← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

ذكرياتنا القومية تعاودنا في كل عام بعض الذكريات الأليمة التي يغص بها تاريخنا الحديث؛ وفي الأمم المغلوبة التي سلبت أعز ما تزهو به الأمم، أعني حرياتها القومية، تنسخ الذكريات الأليمة كل ماعداها من ذكريات الفخار والمجد؛ وإذا أتيح لها يوماً أن تحتفل بإحدى هاته الذكريات المجيدة، فان محنتها الحاضرة تكدر دائماً صفاء شعورها القومي، وتذهب بكل ما يمكن أن تأنس به من كبرياء وغبطة وفخار. وقد مرت بنا منذ أسابيع قلائل بعض هذه الذكريات السود في تاريخنا: حوادث الإسكندرية المشئومة في ١١ يونيه؛ وضرب الأسطول الإنجليزى للإسكندرية في ١١ يوليه؛ وستحل بعد أسابيع قلائل ثالثة الذكريات المفجعة، أعني تمام احتلال الإنجليز لمصر في ١٥ سبتمبر؛ ومنذ عامين كان قد انقضى على ضياع الحريات القومية وقيام الاحتلال الأجنبي في مصر خمسون عاما. فكيف نستقبل هذه الذكريات المؤسية في تاريخنا القومي؟ وماذا نفيد منها من عظات وعبر؟ الواقع أننا لا ننسى هذه الذكريات التي تعاودنا كل عام، وينبهنا إليها دائماً استمرار المحنة واستمرار الاعتداء على حقوقنا وحرياتنا. وقد تكون الذكرى وحدها فضيلة. ولكن الذكرى المجردة لا تكفي دائما للإفادة من عبر الحوادث وتغذية الشعور القومي وإذكاء الهمم للنضال في سبيل استرداد الحقوق المسلوبة. وما الخير في أن نستقبل هذه الذكريات كل عام بعدة فصول ومقالات في الصحف تكاد تتفق دائماً في ألفاظها ومعانيها: بكاء على الماضي، ورثاء للاستقلال الذاهب، واستنكار للاعتداء الواقع، وتنديد بنكث المعتدي، وتشهير بأساليب الاستعمار؟ هذا ما نقرأ دائماً في صحفنا في هذه المناسبات، وهذا كل ما نفعل لاستقبال ذكرى الحوادث والخطوب التي ذهبت بحرياتنا واستقلالنا. وهذا حسن بلا ريب؛ ولكنه لا يكفي لتحقيق الغاية القومية التي يعلق تحقيقها عليه. وليس هنا مقام تفصيل ما يجب أن تعمله أمة كأمتنا في مثل هذه المناسبات. ولكن الجهاد السلمي لإحياء الشعور القومي، وإعداد الأمم للنضال في سبيل استرداد حقوقها متعدد الوسائل والصور. وترديد النواح والعبارات المؤثرة لا يفيد شيئاً في سبيل استقلال الأمم؛ وإنما يفيد أن تثير دعوة مقنعة لبيان حقك، وأن تتخذ هذه المناسبات لتنظيم جهود سلمية جديدة، سياسية أو اقتصادية في سبيل الكفاح القومي؛ وأن تعقد الاجتماعات والمحافل

стр. 4867

السلمية، وأن تنظم الاحتجاجات بالقول والفعل، وأن تلقى رسالة المستقبل إلى الشباب بطريقة عملية؛ ويحسن أن يدوي صدى احتجاجك في الخارج، في جميع أنحاء العالم، فقضايا الأمم المغلوبة دائماً بحاجة إلى التعريف، وقد يلقى التعريف أحياناً شيئاً من التأييد أو العطف في ثنية الضمير الدولي. ومن جهة أخرى فان هذه المناسبات يمكن أن تتخذ ذريعة حسنة للقيام ببعض الأعمال والمشاريع الوطنية النافعة، فتكون دائماً رمزاً عملياً لإذكاء الشعور القومي. ونود بهذه المناسبة أن نشير إلى نقطة أخرى جديرة بالتأمل، ذلك أننا نشهد في مصر احتفال بعض الأمم الغربية بأعيادها القومية؛ ومن هذه الأمم من تسيطر بقوة الغصب والاستعمار مع شعوب عربية وإسلامية شقيقة، وتسومها أمر ضروب الاضطهاد والذلة، ففي مثل هذه المناسبات نجد بكل أسف صحفنا ومجلاتنا تشيد بأعياد هذه الأمم المستعمرة وتشاركها في الاحتفاء والابتهاج. خذ مثلا عيد ١٤ يوليه الفرنسي الذي يزف إلينا دائماً بأنه عيد الحرية والإخاء الإنساني، وتأمل كيف تفيض صحفنا كل عام في الإشادة به وبآثار الحوادث التي ارتبطت به في تحطيم صروح الظلم والاستبداد، وكيف يشترك كثير من شبابنا الأغرار في الحفلات التي تقام لهذه المناسبة، وكيف ينسى هؤلاء وهؤلاء أن هذه الأمة التي تتغنى بنشيد الحرية والإخاء والمساواة، هي نفس الأمة التي تفرض نير الذلة والاستعباد على ملايين المسلمين، وتعصف سياستها الاستعمارية الحديدية بدينهم ولغتهم وكل تراثهم القومي؛ هذا بينما يقضي الواجب الوطني وواجب التضامن الإسلامى أن نقف دائماً من هذه المناسبات موقفا سلبيا، بل أن نذكّر هذه الأمم الاستعمارية بما في دعواها من تناقض، وبأن الأمم المغلوبة لا يمكن أن تؤمن بنداء الحرية، وهي ترى أن أولئك المنادين به هم نفس الجناة على حرياتها واستقلالها. إن تقدير الذكريات القومية، وتنوع الاحتفاء بها، وحسن الاستفادة منها، من شواهد اليقظة القومية؛ وإن المتغلب المستعمر لا يفوته أبداً أن يلاحظ هذه المواقف في حياة الأمم المغلوبة لأنها في نظره مقياس للشعور القومي؛ وهو أشد ما يخشى هذا الشعور وأحرص ما يكون على محاربته وإخماده، وإن كثيراً من الخطط والوسائل التي يدبرها الغالب لتثبيت نيره أو مصانعة فريسته يتوقف على مبلغ ما يأنسه فيها من قوة الشعور القومي أو ضعفه، ومن

стр. 4868

الأسف أننا نجوز مرحلة فتر فيها الشعور القومي، وفترت فيها قوة المقاومة؛ فلنعمل بكل ما وسع الجهاد المشروع لإذكاء هذا الشعور، ولنلتمس دائما لإذكائه ذكريات المحن القومية، فالمحنة تشحذ همم الأمم الحية، والشعور القومي لا يكفي في تغذيته أن تردد الفصول الفاترة المتماثلة كل عام، والحريات لا تغنمها إلا شعوب فياضة الوطنية، فياضة الشعور بكرامتها. (ع) -

стр. 4869

حول الحر للأستاذ أحمد أمين اشتد الحر وشغل الناس بالتفكير فيه، وبطرق التغلب عليه، وبالتأفف منه، فهذا يدبر المال للإقامة في مصيف فيوفق ويرحل، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مضض، وهذا نزاع عائلي بين ميزة الاصطياف في أوربا والاصطياف في الإسكندرية، وهذا غني أفلس يأتي عليه الحر فيذكره بأيام هنية قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعة الحر ولذعة الذكرى - وهذا بائع المرطبات والمبردات يسأل الله أن يزيد في الحر حتى يكثر بيعه، ويزيد ربحه؛ وهذا يرقب درجة الحرارة من حين لآخر ليعلم أتحسن الجو أم ساء، وهو يتبع المقياس في رضاه وسخطه، وهذا يقرأ نشرات مصلحة الطبيعيات ليقارن بين القاهرة والإسكندرية، والقاهرة وبور سعيد، فإن كان في الإسكندرية رثى لمن في القاهرة، وإن كان في القاهرة حسد من كان في الإسكندرية؛ وإن كان في أسيوط عزى نفسه بقلة الرطوبة وجفاف الهواء؛ ومن كان في مصر كلها حمد الله على أنه ليس في أمريكا حيث يختنق الناس - وهذه شغلها التفكير في المقارنة بين حمام ستانلي وسيدي بشر: أيهما أكثر ناساً، وأنظف مرتاداً، وأحسن للعرض وأمتع للنفس. وهذا يرتقب غروب الشمس التي تكويه بنارها، ليخرج إلى الجزر والأنهار والمقاهي المفتوحة والملاهي في الجو الطلق، فينتقم في ليله من نهاره - وهذا وهذا وهذه وتلك مما لا يعدو ولا يستقصى؛ ولكن لابد من ناحية أخرى أُنسيتُها، فهاذ كاتب وشاعر شغله الحر من ناحية أخرى فهو يريد تشبيهاً جميلاً للحر أو تعبيراً بليغا، فيقول: هذا الجو أحرّ من الرمضاء، وأحرّ من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل؛ ثم لا تعجبه هذه كلها فيريد تشبيهاً مخترعاً، أو عبارة مبتكرة، أو استعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، وهي حيلة لطيفة للتخلص منه!! أما أنا فقد ضايقني الحر، وحرت بين مصر والاسكندرية، تؤلمني الأولى بحرها القاسي، وتؤلمني الثانية برطوبتها الثقيلة، ووددت أن لو كان لي من المال ما يمكنني من أن أطير صباحاً فأقضي النهار في الإسكندرية، وأطير مساء فأقضي الليل في القاهرة وأخيراً رأيت أن أهرب من الحر حيناً بالتفكير في الكتابة فيه، وقلت إنها فرصة جميلة أن أكتب في

стр. 4870

الحر، فان خرج المقال قيماً ممتلئاً حرارة وقوة ربحت ربح المحسن في عمله - وليس لي كبير أمل في ذلك - وإن خرج المقال بارداً أكون قد أحسنت إلى الناس فرفهت عليهم، وانتقمت من الحر، وأعنتهم عليه؛ وأية فرصة للكاتب خير من هذه؟ يَحسن إذا أحسن، ويحسن إذا أساء؛ وللإنصاف لابد أن أعلن أني لست مبتكراً لهذا المعنى، إنما سرقته من نادرة لها اتصال بالحر، فقد أنشَدَ بعضهم بيتاً من الشعر، فقال سامعه: إن هذا البيت لو طرح في نار المتنبي لأطفأها، ويريد ببيت المتنبي قوله: ففي فؤادِ المحب نارُ جَوىً … أحرُّ نار الجحيم أبرَدُها فكذلك أدرت أن أثأر لنفسي وللناس من حر هذا العام بكتابة مقالة تطفئه، وأخشى ما أخشاه أن تخرج فاترة، لا بالحارّة فتعجب، ولا بالباردة فتطفئ. أول ما خطر لي في الحر أني الآن لابس ثوباً خفيفاً أبيض، واسعاً فضفاضا، مكشوف الرأس، عاري القدمين، جالس في حديقة، أشجار عن يميني، وأشجار عن يساري، وحوض زهر أمامي، وقد رشت الأرض من حولي، وبجانبي إناء مما يحفظ فيه الماء مثلوجاً، لا أدري ما اسمه بالعربية، وأخشى أن أقول (ترمس) فينقدني علماء اللغة؛ وكل شيء حولي يرطب الجو ويلطفه ويعدّله، وأنا مع هذا كله برم بالحر، ضيق الصدر، مغيظ محنق، أتلمس أقل سبب، لأعلن الغضب - وعلى البعد مني أصوات ترتفع بالنداء، هذه تحمل قفصاً مملوءاً بالفراخ، وهذا يجر عربة ملئت بأصناف الخضر، وهذا ثالث يحمل على رأسه سفطاً كبيراً قد ملئ بالتين أو العنب، وهو سائر طول نهاره في هذا القيظ ينادي، لا يعبأ بشمس ولا حر، ولا يضجر كما أضجر، ولا يألم كما آلم، ولا يفكر في الحر كما أفكر - أليس في الأرض عدل؟ أليس الشقاء قد أكسبه مناعة وقوة؟ أو ليست الرفاهية والمدنية والنعيم قد حرمتني الجلد والاحتمال؟ إنه ليسعد بما أشقى به، إنه ليسعد بشربة ماء من كوز من حنفية، ويسعد بالارتماء في ظل بيت في الشارع بعد أن أعياه التعب وأضناه السير، ويسعد بقريش يكسبه ليشتري به خبزاً جافاً يأكله فينعم به - إن كانت السعادة في اللذة والطمأنينة وهدوء البال فمما لاشك فيه أن هناك مجالاً للتفكير العميق (أينا أسعد) وتباً للعيش الناعم، والمدنية المعقدة، والرفاهية المترفة، التي أرهفت حواسنا وإحساساتنا، وأفقدنا الصبر واحتمال المكاره، وجعلتنا نفر من

стр. 4871

نعيم إلى نعيم أدق منه نظن فيه السعادة، وما السعادة إلا في العيش البسيط والمران على الجلد، واحتمال ألوان الحياة وصنوف التعب، وأقلها الحر والبرد، إن تحتمل الحر فلا حر، وان تحتمل البرد فلا برد، وان تعتدْ بساطة العيش تكره نفاق المدنية، وان السعادة لخيرُ ما يحقق مذهب (آينشتين) في النسبية، فكل شيء في الحياة من لذة وألم نسبي، وليست اللذة والألم يعتمدان على الشيء الخارجي فحسب، بل هما نتيجة تفاعل بين الشيء الخارجي والنفس، ويختلف هذا التفاعل اختلافاً كبيراً باختلاف النفوس، فليس الألم من الحر والبرد يعتمد على درجة الحرارة وحدها، بل إن صلح الترمومتر أن يكون مقياساً لحرارة الجو، فلا يصلح ان يكون مقياساً لألم النفس من الحر، وليس لهذه الحال ترمومتر مشترك يتساوى فيه الناس، إنما لكل إنسان في الألم من الحر والبرد ترمومتره الخاص، ولذلك ترى من يموت من الحر، ومن يموت من الضحك على الحر - ومن الغريب أن يتوجه كل الناس بكل مجهودهم للتخلص من الحر بالاصطياف وسكنى الشواطئ والمراوح والمرطبات، ولا يبذلون أي جهد في الناحية الأخرى وهي الناحية النفسية بترويضها وتمرينها على الاحتمال، وتعويدها الصلابة، وهذا في نظري ليس أقل شأناً ولا أصغر قيمة من العلاج الأول. وخطر لي أن علماء الجريمة يذكرون أن هناك أنواعاً من الأجرام تكثر في الصيف كالأجرام الجنسي، وأنواعاً تكثر في الشتاء كأجرام السلب والنهب، فقلت لعل ذلك أيضاً في الأدب، فالأدباء يهيج بعضهم على بعض صيفاً أكثر مما يهيجون شتاء، ويهيجون في القاهرة أكثر مما يهيجون في الاسكندرية، إن شئت مصداق ذلك فانظر ما كان بين من يسمونهم أدباء الشيوخ وأدباء الشباب، وانظر ما كان بين أدباء الشيوخ بعضهم وبعض، وأدباء الشباب بعضهم وبعض، أليس هذا كله فعل الحر؟ أو ليس من كان في الإسكندرية على شاطئ البحر كان يعجب من فعل الحر في أدباء القاهرة؟ - ولئن كان الحر يؤاخَذ على ما جنى من تعريض العلاقات بين بعض الأدباء لخطر، فانه يشكر على أنه استطاع أن يستخرج من الأدباء قطعاً فنية بديعة أكملت أبواب الأدب، فان القدماء قد عدوا من أبوابه باب الهجاء كما عدوا باب المديح - كما أنه يشكر إذ لم يسلط ناره الحامية على الأدباء طويلاً فقد حوَّل، عدسته إلى غيرهم ليتنازعوا فنجا

стр. 4872

الأدباء، من ثورته، وهدأت عواطفهم وتصافت نفوسهم. وأخيراً خطري لي محمدة جليلة للحر القائظ، والبرد القارس وقلت إن هذه المحمدة تفوق كل ما كان للحر والبرد من سوء ولولاها لما تقدمت الإنسانية، ولما رقى النوع البشري هذا الرقي، ولظل هائماً على وجهه كالوحوش، ذلك أن الشمس بنارها اللافحة، والحر بشدته اللاذعة، والبرد بحدُته القاسية، وأمطار المنهمرة، وببرَده وثلوجه، والطبيعة العنيفة - بعواصفها ورياحها - كل ذلك هو الذي ألجأ الإنسان قديماً إلى أن يبحث له عن ملجأ يأوى إليه من الحر والبرد، فسكن الكهوف نشأته الأولى وظل يرتقي في ضروب من الارتقاء حتى أسس البيت، وأسس الاسرة، وكونت الأسر القبائل والمدن وكونت هذه القبائل الأمم، ثم تعاونت الأمم على ترقية النوع الإنساني فلولا الحر والبرد ما أظن أن قد كان بيت، ولولا البيت ما كانت أسرة، ولولا الأسر ما كانت أمم - أليس الحر والبرد إذن كانا أفعل في ترقية النوع الإنساني من كل مظاهر الحياة وظواهر الكون؟ فإذا قلنا إن تقدم النوع البشري مدين في تقدمه لرداءة الجو، وشدة الحر والبرد، لم نُبْعِد. خطر لي كل هذا حينما حاولت أن أكتب في الحر فبدأ الضجر يقل، والألم يحتمل، والنفس تهدأ، والعاصفة تسكن والاحتمال يقوى - فهل هذا مستمر؟ سأجرب. على كل حال قد هزئت بالحر ونسيته - ولو إلى حين - بكتابة مقال فيه. احمد أمين

стр. 4873

قصة أب للأستاذ مصطفى صادق الرافعي حدثني المسكين فيما حدَّث وهو يصف ما نزل به قال: رأيت الناس قد أنعم الله عليهم أن يكونوا آباءً فَنَسأ بالولد في آثارهم، ومدَّ بالنسل في وجودهم، وزاد منه في أرواحهم أرواحاً، وضم به إلى قلوبهم قلوباً، وملأ أعينهم من ذلك بما تَقّر به قُرّةَ عَين كانت لم تجد ثم وَجدت، فهم بهؤلاء الأطفال يملكون القوة التي ترجعهم أطفالاً مثلهم في كل ما يسرهم، فيكبر الفرح في أنفسهم وإن كان في ذات نفسه ضئيلاً صغيراً، ويعظم الأمل في أشيائهم وإن كان هو عن شيء حقير لا يُؤبْه له؛ وتلك حقيقة من حقائق السعادة لا أسمى ولا أعظم منها إلا الحقيقة الأخرى، وهي القوة التي يتحول بها الكون في قلب الوالدين إلى كنز من الحب والرحمة وجمال العاطفة، بسحر من ابتسامة طفل أو طفلة، أو بكلمة منهما أو حركة، على حين لا يتحول مثل ذلك ولا قريباً منه بمال الدنيا ولا يملك الدنيا. رأيت الناس قد أنعم الله عليهم أن يكونوا آباءً، ولكنه ابتلاني بأن أكون أباً، وأخرج لي من أفراح قلبي أحزانَ قلبي! ولقد كنت كرجل ملك داراً يستمتع بها، فتمنى أن يشرع في جانب منها غرفةُ يُزخرفها، فلما تم له ذلك وبلغ المقْترح إنهدمت الدار، وبقيت الغرفة قائمة! عَمْرَك الله، أيشعر هذا الرجل في نكبته بالغرفة أم بالدار؟ وهل تراه زاد أو نقص؟ ويا ليتهما بيت وغرفة من بيت؛ فان الحجارة تحيا بالبناء إذا ماتت بالهدم، ولكن من ذا يحي الزوجة ماتت بعد أن وضعت بِكرَها الأول والآخر: إنها طفلة وِلدتُ وكأنما أٌخرجت من تحت الردم إذ وُلدت تحت ماضٍ من الحياة منهدم. وهل فرقٌ بين هذا وبين أن تكون أمها قد ولدتها في الصحراء ثم أكرهت أن تدعها وحدها في ذلك القفر تصرخ وتبكي! فالمسكينة على الحالين منقطعة أولَ ما انقطعت من حنان الأم ورحمتها. طفلة وُلدت صارخة، لا صرخة الحياة، ولكن صرخة النوْح والندب على أمها. صرخة حزينة معناها: ضعوني مع أمي ولو في القبر!

стр. 4874

صرخة ترتعد كأن المسكينة شعرت أن الدنيا خالية من الصدر الذي يُدفئها! صرخة تترد في ضراعة كأنها جملة مركبة من هذه الكلمات: (يا رب ارحمني من الحياة بلا أم!). قال المسكين هو يبكي امرأته: ولما ضَرَبها المخاض ضاعفت قوتها من شعورها أنها ستكون بعد قليل مضاعفة، وستكون روحين لا روحاً واحدة، وتلد لي الحياة والحبَّ والإلهى معاً، وتأتي لقلبي بمثل طفولته الأولى التي يستحيل ان تأتي الرجلَ إلا من زوجه. كل ذلك ضاعف قواها ساعة وشدّ منها، ولكن ما أسرع ما تبينتْ أنه الموت إذُ عضَّلتْ وعسر خروج مولودها وجاءها اِلجراحّى بمبضعة، وكأنما رأته ذابحاً لا طبيباً فجعلت تعبر بعينها إذ لم تملك في آلامها القاتلة غير لغة هاتين العينين. كانت بنظرة تبكي عليّ وعلى بؤسي، وبأخرى تبكي على بؤس مولودها وشقائه؛ وبنظرة تودعني، وبأخرى تدعو الله لي جزاء ما أحسنت إليها؛ وبنظرة تتوجع لنفسها، وبأخرى تتألم من أنها تراني أكاد اجن. نظرات نظرات. يا إلهي! لقد خيل إليّ أن ملك الموت واقف بين عشرين مرآة تحيط به، فأنا أراه موتاً متعدداً لأموتاً واحداً. وكل نظرة عينْي زوجتي إليّ كانت منها هي نظرةً، وكانت عندي أنا مرآة الروح للروح. ولكنها لم تنس أنها تموت لوضع مولودها، وإن هذه الآلام الدموية الذابحة هي الوسيلة لأن تترك لي بقية حية منها؛ فيا للرحمة والحنان والحب! لقد ابتسمت لي وهي تموت، وهي تلد، وهي تذبح! ليست رحمة المرأة المحبة خيالاً إلا إذا كانت حرارة الشمس التي تحي الدنيا خيالاً أيضاً؛ إن هذا القلب النسوي المستقر فوق أحشاء تحمل الجنين صابرة راضية فرحة بآلامها، وتغذوه وتقاسمه حياة نفسها - هذا القلب يحمل الحب أيضاً صابراً راضياً فرحاً بآلامه، ويغذوه ويقاسمه حياة نفسه. وللرحمة الإلهية أدلة كثيرة تدل الإنسان عليها دلالاتٍ مختلفة؛ فالشمس تدل عليها بالضوء الذي تَطعمه الحياة، والهواء يدل عليها بالضوء الذي تتنفسه

стр. 4875

الحياة، والماء يدل عليها بالضوء الذي تشربه الحياة، وهكذا إلى أن يأتي في الآخر قلب المرأة فيدل على رحمة الله بالحب الذي تقوم به الحياة. ابتسامة الحب غالبت زفراتِ الموت التي تعتلج من تحتها حتى غلبتها، وأعادت الحياة لحظة إلى وجه زوجتي لأراها آخر ما أراها في صورة المُحبة، فكان كل جمال نفسها منتشراً على ذلك الوجه، وظهرت فيه روحها وعواطفها تودعني وداعاً حزيناً متبسما يتكلم؛ يتكلم بعجزه عن الكلام. ابتسامة لا ريب أن فيها أشياء ليست من جمال هذه الدنيا ولا من حقائقها؛ فكأنما التمعت بأشعة من الخلد ترفّ رفيفها على وجه الحبيب ليظهر ساعة الموت أن حبه أقوى من الموت. قال المسكين: ونثر الطبيب ذا بطِنها فكانت طفلة، وما كانت زوجتي تقترح أن يكون الجنين غيرها، بل كانت مستيقنة أنها تضعها أنثى، وصنعت لها ثيابها، ووشتها بزينة الأنوثة، وعرضت أسماءَ البنات فاخترت اسمها أيضاً، وكنت أكره ذلك منها وأريد ولداً لابنتا، فكانت تغايظني بعملها وإصرارها غيظ دعابة لا غيظ جفاء. ومضت لا تذكر إلا بنتها مدة الحمل، ولا تتكلم إلا عن بنتها، وقد كانت أعجب لذلك، فلما قضى الله فيها قضاءه علمت أن ذلك أمر من أمر الروح، فكان الإلهام فيها أنها على باب قبرها وأنها لن ترى طفلتها ولن تعيش لها، فعاشت أيام الحمل مع ذكراها، تضم ثيابها إلى صدرها، وتحملها على يدها، وتناغيها وتقبّلها، وتأخذها من الوهم وتردّها اليه. وكذلك نعمت المسكينة بالمسكينة! لكِ الله يا معجزة الرحمة؟، يا نفس الأم! ولما قيل: ماتت - جعل يكلمني المتكلم ولا أعقل، فان الكلمة التي تأتي بالمصيبة المتوقَّعة طال ارتقابها - لا تأتي بمعان لغوية كغيرها من الكلام، بل بأسلحة تضرب في النفس وفي العقل، وتُثْخنُها جراحا وفتكا. وجعلني موتها كأني ميت يحمل نفسه، ما حوله إلا المشّيعون، وأحسست كأن قوة أخذت بإحدى رجليّ فوضعتها في الآخرة، وتركت الثانية في الدنيا، ولحقني من الجزع ما الله عالم به، ووجدت أحرق الوجد، وبكيت أحر البكاء؛ وجعلتْ أفكاري تنحدر من رأسي إلى

стр. 4876

حلقي فأختنق بها، ثم لا يُنفّس عني إلا الدمع، كأن أعضائي اختلّت مما ضغطني من الحزن فأنا أتنفس برئتّي وعينّي. بموتها شعرت بها، ولعله من أجله ذلك لا يشعر الإنسان بلذة الحب كاملةً إلا في آلام الحب وحدها، وكانت في حياتها تضع من روحها في سروري، وهذا هو سرّ المرأة المحبوبة، يجد مُحبُّها في كل سرور لمحات روحانية، وكذلك فعلت بعد موتها، فجعلت روحها في أحزاني؛ ولولا أن روحها في أحزاني لقتلتْني المصيبة. وكنت أدلف وراء النعش وقد بطل في نفسي الشعور بالدنيا، وكان الناس يمشون حولي بما فيهم من الحياة، وكانوا ذاهبين إلى المقبرة على أنهم سائرون كما يذهبون إلى كل مكان، أما أنا فكنت أمشي بما فيّ من الحب منكسراً منخذلاً متضعضعاً، لأني وحدي سائر وراء مالاُ يلحق. وثقل الناس على قلبي، ورجع كل أمرهم عندي إلي العيب والنقيصة، إذ كان لي عقل طارئ من الحالة التي أنا فيها ليس مثُله لأحدٍ منهم، وكنت وحدي المصاب يبينهم، فكنت وحدي بينهم العاقل. أنا أمشي لأنتهى إلى آخر مصيبتي، وهم يمشون لينتهوا إلى آخر الطريق؛ وشتّانَ ما نحن وشتان! ولما رأيت قبرها ابتدرت عيناي تنظران بالدموع لا بالنظر، ورأيت التراب كأنه غيوم ملوَّنة بألوان السحب السوداء تتهيأ في سمائها تحت الظلام لتخفي كوكباً من الكواكب؛ وظهر لي القبر كأنه فم الأرض يخاطب الإنسان بحزم صارم، يخاطب الفقير والغني، والضعيف والقوي، والملوك والصعاليك: (إن كل قوة تُنزع هنا). قال المسكين: وكما يجد الإنسان في أيام المطر رائحة النسيم المبتلّ بالماء كنت أستروح في رجعتي إلى الدار رائحة نسيم مبتلّ بالدموع، وحضرت المأتم وعزّاني الناس فكنت فيهم كالمأسور بينهم لا أتمنى إلا أن يَدَعوني فأنجوَ على وجهي، ولا أرى إلا أنهم يجرّعونني الوجودَ غُصصاً كما تجرعت الفقدَ غصة غُصة، إلا أن تفرقوا مع سواد الليل، فانكفأت إلى الدار فإذا كل شيء قد تغير ولمسه الموت لمسة، وإذا الدار نفسها كالعين المقروحة من آثار البكاء، مآثَمّ إلا ليطالعني بأن مسراتي قد ماتت!

стр. 4877

ولاح الصبح ليعنّي الساهرتين صبحاً فاتراً تبينتُ فيه الخجل كأنه يقول: (لم أطلع لك)، فانسللتُ من البيت، وذهبت أمشي في دنيا هي الكآبة المضيئة، سِخرت الأقدار منها بإظهارها في هذا الضوء مظهرَ وجه العجوز المتصابية في زينة لا تزيدها إلا قبحاً! ومضيت على وجهي لا غاية لي، أضرب في كل جهة كأنما أريد أن أهرب من نفسي! وما خطر لي قط أني في يوم جديد، بل كنت عند نفسي لا أزال في أمس، وتغير عندي الزمان والمكان؛ فأحدهما ساعة موت لا تترك ما فيها، والآخر قبر ميّتة لا يرد ما فيه. آه من الوقت الذي ينتهي فيه الموجود ليعذبنا بالتذكر أِنه كان موجوداً! قال المسكين: ثم أعادتني قدماي إلى البيت لأرى طفلتي - وما كنت رأيتها - ولقد كانت ولادتها أولَ الحياة لها، وأول الحياة لي أيضاً، إذ لولاها لانتحرت غيرَ شكً. يا ويلتا! لم تلتق عيني بعين الطفلة حتى انفجرت تبكي، أتبكين لي يا ابنتي أم عليّ؟ أهذا بكاؤك أيتها المسكينة، أم هو صوت قلبك اليتيم؟ أصوتكِ أنتِ، أم هي روح أمكِ تصرخ ترثى لي وتتوجع لفرط ما قاسيت! يا ابنتي، إنما أنت الحقيقة الصغيرة التي خرجتْ لي من كل تلك الخيالات الشعرية الجميلة - خيالات الأيام السعيدة التي مرّت! يُخلَق المواليد من اللحم والدم، وأراكِ أنتِ يا مسكينة، خلقتِ من اللحم والدم والدموع! بقَّية حياةٍ ماتت! فهل معنى ذلك إلا أنكِ بقية موتٍ يحيا؟ مسكينة، مسكينة، لو أن نواميس العالم متغيرة لشيء لتغير من أجل بؤسك فردّت لك الأم، ولكنها لم تتغير، وما بكاؤنا وآلامنا وتعاستنا إلا تراث الحياة في أجسامنا الأرضية؛ كل ذلك طبيعة، ولكن بقعة أنظف من بقعة، وأراكِ يا بنتي كالبيت الذي هُدِم أوَل ما بنى يملؤه ترابه! لن تتغير النواميس، فلن تجدي عطف الأم، ولكن لن يتغير قلبي أيضاً، فلن تحرمي عطف الأب. وإذا صبر الناس على الحياة فمن أجلكِ يا مسكينة! من أجل ضعفك وانقطاعك سأعاني الصبر لك، وأعاني الصبر لي، وأعاني الصبر من أمك، سأصبر على الصبر نفسه! يا ابنتي، يا ابنتي، لماذا وضعتك الأقدار من هذه الحياة في الناحية التي ليس فيها إلا قبر

стр. 4878

مظلم مقفل على أمكِ، وأب مسكين مقفل على آلامه؟! قال المسكين: وهكذا كتبتُ من أهل البؤس والهم، فلم أتزوج إلا لتصنع لي حبيبتي دموعي، ثم لم تمت إلا بعد ان تركت لي حبيبةً أخرى ستظل زمناً طويلا تصنع لي دموعي. (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 4879

مجهولو الأبطال ابنا النقيب للأستاذ محمد فريد أبو حديد أرأيت التاريخ اتسع يوماً لذكر الألوف المؤلفة ممن سيروا حوادث الدهر، ودفعوا تيارات الزمان نحو مستقرها؟ قد يذكر التاريخ عظيما أو بعض عظماء، وهؤلاء قد يكونون من قادة الحرب وزعماء أرباب السيف، وقد يكونون من أهل السياسة وأصحاب الدهاء والكياسة، الذين تألفوا الناس وحركوا الأحزاب، وقد يكونون من أهل القلم، لا بل قد يكونون من أصحاب العلم الذي أضاءوا للناس سبلهم في الحياة. ولكن كم يكون هؤلاء الذين يذكرهم التاريخ؟ أيكونون بضع مئات في كل عصر؟ أم لعلهم يبلغون بضعة ألوف؟ وأين يقع هؤلاء من ذلك التيار الأتيَّ الذي تزدحم به الأيام والليالي من الناس؟ قد يزعم زاعم أن الأفذاذ كانوا أبداً قليلي العدد، وأن التاريخ لا يذكر إلا هؤلاء الأفذاذ. وذلك زعم أكِل الحكم فيه لكل من وقعت عينه على هذه الكلمات، فإني لا أخال فيهم الكثيرين ممن بلغت بهم الأنانية إلى تطلع لذكر التاريخ والخلود في صحائفه. فإذا كان أكثرنا لا يطمع في ذكر التاريخ والخلود فيه، أأيأ] أيأينبتيسنبتيمسبتيسننيستبيسبينبتيسنبتيسبسأيكون ذلك مُخَذلاً لنا عن القيام بما يجب علينا؟ إن من الناس من يعطي المسكين أمام أعين الناس. حتى يشتهر بينهم بالأفضال والاحسان، وإن منهم من يرفع رأسه بكلمة الحق، وهو على مسمع من قوم يطمع أن يقولوا عنه إنه حر أبي كريم النفس، وإن منهم من تدفعه الحمية وهو على مرأى من الناس إلى أن يخوض الأخطار في سبيل المكارم، لتكون له بذلك ذكرى بينهم وحسن أحدوثة. وهذا الحق لا بأس على الناس ان يأتوه، فان الخير لا يضره أن يكون من ورائه منفعة لمن يقدمه. غير أن تلك المرتبة في المحل الثاني من المكارم، وأما المحل الأول فقد سبق إليه من يواسي في الخفاء، وهو لا يطمع في شكر من يواسيه، ولا يتطلع إلى إعجاب من حوله من الناس، ومن يصدع بالحق لا يبتغي من وراء ذلك إلا أن يقوم بواجبه أمام نفسه، ومن يصنع الخير للناس لا ليجازوه بالاجلال، ولا ليفوز منهم بالإعجاب. بل لأنه يطيع طبيعته في ذلك وينطل على سجيته. ومن ثم كان الأولى بشكر الإنسانية من يقوم على المكرمات،

стр. 4880

ويمضي في الخير، وهو في غمار الناس لا يستشرفه أحد من الناس، ولا يشرئب هو بعنقه إليهم. فإذا نحن رضينا بذلك كان انتدابنا إلى أداء الواجب من تلقاء أنفسنا غاية ما يحرص عليه أماثلنا، ولم يكن إعجاب الناس ولا ثناؤهم بما يطمع فيه الكرام أو تطمع فيه الكرام أو تطمح إليه النفوس العالية. ولقد كان في مصر في مختلف العصور جماعات كثيرة، بلغت من سمو النفس أنها أدت واجبها، ولم تعبأ بأن يتخلف عنها في التاريخ ذكر. ومضى التاريخ بذكرياته وأسمائه، فلم يذكر من هؤلاء إلا النزر اليسير. ونحن اليوم موردون ذكر اثنين من هؤلاء أبى الله إلا أن يحفظ لنا اسميهما لتكون تلك آية دالة على أن فيمن مضى جماعات لا عد لأفرادها أدوا واجبهم، ومضوا في ثنايا ضباب الماضي، ولم يعبأوا بأن يلتفتوا التفاتة واحدة إلى الناس يطلبون منهم شكراً ولا ثناء. وتلك هي مكارم الأخلاق ومروءة الحياة. كان في مصر جماعة الأمراء المصريين الذين يظلمهم التاريخ بأن يطلق عليهم اسم (المماليك)، وكانوا يسمون أنفسهم الأمراء المصريين. ومهما يكن من محامدهم أو مساوئهم، فقد كانوا معتزين في كل الأحوال بمصريتهم يحبون هذه البلاد كأعظم ما يحب الرجل بلاده. وكان من هؤلاء الأمراء من استقل بمصر استقلالاً تاماً وأحاط ذلك الاستقلال بسياج من قوة قلبه وحماسة نفسه. ثم عدت على ذلك الاستقلال العوادي فآثر أن يبذل دمه قبل أن يبصر صرحه ينهار، وقضى قتيلاً في دفاعه كما يموت الأسد وهو يدفع عن عرينه. وكان أحد هؤلاء أمير مصر الأشهر على بك بلوط قبن المعروف بعلي الكبير. وقد كان في أيام هذا الأمير كثيرون من الأفاضل الأمجاد، منهم أخوان من نسل هاشمي حسيني: أحدهما اسمه السيد علي بن موسى الحسيني الأزهري المصري، والآخر اسمه بدر الدين الحسيني المصري. ويعرف كل منهما بابن النقيب، لأنهما من سلالة بيت كان منه نقباء في بيت المقدس. وكانا عالمين، نالا من العلم أقصى ما ينال من زمانهما. وبلغا من ذلك مرتبة التدريس، فكان أكبرهما (على) يدرس في المشهد الحسيني التفسير والفقه والحديث، وتبعه أخوه الأصغر بعد موته في إملاء الحديث في المشهد الحسيني نفسه. وكانا مع ذلك كاتبين مبرزين، فكان السيد على يتبع في النثر طريقة طريفة (لا يتكلف السجع، وإذا سئل من

стр. 4881

مسئلة كتب عليها الجواب أحسن من الروض جاده الغمام). غير أن هذين الأخوين لم تقنع نفساهما بما بلغتا من مرتبة العلم، إذ رأيا أن دونهما واجبا عاما يجب عليهما أن يضطلعا به، وذلك أنهما رأيا الحياة العامة محتاجة إلى كثير من التقويم والتهذيب، فكان الأخ الأكبر يخرج في دروسه عن التلقين المجرد (إلى الرد العنيف على أرباب الأموال والأكابر وملوك الزمان) حتى انه اضطر للهجرة في سبيل الحق من مصر إلى بلاد السلطنة العثمانية، ثم اضطر مرة أخرى إلى أن يهاجر إلى مصر هارباً من حكومة السلطان لأنه لم يرضها ولم ترضه. وكان الأمراء يعرفون له إخلاصه، ويقدرون له صراحته في الحق، فان الأمير محمد بك أبا الذهب الذي آل إليه الأمر بعد علي بك الكبير سأله مرة على سبيل المباسطة فقال له: (كيف رأيت أهل اسلامبول؟) فقال له: (لم يبق باسلامبول ولا بمصر خير) فلم يغضب الأمير من شدة رده، بل قضى ديونه وأعانه بما يتصدق به على الفقراء. وكان السيد على فارساً شهما (لا يخلوا (اصطلبه) من الخيل، ويضمرها ويعتني بأحوالها، ويرغب في شرائها لمعرفته بالفروسية في رمي السهام واستعمال السلاح واللعب بالرماح وغير ذلك) فكان مقصد اللاجئين من الناس، وموئل المظلومين من العامة، ومكان الإجلال من أهل الحكم، يقضون ما يأتي فيه شافعا، ويخشون نقده ويكرمون نصحه. ثم مات السيد علي وتبعه أخوه الأصغر السيد بدر الدين. فسار على منهج أخيه من (التردد إلى الأعيان والأمراء، والسعي في حوائج الناس، والتصدي لأهل جهته وخطته في دعاويهم، وفصل خصوماتهم وضلحهم، والذب عنهم، ومدافعة المعتدي عليهم، ولو من الأمراء والحكام)، وصارت له مكانة كبرى في البلاد وعند الأمراء) يخشون جانبه وصولته) ثم ذهبت أيام هؤلاء الأمراء المصريين وهبطت على مصر كارثة الأجنبي، إذ دخل الفرنسيون مصر، فدمروا وهدموا وغيروا، وأبوا إلا أن تكون مصر على مثل خطتهم ومدنيتهم. فغضب كرام المصريين لذلك، ورأوا في تلك المحاولة قضاء على شخصيتهم وازدراء لمدنيتهم الموروثة التليدة. فانتهزوا الفرصة وثاروا على الفرنسيين، وكان السيد بدر الدين من زعما الثوار. (فجمع جموعه من أهل الحسينية والجهات البرانية، وانتبذ لمحاربة الفرنج ومقاتلهم وبذل جهده في ذلك) غير أن الثورة لم تنجح كما هو معروف، فخرج السيد بدر الدين من مصر

стр. 4882

منذ رآها غير صالحة لمقامه فيها. وأي مقام للحر الكريم المجاهد في بلاد الضيم وبلاد الله واسعة يستطيع أن يهاجر فيها؟ واتبعه غضب الفرنسيين في داخل البلاد وفي خارجها، وانتقموا منه بهدم ما ترك في مصر من أبنية، وسلب ما خلف فيها من أموال، غير أنه لم يبال شيء من ذلك، ولم يكن مثل بدر الدين ليعبأ بما يصيبه في المال من خسارة، ومازال في خارج مصر يجاهد مع المجاهدين حتى عاد النصر كما أنه لم يضعف في أيام المحنة من الخيبة والخذلان، ولما عاد إلى مصر استأنف السعي في خير المجموع وهو قرير العين بما نال من توفيق، وكان مما يزيد قلبه اطمئناناً وسلاماً أن يذكر ما أصابه من الألم في جهاده. ولم يكن ابنا النقيب سوى درتين من عقد أبطال سمى التاريخ بعضهم ونسى البعض، ورحم الله من سمى ومن لم يسم. لقد طوى الماضي في بطون الثرى ألوف الألوف من الأجداد، وقد يكون منا من يتهم هؤلاء الجدود ببعض التهم، وجدير بنا أن نفكر مرتين قبل أن نجرؤ على ذلك الاتهام. لقد كان من الماضين من هم أقوى منا مروءة في حياتهم وجهادهم وسعيهم إلى الخير، منذ كانوا يؤدون أمانتهم غير طامعين في أن يعرف الأحفاد عنهم ما صنعوا. وحري بنا أن نتسامى إلى مثل هذا الكرم فنسعى إلى أداء الأمانة، ونحن في ستر الخفاء لا يطلع علينا إلا الله، ولا ترقبنا بعد الله سوى عين الضمير. محمد فريد أبو حديد

стр. 4883

شعب شرير النور نشأتهم وخواصهم وفنونهم النور (الغجر) جنس غريب من البدو الرحل، مشتت في سائر أنحاء العالم، في أوربا وغرب آسيا وشمال افريقية وأمريكا وأستراليا، ويقدر تعداده بنحو تسعمائة ألف نسمة، منهم في المجر وحدها نحو ٢٨٠ ألفاً، وفي رومانيا نحو ٢٥٠ ألفاً، وفي تركيا نحو مائة ألف، وباقيهم مشتت في سائر الأنحاء. ويقول بعض علماء اللغة أن كلمة ومثيلاتها في الأوربية، ومعناها النور، مشتقة في الأصل من كلمة أعني مصر، ويستدل البعض بذلك على أن النور ربما نزحوا من مصر إلى أوربا في غابر العصور. بيد أن أصلهم غامض جداً، وكل ما يمكن أن يقال في ذلك أن النور يظهروا في أوربا، وبالأخص في بلاد البلقان، منذ القرن الرابع عشر، ثم انتشروا في جميع البلدان الأوربية حتى سواحل البلطيق وانكلترا، وعرفوا بالبداوة وعدم الاستقرار، يتنقلون دائماً ويقيمون في الحقول والغابات في خيام يحملونها، ويسافرون على الخيل والعربات المقفلة، ويزاولون الحرف المريبة كالسحر والتنجيم؛ وعرفواً أيضاً بكثير من الخلال السيئة وبانحلال الأخلاق والأقدام على ارتكاب الجرائم. ولما اشتد عيثهم في أواخر القرن السادس عشر، قررت فرنسا ومعظم دول أوربا نفيهم وعقاب المخالفين بالإعدام، فطوردوا في كل مكان وعذبوا وأحرق منهم كثيرون لأنهم (نور) فقط. وفي القرن السابع اشتهروا بخطف الأطفال، وهبت عليهم من أجل ذلك ريح جديدة من المطاردة، وكانوا في كثير من البلاد ولاسيما رومانيا وألمانيا يعتبرون رقيقاً يحل بيعهم وشراؤهم. ولكنهم من القرن الثامن عشر، أخذوا يتقدمون في اكتساب الحقوق العامة، ومنحوا الحرية في المجر، واهتمت بأمرهم الإمبراطورة ماريا تيريزيا، وأمرت بتعليمهم الزراعة، وتحسنت أحوالهم وأطوارهم نوعا. وفي القرن التاسع عشر اعترفت بهم معظم البلدان كرعايا، ومنحوا الحقوق والحريات السياسية. وفي سنة ١٩٠٦ عقد النور ومن يهتم بأمرهم مؤتمراً في صوفيا عاصمة بلغاريا، وطالبوا بالاعتراف لهم بكافة الحقوق التي تمنح لباقي الرعايا وعرفت النور منذ عصور بإتقان بعض الحرف مثل صنع الحلي والأواني

стр. 4884

النحاسية الدقيقة، وأجراس الكنائس، والنجارة، وصنع السلاسل، والحفر أحياناً، واشتهروا بالاتجار في الخيل؛ بيد أنهم اشتهروا بالأخص بالبراعة في الموسيقى، وهي موسيقى خاصة بهم، وذهب بعض النقدة الموسيقيين في تقدير الموسيقى النورية إلى حد بعيد، حتى قال الموسيقي المجري الكبير (لسزت) إن الموسيقى المجرية ترجع إلى أصل نوري. كذلك برع النور في الغناء والرقص، واشتهر نساؤهم بالتنجيم وقراءة الكف والورق، ولنساء النور جمال شرقي خلاب، ولكن تغلب عليهم الرثاثة، ولهن ولع بالثياب والحلي، ويغلب عليهن الانحلال الخلقي. وليس النور دين خاص بهم، ولكنهم يعتنقون في الغالب دين البلد الذي يحلون به، وتغلب عليهم التقاليد الوثنية والخرافات، كذلك ليس للنور لغة خاصة معروفة، ولكنهم يتكلمون لهجات عديدة، وقد دل البحث على أن هذه اللهجات ترجع إلى بعض اللهجات الهندية، حتى اعتقد البعض أنهم نزحوا أصلا من الهند. هذا وقد قرأنا عن النور وخواصهم وأخلاقهم وفنونهم بحثاً ممتعاً للكاتب المجري الكبير يوليوس كودلاني، رأينا أن ننقله لقراء (الرسالة) فيما يلي، وحديث الكاتب يتعلق على الأخص بالنور المجريين، وهم كما رأينا أكبر كتلة من النور في العالم. قال الكاتب: لبث النور المجريون حتى أحدث العصور يقاومون كل محاولة لتمدينهم، وقد كانوا كأبناء جنسهم في البلاد الأخرى يعيشون في جماعات بدوية متنقلة لا ترتبط برباط المواصلة، ولم ينتهوا إلا في أيامنا إلى البدء بالاستقرار ومزاولة الأعمال المنظمة. ويوجد في المجر نوعان من النور: (نور الكولومبار)، (ونور الفلاج) وكلاهما يرجع إلى أصل آرى كباقي النور ولكن توجد بينهما فروق ظاهرة في طرق الحياة وفي اللغة والأخلاق، وكذلك في القوام والمحيا، وبينما يميل الكولومبار إلى الرباعة والغلظة، إذا بالفلاج غالباً ممشوق القد، وسيم المحيا. ولنور الكولومبار لدى الفلاحين سمعة سيئة، ويشعر الفلاحون نحوهم ببغض مقرون بالخوف، فإذا ما نزلوا بجوار قرية ما بذل الفلاحون كل ما استطاعوا للتخلص منهم، واتخذوا كل تحوط للمحافظة على دجاجهم ومواشيهم وثيابهم. ويشتغل نور الكولومبار بصنع الآنية وأقمشة الخيام وبعض أعمال الحدادة. ويزاول نساؤهم السحر ولهن فيه براعة، ويتبعن في مزاولته كثيراً من الرسوم الوثنية التي اختفت من بين

стр. 4885

الشعوب المتمدنة، وهن يتنبأن بالمستقبل ويكشفن الأوراق، ولهن براعة مدهشة في الوقوف على عواطف الرجال وغرائزهم، ويعربن في نبوءاتهم عن الأماني الخفية، والشهوات المكتومة؛ ويلجأن إلى الرسوم الرمزية، ويكتشفن ما يجول في صدور قصادهن من الرغبات والشهوات. وقد بثت الحياة الخشنة المضطربة، والعزلة الدنيوية، والحرمان المستمر، في نفوس هاته القبائل ميلاً إلى تحقيق الغاية دون عنف وبوسائل ملتوية؛ فهؤلاء النور يكذبون ببراعة، ولهم فصاحة مقنعة، ومثابرة مدهشة. ولو أردنا أن ندرس من الوجهة النفسية أساليبهم وتأثيرهم الغريب، شبه الروحي، الذي يبثونه في نفوس ذوي الغرائز المضطربة لانتهينا إلى نتائج في منتهى الأهمية. وهم الشعب الوحيد الذي استطاع أن يحتفظ في قلب أوربا، وفي قلب المجتمعات المتمدنة بالحياة البدوية التي تذكرنا بحياة الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية أو الزنوج في التي تذكرنا بحياة الهنود الحمر في أمريكا الجنوبية أو الزنوج في أفريقية. ذلك أنهم معرضون دائماً لنزعات الطبيعة، ولهم علاقات دائمة مع قواها، فهم يحملون بذلك إلى كل ما يقرب من الحيوان والغريزة. والنور لا يملكون شيئاً، ولذا فهم لا يحترمون الملكية؛ فإذا استطاعوا الاستيلاء على شيء استولوا عليه بأي الوسائل، وحياتهم العائلية منظمة على قاعدة الشيوع، وأن لا ملكية يعترف بها ونور (الفلاج) أظرف وأفضل خلالاً من نور الكولومبار؛ وهم يشتغلون عادة بصنع الآلات الخشبية بمهارة، ويطوفون القرى لبيعها، ويبدون في جميع الأسواق مثقلين بالسلع. ويرتدون ثياباً وأزياء غير تلك التي يرتديها زملاؤهم، ويسكنون غالباً في السهل، عند أطراف القرى، في بيوت من الطوب الأخضر، ويعنون بتربية الماشية. وفي أقاليم المجر الغربية ينشئون نوعاً من القرى المنعزلة بجوار الغابات، ويعلب أطفالهم عراة بين الأعشاب والماء. ولهاته القبائل قضاة منها يختصون بالفصل في المنازعات الصغيرة؛ ولا يعيشون عيشة العائلة إلا حيثما اكتسبوا نوعاً من الملك كقطعة أرض أو منزل قروي. ولهم ولع بالخيل واقتنائها بأي الأثمان. وأهل القرى لا يبدون لنور (الفلاج) من البغض ما يبدونه لنور الكولومبار. وهم يعاملونهم بكبرياء واحتقار ولكن بنوع من العطف؛ ولا يخشون منهم على متاعهم وأموالهم بمثل ما يخشون من زملائهم؛ ويكثرون من التصدق عليهم، ويعهدون اليهم بصنع الأشياء الخشبية.

стр. 4886

وعلى ذلك فإذا كان النوري الفلاجي لا يمكن أن يعتبر عضواً في المجتمع، أو إنساناً متمدناً، فانه في طريقه ليصير كذلك. وهو منذ الآن ينزل عن بعض العادات التي كان يتمسك بها دائماً فيقص شعره ويرتدي السراويل، ويعتاد العمل، ويرغب في اقتناء الملك شيئاً فشيئاً؛ وهذا بلا ريب أساس قوي للتطور. وأخلاق النوري نتيجة محتومة لنوع حياته، فهو لا يملك أرضاً ولا بيتاً؛ وما يملك من المؤن والأدوات وغيرها ليس له في الواقع، بل هو ملك الجماعة كلها؛ وهو لا يشعر بشعور الأسرة ولا يقدر معناها، ولما كان لا يرث ولا يورث، فسواء لديه أكان ولده منه أم من آخر. وكذلك المرأة النورية لا تختص برجل واحد كنساء الشعوب المتمدنة، فهي مخلوق همجي، لا تنكر غرائزها، ولا تستطيع أن تكبح جماحها، والطفل النوري يعيش مع أسرته في نفس الخيمة أو الكوخ، ويشهد عن قرب حياتها التناسلية، فإذا شب اتجهت شهواته الجنسية الأولى إلى الأسرة، فيعاشر الأخ أخته، والولد أمه، والأب ابنته، وتجري هذه المعاشرة دون ذرة من الحرج أو الندم. ولا حاجة للقول بأنه لا وفاء بين الأزواج، فهم كاثوليك ويذهبون إلى الكنسية في الحفلات الكبرى، ولكن مبادئهم الأخلاقية ليست نصرانية في شيء، بل هم غالباً صرعى غرائزهم الوحشية. وقد اهتم الارشيدوق يوسف (١٨٣٣ - ١٩٠٥) بأمر النور وأبدى نحوهم عطفاً، وبعث ذلك إلى الاهتمام بشأنهم، وكان هذا الأمير العظيم الذي يعشق حياة البداوة والبساطة، ينفق كل أوقات فراغه بين النور، ويدرس حياتهم، ويتذوق رقصهم وأغانيهم وأمثالهم وأطوارهم وخلالهم، وقد حاول أن يعودهم الحياة المنظمة، وأن يجمعهم في مكان مستقر، ولكنه لم ينجح كثيراً في محاولته، ثم عكف الباحثون على جمع الأغاني والأمثال النورية وترجمتها، ولكن هذا الاهتمام فتر فيما بعد، ولما كان النور اليوم في طريق التحضر والاندماج في المجتمع المتمدن، فقد يعود هذا الاهتمام بعد فوات الوقت، وبذا تضيع معالم جنسية ونفسية إلى الأبد. بيد أنه قد يكون ثمة أسر أو قبائل مازالت تحتفظ بخلالها الوثنية، وبأساطيرها، وقصصها، وأغانيها ورقصاتها، وتلك يمكن تخليدها بواسطة السينما أو (الجراموفون). وقد قلنا إن إبعاد النور عن المجتمع المتمدن، واضطهادهم المستمر، وحياتهم البدوية، تحملهم على الريبة والوجل والعنت وانتهاز الفرصة وسرعة التأثر، وهم لا يهتمون بِغَدِهم،

стр. 4887

ويحتملون شقاء الحاضر بجلدِ الشريد، كالأطفال أو الشعوب الهمجية. وهذه الصفات ذاتها تمثل في فنهم، فرقصاتهم عاصفة مضطرمة الروي، فياضة بالغزل، ونصوص أغانيهم فياضة بالرموز الغرامية، والكلمات الضخمة، والإخلاص الساذج، وألحانهم محزنة منكسرة، روى مطبق، وغزل مطلق، وفسق خالص يلهب أعصابهم، وهذا ما يشحذ مشاعرهم بنوع خاص، ويعاونهم على التمكن من روح الموسيقى والقوافي الأجانب تحدث فيهم نفس الأثر؛ فالنوري الروماني ينشد الأغاني الرومانية، والنوري السربي ينشد الأغاني السربية، والنوري السلافي ينشد الأغاني السلافية، ويجمعون في كل مكان عناصر الموسيقى الخاصة بالشعب الذي يعيشون بين ظهرانيه؛ والنوري المجري، هو الوحيد الذي لا تتأثر موسيقاه بخواص الموسيقى الريفية المجرية، وذلك لأسباب خاصة به وبظروفه ذلك أن الموسيقيين من النور المجريين هم أشراف النور، فهم يرتفعون فوق مستوى جنسهم، وفي أحيان كثيرة نراهم وقد نسوا لغتهم الأصلية، وغيروا كل ظروف حياتهم. وفي القرى يتحول النوري من حرفته العادية إلى الموسيقى، وفي يوم الأحد وأيام الحفلات أو السوق يحمل آلاته الموسيقية، القيثارة أو المزمار أو غيرهما، ويذهب مع بعض زملائه إلى مجالي النزهة، ولموسيقاه ضجيج مروع، وصخب يصمهم، ولا تشترك مع موسيقى الحضر إلا في الروي، ويتحول النور إلى احتراف الموسيقى شيئاً فشيئاً، ويهجرون صنع الأواني والسلع الخشبية والآجر، ويجتمع بعضهم فيؤلفون فرقة (أوركستر) ويتجولون يوم السوق من قرية إلى قرية، ويلاحظ أيضاً أنهم أخذوا يستبدلون ثيابهم النورية بثياب الحضر، وبين النور المجريين كثيرون ممن درسوا في معهد الموسيقى الأعلى (الكونسر فتوار)، ومنهم من درس الموسيقى نظرياً وعلمياً، ومنهم فانون يعجب بفنهم العالم كله، فهم حقاً من أمراء الموسيقى، لهم مقامهم في المجر وفي الخارج؛ وممن قدر موسيقاهم وأعجب بها أساتذة عظام مثل هيبرمان وكيبورا ولسزت. وقد كان من المستطاع أن نحمل النور المجريين على درس الموسيقى الريفية الأصلية، كإخوانهم نور رومانيا أو سلوفينا أو روسيا؛ فالنور يتلقون ببراعة مدهشة كل فن وكل روي، وتلك أعظم خواصهم؛ والنوري يغتبط جد الاغتباط إذا ألفى مستمعاً يستطيع أن يرشده وأن يعلمه الأسلوب الحق؛ وعندئذ يدرك معنى الموسيقى الريفية وينفذ إلى روحها،

стр. 4888

ويترك تلك الألحان الصاخبة التي يملأ بها أغانيه. ولسنا ممن يجاري بعض المتشائمين من نقدتنا الموسيقيين في قولهم بوجوب القضاء على الموسيقى النورية؛ فإن لديهم خواص عجيبة ترجع إلى مقدرتهم على التشبه والاقتباس. هذا وقد استطاع النور في إسبانيا وإنكلترا وبسارابيا واليوكرين أن ينشئوا ثقافة موسيقية خاصة. وأغاني النور الأوكرانيين ورقصاتهم ذائعة معروفة في كل مكان. أما النور المجريون فلا يعرضون علينا فنهم قط، حتى ليقال أن ليس لهم فن. ولكنهم في الواقع ينشدون أغانيهم فيما بينهم، ويرقصون رقصاتهم، ويتلون أمثالهم وقصصهم. وهم يعيشون في عزلة مطبقة حتى أن البحث عن خواصهم الجنسية والفنية ليصطدم بأكبر الصعاب. ولديهم وسيلة أخرى للدفاع هي لغتهم التي هي مزيج من العناصر السلافية والرومانية وغيرها. وهم يضمرون البغض والريبة للأجانب لما فرض عليهم من الحياة الوضيعة التي تكاد تنحط إلى المستوى الحيواني، وشأنهم في ذلك شأن القبائل الهندية التي غزاها الأوربيون. والنوري يقدر ما بينه وبين الغير من الفروق، ويعرف أن الغير لا يعتبره إنساناً بالمعنى الصحيح؛ ولا يجد سوى الموسيقى للتعبير عن نفسه ومقدرته؛ فإذا سنحت له فرصة العزف، فانه يملأ موسيقاه وألحانه بكل ما يشعر به من الشهوات وألوان البغض والغضب، والحنان، والثورات، والاحتقار، والفرح، واليأس؛ ويبقى النوري في ذلك المجتمع المتمدن الرأسمالي، النصراني، الذي يرغمه على الاستقرار والاعتراف بالملكية، والتنصير، والخضوع للقوانين بين الغابات والسهول الوحشة - يبقى دائماً وثنياً، جامع العاطفة، مخلوق الغريزة، ويلجأ إلى الموسيقى لبث مقاومته وشكواه؛ ولو نبذ النوري أساطيره وسحره، ونسى لغته، وترك قصصه وأناشيده ورقصه، فانه يبقى مع ذلك نورياً بالموسيقى. ولن تمضي أعوام أخرى حتى يغمر النور ذلك البحر الإنساني الذي يحيط بهم؛ ولن تمضي أجيال قليلة حتى يغدو النور كالزراع، وينسون كل خوصاهم وتقاليدهم؛ ولن يبقى من الفن النوري سوى قليل من الأغاني والقصص، ذلك الفن الذي هو أعجب الفنون الشعبية وأكثرها طرافة؛ وعندئذ لن نجد سوى بعض الفنانين الذين ينحدرون من أصل نوري، يتجولون هنا وهنالك في بعض المدن؛ بقية شعب كبير كان يجوب السهول والغابات،

стр. 4889

يزاول السحر والكهانة، ويخاطب الأرواح، ذليل عزيز مع ذلك لأنه حر. وتلك خسارة فادحة للنور وللوثنية والقصص والحرية. . . بيد أنه يستحيل علينا أن ننقذ النور في ذلك المجتمع الذي يناقضهم في كل شيء.

стр. 4890

بين توفيق الحكيم وأهل الكهف بقلم شهدي عطية الشافعي قرأت لتوفيق أهل الكهف فيمن قرأ. وأحببتها حباً فوق حب الناس لها. ولكن ناحية منها لم ترضني، وليس ذلك بجريرة للمؤلف آخذها عليه. ولكنه شعور نفسي تملكني. منظر في إحدى جنان الخلد. ثلاثة رجال متكئون على الأرائك وأمامهم أبارين وأكواب من ذهب وفضة، والأطيار من حولهم تشدو مرنوش: (متأملاً حوله) - يا لله! ما أبدع هذا وما أجمله! مشلينيا أيها الكسول. إلا تستيقظ لتستمتع بهذا الجمال. مشلينيا: (يفرك عينه) أهذا أنت يا مرنوش! أين نحن؟ لسنا في الكهف. مرنوش: (في حدة) الكهف؟ تباً لك! لا تذكرني به، لقد كان كابوساً مخيفاً. مشلينيا: لعنة الله عليه ما أشامه. . . وهذه الثلثمائة عام التي لبثناها فيه.! وملك آخر مسيحي مكان دقيانوس الوثني. . . وبريسكا غير بريسكا. كيف كان كل هذا؟ يميخا: (مستيقظاً) حمداً لك يا خالق السموات والأرض. اللهم إنا نمجدك ونؤمن بعيسى نبيك. مرنوش: (مأخوذاً) يمليخا؟ كيف أنت؟ يمليخا: (في خشوع) ألا تحسان فيضاً من النور الإلهي يخترق شغاف القلب. كأني على قيد ذراع من الله. يا لروعة هذا! مرنوش: (في عجب) إنك لتبدو جميلاً يا يمليخا. أنّى لك هذا الثور المزركش وذلك الوجه الصبوح؟ مشلينيا: (في دهش) ولكنك لم تر ثيابنا يا مرنوش. إنها موشاة بالذهب. مَن أتانا بها (ناهضاً) مرنوش يا للعجب! لقد شف جسمي حتى لأرى ما بداخله! مرنوش! مرنوش. لقدَ خف ثقلي حتى لاحسبني طيراً ذا جناحين! مرنوش: مشلينيا، ماهذا؟ لقد صدقت. ألا تذكر استكراش بطني وانتفاخ رجليّ. لقد ذهب كل هذا (بتحسن وجهه) لله ما أنعم وجهي وما أرقه!

стр. 4891

مشلينيا: وأنت يا يمليخا (لا يجيب ولكنه يذهب بعيداً) يمليخا! أتاركنا؟ إلى أين؟ يمليخا: إلى حيث قطمير كلبي. مرنوش: (ضاحكا) أليس لك في هذا الجمال سلوى عن قطمير؟ يمليخا: (مبتئساً) قطمير. عزيز قطمير. حارس غنمي ورفيق طريقي وصاحبي في السراء والضراء (متهللا فجأة) يا لله! هاهو ذا مقبلاً. انه يهز ذيله فرحا. مشلينيا: (عابثاً) أهذا قطمير كلبك؟ أين هذا ذو الشحم واللحم من قطمير الضاوي البطن البارز الأضلاع؟ يمليخا: (في سرور) إنه قطمير بعينه. إنني مستطيع أن أتبينه من كلاب الأرض جميعاً. تعالت قدرتك يا إلهي. لقد أنلتني بغيتي وجمعتني بكلبي!! سبحانك اللهم نسبح بحمدك! مرنوش: (متجهاً بنظره) وما يدريك لعله امرأة. (بعد برهة) إنه يضع قرصاً أحمر فوق رأسه ويشد عنقه بمنديل. يمليخا: انه اسرع في خطاه نحونا. مرنوش: لعلع ذلك لحاجة له. إنني أرى تقاطيع وجهه جيداً. إنه رجل يا مشلينيا. يا لغرابة لباسه. إنه يشد عنقه بحبل ملون لا بمنديل. توفيق الحكيم: (بلباس إفرنجي وفوق رأسه طربوش متبينا القوم) ميشلينا! مرنوش! يمليخا!. وقطمير أيضاً هنا! يا لحسن حظي. كيف أنتم؟ لقد كنت أتوق لرؤيتكم. (أهل الكهف يتلاومون ويتأملون توفيقاً في خوف غير قليل) يمليخا: (متشجعاً) ومن عساك تكون؟ ومن أنباك بأسمائنا؟ توفيق: ألا تعرفونني؟ لكنني أعرفكم حق المعرفة، وأحفظ وجوهكم كأني عشت بينكم ألف عام. أنا توفيق الحكيم. مشلينيا: ماذا يقول؟ يمليخا: (هاماً) انه يخبر عن صناعته. فهو حكيم. مرنوش: (في اضطراب) ولكن ليس بنا من مرض يا سيدي. توفيق: لا. لا. إنه اسمي. توفيق الحكيم. لقد قرأت سيرتكم وتحدثت عنها في قصة حوت فن باريس وفلسفة أثينا وحكمة الروم.

стр. 4892

يمليخا: (في همس) إنه يذكر الروم. مرنوش: (في ذكاء) آه. لقد فهمت يا سيدي. لعلك - رأيتنا إذ بعثنا من كهفنا بعد نومنا الطويل. توفيق: لا، لا، ليس هذا. إني قرأت عنكم وامتزجت روحي بروحكم، ولكنني لم أركم قط رؤيا العين. مشلينيا: ولكن أنى لك بمعرفة وجوهنا؟ توفيق: (في دلال) إنه الفن يا سيدي. يسمو بالمرء حتى ليرى ما تختلج به نفوس القوم، وما تضطرب به أفئدة البشر، إنه الفن الذي يصل الماضي بالحاضر. لقد ترجمت عما في نفوسكم واستكشفت خباياها بعد موتكم بعشرات القرون. أفيعجزني الآن أن أتعرف إلى وجوهكم؟ مرنوش: (هامساً في خوف) لعل به مسّاً من الشيطان! يمليخا: (معترضاً كالهامس) لعله قديس وهبه الله قبساً من نوره فقرأ ما في نفوس البشر. مرنوش: (في همس) لقد عرفنا وعرف أسماءنا، برغم انه لم يرنا قط. مشلينيا: بل ويزعم أنه استطلع ما في نفوسنا. توفيق: (عابثاً) نعم. ألست أنت مرنوش (مشيراً إليه). ألم يكن لك زوج تحبها. وبنيت بها في الخفاء فأنجبت لك غلاماً، ثم نجوت بنفسك إلى الكهف خوفاً من دقيانوس وشروره!! يمليخا: (هامساً) ألم أقل لكما أنه قديس؟ (في صوت عال) صدقت أيها القديس. توفيق: (متمماً حديثه) ولولا زوجك هذه يا مشلينيا لما كنت مسيحياً، ولمت وثنياً، ونقمت على المسيح والمسيحيين. أنت يا ساعد دقيانوس الأيمن في مذابحه قبل زواجك. . . فإذا ما افتقدت زوجك وغلامك انقلبت ساخطاً على السماء والأرض (ومت مجرداً من كل شيء عارياً كما ظهرت، فلا أفكار ولا عواطف ولا عقائد). مرنوش: أتعنيني أنا؟ (هامسا إلى زميله) لقد حسبت به مساً من الشيطان، ولكني واثق الآن أنه الشيطان نفسه. ولعله كان يسكن هذا الكهف المظلم المشئوم الذي لبثنا فيه حقبة من الدهر. ولابد أنه تحسس أخبارنا ونحن في ظلمة لنتبين من أمره شيئاً.

стр. 4893

(ثم يتوجه بكلامه إلى توفيق في صوت عميق حار) لا يا سيدي لد عشت مسيحياً، ومت كما عشت، ولقد أرتني زوجي الطريق إلى الله فأحببته بكل جارحة، وما عبأت بدقيانوس ولا بمكاني عنده. مشلينيا: (هامساً) لنمتحنه! فلعل ما يدريه عني خير مما عرفه عنك (في صوت مرتفع) وماذا عندك لي يا. . يا. . معذرة يا سيدي الفاضل. توفيق: (متردداً) مشلينيا الذي أحب بريسكا وأحبته، بل عبدته، حتى لقد اعتنقت المسيحية من أجله، ورضيت بدين عشيقها عن دين آبائها بديلا. مشلينيا: (محاولات كتمان غضبه) تا لله لقد أخطأت. إنها أرادت لنفسها هذا الدين وآمنت به قبل أن تدري عن مسيحيتي شيئاً. لقد كان دين الحب، وكانت تعاليمه البساطة عينها والنبل نفسه، فآمنت بريسكا الطاهرة الساذجة، وكان إيمانها قوياً. ألا تذكر يا مرنوش كيف كانت تمزج قبلاتها لي بالصلاة لله شاكرة له أن هداها سواء السبيل، وأن أرشدها إلى نوره الحق؟ أو تذكر عند هروبنا تحت جنح الليل، وقد كشفوا أمرنا كيف كانت مطمئنة واثقة أن الله سينجي عباده المخلصين؟ وكيف أخذت على نفسها عهداً أن تصلي وتصلي لعل الله ينجينا.؟ يمليخا: (هامس في ذعر) إن هذا الرجل لا يعجبني! ماذا يقفه ببابنا؟ ما أقبح عينيه! انه ليشع منها ذكاء خبيث! مشلينيا: ألم تحسبه قديساً؟ يمليخا: لقد نسيت أن الشياطين تتخذ أحياناً ثوب القديسين. توفيق: (محاولات التقرب بعد ما أحس منهم نفوراً) ويمليخا. . . . الراعي الذي آمن في اخلاص، وأحب الله في قوة. ورضى قرير العين أن يترك غنمه ليرشدكم إلى الكهف تلجئون إليه.؟ مرنوش: ولماذا جعلته من بيننا وحده المؤمن؟ توفيق: (بين التردد والأحجام) لم يكن له أهل (وكان قلبه خليّا، فلا يضيره أن يمنح قلبه لله). مرنوش: (هامساً لزميليه) ألا تشمان في عبارته رائحة الخبث والسخرية المخبوءة؟

стр. 4894

مشلينيا: (في ضجر) لقد صدقناك يا سيدي. ولكن ما دفع بك إلينا؟ توفيق: لقد اتصلت روحي - روح الفنان بروحكم، ولم تستطع الأجيال أن تفصل بيننا، فبعثت قصتكم بعثاً جديداً إلى القرن العشرين. مرنوش: (في تهكم خفيف) أكنا في حاجة إلى هذا البعث.؟ توفيق: (في غيظ) أتنكرون فضلي؟. لقد أصبح القوم ولا حديث لهم إلا أهل الكهف. ولقد أخرجتكم إلى الناس في ثوب من الفن أنيق، أتقنت في الصياغة، وأجدت فيه الانسجام، وسخرت له كل ما قرأت من فلسفة اليونان، وفلسفة القرن العشرين؟!! مرنوش: ولكنك مسختنا وأنكرت علينا إيماننا ومسيحيتنا التي كانت كل شيء لنا. مشلينيا: ولقد أهنت بريسكا الطاهرة الجميلة. يمليخا: (في سأم وضيق) سيدي القديس! لعل في جوارنا أهل كهف آخرين. فلتبحث عنهم. أما نحن فلسنا من ذكرت.!! شهدي عطية الشافعي بكالوريوس آداب

стр. 4895

مصر تنسى شاعرها حافظ إبراهيم للأستاذ كرم ملحم كرم تألم صاح (الرسالة) المصرية لحظ الأدباء المنكود. وأوجعه أن يسير حافظ إبراهيم إلى مثواه الأخير بين حفنة من رجال الفضل والأدب، وألا يمشي وراء نعش أحمد زكي باشا رجل العلم والهدى غير نفر معدود، على حين أن السياسيين إذا ماتوا اندفعت وراءهم الأمة بأسرها على في شبه مظاهرة، وأبدت عليهم من الأسف واللوعة مالا تفكر أن تبديه حيال أي أديب. ومما زاد في إيلام صاحب (الرسالة) أن القوم في مصر تناسوا أدب حافظ إبراهيم، وبات الرجل لديهم أشبه بأبي نواس في مجونه، فهم إذا ذكروه تحدثوا عن نوادره لاعن أدبه، كأنما شاعر البائسين أضحى من الهازلين، كأنما أضحى جحا في مداعباته مع أن حافظاً خالد في شعره ونثره، فقد أبقى من المنظوم والمنثور ما يحق للغة العربية، وخصوصاً لمصر، أن تفاخر به. فان حافظاً شاعر الوطنية وشاعر الأدب البائس. وقد أحيا في قصائده كما أحيا شوقي والمطران، عهداً للأدب مشرقاً في مصر، فأعادوا على ضفاف النيل عهد الفرزدق والأخطل وجرير على ضفاف بردي. ومصر مدينة لحافظ بشيء من هذه النهضة الوطنية البادية فيها. أما هز النفوس بقصائده في ضرورة إنقاذ مصر من الطغيان الأجنبي؟ أما أظهر استبداد المحتلين وجورهم وسعيهم لي إذلال مصر؟. . . لقد ترددت قصائد حافظ تحت سماء وادي النيل كأنها أنفاس بوق يدعو المصريين إلى الجهاد والاستشهاد، ومع كل هذه الغيرة الملتهبة على مصر من حافظ، لم يجد حافظ من المصريين أي وفاء، فما اعترفوا له بمكرمة ولا بمأثرة في غير بطون الكتب والصحف والمجلات. أما عامتهم، ولاننسى خاصتهم، فما فكروا في أن يقيموا لشاعرهم ضريحاً. ولقد ضل الوفد اللبناني طريقه إلى هذا الضريح وهو يحمل إليه إكليلاً مضفوراً من فلذة أكباد اللبنانيين الذين يجاهدون في سبيل أدبهم، الأدب العربي، ويقدرونه قدره، والذين لا ينسون لحافظ أقواله فيهم وحبه لهم وإعجابه بهم مع أن من واجب مصر ألا تجحد فضل شاعرها عليها، من واجبها أن تقيم له ضريحاً يليق به، من واجبها أن تذكره كشاعر قبل أن تذكره

стр. 4896

كما جن، فالمجون في حافظ لا يغلب على الشعر. وكنا نعتقد أن صداقة حافظ لمحمد محمود باشا ستدفع به إلى تخليد ذكرى الشاعر بإنشاء ضريح فحم يضم رفات فقيد الأدب. ومما حملنا على هذا الاعتقاد ما يتمتع به محمد محمود باشا من ثروة، ولقد أخلص حافظ إبراهيم للرجل، ولقي من عنت حكومة إسماعيل صدقي باشا ما لقي لأجل إخلاصه لمحمد باشا محمود وصداقته له، أيكون هذا جزاءه منه؟. . . أيضن الرجل المصري العظيم الثروة بقليل من المال في سبيل تشييد ضريح يرد فيه جثمان حافظ بأمان؟. . . من حق صاحب (الرسالة) أن يتألم، وإننا لنشاطره ألمه ونأسف على مصير الأدب والأدباء في البلاد العربية. فالأديب لا يجد من ينصفه، لا في حياته ولا في مماته. فان قيمته لدى الناس لا تزيد على ما يملك في جيبه من المال. فإذا كان ذا ثروة وجد من يحفل به ويشيعه إلى مرقده الأخير. أما إذا خانته الثروة فلا صديقه يتأثر لفقده ولا بنو قومه. فالمال هو كل شيء في هذه الحياة. ولو لم يمت شوقي عن ثروة ضخمة لكان نصيبه من بني قومه نصيب حافظ، وربما كان دون نصيب حافظ. وربما كان دون نصيب حافظ. إلا أن ثروة شوقي شفعت له في حياته ومماته، فساعدته على التربع في عرش أمارة الشعر، وحلمت الناس على الإطناب فيه، وهي هي التي دفعت الحكومة المصرية إلى إقامة ذلك المهرجان العظيم لرثاء شوقي والاحتفال بذكراه. نعم، هي المآرب السياسية وصلات القربى التي مالت بإسماعيل صدقي باشا إلى إقامة ذلك المهرجان نكاية في الوفديين والأحرار الدستوريين الذين أخلص لهم حافظ، وتودد إليهم في أيامه الأخيرة إلا أن الوفديين والأحرار الدستوريين هم الفئة الكبرى في مصر فكيف تناسوا حافظاً ولم يحتفلوا بتخليد ذكراه، ولو لأجل النكاية كما اختلفت حكومة إسماعيل صدقي بتخليد ذكرى شوقي؟. إن حافظاً ليس في حاجة إلى ضريح خاص يقام له ليخلد، ولا بحاجة إلى مهرجان أدبي تقال فيه قصائد الرثاء ليمس الرجل ذا قدر في عالم الأدب، فان آثاره تكفي لتخليده، وتلك المظاهر الزائلة ليست ذات شأن في مقام حافظ الأدبي، بل هي عديمة الشأن، إلا أن

стр. 4897

الفضل يجب أن يعلن، والوفاء واجب على من طوق حافظ جيدهم بجميله، وعلى كل ذي مروءة وحمية إلا يصدف عن هذا الواجب المفروض. لسنا نجهل أن حكومة إسماعيل صدقي ماتت، ولكن الوفديين والأحرار الدستوريين لم يموتوا، وما فاتهم بالأمس يجب إلا يفوتهم اليوم، وعلى مصر بأجمعها ألا تنسى بنيها ذوى الأدمغة النيرة فيها، وتلك النشرة الخاصة التي أذاعتها جريدة (السياسة) لإحياء ذكرى حافظ لا تكفي، فمن الواجب الدعوة إلى المهرجان، من الواجب تشييد الضريح، وإن مجلة (الرسالة) لا تخطئ إذا خصصت أحد أعدادها بحافظ، فتدعو أدباء الأقطار العربية جمعاء إلى إعلان كلمتهم في الشاعر المبدع الموهوب، فان نشرة كهذه يذهب لها صدى بعيد، وتحمل كل ذي شمم على الاهتمام بشاعر كل عيبه أنه رغب في توطيد دعائم الأدب في وادي النيل وفي الإشادة بوطنه، وفي لفت أنظار سائر البلاد العربية إلى ذلك الأدب الريان المورق في خمائل مصر. وإن تكن (الرسالة) تطمع في المساواة بين حافظ وشوقي فلتخصص نشرة من نشراتها بحافظ ونشرة أخرى بشوقي، فذلك إليها، على أن تثبت الدعوة إلى مهرجان حافظ وإلى بناء ضريحه، وبهذه الهمة تخدم الأدب وبنيه خدمة لم تسبقها إليها صحيفة عربية، ويكفي أن تعظ المصريين بتذكيرهم بواجبهم حيال علم من أعلامهم خفق في ميدان الوطنية والأدب، فان هذا التذكير لابد منه لأجل مصر قبل الجميع، لئلا تتحقق كلمة المتنبي وحافظ فيها: فما أنت يا مصر دار الأدي … ب ولا أنت بالبلد الطيب نحن نتألم لنصيب حافظ من بني قومه كما يتألم صاحب (الرسالة) الأستاذ الزيات. وإنا لعلى اعتقاد تام أنه لن يغفل عما نبدي من رأي. وحرام وألف حرام أن يطرح حافظ جانباً كالمنبوذين من الناس، وأن يقصد الغريب عن مصر إلى ضريحه يحج إليه فلا يجد من يهديه إلى هذا الضريح، وقد تناسب مصر واجبها حيال شاعرها، فما جادت ببضعة دنانير تحفظ بها بقاياه! بيروت كرم ملحم كرم صاحب مجلة العاصفة

стр. 4898

والرسالة نرجو أن توفق إلى رأي الأستاذ

стр. 4899

حول مقال نجار ونجار بقلم محمد السيد محمد المويلحي تشاء سخرية القدر اللاذعة أن تحملني قسراً، وأن تضطرني اضطراراً، وأن تخرج قلمي عما اعتاده نحو أساتذته من الإشادة بنتاجهم والفخر بأدبهم الذي يضفي علينا ألواناً من الثقافة الحق التي هي جماع ما في الأدب من رقة ودقة وجمال. . . أقول: تشاء هذه السخرية المرة أن تحملني على نقد مقال لصاحب فجر الإسلام، وضحى الإسلام، بل صاحب الثقافة الناتئة في شمم المجد، السامقة في سماء الخلود. . . لِزَلَّةٍ زّلهَا، وكبوة كباها، ولا أحب أن أكون قاسياً شديداً فأقول: (إنها زلَّة وطنية، وكبوة قومُّية) سوف تكون سلاحاً ماضياً، وحجة دامغة في يد أعدائنا الذين يتصيدون هفواتنا، وأخطاءنا، والذين يستغلون عيوبنا الصغيرة الناشئة من جهل بعضنا، لتكون سيفاً يشهرونه في وجوهنا كلما هممنا أن نطلب العزة، وأن ننشد الكرامة، وأن ندَّعي الكفاية. . إنما أحب أن أكون هادئاً ومرشداً إلى حقيقة ربما تجاهلها الأستاذ ليرفه عن قرائه، ويضحكهم بذكر عيوب إخوانهم وأبناء وطنهم، وليهرب في الوقت نفسه من عناء البحث المضني والتفكير المرهق، الذي لا يتفق مع هذا الحر. وهذه الحقيقة: هي أن ضيوفنا الأجانب الذين يمتصون دماءنا، ويسلبون أموالنا، بمختلف الطرق وشتى الأساليب. . . يؤلمهم جداً، ويخيفهم جداً، أن يروا تلك النهضة المباركة التي قام بها المصريون، وتلك المزاحمة التي أوشكت أن تغلغل في كل شيء بعْد أن كان أغلب المهن المُزَاحَم فيها وقفاً على الأجانب دون غيرهم. لذلك تراهم يسرفون في اتهامهم وفي محاربتهم لجهودنا، بل تراهم يقاومون كل عمل مثمر لنا أشد المقاومة وأخسها وأبعدها عن الشرف والكرامة. . . فكيف بهم، وهم يرون أستاذاً جليلاً، وعالماً رزيناً، يعتقد المصريون فيه كل الخير، ويؤمنون بوطنيته أعمق الايمان، كيف بهم، وهم يرون الأستاذ يتطوع للدفاع عنهم بطعن شخصية مصرية بلُغة تبعث على احتقراها وتشويهها. ثم ينبري لتمجيد نفر منهم، وتكريم شخصيته بأسلوب يطفح إعجاباً، ويشجع على لئم يد صاحبها التي تعمل بسكون وهدوء، والتي لا تقلق راحة الأستاذ، بل تدفعه إلى النوم، لأنه لا يحس بها ولا

стр. 4900

بحاملها. . أكبر الظن أن الأستاذ نال منا أكثر مما ناله الأجانب، وحقَّر فئة منا لم تحقرها الأجانب، لأنها مشتركة معها في عيبها وكيف لا يكون قد نال منا وحقرنا وهو يصف بقلمه الخصب المطاوع شخصية شاب مصري يمتهن النجارة. ويعمل في حانوت أمام منزل الأستاذ الذي كان يراقبه عن كثب، ولا ينصرف عنه إلا ليصف (قُصتَه ُ) الكبيرة الخارجة من طربوشه صاعدة إلى السماء. . وإلا تلك الملابس القذرة الممزقة التي تعلو جسمه. . وإلا تلك الحفلات التي كان يقيمها (ليلا) في حانوته ليشرب وإخوانه بنت الحان. . وإلا تلك الأشياء التي إن يأخذها المسكين ليرممها فيبيعها، فيأتي أصحابها ويلتحم الجميع في معركة حامية لا يعيرها البوليس أدنى اهتمام لأنه كما يقول أستاذنا: لا يهتم بهذه السفاسف. . وإلا تلك الضجة الهائلة التي كان يحدثها عندما يشتغل ليلا والناس نيام. . فيأمره الأستاذ بالكف عنها رحمة بالجيرة فلا يصدع بما يؤمر. . وإلا هذا الحجز الذي وقع عليه. . أفرأى الناس. . وبخاصة القاصّين منهم كيف أن الأستاذ قد بذَّهم في ابتكار شخصية مصرية ليطعنها كل هذه المطاعن؟. فتارة يرميها بالقذارة والعربدة والكذب، وطوراً يرميها بالنصب والعمل على إقلاق راحة الناس؟؟ هب يا سيدي الأستاذ أن هذه الشخصية المصرية حقيقية. فهل يجوز أن تذكرها في مجلة نبيلة واسعة الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها.؟ على أنني أستميح عذر الأستاذ وحلمه فأقول: إنني أشك كثيراً في هذه الشخصية المسكينة. . . فكلنا يعلم أن زمن (القُصة) قد انمحى. . وكلنا يعلم أن قذارة الملبس، وتمزيقه لا تكون لنصاب يبيع أدوات الناس وأثاثهم. بل كلنا لم يشاهد نجاراً واحداً يغلق حانوته نهاراً، ويفتحه ليلا ليشرب ويعربد ثم يقوم فيشتغل!! أين البوليس الذي يقوم بالحراسة والمحافظة على راحة الناس، وبخاصة في الأحياء الراقية التي يقطنها الأستاذ؟؟ هل كان يترك الأسطى حسن يعربد، ويشرب، ويدق، ويشرق، ويتركك ترجوه وتستعطفه دون أن يعبر هذا أدنى اهتمام أم كان كما تقول في حديثك عنه (لا يهتم لهذه السفاسف).؟؟

стр. 4901

وإذا كان النصب والاحتيال، والسكر والعربدة، وإقلاق راحة الناس سفاسف، فما هي الكبائر. .؟؟ أعترف أن الحر يؤثر في نشاط العقول حتى الكبيرة منها، وأعترف أيضاً أن جو ضاحية الأستاذ قد ظلم الأسطى حسن المصري أفحش الظلم، وأشاد بفضل الأسطى (الرومي) كل الإشادة، حتى أن الأستاذ لفرط إعجابه به لم يسمع شقه ودقه. لأنه يشق، ويدق في حرير لا في خشب!! وإلا لما قال ما معناه. . (. . . وحلَّ محل الأسطى حسن شاب رومي يماثله سناً ومهنة. ويختلف عنه نظافة وأدباً وإتقاناً وصدقاً. . حتى أنني لم أحسن به إلا بعد ستة شهور. لأنه يفتح حانوته نهاراً، ويغلقه قبيل الغروب. . وأذكر أنني استدعيته مرة ليصلح دولاباً فطلب ضعف ما كان يطلبه الأسطى حسن فأعطيته ما طلب لوثوقي من وفائه، وصدق ميعاده. .) يالله. . . وكيف لا يكون وفياً صادق الوعد، وقد أعطيته ضعف ما كان يأخذه المسكين حسن الذي لو جرؤ وطلب هذا الضعف لرميته بالجشع والطمع. . لعلي في هذا الكلمة قد أرضيت الحقيقة التي تكلمت عنها في كلمتي السابقة بالوادي الأغر، والتي قلت فيها. (أنني لا أحب إلا الحق، ولا أكتب إلا له، وله وحده: لا فرق عندي بين شيخ وشاب، ومشهور ومقبور). ولعل الأستاذ يعتقد أنني لم أكتب هذه الكلمة إلا لأني أحب أن أقرأ لصاحب فجر الإسلام وضحاه شيئاً غير هذا الأدب الذي يبعث الأجانب على احتقارنا. ولعلي أيضاً لم أغضب أستاذنا فيتقبل كلمتي بقبول حسن، ويحملها محملاً خالياً من الغرض، بريئاً من اللؤم. فإنها لا ترمى إلا إلى تمجيد أمة فتية تتوثب نحو الكمال والنور. (الرسالة) نعتقد ويعتقد معنا الكاتب الفاضل أن الأستاذ الجليل احمد أمين لم يرد بما كتب تحقير العامل المصري ولا إيثار الأجنبي عليه، وإنما أراد إيقاظه وإصلاحه من طريق المقارنة والمثل. وإخفاء العيوب خوف الشماتة مظنة لعدم الشعور بها، ومن حق الناقد الاجتماعي أن يجسم بعض العيوب لتتمثل في الإحساس الضعيف، وتبرز أمام العين الكليلة. ولأن نسمع عيوبنا من أساتذتنا نقداً ونصيحة، خير من أن نسمعها من خصومنا سباً

стр. 4902

ونقيصة!

стр. 4903

نسبة شعر قرأت في مقال (إبراهيم بك مرزوق) المنشور في العدد السابع والخمسين من الرسالة بقلم الأستاذ محمود خيرت فيما روي عن المرحوم المنفلوطي هذا البيت: مضى بها ما مضى من عقل شاربها … وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي أورده في قصة حكاها عن رجل قال إنه كان رئيساً (باشكاتب) لكتبة محكمة إسكندرية الشرعية؛ ثم قال الراوي: (ولا أدري إذا كان هذا البيت من مقولة أو قديم). والبيت قديم من قصيدة لعبد الله بن العباس الربيعي يقول فيها: ومستطيلٍ على الصهباء باكَرَها … في فتيةٍ باصطباح الراح حُذّاقٍ يمضى بها من عقل شاربها … وفي الزجاجة باقِ يطلب الباقي فكل شيء رآه خالُه قدحاً … وكل شخص رآه ظنه الساقي والذي نسبتْ إليه القصة لم يكن رئيساً للكتبة، ولكنه كان أحدهم، واسمه الشيخ احمد، وكان مليح النادرة معروفا بالنكتة، سمعت عنه مضحكات كثيرة، منها انه كان ذات يوم نازلا من المحكمة فالتقى برجل صاعد يطلب مقابلة الرئيس، فسأله الرجل: يا شيخ احمد هل الرئيس فوق؟. قال هو فوق ولكن أعضاءه نزلتْ. . ومنها أن عمى المرحوم الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الرافعي، وكان نقيباً لمحكمة إسكندرية، سئل في ميراث يراد معرفة ما يُفرض منه لكل وارث، وكان الشيخ احمد هذا يكتب عنه الفتاوي، فكلفه المفتي أن يعمل ما يسمونه (شبّاكا) وهو رسم ذو بيوت يُذكر فيه الورثة أصولا وفروعا وفريضة كل منهم، ولما كان الغد سأله: يا شيخ احمد هل عملت (الشباك)؟ فقال يا سي الشيخ: ما ليش (طاقة). أما النادرة التي رواها الأستاذ خيرت وحكاها له المنفلوطي فليست بصحيحة على ذلك الوجه البتة، إذ لا يعقل أن عالما فاضلا رئيساً لمحكمة شرعية يقول لرجل: أنت طالق. والذي روُي لي أن أحد الموظفين مع الشيخ احمد قاطعة مع طريقته فطلقه ثلاثاً، وجاء الباقون يسعون في الصلح بينهما وأخذوا المعتدِي إلى المعتدَي عليه ترضيةً له، فلما دخلوا (بالمطلق) على الشيخ احمد فعل بجبته ما تفعل المطلقة بملاءتها إذا استترت ممن لا تحلُّ له. . فضحك الجميع وشاعت النادرة، ولعل الشيخ احمد نظر فيها إلى نادرة قريبة منها رواها صاحب الأغاني في كتابه والله أعلم.

стр. 4904

مصطفى صادق الرافعي

стр. 4905

فصول مدرسية في الأدب الدرامي ١ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات الرواية تمثل طائفة من الناس لحادث متحقق أو متخيل لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان. فكونها تمثيلاً يخرج الملحمة لأنها حكاية صرفة، والرواية مدارها على التطبيق والعمل، فليس لمؤلفها وجود في المسرح ولا حضور في الذهن، وإنما يرى المشاهد ويسمع الأشخاص يعملون بعينه وأذنه. وكون الحادث متحققاً أو متخيلاً يفيد أن الحقيقة التاريخية ليست شرطاً في الرواية، فيستطيع الكاتب أن يكملها بالزيادة ويجملها بالمبالغة كما فعل كوريني في (بوليكت)، أو يختلق الحادث وحده اختلاقاً كما فعل في (السيد)، أو يخترع الحادث والأشخاص اختراعاً كما فعل فولتير في (زيير). وقولنا (لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان) احتراس من إدخال الخوارق في الرواية، لأن قانونها الأساسي أن تكون صورة للحياة البشرية ما استطاعت. ولن تستطيع أن تتصور الحياة أو تقلدها إلا بتوخي الحوادث الحقيقية الواقعة أو الممكنة. وشرط الإمكانية يوجب على الكاتب أن يقف عند حدود الممكن المعقول في الموضوعات المتخيلة، وأن يضحي بالواقع أحياناً إذا بعد احتماله لشذوذه وغرابته في الموضوعات المتحققة. على أن من الجائز استعمال الخوارق قليلاً في الرواية إذا كان الكاتب قادراً والمخرج المسرحي ماهراً كما وقع في رواية (فيلوكتيت) لسوفوكليس، ورواية (أتالي) لراسين؛ ومحل ذلك حين يراد تقوية الشعور وإثارة العاطفة وتحريك الهوى في شخص من أشخاص الرواية، بإبراز هواجس فكره ووساوس نفسه في صورة مشخصة مجسمة، كما صنع شكسبير بشبح (هملت) وساحرات (ماكبث). وليس من الضروري أن يهبط الآلهة والأشباح والهواتف على منصة المسرح، بل يجوز أن يحدث ذلك في ظاهرة ثم يخبر به شخص من الأشخاص، كما حدث مثلاً في حلم أتالي وبولين، وفي موت هيبولييت وأوديب. منشأ الرواية وتأثيرها
следующие страницы →