Полный текст (65 431 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
فضلاً عن الثمانين مدرسة التي ذكرنا، وكان فيها قنطرة طولها ٨٠٠ ذراع وارتفاعها ٦٠ ذراعاً وعرضها ٢٠ ذراعاً، وفيها ثماني عشرة حنية، وتسعة عشر برجاً.
وقد تنافس الخلفاء والأمويون في تعمير هذه المدينة وتزينها وتجميلها، فبنى عبد الرحمن الداخل (القصر الكبير) وجعله مقراً له، وشيد المنصور بن أبي عامر قصر الزهراء سنة ٣٦٠ على نهر الوادي الكبير، وأنتقل إليه سنة (٣٧٠هـ) وبنى باقي الملوك والوزراء والعظماء قصوراً كثيرة نذكر منها (الحائر)، الروضة، المعشوق، المبارك، التاج، السرور الخ. .
ولكن أعظم بنايات قرطبة، بل الأندلس كلها، المسجد الجامع، الذي شيده عبد الرحمن الداخل، وكان في الأصل كنيسة فأعجبه موقعها فأخذها من النصارى مقابل أموال وأراض كثيرة.
جامع قرطبة
والواقع أن هذا المسجد آية من آيات الفن العربي، ودليل قاطع على علو كعب العرب في النقش والبناء، وبرهان ساطع على سمو الذوق العربي، والمقدرة الفنية العربية. ولم يكن يضاهيه من المساجد والقصور في ذلك العصر سوى الجامع الأموي بدمشق، وليس من السهل وصف عظمة جامع قرطبة وتصويره للقارئ وصفاً وتصويراً صادقين، بل ليس من السهل على القارئ أن يدرك عظمته إذا ما نظر إلى عدة صور فوتوغرافية عنه، ومع ذلك فنحن باذلون جهدنا في أن نعطيك فكرة عامة عنه:
فطول المسجد ٦٠٠ قدم وعرضه ٢٥٠ قدماً وارتفاعه ٢٠ متراً، وفي عرضه الأيمن ٣٨ صحناً، والأيسر ٢٩ صحناً، وفيه ١٢٩٣ عموداً من الرخام، تيجانها منقوشة بمختلف النقوش الرائعة. (وفيه من جهة الجنوب ١٩ باباً مبطنة بصفائح من النحاس المتوج (نحاس المدافع)، وأوسطها مرصع بصفائح من الذهب، وبأعلاه ثلاث كرات ذهبية فوقها رمانة من العسجد)
أما الباب العمومي - وهو باب المنارة - فهو من النحاس أيضاً، عرضه ٨ م وارتفاعه ٢٠ م، وفي الزاوية القبلية من لمسجد تقوم منارته العظيمة، وهي مربعة الشكل، وطول كل ضلع منها ١٢ م وارتفاعها ١٣ م، وتتحلى بتفاحات فضية وذهبية، محيط كل منها نصف
стр. 4972
متر أو أكثر بقليل. ويقول صاحب (رحلة في الأندلس): أنها خمس طبقات في كل طبقة عدد كبير من الأجراس.
وكانت قبة المسجد مشيدة على ٣٦٥ عموداً من المرمر، والمحراب والمقصورة من أجمل ما في المسجد، ففي تلك المقصورة كان الخلفاء يصلون (وهي بناء مرتفع مربع مزين بنقوش جصية بديعة جداً، وعليها كتابات قرآنية وأحاديث نبوية) وأما المحراب ففسيح واسع، ويتكون سقفه من قطعة رخامية واحدة وفيه كتابات كوفية قرآنية، وكان فيه المصحف العثماني الشريف، وقد نقله عبد المؤمن بن علي إلى مراكش عند استيلاء الموحدين على الأندلس سنة ٥٥٢ هـ.
وفي المسجد (٤٧٠٠) قنديل من الذهب الإبريز، واحد منها في المحراب، وكان يصرف عليها سنويا (٢٤٠٠٠) رطل زيتاً و (١٢٠) رطلاً من العنبر والعود القاقلي. . .
قال الأستاذ سديو: (وكانت هذه المدينة تصبح مضيئة، وحاراتها مطيبة، بما يلقى فيها من الزهور، مع استعمال الألحان المطربة في المتنزهات والميادين العامة. .)
هذا بعض من كل، وقليل من كثير، عن حالة قرطبة في تلك العصور التي بلغت العظمة العربية فيها الحد الأقصى من الرفعة والسمو، والتي خلد فيها أبطال العرب أسماءهم في أنصع صفحات التاريخ، ورفعوا أمتهم إلى المكانة اللائقة بها.
البصرة
عبد الكريم وعبد الصمد الناصري
стр. 4973
شلفون بعد نصف عام!. . .
بقلم منير الجم الطرابلسي
رحم الله هذا الموسيقي الراحل، فقد عاش طريداً شريداً، غريباً في وطنه، منبوذاً من أهله ومن الناس، ومازال مع الخطوب في صراع حتى فجئته كارثة دهماء أجهزت على حياته المنكودة، فكان ضحية غالية على مذبح الفن لم يدر أحد من أمرها شيئاً!
عاش في دنياه مجهولاً، وجاهد في سبيل الفن مغبوناً، ولقي حتفه باليأس والبؤس، ثم لجأ إلى بارئه يشكو مكر الإنسان، وختل
الصديق، وجور الدهر!
وقعت الواقعة، ونزلت النازلة، وأنهار صرح (كوكب الشرق) في بيروت، فكانت نكبة نكباء، وجبت لهولها الأفئدة، وهلعت القلوب، والناس حول الضحايا في مأتم يبكون، هذا يرثي لأباه، وذاك يبكي أخاه، وآخر يذرف الدمع على صديقه مدراراً. إلا
هذه الضحية المجللة بروعة الفن، كانت في عزلة عن اهتمام الجمع، فأنهم جهلوها أو تجاهلوها، ونسوا ماضيها وحاضرها، وما أسرع الناس في نسيان الماضي، وجحد الفضل، ونكران الجميل!
ولكن لم تخل الأرض من أخبار بررة قاموا بواجب التأبين في محفل الوليد، وشاركتهم بعض صحف حرة في نشر الترجمة، وتعديد المناقب والمزايا، فكانت تعزية للراحل الكريم في الأولى والآخرة؛ ثم أسدل الستار على ذكراه، فلم يفطن إليه محفل أو ناد، حتى ولا تلاميذه، وما ذلك إلا لأنه كان بائساً معدماً، أبي النفس، عالي الهمة، كارهاً للشهرة والظهور، شانه في ذلك شأن عظماء الفن، يصهرون نفوسهم الزكية في مثلهم العليا، ثم يتلاشون في سكون وهدوء!
كان موسيقياً نابغاً فياض العواطف والشعور، وكان أديباً كبيراً مملوء بنفس سامية تأبى أن تذل، جاهد في مصر زمناً ينشر علينا من أريج (روضة بلابله) الغناء ما يسر النفس، وينعش القلب، حيث المبتكر الساحر، والجديد السائغ في الموسيقى والأدب؛ ثم ناهضه الحساد فرحل إلى دمشق عله يخفف اللوعة فيها والأسى، فكان نصيبه الصد والفشل والإخفاق! فلما ضاقت الأرض عليه بما رحبت سعى إلى عاصمة لبنان، وكأنه كان على
стр. 4974
موعد من منيته، فداهمته أشنع ميتة يموتها إنسان، فلا حول ولا قوة إلا بالله!
مات ولما يتمم جهاده الشريف، ولم يجن ثمار أدبه وفنه، وأبى حظه العاثر أن يكون موفقاً في حبه وإخلاصه، بل في حياته ومماته، فقد كان يعلم ذلك كل العلم، ويتأكده كل التأكيد، فألف قطعته الخالدة (الألم) رمزاً لذاته، وشعاراً لبؤسه، وعزفها على مسمعنا يوم كنا لديه في عاصمة الأمويين، فسحرنا بأنغامها الشجية، وغمرنا في ذهول من الحزن عميق، نرثي لحاله ونتألم، ولا غرو فحياته سلسلة آلام مبرحة، ختمت بفاجعة مروعة، قضت على آماله الجسام، وذهبت بنبوغه الرائع.
أما ورثاء نوابغ الفن علينا واجب، وذكر الفقيد البائس أوجب، فقد أديته قسطي على قدر المستطاع، كما أرجو أن يذكره كل مخلص غيور، ففي ذمة الله والتاريخ فقيدنا الكريم، وفناننا المجهول!
حماه
منير الجم الطرابلسي
стр. 4975
العامل الاقتصادي في الأدب
للآنسة فكرية زكي دبلوم في التربية والآداب
أريد أن أعالج موضوع الأدب من الوجهة الاقتصادية، لأن كثيراً من الأدباء يمنعهم الحياء من التبسيط في شرح ذلك، مع أن هذا الموضوع جدير بالبحث والنظر، لأن هناك صلة تصل المؤلف بالقراء، فالمؤلف لا يكتب إلا لقرائه، سواء في الجيل الحاضر أو في الأجيال الآتية، ولم يخلق بعد المؤلف الذي يكتب لنفسه. وإذا رجعنا بالبصر قليلاً وجدنا أن كثيراً من أمهات الكتب القديمة التي ننعم بها لم يكتبها مؤلفوها إلا تحت رعاية عظيم أو تشجيع كبير، مما لا نتبسط في شرحه وبيانه، غير أن هذه الكتب لم تكن فتحاً في الأدب.
فالأدب الصحيح الذي يصور الحياة في صورها الصادقة لا يولد في كنف عظيم أو رعاية كبير، لأنه إذ ذاك لا يصدر عن نفس حرة طليقة من قيود المادة، لذلك لم تولد أمهات الكتب في الأدب الحديث إلا مع وجود القراء، وإذا أردت دليلاً على ذلك فإن لويس الرابع عشر أغدق المال على رجال العلوم والفنون إغداقاً ليس له نظير ولا ضريب، ثم لم ينبغ في عصره كاتب ولا فنان، لأن يد الإحسان كانت تعقل أفواههم، فلا يقولون إلا ما يرضيه، ولا يعملون إلا ما يحسن لديه ويجمل في ناظريه، ولم أجد كاتباً فصل ذلك في وضوح وجلاء إلا (بكل) كتابه الممتع تاريخ الحضارة في إنجلترا.
والكاتب مهما قنع بالقليل يجب أن يعيش قبل كل شيء، فإذا كانت رعاية الكبراء تحول دون الإنتاج البكر في الأدب، بله عدمها
الآن، فليس هناك وسيلة للأدب والأديب غير القراء. ولذلك نتساءل: هل يوجد الآن بيننا جيل القراء الذين يقبلون على قراءة
الكتب القيمة فيساهموا في أحياء الأدب؟. أم نحن نعيش في عصر لم يخلق فيه القراء بعد؟ ولا يمكننا أن نعلل ذلك بفقر القراء، أو غلاء الكتب، لأن ثمن أكبر كتاب لأشهر مؤلف لا يتجاوز ثمن تذكرة من تذاكر دور السينما.
وإذا قال مكابر بأننا تعيش في ذلك العصر فأننا نطالبه بالدليل على ذلك، أين هي الكتب التي طبعت مراراً؟ لا أعلم كتاباً طبع للمرة العاشرة، بله الثالثة أو الرابعة، وتكرار الطبع دليل على رواج الكتب وانتشار الأدب. إذن ففي أي عصر نعيش؟ أنعيش في ذلك العصر
стр. 4976
الذي باع فيه ملتون روايته الخالدة (الفردوس المفقود) بعشرة جنيهات؟ أم في العصر الذي كان يعيش فيه جنسون موحد اللغة الإنجليزية فلا يجد قوت يومه؟ أستغفر الله بل نحن نعيش في عصر الانتقال، في عصر تتكون فيه أجيال القراء، (فالرسالة) تطالعك كل أسبوع، والجرائد اليومية تطالعك كل صباح، وهي تؤدي عملاً نافعاً لا يفطن إليه كثير منا، فهي تخلق جيل القراء المقبل الذي سيساهم في رواج الأدب، ومتى وجد هذا الجيل فلا شك في تطور الأدب تطوراً آخر غير ما نراه الآن.
وإني أرى بعين المستقبل أديباً كبيراً يقول لنا كما قال ماكولي عن أدباء عصره: (إنهم ينعمون بالثراء ومباهج الحياة، بينما أشباههم ونظراؤهم من سبعين عاماً كانوا يتضورون جوعاً.) غير أني أدعو الله أن تكون هذه الفترة في تاريخ أدبنا أقل من سبعين سنة، فأنها وإن كانت قليلة في أعمار الأمم طويلة في حياة الأفراد.
فكرية زكي
стр. 4977
إبراهيم بك مرزوق وشعره
بقلم صلاح الدين الوداعي
قرأت في العدد السابع والخمسين من الرسالة ما كتبه الأستاذ محمود خيرت عن الشاعر المصري إبراهيم بك مرزوق تعقيباً
على كلمة المغفور له أحمد باشا تيمور التي لم يلم فيها بنواحي حياته الأدبية إلماماً وافياً، فوجدته في مستهل كلمته يقول انه كان يود لو أن بين يديه ديوان هذا الشاعر ليسد الفراغ الذي تركه تيمور باشا، ويسرني أن أحمل هذا الواجب الأدبي عنه، فقد أتيح لي أن أقرأ نسخة مخطوطة من هذا الديوان، سأنقل هنا شيئاً منها يعطينا صورة لحياة هذا الشاعر ومقدرته الأدبية.
أسلوبه في الشعر:
أما غزله فهو من الملاحة بمكان، قال ﵀:
أشجتكَ شمس ملاحةٍ … في غيهب الليل استنارتْ
أم بدر حسنٍ طالع … من حسنه الأقمار غارت
نَظرت له عين المها … فتعجبتْ منها وحارت
مَن منصفي من أعين … في حكمها في القلب جارت
يا جنة نيرانها … في قلب عاشقها استعارت
ما ضرها لما نأت … لو أنها زارت
يا شمس حسن بالحجا … ب السندسي عني توارت
غصن القوام عليه ك … ل قلوب أهل العشق طارت
ودوائر الأحزان من … أطواقها بالصب دارت
وركائب الأشواق بال … قلب الأسير إليك سارت
وقال أيضاً من قصيدة:
ما احتيالي قد صير الصد عاده … ليته حين أسقم الصب عاده
ما احتيالي وكل من هام وجداً … سلب الحب لبه ورشاده
بين كأس الهوى وكأس الحميا … قدرٌ غالبٌ له وإراده
стр. 4978
فهو في حالتيه حيران ألقى … بيد الذل والهوان قياده
ومن قصائده أيضاً هذه الخمرية البديعة:
هيا اسقياني ثلاثاً واشربا قدحاً … يا ساقيّ فزند اللهو قد قدحا
وأحييا دولة القصف التي دثرت … وخليا الزهد للوعاظ والنصحا
وبادرا فرص اللذات واجتنبا … من لام في رشف كاسات الطلا ولحا
فقد خلعت عذارى غير معتذر … ورحت أرفل في برد الصبا مرحا
وقلت للرشد مالي فيك من أرب … فارحل وقمت بثوب الغيّ متّشحا
وفيها يقول بالتورية:
فعاطياني وعين النجم شاهدة … شمساً يقصّر عن أوصافها الفصحا
لو أن عائبها قد ذاق لذتها … ما كان عاب لها كأساً ولا (قدحًا)
وعلى ذكر التورية هنا أقول إنه كان ولوعاً بها مجيداً لها، فمن ذلك قوله في الرثاء:
يا راحلاً فيه ذقنا … ما كانا منه احترزنا
كم قد حوينا هموما … لما رحلت (وحزنا)
ومن محاسن اقتباساته قوله:
ومليح له سلاسل شعر … وقلوب الورى بهن أسارى
كلما جال طرفه ترك النا … س سكارى وما هُم بسكارى
وقوله أيضاً:
قد كنت سليماً لا تدري … ماَ حلو الوصل من الهجر
فأطعت النفس وشهوتها=إن الإنسان لفي خسر
وللشاعر في التخميس والتشطير مقدرة عظمى تشهد له بالتمكن في النظم مع سمو الخيال، واتساق المعنى، وقد نظم في ذلك مقطوعات كثيرة لفحول الشعراء فخمس أغلب القصائد والمقاطيع المتداولة على ألسنة أهل الأدب للمتنبي، والكمال ابن النبيه، وتقي الدين السروجي، والمعري وغيرهم، وكلها في غاية الطرافة والحكمة، ولولا طولها وكثرتها لأوردت هنا طرفً منها لإثبات كفاية هذا الشاعر النادر، وأنا لذلك أكتفي بذكر تشطيره للبيتين المنسوبين إلى إبليس - على سبيل المثال - قال:
стр. 4979
(وحمراء قبل المزج صفراء بعده) … كوجنة خود راعها لثم سارق
إذا صبّها في عسجدي مخضب … (بدت بين ثوبي نرجس وشقائق)
(حكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا) … على نهبها الألحاظ من كل وامق
وصاغ حباب الماء في حال صبه … (عليها مزاجاً فاكتست لون عاشق)
وعلى قلة الوصف والتشبيه في شعره بلغ حد الإجادة والإبداع، فمن ذلك وصفه لمنشية النزهة بإسكندرية:
بإسكندرية للصفا منشية … غراء واضحة البها غناء
سطعت شموس الحسن في أرجائها … وبدوره فلها سنىً وسناء
حيث ألتفتّ رأيت أبهى روضة … (سال النظار بها وقام الماء)
وقال في (فسقية) يتصاعد منها الماء
لله بل للحسن ماءٌ أحكمت … فسقية تصعيده فتقطَّرا
فجرى لجيناً أو مذاب الدر أو … سيّار بّللور سما فتقنطرا
ومن قصائده في الفخر والحماسة هذه القصيدة:
قامت تساجلني العلا جدودي … حتى تحقق فيّ رأي جدودي
واستنجدت فينا شمائل ماجد … واستنجزت شيم الوفاء عهودي
وتغبّ في ذم الخمود مليحة … لتشب ناري غير وشك خمود
وبمسمع مني تقول لمن دنت … منها أهذي حالة المجدود
أيُردّ عما يبتغيه وعزمُه … ماض وطالعه بسعد سعود
أولم يكن من لم تغر طلابه … يوماً عليه لفضله والجود
أو ليس من بهر الكواكب رفعةً … بعلوّ صائب رأيه المعهود - الخ
وفي الديوان غير ذلك من المدائح والتهاني والمراثي والتعازي وباقي الفنون الأدبية من القصائد الشيء الكثير، وكلها مليئة بالمحاسن والغرر - ولا سبيل إلى استقصائها هنا لكثرتها وتشعب أغراضها.
أسلوبه في النثر
وقد عثرت للشاعر على هذه الرسالة الفريدة، المسماة (برحلة الكرامة) التي كتبها إلى سعادة
стр. 4980
خيري باشا مهردار، واقتصرت
على بعض فقرات منها خشية الإطالة، وهي التي ضمنت وصف رحلته إلى الخرطوم، قال ﵀:
(أهدى إلى نسيم الصبا، الحاملة لرياض الربا، ووفود النسيم، المتحملة بالتكريم والتعظيم، ورسل الأصائل، المتضوعة بنشر الخمائل، وما يزري بنور الرياض، وتغازل المقل المراض، أرق من الدموع، في الربوع، وألعب من الراح، بالعقول والأرواح، وأشهى من الأمان، في الزمان، ووفاء الأخوان، وألذ من عناق أهل الاشتياق، بعد الفراق، وأعذب من الرحيق، على الريق، وأحلى من الإقبال، ببلوغ الآمال، وأحب من الأتحاف، بالأسعاف، وأهنأ من الورود، على حياض الوعود، وأشفى من الوصال، وأوفى من طيف الخيال. . . ولكني حيث تنقلت في البلاد، وهمت في كل واد، من أقطار السودان، القاصي منها والدان، واعتسفت طرقها، وشسوعة أسواقها، حيثما ذكره الأستاذ في الوقائع، وجنيته من ثمرها اليانع، التزمت أن أذكر بوجه الاختصار، ما يتذكر به ألو الأبصار، وعسى أن تنفق عنده بضاعتي المزجاة، وأفوز ببركة دعائه بطريق النجاة، فأقول معتمداً على الله، وما توفيقي إلا بالله. . . (قد اقتعدنا غوارب الأقتاد، وجبنا الصخور والأوتاد مسئدين في المهامة والقفار، مستندين إلى أعواد الأكوار، مصطحبين ما يفت في عضد الإصطبار، ويقلب قلب القرار على النار، إلى أن وصلنا إلى بندر الخرطوم، فكانت المحفوفة بالقذى، المحروسة بالأذى، لأنها القرية الظالم أهلها، المستحيل مثلها، بسبب هوائها الوخيم، ووبائها المستديم، فكنت تراها أقذر من بيت الدجاج، وأهون من تبالة على الحجاج، لما بها من الحشرات، المجهولة الأسماء والصفات، التي ليس منها خلاص، ولا للجروح قصاص، لتواردها من الست الجهات، إلى شن الغارات، ويكاد المقيم بها وقت القيظ، يتميز من الغيظ، ويستغيث بالسعير، في أوقات الزمهرير، فهي بين رياح متخالفة، وزعازع متوالفة، وظلل من الضباب، كأول يوم الحساب.)
بلاد لاسمين من رعاها … ولا حسن بأهليها اليسار
إذا لبس الدروع ليوم بؤس … فأحسن ما لبست لها الفرار
قلت مما اتفق لي نظمه في بلاد السودان وأهلها من جملة أبيات هذا البيت:
стр. 4981
قوم تخيلتهم جاناً لرؤيتهم … وقلت أن خديوينا سليمان
فلو مكثت غير بعيد، واجتلبت خيل المعتصم والوليد، واستعديت بذي القرنين، واستنجدت من وراء الصدفين. ونشرت أبا مسلم الخراساني، وخرجت في رايات السفياني، وبعثت بالرياح السوافي، ورميت بثالثة الأثافي، ورصدت الكواكب، وميزت بين المغلوب والغالب، وزحفت في جنود صفين، وقاتلت إلى يوم الدين، لما كنت ظفرت على حشراتها بالفتوح، ولو عمرت عمر نوح، فأنا كنا في مصادمة الأمطار، ومزاحمة الأقدار. . . . .)
وبعد، فهذه صورة من أسلوب الشاعر المجيد إبراهيم بك مرزوق المصري في الشعر والنثر، أعرضها على قراء الرسالة علها تجد من أدبائنا من يولي أمثال هذا الشاعر المجيد، ما يستحق من ذكر وتخليد
القاهرة
صلاح الدين الوداعي
стр. 4982
الحركة الفكرية لشباب العرب
خبا بريق الثقافة العربية بعد أن بلغت أوجها في القرون الوسطى عقب غارة التتار على البلاد العربية.
وقد قال جوستاف لوبون: (إن الكلام على الشعب العربي وتاريخه وتألقه وعظمة مدنيته لهو كلام عن شعب كان أكثر من أضاف إلى ميراث المدنية وزاد في ثروة الإنسانية العامة
والمدنية العربية آخر هدية قدمها الشرق إلى الغرب وأكبر مدنيات الشرق أهمية، لأنها نتاج كثير منها، وقد تركت في محيط العلم آثاراً لا تمحى)
حتى إذاكان القرن الثامن عشر وهو عهد تقسيم الإمبراطورية العربية التي طبقت كل البلاد العربية وآسيا الصغرى والعجم والهندستان ومصر وشمال أفريقية وكل أسبانيا تقريباً، عانت الثقافة العربية عهداً طويلاً من الجمود بله القهقري.
فقد غلت سيادة الأجانب ملكات الذكاء التي أوتيها العرب، وقتلت حبهم الشديد للمعرفة، وأضعفت قوتهم المبدعة، حتى إذا كان عام ١٩٠٦ قامت نخبة تسعى إلى إحياء الفكرة العربية وتجديد ثقافتها القديمة. فكانت هذه الحركة الذهنية، هي على أشد ما تكون من المضاء في سوريا، القبس الأول الذي سطع منه عهد الإحياء العربي الجديد، مما كان له دوي في باقي البلاد العربية وصدى عميق في نفوس الشعب الراسف في الجهالة والجمود.
ولقد واجهت هذه اليقظة الذهنية الحركة السياسية التي يقوم بها فتيان الأتراك من أجل (تتريك) كل العناصر غير التركية في إمبراطوريتهم، فكان من أثر هذه السياسة انبثاق وطنية الشبيبة العربية، وبذلك نشأت وطنيتان متعارضتان: العربية والتركية، يقود كلاً منهما شباب الشعبين المثقفون، فنجم عن هذا التعارض بينهما حركة عنيفة أدت إلى تكوين جمعيات تطالب ببعض الحقوق والإصلاح وعلى رأسها شباب الضباط والطلبة الذين تلقوا علومهم في القسطنطينية مما جعل الجامعات مركزاً لوحدة الشباب وألفته.
وصارت وعود الإصلاح التي وعدها الترك لتحسين حال العرب ومن بينها إدخال اللغة العربية في مدارس الأقاليم هباء، فلم يتورع الأتراك عن استعمال كل وسيلة للضغط ومقاومة هذه الكتلة العربية المفكرة مما ألجأ معظمها إلى النزوح إلى مصر التي غدت مثابة للثقافة العربية.
ولقد كان من جراء هذا الخطر الأجنبي توثيق عرى الاتحاد بين شباب العرب الذين
стр. 4983
استشهد منهم طائفة كبيرة على مشانق الأتراك في سبيل المسألة العربية ومثلهم الأعلى
ولم يكن لدى هذه الشبيبة إلى حين قيام الحرب العالمية إلا بعض المدارس الحكومية تلقن العلوم باللغة التركية وغير المدارس الأولية الخاصة لتتلقى فيها لغتها وآدابها. وأما العلوم العالية فلم يكن هناك سبيل إليها إلا القسطنطينية أو أوربا أو الأزهر
ولما كانت الدراسة العالية غير ميسورة إذن إلا للموسرين، والحكومة التركية لا تكترث لمصير الشباب العربي أضطر هؤلاء بمواردهم الخاصة إلى الخروج من هوة الجهل التي ألقوا فيها عمداً حتى يسلس قيادهم ويسهل إخضاعهم، إذ كانت سياسة الأتراك نحو العرب تركهم ضلالاً في ظلام الجهل
وفي خلال سني الحرب العصيبة قاد الشباب العربي حركة العصيان ضد المستعمر وانحازوا إلى الحلفاء الذين وعدوهم باستقلال البلاد بعد النصر، فهجر شباب الضباط والطلبة كلياتهم واستبدلوا بأقلامهم وكتبهم البنادق لإنقاذ ثقافتهم ونصرة حقهم بالمهج والدماء
ولشد ما كانت دهشة العرب بعد الحرب! أملوا من الحلفاء استقلال بلادهم بالوعود المأخوذة فإذا بهم يقسمونها إلى سوريا وفلسطين والعراق، لتكون تحت انتداب إنجلترا وفرنسا، دون أن يكون لرغبات العرب ومصالحهم حساب، وإذا بالعرب يقاسون بعد الحرب كما قاسوا قبلها عنت الحكم الأجنبي وظلمه، وكان لهذا التقسيم السياسي أوخم العواقب في تكوين العقلية العربية للجيل العربي بعد الحرب، فإن الطرق التعليمية المختلطة التي تمارس في هذه البلاد ترمي إلى تطورات متنافرة وعقليات متعارضة لتكسر من حدة الثقافة العربية والوحدة الوطنية مما عانت منه البلاد كثيراً ولاسيما سوريا
ثم كان من توزيع التعليم بين مدارس الحكومة الرسمية والمدارس الأجنبية الخاصة، كمدارس الفرير، والفرنسيسكان والجزويت، والاتحاد الإسرائيلي، والمدارس الأمريكية، وجميعها لا تخضع لأية رقابة، ومن تباين الطرق التعليمية المختلفة فيها، والتنافس القوي الأعمى بينها، شر النتائج مما لم يكن يقع غبنه وغرمه إلا على الشباب العربي وحده، فأفسدت الاتجاهات المختلفة والأهواء المتباينة والمؤثرات المتعددة روح الشباب، وباعدت بين بعضهم وبعض فأصبحوا كأنهم غرباء لا يجمع بينهم تفاهم ولا تناسق، فتردوا بذلك في عذاب أدبي مروع، وفوضى فكرية فظيعة، وجهلوا أو لم يعرفوا إلا لماماً أدبهم الوطني
стр. 4984
وتاريخ أسلافهم الباهر
وإن الشبيبة التي لا تتغذى ثقافتها الوطنية بالإعجاب بالماضي والزهو بالأسلاف، لا يمكن أن تتعاون وتعمل في سبيل رفعة الوطن فلقد لاحظنا أن طلبة مدارس الإرساليات مثلاً وجلهم من المسيحيين قد خلوا تماماً من الوطنية وحل مكانها التعصب الديني، وهذه حالة نفسية تساعدهم على قبول الاستعمار الأجنبي وتباعد بينهم وبين إخوانهم المسلمين.
على أن من الحوادث السعيدة والجديرة بالذكر أن نخبة من مفكري المسيحيين قد ألقوا منذ سنين نير الرق الأدبي، وبرئوا من الريبة التي خامرت النفوس ومدوا يد المودة إلى إخوانهم المسلمين.
أما تنظيم المدارس الحكومية فقد تم وفقاً للنظام الإنجليزي في فلسطين والعراق، والنظام الفرنسي في سوريا، دون أن يتفق مع حاجات البلاد.
وقد أنشأت هذه الحالة مسألة غاية في الدقة والخطورة، وهي مسألة توحيد التعليم القائم على الثقافة الوطنية، وتحقيق هذه السياسة التعليمية هو الوسيلة الوحيدة السريعة لإنضاج ذكاء الشباب العربي وتحقيق الوحدة مهما كان وسطها أو دينها. فتوحيد التعليم ينتج وحدة الفهم والتفكير والإرادة، وهي العوامل الثلاثة الأساسية اللازمة لتخلق في الشباب قوة التعاون على توحيد الجهود وإنهاض البلاد مادياً وأدبياً.
ولقد اشتدت الضرورة إلى وحدة التعليم بازدياد عدد الشباب المتعطش للدراسة، فإن عدد المقبلين على التعليم ازداد عقب الحرب كثيراً من الذكور والإناث على السواء. ومع ذلك فإن المدارس الرسمية أضيق من أن تسع الطلاب، مع أنه ليس للبلاد العربية مصروفات حربية، وميزانيتها تسمح بفتح مدارس جديدة وعلى الأخص في القرى كما تسمح بتحسين المدارس الحالية على وجه السرعة، وفي نظرنا أن هذا الواجب هو من أول الواجبات الملقاة على عاتق الحلفاء. فلماذا أهمل؟
ومن جهة أخرى، فإن المتعلمين يعانون الآن أزمة شديدة في جميع البلاد العربية لما يصادفونها من العقبات في المهن الحرة، إذ لا يجدون بعد سنين طويلة من الدراسة الطويلة الشاقة في أوربا أو في الوطن ما يحتاجونه من عوامل الكمال بعد أن سدت في وجوههم كل طرق الحياة أو ألقيت فيها العراقيل، دون أن تفكر أية حكومة في معونتهم وتمهيد
стр. 4985
الطريق لإنماء معارفهم وجني ثمار عملهم، بل أنهم أبعدوا عمداً عن وظائف الدولة وجميع الأعمال المتصلة بها تقريباً إذ يشغلها طبعاً رجال الانتداب، فرنسيون وإنجليز، وكل ذنبهم أنهم تنكروا لنظام الانتداب ففرت منهم معظم وظائف الإدارة في بلادهم، وحرموا من مورد عدل مشروع.
وهاكم مثلاً لتوضيح ما تقدم: إن بمجلس النواب كثيرين أميين، على حين أن البلاد تزخر بالمتعلمين الذين لا يبغون إلا أن يخدموا بلادهم بمعارفهم، وتفسير هذا الأمر أن حكومة الانتداب ترغب في توطيد مركزها بسهولة.
أما الوظائف القليلة التي شغلوها بعد لأي فلا تتناسب مع مستوى تعليمهم، والحاجة هي التي أرغمتهم على قبول وظائف أبعدتهم تماماً عما تخصصوا له، ولطالما خضعوا لرؤساء من رجال الانتداب لا يحملون أية درجة جامعية
وكذلك كانوا في ميادين الحياة الأخرى، تميز الأجانب عليهم وارتفعوا على أكتافهم بفضل سلطات الاحتلال
ولا ينبغي أن ننسى أن بالبلاد العربية أراضي شاسعة ما تزال بكراً كان يمكن أن تقوم بها مشروعات زراعية وصناعية فتشغل كل هذه الطبقة العاطلة
ولقد كان لهذه الأزمة الفكرية أثر نفسي سيئ في الشباب فألقوا نفوسهم دون وعي في أكثر الدراسات قدرة على تأمين مكسب متواضع سريع مما أدى إلى وقف النضوج الذهني وقتل الطموح
وأحس الجميع بهذه الأدوار المادية والفوضى الذهنية المنتشرة فإذا أضفنا إلى هذه الحالة المعنوية ما يعانيه الشباب من الإذلال والامتهان المستمرين فهمنا بجلاء سبب جنوحه عن غرضه الأصلي بالنسبة له ولبلاده واندفاعه بحرارة وحماسة نحو السياسة لكفاح الاستعمار الأجنبي الذي سبب كل هذه الأدواء، وهو لم يكن قد أدرك إلا بعد سنين طويلة أن حاله تزداد سوءاً، وأن بلاده تشرف على الهلاك، وأن الضرر لابد أن يقتلع من أساسه لكنه إزاء الصعوبات الحاضرة والانقلابات الاجتماعية المتوالية ظل مغلولاً محروماً من كل وسائل الكفاح فالحاضر يفلت منه إذ لا يعاونه نظام البلاد الاقتصادي والسياسي، والمستقبل لا يمثل له إلا نذيراً من الإبهام والقلق المخيف
стр. 4986
ولطالما شل المستعمرون المتعاقبون على البلاد الحركة الفكرية فيها فقاست منهم الأمرين
واليوم قد نهضت هذه الحركة برغم كل القيود، وأحس الشباب الذي يقاسي شر هذه الأدواء هذه الحاجة وترسم ذلك المثل، فهبت ريح من الوطنية الحارة تقوض كل الحواجز الزائفة التي وضعتها القوى الأجنبية، وتدعم أواصر هذا الشباب الذي وحد بينه التاريخ والعادات واللغة
وإن هذه الوطنية لتتغلغل اليوم بقوة في الطبقات الدنيا من هذا الشعب الذي قوته ذكريات ضحايا الحكم التركي ونظام الانتداب ودفعته لإنقاذ ثقافته وحريته
وقد بدت في هذه الأيام نفسية عجيبة في روح هذا الشعب، هي التعطش لتعليم الأبناء حتى يصبحوا قادرين على نيل الاستقلال وتتجه الحركة الفكرية بالشباب العربي نحو إحياء مجد أورشليم وبغداد القديم من الوجهة الذهنية والسياسية، وستستعين في ثقافتها بكل العوامل الضرورية لارتقائها روحياً وسياسياً.
(آسيا الفتاة)
أ. الجابري
стр. 4987
فصول مدرسية في الأدب الدرامي
الرواية المسرحية في التاريخ والفن
بقلم أحمد حسن الزيات
صفات العمل
من صفات العمل الأساسية الوحدة، والسرعة، وتوجيه الأثر إلى الذهن
فوحدة العمل هي اتحاد الأجزاء المختلفة التي يتركب منها العمل الروائي على إيجاد حادث واحد أو منعه. ولا يتحقق ذلك إلا بحصر الاهتمام كله في بطل الرواية، وجعل هذا البطل في خطر واحد لا يختلف من ابتداء التمثيل إلى انتهائه. لأن الخطر إذا زال انتهى العمل، والبطل إذا وقع في خطر غير الأول ابتدأ بوقوعه في عمل آخر. على أن العمل قد يكون مركباً متشعباً تملؤه التغيرات وتعوقه المفاجآت ولا يؤثر شيء من ذلك في وحدته. إذ يكفي أن تكون هذه التفصيلات وتلك الاعتراضات مسوقة إلى غرض واحد، موصلة إلى نتيجة واحدة. وقد يتسامحون أحياناً في تطبيق شرط الوحدة، فيكتفون في تحققه بأن يتحد الخلق الفعال في الرواية، فيجيزون أن تتنوع المواقف وتتعدد الحوادث ما دامت تدور كلها حول خلق واحد تحلله وتفصله
الوحدات الثلاث
ولقد كان القدماء من أشياع المذهب الأتباعي في فرنسا أثناء القرن السبع عشر يشترطون في العمل غير هذه الوحدةوحدتين أخريين: هما وحدة المكان، ووحدة الزمان، ويسمون ذلك قانون الوحدات الثلاث، وظلوا يطبقونه في غير لين ولا هوادة حتى ظهر المذهب الأبتداعي في صدر القرن التاسع عشر فهاجم هذا القانون فيما هاجم من قوانين القدماء. وكان من أثر هذا النضال العنيف بين أنصار المذهبين أن تجوز الأدباء في تطبيقه، وأغضوا النظر قليلا عن تحقيقه، فذهب ما يشينه من تكلف وتعسف، وبقي ما يزينه من دقة وتحديد. فماذا كانوا يريدون بوحدتي المكان والزمان؟ كانوا يريدون بوحدة المكان أن يفرض وقوع العمل كله في مكان واحد لا يتعداه، فإذا وقع في مدينة أو معسكر أو طابق بيت ظل ذلك المنظر واحداً في كل فصل من فصول الرواية من بدأ التمثيل وختامه. وإن
стр. 4988
اقتضى الحال أن يعمل أحد الأشخاص عملاً يحتاج إلى نقلة أو رحلة عمله خارج المسرح ثم نبأ به المشاهدين في وقته المناسب. وكانوا يريدون بوحدة الزمان ألا يستغرق العمل الروائي أكثر من أربعة وعشرين أو ست وثلاثين ساعة. وكان أرسططاليس يحتم ألا يتجاوز هذا الزمن دورة الشمس. وعلتهم في اشتراط هذه الوحدات الثلاث مجاراة السلف من الإغريق في سلوك هذه الطريقة، والمحافظة على الإمكانية بمقاربة الحقيقة؛ فإن الذوق السليم يقتضي أن ما يمثل في ثلاث ساعات أو أربع يكون قد حدث حقيقة أو فرضا في زمن يسير ومكان واحد. ولكن المحدثين يقولون لماذا تستطيع المخيلة أن تتصور الحادث لذي أتت عليه القرون حاضراً، ولا تستطيع أن تتعقب الحادث من مكان إلى آخر؟ وإذا قبلت مخيلاتنا أن يمثل لها في ساعة أو ساعتين ما لا يحصل إلا في يوم وليلة، فكيف ترفض أن يمتد العمل إلى ما وراء ذلك؟
الواقع أن الكتاب يتوسعون في هذه القاعدة حتى القدماء منهم ما داموا محتفظين بالإمكانية ووحدة الجاذبية. وقد أصبح اليوم تغيير المكان وتطويل الزمان من الأمور الميسورة على المسرح الحديث، فعالجوا الأول بإرخاء الستار هنيهة ريثما ينتقل الممثلون إلى مكان آخر - والستار ميزة لم تكن لمسرح القدماء من قبل - وعالجوا الثاني بتقسيم الرواية إلى فصول يفرضون مرور الزمن الذي يريدونه في الفترات القصيرة التي تتخللها. على أن هذا الزمن وإن يكن غير محدود لا ينبغي أن يطول حتى يخرج عن حدود الإمكان، فلا يجوز مثلاً أن يكون البطل صغيراً في الفصل الأول ثم يدركه المشيب في الفصل الأخير.
أما السرعة فيجب أن يكون العمل في الرواية أسرع منه في الملحمة، لأن الملحمة مسرحها الطبيعة، ومرماها ذهن القارئ، فهي تحتمل من التطويل والتفصيل والاستطراد والوصف ما لا تحتمله الرواية لضيق مسرحها وقرب مداها. فهي لابد أن تبدأ في عنفوان العمل وعلى مقربة من الحل، لأن طبيعتها من قوة الحركة وشدة الاندفاع، وما تحدثه في نفس المشاهد من شدة القلق وقوة الانجذاب، تأبى الإسراف في خلق الظروف وابتكار الوسائل، فلا تسيغها إلا بقدر الحاجة الملزمة. فالرواية ولا سيما المأساة، سيل يقطع السدود ويقتحم الحواجز، ولكن الملحمة نهر فياض ينحدر هادئاً طليقاً إلى مصبه، فيطول مجراه بكثرة منعطفاته وتعدد محانيه. وإذا امتازت الملحمة بالتنوع والغزارة والفخامة، امتازت المأساة
стр. 4989
بالسرعة والتأثير والحرارة.
بقيت الصفة الثالثة وهي توجيه الأثر إلى الذهن لا إلى الحواس، لأن المسرح إذا غلب التأثير في الجسم على التأثير في الفكر كان أقرب إلى الملعب وهو مظهر العجائب البدنية من الحيوان المروض والإنسان الممرن، وكان جزاءه أن يفقد سلطانه ومكانه في قليل من الزمن. وعلة ذلك أن التأثير المادي محدود متشابه، فلا يلبث الناس أن ترى أعينهم مداه وتتعود آذانهم صداه، ويدركوا أن ما قرع أسماعهم أول مرة من أصوات الألم المروعة، وأنات الاحتضار الموجعة، إنما هو صوت واحد متكرر الأثر، ويؤول الأمر بالمشاهدين والمؤلفين حتماً إلى أن يفقدوا التأثر منه والتأثير به لتشابه موضوعاته وتكرر مؤثراته. من أجل ذلك لا ترى على المسرح تفاصيل الحوادث المرعبة كالقتل مثلاً، بل يفرض حدوثها في ظاهره ثم تلقى إلى المشاهد على لسان شخص من أشخاص الرواية. ومسرح الإغريق نموذج المسارح في هذه السبيل. أما المسرح الروماني فقد دعاه غلظ الطبع وجفاء الشعور إلى أن يسمع النظارة أنين مصارعي الثيران وهم في سياق الموت، ويريهم دماء الضحايا وأشلاء القتلى مبعثرة على أرضه، فتأخر الفن الروائي عند الرومان من جراء ذلك كثيراً.
يتبع
(الزيات)
стр. 4990
في الأدب العربي
كثير عزة
مدى التطور في شعره، خلقه وخلقه، شيعي وشاعر الأمويين،
عشقه
بقلم عبد الحليم عباسي
يعجبك في الأدب العربي القديم ظاهرة جديرة بالبحث العميق، وهي شيوع هذا الأدب الغنائي، فالشعر الجاهلي الذي وصل إلينا لا يتعدى هذا النوع في الأعم، فهو غنائي في لفظه، وفي موضوعه، بينا تجده في الأمم ذوات الأدب لم يسم إلى هذا الضرب إلا بعد قيام الدولة وازدهار النهضة. . . فالشعر اليوناني لم يصل إلى هذه المرتبة إلا بعد أن اشتد أمرهم وعظم سلطانهم، فأخذوا يقيمون المستعمرات على شواطئ البحرين، وكذلك الشأن في الأمم الأخرى، فهو عند الرومان مثلاً لم تقع عليه قرائح الشعراء إلا بعد قيام الدولة ببضعة قرون، وهو في الأمم الأوربية الحاضرة كذلك قد ساوق النهضات وقيام الدول. ويجيء على الضد من ذلك في الأدب العربي، فقد نهض وما برح العرب يهيمون في أوديتهم القاحلة، لا يلم شعثهم بأس الدولة، ولا يحكم أمرهم شرف الملك؛ ولعل البحث في علة هذا يعود إلى ضرورة البحث في خصائص الخيالين: الآري والسامي، وإلى تفهم المزاج العربي الأصيل، مما نرجئه إلى وقت يكون أكثر ملاءمة من هذا الوقت الذي نخصصه للبحث عن كثير، وحسبنا هنا نشير إلى ذلك، وأن نشير إلى أن من هذا الشعر الغنائي ما يتصل بكل نفس، ويخلد على وجه الدهر، وهو الشعر الذي ينبعث من نفس الشاعر، لا يبتغي من ورائه غرضاً، وإنما يقوله إرضاء لرغبة الجمال والفن في نفسه، ومنه الغزل والحنين، وهو شائع في الأدب العربي شيوعاً كبيراً، استطاع معه أن يلون خيالهم، وأساليب تفكيرهم، وأن يجعل الرقة في الحديث والحوار، والبكاء على الدمن من أظهر صفات العرب. . ومن هؤلاء الشعراء الذين زادوا في ذخيرة الأدب الوجداني كثير بن أبي جمعة.
مدى التطور في شعره
стр. 4991
كانت الحقبة التي أعقبت عاصفة الفتح الإسلامي المجتاحة، والتي دوخت بلاد فارس، وأدخلت في حوزة المسلمين كثيراً من الأيالات الرومية، حقبة فيها شيء من الهدوء والاستقرار على الأقل - في الأطراف النائية عن مقر الملك الأموي، وكان من ذلك، ومن هذا الرخاء الذي اخذ يمتد بما هيأ له الفتح الإسلامي من فيء يفيض عن الحاجة، أضف إلى هدا ما اقتضته سياسة الملك من ضرورة مشايعة الشعر والأخذ بناصره أن نهض الشعر، وأزدهر سلطانه، وقامت له مدارس كثيرة من أشهرها هذه المدرسة التي لم يقتصر التطور على تغيير أسلوبها اللفظي، وإنما تناول مع القالب الشعري الفكرة، وكثير أقرب إلى هذه المدرسة منه إلى أية مدرسة أخرى. . .
وقد غايرت هذه المدرسة الأنماط الشعرية المتواضع عليها من القديم، فقد أنشأت القصائد يقصد بها النسيب فحسب، ويقصد بها موضوعات غير هذه المعروفة قديماً من الهجو والمدح والاستجداء.
وكثير وأن يكن من هذه المدرسة إلا أن العوامل والمؤثرات التي أثرت في نفوس أصحابها لم تكن عميقة الأثر في نفسه، فقد مدح وهجا، وكل ذلك بلفظ شيق سمح صقلته الحضارة الإسلامية التي بدأت تتفتح، وباعدت بينه وبين وعورة الأسلوب الجاهلي، وليس لذلك من تعليل غير أن النفسية العربية لم تتطور بعد التطور كله، ولم يحن لهذا التمازج الهين مع الثقافات والأمم الذي أخذ يظهر، أن يبدو عنيفاً. . كما أن كثيراً لم يك له هذا الحسب الباذخ والغناء الفاضح، الذي للعرجي وابن أبي ربيعة، فالزمن يقسره على المدح ويضطره إلى الهجاء، ليأخذ الجوائز والهبات، ويستفيد من موالاة هذه العصبيات التي أراد القابضون على مقاليد الأمر انبعاثها حية، ليطرد لهم الملك. . بعد أن جاهد الإسلام في إخفائها زمناً طويلاً. . .
ولكنه إذ يمدح يجانب بعض الشيء هذا المثل الذي يحتذيه شعراء العرب، وهو النمط الجاهلي. . فهو يضيف إلى رقته شيئاً من هذه الصور الوضاءة، التي بعثتها عيشة الهدوء والاستقرار.
إذا ما أراد الغزو لم تثن همه … حصان عليها عقد در يزينها
نهته فلما لم تر النهي نافعاً … بكت فبكى مما شجاها قطينها
стр. 4992
وهو يجيد بصفة خاصة مدح الملوك إجادة منقطعة النظير، حازت إعجاب معاصريه حتى كانوا يرون من أبرز صفاته القدرة على ذلك. فلا غرو بعد هذا إن كان أثراً عند ملوك بني أمية يعلمون أبناءهم شعره:
خلقه وخلقه
عن الوقاصي قالت: رأيت كثيراً فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فقد كذب، وقد تشاجر هو والشاعر الحزين، فقام كثير وحمل على الحزين ولكزه، فحمله الحزين في يده مثل الكرة، ورمى به الأرض. . وهو إلى ذلك دميم أحمر، أما أخلاقه فكان شديد التيه والكبر، كثير العجب بنفسه، تقع من ذلك على نوادر مضحكة. فمن ذلك أن بعضاً من فتيان قريش كانوا يتحدثون على مسمع منه، بأن كثيراً من تيهه لا يلتفت إلى ورائه، ثم يتبعونه بمن يسحب رداءه فلا يلتفت أبداً، وقد عرف عنه أنه أحمق وفيه غفلة، ولسنا نشك في ذلك، ولكننا نشك في عامة هذه الروايات التي تقص علينا نوادر حمقه، والتي توصله من الغفلة والانتكاس في العقل حداً يصعب تصوره، في مثل من هو مثله في قوة شاعريته. . فمن ذلك أنه قال لعمته مرة: أتدرين من أنا؟ فقالت: نعم، أنت فلان بن فلان، فقال: لا، وإنما أنا يونس بن متي!. . . وقال لأصحابه وهو في مأدبة الموت: سترونني بعد أربعين ليلة طالعاً على فرس عتيق من شعاب هذا الوادي. . وقد كان له إلى ذلك آراء في الرجعة والتناسخ، وهذه من العوامل التي جنت عليه في عامة هذه الروايات، فما عرف الناس منه هذا حتى راحوا يختلقون ويضيفون إليه شتى الروايات التي تؤيد مزاعمهم انتقاما من تيهه وكبره، ثم يتعاقب الزمن، فتصبح هذه المزاعم حقائق ثابتة يتناولها الكتاب دون ما نظر ولا تمحيص، وليس لدينا ما يقوي هذا الشك في صدق هذه الروايات، غير ما نلمحه في سيرة كثير من أنه كان محاطاً بزمرة حبب إليها التندر والفكاهة، ومن أولى بهما من هذا القزم الذاهب بنفسه. . من ذلك أن أبا هاشم عبد الله محمد بن علي وضع عليه من يأتيه بأخباره، فكان يلقاه فيحدثه بما كان منه في خلال يومه، وكثير يعجب من هذا، حتى جاءه يوماً بكلام جرى بينه وبين آخر، وقال له: لقد جرى منك اليوم كيت وكيت. . . فقال كثير: أشهد أنك رسول الله. . .
فمن هنا نرى مبلغ ولوع الناس بالعبث به حتى كانوا يرصدون له بمن كان يأتيهم بأنبائه،
стр. 4993
لا يسقط منها حرفاً. .
وزاد في الطين بلة أنه كان دعي النسب إلى قريش، وأكثر الرواة يلحقونه بخزاعة، ولكنه يأبى إلا أن يكون من كنانة قريش، ويأبى إلا أن يدل بهذا النسب المختلق على القرشيين أنفسهم، وإذا عوتب في ذلك وأعوزته الحجة قال: لديع النسب في قريش خير من صريحه في غيرها من القبائل. ومن هنا ندرك مبلغ ما انطوت عليه نفسه من حماقة، وما ركب فيه من تبجح وإدعاء.
على أننا إذا شككنا في كثرة هذه الروايات التي تمثل حمقه وغفلته، فلا نشك في انه كان دميماً إلى حد البشاعة، وكان تيهاً بنفسه، وهذا ما يكفي لصد لناس عنه واستثقالهم لظله.
شيعي وشاعر الدولة
من المعروف عن كثير أنه كان متشيعاً مغالياً في التشيع، وكان ملوك بني أمية يعلمون ذلك، ولكنهم يحسنون مع هذا وفادته، بل يذهبون إلى أبعد من هذا في إكرامه، فينعتونه بشاعر الدولة، وتعلل الروايات الإسلامية هذا بلطف مدخل كثير وجلاله في أعين الخلفاء، وهي قولة ليس فيها سداد منطق ولا عمق بحث. . فأين لطف المدخل عند هذا البغيض الروح؟ وأين هذا الجلال عند من لا يزيد طوله على ثلاثة أشبار ومن هو دعي النسب في قريش؟. . ولا سيما إذا علمنا بأن صدر الدولة الأموية لم يكن يتسع للشيعة، فكم أخذتهم بأساليب العنف والقوة، وكم صرعت من جلة الناس، وما حوادث زياد بن سمية وتنقيبه عنهم تحت كل حجر ببعيدة المدى، بل هذا الحجاج في العراق، يقتفي آثارهم ويأخذهم هبراً بالسيف وبعجاً بالرماح.
إذن فلا بد من أن يكون في الأمر شيء غير هذا الجلال المزعوم، ولطف المدخل الموهوم، مكن لكثير من أن يحتمله الأمويون، وأن يستحلفه الخلفاء بمجالسهم بعلي؛ إذا ما أرادوا أن يصدقهم بخبر دون أن يروا في ذلك غضاضة.
ولنبحث بإيجاز في طبيعة هذا التشيع الذي كان يعتنقه كثير فلعل فيه العلة، وما نخال إلا ذلك. . .
نشأت الشيعية فكرة بسيطة، تتلخص في أن علياً وأحفاده أحق بالخلافة من كل من عداهم، ثم أخذت تتطور هذه الفكرة حتى اصبح الشيعيون في هذه لفترة التي نكتب عنها فرقاً
стр. 4994
متباينة لا يستهان بها. . .
وأشهر هذه الفرق فرقتا الزيدية والأمامية، ومن هذه الأخيرة تتشعب فرق متعددة يختلفون في أشخاص الأئمة، منها هذه التي تنتظر خروج محمد بن الحنفية. وقد كان من أتباعها شاعرنا كثير، فهو يمدح هذا الأمام وينعت أحفاد علي بالأنبياء الصغار، وليس في طبيعة هذا التشيع ما يضير الأمويين إذ هو لا يتعرض للقضية الكبرى وهي قضية الملك والخلافة، وأن أحفاد علي أحق به من آل مروان، فقد ألهته هذه الأمور أو ألهى بها نفسه - لا ندري - عن القضية الأساسية الكبرى كما أسلفنا.
اقر الله عيني إذ دعاني … أمين الله يلطفُ بالسؤال
وأثنى في هواي عليّ خيراً … ويسأل عن بني وكيف حالي
هو المهدي خبرناه حق … أخو الأحبار في الحقب الخوالي
وسبط لا تراه العين حتى … يقود الخيل يقدمها اللواء
تَغَيَّب لا يرى عنهم زماناً … برضوى عنده عسل وماء
فهل ترى في هذا النوع من التشيع ضيراً على الأمويين؟ بل نزعم أكثر من هذا وهو أن الأمويون ما كانوا ليروا حرجاً في أن يشيع هذا النوع، ليمدوا أسباب الخلف بين فرق الشيعة من جهة، وليلهوهم من جهة ثانية، وما عليهم أن قعدت بهم هممهم، ينتظرون هذا الذي يقود الخيل يقدمها اللواء.
فلا جرم أن لم يأبهوا لتشيع كثير، وما عليهم وهو يجيد مدح الملوك، وقد تغلغل حب القرشيين في صميمه، يحب من والاهم، ويعادي من عاداهم، أن اتخذوه شاعرهم يقدمونه ويروون شعره، وهو بعد الشاعر البعيد الصيت، المستفيض الشهرة.
عشقه
يشك بعض الرواة، في أن كثير كان صادق العشق لعزة، ويدللون على ذلك بروايات نرى فيها اثر الاختلاف والتكلف، فمن ذلك أن كثير تبع مرة بثينة وقال لها متغزلاً:
رمتني على عمد بثينة بعدما … تولى شبابي وارجحن شبابها
فالتفت فرأى وراءه عزة فاستدرك وقال:
ولكنما ترمين نفساً مريضة … لعزة منها صفوها ولبابها
стр. 4995
وهكذا دواليك من هذه المزاعم التي يلحظ فيها الإنسان أثر الصنعة، ولا نعرف من أين غلب على الرواة هذا الظن، لعلهم ظنوه قلد جميلاً في غزله، دون أن يعرف قلبه هذا الحب المبرح. . والذي نعتقده ونحن ندرس شعره الذي تركه في عزة، فنرى اللوعة وبرح الهوى ووقدة العاطفة، أنه أحب عزة حباً قوياً جارفاً كما يقولون، وكان من أثر هذا الحب أن زفر بهذا الشعر الذي يحمل نجيع القلب، وذوب العاطفة؛ وهاك ما قاله فيها لما أخرجت إلى مصر، ولك أن تحكم:
وقال خليلي مالها إذ لقيتها … غداة السنا فيها عليك وجوم
فقلت له إن المودة بيننا … على غير فحش والصفا قديم
وإني وإن أعرضت عنها تجلداً … على العهد فيما بيننا لمقيم
وإن زماناً فرق الدهر بيننا … وبينكم في صرفه لمشوم
ولكن أنى لهذا الحب أن يدوم وقد فترت دواعيه. فمن الرواة من يشك في أن كثير رأى عزة واجتمع بها، والذي صح عندنا أنه رآها، ولكن في مرات معدودة، وأنها لم تكن تبادله الحب قوياً كحب بثينة لجميل بن معمر، فمن هنا مال لغيرها وقصد القصائد في أم الحويرث، وأخرى أسمها ظلامة، والمرء إذ يطالع شعره في هاتين، يراه بارد العاطفة ركيك الصنعة.
تقطع من ظلامة الوصل أجمع … أخيراً على أن لم يك الوصل ينفع
وقس هذا بهذين البيتين يقولهما في عزة:
واجمع هجراناً لأسماء إن دنت … بها الدار لا من زهده في وصالها
فإن شطحت يوماً بكيت وإن دنت … تذللت واستكثرتها باعتزالها
وأخيراً فشعره في عزة هو الذي زاد في ذخيرة الأدب الوجداني، ومحال أن يكون مجرد صياغة وصناعة.
عمان
عبد الحليم عباسي
стр. 4996
من طرائف الشعر
إلى شبان المسلمين
للشاعر الحاج محمد الهراوي
قل للشباب المسلمين تحيةً … من سلم ثبت إيمانه
ويزيده في الله حُسنَ عقيدة … ما جَّره الإلحادُ من خسرانه
الغربُ مجلبة الخسار جميعهِ … والشرقُ مفتتنٌ به عن شَانه
متودَدٌ، والغربُ لم يأبه له … لا في مودته ولا شناَنه
ماذا من الغربيِّ في إحسانه … والشر غلاَّ بٌ على إحسانه
ما زال يرمي الشرقَ من نيرانه … حتى تردَّى في لظَى نيرانه
في كل يوم معقدٌ لِلجَانه … والمشكلاتُ تئزُّ تحت لجانه
لو أخلص الغربيُّ في نيَّاته … ما ثَارت النيرانُ من بركانه
ما باله، والعدل من ألحانه … تبكي العدالةُ في صدَى ألحانه
لو يحفظُ الشرقيُّ طابعَ قومه … لم يطوِهِ الغربيُّ في سلطانه
أو كان يزهدُ في الحياةِ لعزِّه … ما هان بعد العزِّ في أوطانه
أو كان متبعاً لآي كتابه … لَمضَي، وهذا الدهرُ طوعَ بنانه
لكن سَبَتْهُ حضارةُ غربيةٌ … ألقى إلى مضمارِها بعنانه
أين الغزاةُ الفاتحون وأين ما … فتحت سيوفُ الله من بُلدانه
أين السراةُ الخيِّرون وأين ما … شادوا لدينِ اللِه من بُنيانه
أين البيوتُ العامراتُ بأهلها … سل كلَّ بيتٍ دالَ من سكانه
والأزهرُ المعمورُ أين مكانُه؟ … سل عنه: أين، وأنت فوقَ مكانه
فرِحوا وهم يبنون كلياته … فليفرحوا بالطوب تحت دهانه
من يوم أن نقلوه عن جُدرانه … قد طار سر الله عن جدرانه
فأسأل عن الأحياءِ من علمائه … والفتيةِ الأطهار من شبانه
المتَّقينَ اللَه حقَّ تقُاتِه … الحافظِين لدينِهم وكياَنه
العالِميِن بشرعة وكتَابِه … العامِلين بروحه وبَيَانه
стр. 4997
خرجوا وحتى الزي لم يبقوا لَه … ظِلاَّ لجبته ولا قفطانه
مولاي يا ملكَ البلادِ وذخرَها … وملاذَ هذا الدينِ عند هوانه
مصرٌ بأزهرها القديمِ كما بدا … بالطابع الموروث منذ زمانه
فأعِدْ إليه عهدَه وأستَبْقِهِ … تدفعْ به الإلحادَ في عُدوانه
أدعو شبابَ الشرق من أجناسه … وعلى اختلاف الشرق في أديانه
أدعو لجامعةٍ تضمُّ شَتاتَهُ … من صينِهِ الأقصى إلى تطوانه
إن لم يكن في الدين جامعة له … كبرى، ففي آلامه ولسانِهِ
ما بالُنا والغربُ غربٌ دائماً … في ظِلَّهِ نمضي وتحت ضمانه
فخذوا سبيل الدين فَهْوَ كفيلكم … ليردَّ سيلَ الغرب عن طُغيانه
والدين للدّنيا وللأخرى معاً … وسعادة الدارَيْنِ في قرآنِهِ
стр. 4998
أهذه الأرض؟
للأستاذ فخري أبو السعود
مَنْ غَازَلَ الرَّوْضَ حتى اْفتَرَّ جَذلاناً … وكان منقبضاً بالأمس غضبانا؟
ونضَّرَ الزرعَ فاخضرتْ لفائفه … وأنبث في الأرض آكاماً ووديانا
وأخرج الزهر من أقصى منَاَبِتِهِ … فرصَّعَ العُشْبَ أشكالاً وألوانا
وصاح بالريح حتى قرَّ ثائرُها … إلاَّ نسيماً بِعَرْفِ الزَّهر مَلآنا
وكفكفَ الغيثَ فانجابتْ عوارضُه … وكان لا يَأْتَلي هَطْلاً وتهتانا
وقَشَّعَ السُّحْبَ عن أُفْقِ السَّما فَبَدَا … طَلْقاً وَأطلعَ وجهَ الشمس ضَحْياَنا
وَرَدَّ غائلَ بَرْدٍ كاد يُهلكنا … عاتٍ وأَرسلَ دفئاً منه أَحيانا
أَهذه الأَرضُ ما زالت كما عُهِدَتْ … أَمْ بَدَّلَتْها جنودٌ من سليمانا؟
قد ظلَّ ملتحفاً بالدَّجْنِ محتجباً … حُسْنُ الطبيعة طولَ العامِ وسنانا
حتى انجلى فبدا من طول لهفتنا … إليه آخَذَ بالألباب عُريانا
وللطبيعة حُسْنٌ حيثما سفرتْ … في الشرق والغرب ساَب أينما بانا
ليست أَقَلَّ بأَرْض الثلج فِتْنَتُهُ … منها بِوَادٍ يغذِّي النَّخْلَ والبانا
وَدِدْتُ لَّما تمَشَّي في الجزيرة لو … يُتاح لي حماها الخُلْدُ أزمانا
عَلِّي أَعُبُّ مَلِياً مِن منَاَهِلهِ … ويفتدي القلبُ من رَيَّاهُ رَيَّانا
ذَرَعْتُها من جنوب الأرض مبتغياً … شمالها ممعنًا في السير إِمعانا
والشمس ترمي شُواظاً من أَشعتها … آناً وَيَفْتَرُ عنِّي وَقْدُها آنا
مُقَلْقَلَ الشخص تعلو بي غَوَارِبُها … حيناً وتهبط بي الأغوارُ أحيانا
تبدو على الأفق الآطامُ مائلةً … خلف المزارع أسراباً وأُحْدَانا
وَقَدْ عَلَتْ بينها الأبراجُ راسيةً … طَوَتْ بموضعها دهراً وحِدْثانا
إذا هَبَطْتُ قراها أو مدَائنَها … رأيت خيراً وإثراَء وعمرانا
ماجت بمن دَرَ جُوافيها ومن ركبوا … كالنمل تَعْمُرُ أَلْوَاذاً وكثبانا
وإن أَوَيْتُ لأَحضان الطبيعة لمْ … أُلَاقِ أَحْنى على الأبناء أَحضانا
أَهْدَتْ إِليَّ وفوداً من نسائمها … تترى وظلاَّ من الأغصان فينانا
стр. 4999
قدأَ مَّنَ العدلُ قُطَّاناً وَسَابِلةً … بها وظَلَّلَ أَجوازاً وبلدانا
وَفاََء للحق شعبٌ في منَاَكِبِها … عَلى الإباءِ لوَجْهِ الحقّ قد دانا
فخري أبو السعود
стр. 5000
زفرة
للأستاذ محمد خورشيد
ذِكّرُوني كيفَ أبتَسِمُ … قد طوى عهدَ الهَنا الألمُ
وشؤوني باتَ زاخرها … بدَمِ ابنِ الجنبِ يلَتطِمُ
وربيعي للخريفِ حَبَا … وشَبابي اغتاله الهرَمُ
أشتكي همي فيشمت بي … زمنٌ أنوارُه ظُلَمُ
أنا في ليلِ الشقا همدت … جذوتي وأجتاحني السَّحَمُ
لم يَشأ ليلي السُّرَى فغَفا … وطلبتُ الفجرَ أَعتصِمُ
فذوى في مهده أملي … حين زلَّت بالُمنى القَدَمُ
فحياتي - والأسى قدرٌ - … صفحاتٌ كلُّهُنَّ دَمُ
حسبوني بينَ مَن وُجِدُوا … ووجودي - لو دَرَوا - عَدَمُ
زفرةٌ كالجمرِ لاذِعةٌ … سَلَّها من صدريَ القلمُ
القدس
محمد خورشيد
أستاذ الأدب العربي بالرشيدية الثانوية
стр. 5001
خبيئة نفسي
للأديب سيد قطب
خبيئةَ نفسي، قد غفا الكونُ فأسفُرِي … وكوني سميري، بعد إذ نامَ سُمَّرِي
سها الدهرُ والأقدارُ رنَّقَها الكرى … وهوَّم في جوفِ الدُجَى روحُ خيرِِّ
يُطيف على العانين بالعطفِ والرضا … ويغمرُ بالإغفاءِ رأسَ المفكرِ
وينتظم الدنيا هدوءاً كأنها … عوالمُ في وادي المنى لم تُصوَّرِ
فلا صوتَ إلا خفقةٌ من جوانحٍ … كما خفقتْ للضوءِ عينُ المصوِّر
ولمَ يبقَ من هذي الحياةِ وأهلهِا … سوى طيفِها السَّاري بوادي التذكرِ
خبيئة نفسي من عهود سحيقةٍ … ومن جوف آباد مضت قبل مولدي!
أمسّكِ في أغوار نفسي ولا أرى … محيَّاكِ إلا كالخيال المشرد
علمتُكِ حتى أنتِ مِنّيَ بُضْعةُ … جهلتك حتى أنت في غير مشهدِ!
ويا لطالما أخلفتِ لي كلَّ موعدٍ … ويا لطالما ألقاكِ في غير موعدِ!
عجبتُ فكمْ مِنْ نفرةٍ تنفرينِها … على فرطِ ما تبديه من توددِ!
حديثُكِ من نفسي قريبٌ وإنما … إخالُكِ في وادٍ من التِّيهِ سرمدِ
خبيئةَ نفسي، ما ترى أنت؟ إنني … أريدك في جوٍّ من الضوءِ مَعلَمِ
أعنصرُكِ الأيمانِ والطهرُ أصلُه … وإلا إلى الكفرانِ والرجسِ مُنْتَمِ
وفي أيِّ وادٍ أنت تسرينَ خلسةً … ومن أي عهدٍ في الجهالات منهمِ
وكم فيكِ من نصرٍوكم من هزيمةٍ … تجاورتا في حشدكِ المتزَحِّمِ
وكم فيكِ من يأسٍ وكم فيكِ مأمل … وكم مِنْ تردٍّ أو وثوبِ تقحُّمِ
وكم فيك من حبٍّ وكم فيكِ بغضةٌ … ومن رشدِ إلهامٍ إلى خبطِ مظلمِ
خبيئةَ نفسي في ثناياكِ معرضٌ … لما لقيتهُ الأرضُ في الجولانِ
وفيك من الآباد سرٌّ وروعةٌ … وفيكِ صراعات بكل زمانِ
وفيك التقى الإنسان من عهد خلقِهِ … وفيكِ التقى الروحيُّ والحيواني
وإنكِ طلُّسْمُ الحياة جميعها … وصورتها الصغرى بكل مكان
أبيني إذن عن ذلك العالم الذي … تضمَّنتِهِ من صورةٍ ومعانِ
стр. 5002
أبيني أطالعْ في ثناياكِ ما مضى … وما هو آتٍ من رؤى وأمانِ
سيد قطب
стр. 5003
٢ - بين الشك والأيمان
بيرون
للأستاذ خليل هنداوي
تسمع قلبه يخفق، وتصغي إلى ضميره يهتف، فتعرف أن الشك قد فتح في قلبه الذي يريد ألا يحس شيئاً جراحات لم تفقده الحياة ولا يرجى له منه شفاء. (وباطلاً ترتسم الابتسامات على شفتيه، وباطلاً يتحرى الطرب عن سبيل ينفذ منه إليه في الليالي التي يثور فيها قلقه)، ويشبه نفسه بذلك الإكليل الغض ظاهره، الذاوي باطنه، وإزاء هذا الشقاء قد نراه ينتفض كالجبار فيقول بلهجة صارمة (ليقل عني من رآني حاني الجبين ومن أورثه قلق نفسي ضعفاً)
إن الشاعر لا يعاند في احتمال الشقاء، ولكنه يريد أن يقابله وهو قوي لا ذليل مستكين، يريد أن يصبر عليه كما يصبر الرجل عند البلاء، يريد أن يموت كالسراج الذي لا ينطفئ حتى يشيع ما حوله بشعلة ساطعة يختم بها حياته، ولكن هذه الانتفاضات المؤقتة سرعان من تتلاشى ليبدو وراءها (بيرون) نفسه.
يقول هارولد (إن آلامنا العاصفة تترك وراءها أثراً بعد ذهابها: قليل من شيء يسقط على ذلك القلب فيهزه إلى الأبد وقد يكون هذا الشيء نغمة شائعة، أو رنة موسيقية، أو ذكرى ليلة من ليالي الصيف، أو ربيع بهي، أو زهرة أو ريح، أو البحر الذي يفتح على حين فجأة جراحاتنا)
وراء هذه الخاطرات يكمن بيرون الذي يصف نفسه ونفوس كثيرين مثله، فهو سئم من الماضي القاتم، وهو شاك من الحاضر الظالم، ويائس ناقم من الغد القادم. تقرا في أسارير وجهه المتجعد هذه الآيات التي كانت كل همه في الحياة.
وروح بيرون هل ارتاحت إلى شقائها أو غلب عليها أمل في غد هو أزهى من الحاضر؟ وإنما يهمها من ذلك الغد أن تجتمع فيه إلى أحبابها وأصدقائها.
(وما عسى يحول إليه هؤلاء الأحباب المختفون؟ وهل نراهم بعد أن تواروا في الثرى؟ ألا يبقى منهم شيء غير الأسماء المنسية؟)
وقف بيرون على قبر صديق له مات في مقتبل عمره وقال: (هل يمكنني أن أومن أنك
стр. 5004
أمسيت لا شيء وأنت حي مقيم في ذاكرتي. أجل! إنني أعلم بأننا سنجتمع معاً. وهذا الوهم سيملأ فراغ قلبي)
وهكذا نجده لا يذكر المستقبل إلا مصحوباً بوهم أو بحلم، ولكنه وهم خلقته له الحاجة، فهو لو لم يرغب في لقاء من مات من أترابه لما خلق هذا الوهم.
وبيرون هو الذي يهتف: (أصدقائي يتهاوون على الثرى من كل جنس، وأنا سأرسو على الأرض كشجرة منفردة قبل أن يغشاه ذبول. يستطيع الرجال الآخرون أن يلوذوا بأهليهم وأنا لا ملجأ لي إلا عواطفي التي لا تريني في حاضري وفي غدي إلا الرضا الأناني ببقائي حياً بعدهم، إنني لشقي!)
وقد يبلغ به اليأس مبلغاً أشد وأقوى فيقول (أيها الإنسان! ترفع عينيك إلى السماء وأنت لاصق بالأرض، ألا يكفيك أن تعرف من أنت؟ وهل كان الوجود منحة ثمينة تنعم بها مرة ثانية بعد هذه؟ وترغب في التوجه إلى مكان لا أدريه، جل ما تطلبه أن تستعجل الفرار من هذه الأرض، والفناء في السماء)
وفي حالة يأس كتب بيرون هذه الفقرة (الموت! وا أسفاه! ذهاب دائماً! فإلى أين يذهبون! وإلى أين يذهبون؟ أسأحول إلى العدم الذي كنت فيه قبل حياتي وشقائي الحي؟)
وهذه الفقرة الثانية (الحياة تحلق بين عالمين: كالنجمة المعلقة في حاشية الأفق يكتنفها عالماً الظلمة والنور. إن أوقيانوس الزمن الخالد يمشي ويجرف معه (حبباً خفيفاً). الحبب القديم يتلاشى والحبب الحديث يتألف منفصلاً من زبد العصور. وخلال ذلك ترى بقايا هذه الممالك تجرفها أمواجه الهاربة)
ولكن هذه الثورة النفسية يتخللها شيء من الهدوء. أو قل هدوء الخضوع للقدر المجهول الذي يعمل دون أن يرى. فيخلق الشاعر من هذا الرضا شيئاً يبعثه على الرجاء فيناجي الموت قائلاً: (أيها الموت القاسي، قد ملكت مني كل ما تستطيع أن تأخذه: سلبتني أمي، ثم صديقي، والآن نزعت مني أسمى من صديق، ولكنني أنحني بوقار أمام الله) وإذا بهذا الوقار ينمو في نفس الشاعر ويوقظ فيه الأيمان القديم ويحني فيه حنيناً إلى السماء، فيأسف على القيود التي تحول بينه وبين الصعود إلى السماء التي تدعوه إليها بنظراتها الخلابة، وإذا بشعره تبدو على ديباجته مسحة روحانية صوفية.
стр. 5005
قال الكونت (غامبا): لأول مرة فتحت حديثاً دينياً مع الشاعر بيرون في نزهة لنا قضيناها على ظهور الجياد بين غابات الصنوبر، فكانت تلك العزلة باعثة على التأملات. فقال: والنهار مشرق الصفاء (كيف يشك الإنسان في وجود الله على الأرض إذا رفع عينيه إلى السماء وخفضهما على الأرض، ثم أنحدر بهما إلى نفسه، أفي استطاعتنا أن نشك في أن هنالك شيئاً هو أسمى وأبقى من التراب الذي نشأنا منه؟.) وهو الذي كتب قبيل وفاته: (يخيل إلي إن الإنسان إذا تأمل في أعمال الروح لا يستطيع أن يجد شكاً في خلودها، إنني شئت أن أشك، ولكن التأمل أبدى لي خطئي. أما هل حالتنا الثانية تشبه حالتنا الحاضرة؟ فهذا سؤال آخر. أما أن الروح هي خالدة، فهذا شان ثابت عندي ثبات فناء الجسد.) ولكن بيرون الذي يؤمن بالحياة الثانية نراه لا يؤمن بها على المثل الذي جاءت به الكتب الإلهية، فهو يجعل من الجنة مستقراً للجميع، ولا يود أن يحشر في النار أحداً. ويقول في هذا الموضوع: (إن كل بعث جسدي هو غريب منكر لا يقبل به العقل إلا إذا كان المراد منه إنزال العقاب. ولكن كل عقاب غايته الانتقام من المذنب لا تهذيبه فهو عقاب سيء غير أدبي. والأهواء الإنسانية هي التي بدلت - كما يتبادر إلى الظن - المذاهب الإلهية. والخلاصة إنه سر عظيم.) وتراه يطلب إلى الدين أن يحقق ما أبت الفلسفة أن تميط عنه اللثام: (ما هي الحقيقة؟ ومن هو الذي يملك دليلها؟ الفلسفة؟ كلا: لأنها تنفي كثيراً من الأشياء! الدين؟ بلى. ولكن أي دين؟ أما قد حان للإله أن يحيي إيماننا فيرسل إلينا نبياً جديداً.)
وهكذا تتوزع بيرون نوازع مختلفة، منها ما يدنيه إلى الجحود بعد أن تجهد نفسه في التنقيب والتفكر، فلا تصل إلى شيء. ومنها ما يصرفه إلى الإيمان بعد أن تكل عزيمته، ويأخذ منه الإعياء كل مأخذ. فآيته منها الآية الشاكة الجاحدة، ومنها الآية المؤمنة الزاهدة، هو كالعصفور الذي يود أن يحلق فيحلق في الأجواء حتى يبلغ الاوج الذي يستطيع، ثم يهبط ويرضى بهبوطه لأن ارتفاعه لم يغنه شيئاً.
وكيف انتهى بيرون؟ وهو الذي كان يرجو الموت فلا يلقاه. ويكرهه أشد الكراهية إذا تمثل في الانتحار، أراد موتاً شريفاً في ساحة الأبطال، فيمم أرض اليونان حيث دعاه داعي تحرير الإنسان من الإنسان، فوجد نفسه يحيط بها القلق ويغلب عليها الاضطراب. وهناك
стр. 5006
وهو في السادسة والثلاثين من عمره نظم مقطوعة ودع بها الشباب والحياة، وهو في أزهى ريعان الشباب والحياة، فلم يتمن إلا قبر الجندي البطل. فناجى نفسه قائلاً: (إذا فقدت من الحياة أعذب شيء، فمن أجبرك على احتمال هذه الأعباء الثقيلة؟ هي هنالك ساحة الشرف، فأذهبي واختاري مضجعاً عظيماً، اذهبي وتخيري موطناً يهدأ فيه رمادك ثم استريحي) وفي اليوم الموعود طار النبأ بأن (الرجل العظيم قد مات)
وقد أفرد النقادة الفرنسي (تين) في كتابه (تاريخ الأدب الإنجليزي) صفحات مختارة، تناول فيها الشاعر (بيرون) ووصف بحذق ودراية (مرض العصر) الذي فشا بين الأدباء، فأسقط كواكبهم، وصرع عظمائهم.
يقول تين: (وهكذا عاش ومات هذا الرجل العظيم التعس، فكان فريسة سمينة لم يعلق بمثلها مرض العصر، ومن حولها يتساقط الآخرون ضحايا. . . . . البعض انطفأ غارقاً في الذهول والنشوة، والبعض قتله السرور والغناء. أما هؤلاء فقد آل أمرهم إلى الجنون والانتحار، وأولئك غلب على أمرهم العجز والداء. وكلهم عاشوا ناقمين حانقين متألمين، وأشدهم عزماً من استطاع أن يحتمل جرحه حتى صار كهلاً، وأكثرهم هناء من تألم كما يتألم الغير، يحرص على جراحه وهي بريئة. قد ملأ أنينهم العصر كله ونحن وقوف حيلهم نصغي إلى قلوبنا التي تردد هتافهم همسا، ونحن كئيبون مثلهم، تسيطر علينا الثورة، فالديمقراطية قد فتحت مطامعنا دون أن ترويها، والفلسفة أضرمت رغائبنا دون أن ترضيها. فرجل الشعب يشكو وضاعته. والشاك من شكه!
وإنما هذا الرجل - كالرجل الشاك مصاب بسويداء حلت في قلبه قبل أوانها. . . . فتراه يستسلم بعواطفه للشعراء الذين يقولون باستحالة السعادة، وفساد بناء المجتمع وسقوط الإنسان
لا رجاء في شفاء هذا الداء. لأنه داء لا تقوى على محوه عوامل السرور ولا الدين ولا أي شيء. . . وطويلاً سيشعر الناس بأن عواطفهم ترتعش لأنين شعرائهم العظماء. وطويلاً سينقمون على قدر يفتح لأهوائهم فضاء بدون حدود، ولن يقدر لهم الشفاء حتى يحطموها. . . أن ذريتنا مصابة كالسابقين بهذا المرض نفسه. . إننا ذاهبون إلى الحقيقة لا إلى السكون، كل ما نستطيع أن نعالجه في هذه اللحظة هو عقلنا. . . إذ ليس لنا ما نؤخذ به
стр. 5007
عواطفنا، إن لنا الحق بأن نتفهم آمال غيرنا التي ليس لنا مثلها، وأن نهيئ لمن يأتي بعدنا سعادة لن نتمتع نحن بها، وستكون لهم أرواح صافية المعدن عند ما ينشئون في محيط صافي المعدن.
ولكن أين يكمن مورد هذا الصفاء؟ إن مورده العلم وحده، فإن في استخدام العلم وفي أدراك الأشياء، فناً وأدباً وسياسة وشريعة جديدة، وإنما واجبنا اليوم أن نتحرى هذه الأشياء)
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 5008
العلوم
فكرة النظام الشمسي عند العرب
بقلم فرح رفيدي
امتدت الممالك العربية في أيام الدولة العباسية، والكنيسة حينئذ في أول عهد نفوذها، وما قويت شوكة الخلافة في بغداد، حتى هدأت الزوابع السياسية التي كانت شديدة في أيام بني أمية، وانصرف هم الخلفاء إلى نقل العلوم اليونانية والزيادة عليها. وأقول كما قلت في أمر الكنيسة، إن العرب تلقنوا هذه العلوم، وخصوصاً علمي الهيئة والنجوم من اليونان، لكنهم شرحوها شرحاً أقرب للحقيقة مما شرحته الكنيسة. والسبب في ذلك واضح، لأن الكنيسة كان غرضها الأكبر من تفسير العلوم اليونانية المحافظة على مقامها وتعاليمها لدى الشعب، فأبقت العلوم لديها مختلطة بالدين أو جزءا منه. لكن العرب لم يختلط عندهم العلم بالدين اختلاطه عند الكنيسة، فكان ما نقلوه وزادوا عليه هو لأسباب علمية بحتة، وأيضا لم يكن عندهم هيئة خاصة كمحكمة التفتيش تحاسب الفرد على اعتقاده ودينه.
لكنا إذا سلمنا بكل هذا، فلماذا لم يحدث الانقلاب العلمي في أيام العرب؟ أي لماذا لم يتوصل العرب إلى حل رمز هذا الكون الجليل بطريقة تبين اعوجاج النظام اليوناني؟ نذكر لذلك سببين:
لما ابتدأ العالم العربي في نقل العلوم كان ذلك فقط في أيام المأمون في أوائل القرن التاسع للميلاد، أي في بداية العصر العباسي الثاني، ونعلم إنه قبل القضاء على الخلافة العباسية في القرن الثالث عشر للميلاد قامت دول شتى في كل أنحاء البلاد فعمت الفوضى وكثرت القلاقل والحروب، فلم يستتب السلام في أيام بني العباس إلا مدة قصيرة جداً. أي أن الوقت لم يكن كافياً للعرب ليقوموا بانقلاب أو تجديد في العلوم اليونانية، فإذا قابلنا مثلاً المدى الذي تطورت فيه حضارة اليونان بالمدة التي قام فيها العرب بنهضتهم العلمية وجدنا الفرق كبيراً. فلو اقتصرنا ببدء حضارة اليونان من عصر تاليس وبيتاغوراس فقط في القرن السادس قبل الميلاد، إلى عهد بطليموس وبوكليد في القرن الثاني بعد الميلاد لوجدنا المدة تقرب من الثمانية قرون. أما عند العرب، فيمكن أن يقال إن ترجمة العلوم اليونانية ابتدأت فقط من العصر العباسي الثاني، أي في ابتداء القرن الثالث للهجرة، وبقيت حتى أواخر
стр. 5009
القرن الخامس للهجرة وهي مدة لا تزيد على الثلاثة قرون. فإذا كان اليونان بعظمة نبوغهم، وباعتبار أن قسماً كبيراً من مدنيتهم مرتكز على المدنية المصرية القديمة، لم ينتجوا ما أنتجوه في أقل من ثمانية قرون، فكيف يقدر العرب أو غيرهم، أن يستوعبوا ما أبدعه اليونان من تعاليم طبيعية وفلسفية وغيرها في مدة لا تتجاوز ثلاثة قرون؟ خصوصاً والعرب كانوا حينئذ أمة جديدة على الحضارة، لم تتعود ما أعتاده اليونان قبلا.
زد على ذلك أنه لو لم يعتن العرب بعلوم اللغة والدين والتوسع فيهما توسعاً زائداً، في عهد بني أمية وما بعده وصرفوا اهتمامهم الكافي لبعض العلوم اليونانية، لكان العرب عندئذ أولى بأن يقوموا بحركة علمية جديدة.
لم يكن علماء العرب في ذلك الوقت راضين عن النظام اليوناني أو محبذين له. فإنه عندما بدأ العرب ترجمة العلوم اليونانية، ورأوا فكرة اليونان في المجموعة الشمسية، وما هي عليه من التعقيد والتناقض وعدم تلاؤم أجزائها ببعضها داخلهم الشك في صحتها وارتابوا في كثير من أقسامها. وجعل هذا الشك منهم عيوناً دقيقة الملاحظة، حريصة في التنقيب، لا تدع شيئاً مهما كان حقيراً دون بحث أو تفسير. ولم يتركوا سبباً إلا فحصوه وشرحوه ووازنوه مع غيره من الأسباب، وقابلوه مع ما تأتى لها من نتائج أرصادها، فأنقصوا من النظام اليوناني أشياء، وزادوا عليه أشياء، واعتمدوا في كل شروحهم وتعليلاتهم على ما يستسيغه العقل ويقبله المنطق محاولين بذلك اتباع طريق غير طريق بطليموس وشرح نظام جديد ربما تصوروه ولكن لم يدون.
قام حينئذ من العرب ابن رشد وابن طفيل وتلميذه البتروغي في القرن الخامس للهجرة، وانتقدوا كتاب الماجسطي حتى أنهم لعدم اكتفائهم بتفسير النظام البطليموسي أتوا بأفكار مبتكرة في حركات الكواكب السيارة، وألفوا نظاماً جديداً يقال له خلاف النظام اليوناني، فأنكروا وجود الدوائر الصغيرة وبذلك عللوا حركة الكواكب من الغرب إلى الشرق وبالعكس تعليلاً مخالفاً لكتاب الماجسطي، ومنهم من اعتقد أن الكواكب لم تبعد مسافة واحدة ثابتة عن دائرة البروج بل هي في أبعد مختلفة، إذ هذا هو السبب في اختلاف شدة الضوء المنبعث منها.
ومن المشهورين في تطور النظام الشمسي من العرب الخوارزمي سنة٢٢٠ هـ. وهو
стр. 5010
صاحب الأرصاد المختلفة والمرتبة بنظام خاص يقال له الزيج
والفرغاني سنة ٢٢٥هـ. وله قياسات في أبعاد وأقطار الكواكب الخمسة، وكتابه (كتاب في الحركات السماوية وعلم جوامع النجوم) ترجمه أكثر من واحد إلى اللغة اللاتينية.
وثابت بن قرة (سنة ٢٣٥هـ) ويعد اكبر المشتغلين في العلوم الهندسية من العرب، أصلح ترجمة إسحق بن حنين لكتاب أقليدس، ووضع عدة شروح عن النظام اليوناني، محاولاً فيها كلها ابتكار نظريات جديدة، وشروح سهلة لدرس النظام البطليموسي، وله أرصاد مختلفة في قياس بعد الشمس وتحديد السنة الشمسية، وقد أضاف فلكاً تاسعاً إلى النظام القديم وراء فلك النجوم الثوابت، وكان أول من وصف الكرات المتراكزة من العرب.
البتاني سنة ٢٧٠هـ. وهو الذي اشتهر بدقة أرصاده من أيام هبارخس إلى كوبرنيكس، حتى فاق الخوارزمي بدقة ملاحظاته في الكواكب السيارة. وكان من منتقدي بطليموس وقد وجد ميل دائرة البروج عن دائرة خط الاستواء ٣٥َ ٢٣ْ وهو رقم مطابق لقيمة الميل الحديث، وعمل ملاحظات دقيقة عن القمر واختلاف حركاته، وعن أوقات الخسوف والكسوف. وهذا ما قاله عنه ابن خلكان. (له الأعمال العجيبة، والأرصاد المتقنة، وأول من أبتدأ بالرصد سنة ٢٦٤هـ، وله من التصانيف: الزيج، وكتاب معرفة مطالع البروج، وشرح أربع مقالات بطليموس، وأصلح قيمة مبادرة الاعتدالين، وقيمة ميل دائرة البروج على دائرة خط الاستواء).
الزدكلي سنة ٤٦٠هـ. اشتهر بصنع أدوات الرصد وخصوصاً الأداة المسماة بالصفيحة وهي لقياس أبعاد وأقطار الكواكب السيارة. كتب شرحاً ترجم على أيام الملك الفونسو ملك وقد أخذ عنه وعن البتاني كوبرنيكس في تعليل نظريته الجديدة
ولعل أشهر التجارب العملية التي قام بها العرب أيام المأمون
هو قياس الدرجة من خط نصف النهار، بواسطة ثلاثة أخوة
يقال لهم بنو موسى، وبطريقة غير التي عمل بها اليونان
الأقدمون ذهبوا إلى موضع في سهل سنجار في العراق، فذهب
بعضهم شمالاً والبعض جنوباً حتى رأوا في الشمال النجمة
следующие страницы →