطول الإنجليزى للإسكندرية في ١١ يوليه؛ وستحل بعد أسابيع قلائل ثالثة الذكريات المفجعة، أعني تمام احتلال الإنجليز لمصر في ١٥ سبتمبر؛ ومنذ عامين كان قد انقضى على ضياع الحريات القومية وقيام الاحتلال الأجنبي في مصر خمسون عاما. فكيف نستقبل هذه الذكريات المؤسية في تاريخنا القومي؟ وماذا نفيد منها من عظات وعبر؟
الواقع أننا لا ننسى هذه الذكريات التي تعاودنا كل عام، وينبهنا إليها دائماً استمرار المحنة واستمرار الاعتداء على حقوقنا وحرياتنا. وقد تكون الذكرى وحدها فضيلة. ولكن الذكرى المجردة لا تكفي دائما للإفادة من عبر الحوادث وتغذية الشعور القومي وإذكاء الهمم للنضال في سبيل استرداد الحقوق المسلوبة. وما الخير في أن نستقبل هذه الذكريات كل عام بعدة فصول ومقالات في الصحف تكاد تتفق دائماً في ألفاظها ومعانيها: بكاء على الماضي، ورثاء للاستقلال الذاهب، واستنكار للاعتداء الواقع، وتنديد بنكث المعتدي، وتشهير بأساليب الاستعمار؟ هذا ما نقرأ دائماً في صحفنا في هذه المناسبات، وهذا كل ما نفعل لاستقبال ذكرى الحوادث والخطوب التي ذهبت بحرياتنا واستقلالنا. وهذا حسن بلا ريب؛ ولكنه لا يكفي لتحقيق الغاية القومية التي يعلق تحقيقها عليه.
وليس هنا مقام تفصيل ما يجب أن تعمله أمة كأمتنا في مثل هذه المناسبات. ولكن الجهاد السلمي لإحياء الشعور القومي، وإعداد الأمم للنضال في سبيل استرداد حقوقها متعدد الوسائل والصور. وترديد النواح والعبارات المؤثرة لا يفيد شيئاً في سبيل استقلال الأمم؛ وإنما يفيد أن تثير دعوة مقنعة لبيان حقك، وأن تتخذ هذه المناسبات لتنظيم جهود سلمية جديدة، سياسية أو اقتصادية في سبيل الكفاح القومي؛ وأن تعقد الاجتماعات والمحافل
стр. 4867
السلمية، وأن تنظم الاحتجاجات بالقول والفعل، وأن تلقى رسالة المستقبل إلى الشباب بطريقة عملية؛ ويحسن أن يدوي صدى احتجاجك في الخارج، في جميع أنحاء العالم، فقضايا الأمم المغلوبة دائماً بحاجة إلى التعريف، وقد يلقى التعريف أحياناً شيئاً من التأييد أو العطف في ثنية الضمير الدولي. ومن جهة أخرى فان هذه المناسبات يمكن أن تتخذ ذريعة حسنة للقيام ببعض الأعمال والمشاريع الوطنية النافعة، فتكون دائماً رمزاً عملياً لإذكاء الشعور القومي.
ونود بهذه المناسبة أن نشير إلى نقطة أخرى جديرة بالتأمل، ذلك أننا نشهد في مصر احتفال بعض الأمم الغربية بأعيادها القومية؛ ومن هذه الأمم من تسيطر بقوة الغصب والاستعمار مع شعوب عربية وإسلامية شقيقة، وتسومها أمر ضروب الاضطهاد والذلة، ففي مثل هذه المناسبات نجد بكل أسف صحفنا ومجلاتنا تشيد بأعياد هذه الأمم المستعمرة وتشاركها في الاحتفاء والابتهاج. خذ مثلا عيد ١٤ يوليه الفرنسي الذي يزف إلينا دائماً بأنه عيد الحرية والإخاء الإنساني، وتأمل كيف تفيض صحفنا كل عام في الإشادة به وبآثار الحوادث التي ارتبطت به في تحطيم صروح الظلم والاستبداد، وكيف يشترك كثير من شبابنا الأغرار في الحفلات التي تقام لهذه المناسبة، وكيف ينسى هؤلاء وهؤلاء أن هذه الأمة التي تتغنى بنشيد الحرية والإخاء والمساواة، هي نفس الأمة التي تفرض نير الذلة والاستعباد على ملايين المسلمين، وتعصف سياستها الاستعمارية الحديدية بدينهم ولغتهم وكل تراثهم القومي؛ هذا بينما يقضي الواجب الوطني وواجب التضامن الإسلامى أن نقف دائماً من هذه المناسبات موقفا سلبيا، بل أن نذكّر هذه الأمم الاستعمارية بما في دعواها من تناقض، وبأن الأمم المغلوبة لا يمكن أن تؤمن بنداء الحرية، وهي ترى أن أولئك المنادين به هم نفس الجناة على حرياتها واستقلالها.
إن تقدير الذكريات القومية، وتنوع الاحتفاء بها، وحسن الاستفادة منها، من شواهد اليقظة القومية؛ وإن المتغلب المستعمر لا يفوته أبداً أن يلاحظ هذه المواقف في حياة الأمم المغلوبة لأنها في نظره مقياس للشعور القومي؛ وهو أشد ما يخشى هذا الشعور وأحرص ما يكون على محاربته وإخماده، وإن كثيراً من الخطط والوسائل التي يدبرها الغالب لتثبيت نيره أو مصانعة فريسته يتوقف على مبلغ ما يأنسه فيها من قوة الشعور القومي أو ضعفه، ومن
стр. 4868
الأسف أننا نجوز مرحلة فتر فيها الشعور القومي، وفترت فيها قوة المقاومة؛ فلنعمل بكل ما وسع الجهاد المشروع لإذكاء هذا الشعور، ولنلتمس دائما لإذكائه ذكريات المحن القومية، فالمحنة تشحذ همم الأمم الحية، والشعور القومي لا يكفي في تغذيته أن تردد الفصول الفاترة المتماثلة كل عام، والحريات لا تغنمها إلا شعوب فياضة الوطنية، فياضة الشعور بكرامتها.
(ع)
-
стр. 4869
حول الحر
للأستاذ أحمد أمين
اشتد الحر وشغل الناس بالتفكير فيه، وبطرق التغلب عليه، وبالتأفف منه، فهذا يدبر المال للإقامة في مصيف فيوفق ويرحل، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مضض، وهذا نزاع عائلي بين ميزة الاصطياف في أوربا والاصطياف في الإسكندرية، وهذا غني أفلس يأتي عليه الحر فيذكره بأيام هنية قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعة الحر ولذعة الذكرى - وهذا بائع المرطبات والمبردات يسأل الله أن يزيد في الحر حتى يكثر بيعه، ويزيد ربحه؛ وهذا يرقب درجة الحرارة من حين لآخر ليعلم أتحسن الجو أم ساء، وهو يتبع المقياس في رضاه وسخطه، وهذا يقرأ نشرات مصلحة الطبيعيات ليقارن بين القاهرة والإسكندرية، والقاهرة وبور سعيد، فإن كان في الإسكندرية رثى لمن في القاهرة، وإن كان في القاهرة حسد من كان في الإسكندرية؛ وإن كان في أسيوط عزى نفسه بقلة الرطوبة وجفاف الهواء؛ ومن كان في مصر كلها حمد الله على أنه ليس في أمريكا حيث يختنق الناس - وهذه شغلها التفكير في المقارنة بين حمام ستانلي وسيدي بشر: أيهما أكثر ناساً، وأنظف مرتاداً، وأحسن للعرض وأمتع للنفس. وهذا يرتقب غروب الشمس التي تكويه بنارها، ليخرج إلى الجزر والأنهار والمقاهي المفتوحة والملاهي في الجو الطلق، فينتقم في ليله من نهاره - وهذا وهذا وهذه وتلك مما لا يعدو ولا يستقصى؛ ولكن لابد من ناحية أخرى أُنسيتُها، فهاذ كاتب وشاعر شغله الحر من ناحية أخرى فهو يريد تشبيهاً جميلاً للحر أو تعبيراً بليغا، فيقول: هذا الجو أحرّ من الرمضاء، وأحرّ من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل؛ ثم لا تعجبه هذه كلها فيريد تشبيهاً مخترعاً، أو عبارة مبتكرة، أو استعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، وهي حيلة لطيفة للتخلص منه!!
أما أنا فقد ضايقني الحر، وحرت بين مصر والاسكندرية، تؤلمني الأولى بحرها القاسي، وتؤلمني الثانية برطوبتها الثقيلة، ووددت أن لو كان لي من المال ما يمكنني من أن أطير صباحاً فأقضي النهار في الإسكندرية، وأطير مساء فأقضي الليل في القاهرة وأخيراً رأيت أن أهرب من الحر حيناً بالتفكير في الكتابة فيه، وقلت إنها فرصة جميلة أن أكتب في
стр. 4870
الحر، فان خرج المقال قيماً ممتلئاً حرارة وقوة ربحت ربح المحسن في عمله - وليس لي كبير أمل في ذلك - وإن خرج المقال بارداً أكون قد أحسنت إلى الناس فرفهت عليهم، وانتقمت من الحر، وأعنتهم عليه؛ وأية فرصة للكاتب خير من هذه؟ يَحسن إذا أحسن، ويحسن إذا أساء؛ وللإنصاف لابد أن أعلن أني لست مبتكراً لهذا المعنى، إنما سرقته من نادرة لها اتصال بالحر، فقد أنشَدَ بعضهم بيتاً من الشعر، فقال سامعه: إن هذا البيت لو طرح في نار المتنبي لأطفأها، ويريد ببيت المتنبي قوله:
ففي فؤادِ المحب نارُ جَوىً … أحرُّ نار الجحيم أبرَدُها
فكذلك أدرت أن أثأر لنفسي وللناس من حر هذا العام بكتابة مقالة تطفئه، وأخشى ما أخشاه أن تخرج فاترة، لا بالحارّة فتعجب، ولا بالباردة فتطفئ.
أول ما خطر لي في الحر أني الآن لابس ثوباً خفيفاً أبيض، واسعاً فضفاضا، مكشوف الرأس، عاري القدمين، جالس في حديقة، أشجار عن يميني، وأشجار عن يساري، وحوض زهر أمامي، وقد رشت الأرض من حولي، وبجانبي إناء مما يحفظ فيه الماء مثلوجاً، لا أدري ما اسمه بالعربية، وأخشى أن أقول (ترمس) فينقدني علماء اللغة؛ وكل شيء حولي يرطب الجو ويلطفه ويعدّله، وأنا مع هذا كله برم بالحر، ضيق الصدر، مغيظ محنق، أتلمس أقل سبب، لأعلن الغضب - وعلى البعد مني أصوات ترتفع بالنداء، هذه تحمل قفصاً مملوءاً بالفراخ، وهذا يجر عربة ملئت بأصناف الخضر، وهذا ثالث يحمل على رأسه سفطاً كبيراً قد ملئ بالتين أو العنب، وهو سائر طول نهاره في هذا القيظ ينادي، لا يعبأ بشمس ولا حر، ولا يضجر كما أضجر، ولا يألم كما آلم، ولا يفكر في الحر كما أفكر - أليس في الأرض عدل؟ أليس الشقاء قد أكسبه مناعة وقوة؟
أو ليست الرفاهية والمدنية والنعيم قد حرمتني الجلد والاحتمال؟
إنه ليسعد بما أشقى به، إنه ليسعد بشربة ماء من كوز من حنفية، ويسعد بالارتماء في ظل بيت في الشارع بعد أن أعياه التعب وأضناه السير، ويسعد بقريش يكسبه ليشتري به خبزاً جافاً يأكله فينعم به - إن كانت السعادة في اللذة والطمأنينة وهدوء البال فمما لاشك فيه أن هناك مجالاً للتفكير العميق (أينا أسعد) وتباً للعيش الناعم، والمدنية المعقدة، والرفاهية المترفة، التي أرهفت حواسنا وإحساساتنا، وأفقدنا الصبر واحتمال المكاره، وجعلتنا نفر من
следующие страницы →