← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وخطبها إلى أبيها رجل كبير من أعيان الريف أوتى بسطة من المال، إلا أن بضاعته من الثقافة والعلم مزجاة، وكان يكبرها بثلاثين سنة أو تزيد!. . . مانعت وتمردت. وثار بينها وبين أبيها نقاش قصير ولكنه حاد. أيهما أشد إسرافاً في الجريمة؟ أهو لأنه يريد أن يقضي على سعادة ابنته؟! أم هي لأنها تخالف أباها في أن تتزوج رجلا لا تفهمه، وليس بينهما صلة من عاطفة أو سن أو ثقافة، وكان جدال عنيف في شيء لا يحتمل الجدال ولا يستدعي الحجة. لأنه بين لا لبس فيه ولا غموض، ولأن حق حرية اختيار الزوج لا يسخط الله ويرضى الناس، يقره العل ولا يرى القانون بأساً في أن يسمح به، ولكن الحق مهما يكن، ينكره ويلتوي به المكابرون، والمكابرون لا حيلة فيهم ولا دواء لهم. والوالد يحتال حيناً ويتطلف، ويقسو حيناً آخر ويهدد، والفتاة على كل حال تتمرد وتثور. . .! . . . وأخيراً استقرت ثورتها وانتهت إلى مثل ما تنتهي إليه ثورات النساء في منازلنا: استسلام مغلوب. . . . وأخيراً!! تبددت في مهب الظلم آمال، وتحطمت على شعاب العناد أحلام، وضاعت في غمرة الطمع أماني. . . . . . وأخيراً. . . زفت فتحية التي تعلمت في إلى الرجل الذي اختير لها وأكرهت عليه إكراهاً. . . أغدق عليها مالا وحلياً وثياباً، فلم تبهرها هذه المظاهر، ولم تكسر من حدة نفارها ولم ترد جماحها. . . كانت تبكي في اتصال ومرارة.! وكان حب سامي لما يزل يستبد بها فينسيها في النهار الراحة والقرار، وفي الليل المنام. . . كانت تغفو أحياناً قليلة، ثم تفيق صارخة مضطربة روعتها الأشباح، وطاردتها أرواح الذكريات في إلحاح وقسوة، فراحت حياتها خليطاً مشوشاً من الصور المرعبة، كانت تحبه حبا طاغيا عنيفاً جعل حياتها في البعد عنه سلسلة طويلة متصلة من الشقاء. حاولت جهدها أن تنسى: فكانت تخرج إلى الحقول، وتقرأ كثيراً، ولكنها كانت تفر من عذاب إلى عذاب. وكان زوجها سخيف العقل ضعيف الرأي ضيق النظر؛ وعنده أن المرأة لم تخلق إلا لتكون ماء أو شيئاً يشبه الماء يطفئ به الرجل جذوة الحيوانية. . . فأما أن تتعلم أو تقرأ أتكتب

стр. 4937

أو تحب، فكل ذلك حياد عن القصد وجور عن السبيل، وخروج عن العرف، وانتقاض على التقاليد. كانت الهوة بينه وبين فتحية عميقة سحيقة لا حد لها ولا غاية ولا قرار: انصرفت هي إلى حبها وذكرياتها وكتبها فاستغرقتها واستأثرت بها، فلم تجعل لشيء آخر في قلبا مستقراً ولا مقاماً. وتولى هو إلى مزارعه وماله عن كل شيء عداها، وكان حقير النفس فقير العاطفة مجدب الشعور، لا يضطرب في نفسه إحساس ولا تعرف العواطف إلى قلبه سبيلا: كل أيامه بعد أعماله أكل ونوم. . . يمر النهار فلا يكاد يتحدث إلى زوجه بأكثر من كلمات آلية معدودة، وإن تحدث ففي شئون مزارعه وماشيته حديثاً تافهاً ضئيلا لا يدل على معنى، وإن كان يدفع السأم ويرد إلى الضجر القاتل. ضاقت فتحية بهذه الصور المتشابهة من العيش، وأسقمها هذا اللون من الحياة المضطردة الباردة، فاندفع السأم واليأس إلى نفسها اندفاعا قويا. وضاعت في تيه الذكريات والظلم هذه المخلوقة الشقية التي تستقبل الصباح بالدموع وتودع النهار بالدموع. . . فزعت إلى الكتب تقرؤها إذا كان وجه النهار إلى الضحى، فإذا أقبل العصر خرجت إلى الحقول مطرقة ذليلة لا تحدث إنساناً ولا تستمع إلى إنسان فتقضي وقتاً ما، ثم تأخذ طريقها الصامت إلى المنزل فتخلوا إلى نفسها في غرفتها، ثم تخرج صور سامي فتتحدث إليها وتسكب أمامها الدمع كأنها عابد في المحراب. . .! . . . وظهر زوجها على صور سامي ورسائله، فثارت نفسه وارتد وحشاً ضاريا عاتياً ديس عرينه وأبيح حرمه واستحل حماه، وبدت في خلقه صورة جديدة، الغيرة الصارخة العنيفة. فمسخت تصرفاته كلها وصبغت حياته بلون قاتم ظالم مستبد. العرض والشرف في الريف شيئان يهون معهما كل شيء. . .! ومضى الوحش يفكر في انتقام هائل مروع بعيد الأثر: فكر في قتلها وفي طلاقها: ولكن هذه الصور لم ترض شعوره المحنق، ولم ترو نفسه الصادية إلى الدم، لأن في كل هذا موتاً سريعاً مريحاً، ولكنه يريدها أن تموت على مهل في نزع طويل بطيء واستقرت نفسه الحائرة أخيراً على تجربة بدأها حالاً، فعمد إلى كتبها وأوراقها فجعلها وقوداً للنار، ثم أخذها هي بالقسوة وسوء

стр. 4938

الحساب: يضربها إذا كان النهار، ويهجرها إذا كان الليل، وهو فوق هذا يكلفها من أعمال المنزل مالا طاقة لها به. . . ومضى السجان الجبار في تجربته والضحية البريئة تذبل على مهل. تمادت بها الآلام فأغرت بها اليأس، وردها اليأس إلى لون من الحسرة ملح، عميق يسوقها إلى الجنون سوقا متداركا سريعاً.! وكل هذا قصته على أختي عن صديقتها زوج جارنا الغني. ولأيام خلت كنت أجلس في حديقتي في ظل شجرة هرمة إلى جانب الساقية التي تنوح أبداً. . . سمعت صرخات متصلة ومتقطعة، وكلها ثائرة ومجنونة، وسمعت كلمات مبهمة مختلطة. . . صمتّ وصمتت الساقية وحسبت دموعها، ومالت الغصون على الغدير هامسة (إذن أفلحت التجربة وجنت الشقراء!!) واستأنفت الساقية نواحها. . . وأرسلت دموعها. . . على الشقراء المجنونة. . .!! (قلوصنا) محمود البكري القلوصناوي

стр. 4939

من المسرح الغنائي ٢ - سافو لأوجييه اميل ترجمة الأستاذ محمود خيرت الفصل الثاني (منزل حنا جوسين بباريس وبه حنا ووالده سيزار ثم أمه ديفون وإيرين ابنة عمه) حنا - إنك تتعب نفسك يا أبي. سيزار - صه. صه. حنا - (متأملا صورة فوق الحائط) ما أجمل منزلنا وهو يتحكّم في السهل، وتمتد كرومه نحو الأفق. وما أحلى ما ألمح أمي عند الباب فيتضاعف اجتهادي. ولكن أين هي؟ سيزار - في الدير يا ولدي عند ابنة عمك إيرين. حنا - وهل تعود إيرين معكما؟ سيزار - نعم لنتسلّى بها في غيبتك. حنا - حسناً تفعلان يا أبي. (تدخل ديفون وإيرين) ديفون - آه يا ولدي ما هذه المدينة. ما أكثر مبانيها، وما أكثر الحركة فيها. إن طرقاتها تموج بالعربات والناس، فأين هي بجلَبَتها من قريتنا الهادئة. آه يا ولدي المسكين! سيزار - قضى الأمر فلا محل للتبرّم الآن. ديفون - ولكن هل نسيت إيرين يا حنا؟ حنا - حقيقة كيف أنت يا ابنة عمي؟ ديفون - وكيف تراها الآن؟ أليست صَبُوحةً كالنهار، جملية جمال المِلكات. ولقد ضمّك صدري من الصغر (لزوجها) يجب أن نرحل يا سيزار فهيئ نفسك، بينما ألقي نظر إلى غرف الدار (لولدها وهي خارجة مع سيزار) ضمّها يا حنا (يخرجان). حنا - ما كان أسعدني بهما، فأنا أغبطك يا إيرين لأنك ستكونين معهما بقريتنا، هبة الشمس

стр. 4940

وموطن الأمل والحب. إيرين - ولعلك تذكر أيام كنا نقصد إلى الغابة فوق حمارنا بلا تشبيه بينما أجراسه تُجلجل تحت عنقه وهو ينهب بنا الأرض. حنا - نعم يا إيرين وأذكر أيضاً ساعة كنت أضع يدي في يدك وأنا معتزٌ بك مباهٍ بحسنك. إيرين - كنا نقلد اليهود عند فرارهم من مصر وأنا أسميك يوسف وأنت تدعوني مريم. هل نسيت؟ حنا - لا. لم أنس. إيرين - وكنا بعدئذ نفر إلى المنزل كأنما يطاردنا هيرود العاتي الذي أسرف في دم الأبرياء، وأذكر أيضاً اغتباطنا عند عودتنا ونحن نسمع صياح الإوز يحمله إلينا النسيم. حنا - وإن إيرين عندما كنت تقترب من الدار كانت تسرع فتضمني. إيرين - ما كان عليّ وقتئذ من حرج. حنا - والآن؟ إيرين - آه. . . حنا - إذن لا تغضبين لو أنني ضممتك. إيرين - كما كنا نفعل فيما مضى؟ حنا - نعم كما كنا في ذلك العهد (يضمها ويقبلها في جبينها) (يدخل سيزار وديفون وفي يديها مصباح وقد رأياهما) ديفون - (هامسة في أذن زوجها) أرأيت يا سيزار؟ سيزار - رأيت. ديفون - في رعاية الله يا ولدي. حنا - دعيني أصحبك يا أميِّ. ديفون - (تمنعه) مكانك. فهذا المكتب أولى بك. إن العمل في هذه المدينة الواسعة هو الذي يدفع عنك خطرها. سيزار - صدقت يا ديفون. ديفون - الوداع يا حنا. ثم احتفظ بها المصباح القديم. فقد كنت على ضوئه أهيئ لك

стр. 4941

الثياب، وأنظر إلى وجهك من خلل الأستار وأنت طفل في المهد. إلى الملتقى يا ولدي. حنا - (متألماً) أمي. . .؟ سيزار - (لديفون وهي متأثرة) ديفون! ديفون - ثم عليك يا ولدي بالدرس. واجعل نصب عينيك أن تكون رجلاً. والله يرعاك. حنا - (باكياً) ما أكرمك يا أماه. ديفون - (متأثرة جداً) تشجّع يا ولدي. سيزار - (متأثراً مثلها) حنا. . . ديفون - أراك على وشك البكاء أنت أيضاً. إيرين - ولكن ألا تشعر بالوحدة هنا. حنا - يجب يا إيرين. . . سيزار - إلى المتلقى يا ولدي. حنا - إلى الملتقى يا أبي. إلى الملتقى يا أمي. إلى الملتقى (يخرجون ولا يبقى إلا حنا ثم فني) هاهم رحلوا وها أنا في وحدتي. ولكن كيف تطيب حياتي هنا بعد أن ذهبت لذة لقياهم، وبعد أن عشت معهم تحت سماء ذلك المنزل. لقد أصبحت فريداً في باريس تدوي بضوضائها من حولي كما تدوي العاصفة من حول السفينة. آه لم لا يحين الفراق إلا في الساعة التي يحلو عندها الحب؟ لقد دلوا الألم على طريق قلبي. وعرّفوا الدموع مكان أجفاني. . . (تدخل فني ببطء بحيث لا يشعر بها) فني - بيبى. حنا - (يلتفت) أنتِ. . .؟ فني - نعم أنا. أظننت أن كل شيء انتهى. إنني ممن ليس لحبهن مدى. وإذا كنت قد انقطعت عنك فلأنني علمت بمقدم أهلك. ولكن قل لي: من تكون تلك الفتاة الصغيرة التي كانت معهم؟ أختك. هِه؟ (ثم تضحك).

стр. 4942

حنا - بل ابنة عمي. فني - (ببرود) إنها لطيفة حقاً. . . إنني أخذت أرقبهم حتى رحلوا فأسرعت إليك. حنا - لقد أعدّت لي أمي هذا المنزل لأنصرف فيه إلى درسي. فني - إذن أذهب حتى لا أضيع وقتك. حنا - ولم؟. أما كنت أشتغل من قبل وأنت إلى جانبي. فني - على أنني سأكون عاقلة وحكيمة يا حنا (يقع نظرها على تمثال لها من المرمر) ولكن كيف حصلت على هذا التمثال؟ حنا - إنه لسافو التي صورها كاوودال. إلا تعرفينها. فني - سافو!. . . أسمع يا حنا إنني أمقت أولئك الفنانين فلا تذكرهم لي فكم أساؤا إلي. حنا - ولكن الفن جميل يشرح النفس ويرسل السرور إلى المتٌّقد. الجميل هو تلك النفس التي يرفعها الحب فوق مستوى النفوس فتدرك أن السعادة لا تكون إلا حيث تأتلف القلوب (يحاول هنا حنا أن يقبلها فتشير إلى مكتبه) عد إلى عملك يا بيبى. حنا - لا بأس من لحظة. فني - إذا كنت تحبي فانصرف إلى درسك. (يعود إلى عمله متظاهراً بالمطالعة وهي يراقبها وكأنها تناجي نفسها) يا مَن تملّكني هوا … هُ وقد سرى بمفاصلي خُذلي أماناً من لِحَا … ظِكَ إنهنَّ قو اتلي حنا - آه يا فني ليتك تنشدينني دائماً شعر هذا الحب أنِعشي مسمَعي وغني … قصة الغرامْ واعلَمي يا مناي أني … فيك مُستهامْ كلما هجتٍ مسمَعي … لا أرى خاطرِي مَعي فارحمي المُتيّم فني - هل تُرى حلَّ قلبهُ=صادق الهيامْ هل تُرى حلَّ قلبهُ … صادق الهيامْ

стр. 4943

أم تُرى أنَ حُبَّهُ … مالهُ دَوامْ ربّما خاب مَطْمِعي … وانطوى فيه مصرعَي فالرحيل أسلَمْ (تحاول الذهاب فيمنعها) حنا - أنت مِلْكِي لا مَرَد فني - لستُ ملكاً لأحَدْ حنا - آه ما كنتُ أظنْ فني - إن تُرِدني فليكنْ حُّبنا ملكُ الأبَدْ حنا - أنا يا فنيّ فقيرْ فني - في الهوى كل الِغنَى إنما البؤسُ يصيرْ … في حِمى الحبِّ هَنا حنا - مستحيلٌ. مستحيلْ فني - ليس في الحُب مُحالْ أنا في البيت أزيلْ … عنكَ أسباب الَملَالْ كلما أبصرتني … أتثني زِدتَ جِد فاجتهد لا تثني … ولنكن ملك الأبدْ حنا - دعي شفتي تَغتنمْ قبلةً=من الوجنتين لأحيا بها فقد صار حسنك لي قبلةً … يصلي غرامي بمحرابها فني - ودعني لصدرك أنسى به=عذاباً بقلبي وحظاً قسا فيالتهم علِموا ما بهِ … وما جرّعوني كؤوس الأسى معاً - نعمنا على غفلةِ من رقيبْ=وتمَّ المرامْ كذاك الحياةُ فليستْ تطيبْ … بغير الغرام (قبل وعناق) الفصل الثالث

стр. 4944

المنظر الأول (في مطعم (نعيم البطون) بحديقة مدينة أفريسي في يوم أحد) (فني في نافذة تطل على الحديقة وحنا من خلفها) فني - ما أطيب الحب تغمره مثل هذه الشمس، ألا نخرج يا حنا؟ حنا - نعم نخرج (محاولا ضمها) فني - ألا تخشى أن يرانا الناس. حنا - بعد سنة. . . ونحن هنا، ما أسرع مر الأ يام. آه كم ملكت مشاعري يا فني؟ فني - ولكنك مع هذا لم تصبح كلك لي. إني أود أن تكون لي وحدي. وألا تشوب سماءً هذا الحب غيومُ حياتي الأولى. حنا - ألم نقطع شهى الحياة في هذه المروج الساحرة؟ فني - وأنا أرقب عودتك عند كل مساءٍ. حنا - فإذا ما عدت هزّتنا أحلام القُبَلِ وأناشيد الحب والأغصان خفاقة نشوى بتغريد الطيور (يجذبها إليه) آه يا فني؟ فني - ليس هكذا. دع ليس ساعدك ليشعر الناس أنك إلى جانبي. حنا - (يفعل ما طلبت) فني - نعم هكذا. هلم الآن. حنا - (يغني). أضاءتَ حياتي فيوضُ السّنا … فليلي نهار وأطْربني بنشيد المُنى … لسان الهزاز فني - وطوّق خصري حبيب الهنا=وحسني إزار أنا مِعْصُم الحسن يزهو أنا … وأنت السوار (يختفيان حيث يؤم الحديقة لا بودري وبعض فتيان وفتيات وكذلك كاوودال حيث تقع عينه على المطعم فيشير إليهم)

стр. 4945

كاوودال - من هنا. من هنا. لا بودري - حقاً إنه مكان بديع. كاوودال - (مشيراً إلى اسم المطعم)، ثم انظر إلى هذا العنوان. لا بودري - لقد صدق والله. إن الطعام في الواقع نعيم البطون (يقترب الباقون لاغطين فرحين) (يتبع) محمود خيرت

стр. 4946

٢ - سيوة باني سيوة إذا تسامحت كثيراً يمكنني أن أقول إن سيوة في مبانيها ومنازلها وصوامعها تعادل في تفصيلها وشكلها أحقر قرية من قرى وادي النيل. فالمنازل في تلك الواحة تبنى بقطع من الملح والطين بغير نظام في البناء أو حفر لوضع الأساس في الأرض، بل إن البنّاء و (أسميه بناء على سبيل المجاز) إذا أراد أن يبنى منزلاً فانه يضع قطعة من الحبل يحدد بها أربع حوائط المنزل، ثم يبني بعد ذلك فوق سطح الأرض بقطع من الملح والطين بارتفاع متراً آخر وينتظر أسبوعاً ثانياً ثم يكمل البناء لسقف المنزل. وفي العادة أن الحجرات في سيوة لا يزيد ارتفاع سقفها على مترين ونصف متر أو ثلاثة أمتار، والحوائط يكون سمكها في نهاية ارتفاعها أقل كثيراً منه وهي قريبة من سطح الأرض، وتتكون الأسقف بعد ذلك من خشب النخيل، وطريقة ذلك أن يشقوا بالطول خشب بعض النخلات المتينة ثم يضعوا أنصاف النخيل فوق الحوائط ويسمونها (قناطر) ثم يضعون فوقها ألواحاً يقطعونها من النخيل أيضاً ثم يغطون هذه الألواح بالطين. ولبعد الواحة وصعوبة المواصلات إليها لا يمكن للسكان أن يحصلوا على أخشاب ليصنعوا منها أبوابًا ونوافذ المنازل، ولذا فنوافذ المنازل الصغيرة، لا يزيد اتساع إحداها على نصف متر مربع، ويصنعون النافذة نفسها من خشب صناديق البنزين التي تحملها سيارات النقل معها، ولذا فالنافذة الصغيرة تعمل من أربعة مصاريع رغم صغير حجمها، وتتكون المنازل عادة من طابقين، وبعض الأغنياء يقيمون أمام منازلهم مظلات يجلسون تحت وقت الحر الشديد، لأنه من الصعب أن يتعرض إنسان لحرارة الشمس في سيوة مدة الصيف، إذ تصل درجة الحرارة فيها إلى ٤٨ سنتجراد، وتمتاز سيوة بدروبها الضيقة وحواريها المتعرجة المتلوية، حتى ارتبك مأمور البلدة كيف يضع أحد مصابيح الإنارة في إحدى الجهات لأنه وجد أن المصباح لن ينير إلا الموضع الذي هو فيه لكثيرة الالتواء والانحناء، ولأن المنازل متنافرة غير منسجمة الوضع. وعدا ذلك فان جزءاً من القرية وهو الجزء الغربي مبني على صخرة ترتفع تدريجياً عن باقي القرية، ولذا تجد منزلين متقاربين يرتفع أحدهما عما يجاوره بما يقرب من ثمانية

стр. 4947

أمتار. ومن الظواهر الواضحة في سيوة أن الزائر لها يرى وهو في وسط سوق صخرة مرتفعة تشرف على ميدان السوق وقد علتها منازل من الملح والطين ونزعت سقوفها وتهدمت جدرانها، وظهرت بشكل بشع مخيف، وليست تلك المنازل إلا سيوة القديمة هجرها أهلها من فوق الجبل بأمر الحكومة من زمن غير بعيد وأقطعتهم أراضي في سفح الجبل وفي الأرض الواطئة المجاورة له فبنوا منزلهم الحالية. وكان الأهالي يقطنون فوق الجبل في تلك المنازل المتلاصقة، وقد أحاطوا منازلهم بسور مرتفع يضم القرية كلها، وفتحوا في ذلك السور فتحات صغيرة كفتحات الحصون الكبيرة التي تعملها الجيوش لرؤية العدو ولإطلاق النار منها، ووصل ارتفاع هذا السور في بعض الجهات إلى نحو خمسين متراً، وصنعوا في ذلك السور عدة أبواب ضخمة من خشب النخيل كانت تقفل أثناء الليل حينما يأوى سكان الواحة إلى منازلهم. وقد سألت عن الغرض من سكنى السيويين في الماضي في مثل هذا الحصن فوق الجبل، فعلمت أنهم إنما فعلوا ذلك حفظاً لأنفسهم من هجوم أعراب الصحراء الغربية، إذ أنهم كانوا يحضرون بالليل لنهب سيوة وسبلها. وبدأت منازل سيوة القديمة فوق الجبل متجاورة كالمعتاد في كل القرى، ولكن لما زاد عدد سكان الواحة بنوا منازل أخرى فوق المنازل القديمة حتى لا يخرجوا على السور الخارجي الذي هو حصن لهم، ولذا فبدلا من أن تسع رقعة الواحة كلما ازداد سكانها بدأت ترتفع أبنيتها وهي في نفس المساحة الضيقة التي ابتدأت فيها. وهكذا استمر الحال وبمرور الزمن ازدحمت الأبنية فوق بعضها، وضاقت أزقتها وشوارعها وتعرجت منافذها حتى أصبحت أشبه شيء بخلية النحل، بل وصل الأمر ببعض المنازل أن أصبحت وهي داخل السور أكثر ارتفاعا من السور نفسه وأصبحت الشوارع لاتسع رجلين يسيران متجاورين فيها، وأظلمت جميع أنحاء القرية من ارتفاع المنازل وضيق المنافذ التي توصل الضوء إلى فتحاتهم الصغيرة التي كانوا يفتحونها على أنها نوافذ، وأصبح السائر فيها يحتاج في الواقع إلى مصباح يحمله معه أثناء النهار لينير له الطريق. على أن الذي يقف فوق تلك المنازل يرى أمامه الواحة بحقولها الخضراء وحدائقها اليانعة بأشجار الزيتون والليمون، ونخيلها

стр. 4948

الهادئ الساكن، فيأخذه هذا المنظر الجذاب، ويرجع بذاكرته إلى تلك المواقف البهيجة التي أكثر عمر الخيام من وصفها في رباعياته. وطبيعي أن الحرارة تكون شديدة في منازل القرية، لأن الشمس شديدة التأثير بينما التهوية تكاد تكون معدومة. وفي وسط القرية في مكان متسع قليلاً بين هذه المنازل المرتفعة المظلمة توجد بئر منحوتة في الصخور بها ماء عذب، لأن في أسفل الصخر عين ماء تتغذى تلك البئر، وأيضاً تغذى بئرين صغيرتين مجاورتين للبئر السالفة. عند قاعدة هذا الجبل بنى الأهالي منازلهم الحديثة بعد أن تركوا تلك القرية التي كانت مزدحمة بهم وهم الآن آمنون من الهجوم، بل إن هذه الفكرة لا تتطرق إلى مخيلتهم، فالحكومة مسيطرة على الصحراء بإعرابها وقبائلها جميعاً، وقد فضل كثير من السكان أن يبنوا منازلهم وسط حدائقهم وحقولهم في ناحيتي السبوخا والمنشية، وللأغنياء منهم منازل للشتاء حيث يرجون الدفء وسط القرية، ومنازل للصيف وسط الحدائق المتسعة يقضون فيها فصل الصيف حينما تشتد حرارة الشمس وتصبح غير محتملة، وتمتاز منازل المشايخ والأغنياء بطلاء جزء منها بالجير الأبيض من الخارج، ولذا فانهم يغضبون إذا حاول أحد الفقراء أن يطلي منزله بالجير تشبهاً بهم، بل إن معظم الفقراء لا يفكرون في ذلك تلافياً لغضب مشايخهم عليهم، وبهذه المناسبة فان كل الأضرحة للأتقياء منهم تمتاز بطلائها بالجير إكباراً لشأنها وشأن أصحابها. وهذا الدهان يكون عادة من تبرعات يدفعها السكان تبركاً بصاحب الضريح. توجد بسيوة ثلاثة أسواق كبيرة لبيع البلح والزيتون تسمى بالمساطيح، والمسطاح مكان متسع تكتنفه حائط يبلغ ارتفاعها مترين، وهذه الحوائط تخالف في بنائها حوائط المنازل، إذ أنهم رغبة منهم في توفير العمل صنعوها من جريد النخيل، ثم أحاطوا الجريد من الوجهين بقطع من الملح والطين، فإذا جف الطين تماسك بسعف الجريد وهي في الحقيقة فكرة قديمة للخرسانة المسلحة ورغبة منهم في الإقلال من سمك الحائط، وضعوا الجريد رأسياً وهو يعادل أسياخ الصلب في الخرسانة. وأحد هذه المساطيح للسكان الغربيين من الواحة، والثاني للسكان الشرقيين، والثالث هو أكبرهم وأعمهم لجميع سكان الواحة. ويقطن رجل سوداني أو كفري (نسبة إلى واحة الكفرة) منزلاً صغيراً عند مدخل المسطاح ليحرس

стр. 4949

بلح الناس وزيتونهم طول العام نظير هبات يعطونها إياه من الشعير والبلح والزيت، ويحضر الأعراب عادة في فصل الخريف من وادي النيل ومن الصحراء ليشتروا البلح من سيوة، ثم ينقلونه على الجمال لوادي النيل حيث يباع في الأسواق بثمن معتدل وحول هذه المساطيح أقام بعض الأعراب الذين يتاجرون بالبلح حظائر لجمالهم ومنازل لهم، وفي فصل الخريف ترى مئات من هؤلاء الأعراب بأرديتهم البيضاء يجوبون أنحاء المساطيح بين أكوام البلح ذات الألوان المختلفة من أحمر إلى أصفر إلى داكن بين الحمرة والسود يساومون أصحابها في أثمانها على حين تنتظر جمالهم خارج المساطيح مجلجلة بأصواتها كأنما تنادي أصحابها في الداخل، وتزيد الحركة ببعض العبيد وهم يحملون البلح المشتري مكبوساً داخل (مقاطف) كبيرة من الخوص ليحملوه على الجمال. وما أجمل منظر الناقة تحمل حملها وتسير وسط السوق تشق طريقها بين الناس كأنها باخرة تشق طريقها في الماء، أضف إلى ذلك صهيل خيول الأعراب ونهيق الحمير ونباح الكلاب، منظر يدل على أن في البلد حركة كبيرة، ولا شك فان البلح والزيتون هما عماد الثروة في واحة سيوة. ويقضي العرف بين الناس بالسماح لكل من يشاء أن يأكل ما شاء من البلح في المساطيح من غير مقابل، غير أنه ممنوع أن يأخذ معه شيئاً خارج المسطاح، ولذا ينتهز الشحاذون من الأعراب فرصة هذا الموسم ويدخلون المساطيح سائلين أصحاب البلح أكلة منه ليفوزوا بالشبع. وبيع (العجوة) شائع في السوق أكثر من غيره، وبعض الناس يبيعونها من غير (نوى)؛ وفي عرض البلح للبيع بهذه الطريقة خطورة كبيرة: فالذباب يملأ المساطيح، والناس يطأون البلح بأقدام قذرة، ويعبئونه بأيد لا يفكر أصحابها في نظافتها. ولو أن العناية تصل إلى تنظيم طريقة البيع لكان في ذلك أمان وطمأنينة لمن يأكلونه. (يتبع) كابتن

стр. 4950

العدد ٥٩ - بتاريخ: ٢٠ - ٠٨ - ١٩٣٤

стр. 4951

صراع بين ثقافتين فتنة الثقافة الأجنبية ظاهرة في تفكيرنا وأدبنا تحمل على جد الأسف، هي أن الشؤون والنواحي القومية ما تزال مهملة منسية، في حين أن الشؤون والنواحي الأجنبية تلقى بيننا دائماً كثيراً من العناية والاهتمام. وتلك ظاهرة قديمة في تاريخنا الحديث، ترجع إلى سبب معروف، هو سيادة النزعة الأجنبية في برامج التعليم التي تفرض على مصر منذ نصف قرن، والتي يلحظ فيها دائماً إقصاء عناصر الثقافة القومية أو إضعافها حتى لا تكون عاملاً في تغذية الشعور القومي وإذكائه؛ وإذكاء الشعور القومي شر ما يخشى المستعمر من أمة مغلوبة تطمح إلىاسترداد حريتها وقد رجونا خيراً يوم قيل لنا إن برامج التعليم سوف تحرر من أصفادها القديمة ويعنى فيها بكل ما يرفع شأن الثقافة القومية، وتتخذ فيها لغة البلاد وتاريخها ومسائلها وشئونها مكانها اللائق؛ ولكن سرعان ما خاب هذا الأمل، وإن كانت اللغة العربية قد استردت في العهد الأخير شيئاً من حقها المسلوب؛ وما زالت النزعة الأجنبية تبث اليوم في برامجنا وثقافتنا كما كانت تبث بالأمس، ولم تتغير الغاية وإن تغيرت الوسائل. ومازالت هده النزعة الأجنبية تتجلى في تفكيرنا وأدبنا بشكل واضح. ففي بضعة الأعوام الأخيرة مثلاً صدرت بالعربية كتب عن الدكتور مازاريك رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا، والسنيور موسوليني، والغازي مصطفى كمال، وجيته شاعر ألمانيا الأكبر، وأخيراً عن الهر أدولف هتلر؛ وصدر بالعربية أيضاً كتابان عن باريس وكتاب عن لندن. فهذه كلها كتب عربية أخرجتها أقلام مصرية في موضوعات أجنبية في بضعة أعوام فقط. هذا إلى ما تنشره صحفنا ومجلاتنا من فصول ومباحث لا نهاية لها عن الموضوعات والشخصيات، وما يغرق فيه بعض أدبائنا الناشئين من الكتابة عن الكتاب الغربيين والأدب الغربي مما يسمونه بميسم الطرافة والتجديد. وهذا حسن في ذاته لو أن مثل هذه العناية بالموضوعات الأجنبية يبذل لتناول الموضوعات الأجنبية والمسائل القومية. ولكن ماذا أخرجنا من الكتب والرسائل عن عظمائنا؟ وماذا

стр. 4952

نشرت أو تنشر عنهم صحفنا ومجلاتنا؟ لقد أصدرنا كتباً عن مازاريك وموسوليني ومصطفى كمال وجيته وهتلر، ولكن لم نصدر في تلك الفترة كتاباً واحداً عن أحد عظمائنا الذين يحفل بهم تاريخنا الحديث مثل عرابي، والبارودي، ومحمد عبده، وعلي مبارك، وقاسم أمين، وصبري، وسعد زغلول، وحافظ، وشوقي، وغيرهم ممن يغمطون إلى اليوم حقهم من الناحية الأدبية، ولا يفكر أحد من كتابنا في أن يعني بدراستهم وترجمتهم بما يجب من إفاضة وتحقيق. نعم إن الأدب لا وطن له، والتفكير تراث الإنسانية كلها، والقلم حر له أن يجول أنى شاء؛ ولكن هذه الفتنة الغربية التي تأخذ علينا سبل التفكير في تراثنا القومي جديرة بكثير من التأمل والاهتمام؛ ففي الأمم الحرة التي يزدهر تفكيرها وأدبها في ظل الاستقلال والحرية، تأخذ جميع ألوان التفكير والأدب، قومية كانت أو خارجية مكانها من النهضة الأدبية العامة. ومع ذلك فإن التراث القومي يحتفظ دائماً بالمقام الأول، ويعتبر دائماً أقوى وأنفس غذاء للشعور القومي. فإذا كانت هذه الأمم التي يحتفظ فيها الشعور القومي بكل قوته واضطرامه تقدر دائماً فعل التراث والذكريات القومية في تغذية هذا الشعور وتكوينه، فأولى بالأمم المغلوبة التي يعمل فيها الغالب الأجنبي على محاربة الشعور القومي وإضعافه أن تجعل تراثها وذكرياتها نصب عينها دائماً، وأن تتخذها عدة وذخراً لتغذية هذا الشعور وإذكائه. ولما كان التفكير والأدب خير أداة لتحقيق هذه الغاية، فإن الواجب الوطني يقضي على كتابنا أن يرعوا هذه الناحية وأن يجعلوا لها أوفر نصيب من عنايتهم، وأن يؤثروها دائماً بدرسهم واهتمامهم. إن الآداب القومية التي نضجت وازدهرت في كل النواحي والفنون لا غبار عليها إذا عنيت بالنواحي والشؤون الأجنبية ما شاءت وما وسعت، فهي بذلك تكسب دائماً ثروات جديدة، ولكن حيثما كانت الآداب القومية فقيرة كآدابنا، وحيثما كان التاريخ القومي منسياً مغموطاً، وحيثما كانت برامج التعليم والتربية عرضة لأهواء المستعمر ينفث فيها من وحيه الخطر، ويعمل دائماً على محاربة عناصرها القومية، يجب على قادة الفكر أن يتداركوا هذا النقص بأقلامهم وتفكيرهم، وأن يقاوموا هذا الخطر، فيقدموا دائماً إلى الشباب الذي يحرم

стр. 4953

في معاهد الدرس من الإلمام الشامل بعناصر الثقافة القومية، كل ما يقوم الشعور الوطني ويصقله ويغذيه؛ ويجب على الأدباء الناشئين أن يفكروا طويلاً في اختيار الطريق المنشود قبل أن يحملهم تيار هذه الفتنة الأجنبية المضللة من عالم الآداب القومية إلى فوضى موضوعات وشئون لسنا في كبير حاجة إليها. يجب علينا قبل أن نقرأ عن مازاريك وموسوليني وهتلر، وقبل أن نشيد بذكرهم في كتب خاصة، أن نقرأ عن أبطالنا وعظمائنا الذين يغمرهم النسيان والجحود، وأن ندرسهم ونكتب عنهم؛ فذلك دليل الأدب القوي المستنير، وذلك دليل الوطنية الرفيعة، والشعور القومي الحي. (ع)

стр. 4954

عرش الورد للأستاذ مصطفى صادق الرافعي كانت جَلوة العروس كأنها تصنيف من حلم، توافت عليه أخيلة السعادة فأبدعت إبداعها فيه، حتى إذا اتسق وتم، نقلته السعادة إلى الحياة في يوم من أيامها الفردة التي لا يتفق منها في العمر الطويل إلا العدد القليل، لتحقق للحي وجود حياته بسحرها وجمالها، وتعطيه فيما ينسى ما لا ينسى. خرج الحلم السعيد من تحت النوم إلى اليقظة، وبرز من الخيال إلى العين، وتمثل قصيدة بارعة جعلت كل ما في المكان يحيا حياة الشعر؛ فالأنوار نساء، والنساء أنوار، والأزهار أنوار ونساء، والموسيقى بين ذلك تتم من كل شيء معناه، والمكان وما فيه، وزن في وزن، ونغم في نغم، وسحر في سحر. ورأيت كأنما سحرت قطعة من سماء الليل، فيها دارة القمر، وفيها نثرة من النجوم الزهر، فنزلت فحلت في الدار، يتوضحن وتأتلقن من الجمال والشعاع، وفي حسن كل منهن مادة فجر طالع، فكن نساء الجلوة وعروسها. ورأيت كأنما سحر الربيع، فاجتمع في عرش أخضر، قد رصع بالورد الأحمر، وأقيم في صدر البهو ليكون منصة للعروس، وقد نسقت الأزهار في سمائه وحواشيه على نظمين: منهما مفصل ترى فيه بين الزهرتين من اللون الواحد زهرة تخالف لونهما؛ ومنهما مكرس بعضه فوق بعض، من لون متشابه أو متقارب، فبدا كأنه عش طائر من طيور الجنة أبدع في نسجه وترصيعه بأشجار سقي الكوثر أغصانها. وقامت في أرض العرش تحت أقدام العروسين ربوتان من أفانين الزهر المختلفة ألوانه، يحملها خمل من ناعم النسيج الأخضر على غصونه اللدن تتهافت من رقتها ونعومتها. وعقد فوق هذا العرش تاج كبير من الورد النادر كأنما نزع عن مفرق ملك الزمن الربيعي، وتنظر إليه يسطع في النور بجماله الساحر سطوعاً يخيل إليك أن أشعة من الشمس التي ربت هذا الورد لا تزال عالقة به، تراه يزدهي جلالاً كأنما أدرك أنه في موضعه رمز مملكة إنسانية جديدة تألفت من عروسين كريمين. ولاح لي مراراً أن هذا التاج يضحك ويستحي ويتدلل، كأنما عرف أنه وحده بين هذه الوجوه الحسان يمثل وجه الورد.

стр. 4955

ونص على العرش كرسيان يتوهج لون الذهب فوقهما، ويكسوهما طراز أخضر تلمع نضارته بشراً، حتى لتحسب أنه هو أيضاً قد نالته من هذه القلوب الفرحة لمسة من فرحها الحي. وتدلت على العرش قلائد المصابيح كأنها لؤلؤ تخلق في السماء لا في البحر، فجاء من النور لا من الدر؛ وجاء نوراً من خاصته أنه متى استضاء في جو العروس أضاء الجو والقلوب جميعاً. وأتى العروسان إلى عرش الورد، فجلسا جلسة كوكبين حدودهما النور والصفاء؛ وأقبلت العذارى يتخطرن في الحرير الأبيض كأنه من نور الصبح، ثم وقفن حافات حول العرش، حاملات في أيديهن طاقات من الزنبق، تراها عطرة بيضاء ناضرة حييّة، كأنها عذارى مع عذارى، وكأنما يحملن في أيديهن من هذا الزنبق الغض معاني قلوبهن الطاهرة؛ هذه القلوب التي كانت مع المصابيح مصابيح أخرى فيها نورها الضاحك. وأقتعدت درج العرش تحت ربوتي الزهر ودون أقدام العروسين - طفلة صغيرة كالزهرة البيضاء تحمل طفولتها، فكانت من العرش كله كالماسة المدلاة من واسطة العقد وجعلت بوجهها للزهر كله تماماً وجمالاً، حتى ليظهر من دونها كأنه غضبان منزو لا يريد أن يرى. وكان ينبعث من عينيها فيما حولها تيار من أحلام الطفولة جعل المكان بمن فيه كأن له روح طفل بغتته مسرة جديدة. وكانت جالسة جلسة شعر تمثل الحياة الهنيئة المبتكرة لساعتها ليس لها ماضٍ في دنيانا. ولو أن مبدعاً أفتتن في صنع تمثال للنية الطاهرة، وجيء به في مكانها، وأخذت هي في مكانه لتشابها وتشاكل الأمر. وكان وجودها على العرش دعوة للملائكة أن تحضر الزفاف وتباركه. وكانت بصغرها الظريف الجميل تعطي لكل شيء تماماً، فيرى أكبر مما هو، وأكثر مما هو في حقيقته. كانت النقطة التي أستعلنت في مركز الدائرة، ظهورها على صغرها هو ظهور الأحكام والوزن والانسجام في المحيط كله. لا يكون السرور دائماً إلا جديداً على النفس، ولا سرور للنفس إلا من جديد على حالة من

стр. 4956

أحوالها؛ فلو لم يكن في كل دينار قوة جديدة غير التي في مثله لما سر بالمال أحد، ولا كان له الخطر الذي هو له؛ ولو لم يكن لكل طعام جوع يورده جديداً على المعدة لما هنأ ولا مرأ؛ ولو لم يكن الليل بعد نهار، والنهار بعد ليل، والفصول كلها نقيضاً على نقيضه، وشيئاً مختلفاً على شيء مختلف - لما كان في السماء والأرض جمال، ولا منظر جمال، ولا إحساس بهما؛ والطبيعة التي لا تفلح في جعلك معها طفلاً تكون جديداً على نفسك - لن تفلح في جعلك مسروراً بها، لتكون هي جديدة عليك. وعرش الورد كان جديداً عند نفسي على نفسي، وفي عاطفتي على عاطفتي، ومن أيامي على أيامي؛ نزل صباح يومه في قلبي بروح الشمس، وجاء مساء ليلته لقلبي بروح القمر؛ وكنت عنده كالسماء أتلألأ بأفكار كما تتلألأ بنجومها؛ وقد جعلني أمتد بسروري في هذه الطبيعة كلها، إذ قدرت على أن أعيش يوماً في نفسي؛ ورأيت وأنا في نفسي أن الفرح هو سر الطبيعة كلها، وأن كل ما خلق الله جمال في جمال، فأنه تعالى نور السموات والأرض، وما يجيء الظلام مع نوره، ولا يجيء الشر مع أفراح الطبيعة إلا من محاولة الفكر الإنساني خلق أوهامه في الحياة، وإخراجه النفس من طبائعها، حتى أصبح الإنسان كأنما يعيش بنفس يحاول أن يصنعها صناعة، فلا يصنع إلا أن يزيغ بالنفس التي فطرها الله. يا عجباً! ينفر الإنسان من كلمات الاستعباد، والضعة، والذلة، والبؤس، والهم، وأمثالها، وينكرها ويردها، وهو مع ذلك لا يبحث لنفسه في الحياة إلا عن معانيها. إن يوماً كيوم عرش الورد لا يكون من أربع وعشرين ساعة، بل من أربعة وعشرين فرحاً، لأنه من الأيام التي تجعل الوقت يتقدم في القلب لا في الزمن، ويكون بالعواطف لا بالساعات، ويتواتر على النفس بجديدها لا بقديمها. كان الشباب في موكب نصره، وكانت الحياة في ساعة صلح مع القلوب، حتى اللغة نفسها لم تكن تلقي كلماتها إلا ممتلئة بالطرب والضحك والسعادة، آتية من هذه المعاني دون غيرها، مصورة على الوجوه إحساسها ونوازعها؛ وكل ذلك سحر عرش الورد؛ تلك الحديقة الساحرة المسحورة التي كانت النسمات تأتي من الجو ترفرف حولها متحيرة كأنما تتساءل: أهذه حديقة خلقت بطيور إنسانية؛ أم هي شجرة ورد هبطت من الجنة بمن يتفيأن ظلها ويتنسمن شذاها من الحور؛ أم ذاك منبع وردي عطري نوراني لحياة هذه الملكة

стр. 4957

الجالسة على العرش؟ يا نسمات الليل الصافية صفاء الخير، أسأل الله أن تنبع هذه الحياة المقبلة في جمالها وأثرها وبركتها من مثل الورد المبهج، والعطر المنعش، والضوء المحي؛ فإن هذه العروس المعتلية عرش الورد: هي ابنتي. (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 4958

شخصية نسوية أندلسية ١ - صبح أو صبيحة للأستاذ محمد عبد الله عنان حظية خليفة، أم خليفة؛ سيدة مطلقة الرأي، تولي وتعزل الوزراء والقادة؛ وتدير شئون السلام والحرب، حسناء يغنم جمالها ملكاً، ويأسر خليفة، ويسيطر على قصر وحكومة؛ صاحبة السلطان المطلق في دولة من أعظم دول الإسلام؛ نصرانية نافارية مع ذلك؛ تلك هي صبح أو صبيحة أو (اورور) قرينة الحكم المستنصر بالله الأموي خليفة الأندلس، وأم ولده هشام المؤيد بالله يقدم إلينا التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة لنساء أجنبيات من الرقيق أو الأسرى، سطعن في قصور الخلفاء والسلاطين، وتمتعن بالسلطان والنفوذ؛ ولكنه لا يقدم إلينا كثيراً من لمواطن التي تستأثر فيها أجنبية نصرانية بالسلطان والحكم المطلق في دولة إسلامية قوية، وتسهر على مصاير هذه الدولة بذكاء وعزم، وتقودها لخير الإسلام والخلافة. والواقع أننا لا نستطيع أن نجد لذلك مثلاً أسطع من مثل صبح أو (اورور)، تلك الفرنجية الحسناء التي لبثت زهاء عشرين عاماً تسيطر بسحرها ونفوذها على خلافة قرطبة، وتقوم بتدبير شئونها في السلام والحرب مع أعظم رجالات الأندلس. ولم تك صبح سوى إحدى كواكب هذا الثبت الحافل من النساء الفرنجيات اللائي يقدمهن إلينا تاريخ الأندلس منذ الفتح، واللائي يتركن أثرهن في سير الحوادث أحياناً. ونستطيع ان نذكر منهن (ايلونا) القوطية أرملة ردوريك (لذريق) ملك القوط عند الفتح، وهي التي يسميها العرب (بأم عاصم)، فقد تزوجها عبد العزيز بن موسى بن نصير أول حاكم للأندلس بعد الفتح، وكان نفوذها ووحيها السيء من الأسباب التي أدت إلى مقتل عبد العزيز بن موسى (سنة ٩٥ هـ)؛ ومنهن لامبيجيا الفرنجية الحسناء ابنة اودو أمير اكوتين، تزوجها عثمان بن أبي نسعة الذي تسميه الرواية الفرنجية (منوزا) أو (مونز)، وكان حاكماً للولايات الشمالية (البرنيه)، وتحالف مع أبيها الدوق اودو، وأخذ يدبر الخروج على حكومة الأندلس والاستقلال بولايته؛ ولكن عبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس يومئذ وقف على مشروعه وأرسل لقتاله جيشا قوياً لبث يطارده في الجبال حتى أخذ وقتل وأسرت زوجته الأميرة الحسناء لامبيجيا وأرسلت إلى بلاط دمشق (سنة ١١٣ هـ)؛

стр. 4959

ومنهن ماريا الأسبانية النصرانية زوج الأمير محمد بن محمد ووالدة عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء الإسلام في الأندلس ويسميها العرب (مزنة)؛ ومنهن أخيراً (ثريا) النصرانية زوج السلطان أبي الحسن النصري ملك غرناطة، وهي فتاة أسبانية وأبنة قائد شهير، أخذت أسيرة في بعض المعارك التي وقعت بين المسلمين والنصارى وألحقت وصيفة بقصر الحمراء، فأحبها السلطان أبو الحسن وتزوجها؛ وكان لنفوذها ودسائسها أثر كبير في إضرام نار الحرب الأهلية في غرناطة وفي سير الحوادث التي أدت إلى ذهاب دولة الإسلام في الأندلس. ظهرت صبح في بلاط قرطبة في أوائل عهد الحكم المستنصر بالله (٣٥٠ - ٣٦٦هـ) (٩٦١ - ٩٧٦م). ولسنا نعرف كثيراً عن نشأتها وحياتها الأولى؛ وكل ما تقدمه إلينا الرواية الإسلامية في ذلك هو أن (صبحاً) كانت جارية بشكنسية أي نافارية؛ ولا تذكر الرواية إن كانت قد استرقت بالأسر في بعض المواقع بين المسلمين والنصارى، أم كانت رقيقا بالملك والتداول؛ ولكنها تصفها بالجارية والحظية. وصبح أو صبيحة ترجمة لكلمة (اورورا) ومعناها الفجر أو الصبح الباكر، وهو الاسم النصراني الذي كانت تحمله صبح فيما يظهر. وكانت صبح فتاة رائعة الحسن والخلال فشغف بها الحكم، وأغدق عليها حبه وعطفه وسماها بجعفر، ولم تلبث أن استأثرت لديه بكل نفوذ ورأى. وكان الحكم حينما تولى الملك بعد وفاة أبيه عبد الرحمن الناصر قد بلغ السابعة والأربعين من عمره، ولم يكن رزق ولد بعد؛ وكان يتوق إلى ولد يرث الملك من بعده؛ فحققت أمنيته على يد صبح، ورزق منها بولد سماه عبد الرحمن سنة ٣٥٢هـ (٩٦٢م) وفرح بمولده أيما فرح، وسمت لديه مكانة صبح؛ ثم ولدت له بعد ذلك بثلاثة أعوام ولدا آخر سماه هشاماً (سنة ٣٥٤هـ)، ولكن الحكم رزئ بعدئذ بقليل بوفاة ولده عبد الرحمن فاشتد حزنه عليه، وعقد كل آماله على ولده هشام؛ ولبثت صبح تستأثر في البلاد والحكومة بكل نفوذ وسلطان. بيد أنها كانت وافرة الذكاء والحزم، بارعة في تدبير الشؤون، مخلصة لسيدها تعاونه في تدبير مهام الحكم بذكاء وبصيرة، وتسهر معه على سلامة الدولة والعرش. ولم تك صبح يومئذ جارية أو حظية فقط، بل كانت ملكة حقيقية. ولا تشير الرواية الإسلامية إلى أنها غدت زوجة حرة للحكم المستنصر بعد أن كانت جارية وحظية؛ ولكن هنالك ما يدل على أن صبحا كانت

стр. 4960

تتمتع في البلاط والحكومة بمركز الملكة الشرعية، فالرواية الإسلامية تنعتها بالسيدة صبح أم المؤيد، وتصفها التواريخ الأفرنجية (بالسلطانة صبح). بيد أن هنالك ما يقطع مع ذلك بأنها بقيت من الوجهة الشرعية جارية و (أم ولد) فقط. وتصفها الرواية الإسلامية بعد موت الحكم بأنها (أم ولد)، وهو في الشريعة وصف الجارية التي حملت من سيدها وأصبحت أماً لولده. وعلى أي حال فقد كانت صبح تحتل مكان الملكة الشرعية، وتتمتع في البلاط والحكومة بنفوذ لا حد له؛ وكان الحكم يثق بإخلاصها وحزمها ويستمع لرأيها في معظم الشؤون؛ وكانت كلمتها هي العليا في تعيين الوزراء ورجال البطانة. وكان كبير الوزراء، الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي يجتهد في خدمتها وإرضائها، ويستأثر لديها ولدى الحكم بنفوذ كبير. واستمرت الحال حيناً على ذلك حتى دخلت في الميدان شخصية جديدة قدر لها أن تضطلع فيما بعد بأعظم قسط في توجيه مصاير الأندلس. تلك هي شخصية فتى مغمور يدعى محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري؛ أصله من الجزيرة الخضراء من قرية طرش، ووفد على قرطبة حدثاً ودرس في معاهدها درساً مستفيضاً، وبرع في الآداب والشريعة. وكان طموحاً مضطرم النفس والعزم، رفيع المواهب والخلال، وكان في نحو السابعة والعشرين من عمره حينما أراد الحكم أن يعين مشرفاً لإدارة أملاك ولده عبد الرحمن، ورشحه الحاجب المصحفي في من رشح لتولي هذا المنصب. وأعجبت صبح بذكائه وحسن روائه وظرف شمائله فاخترته دون غيره، وعين بمرتب قدره خمسة عشر ديناراً في الشهر، وذلك في أوائل سنة ٣٥٦هـ (٩٦٧م). ولما توفي عبد الرحمن عين مشرفاً لأملاك أخيه هشام. وتقدم بسرعة في وظائف الدولة فأضيف إليه النظر إلى الخزانة العامة، ثم عين للنظر على خطة المواريث، فقاضياً لكورة إشبيلية، ثم عينه الحكم مديراً للشرطة، وفي أواخر أيامه عينه ناظراً على الحشم (ناظراً للخاص). ويرجع الفضل في تقدم محمد بن أبي عامر بتلك السرعة إلى مواهبه وكفاياته الباهرة، ولكنه يرجع بالأخص إلى عطف صبح عليه وحمايتها له. وقد انتهى هذا العطف غير بعيد إلى النتيجة الطبيعية. كانت صبح امرأة حسناء لا تزال في زهرة شبابها، ولا يزال قلبها يضطرم حباً وجوى، وكان سيدها الحكم قد أشرف على الستين وهدمه الإعياء والمرض؛

стр. 4961

أما ابن أبي عامر فقد كان فتى في نضرة الشباب، وسيم المحيى، حسن القد والتكوين، ساحر الخلال، وكان يفتن من جهة أخرى في خدمة صبح وإرضائها ولا ينفك يغمرها بنفيس الهدايا والتحف، حتى لقد أهداها ذات مرة قصراً صغيراً من الفضة بديع الصنع والزخرف لم ير مثله من قبل بين تحف القصر وذخائره، وشهده أهل قرطبة حين حمله من دار ابن أبي عامر إلى القصر، فكان منظراً يخلب الألباب ولبثوا يتحدثون بشأنه حيناً. فكانت هذه العناية تقع من قلب صبح أحسن موقع وتزيدها عطفاً على ابن أبي عامر وشغفاً به. وكان الحكم يشهد هذا السحر الذي ينفثه ابن أبي عامر إلى حظيته وإلى نساء قصره جميعاً ويعجب له؛ ويروى أنه قال يوماً لبعض ثقاته: (ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه، ولا يرضين إلا ما أتاه؛ إنه لساحر عليم أو خادم لبيب. وإني خائف على ما بيده)، ولم تلبث علائق صبح ابن أبي عامر أن ذاعت وغدت حديث أهل قرطبة؛ ولم يك ريب في أنها استحالت غير بعيد إلى علائق غرامية. وربما ارتاب الحكم في طبيعة هذه العلائق، وثاب له رأي في نكبة ابن أبي عامر؛ وسعى لديه بعض خصومه واتهموه بأنه يبدد الأموال العامة التي عين للنظر عليها في شراء التحف والأنفاق على أصدقائه؛ فأمره الحكم أن يقدم حساب الخزانة العامة ليتحقق من سلامتها؛ وكان بالخزانة عجز لجأ ابن أبي عامر في تداركه وسده إلى صديقه الوزير ابن جدير فأغاثه؛ وتقدم إلى الحكم سليم العهدة برئ الذمة؛ فزالت شكوكه، وتوطدت ثقته فيه، واستمر ابن أبي عامر متمتعاً بنفوذه، ينتدب لعظيم المهام والشئون؛ وهو خلال ذلك كله يحرص على عطف صبح ويستزيد منه، ويصانع الحاجب جعفر ويجتهد في إرضائه وكسب ثقته، ويخلق حوله حزباً من الصحب والأنصار بسحر خلاله، ووافر بذله ومروءته وبارع وسائله وأساليبه. وكانت أعظم أمنية للحكم في آخر أيامه أن يضمن البيعة من بعد وفاته لولده أبي الوليد هشام، وهو يومئذ غلام في نحو العاشرة من عمره؛ وكانت أمه صبح تشاطره هذه الأمنية؛ وكان أشد ما يخشاه الحكم أن ينتزع الملك من بعده أخوه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر؛ فرأى تفادياً من ذلك أن يعلن بيعة ولده أثناء حياته ويضع رجال الدولة والأمة أمام الأمر الواقع. نفذ هذا المشروع في جمادي الآخر سنة ٣٦٥هـ (فبراير سنة ٩٧٦ م) وعقدت

стр. 4962

البيعة لهشام في حفل جامع بالقصر، وأعلن الحكم أنه يقلد ولده الخلافة من بعده، وأخذت البيعة من الحاضرين ودعي له في الخطبة على المنابر ونقش أسمه في السكة، وأنفذت الكتب إلى النواحي لأخذها من الأكابر والأعيان، وتولى تنظيم البيعة والشهادة محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ مدير الشرطة وناظر المواريث، وميسور الكاتب مولى صبح، واطمأن الحكم بذلك على مصير ملكه ومستقبل ولده نوعاً. ولكنه لم يعش بعد ذلك سوى بضعة أشهر؛ وكان المرض يشتد عليه منذ حين، ثم أصابه الشلل، وتوفي في الثالث من صفر سنة ٣٦٦ (أول أكتوبر سنة ٩٧٦م). ولما توفي الحكم المستنصر بالله كانت مقاليد السلطة مجتمعة في أيدي ثلاثة: هم صبح أم هشام، والحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، ومحمد بن أبي عامر، وكان قد أضيف إليه النظر على الحشم (نظر الخاص). ولم يكن يعترض على بيعة هشام سوى صقالبة القصر، وكانوا زهاء ألف، ولهم نفوذ عظيم؛ وكان رأيهم أن تؤخذ البيعة للمغيرة بن الناصر أخي الحكم؛ ولكن الحاجب جعفر وقف على مشروعهم في الحال، واستدعى القواد والجند الذين يثق بإخلاصهم تحوطا للطوارى، واتفقت الكلمة على توليت هشام، وقتل المغيرة؛ ولم تمض ثلاثة أيام على وفاة الحكم حتى بويع ولده هشام ولقب المؤيد بالله، وتولى الحاجب جعفر ابن أبي عامر تنظيم البيعة، وتولى ابن أبي عامر في نفس الوقت تدبير مقتل المغيرة بن الناصر، فنفذ إليه الجند ليلة البيعة وقتلوه؛ ومنحت السيدة صبح الوصاية على ولدها، وكان في نحو الثانية عشرة من عمره؛ وتم بذلك مشروع الحكم المستنصر، ومشروع الثلاثة ذوي السلطان من بعده. وكان طبيعياً أن تحرص صبح على تولية ولدها لتحكم باسمه؛ وكان طبيعياً أن يؤازر ابن أبي عامر صاحبته والمحسنة إليه ليستمر بواسطتها محتفظاً بنفوذه، وليستطيع أن يحقق على يدها ومن طريق تغلبها على ولدها ما يضطرم به من الأطماع الخفية، أما الحاجب جعفر فكان له مثل ذلك الباعث في تولية هشام، إذ كان يخشى أن يتولى الملك رجل قوي كالمغيرة فيفقد نفوذه وسلطانه. وهكذا جمعت البواعث والغايات المشتركة بين الثلاثة، ولكن هذا التحالف الذي أملته الضرورة المؤقتة لم يكن طبيعياً، ولا سيما بين الحاجب جعفر ومنافسه القوي محمد بن أبي عامر، وكانت العلائق بين صبح ابن أبي عامر تزداد كل يوم تمكناً ووثوقاً، وكان ابن أبي عامر يرى عندئذ في

стр. 4963

صبح ملاذ حمايته ورعايته لدى الحكم، وكان وجود الحكم يحد يومئذ كثيراً من أطماعه ومشاريعه، ولكنه مذ توفي الحكم، وأضحت جميع السلطة الشرعية مجتمعة في يد صبح بوصايتها على أبنها هشام، أخذ يتأهب للعمل في طريق آخر، ويرى في خليلته صبح أداة صالحة هينة يستطيع أن يخضعها لإرادته، ويسخرها لمعاونته، وكانت صبح من جانبها تغدق كل عطفها وثقتها على هذا الرجل الذي سحرها بخلاله وقوة نفسه وباهر كفاياته، وتضع كل آمالها فيه لحماية العرش الذي يشغله ولدها الفتي. فلم تمض بضعة أيام على تولية هشام، حتى رفع ابن أبي عامر من خطة الشرطة إلى رتبة الوزارة، في نفس الوقت الذي أقر فيه هشام حاجب أبيه جعفر المصحفي حاجباً له، وهكذا أشرك ابن أبي عامر في تولي السلطة المباشرة مع المصحفي، ولم يعترض أحد من رجال القصر أو الحكومة على ذلك الاختيار سوى الحاجب جعفر، فقد كان يرى في هذا التعيين انتقاصاً لسلطته ونكراناً لجميله، بعد أن حمل أعباء السلطة كلها دهراً، وكان يرى في ابن أبي عامر بالأخص منافساً يخشى بأسه، ويرتاب في أطماعه ونياته ومن ذلك اليوم أضطرم بين الرجلين صراع عنيف صامت لم يك ثمة شك في نتيجته. (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 4964

الحرمان للأستاذ علي الطنطاوي كتب الأديب المكي الغيور السيد أحمد علي، في الرسالة السابعة والخمسين: (يظهر الأسف الزائد إذ لم تقع عينه - وهو يراجع الفهرس للسنة الأولى، ويتتبع أعداد الثانية، على أسم كاتب حجازي، يكون قد اشترك مع إخوانه وزملائه المعاصرين في الأدب، على صفحات هذه الصحيفة الغراء. . . ويؤمل من مديرها المفضال الأستاذ الزيات، إذا أراد، أن يشيد بذكر أبناء الرافدين والنهرين، ألا ينسى الحرمين، كذلك) فأحببنا أن نلحق بكلمته هذه الكلمة: ألم يشد أستاذنا الزيات بذكر الحرمين يا سيد أحمد علي؟ فما هو إذن عدد الهجرة الممتاز، وما هي تلك المقالات الإسلامية العربية؟ أما إن الرسالة إذا نظرت إلى أمر، فإنما تنظر إليه نظرة سامية فيها حكمة وفيها جلال، ولا يعنيها من (الحرمين) أخبار دائرة الصحة، ورسوم الحج، ولكن يعنيها حياة محمد (ص) وظهور الإسلام، وعظمة الفتوح، وجلال حكومة الراشدين؛ ولا يهمها من (النيربين) تنظيم الميزانية، ومناقشات المجلس البلدي، ولكن يهمها تاريخ بني أمية، وسعة الفتوح، وعز العروبة؛ ولا تحفل من (الرافدين) بقرارات الغرفة التجارية، وأخبار الجند، ولكن تحفل بحضارة الإسلام، ومجد المنصور والمأمون، ونهضة العلوم والفنون. وتحفل بعد هذا كله، بالصورة المشرقة الوضاءة، صورة هذا الماضي الجليل، حين تظهر في صفحة الأمل الجميل، ذلك لأنها (تصور مظاهر العبقرية للأمة العربية) ولأنها ليست جريدة يومية أخبارية. فهل تراها بعد. لم تشد بذكر الحرمين؟ وهل نسي أستاذنا الزيات الحرمين يا سيد أحمد علي؟ وهل يستطيع مسلم واحد على وجه الأرض أن ينسى الحرمين، وهو يستقبل الحرم خمس مرات كل يوم؟ يستقبله إذا سمع المؤذن يشق سكون الليل، بهذا النداء العلوي الجليل: (حي على الفلاح، لا إله إلا الله) فينهض من فراشه، يستأنف الحياة والليل يولي ساكناً خاشعاً، والنهار يقبل

стр. 4965

مشرقاً زاهياً، والأطيار تتلو بلغة الطير سورة الحمد والشكر، فيتوضأ، ويحس في نفسه السمو والجلال - ذلك السمو الذي حالت الحضارة الغربية. . . بيننا وبينه، فقطعنا مذ لبسناها أجمل مراحل الحياة نياماً، وغفلنا عن داعي السماء، حين ينبعث في تلك الساعة هاتفاً بالنفوس المؤمنة الطاهرة: ألا من مستغفر فاغفر له؟ ألا من داع فأستجيب له؟ ألا من سائل فأعطيه؟ يتوضأ، ثم يستقبل (الحرم) وينسى كل شيء إلا (الحرم)، ثم يخشى أن يشغله الحرم عن الصلاة، والصلاة انقطاع الدنيا الفانية، واتصال بجلال الله الباقي، فيرفع يديه ويقول: الله أكبر، ويدخل في الصلاة فينسى كل شيء، إلا الله الذي يقوم بين يديه. ويستقبله إذا زال النهار، وقامت الدنيا على قدم وساق، تدعو أبناءها وعبادها، إلى ما أعدت لهم من اللهو واللعب، فاستبقوا إليه، واقتتلوا عليه. . . معرضاً عن نداء الدنيا، مجيباً داعي الله، فيقوم بين يدي رب العالمين، مولياً وجهه شطر المسجد الحرام، تاركاً وراء ظهره الدنيا وما فيها! ويستقبله إذا أخذت نفسه حظها من طعامها وشرابها وراحتها وقنعت من الدنيا بما نالت منها - وما الدنيا إلا ما يملأ بطناً، ويكسو جسماً، ويريح نفساً. . . يستقبله حامداً شاكراً. (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، (يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم) إياك نعبد وإياك نستعين (لا نعبد غيرك، ولا نخشى سواك، ولا نرجو النفع إلا منك، ولا نخاف الضر ممن دونك. أنت الضار وأنت النافع، وأنت المعطي، وأنت المانع؛ لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا يجير عليك من نبي ولا ولي، ولا يشفع عندك إلا بأذنك ملك ولا رسول) ويستقبله إذا أطفئ المصباح الأعظم، وغطى الليل بسواده الفاحم على بهاء الدنيا وجمال الأصيل، فلا تشغله الرياض والجنان، ولا الورود والثمار، عن واد غير ذي زرع، عند بيت الله المحرم. ويستقبله إذا عم الظلام ونام الكون، وأقبل على الفراش يسلم روحه إلى خالقها. لا يدري أتعود أم تبقى في عالم الخلود، فيكون (الحرم) آخر ما يقبل عليه ويذكره من هذه الدنيا. فهل ينسى مسلم (الحرمين). أو هل ينساهما أستاذنا الزيات وهو الذي يذكر الناس؟!

стр. 4966

أولم تر يا سيد أحمد علي كاتباً حجازياً في الرسالة؟ أين أنت يا سيدي؟ وأي شيء يكون كتاب الرسالة إذا لم يكونوا مسلمين عرباً حجازيين؟ أهم روم؟ أهم يونان؟ أهم فينيقيون؟ أهم فرس؟ أليس أهل مصر وأهل العراق وأهل الشام من أبناء الحجاز اللذين خرجوا من الجزيرة تحت راية محمد، ففتحوا العالم واستقروا فيه؟ أليس عمرو وجيشه من أهل الحجاز؟ أليس سعد وجنده من أهل الحجاز؟ أليس أبو عبيدة وخالد وأصحابهما من أهل الحجاز؟ أليس بنو أمية حجازيين؟ أليس بنو العباس حجازيين؟ كأني بك تريد أن تقول: هاك كتاب الرسالة السابعة والخمسين: إن مختار الوكيل مصري، وطوقان فلسطيني، وعباسي أردني، وفتاة الفرات عراقية، وباكثير حضرمي. ولكن لا. ليس في قاموسنا مصري ولا شامي! ولكن فيه مسلم، وفيه عربي. وأي مسلم لا يرى الحجاز وطنه الأول من جهة النسب ومن جهة الدين؟ وأي عربي (كائناً ما كان دينه) لا يرى الجزيرة محتده وأصله، ومحمداً سيد العرب فخره؟ وهل ينسى مكة مسلم يتلو قول الله: (لتنذر أم القرى وما حولها) (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين) (لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد) (وليطوفوا بالبيت العتيق) (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس) (رب أجعل هذا البلد آمناً وأجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام) (ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم) ويتلو قول رسول الله (ص) حين فارق مكة مهاجراً: (إني لأعلم أنك أحب البلاد إليّ، وأنك أحب أرض الله إلى الله، ولولا أن المشركين أخرجوني منك ما خرجت) ومن ينسى مكة وفيها تاريخ أشرف أمة. وهي أشرف مدينة: لم تدن مذ خلقها الله لملك أجنبي عنها، ولم يؤد أهلها أتاوة لأحد، كانت تحج إليها ملوك حمير وكندة ولخم وغسان،

стр. 4967

فيدينون للحمس من قريش، ويرون تعظيمهم والإقتداء بآثارهم فرضاً مفروضاً، وشرفاً لهم عظيماً، وكان أهلها آمنين، يغزون الناس ولا يغزون، ويسبون ولا يسبون: أبوا دين الملوك فهم لقاح … إذا هيجوا إلى حرب أجابوا وكان أهلها في جاهليتهم حلفاء متآلفين، ومتمسكين بكثير من شريعة إبراهيم ﵇، ولم يكونوا كالأعراب الأجلاف، ولا كمن لا يوقره دين، ولا يزينه أدب، وكانوا يختنون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، وكانوا يتزوجون أي القبائل شاءوا، ولا شرط عليهم في ذلك، ولا يزوجون أحداً حتى يشرطوا عليه بان يكون متحمساً لدينهم، يرون أنه لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم حتى يدين لهم وكان العرب منذ الجاهلية يحجون البيت، ويعتمرون ويطوفون. فإذا أرادوا الانصراف أخذ رجل منهم حجراً من حجارة الحرم، يتذكرها به ويجله. . . هذا ولك الحق يا سيدي الأديب، في أن تأسف إذ لم تر لواحد من سكان بلدك بحثاً أو مقالة في الرسالة، ولكنما هم الملومون يا سيدي لا الرسالة. وما أحسب الرسالة تنشأ (لتسجل ظواهر التجديد في الأدب العربي، وتكون ديوان العرب المشترك) ثم تسد بابها في وجه قوم هم خلاصة العرب، وبنو خلاصتها، فانشروا فيها يا سيدي، ونقرأ لكم، ونستفد منكم، ونشكركم. وعليك يا سيدي الأخ الأديب السلام ورحمة الله. دمشق علي الطنطاوي

стр. 4968

قرطبة نبذة تاريخية عنها كانت قرطبة تعد من المدن العالمية المهمة، وكانت أعظم مدن الأندلس جميعاً، سواء بأبنيتها الجميلة الفخمة، أم بدور كتبها الكثيرة الواسعة، أم بحدائقها وبساتينها البديعة. وقد أتخذها عبد الرحمن الداخل عاصمة له، وشيد فيها القصور والحدائق والأبنية والمساجد، ولا سيما الجامع المعروف (بجامع قرطبة) وظلت عاصمة للأندلس حتى زمن عبد الرحمن الناصر، ثامن ملوك بني أمية هناك، إذ أنشأ على مقربة منها مدينة الزهراء المشهورة، وجعلها عاصمة له بدلاً منها، وفي عهد الحكم المستنصر ازدهرت البلاد ازدهاراً عظيماً، وكثرت دور الكتب والمدارس، وانتشرت العلوم والآداب بين طبقات الأمة، وكان لقرطبة النصيب الأوفر من عنايته، حتى لقد عين أخاه الأمير عبد العزيز مديراً لإحدى مكاتب (دور كتب) تلك المدينة العظيمة، ثم جاء هشام الثاني، فعجز عن إدارة المملكة، وتدخل أرباب المصالح والمطامع في أمورها، وكانت النتيجة انفصال الأقاليم واستقلالها، ومن جملتها (قرطبة) إذ استقلت سنة ٤٢١هـ - ١٠٢٩م، واستولى عليها (أبو الحزم بن محمد بن جهور)، وأسس الدولة الجهورية فيها (٤٢٢هـ - ١٠٣٠م)، ولما مات (٤٣٥هـ - ١٠٤٣م) تولى الأمر بعده أبنه (أبو الوليد محمد بن جهور)، ثم توفى وخلفه ابنه عبد الملك بن محمد، فكرهته الرعية لسوء معاملته لهم، ثم خلعوه، وأخرجوه من قرطبة (٤٦١هـ) متحدين مع جيش محمد بن عباد. وبسقوطه انقرضت دولة بني جهور، ومنذ ذلك الوقت بدأت قرطبة في التأخر، وفي سنة ١٢٣٦م استولى عليها الإفرنج، وطردوا أهلها، واتخذوها حصناً على حدود مملكتهم، وهي الآن من المدن الصغيرة، ويبلغ عدد نفوسها (٨٠٠٠٠) نسمة. . . معيشة أهلها وصنائعهم أما في تلك العصور الزاهرة فكان عدد نفوسها يربو على المليون، وكلهم يعيشون في خفض من العيش ورفاهية وسعادة، ومما ساعدهم على تلك الرفاهية إتقانهم لفنون وصنائع كثيرة، وزيادة نسبة المتعلمين والمثقفين بينهم، كما كان الحال في باقي المدن الأندلسية المتوسطة والكبيرة، فاشتهرت غرناطة بجودة حريرها وطليطلة بتفننها في صنع الأسلحة،

стр. 4969

وقونقة بجوخها الأخضر والأزرق، وقرطبة بصناعة السروج ودباغة الجلود الخ. . وكان في قرطبة مصانع كثيرة مختلفة، تصدر أنواع السلع الأخرى إلى المدن الأندلسية، وإلى خارج البلاد أيضاً. . العلم والأدب نقل صاحب نفح الطيب عن ابن سعيد (مؤلف الحلة المذهبة في مملكة قرطبة): (أن عرب قرطبة كانوا يتفاخرون بثلاث: بأصالة البيت، وبالجندية، وبالعلم. قال: وهي أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشد الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعين والرياسة، حتى أن الرئيس منهم الذي لا تكون له معرفة، يحتفل أن تكون في بيته خزانة كتب، ويحتفظ فيها، ليس إلا لأن يقول: عندي خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به. . .) وكان فيها مكاتب كثيرة كبيرة، تحوي أثمن الكتب وأجلها وأفضلها، ولهذا فاق القرطبيون غيرهم من أهل الأندلس والأقطار الأخرى، بكثرة علمائهم وأدبائهم، وبشدة إقبالهم على التعليم والتثقف، وعلى حبهم للعلماء والأدباء، واحترامهم لهم، ولصناعة العلم والأدب. وكان للحكم الثاني في قرطبة مكتبة، فيها ستمائة ألف كتاب لها أربعة وأربعون فهرساً، في كل فهرس ٢٠ ورقة لأسماء الدواوين فقط!!. ويقول جستاف لوبون - بهذه المناسبة - إن شارل الحكيم الذي تولي أمر فرنسا بعد خلافة الحكم بأربعمائة سنة (١٣٦٤م) بذل جهده في أن يجمع أكبر عدد ممكن من الكتب للمكتبة الأهلية بباريس - حين أسسها - ولكنه لم يستطع أن يجمع أكثر من تسعمائة مجلد ثلثها دينية!. . . وكانت الكتب تردها من بغداد ودمشق وخراسان والأستانة، وكان فيها ٨٠ مدرسة جامعة، يقصدها طلاب العلم الراقي والأدب الرفيع من أنحاء العالم المختلفة، ومنهم البابا سلفستر الثاني، وكان قد ذهب إلى أشبيلية فدرس فيها زمناً، ثم إلى قرطبة، وذلك قبل أن يصبح بابا (٩٩٩م)، وكان يسمى قبلاً الراهب جربرت، وممن تخرجوا في جامعات قرطبة، بطرس فنرابل وقسيس كولوني، وكذلك (شانجة) ملك ليون، وغيرهم كثيرون من الأوربيين الذين نذهب اليوم إلى جامعاتهم التي حلت محل الجامعات العربية، والله يغير

стр. 4970

ولا يتغير، والله على كل شيء قدير!. . . وكان في قرطبة علماء وأدباء وفضلاء كثيرون، نذكر منهم (أبو بكر يحيى سعدون الأزدي القرطبي) الملقب (بصائن الدين) وهو أحد الأئمة المتأخرين في القراءات وعلوم القرآن والحديث والنحو واللغة الخ. . ولد بقرطبة (٤٨٦هـ) ومات بالموصل (٥٦٧هـ). وأبو الوليد عبد الله بن محمد يوسف المعروف (بابن الفرضي) وكان فقيهاً عالماً من مؤلفاته (تاريخ علماء الأندلس) و (حسن في المختلف والمؤتلف) و (في أخبار شعراء الأندلس)، وقد ولد سنة ٣٥١هـ. وقتله البربر يوم فتح قرطبة سنة ٤٠٣هـ ابن زيدون ولد سنة ٣٩٤هـ. ومات بأشبيلية سنة ٤٦٣هـ. وأحمد بن محمد بن البر، من موالي بني أمية، له كتاب في الفقهاء بقرطبة، ومات في السجن ليلتين بقيتا من رمضان. ومنهم (أحمد بن محمد بن موسى) له مؤلفات كثيرة في أخبار الأندلس، توفي في ١٢ رجب سنة ٣٤٤هـ. وولد في (١٠) ذي الحجة سنة ٢٧٤. و (خالد بن سعيد القرطبي) أحد أئمة الأندلس، مات فجأة في سنة ٣٥٢هـ في الستين من عمره، وحسن بن الوليد بن نصر وابن الدباغ الأزدي، وغيرهم. وغيرهم. . . خطط قرطبة تقع قرطبة على الشاطئ الغربي من نهر الوادي الكبير، وبينها وبين البحر خمسة أيام، وذكر ياقوت الحموي في معجمه أنها كانت (أعظم مدينة في الأندلس، وليس لها في المغرب شبيه في كثرة الأهل وسعة الرقعة، ويقال إنها كأحد جانبي بغداد، وان لم تكن كذلك فهي قريبة منها، وهي حصينة بسور من حجارة، ولها بابان مشرعان في نفس السور إلى طريق الوادي من الرصافة - والرصافة مساكن أعالي البلد متصلة بأسفله من ربضها وأبنيتها، مشتبكة محيطة من شرقيها وشماليها وغربيها وجنوبيها، فهو إلى واديها، وعليه الرصيف المعروف بالأسواق والبيوع ومساكن العامة يربضها. . .) وكان طول قرطبة أربعة وعشرين ميلاً، وعرضها ستة أميال (وكان عدد اربضها ٢١ربضاً، في كل ربض من المساجد والأسواق ما يقوم بأهله، ولا يحتاجون إلى غيره، وكان بخارج قرطبة ثلاث آلاف قرية في كل واحدة منها منبر وفقيه.) وكان فيها (٢٠٠٠٠٠) بيت و (٦٠٠) مسجد و (٥٠) مستشفى و (٩٠٠) حمام سوقي،

стр. 4971

فضلاً عن الثمانين مدرسة التي ذكرنا، وكان فيها قنطرة طولها ٨٠٠ ذراع وارتفاعها ٦٠ ذراعاً وعرضها ٢٠ ذراعاً، وفيها ثماني عشرة حنية، وتسعة عشر برجاً. وقد تنافس الخلفاء والأمويون في تعمير هذه المدينة وتزينها وتجميلها، فبنى عبد الرحمن الداخل (القصر الكبير) وجعله مقراً له، وشيد المنصور بن أبي عامر قصر الزهراء سنة ٣٦٠ على نهر الوادي الكبير، وأنتقل إليه سنة (٣٧٠هـ) وبنى باقي الملوك والوزراء والعظماء قصوراً كثيرة نذكر منها (الحائر)، الروضة، المعشوق، المبارك، التاج، السرور الخ. . ولكن أعظم بنايات قرطبة، بل الأندلس كلها، المسجد الجامع، الذي شيده عبد الرحمن الداخل، وكان في الأصل كنيسة فأعجبه موقعها فأخذها من النصارى مقابل أموال وأراض كثيرة. جامع قرطبة والواقع أن هذا المسجد آية من آيات الفن العربي، ودليل قاطع على علو كعب العرب في النقش والبناء، وبرهان ساطع على سمو الذوق العربي، والمقدرة الفنية العربية. ولم يكن يضاهيه من المساجد والقصور في ذلك العصر سوى الجامع الأموي بدمشق، وليس من السهل وصف عظمة جامع قرطبة وتصويره للقارئ وصفاً وتصويراً صادقين، بل ليس من السهل على القارئ أن يدرك عظمته إذا ما نظر إلى عدة صور فوتوغرافية عنه، ومع ذلك فنحن باذلون جهدنا في أن نعطيك فكرة عامة عنه: فطول المسجد ٦٠٠ قدم وعرضه ٢٥٠ قدماً وارتفاعه ٢٠ متراً، وفي عرضه الأيمن ٣٨ صحناً، والأيسر ٢٩ صحناً، وفيه ١٢٩٣ عموداً من الرخام، تيجانها منقوشة بمختلف النقوش الرائعة. (وفيه من جهة الجنوب ١٩ باباً مبطنة بصفائح من النحاس المتوج (نحاس المدافع)، وأوسطها مرصع بصفائح من الذهب، وبأعلاه ثلاث كرات ذهبية فوقها رمانة من العسجد) أما الباب العمومي - وهو باب المنارة - فهو من النحاس أيضاً، عرضه ٨ م وارتفاعه ٢٠ م، وفي الزاوية القبلية من لمسجد تقوم منارته العظيمة، وهي مربعة الشكل، وطول كل ضلع منها ١٢ م وارتفاعها ١٣ م، وتتحلى بتفاحات فضية وذهبية، محيط كل منها نصف

стр. 4972

متر أو أكثر بقليل. ويقول صاحب (رحلة في الأندلس): أنها خمس طبقات في كل طبقة عدد كبير من الأجراس. وكانت قبة المسجد مشيدة على ٣٦٥ عموداً من المرمر، والمحراب والمقصورة من أجمل ما في المسجد، ففي تلك المقصورة كان الخلفاء يصلون (وهي بناء مرتفع مربع مزين بنقوش جصية بديعة جداً، وعليها كتابات قرآنية وأحاديث نبوية) وأما المحراب ففسيح واسع، ويتكون سقفه من قطعة رخامية واحدة وفيه كتابات كوفية قرآنية، وكان فيه المصحف العثماني الشريف، وقد نقله عبد المؤمن بن علي إلى مراكش عند استيلاء الموحدين على الأندلس سنة ٥٥٢ هـ. وفي المسجد (٤٧٠٠) قنديل من الذهب الإبريز، واحد منها في المحراب، وكان يصرف عليها سنويا (٢٤٠٠٠) رطل زيتاً و (١٢٠) رطلاً من العنبر والعود القاقلي. . . قال الأستاذ سديو: (وكانت هذه المدينة تصبح مضيئة، وحاراتها مطيبة، بما يلقى فيها من الزهور، مع استعمال الألحان المطربة في المتنزهات والميادين العامة. .) هذا بعض من كل، وقليل من كثير، عن حالة قرطبة في تلك العصور التي بلغت العظمة العربية فيها الحد الأقصى من الرفعة والسمو، والتي خلد فيها أبطال العرب أسماءهم في أنصع صفحات التاريخ، ورفعوا أمتهم إلى المكانة اللائقة بها. البصرة عبد الكريم وعبد الصمد الناصري

стр. 4973

شلفون بعد نصف عام!. . . بقلم منير الجم الطرابلسي رحم الله هذا الموسيقي الراحل، فقد عاش طريداً شريداً، غريباً في وطنه، منبوذاً من أهله ومن الناس، ومازال مع الخطوب في صراع حتى فجئته كارثة دهماء أجهزت على حياته المنكودة، فكان ضحية غالية على مذبح الفن لم يدر أحد من أمرها شيئاً! عاش في دنياه مجهولاً، وجاهد في سبيل الفن مغبوناً، ولقي حتفه باليأس والبؤس، ثم لجأ إلى بارئه يشكو مكر الإنسان، وختل الصديق، وجور الدهر! وقعت الواقعة، ونزلت النازلة، وأنهار صرح (كوكب الشرق) في بيروت، فكانت نكبة نكباء، وجبت لهولها الأفئدة، وهلعت القلوب، والناس حول الضحايا في مأتم يبكون، هذا يرثي لأباه، وذاك يبكي أخاه، وآخر يذرف الدمع على صديقه مدراراً. إلا هذه الضحية المجللة بروعة الفن، كانت في عزلة عن اهتمام الجمع، فأنهم جهلوها أو تجاهلوها، ونسوا ماضيها وحاضرها، وما أسرع الناس في نسيان الماضي، وجحد الفضل، ونكران الجميل! ولكن لم تخل الأرض من أخبار بررة قاموا بواجب التأبين في محفل الوليد، وشاركتهم بعض صحف حرة في نشر الترجمة، وتعديد المناقب والمزايا، فكانت تعزية للراحل الكريم في الأولى والآخرة؛ ثم أسدل الستار على ذكراه، فلم يفطن إليه محفل أو ناد، حتى ولا تلاميذه، وما ذلك إلا لأنه كان بائساً معدماً، أبي النفس، عالي الهمة، كارهاً للشهرة والظهور، شانه في ذلك شأن عظماء الفن، يصهرون نفوسهم الزكية في مثلهم العليا، ثم يتلاشون في سكون وهدوء! كان موسيقياً نابغاً فياض العواطف والشعور، وكان أديباً كبيراً مملوء بنفس سامية تأبى أن تذل، جاهد في مصر زمناً ينشر علينا من أريج (روضة بلابله) الغناء ما يسر النفس، وينعش القلب، حيث المبتكر الساحر، والجديد السائغ في الموسيقى والأدب؛ ثم ناهضه الحساد فرحل إلى دمشق عله يخفف اللوعة فيها والأسى، فكان نصيبه الصد والفشل والإخفاق! فلما ضاقت الأرض عليه بما رحبت سعى إلى عاصمة لبنان، وكأنه كان على

стр. 4974

موعد من منيته، فداهمته أشنع ميتة يموتها إنسان، فلا حول ولا قوة إلا بالله! مات ولما يتمم جهاده الشريف، ولم يجن ثمار أدبه وفنه، وأبى حظه العاثر أن يكون موفقاً في حبه وإخلاصه، بل في حياته ومماته، فقد كان يعلم ذلك كل العلم، ويتأكده كل التأكيد، فألف قطعته الخالدة (الألم) رمزاً لذاته، وشعاراً لبؤسه، وعزفها على مسمعنا يوم كنا لديه في عاصمة الأمويين، فسحرنا بأنغامها الشجية، وغمرنا في ذهول من الحزن عميق، نرثي لحاله ونتألم، ولا غرو فحياته سلسلة آلام مبرحة، ختمت بفاجعة مروعة، قضت على آماله الجسام، وذهبت بنبوغه الرائع. أما ورثاء نوابغ الفن علينا واجب، وذكر الفقيد البائس أوجب، فقد أديته قسطي على قدر المستطاع، كما أرجو أن يذكره كل مخلص غيور، ففي ذمة الله والتاريخ فقيدنا الكريم، وفناننا المجهول! حماه منير الجم الطرابلسي

стр. 4975

العامل الاقتصادي في الأدب للآنسة فكرية زكي دبلوم في التربية والآداب أريد أن أعالج موضوع الأدب من الوجهة الاقتصادية، لأن كثيراً من الأدباء يمنعهم الحياء من التبسيط في شرح ذلك، مع أن هذا الموضوع جدير بالبحث والنظر، لأن هناك صلة تصل المؤلف بالقراء، فالمؤلف لا يكتب إلا لقرائه، سواء في الجيل الحاضر أو في الأجيال الآتية، ولم يخلق بعد المؤلف الذي يكتب لنفسه. وإذا رجعنا بالبصر قليلاً وجدنا أن كثيراً من أمهات الكتب القديمة التي ننعم بها لم يكتبها مؤلفوها إلا تحت رعاية عظيم أو تشجيع كبير، مما لا نتبسط في شرحه وبيانه، غير أن هذه الكتب لم تكن فتحاً في الأدب. فالأدب الصحيح الذي يصور الحياة في صورها الصادقة لا يولد في كنف عظيم أو رعاية كبير، لأنه إذ ذاك لا يصدر عن نفس حرة طليقة من قيود المادة، لذلك لم تولد أمهات الكتب في الأدب الحديث إلا مع وجود القراء، وإذا أردت دليلاً على ذلك فإن لويس الرابع عشر أغدق المال على رجال العلوم والفنون إغداقاً ليس له نظير ولا ضريب، ثم لم ينبغ في عصره كاتب ولا فنان، لأن يد الإحسان كانت تعقل أفواههم، فلا يقولون إلا ما يرضيه، ولا يعملون إلا ما يحسن لديه ويجمل في ناظريه، ولم أجد كاتباً فصل ذلك في وضوح وجلاء إلا (بكل) كتابه الممتع تاريخ الحضارة في إنجلترا. والكاتب مهما قنع بالقليل يجب أن يعيش قبل كل شيء، فإذا كانت رعاية الكبراء تحول دون الإنتاج البكر في الأدب، بله عدمها الآن، فليس هناك وسيلة للأدب والأديب غير القراء. ولذلك نتساءل: هل يوجد الآن بيننا جيل القراء الذين يقبلون على قراءة الكتب القيمة فيساهموا في أحياء الأدب؟. أم نحن نعيش في عصر لم يخلق فيه القراء بعد؟ ولا يمكننا أن نعلل ذلك بفقر القراء، أو غلاء الكتب، لأن ثمن أكبر كتاب لأشهر مؤلف لا يتجاوز ثمن تذكرة من تذاكر دور السينما. وإذا قال مكابر بأننا تعيش في ذلك العصر فأننا نطالبه بالدليل على ذلك، أين هي الكتب التي طبعت مراراً؟ لا أعلم كتاباً طبع للمرة العاشرة، بله الثالثة أو الرابعة، وتكرار الطبع دليل على رواج الكتب وانتشار الأدب. إذن ففي أي عصر نعيش؟ أنعيش في ذلك العصر
следующие страницы →