Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
وإذا كان النصب والاحتيال، والسكر والعربدة، وإقلاق راحة الناس سفاسف، فما هي الكبائر. .؟؟
أعترف أن الحر يؤثر في نشاط العقول حتى الكبيرة منها، وأعترف أيضاً أن جو ضاحية الأستاذ قد ظلم الأسطى حسن المصري أفحش الظلم، وأشاد بفضل الأسطى (الرومي) كل الإشادة، حتى أن الأستاذ لفرط إعجابه به لم يسمع شقه ودقه. لأنه يشق، ويدق في حرير لا في خشب!! وإلا لما قال ما معناه. .
(. . . وحلَّ محل الأسطى حسن شاب رومي يماثله سناً ومهنة. ويختلف عنه نظافة وأدباً وإتقاناً وصدقاً. . حتى أنني لم أحسن به إلا بعد ستة شهور. لأنه يفتح حانوته نهاراً، ويغلقه قبيل الغروب. . وأذكر أنني استدعيته مرة ليصلح دولاباً فطلب ضعف ما كان يطلبه الأسطى حسن فأعطيته ما طلب لوثوقي من وفائه، وصدق ميعاده. .)
يالله. . . وكيف لا يكون وفياً صادق الوعد، وقد أعطيته ضعف ما كان يأخذه المسكين حسن الذي لو جرؤ وطلب هذا الضعف لرميته بالجشع والطمع. .
لعلي في هذا الكلمة قد أرضيت الحقيقة التي تكلمت عنها في كلمتي السابقة بالوادي الأغر، والتي قلت فيها.
(أنني لا أحب إلا الحق، ولا أكتب إلا له، وله وحده: لا فرق عندي بين شيخ وشاب، ومشهور ومقبور).
ولعل الأستاذ يعتقد أنني لم أكتب هذه الكلمة إلا لأني أحب أن أقرأ لصاحب فجر الإسلام وضحاه شيئاً غير هذا الأدب الذي يبعث الأجانب على احتقارنا.
ولعلي أيضاً لم أغضب أستاذنا فيتقبل كلمتي بقبول حسن، ويحملها محملاً خالياً من الغرض، بريئاً من اللؤم. فإنها لا ترمى إلا إلى تمجيد أمة فتية تتوثب نحو الكمال والنور.
(الرسالة) نعتقد ويعتقد معنا الكاتب الفاضل أن الأستاذ الجليل احمد أمين لم يرد بما كتب تحقير العامل المصري ولا إيثار الأجنبي عليه، وإنما أراد إيقاظه وإصلاحه من طريق المقارنة والمثل. وإخفاء العيوب خوف الشماتة مظنة لعدم الشعور بها، ومن حق الناقد الاجتماعي أن يجسم بعض العيوب لتتمثل في الإحساس الضعيف، وتبرز أمام العين الكليلة. ولأن نسمع عيوبنا من أساتذتنا نقداً ونصيحة، خير من أن نسمعها من خصومنا سباً
стр. 4902
ونقيصة!
стр. 4903
نسبة شعر
قرأت في مقال (إبراهيم بك مرزوق) المنشور في العدد السابع والخمسين من الرسالة بقلم الأستاذ محمود خيرت فيما روي عن المرحوم المنفلوطي هذا البيت:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها … وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
أورده في قصة حكاها عن رجل قال إنه كان رئيساً (باشكاتب) لكتبة محكمة إسكندرية الشرعية؛ ثم قال الراوي: (ولا أدري إذا كان هذا البيت من مقولة أو قديم).
والبيت قديم من قصيدة لعبد الله بن العباس الربيعي يقول فيها:
ومستطيلٍ على الصهباء باكَرَها … في فتيةٍ باصطباح الراح حُذّاقٍ
يمضى بها من عقل شاربها … وفي الزجاجة باقِ يطلب الباقي
فكل شيء رآه خالُه قدحاً … وكل شخص رآه ظنه الساقي
والذي نسبتْ إليه القصة لم يكن رئيساً للكتبة، ولكنه كان أحدهم، واسمه الشيخ احمد، وكان مليح النادرة معروفا بالنكتة، سمعت عنه مضحكات كثيرة، منها انه كان ذات يوم نازلا من المحكمة فالتقى برجل صاعد يطلب مقابلة الرئيس، فسأله الرجل:
يا شيخ احمد هل الرئيس فوق؟. قال هو فوق ولكن أعضاءه نزلتْ. . ومنها أن عمى المرحوم الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الرافعي، وكان نقيباً لمحكمة إسكندرية، سئل في ميراث يراد معرفة ما يُفرض منه لكل وارث، وكان الشيخ احمد هذا يكتب عنه الفتاوي، فكلفه المفتي أن يعمل ما يسمونه (شبّاكا) وهو رسم ذو بيوت يُذكر فيه الورثة أصولا وفروعا وفريضة كل منهم، ولما كان الغد سأله: يا شيخ احمد هل عملت (الشباك)؟ فقال يا سي الشيخ: ما ليش (طاقة).
أما النادرة التي رواها الأستاذ خيرت وحكاها له المنفلوطي فليست بصحيحة على ذلك الوجه البتة، إذ لا يعقل أن عالما فاضلا رئيساً لمحكمة شرعية يقول لرجل: أنت طالق.
والذي روُي لي أن أحد الموظفين مع الشيخ احمد قاطعة مع طريقته فطلقه ثلاثاً، وجاء الباقون يسعون في الصلح بينهما وأخذوا المعتدِي إلى المعتدَي عليه ترضيةً له، فلما دخلوا (بالمطلق) على الشيخ احمد فعل بجبته ما تفعل المطلقة بملاءتها إذا استترت ممن لا تحلُّ له. . فضحك الجميع وشاعت النادرة، ولعل الشيخ احمد نظر فيها إلى نادرة قريبة منها رواها صاحب الأغاني في كتابه والله أعلم.
стр. 4904
مصطفى صادق الرافعي
стр. 4905
فصول مدرسية في الأدب الدرامي
١ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن
بقلم أحمد حسن الزيات
الرواية تمثل طائفة من الناس لحادث متحقق أو متخيل لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان. فكونها تمثيلاً يخرج الملحمة لأنها حكاية صرفة، والرواية مدارها على التطبيق والعمل، فليس لمؤلفها وجود في المسرح ولا حضور في الذهن، وإنما يرى المشاهد ويسمع الأشخاص يعملون بعينه وأذنه.
وكون الحادث متحققاً أو متخيلاً يفيد أن الحقيقة التاريخية ليست شرطاً في الرواية، فيستطيع الكاتب أن يكملها بالزيادة ويجملها بالمبالغة كما فعل كوريني في (بوليكت)، أو يختلق الحادث وحده اختلاقاً كما فعل في (السيد)، أو يخترع الحادث والأشخاص اختراعاً كما فعل فولتير في (زيير).
وقولنا (لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان) احتراس من إدخال الخوارق في الرواية، لأن قانونها الأساسي أن تكون صورة للحياة البشرية ما استطاعت. ولن تستطيع أن تتصور الحياة أو تقلدها إلا بتوخي الحوادث الحقيقية الواقعة أو الممكنة.
وشرط الإمكانية يوجب على الكاتب أن يقف عند حدود الممكن المعقول في الموضوعات المتخيلة، وأن يضحي بالواقع أحياناً إذا بعد احتماله لشذوذه وغرابته في الموضوعات المتحققة. على أن من الجائز استعمال الخوارق قليلاً في الرواية إذا كان الكاتب قادراً والمخرج المسرحي ماهراً كما وقع في رواية (فيلوكتيت) لسوفوكليس، ورواية (أتالي) لراسين؛ ومحل ذلك حين يراد تقوية الشعور وإثارة العاطفة وتحريك الهوى في شخص من أشخاص الرواية، بإبراز هواجس فكره ووساوس نفسه في صورة مشخصة مجسمة، كما صنع شكسبير بشبح (هملت) وساحرات (ماكبث). وليس من الضروري أن يهبط الآلهة والأشباح والهواتف على منصة المسرح، بل يجوز أن يحدث ذلك في ظاهرة ثم يخبر به شخص من الأشخاص، كما حدث مثلاً في حلم أتالي وبولين، وفي موت هيبولييت وأوديب.
منشأ الرواية وتأثيرها
стр. 4906
كان منشأ هذا النوع من الأدب تلك اللذة التي يبعثها في نفوسنا ويفيضها على حواسنا تقليدنا لطبيعة الإنسان وعمله.
فتمثيل الطبيعة الناطقة والصامتة والأحجار والألوان والألحان إنما يلذنا منه ذلك التقليد الذي أجاده الفنان وأحكمه. قال أرسطو طاليس في كتاب (الشعر): (إن الإنسان مقلد بطبعه، وأشد ما يطربه ويعجبه من الفنون إنما هو التقليد). وليس من شك في أن التقليد في الرواية أكمل صنعاً وأقوى ظهوراً منه في غيرها من سائر الفنون. لأن التقليد فيها لا يقف عند الأشكال الخارجية للإنسان كالنحت والتصوير، وإنما يتغلغل في باطنه، فيصور نوازع نفسه وخواطر فكره ودواعي عمله. أضف إلى ذلك تلك الحاجة الملحة التي تدفع الإنسان إلى السبوح في أجواء الخيال فراراً من وحدة العيش وضيق الحياة وثقل الحقيقة وجد الإنسان تلك اللذة وقضاء هذه الحاجة في التمثيل المسرحي، فسرَّه أن يخرج من نفسه، ويقلد أبناء جنسه، ممثلاً لعينه ذلك المثل الأعلى الذي طالما رسمه في خياله، وتمنى أن يعيش على مثاله. ظهر ذلك أولاً عند الإغريق في أعياد باخوس إله الخمر، إذ تقدم (إبيجين) من أهل (سسيون فمثل ذلك الآلة على المسرح، وقطع مابين الأناشيد بحكاية بعض الحوادث الحماسية، فاستغل (يسبيس) ذلك الابتكار، وجاء (أسخيلوس أبو المأساة، فأضاف إلى الممثل الأول ممثلاً آخر، فخلق الحوار ثم اخترع الوجه الكاذب، والثوب الضافي والحذاء العالي واستعمل الألفاظ الجزلة، والتراكيب الفخمة، واختصر الأناشيد التي سميت بعد ذلك (خورس)، فضعف شأنها في الموضوع.
على هذا النحو نشأت المأساة، وهي أحد فرعي الرواية كما ستعلم بعد. أما فرعها الآخر وهو الملهاة فمنشؤه ذلك التهريج الذي كان يستبيحه الشعب الإغريقي لنفسه في مواكب باخوس وهو يجول جولان الفرح في قرى (أتيكا). ومن ذلك يعلم أن الرواية منذ خلقها الإغريق تنقسم إلى قسمين مستقلين: هما المأساة والملهاة أو التراجيدية والكوميدية كما سيجيئك تفصيله بعد قليل.
أما تأثير الرواية أو المسرح فلا جدال في قوته وخطره، فالحكاية مهما قويت في التعبير وبالغت في التأثير لا تبلغ شأو الرواية في ذلك، إذ القصص الحكائي لا يخاطب إلا المخيلة، وهي تختلف في الناس ضعفًا وقوة، فلا يكون تأثرها إلا بمقدار، أما القصص
стр. 4907
الروائي فيخاطب الخيال والحس، ويملأ البصر والسمع، فيكون فعله أقوى وأثره أشد، أرأيتك إذا قرأت أو سمعت حادثة قتل مثلا، فهل يبلغ أثرها منك مهما عظم واشتد ما يبلغه ذلك الأثر الذي يستولي على نفسك وحسك حين تسمع استغاثة المذبوح، وترى انسكاب الدم المسفوح؟ لذلك كان حقاً على الكتاب أن يتوسلوا بهذه الوسيلة الناجعة إلى إقرار الخير في النفوس، واقتلاع الشر من الرءوس، وتغذية القلوب المريضة بالعواطف النبيلة بتصوير مُثلها العليا كما في المأساة، أو إلى إصلاح الفاسد وتقويم المعوج من العادات والأخلاق باتخاذ أهلها مضحكة للناس كما في الملهاة. أما تلك القطع الداعرة التي يلفقها ضعاف الكتاب، ويمثلها صغار الفرق، تمليقاً للشهوة وتصيُّداً للمال، فهي من عمل الزور وتجارة المحظور وإذاعة الفاحشة، وهي لا تجد مكانها إلا في الشعوب البهيمية الجافية التي لم يثقفها علم ولم تهذبها حضارة، فواجب النقد الأدبي يعن مهاجمة هذا الخطر، فان ضرره لا ينال الخلق وحده، وإنما ينال الأدب والذوق والفن جميعاً.
العمل الروائي
العمل الروائي هو الفعل الذي يجري على المسرح من قيام وقعود وحركة وسكون. وبعبارة أدق هو العراك الناشب بين الوسائل والحوائل التي تتنازع حادثا من الحوادث، فالأولى تعمل لوقوعه، والأخرى تعمل لمنع أو إنتاج ضده.
فمن هذا التعريف نستنتج أن العمل لابد أن يكون مريباً غير مؤكد، ثم لا يزال في عماية من الشك وغيابه من الظن حتى آخر الرواية، لأن عقدة العمل إذا لم يكن لها إلا محل واحد يدل عليه المنطق، ويتنبأ به المشاهد، فقد المداورة، وهي تحول ذهن الشاهد من الضد إلى الضد تبعاً لتصرف الأشخاص وتقلب الظروف، فتارة يقدر النتيجة على نحو معين، وتارة يقدرها على نحو آخر، وهكذا دواليك حتى ينتهي العمل، وربما انتهى على غير ما فكر وقدر. فالتباس العمل هو الذي يوجد هذه المداورة ويفرض كثيراً من الحلول، ويف المشاهد بين الخوف والرجاء، وعلى ذلك كله يقوم أساس التشويق والجاذبية، ولكن ماذا عسى يصنع الكاتب لو كان للعمل حلان ممكنان فسبقه ذكاء المشاهدين إليهما، ووقف قبل النهاية عليهما؟ أو لو كانت روايته على ما يريد الفن، ولكنها مثلت غير مرة، فعرف الناس كيف تتعقد وكيف تتحلل، إلا يكون معنى ذلك أن إبهام العمل لا يفيد المشاهد ولا يجذبه إلا أول
стр. 4908
مرة؟ وجواب ذلك أن تذليل هذه العقبة ليس في طوق الكتاب ولا هو من واجبه، وإنما هو عمل الممثل وأخص واجباته. وهل يكون الوهم المسرحي بالغاً كماله إلا إذا أنساك ما تعلم وشغل فكرك بما ترى؟
كذلك نستنتج من التعريف أن الحوادث المتعارضة كلما كانت مسافة الخلف بينها بعيدة، ومناقضة بعضها لبعض شديدة، كان شأنها أهم وجاذبيتها أقوى، وذلك حق لا جدال فيه، فان حوادث العمل إذا تتابعت طائفة منها مفرطة في الحزن، وأخرى مفرطة في السرور، كان حلها أمتع وألذ مما لو سارت ضعيفة في جهة وقوية في أخرى، أضرب لك مثلا برواية بُوليُكت لكورني: لو أن كورني جعل (بولين) مشغوفة الفؤاد بحب زوجها لكانت المشكلة أعقد وأصعب، وموقف بولين أقسى وأرهب، ولكن كورني جعلها عاشقة (لسفير) ففضل جاذبية الإعجاب على جاذبية الإرهاب، وأطاع عبقريته في هذه القطعة فحرك الدهش وسكّن الفجيعة.
وليس تعاقب الحزن والسرور والخوف والرجاء من خواص المأساة، وإنما يكون في الملهاة أيضاً، فان جاذبيتها لا تتم إلا بشيئين: أولهما أن تجعل المشاهد يتمنى أن يؤول أمر الأضحوكة إلى السخرية والاحتقار، ثانيهما أن تولد في نفسه القلق والفضول والرغبة في أن يرى هذه الأمنية كيف تتحقق. ففي رواية البخيل يدور في نفس المشاهد هذا السؤال: أيتزوج البخيل من مريان أم يتخلى عنها لابنه؟ وفي رواية ترتوف أو الشيخ متلوف تترد على خاطره هذه المشكلة: أيفتضح أمر ترتوف عند أُرجون ويبوء باللعنة والخزى أم يتمتع بثمرة حبه وخبثه؟ على أن الحزن في الملهاة يجب ألا يتعدى أشخاص الرواية إلى جمهرة المشاهدينفان ذلك ميزة المأساة. ومن حق النظارة عليك أن تسرهم على حساب أشخاصك فتضحكهم من بكائهم وتسعدهم بشقائهم. وسيمر بك تفصيل ما أجمله التعريف من صفات العمل وتحليله فنجتزئ الآن بذلك.
يتبع
(الزيات)
стр. 4909
بمناسبة الفيضان المبارك
النيل
للأديب حسين شوقي
عند ما انتهى المصريون من تشييد معبد الكرنك الفخم، تكريماً للإله (آمون)، دعا (آمون) الآلهة الآخرين إلى اجتماع خاص ليختاروا أحسن هدية تقدم لبني مصر مكافأة لهم على عملهم، ولا سيما أن المصريين ما برحوا يبنون مثل هذه المعابد الشاهقة لآلتهم من آن الآخر. . . فاقترح (هوروس) الإله الشاب أن تقدم إلى فرعون آلة سينما لتسليته هو وأولاده في ليالي الشتاء العابسة، ولكن الإله (سوكر) وكان شيوعي النزعة اعترض على هذا الاقتراح قائلاً: إن الشعب المصري هو الذي أُرهق في بناء المعبد، فالهدية يجب أن تكون له لا لفرعون، فثار بعضهم على اعتراض (سوكر) وكاد المجلس ينقلب إلى عراك بين شيوعيين وفرعونيين، إلا أن (أنوبيس) - آله الموتى - صاح فيهم بصوته المزعج: أنصتوا إليّ لقد وجدت ضالتكم، أقيموا للمصريين جبلاً الذهب بجوار طيبة أو منفيس فانهم يعبون هذا المعدن في حياتهم، ويستصحبونه معهم في قبورهم بعد مماتهم. ولكن (حوتيب) آله الحكمة اعترض على هذا فقال: إن وجود الذهب بمثل هذه الكثرة في مصر يعلّم أهلها الجشع والكسل. . ثم هنالك الأجانب الذين يرهقون البلاد وهي فقيرة، فما بالك إذا عرفوا وجود مثل هذا الكنز؟ إن هؤلاء القوم لا حدّ لطمعهم، تصوّر انهم أنشئوا بوارج في السموات ليستولوا بها على عالمنا العلوي بعد ما انتهوا من الاستيلاء على الأرض؟
ثم رأى إله ثالث غرس غابات في مصر حتى تخف حرارة الجو في الصيف، ولكن (ست) وكان إلها أنانياً صاح: هل جننت حتى ترى مثل هذا الرأي؟ إلا تدري أن الجو إذا رطب صارت هياكلنا رماداً في سنين قليلة.؟
ثم نهض (آمون) الإله الأكبر الذي لازم السكوت طول الحديث وقال: أبنائي الأعزاء لا تتبعوا أنفسكم، ولا تجهدوا قرائكحم، لقد وجدت ما تنشدون وعرفت أحسن هدية تقدم لمصر ولشعبها الوفي، سأعطيها حياة هنيئة سعيدة، سأعطيها نهراً عظيما ينتفع به الحاكم والمحكوم، الإنسان والحيوان على السواء. سأعطيها وادياً خصباً. . سأعطيها النيل. .
فوافق الآلهة بإجماع الآراء على هذا الرأي المفيد، ثم استمر (آمون) قائلاً: وسندعو الآلهة
стр. 4910
الأجانب إلى الاحتفال بهذا الحادث الجليل، ثم جلس (هوروس) الإله الشاب الذي كان يقوم بأعمال السكرتارية في المجلس، بناء على إشارة من الرئيس، إلى آلته الكاتبة فكتب الدعوات على وجه السرعة، ثم ناولها إلى (آمون) فمهرها بخاتمه، ثم أعطيت إلى (أبس) الإله الطائر فحملها في منقاره وطار بها إلى الأقطار الأجنبية. . بعد ذلك أخذوا يبحثون عن المكان الذي يبدأ منه النهر فرأى أحدهم أن تكون بدايته أسوان، ولكن الحكيم (حوتيب) اعترض مرة أخرى قائلاً: إن مصر سوف يزيد عدد سكانها مع الزمن، فيحسن لذلك أن نعطي لها فسحة. . وبعد البحث اختيرت إحدى بحيرات بلاد (البونت) المقدسة لارتفاعها، ولتكون تحت إشراف الآلهة ورعايتها. . ثم جاء يوم الاحتفال وكان يومًا فريداً في التاريخ، شرب فيه الآلهةكثيراً من نبيذ قبرص اللذيذ الذي جاء به (دينوزيس) إلهِ الخمر الإغريقي هدية (لآمون)، كما أن (إيزيس) الآلهة الساحرة قامت بألعات سحرية مدهشة سرّ لها الناظرون، منها أنها قطعت بالسكين رأس دجاجة، ثم أشارت بعصاها إلى ذلك الرأس فعاد فالتحم بالجسد. وقد أعجب بهذا المنظر، بصفة خاصة، (بعل) إله آشور الكبير فأخذ يضحك ملء شدقيه. . ثم قصد الجميع إلى جبل قائم بجوار البحيرة، فأشار (آمون) إليه بيده وأخذ ينادي أرواح الماء بصوت عظيم يشبه الرعد، فتفجرت المياه نقية عذبة من الصخور. . في جلال وروعة. . وكان (بنتاؤر) الشاعر، البشري الوحيد الذي دعا إلى الحفلة، ليخلد على قيثارته ذلك اليوم المهيب، ولكنه أرتج عليه من هيبة المنظر وظل صامتها لحظة، وقد أخضلت عيناه بالدمع، ولم تحل عقدة لسانه إلا بعد أن شرب جرعة من ماء النيل، فأنشد: (سلامٌ عليك أيها النيل! يا من يتفجر من الصخر حياة ويسراً! إنك حينما تهبط تخضّر الأرض، كما أن عيدان القمح تنحني لك إجلالاً، وتقدم لك بذورها قرباناً. . إنك تخلق للصانع العمل، وللأرض الغبطة. كما أن كل معدة تسر لمقدمك، كذلك يهتز كل منكب من شدة الفرح. . دم أيها النيل حياة لمصر ويسراً للمصريين!)
فصاح الحاضرون: آمين! آمين!
حسين شوقي
стр. 4911
١٢ - أعيان القرن الرابع عشر
للعلامة المغفور له احمد باشا تيمور
الشيخ أحمد مفتاح
العالم الشاعر الناثر، أحمد بن مفتاح بن هرون بن أبي النُّعاس ينتهي نسبه إلى عُمار بضّم العين المهملة وتخفيف الميم، أحد العرب النازلين من الصفراء إلى أرض مصر حوالي القرن العاشر، وبين أبي النعاس وعُمار جدان أو ثلاثة، ولما ورد عمار مصر قطن بإقليم منية ابن الخصيب في صعيد مصر، وقامت بين عرب تلك الجهة منازعة أدت إلى مقاتلة، كان لجّد المترجم أبي النعاس اليد الطولي فيها، ويقال إنه حضر بعض الوقائع بدون سلاح، ولقوّته أمسك جحشاً صغيراً من رجليه وضرب به حتى مات الجحش.
وقطن هرون الجدّ الأدنى للمترجم في بلدة على الشاطئ الغربي للنيل بإقليم المنية تابعة لبني مزار، أنشأها حسن بن عبد العزيز أحد أجداد المترجم من جهة والدته، وهي بلدة صغيرة اشتهرت بين العامة باسم أبي عجيز محرفاً عن أبي عزيز، يعنون به حسن بن عبد العزيز مؤسسها، على عاداتهم في تكنية الرجل باسم أبيه، وما زال هرون المذكور بها حتى ولد له مفتاح أبو المترجم سنة ١٢٢٩، وكان في هذه البلدة رجل اسمه علي أبو محمد، من أقارب والدة المترجم، جعلته الحكومة شيخ المشايخ، وهو لقب كان يطلق إذ ذاك على من يحكم عدّة بلاد، وكان جائزاً في معاملته فاعتدى على أناس من أهل البلد بالضرب حتى أشرفوا على الهلاك فاضطر بعض أهلها إلى الشكوى للمدير مستعينين بعلي افنيدي الشريعي والد حسن باشا الشريعي، وبعد اللتيا والتي ساعدوهم على الانفصال فانفصلوا واختطوا بلدة أخرى شمالي أبي عزيز سنة ١٢٦٤ سموها نزلة عمرو، وانتقل إليها هرون بولده أبي المترجم، وبني بها دارًا كبيرة، وبقي بها حتى مات بعد أن أسن، وكان سديد الرأي يُرجع إليه في المشكلات.
ثم سكن في هذه البلدة بعده ولده مفتاح، وتزوج بها وأعقب جميع وأولاده، وحج سنة ١٣٠٤ فأرخ حجه ولده المترجم بقوله:
حَجَّ مفتاحٌ أبي معتمرا
سنة ١٣٠٤
стр. 4912
ومات سنة ١٣٠٨، وكان طويلاً خفيف اللحية، وقد وخطبها الشيب، وكان اشتغاله بالزراعة دون غيرها، ويتحرى الحلال في كسبه، ويقول الحق ولو على نفسه، وتعلم القراءة والكتابة في الكبر ولم يجدهما، ولما وصل ينعيه إلى ولده المترجم بالقاهرة رثاه على البديهة بقوله:
قضى والدي بالرغم مني وليتني … سبقت لأمر ساورتني غوائله
لقد عاش دهراً لم يشبه بريبة … حياة سخيّ فاض بالقوم نائله
وقام بعبء الدين والفضل صادقا … وما المرء إلا دينه وفضائله
عليه سلام كلما غاب كوكب … وسالت من الجفن القريح هو أمله
وكانت ولادة المترجم ليلة السبت الرابع من شعبان سنة ١٢٧٤ ونشأ بالبلدة المذكورة في حياطة والده، وابتدأ القراءة على الشيخ جاد المولى، فقرأ عليه القرآن وبعض المتون، ومكث بعدها نحو ثلاث سنوات، ثم حضر إلى القاهرة سنة ١٢٨٩ لطلب العلم بالجامع الأزهر، وتلقى عن شيوخ وقته، فقرأ النحو على الشيخ محمد الشعبوني المغربي، والشيخ عرفة سالم السفطي، والشيخ عبد الله الفيومي، والشيخ محمد البحيري، والشيخ سالم البولاقي، والشيخ محمد الانبابي؛ والفقه الحنفي على الشيخ عبد الرحمن السويسي، والشيخ صالح قرقوش، وحضر بعض دروس الأستاذ الكبير الشيخ محمد العباسي المهدي شيخ الجامع الأزهر، ومفتي مصر إذ ذاك؛ والبيان على الشيخ عرفة، والشيخ علي الجنائني، والشيخ محمد البحيري؛ وآداب البحث على الشيخ محمد البحيري المذكور، والمنطق على الشيخ محمد عبدة، والشيخ أحمد أبي خطوة، والشيخ سالم البولاقي، والشيخ محمد البحيري، والعروض على الشيخ محمد موسى البجيرمي.
وفي أثناء مجاورته بينما كان مسافراً من بلدته إلى القاهرة في سفينة كبيرة أيام زيادة النيل، نزل يغتسل على سكان السفينة مع جماعة فانحدر مع الماء في وسط النيل، وتبعه أحد المغتسلين لإنجاده، فما زال سابحاً حتى كلت سواعده وكاد يغرق، ثم نجا وخرج على الشاطئ الغربي للنيل وأرسل إليه من بالسفينة زورقا وصل به اليه، وسافر مرة من القاهرة عائداً إلى بلدته في سفينة، فتشاحن مع ربانها تشاحناً أدى إلى إخراجه منها، فخرج إلى بلدة يقال لها الرّقة بإقليم بني سويف، لا يملك شروي نقير، سوى كتاب مخطوط رهنه في أجرة
стр. 4913
القطار لبلدته، وله نوادر كثيرة أمثال ذلك من المشي على القدمين بعيدة، والمبيت على الطوى في كل غدوة وروحة بين القاهرة وبلدته.
وبعد أن قضى سبع سنوات بالأزهر مجداً في طلب العلم ومباحثة الشيوخ، عاد إلى بلدته ومكث بها نحو سنتين مشتغلاً بحفظ الشعر ونظمه، ولم يكن له بالأزهر كبير عناية به لانصرافه إلى تحصيل العلوم، ثم حضر إلى القاهرة، ودخل مدرسة دار العلوم سنة ١٢٩٨ فأعاد بها معظم العلوم العربية مع الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المشهور بالمقدمة على الشيخ حسين المرصفي، ثم خلفه في تدريس اللغة العربية شيخنا الشيخ حسن الطويل فتلقى عنه بعض المثل السائر، ورسالة ابن زيدون الهجوية، والزوراء للجلال الدوّاني في الحكمة، وانتفع به كثيراً، وقال فيه وفي الأستاذ المرصفي:
دار العلوم شكت فراق أبي الهدى … المرصفي الحبر أو حد ذا الزَمنْ
فأجبتها حَسن المعارف بعده … لا تجزعي إن الحسين أخو الحسن
وتلقى التفسير والحديث بالمدرسة عن الشيخ احمد شرف الدين المرصفّي، والفقه الحنفي عن الشيخ حسونة النواوي، والعلوم الطبيعية والرياضية على أساتذة آخرين بالمدرسة، ثم خرج منها بعد أن نال الشهادة الدالة على براعته سنة ١٣٠٢، فقال بعد مفارقته المدرسة مضّمناً:
دار العلوم نثرتِ نظم أحبة … كانوا بدوراً في سماء علاك
حتى بَلى عهدي بهم وتغيروا … يا دار غّيرك البلى ومحاك
واشتغل بعد خروجه من المدرسة بالكتابة في صحف الأخبار كالأعلام والقاهرة، وبالتدريس لبعض أناس منهم السيد توفيق البكري، ولما اتصل به حسّن له خلع العمامة والجبة وإبدالهما بالملابس الإفرنجية، والطربوش، ثم فارقه واستُخدم كاتباً بمحكمة بني سويف الأهلية نحو عشرة أشهر، ثم انفصل وورد القاهرة فكتب في المؤيد أياماً قليلة، ثم امتحن للدخول بمدرسة دار العلوم مدرساً للإنشاء فحاز قصب السبق وعاد للعمامة والجبة، وأقام بها تسع سنين انتفع فيها الطلبة وتخرّج عليه كثيرون ممن يحسنون الكتابة الآن. ثم نقلوه بعد ذلك مدرساً للنحو بالمدارس الابتدائية في الأقاليم، فحطوا من درجته إلا أنهم أبقوا له مرتبه، وكان أخيراً بمدرسة بني سويف ومرض بها فأحيل على المعاش واختار السكنى
стр. 4914
بالقاهرة، وابتغى مكاناً يعتزل فيه الخلق ويشتغل بالمطالعة وإتمام بعض تآليفه، فاختار مصر الجديدة واكترى بها داراً صغيرة أقام فيها بمفرده مع خادم مسنّ كان يقضي له حاجاته من السوق، ويقوم بتنظيف المكان، وكان الشيخ مريضاً بمرض يعرف عند الأطباء بتصلّب الشرايين وهو لا يعلم بأمره ولا يهتمّ بنفسه، حتى اشتد عليه أخيراً وهو يظنه ضيفاً مرتحلاً، ثم تركه الخادم وعاد لبلده، فبقي وحيداً بالدار حتى أدركه أجله المحتوم فجأة والأبواب مغلقة عليه، وبقى أياماً لا يعلم به أحد، حتى ظهرت رائحته للجيران فأخبروا رجال الشرطة فحضروا وكسروا الأقفال فألفوه مائلاً في سريره وجزء من كتاب الأغاني ملقى بجانبه، وكان ذلك يوم الأحد ٢٨ محرم سنة ١٣٢٩، وقرر الطبيب أنه مضى على وفاته ثلاثة عشر يوماً، فنقلوه ودفنوه تغمده الله برحمته.
ولم يكن اشتغاله بالعلوم على السواء، بل كان جلّ اعتنائه بمتن اللغة والشعر والنثر، فحفظ من اللغة مقداراً وافياً من الغريب وغيره، وكلف بتصحيح شرح القاموس عند طبعه برّمته المرة الثانية. وكان اشتغاله بالشعر في الأزهر قليلا كما قدمنا، ولم يبرع فيه إلا عند دخوله دار العلوم طالبا، وقد أرّخ أو إجادته فيه بقوله:
أقول الشعر عن فكر سليم ١٢٩٨
ونظم بعد ذلك القصائد المتينة والمقطّعات الثمينة، وكان ينهج فيها منهج العرب لكثرة نظره في دواوينها واقتناء الكثير منها استنساخاً أو نسخاً بيده، ولو تم له الخيال الشعري كما تمت له الديباجة وجزالة الألفاظ لكان أشعر أهل زمانه بلا منازع. ولما عاد الأمير محمود سامي باشا أشعر شعراء العصر من منفاه بسيلان، وكان بعيد العبد بشعراء مصر ومن حدث منهم لم يعجبه إلا شعر المترجم في رصانة البناء وسلامة التراكيب. وأما نثره فتوأم شعره في الأسلوب العربي، وكان مولعاً بالتضمين فيه من شطر عربي أو مثل سائر، لا تكاد تخلو قطعة منه من ذلك.
وقد ترك من التآليف (رفع اللثام عن أسماء الضرغام) جمع فيه ما ينيف على خمسمائة اسم للأسد، طبع بمصر؛ و (مفتاح الأفكار في النثر المختار) جمع فيه مختار النثر من رسائل وخطب من الجاهلية إلى هذا العصر، وهو كتاب جليل الفائدة، طبع بمصر أيضاً؛ و (مفتاح الأفكار في الشعر المختار) جمع به مختار الشعر من الجاهلية إلى عصرنا هذا، لم
стр. 4915
يطبع ولم نطلع عليه؛ وله ديوان حماسة من الشعر العرب استدرك به على أبي تمّام مافاته؛ و (مفتاح الإنشاء) لم يكمله، وأخذ في أواخر أيامه في جمع شعره ونثره وترتيبه في ديوان، ولا أدري ما فعل الدهر به.
وكان ﵀ غريب الأطوار، سريع الغضب سريع الرضا، مع صفاء الباطن، له شذوذ في أخلاقه يتحمله من عرفه وعاشره، أسمر اللون، أسود اللحية والشاربين كبيرهما، أميل إلى الطول، له هزة وتبخير في مشيته لمرض كان أصابه في ظهره ورجليه. ولما انتقل إلى مدارس الأقاليم صار يحضر إلى القاهرة في فترات فينزل عندنا ويجتمع به إخوانه وأصدقاؤه في ليال كنا نحييها بالمطارحات الأدبية وإنشاد الأشعار.
ومات لم يعقب غير بنتين زوجهما في حياته، ﵀.
الشيخ أحمد وهبي
كان طالب علم فقير ثم تزوج بإحدى الموسرات فحسنت حاله وفتح له حانوت طرابيش بالغورية جعلها مجتمع الأدباء والشعراء ولم ينجح في التجارة فتركها وأخذه الشيخ مصطفى سلامة النجاري معه في الوقائع المصرية وجعل محرّراً ثانياً بها ثم فصل وتقلبت به الأحوال فاتصل بأسرة المويلحيّ ثم بالشيخ علي أبي النصر شاعر الخديوي إسماعيل باشا فسعى له في الاستخدام بنظارة المعارف فلم يوّفق.
احمد تيمور
(الرسالة) بهذه الترجمة انتهى ما كتبه العلامة الجليل المرحوم أحمد باشا تيمور من تراجم علماء القرن الرابع عشر وأدبائه، وسيدرك القراء ولا ريب حزاز من الأسف على انقطاع هذه السلسلة الفريدة في روحها اللطيف، وأسلوبها العذب، ومعرضها المشرق، وصدقها الأخاذ، وطابعها الجميل. فهل لشيخ من شيوخ الأدب اجتمعت له مزايا الفقيد من فهم العصر، وملابسة الأشخاص، وتذوق التاريخ، وتوخى الايجاز، وصراحة اللهجة، يصل ما انقطع من هذه السلسلة؟ ومَنْ أحق بهذه الخدمة الجليلة للأدب والعلم والوطن من الأستاذ عبد الوهاب النجار؟
стр. 4916
في تاريخ الأدب
رأي جديد في المعلقات
نقد وتعقيب
بقلم محمد طه الحاجري
كتب الأستاذ الفاضل الشيخ عبد المتعال الصعيدي فصلاً في (الرسالة) جعل عنوانه: (المعلقات. رأي جديد فيها)، وقد والله فتننى هذا العنوان أيما فتنة، واستوقفني عن قراءة المقال برهة، وأسلمني إلى طائفة من الخواطر غير قليلة. فقد طال عهدنا بالطريف من الآراء في تاريخ الأدب، واشتدت حاجتنا إلى إعادة النظر وتقليب الفكر في تراثنا الأدبي، واستشفاف الحقيقة المستكنة في ثنايا النصوص المختلفة، والتأويلات الكثيرة، ولا سيما فيما يتعلق بالعصر الجاهلي، وقد وقفنا منه في مجهل لا يتبين الباحث فيه إلا لمحات خاطفة، وأثارات ضئيلة، يكتفنها الغموض ويحيط بها الإبهام وتلعب بها الأوهام. . . وما نشك في أن المعلقات صورة صحيحة من ذلك العصر، مهما كان أمرها، ومهما اختلفت فيها مذاهب الباحثين وآراؤهم. فكل رأي جديد فيها جدير أن تلتفت إليه القلوب. وتصغي إليه العقول، ويتلقاه المتأدبون بالبشر والترحيب، إذ الجديد وحده هو الذي ينتظر منه أن يبدد الظلمات ويزيل الشبهات، ويفسر المشكلات. وليس الأستاذ الصعيدي ممن يتهم بأن له مع المستشرقين علاقة هوى، فيميل ميلهم، ويفسد الأدب والتاريخ بآرائهم! فجديده لابد أن يكون الجديد الخالص لا يشوبه شوب من تقليد. وهو رجل محافظ بطبعه، فيما يظن الناس، فجديده خالص لوجه العلم والحقيقة، لا عن رغبة في الخلاف وهيام بالتجديد.
حدثتني بهذا الحديث نفسي، وأنا واقف عند حد العنوان، ولكني كنت أنتقل في مدارج الغبطة والفخر والسرور، حتى أقبلت على المقال ألتهمه التهاماً، فإذا بي لا أحس شيئاً مما خيله لي المقام، وزينته لي الأوهام، ثم اتهمت مشاعري فعدت إلى المقال أقرؤه جملة جملة وكلمة كلمة. فإذا بي أر تكس على عقبي، وأحس في نفسي ما يحسه الطاعم لقاء طعام سئمته نفسه، ومجه حسه، وبرمت به معدته من كثرة ما تقلب فيها.
أما هذا الرأي (الجديد) فليس رأيا في المعلقات من حيث هي صورة للجاهلية، نلمح فيها
стр. 4917
صفاتها، ونقرأ فيها خلائقها وعاداتها، وليس بحثاً فيها من حيث وثاقة رواتها، أو الوضع في أبياتها، ولكنه رأى في سبب وتسميتها، ثم ما يحتاج من توجيه وتعضيد، وإنحاء على الآراء الأخرى بالمحاجة والمجادلة ثم التوهين، وهذا بحث جليل لا يضع من قيمته جزئية موضوعه، مادام متمشياً مع الأسلوب العلمي، قائماً على أصول البحث الصارمة.
يقول الأستاذ في سبب التسمية: (فهذه المعلقات معلقات مما حدث للناس بعد جمعها من حبهم لها وتتبعهم إياها بما كانوا يتتبعونها به من حفظها وشرحها، وهي معلقات بمعنى محفوظات أو مشروحات، وقد خصت بهذا الاسم لأنها كانت أول ما عنى بجمعه وتدوينه وحفظه وشرحه من الشعر).
فهو يذكر هنا سببين متداخلين: الحب والتتبع، ثم التتبع بالحفظ والشرح، وما أدري فيهم هذه المعاظلة؟. أما كان الأدنى إلى الاستقامة أن يقتصر على السبب الأول، ويكون ما بعده مرتباً عليه، راجعاً إليه ناتجاً منه، فيكون سبيل التسمية هو هذه الدرجة الرفيعة التي قدرها الناس لهذه القصائد، فتعلقوا بها، وأولها حبهم وإعجابهم، وما يمليه عليهم الحب والإعجاب من القيام عليها بالاستظهار والشرح، أما التعليق بمعنى كتابة الشرح على المتن فما نسحبه مما كان يسوغ في عرف اللغة حينذاك.
هذا هو الجديد فيما يزعم الأستاذ، ولوددت والله لو كان جديداً حقاً، فنرفع به رءوسنا تيهاً وفخراً، ولكنه رأي مقرر، يدرسه طلاب المعلقات فيما يدرسون من الآراء فيها منذ أصبح لدراسة المعلقات في مصر سبيل علمي معبد، وأسلوب جامعي ثابت، فليس الجديد في حقيقة الأمر إلا اعتبار هذا الرأي جديداً اليوم.
وإذا كان لابد من ثبت لما ندعيه من قدم هذا الرأي وإمعانه في الشيوع بين جمهرة العلماء، فها هو العلامة المستشرق الجليل نولدكه وهمك به من علامة ذائع الصيت، يقول في الفصل الذي كتبه عن المعلقات في دائرة المعارف البريطانية، وهي أدنى ما يقصد إليه الباحثون:
(إن قصة القول بأن هذه القصائد كتبت بالذهب ترجع إلى تسميتها بالقصائد المذهبات، وهي تسمية مجازية للدلالة على عظم أمرها، وكذلك يجب أن نؤول تسميتها بالمعلقات على هذا الأساس نفسه، فمن المحتمل جداً أن تعنى هذه التسمية أن هذه القصائد قد سمت إلى
стр. 4918
درجة خاصة مجيدة، وأن هناك اشتقاقاً آخر من المادة نفسها، وهو كلمة (علق)، ومعناها الشيء النفيس) فمدار القول هو الاعتبار المجازي في فهم الكلمة وإغفال المعنى الحرفي لها. فأين هي الجدة التي يسندها الأستاذ إلى رأيه؟.
وأما قوله إن المعلقات هي أول ما عنى بجمعه وتدوينه وحفظه بدعوى لا نحسب إلا أن علم الأستاذ وفضله ينوءان بها، وأيا كان الأمر، فان تعيين الأولية في هذا العصر البعيد أمر ليس من السهولة بحيث يلقى في كلمة في درج الكلام، بل لابد من النص الواضح أو الاستنتاج القاطع.
وبعد أن انتهى الأستاذ من عرض هذا الرأي وتوجيهه عمد إلى ما يخالفه من الآراء عرضاً ومناقشة، وقد اكتفى من هذا برأيين: الأول رأي ابن عبد ربه وابن خلدون وابن رشيق، والثاني رأي أبي جعفر النحاس المصري، وكان المنتظر أن يعرض إلى غير هذين الرأيين من آراء المحدثين، فقد جعل مستهل مقاله أن العلماء قد اختلفوا قديماً وحديثاً في سبب تسمية هذه القصائد، فالقارئ معذور إذا ظن أن الأستاذ يعرف مذهب المحدثين إلى التفسير المجازي، ثم أغضى عنه تمهيداً لوصف رأيه بالجدة والابتكار، وإلا فأين ما خالف فيه المحدثون عن رأي المتقدمين؟ ولكنا لا نقول بهذا، فليس مذهبنا في النقد أن ندخل إلى الضمائر ونحاسب على النيات، ولا نقول هنا إلا أن أول واجب يفرضه العلم على الباحث المؤرخ هو التقصي في طلب النصوص ومعرفة الآراء، والتثبت في وصف الرأي، والعصمة لله وحده.
أما أول الرأيين فيقول إن المعلقات كتبت بالذهب، وعلقت على أستار الكعبة، وكأن الأستاذ رأي هذا الرأي بين البطلان ظاهر الاستحالة، فاكتفى بعرض أقوال القائلين به وأغفل مناقشته ونقضه.
وأما الرأي الآخر فينكر دعوى تعليق المعلقات على أستار الكعبة، ويذهب إلى أن الملك كان إذا استحسن قصيدة مما كان ينشد في سوق عكاظ قال علقوا لنا هذه وأثبتوها في خزانتي فانظر ماذا يصنع النقد في هذا الكلام؟ يقول أبو جعفر (الملك) مطلقاً من غير تعيين، فيأبى الأستاذ إلا أن يفترض أن هذا الملك هو النعمان بن المنذر، ثم يبني على هذا الافتراض الذي افترضه هو اعتراضه موجهاً إلى أبي جعفر، فيقول إن عصر النعمان
стр. 4919
أحدث من عصر كثير من أصحاب المعلقات فلا يصح أن يكون هو الذي كان يعلق قصائدهم بخزانته بعد إنشادهم لها بسوق عكاظ واستحسانه إنشادها، وهذا ولا ريب سبيل ملتو، وتحكم في النقد غير محمود، وتحريف للكلم عن مواضعه، وتخصيص للعام بدون مخصص.
ويتوارد العلامة نولدكه والأستاذ الصعيدي في نقد عبارة النحاس عند هذه النقطة، أما الأستاذ الصعيدي فقد ذهب إلى ما رأينا من التحكم والبناء على الفرض، وأما نولدكه فيقول إن من الصعب احتمال أن ملكاً عربياً كان يشهد سوق عكاظ. ويؤلمنا والله أن يكون هذا العلامة الأعجمي أكثر توفيقاً، وأهدى إلى الجادة في فهم الكلام وتخريج النصوص.
ثم ينتقل الأستاذ إلى وجه آخر من وجوه النقد، فيقول إن سوق عكاظ التي أجمعوا على أن تلك القصائد كانت تلقى فيها أحدث بكثير من عهد أصحاب المعلقات، لأنها أقيمت بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، ولوددنا والله دلنا الأستاذ على مصدر هذا القول، فلسنا نذكر أن ياقوتاً تعرض في معجمه إلى تاريخ إنشائها، والذي نحسبه أن عهد هذه السوق أقدم مما ذكر الأستاذ، ففي سيرة ابن هشام أن رسول الله ﷺ ، شهد حرب الفجار وعمره أربع عشرة سنة، ويذكرون في سببها أن قريشاً حين بلغها مقتل عروة الرحال، كانت في عكاظ، وفيها قامت الحرب، وسميت باسمها، وقال ابن الزبعري في مدح العنابس:
وفي يوم عكاظ منعوا الناس من الظلم.
بل إنهم ليذكرون فجاراً آخر قامت وعمر الرسول صلوات الله عليه عشرة أعوام، ويذكرون في سببها أن أحد الغفاريين كان له مجلس في سوق عكاظ يفتخر فيه، ويزعم أنه أعز العرب فوثب عليه رجل فضربه بالسيف على ركبته.
وأوضح من هذا في الدلالة على قيام هذه السوق قبل التاريخ الذي حدده له الأستاذ ما جاء في أخبار عبد شمس بن عبد مناف أن زوجته عبلة بنت عبيد كانت قبله تحت رجل من بني جشم ابن بكر فبعثها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ، فباعت السمن وراحلتين كان عليهما وشربت بثمنها الخمر. . الخ القصة، وهي مذكورة في الجزء الأول من الأغاني في أخبار عمر بن أبي ربيعة، وهي تدلنا دلالة قاطعة على قيام سوق عكاظ في عهد عبد شمس،
стр. 4920
وأين عبد شمس مما ذكره الأستاذ؟ فكيف يصح مع هذا أن يكون عام ٥٨٦ تاريخياً لبدء قيامها؟
والأمر بعد هذه النصوص كلها بعيد الاحتمال بالنسبة للأمة العربية، وهي أمة تجارية منذ أقدم عصورها، وقد جعلت من أسواقها نطاقا يحيط بالجزيرة، ونظمت قيامها تنظيماً يتفق مع سير التجارة، وكانت عكاظ حلقة من هذه السلسلة. فكيف يسوغ القول بأن إنشاءها كان في هذا العهد المتأخر؟ ولكن لعل الأستاذ قد اعتمد على نص صريح قوي يضعف ما قدمنا من النصوص، ويهدما ما رأينا من منطق الأمور.
وبعد، فلا يحسبن القارئ أننا ندافع بهذا القول عن رأي أبي جعفر النحاس، فلسنا، ولله الحمد، من القائلين بالتفسير الحرفي لكلمة المعلقات، وما نبغي من كل ما أسلفنا إلا أن نقر الأمور في نصابها، فلا نغمض في الإقرار بالحقوق لأصحابها، وأن نصطنع الإنصاف يفي نقد ما نراه جديراً به، فلا نتجنى على الشيء مالا يحتمل، ولا نستعصم إلا بالقاطع من الأدلة والصحيح من الحجج. ونرجو أن نكون قد وقفنا على الجادة في هذا النقد فلم يستزلنا الهوى ولم يخطئنا التوفيق.
محمد طه الحاجري بكلية الآداب
стр. 4921
مِن طرائف الشِعر
نادرة
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
ما أنتِ إلا نادرة … في كل فنّ ساحره
للسمع أنتِ متُعةٌ … ومُتعةٌ للباصره
أنتِ لشعبٍ كُسِرَتْ … منه القلوب جابره
أميرةَ الفنّ على ال … إيداع أنتِ قادره
أنتِ جديرة بح … قٍ أن تكوني الآمره
وأنتِ عبقرية … من أكبر العباقره
معجزة بالغة … من معجزات القاهره
بين أغانيكِ ووج … هكِ الجميل أصره
ليلتنا من بيضاء مِنْ … خير الليالي الساهره
حسُبكٍ أن الناس حو … لَ الرافدَين شاكره
أما الأغاني فهي … من قلب رقيق صادره
في جوّها الأرواح من … أفراحهنّ طائره
بما بعينيكِ من … السحر القلوبُ شاعره
رفقاً فإنا لا نطي … ق النظرات القاهره
ما حيلة الضعيف تل … قاء السيوف الباتره
ليس له من حُجَّة … غير الدموع الطافره
تعطي القلوبُ جِزيةَ ال_غرام وهي صاغره
من الجمال ليس تش … بع العيونُ الناظره
الغادة الحسناء تش … به النجومَ الحاسره
أنحن فوق أرضنا … أم في السماء الزاهره؟
لو كان يحيا الَميْتُ أح … يته الأغاني الساحره
فحبذا الفن وح … بذا أغاني (نادره)
стр. 4922
نحن بحفل جامع … للنخبة المؤازره
كأنما عاد الربيع … ناثراً أزاهره
يا عندليب الروض غرّ … د للوجوه الناضره
أميرةَ الفن تحيّ … تي إليك عاطره
كوني لشيخ قد صبا … إلى الجمال عاذره
لا تحسبي الشيوخَ أم … ثالَ الرسوم الدائرة
كل امرئ يتبع في … أمياله عناصره
وهل إذا النفس صبت … في الشيخ فهي وازره؟
وقد يعود لي الصبا … وعهدُه في الذاكره
أبكي إذا ذكرته … على سنيه الغابره
إن لم أُجلَّ الفن فَلْ … تَدرْ عليَّ الدائره
وَلْنَتَمَلَّ قبل أن … نردي الحياةَ الحاضره
إن الحياة كلها … إلى الحتوف صائره
ولْنكسِب الدنيا وربّ … ي غافرٌ في الآخره
هذا غناء فيه آ … ثار النبوغ ظاهره
أجدتِ يا نادرتي … أوّلَهُ وآخره
أشيم ناراً سِعُرت … وأنتِ أنت الساعره
والناس في حرب الهوى … مدحورةٌ وداحره
يا زهرتي حيّتْكِ أن … داء الربيع الماطره
تحذّري تحذّري … من الزهور الغائره
هذا الهتاف المستطي … ر كله لنادره
غنَّتْ فكانت فتنة … في النغمات الثائره
وردّدت فهيجت … فينا الشجون الحادرة
تجسّ نبضَ العود أح … ياناً بأيدٍ ماهره
فيصرخ العودُ كطف … لٍ دغدغته الخافره
стр. 4923
العودُ شاعرٌ بها … وهي به لشاعره
غنّى لحرّيتنا ال … حبيبة المهاجره
كنا بها في حقبة … من الشعوب الظافره
قضت على آمالنا … يدُ الزمان الغادره
هوت بنا ساعةَ أد … لجنا الجدودُ العاثره
ماكان هذا في مظن … ة النفوس الثائره
وربما دار الزما … نُ معُلِناً بشائره
فخوّل الشعبّ حقو … قَ الأمم المجاوره
بغداد
جميل صدقي الزهاوي
стр. 4924
ثمالة كأس
للأستاذ فخري أبو السعود
بقية أيام تَقَضَّى كثيرها … بنعماَء أو بأساَء والعيش قُلَّبُ
غدوتُ أقضِّيها بأرضِ عَلقْتهاَ … وطاب بها لي مستراد ومذهب
وطاب اجتلاء الحسن بين شعابها … أشرِّق فيها تارة وأغرِّب
تَبَسَّمُ أحياناً فيعذب بِشْرُها … ولستُ بِخاَشً سُخْطَهَا إذ تُقَطَّب
بها مُسَتجَمُّ للجسوم ومتعة … وَرِىُّ وللنفس الشجية مهرب
إذا ما سقاها الغيث صفىَّ أديمها … ونقَّى ثراها حيثما يتصبب
قرفَّ بها عشب وشفَّ بها صفاً … وماد بها غصن ندىُّ مُرَطَّبُ
وفاح بها عطر ورقَّت نسائم … وتاه على البلور قاعٌ ومَشْعَب
فكم ثَمَّ من حُسن نثير منظَّم … وشِعْرٍ إلِهيّ هنالك يُكتب
على هَامهَا حيناً وفي وهَدَاتِها … أُصَعَّدُ في جنح الدجى وأُصَوِّبُ
وفي نشوة الآصال أو يقظة الضحى … وعند شروق الشمس أو حين تغرب
فكم ليلة قد جَمَّدَ البردُ ماَءها … بأحشائها أقبلت لا أتهيَّب
وقد عَوتِ الأرواحُ فيها وأطفأتْ … مصابيحها لم يَبْد ثمَّتَ كوكب
وكم مَشْرِقٍ بادرته في طلوعه … ومازال ماء المزن في الغصن يضرب
وقد عظَّ أهلوها وَأقبلتُ مِثْلَ مَنْ … له عند قرص الشمس في الأفقْ مأرب
يُنَقِّطُنى غصُن بُمنْهَلَّ قَطْرِهِ … ويعبق من حولي نسيمُ ويلعب
صَحَابي هاتيك الشِّعابُ أَلِفْنَني … ويعرفه خطوى حيثما رُحْتُ أدأَب
لقد آذنتْ بالبين صُحبتنا سوى … ثمالة كأس عن قليل ستنضب
أُبَا كِرُها صَفْواً وأَعْلّمُ موقنا … بأن ثَّماَلَ الكأس أشْهَى وَأطيَبُ
سأذكرها يوماً فَأَحْمَدُ عَهْدَها … وأَهفُو إليها مستهامًاَ وأَطرب
فخري أبو السعود
стр. 4925
العودة إلى الريف
بقلم فريد عين شوكة
أمل على رغم الزمانِ يوافى … يا طالما ضنّ الزمانُ الجافي
لج الحنين بمقلتيّ إلى القرى … مأ وى صبايَ ومُنتدَى إلا في
يا نفسُ فاستبقى الزمانَ إلى غد … فغدٌ قرارُك بعد طول طواف
إسكندرية يا عروس الشرق من … ماضي العصور وغابر الأسلاف
ومُنى الشباب وُبغية الفتيات في … الصيف الحرور ومتعة المصطاف
مهماَ حبتْكِ يد الرشاقةَ حليها … ولبستِ أبراد الجمال الضافي
وبهرتِ شبان البلاد وشيبها … برُوائك المتوقرق الرّفاف
فالريف أزين من حِماك حرائراً … وأحبُّ لي من هذه الأطياف
خطرت عليه يد الإله فأبدعت … ما شاء من وشىٍ ومن أفواف
وصفت أصائله وطاب نسيمه … كنسيم جنات النعيم الصافي
وسعى إليه وران فوق ربوعه … سحرٌ عن العين الكليلة خاف
سحر تحيرت النُّهي في كنهه … فسمتْ به عن رائع الأوصاف
يا ريفُ شاهَ جمالك السحريّ من … سيل الخطوب الماِحق المِتلاف
وعدتْ عليك يد المدائن فاجتنت … ما فيك من ثمر وطيبِ قطافِ
وازدانَ مغناها بماِ لك فاغتدت … فتانة الأحشاء والأطراف
حتى استطال الفقر فيك وصوَّحتْ … دنياك من تحفٍ ومن ألطاف
وتكبكب الفلاحُ في أزماته … وغدا بمصر ضحية الإسراف
وأمضّه الفقر العضوض فحاله … ما بين مسغبةٍ وبين كِفافِ
وبنوه - يا لبنيه! - من غول الضنى … زهرٌ ذوىَ من حُرقة وجفاف
إن ضجّ بالشكوى فما من مُسعد … أو ضاق بالبلوى فما من واف
آذانهم صمّاء عما يشتكى … وعيونهم عما دهاه غوافِ
لكنهم متدافعون عليه كالطير … الصِدىّ على النمير الشافي
يجبون من دمه العزيز نقودهم … لتضيع في سرفَ وفي إتلاف
стр. 4926
يا شِقوةَ الفلاح في مصرَ التي … لولاهُ لم تك غير بعض فَيافَ
إسكندرية كم رثيتكِ إذ رأي … تكٍ للأجانب سهلة الأكناف
سيلُ الأجانب فيك كم ألقى على … عيني المضيئةِ حالك الاسداف
يلقوْن منك التبر في جوف الثرى … واللؤلؤ المشفوف في الأصدافِ
ويرون فيك النُّعميات وليتهم … جازوك غير الكفر والإجحاف
صِيغَ الأجانبُ في ربوع الشرق من … فرط الجحود وقلة الأنصاف!
غَفراً (منوفُ) إذا هجرتكِ حقبة=وحُرمت روعةَ حسنك الشفاف
سأزيح عن قلبي تباريح النوى … وأحُطُّ عبء البعد عن أكتافي
فريد عين شوكة
стр. 4927
رسالتان فلسفيتان
بين فولتير وروسو
للأستاذ خليل هنداوي
طوَّح بليسبونة زلزال روَّع النفوس وذهب بكثير الضحايا، فواع فولتير - وهو رسول العطف - أن تعمد العناية الإلهية إلى مثل هذه الوسائل في أعلاه الشر، فهاجم ربوع القائلين بنظرية الخير الشامل، وأين هو الخير؟ ونظم هذه المقطوعة يرثى بها من نكبهم الزلزال، ويتخذ منه برهاناً يؤيده في جحوده العناية الإلهية، ويرى أن الوجود مبنيُّ على الشر والعذاب. وأجابه رو سو على مقطوعته برسالة فلسفية عميقة ينكر عليه هذا الإسراف في التشاؤم، وهذا الاستسلام الأعمى لسلطان العاطفة، ويظهر فلسفة الرضا عن الوجود وعن أنظمته برغم ما يشيع في بعضها من فساد، ويعتقد أن هذا الكون هو خير ما أبدعته فكرة المبدع (إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان).
وهذه هي المقطوعة:
(أيها الأموات التعساء! أيتها الأرض الخاشعة!
أنتم يا من قذفتكم قواذف لا معنى لوقعها).
وأنتم أيها الفلاسفة الذين تصيحون في الأرض (ليس على الأرض إلا الخير).
تعالوا معي واهرعوا إلى هذه الخرائب الدامية، هذه البقايا الهاوية، انظروا الرماد الحائل، وهؤلاء النساء والأطفال يتهاوى بعضهم على بعض مهشمي الأعضاء تحت الحجارة، وهناك ألوف الضحايا التهمتها الأرض.
وجوه دامية، وقلوب خافقة، وأشلاء ممزقة.
قد ماتوا! ولم يدركهم مسعف.
ماتوا! وهم ينظرون إلى الموت
أتقولون أيها الفلاسفة،
وأنتم تسمعون أنينهم وترونهم وهم يحتضرون:
(إن هذا إلا صنع الشرائع الخالدة، وإن إلهاً حراً في مشيئته شاء لهم ذلك).
أتقولون: إن الآلة قد انتقم لنفسه منهم لأنهم كانوا آثمين، وما كان تقتليهم إلا جزاء آثامهم.
стр. 4928
فأية جريمة أم أي رجس فعل هؤلاء الأطفال الذين لقوا مصارعهم على صدر أمهاتهم؟
ليسبونة التي أمست لاشيء، أكانت أكثر رذائل من (لوندرة) ومن (باريس) الغارقة في بحر من الملذات. ليسبونة هوت في الهاوية. وباريس لا تزال ترقص.
إن بعض المشاهدين يتأملون في مصيبة إخوانكم وهم يتحرون عن أسباب العاصفة بهدوء وسلام.
ولكنهم حين يشعرون بضربات الحظ الأعمى تنصب عليهم، يتحرك في نفوسهم معنى الإنسانية، ويبكون مثلنا على مصارعهم.
آمنوا إني صادق الشكوى واللوعة!
وأن مظالم الحظ شائعة في كل مكان. .
ذروني أشْكُ!
كل شيء في العالم يئن، بعضه يفني بعضاً!.
وكل شيء يولد للهموم والأذى.
وأنتم - هنا - تجعلون من شقاء كل موجود سعادة مطلقة، فأية سعادة أسندوها إليك أيها الإنسان الذي يكتنفه الموت والضعف والشقاء. . .؟
أنتم تصيحون هاتفين (ليس على سطحها إلا الخير!)
الوجود يكذبكبكم، وقلوبكم تدحض أراءكم!
وهذه عناصر المادة، حيوانها وإنسانها وجمادها، كلٌ في نزاع مستمر!. . .
يجب أن تقولوا معي (ليس على سطحها إلا الشر)
إن سر الوجود لا يزال مجهولاً. . .
فهل يصدر هذا الشر عن مصدر صاحب الخير نفسه؟ ولكن يكف يُدرك الفكر أن رباً يزجي إلى أبنائه الخير الذي يرتضيه لهم، هو بذاته يصب عليهم سوط عذابه؟ أية عين تستطيع أن تتبين في هذه الأغوار العميقة؟. لا يمكن أن يكون مصدر الشر كله من الوجود.
والشر لن يرسله أحد غير الله، لأنه هو سيد الوجود وهو الكائن في كل موجود.
يالها من حقائق مؤلمة!. .
стр. 4929
وياله من مزيج لعناصر متباينة!. . .)
وهذه هي الرسالة التي كتبها رو سو جواباً على هذه المقطوعة: (اسمح لي أيها العزيز بأن أشكو إليك من هذه العقيدة، إذ كنت أرتقب منك ما هو خير وأهدى لهذه الإنسانية التي تريد منك أن تنفس عنها. أنت تلوم (بوب) و (ليبنتز) لأنهما خففا عن الإنسانية عذابها بإعلانهما (أن لاشيء عليا إلا الخير) ورحت ترينا شقاءنا وتهدينا إلى تعسنا، تدفعك إلى هذا عاطفتك الهوجاء؛ وبدلاً من أن تكون رسول تعزية لي لم تعمل إلا على إثارة حزني. قد يقال إنك تخشى أنني لا أرى مبلغ شقائي في هذا الوجود، وأنك إذا تركتني أسيء الظن بالكون تخفف عني شقائي.
قال لي (بوب وليبنتز): صبراً أيها الإنسان فان الألم شيء ضروري في الطبيعة والوجود، فان الموجد الخالد الحسن الذي يحكم هذا العالم ودّ أن يعصمك فيه عن كثير من الأنظمة المطلقة، فانتخب نظامًا هو أصلح الأنظمة وأقلها شراً وأكثرها خيراً، فلماذا المكابرة؟ لنقل هذه الكلمة وان كانت قاسية: (إذا لم يصنع إله الكون خيراً مما صنع، فلأنه لا يقد على أن يصنع خيراً منه) وأنت ماذا تقول لي في قصيدتك؟ تقول: تألم إلى الأبد أيها الشقي، فإذا كان - ثمت - خالق أوجد فهو قادر بدون شك على أن يزحزح عنك آلامك ويطلق نفسك من قيودها. ولكن لا ترج من آلامك أن تتزحزح، لأن من المحال أن تعرف لماذا وجدت إذا لم توجد للألم والموت.
إنني لأراني أتحرى عن أسباب الشقاء الأدبي في الإنسان الحر الكامل والإنسان الفاسد. وأما الشقاء المادي فإذا صح ما أشعر به فان بين المادة الحساسة والمادة الجامدة الميتة نزاعاً مستمراً، فهذا الشقاء وجوده محتم في كل جزء يتصل به الإنسان. وإذ ذاك يصبح سؤالنا (لماذا لم يخلق الإنسان سعيداً) لغواً لا معنى له. وإنما يسأل (لماذا وجد الإنسان)؟
وأقول: إن كل مصائبنا - ما عدا الموت - إنما نوطن لها بأسباب تتقدمها، وجل مصائبنا المادية تجنيها علينا أيدينا، عد إلى موضوع قصيدتك نفسها، وهب أن الطبيعة لم ترفع هنالك عشرين ألف منزل بطبقات مختلفات، وأن سكان هذه المنازل قد توزعوا فرقاً فرقاً في مساكن حقيرة، أفليست النكبة تكون أهون شراً إذا كان لا مفرَّ من النكبة؟
ولكن يتسنى لنا العودة إلى المذهب الذي ضربته، فلا غنى لنا حال تجريبه وامتحانه عن
стр. 4930
أن نميز الألم الخاص الذي لا ينفي وجوده فيلسوف من الألم العام الذي ينفي وجود التفاؤل. ولا ينبغي هنالك أن يسأل أحدنا الآخر: أذقت ألماً أنت أم لم تذق؟ وأنا ينبغي أن نفهم إذا كان الوجود بني على أساس الخير، أو إذا كانت آلامنا فيه محتمة لا محيص عنها؟
وهكذا أرى قولنا (مجموع الكل هو خير) أدنى إلى الحقيقة من قولنا (كل شيء هو خير) وإذ ذاك لا سبيل لأحد أن يأتي ببراهين لأثبات شيء أو لدافع شيء. لأن هذه البراهين تتعلق رأساً بمعرفة عمارة الكون والاطلاع على غاية خالقها، وهذه المعرفة يبعد على العقل البشري أن يُلم بها، والقواعد الصحيحة لمذهب التفاؤل لا تستمد من متاع المادة ولا من ميكانيكية العالم، ولكنها تُستَمد بواسطة العقل من كمالات الله التي يدبر بها كل شيء.
إذا عدتَ بهذه الأسئلة المتباينة إلى مصدرها الشامل رأيتها كلها تعود إلى مسألة وجود الله، فإذا ثبت وجود الله فلابدَّ أن يكون كاملا، وإذا كان كاملا فلابد أن يكون عاقلا وقديراً وعادلاً، وإذا كان عادلاً وقديراً فكل شيء مبني على خير وصلاح، وإذا كان عادلاً وقديراً فروحي هي خالدة، وإذا كانت روحي خالدة فان ثلاثين عاماً من عمري لا توازي شيئاً عندي، وربما كانت ضرورية لإنقاذ الكون. فإذا ما سلمتَ لي بالقضية الأولى فلم تتزعزع هذه النتائج التي وقفها عليها، وإذا لم تسلم بها وكان نصيبها منك الجحود فان كل مجادلة في توابعها تذهب عبثاً.
بيروت
خليل هنداوي
стр. 4931
العلوم
بلوتو
السيار التاسع
للأستاذ مصطفى محمود حافظ
في العدد (٥٦) من مجلة الرسالة مقال ذكر به أن الكواكب السيارة ثمانية، وأنها - مرتبة حسب قربها من الشمس - (عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشتري، زحل، أورانوس، نبتون). وقد كان هذا القول صحيحاً حتى شهر مارس سنة ١٩٣٠، فكان مدار (نبتون) يحدد نهاية المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها كرتنا الأرضية، ثم اتسعت هذه المجموعة باكتشاف سيار تاسع هو (بلوتو) وإلى القارئ قصة هذا الكشف.
الفرق بين النجم والسيار:
في المقال المشار إليه سابقاً نظريتان من النظريات التي وضعت في تفسير كيفية تكوين السيارات حول الشمس، ولعل أقرب هاتين النظريتين إلى الصحة هي أحدثهما، وهي نظرية المد التي يؤيدها الآن كثير من العلماء تأييداً رياضياً، منهم العالم الإنجليزي المشهور (سير جيمز جينز)، فشمسنا الحالية ومعها كل ما انفصل منها على شكل كواكب وذرات متحطمة وإشعاع كانت في الماضي السحيق تكون نجماً هائلاً، اقترب منه نجم ثان - ربما كان أكبر منه - فجذب إليه جزءاً من الأول على شكل السيجار ومن هذا السيجار انفصلت الكواكب السيارة. ولعل ترتيب السيارات بحجومها الحالية يؤيد هذه النظرية، فأضخمها في الوسط وأصغرها في الطرفين. وهذه المجموعة الشمسية تسبح كلها في الفضاء تفصلها ملايين ملايين الأميال عن أقرب نجم إليها. فإذا نظر الإنسان وهو على الأرض إلى القبة السماوي رأى بعينه المجردة آلافا من هذه النجوم، وقد يكون الوقت ملائماً لأن يرى سياراً أو أكثر. ويمكنه أن يميز السيار عن النجم بشدة لمعانه وعدم تألقه وتغييره لمكانه النسبي بين النجوم الثوابت على مر الشهور والأعوام (ومن هنا نشأت تسميته بالسيار أو التائه) وكذلك يميز السيار بظهوره على شكل قرص صغير في عدسة التلسكوب، على حين أن النجوم لا يمكن أن تظهر أكثر من نقطة، ولكن ذلك لا يساعدنا
стр. 4932
دائما على الكشف عن السيارات، فعطارد لا يبعد عن أمه الشمس إلا قليلا، فتصعب رؤيته بالعين المجردة إلا في البقعة المنبسطة قبيل شروق الشمس أو بعيد غروبها، وأورانوس ونبتون لا تراهما العين المجردة لبعدهما عن الشمس والأرض بعداً يجعل الزاوية التي يحدثها قطر كل منهما عند العين لا تمكنها من الرؤية، وهذا هو السبب في عدم معرفة العرب القدماء لها قبل اختراع التلسكوب.
وكلما ابتعد السيار عن الشمس صعب كشفه وتمييزه عن النجوم، وقد كشف (هر شل) عن اورانوس (أب زحل آله الزرع) عفواً في سنة ١٧٨١ هو يوجه منظاره إلى جزء من السماء، وقد ظنه في أول الأمر (مُذَنبا) وكشف (جال) عن نبتون (آله البحر) في سنة ١٨٤٦ بعد بحوث (ليفرييه) الرياضية.
البحث عن سيار تائه:
وفي أوائل القرن الحالي كان الأستاذ (برسيفال لول) يقول بوجوب وجود سيار آخر تابع لمجموعتنا الشمسية أبعد من نبتون، وقد جاء هذا القول نتيجة لبحوثه الرياضية في مدارات السيارات المعروفة في ذلك الوقت، وعدم اتفاق المدار الرياضي مع المدار المشاهد. فانطلق الفلكيون هواة ومحترفين يبحثون عن ذلك السيار التائه، ولعل لولا التعاون الدائم بين فروع المعرفة العام في الوصول إلى الحق لما تمكن أحد إلى الآن من الكشف عن هذا السيار، فان محاول الكشف عنه كان عليه أن ينظر إلى جزء من السماء في وقت معين من كل ليلة ويطيل النظر إلى آلاف النقط اللوامع التي يراها، ويحاول أن يجد أيها يغير موضعه على مر الليالي، وبذلك يميز السيار عن النجم الثابت، فهذه النجوم (الثوابت) وإن كانت في حركة مستمرة إلا أن بعدها السحيق يخفي عنها هذه الحركة ولا يظهرها إلى على مر الأجيال الطويلة، وذلك كما يلاحظه الإنسان أن القطار السريع البعيد يدب دبيبا.
وعملية ملاحظة حركة السيارات هذه عملية شاقة تحتاج إلى صبر كثيرة ودقة وأمانة في التقدير، فان إطالة النظر إلى عدسة التلسكوب تثقب شبكية العين وتجعلها ترى ما ليس له وجود، ولكن تضافر نواحي المعرفة للوصل إلى الحق هو الذي مكن العلماء من الوصول إلى السيار التاسع، وذلك باستخدام الكمرا في تصوير السماء بدلا من الملاحظة والتخطيط، فأغلب تلسكوبات العالم الآن مجهزة بآلات فوتوغرافية تمكن الفلكي من تصوير أي جزء
стр. 4933
من السماء بكل دقة وأمانة، كما أنها تزيد من قدرته على الملاحظة، فالجسم الضعيف النور قد لا يؤثر في العين باستمرار النظر إلى موضعه، ولكنه يؤثر في اللوح الحساس باستمرار تعريضه إليه عدة ساعات، وأحياناً عدة ليال، وذلك بادرة التلسكوب إدارة تعادل حركة الأرض، فيصبح اللوح دائماً في مواجهة الجزء المارد تصويره.
الكشف عن بلوتو:
قلنا إن الأستاذ (برسيفال لول) كان قد تنبأ في أوائل القرن الحالي بوجود تابع تاسع لمجموعتنا الشمسية، وقد تكمن فلكيو مرصد (لول) في (أريزونا) من الكشف عن هذا السيار، وبذلك أصبحت التوابع المعروفة لشمسنا تسعة إذا استثنينا مئات التوابع الصغرى التي تقع بين مداري المريخ والمشتري، والتي قد تكون بقايا سيار منفجر أو متحطم ابتدأ البحث عن هذا السيار الجديد بأن عرضت الألواح الفوتوغرافية إلى أجزاء السماء المشتبه فيها مدة من الزمن تكفي لانطباع أثار كل ما في السماء على الألواح، وتكررت هذه العملية في الليالي المتتالية، ثم امتحنت الألواح المختلفة فلوحظ أن جميع النقط اللامعة لم تغير مواضعها بالنسبة لبعضها البعض، إلا نقطة واحدة جعلت تسبح بين مواضع النجوم الثابتة، فكانت هي السيار المنشود مادامت جميع السيارات المعروفة بعيدة عن الموضع المصور، وبهذه الطريقة تم الكشف عن السيار التاسع، فان الفلكي الشاب مستر (كليد تمباو) لاحظ بامتحان لوحين أخذا في ٢ مارس سنة ١٩٣٠، ٥ مارس سنة ١٩٣٠ أن نقطة لامعة قد غيرت موضعها تغييراً محسوساً.
وبذلك يكون هو أول من كشف عن (التائه) التائه. وكان بعده عن الأرض في ذلك الوقت ٤٠٠٠ مليون ميل، أي أن الضوء المنعكس عن سطحه يصل إلى الأرض بعد خمس ساعات ونصف ساعة من وقت انعكاسه، وقد سمى بلوتو (آله العالم السفلي)، وهو الاسم الذي أطلقته عليه فتاة كان سنها ١١ عاماً تدعى (فينيتا). وهي ابنة أخي الأستاذ (مادن) أستاذ العلوم في كلية (ايتون) ولا يعرف الآن كل شيء عن هذا السيار، وذلك لبعد المسافة التي تفصلنا عنه، ولكن مداره حول الشمس قد عرف بدارسة الألواح الفوتوغرافية التي يظهر فيها من وقت لآخر، ويعتقد أنه يعادل الأرض حجماً، ولكنه أكبر منها كتلة، فمادته أكثر كثافة من مادة الأرض.
стр. 4934
ولا يمكن أن يقال الآن إن بلوتو يحدد نهاية مجموعتنا الشمسية، فقد تفسر دراسة الخرائط السماوية عن وجود سيار آخر فتتسع مجموعتنا الشمسية، ولكن ذلك قليل الاحتمال لأن قوة جاذبية الشمس لهذه السيارات تضعف مع البعد، فتقل قدرتها على الإمساك بالسيار وجعله يدور حولها.
مصطفى محمود حافظ
مدرس بمدرسة امبابة للمعلمين
стр. 4935
القصَص
من صور الريف - قصة واقعية
الشقراء المجنونة. . .!!
بقلم محمود البكري
. . . فتاة مثقفة على خلق عظيم، تناولت من التعليم حظاً غير قليل وفيها شيء من الجمال: عينان ساجيتان، شعر يشبه أن يكون خيوطاً من ذهب. . . ثم نفس شاعرة متمردة تحس الجمال وتتذوق الأدب. . كانت (فتحية) صورة نادرة في الفتيات: امتزج فيها سمو الروح بجمال الصورة، تعلمت في وقرأت جوت ولا مارتين ودوي موسيه. فظمئت روحها إلى حب عنيف، وعرفت (سامي) فوجدت عنده رياً لروحها الصادى، فأنست إليه وهام بها، وكان حب بينهما، حب جبار قوي كأنه الإعصار لا تسيره المنافع ولا تغيره المطامع ولا توهنه أحداث الحياة، وهو فوق هذا نبيل بصورة لا تقع في الوهم، طاهر بشكل لا يتعلق به ظن.
. . . وكانا يقضيان حياة فيها حظ من الشعر والخيال: يتقابلان في الحدائق فيجلسان على العشب الندي، ويخلوان إلى نفسيهما فيأخذان في فتون من الحديث والأدب، حتى يتقدم الليل فيفترقان إلى عود. . . وكانا يتفقان على الإعجاب بالأدب الفرنسي، وينفقان في القراءة وقتاً غير قليل، ويستطيل كل منهما على صاحبها أحياناً في رقة ورفق ودعابة.
ومضى على هذا الحب سنوات ثلاث. ثم أحيط أبوها بخبره، وكان صارماً قاسياً شديد القسوة، عنيداً مسرفاً في العناد، فاستعدي فتحية فجأة. .
. . . وكان يوم الوداع ثقيل الظل سريع الخطو. . . وجاء القطار! فجاشت الدموع في صدر فتحية، ولكنها تجلدت ونهنهت عينها، وأخذت نفسها بصمت عميق، وإن كانت روحها تكتم ثورة صاخبة تضطرم في عينيها الحالمتين في ذهول واستغراق. . وكانت تخرج منديلها الأزرق الصغير من حين إلى حين فتلقط به دمعة أو دمعتين. . ثم تحرك القطار وغاب في أحشاء الطريق. فاهتدت الدموع الضالة إلى عين فتحية وغلبتها على أمرها، فاستسلمت للغريزة، وأرسلت عينيها في حرارة وغزارة وذلة وصمت. . .!!
стр. 4936
وخطبها إلى أبيها رجل كبير من أعيان الريف أوتى بسطة من المال، إلا أن بضاعته من الثقافة والعلم مزجاة، وكان يكبرها بثلاثين سنة أو تزيد!. . . مانعت وتمردت. وثار بينها وبين أبيها نقاش قصير ولكنه حاد. أيهما أشد إسرافاً في الجريمة؟ أهو لأنه يريد أن يقضي على سعادة ابنته؟! أم هي لأنها تخالف أباها في أن تتزوج رجلا لا تفهمه، وليس بينهما صلة من عاطفة أو سن أو ثقافة، وكان جدال عنيف في شيء لا يحتمل الجدال ولا يستدعي الحجة. لأنه بين لا لبس فيه ولا غموض، ولأن حق حرية اختيار الزوج لا يسخط الله ويرضى الناس، يقره العل ولا يرى القانون بأساً في أن يسمح به، ولكن الحق مهما يكن، ينكره ويلتوي به المكابرون، والمكابرون لا حيلة فيهم ولا دواء لهم. والوالد يحتال حيناً ويتطلف، ويقسو حيناً آخر ويهدد، والفتاة على كل حال تتمرد وتثور. . .!
. . . وأخيراً استقرت ثورتها وانتهت إلى مثل ما تنتهي إليه ثورات النساء في منازلنا: استسلام مغلوب.
. . . وأخيراً!! تبددت في مهب الظلم آمال، وتحطمت على شعاب العناد أحلام، وضاعت في غمرة الطمع أماني. . .
. . . وأخيراً. . . زفت فتحية التي تعلمت في إلى الرجل الذي اختير لها وأكرهت عليه إكراهاً. . .
أغدق عليها مالا وحلياً وثياباً، فلم تبهرها هذه المظاهر، ولم تكسر من حدة نفارها ولم ترد جماحها. . . كانت تبكي في اتصال ومرارة.!
وكان حب سامي لما يزل يستبد بها فينسيها في النهار الراحة والقرار، وفي الليل المنام. . . كانت تغفو أحياناً قليلة، ثم تفيق صارخة مضطربة روعتها الأشباح، وطاردتها أرواح الذكريات في إلحاح وقسوة، فراحت حياتها خليطاً مشوشاً من الصور المرعبة، كانت تحبه حبا طاغيا عنيفاً جعل حياتها في البعد عنه سلسلة طويلة متصلة من الشقاء.
حاولت جهدها أن تنسى: فكانت تخرج إلى الحقول، وتقرأ كثيراً، ولكنها كانت تفر من عذاب إلى عذاب.
وكان زوجها سخيف العقل ضعيف الرأي ضيق النظر؛ وعنده أن المرأة لم تخلق إلا لتكون ماء أو شيئاً يشبه الماء يطفئ به الرجل جذوة الحيوانية. . . فأما أن تتعلم أو تقرأ أتكتب
стр. 4937
أو تحب، فكل ذلك حياد عن القصد وجور عن السبيل، وخروج عن العرف، وانتقاض على التقاليد.
كانت الهوة بينه وبين فتحية عميقة سحيقة لا حد لها ولا غاية ولا قرار: انصرفت هي إلى حبها وذكرياتها وكتبها فاستغرقتها واستأثرت بها، فلم تجعل لشيء آخر في قلبا مستقراً ولا مقاماً.
وتولى هو إلى مزارعه وماله عن كل شيء عداها، وكان حقير النفس فقير العاطفة مجدب الشعور، لا يضطرب في نفسه إحساس ولا تعرف العواطف إلى قلبه سبيلا: كل أيامه بعد أعماله أكل ونوم. . . يمر النهار فلا يكاد يتحدث إلى زوجه بأكثر من كلمات آلية معدودة، وإن تحدث ففي شئون مزارعه وماشيته حديثاً تافهاً ضئيلا لا يدل على معنى، وإن كان يدفع السأم ويرد إلى الضجر القاتل.
ضاقت فتحية بهذه الصور المتشابهة من العيش، وأسقمها هذا اللون من الحياة المضطردة الباردة، فاندفع السأم واليأس إلى نفسها اندفاعا قويا.
وضاعت في تيه الذكريات والظلم هذه المخلوقة الشقية التي تستقبل الصباح بالدموع وتودع النهار بالدموع. . . فزعت إلى الكتب تقرؤها إذا كان وجه النهار إلى الضحى، فإذا أقبل العصر خرجت إلى الحقول مطرقة ذليلة لا تحدث إنساناً ولا تستمع إلى إنسان فتقضي وقتاً ما، ثم تأخذ طريقها الصامت إلى المنزل فتخلوا إلى نفسها في غرفتها، ثم تخرج صور سامي فتتحدث إليها وتسكب أمامها الدمع كأنها عابد في المحراب. . .!
. . . وظهر زوجها على صور سامي ورسائله، فثارت نفسه وارتد وحشاً ضاريا عاتياً ديس عرينه وأبيح حرمه واستحل حماه، وبدت في خلقه صورة جديدة، الغيرة الصارخة العنيفة. فمسخت تصرفاته كلها وصبغت حياته بلون قاتم ظالم مستبد.
العرض والشرف في الريف شيئان يهون معهما كل شيء. . .! ومضى الوحش يفكر في انتقام هائل مروع بعيد الأثر: فكر في قتلها وفي طلاقها: ولكن هذه الصور لم ترض شعوره المحنق، ولم ترو نفسه الصادية إلى الدم، لأن في كل هذا موتاً سريعاً مريحاً، ولكنه يريدها أن تموت على مهل في نزع طويل بطيء واستقرت نفسه الحائرة أخيراً على تجربة بدأها حالاً، فعمد إلى كتبها وأوراقها فجعلها وقوداً للنار، ثم أخذها هي بالقسوة وسوء
стр. 4938
الحساب: يضربها إذا كان النهار، ويهجرها إذا كان الليل، وهو فوق هذا يكلفها من أعمال المنزل مالا طاقة لها به. . .
ومضى السجان الجبار في تجربته والضحية البريئة تذبل على مهل. تمادت بها الآلام فأغرت بها اليأس، وردها اليأس إلى لون من الحسرة ملح، عميق يسوقها إلى الجنون سوقا متداركا سريعاً.!
وكل هذا قصته على أختي عن صديقتها زوج جارنا الغني.
ولأيام خلت كنت أجلس في حديقتي في ظل شجرة هرمة إلى جانب الساقية التي تنوح أبداً. . . سمعت صرخات متصلة ومتقطعة، وكلها ثائرة ومجنونة، وسمعت كلمات مبهمة مختلطة. . . صمتّ وصمتت الساقية وحسبت دموعها، ومالت الغصون على الغدير هامسة (إذن أفلحت التجربة وجنت الشقراء!!) واستأنفت الساقية نواحها. . . وأرسلت دموعها. . . على الشقراء المجنونة. . .!!
(قلوصنا)
محمود البكري القلوصناوي
стр. 4939
من المسرح الغنائي
٢ - سافو
لأوجييه اميل
ترجمة الأستاذ محمود خيرت
الفصل الثاني
(منزل حنا جوسين بباريس وبه حنا ووالده سيزار ثم أمه ديفون وإيرين ابنة عمه)
حنا - إنك تتعب نفسك يا أبي.
سيزار - صه. صه.
حنا - (متأملا صورة فوق الحائط) ما أجمل منزلنا وهو يتحكّم في السهل، وتمتد كرومه نحو الأفق. وما أحلى ما ألمح أمي عند الباب فيتضاعف اجتهادي. ولكن أين هي؟
سيزار - في الدير يا ولدي عند ابنة عمك إيرين.
حنا - وهل تعود إيرين معكما؟
سيزار - نعم لنتسلّى بها في غيبتك.
حنا - حسناً تفعلان يا أبي.
(تدخل ديفون وإيرين)
ديفون - آه يا ولدي ما هذه المدينة. ما أكثر مبانيها، وما أكثر الحركة فيها. إن طرقاتها تموج بالعربات والناس، فأين هي بجلَبَتها من قريتنا الهادئة. آه يا ولدي المسكين!
سيزار - قضى الأمر فلا محل للتبرّم الآن.
ديفون - ولكن هل نسيت إيرين يا حنا؟
حنا - حقيقة كيف أنت يا ابنة عمي؟
ديفون - وكيف تراها الآن؟ أليست صَبُوحةً كالنهار، جملية جمال المِلكات. ولقد ضمّك صدري من الصغر (لزوجها) يجب أن نرحل يا سيزار فهيئ نفسك، بينما ألقي نظر إلى غرف الدار (لولدها وهي خارجة مع سيزار) ضمّها يا حنا (يخرجان).
حنا - ما كان أسعدني بهما، فأنا أغبطك يا إيرين لأنك ستكونين معهما بقريتنا، هبة الشمس
стр. 4940
وموطن الأمل والحب.
إيرين - ولعلك تذكر أيام كنا نقصد إلى الغابة فوق حمارنا بلا تشبيه بينما أجراسه تُجلجل تحت عنقه وهو ينهب بنا الأرض.
حنا - نعم يا إيرين وأذكر أيضاً ساعة كنت أضع يدي في يدك وأنا معتزٌ بك مباهٍ بحسنك.
إيرين - كنا نقلد اليهود عند فرارهم من مصر وأنا أسميك يوسف وأنت تدعوني مريم. هل نسيت؟
حنا - لا. لم أنس.
إيرين - وكنا بعدئذ نفر إلى المنزل كأنما يطاردنا هيرود العاتي الذي أسرف في دم الأبرياء، وأذكر أيضاً اغتباطنا عند عودتنا ونحن نسمع صياح الإوز يحمله إلينا النسيم.
حنا - وإن إيرين عندما كنت تقترب من الدار كانت تسرع فتضمني.
إيرين - ما كان عليّ وقتئذ من حرج.
حنا - والآن؟
إيرين - آه. . .
حنا - إذن لا تغضبين لو أنني ضممتك.
إيرين - كما كنا نفعل فيما مضى؟
حنا - نعم كما كنا في ذلك العهد (يضمها ويقبلها في جبينها)
(يدخل سيزار وديفون وفي يديها مصباح وقد رأياهما)
ديفون - (هامسة في أذن زوجها) أرأيت يا سيزار؟
سيزار - رأيت.
ديفون - في رعاية الله يا ولدي.
حنا - دعيني أصحبك يا أميِّ.
ديفون - (تمنعه) مكانك. فهذا المكتب أولى بك. إن العمل في هذه المدينة الواسعة هو الذي يدفع عنك خطرها.
سيزار - صدقت يا ديفون.
ديفون - الوداع يا حنا. ثم احتفظ بها المصباح القديم. فقد كنت على ضوئه أهيئ لك
следующие страницы →