Полный текст (65 431 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لا بد من تقليم أفرعها، كي لا تطول مُصعِدَة، وينتج عن هذا خروج أفرع جديدة من جوانب الأفرع المقلمة، أفرع تكتسي كلها بالورق فيكثر المحصول من الأوراق. وبعد قطف الأوراق تنشَّر على حصر لتجف وتذبل، ثم تدرج وتبرم باليد في ضغط على أسطح من الخشب، والقصد من ذلك تكسير الخلايا لتجود بزيتها العطري، فتطيب رائحته. ويعقب ذلك عملية الاختمار فتعرض الأوراق لدرجة حرارة تتراوح بين ٣٥، ٤٠ درجة مئوية، فتتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر، ثم يقتم لونها إقتماما، وذلك بسبب الخمائر التي فيها، فهي تؤكسد بعض حامض التنيك الذي بالورق، فتستحيل إلى مادة ذات لون قاتم تكسب الشاي لونه المألوف. وعملية الاختمار هذه من الأهمية بالمكان الأول، وعلى إجادتها تتوقف جودة الشاي.
أما الشاي ذو اللون الأخضر الذي يباع في الأسواق فيحضر بطريقة كطريقة الشاي الأسود الآنفة، غير انه يحمص قبل تخميره في أوعية تسخن بالغاز تسخيناً هيناً، وهذا التسخين يقتل بعض تلك الخماير التي كانت سبباً في أكسدة حامض التنيك، وفي إحداث اللون القاتم، فإذا تخمرت الأوراق بعد ذلك، قامت بالتخمير بقية الخمائر التي لم يقتلها التسخين، ولهذا يظل الشاي حافظاً لشيء من إخضراره الأول وانفتاح لونه.
والشاي يحتوي مواد كيميائية كثيرة، أهمها ثلاثة أصول: أولها الزيت الطيار، وهو الذي يكسب الشاي نكهة تصعد إلى أنف شاربه فتجد منها السبيل إلى قلبه ونفسه. ومقدار هذا الزيت بالغ في القلة، ولعله لو زاد لما طاب الشاي شرابا. وثانيهما حامض التنِّيك، ويسمى التنِّين كذلك؛ وهو مادة صلبة سحيقة بين البياض والسمرة تذوب في الماء. ويبلغ مقدار التنين في الشاي على العادة من ١٠ إلى ١٧ في المائة من وزن الأوراق. والتنين قابض شديد، تعرف أثره في لسانك إذا تذوَّقته. وسبب قبضه انه يرسِّب الزلال والمخاط اللذين باللسان والفم، وبأغشية الجسم الأخرى كالتي تتبطَّن بها القناة الهضمية من معدة وأمعاء. فتجف تلك الأغشية وتنقبض وتقل إفرازاتها. ولذلك كان التنين دواء للإسهال، ودواء للالتهابات التي تعتري القناة الهضمية. فانه فضلا عن تقليل الإفرازات، فإن الراسب الذي يحدثه عند التقائه بمخاط جدران الأمعاء الملتهبة، يقي هذه الجدران مس الطعام في سيره واحتكاكها بما فيه من بقايا خشنة مؤذية. ويستخدم التنين دواء للثة الدامية، وفي التهاب
стр. 527
الحلق فيتعاطى غرغرة. هذه كلها لا شك فضائل ولكن في المرض، أما في الصحة فهي مؤذيات يزيد أذاها بالإسراف من شرب الشاي. فمن ذا الذي يحب الإقلال من إفرازاته الطبيعية التي عليها مدار الهضم؟ ومن ذا الذي يحب أن يستعيض عن معدته الطرية الملساء بما فيها من مخاط بمعدة كجلد القرب؟ عرفت سيدة عجوزا يؤذيها الشاي خفيفا، ولكنها تستريح عليه إذا كان ثقيلا كلون الدم السكيب. وكانت تتتعاطاه في بدء كل طعام وفي آخره؛ وما ذاك الا أنها كانت قريحة المعدة لا تحتمل مس الطعام وإن لان. ولكن ليت شعري عمَّ يتساقاه فلاحونا عافاهم الله، فتلك بكارجهم لا تكاد تطفأ من تحتها النار، فيقذفون فيها بالماء فالشاي، فالماء فالشاي، حتى يصبح الشراب أقتم من طالعهم الأسود، أعن أمعدة قريحة يتساقونه فيجدوا فيه شفاء من ألم؟ أم لأنهم لم يجدوا في سوء الغذاء وقلته وفي الامراض الكثيرة المتوطنة بمصر كالبلهارسيا والانكلستوما أداة كافية لهد قواهم فاتخذوا من الشاي في العقد الاخير أداة جديدة تقتل في بطأ وطول؟
وثالث الأصول التي بالشاي وأهمها مادة قلوية تسمى بالكافيين، وإن شئت قلت القهوتين، وإن شئت قلت الشايين، وهذه كلها معناها الأصل الفعّال في الشاي أو في القهوة المتعارفة؛ فالأصلان واحد. وهذا الأصل أهم ما في هذين الشرابين من الأصول الطبية. أما أثره فيظهر في مراكز المخ العليا، فهو يزيد في يقظة العقل عامة، وفي المقدرة على الحكم في الأمور وعلى حسن الاستنتاج، وربط الفِكَر. وهو يذهب بالتعب عقليا كان أو جثمانياً. ولعل شرب الناس له في العصر بعد انقضاء أكثر عمل اليوم، كان لحكمة اهتدى إليها الشاربون بغريزتهم. وهو فوق ذلك يدرّ البول.
وللشاي في الأمم المدنية الحديثة أثر اجتماعي كبير، فقد اتخذت منه تلك الأمم وجبة خفيفة، خفيفة على المعدة وعلى الجيب على السواء، يجتمع عليها أهل الأعمال يتحدثون برهات قصيرة، وأهل المودة يتسامرون ساعات قليلة، ويلتقي عليها الأحباب في برء وعفة، يتجاذبون أطراف الأحاديث الحلوة، ببطون بالطعام خفيفة، وقلوب بالحب مفعمة ثقيلة.
стр. 528
القصَص
يوم عصيب في جبل المقطم
للأستاذ محمد الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات
بوزارة المعارف
كان ذلك في يوم جمعة في شهر فبراير سنة ١٩١٩، ولم أكن وقتها حديث عهد بجبل المقطم، أو قليل خبرة بوديانه وطرقاته، ولكنها حالة طارئة من النوع الذي يبتلى به رواد الصحراء. فتودي بهم أو تجعلهم يتخبطون فيها على غير هدى، إلى أن تنتشلهم العناية الألهية (كانت تجربة قاسية ولكن الله سلم)، ولا يظنن القارئ أن هذه التجاريب وأمثالها تصد رواد الجبال والصحراوات عن رحلاتهم، بل هي مما يزيد في خبرتهم وحماستهم ويجعلهم (معيدين) يقدمون غير هيابين أو وجلين.
خرجت من منزلي في هذا اليوم في الصباح الباكر، وبصحبتي أحد الأصدقاء نقصد زيارة الغابة المتحجرة الكبرى بجبل المقطم على أربع ساعات من القلعة بالسير الحثيث جهة الجنوب الشرقي وكان اليوم صحواً، والطقس معتدلا، والهواء ساكناً، وكنا على عزم أن نعود بعد الظهر بقليل، فلم نأخذ معنا ماء ولا طعاما سوى شطيرتين (سندوتش) لكل منا. وكانت ملابسي خفيفة وليس معي من مرافق الرحلات الجبلية سوى عصا قصيرة.
وصلنا المنشية في منتصف الساعة السابعة، ثم درنا حول القلعة من جهة (عرب اليسار) وبعد أن اجتزنا تكية سيدي المغاوري أخذنا نرتقي الجبل؛ وبعد نصف ساعة وصلنا هضبة المقطم السفلى، وبعد أن مررنا بقلعة الجبل ومقام سيدي
الجيوشي أخذنا طريقنا إلى هضبة المقطم العليا، ثم أخذنا نسير في نفس الطريق الذي يسلكه عادة الذي يقصدون (عيون موسى) وبعد ساعة مررنا بعيون موسى، ثم انحدرنا إلى وادي اللبلابة وهو واد متسع قليل الارتفاعات، فأخذنا طريقنا فيه متجهين نحو الجنوب وبعد ساعتين من عيون موسى وصلنا الغابة المتحجرة الكبرى بعد أن قطعنا نحو ١٨ كيلو متراً.
كانت الساعة وقتئذ العاشرة والنصف. وكنا على أحسن ما نكون نشاطاً وسروراً، وكانت الشمس ساطعة، والهواء دافئاً منعشاً، وبعد أن استرحنا قليلا تناولنا ما كان معنا من الطعام.
стр. 529
ثم انطلقنا نجوس خلال الغابة باحثين مستطلعين. فهذا جذع شجرة ملقى على الأرض تخاله من بعد أنه جذع شجرة حقيقي. فإذا تبينته عن قرب وجدته قطعة من الصخر الرملي. فالرمل قد حل مكان الخلايا النباتية بألوانها وأشكالها وتعرجاتها، وإذا طرقته بقطعة من الصخر أعطى صوتاً له رنين المعدن (وهذا فرع شجرة حل به ما حل بالجذع) وقد قضينا في الفرجة نحو الساعتين، وكان كل شيء حتى الآن على ما يرام، ولكن لم نكد نتهيأ للرجوع حوالي منتصف الساعة الواحدة. حتى شعرنا بأن ريحاً شمالية غربية باردة بدأت تهب في وجوهنا، ثم تلبد الأفق من جهة الغرب بسحب كثيفة، وزادت سرعة الريح. وبعد قليل انتشر في الجو ضباب كثيف وحوالي الساعة الواحدة سقط رذاذ خفيف وبدأت الشمس تحتجب وراء السحب.
فلما تغير الحال كما رأيت عولنا على العودة مسرعين، فاتجهنا نحو الشمال الغربي قاصدين السير في نفس الطريق الذي سلكناه في الصباح ونظراً لتلبد الجو بالضباب واختفاء الشمس. اعتمدنا في تعرف الجهات على هبوب الريح، فجعلنا نسير في الاتجاه المضاد لهبوبه. وبعد أن سرنا نحو ساعة بالسير الحثيث لحظت أن معالم الطريق بدأت تتغير. فلم أهتم لذلك ظناً مني أنه ربما انحرفنا قليلا جهة الشرق أو الغرب، ولكن بعد ساعة أخرى أدركت أني أسيره في طريق لم آلفه من قبل فساورني بعض القلق وأخذ صاحبي يسألني عن موضعنا بالنسبة للقلعة ومتى نصل وهكذا من الأسئلة المتنوعة، كنا قد وصلنا في هذا الوقت إلى واد صخري عميق ظننته لأول وهلة وادي عيون موسى. ولكن بعد أن نزلناه وسرنا فيه قليلا تأكدت انه غيره، وهنا أمطرتنا السماء مدراراً فتبللت ملابسنا وتوحل الطريق فأعاقنا عن السير، ثم برد الجو، فلم نر بداً من الالتجاء إلى مغارة قريبة لنستريح فيها قليلا، فلما خف المطر استأنفنا السير في نفس الاتجاه، وبعد ساعة أخرى أدركت تماماً أني أسير على غير هدى وأيقنت بعد أن تنكر الطريق أني قد ظللت، فتملكني ضيق شديد وساورتني المخاوف وأخذت أندب سوء المصير في هذه المفاوز حيث لا ماء ولا طعام ولا غطاء، ولكني وجدت من الحكمة ان أخفي حالي عن صاحبي، فكتمت كربي وتكلفت الاطمئنان تكلفا وكنت كلما سألني عن القلعة وعن سبب تأخرنا أجبته أنا لابد واصلان إن شاء الله، ولكن بالرغم من محاولتي إخفاء اضطرابي وتصنعي الهدوء لحظ
стр. 530
صاحبي في وجهي شدة الحيرة والقلق، فأخذ يشكو الجوع والبرد والتعب، وزاد الطين بلة أن ثارت في وجهنا في هذه اللحظة زوبعة رملية شديدة وهطل المطر كأنه أفواه القرب فعميت عيوننا وأصبحنا غرقى في لجة من الماء والوحل، وكنا عندئذ نسير على ظهر جبل عال لا يزيد عرضه على عشرين متراً، وعن شمالنا واد عميق جدرانه قائمة كالطور ولا يقل انخفاضه عنا عن مائة متر أو يزيد، وعن يميننا واد آخر كالأول الا أنه أكبر اتساعا وأقل انحداراً، وكان الظلام منتشراً في كل مكان، وريح باردة
عاتية تسفي في وجوهنا الرمل والتراب باستمرار، فتعذرت الرؤية واشتد بنا الكرب وتوقعت في كل خطوة أن نهوى في هوة عميقة أو نسقط على الأرض من الإعياء. طلب مني صاحبي ونحن في هذا الموقف الحرج أن نأوي إلى ملجأ يقينا البرد والمطر وشكا إلى ما حل به من التعب المضني. فطيبت خاطره وشجعته ثم أفصحت له عن حقيقة موقفنا بكلمات قليلة ورجوته أن يصبر، وقلت له أن الليل قد داهمنا وليس لنا من واق في هذه الجبال الا رحمة الله. وأن الوقوف عن الحركة يضر بنا فملابسنا مبللة وبطوننا خاوية والبرد قارص ولا فائدة من التذمر، ثم أردفت ذلك قائلا: ربما كنا أقرب إلى السلامة مما يبدو لنا الآن. فلما وقف صاحبي على ما نحن فيه اضطرب كثيراً ولكن لم يلبث لحسن الحظ أن سلم أمره لله وقال سر بنا وسأتبعك فالله سبحانه يتولانا بلطفه وهدايته. ثم قال: ولماذا لا نسير في عكس اتجاهنا خصوصا وإنا قد جربنا السير في اتجاه مضاد للريح ولم نصل إلى غاية. فقلت له ربما لحظت أني دائما أسير والريح في وجهي وذلك لأني أعلم أن هبوب الريح في مصر في هذا الشهر من السنة يكون عادة من الشمال الغربي أو الغرب، فالسير في هذا الاتجاه أسلم عاقبة ما دمنا لا نملك وسيلة أخرى من وسائل الاهتداء إلى الجهات الأصلية. ولا بد أن يؤدي بنا السير آجلا أو عاجلا إلى وادي النيل. فقال عسى! ثم سكت. وبعد أن قطعنا مرحلة أخرى رأيت من الحكمة أن التجئ إلى الوادي بسبب الظلام الدامس والبرد القارص فاخترت نقطة ظننت أنها ربما تكون أقل خطورة للهبوط إلى الوادي، وأشرت إلى صاحبي أن يتبعني وأن يكون حريصاً منتبها وأن يستجمع كل قواه حتى لا تزل قدمه فيهوى إلى الحضيض، فأومأ بالإيجاب، وفي أقل من نصف ساعة وصلنا بطن الوادي بسلام وبعد أن استرحنا قليلا أخذنا طريقنا متبعين تعاريج الوادي قائلاً
стр. 531
في نفسي إن كتب علينا البقاء في هذه البيداء هذه الليلة فسنجد في إحدى المغاور ملجأ وحماية.
بعد أن سرنا في الوادي نحو كيلومتر فطنت إلى أننا متجهان نحو منبع الوادي من اتجاه الحشائش في أنحائها. فعدنا أدراجنا مؤملا إن نحن واصلنا السير أن نصل إلى مدخل الوادي في وقت قريب، وعندها ربما نهتدي إلى طريق يوصلنا إلى مكان يكون لي به معرفة.
في هذا الوقت العصيب ظهرت بارقة أمل على غير انتظار بددت كثيراً من غمنا وكآبتنا وأعادت إلينا شيئا من الطمأنينة والثقة، كانت الساعة السادسة والنصف مساء عندما أدركت أن لي بالوادي الذي نسير فيه معرفة سابقة من بعض الشواهد والعلامات. وبعد قليل ترجح عندي من تعاريج الوادي ونظامها إنا نسير في (وادي دجلة) ثم لم نلبث طويلا حتى ثبت لي من علامة مميزة في الحائط الجنوبي للوادي، وهي فتحة مغارة لها شكل خاص، من أن الوادي هو وادي دجلة حقيقة، فكدت أطير من الفرح وأخذتني نشوة سرور أعجز عن وصفها ولا يشعر بمثلها الا من كان في مثل موقفنا وحالتنا عندما تنتشله العناية الإلهية من ضيق مهلك إلى سلامة مؤكدة، ثم أخذت أفكر فيما عسى أن يكون قد جرى لنا حتى تحولنا عن وجهتنا الأصلية إلى هذا الوادي.
ووادي دجلة واد طويل يبلغ طوله من مدخله حتى نهايته نحو أثنى عشر كيلومتراً، كثير التعاريج ينتهي بشلال غاية في الجلال. يقصده كثيرون من محبي الرحلات الجبلية للتفرج على مشاهده الفريدة ومناظره البديعة ويقع مدخل الوادي في الشرق من (طره) وعلى بعد ساعة ونصف منها، وتمتد بينهما سلسلة من التلال تخفي مدخل الوادي وتجعل الوصول إليه متعسرا. وعقب الأمطار الغزيرة يترع الوادي بالماء ويخرج منه أحياناً سيل جارف يهدد المنطقة حول طره بالإتلاف والغرق.
وبعد أن بشرت صاحبي بالخلاص من الورطة، وبعد أن انتعش وعادت إليه بشاشته أخذت ونحن نسير في الوادي أقص عليه بعض ما صادفته من المواقف الحرجة في رحلاتي السابقة وكيف كنت أخرج منها في كل مرة سالما بتوفيق الله. وبفضل الاطمئنان ورباطة الجأش وقوة ذاكرتي التي تحفظ كثيراً من العلامات المميزة للجبال والوديان التي أزورها.
стр. 532
المبارزة
للكاتب الروسي اسكندر بوشكين
لا يعبأ الذين يعيشون في العواصم بالحوادث الصغيرة لانشغالهم بما
هو أهم وأخطر. ولا يتصورون ما يكون لهذه الحوادث على ضآلتها
من الخطر والأثر في المدن الصغيرة والقرى البعيدة. . مثال ذلك
وصول البريد، ففي يومي الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع تكتظ مكاتب
المعسكر بالناس. هذا ينتظر نقوداً وذاك رسالة وهؤلاء يسألون عن
الصحف. كل يتلقف ما له في شغف واهتمام. وأذكر أن رسائل سيلفيو
كانت تعنون إلى معسكرنا، وانه كان يزورنا وقت وصول البريد
لتسلمها. وفي أحد هذه الأيام تسلم خطابا، فلما لمح اسم الجهة الصادر
منها حتى لمعت عيناه وأسرع بفضه وقراءته في تأثر وحماس.
وبالطبع لم يدرك أحد سواي هذه التغيرات التي بدت في ملامح وجهه
وحركات يديه لانشغال الجميع بقراءة رسائلهم.
وبعد لحظات التفت الرجل إلينا قائلاً (يضطرني العمل إلى مغادرة القرية هذا المساء، وأنا لذلك أدعوكم لتناول الغداء معي اليوم للمرة الأخيرة، وكلي أمل ألا أحرم من لقائكم جميعا) ثم أشار إليّ بالذات وقال (وكم أتمنى أن أراك بينهم!) ثم أسرع بمغادرة المكان كما أسرع كل منا إلى جناحه الخاص بعد أن اتفقنا على إجابة الدعوة.
ووصلت إلى منزل سيليفيو في الساعة التي عينها فوجدت ضباط الفرقة جميعا هناك، ورأيت كل أثاث المنزل قد جمع وربط استعداداً للرحيل، وأبصرت الجدران عارية من أغلفة الرصاص. . جلسنا إلى المائدة وأكلنا هنيئا وشربنا حتى ثملنا، وكنا نكثر من الخمر التي ما أن نصبها في الكؤوس حتى تغرينا بزبدها ورائحتها فنتجرعها، ولما انتهينا (وكنا قد أطلنا الجلوس) لبسنا قبعاتنا وهممنا بالانصراف راجين لمضيفنا العزيز التوفيق في رحلته، فأجاب شاكراً وأخذ يرد تحية ضيوفه واحداً واحداً حتى جاء دوري فأسر إليّ (إنني
стр. 533
أريد أن أتحدث إليك برهة من الزمن!) فلم أر بداً من المكوث بعد انصراف الآخرين.
جلس كل منا قبالة صاحبه وأخذنا ندخن في سكون، وقد كان سيليفيو متعبا شاحب الوجه، وان عجبت لشيء فلم أعجب الا من هذا التغير الفجائي الذي بدا عليه، فقد غاض ذلك السرور الذي أشرق به وجهه ساعة الغداء، واختفى بريق عينيه وضعفت نظراته وأصبح منظره وهو ينظر إلى سحائب الدخان المتصاعدة من غليونه منظر الشيطان!
وبعد بضع دقائق قال: (قد لا نلتقي بعد هذا المساء، ولذلك أرى من واجبي أن أشرح لك بعض أمور لا أشك في أنك تساءلت عنها بينك وبين نفسك. . . وأنا وإن كنت لا أعير آراء الشباب اهتماما سأخبرك عما تريد لأنني أميل إليك وأعجب بك!) ولما رآني أسكت وأتحاشى نظراته أفرغ غليونه وواصل حديثه (لقد دهشت على ما أرى لتصرفي مع الضابط السكير رسيانوف في الليلة التي تذكرها ولا شك، وأظنك عجبت عندما علمت إنني لم أغسل الإهانة التي لحقتني ومع هذا فأنا اعتبر عدم إقدامي على مبارزة ذلك الأحمق كرماً مني، لأني (وقد كان اختيار السلاح لي) أثق بانتصاري عليه وقتله مهما كان السلاح، ومهما كانت طريقة المبارزة، ولكني في الواقع لا أملك حياتي!؟).
نظرت إليه في دهشة واستغراب. . . ومضى يقول: منذ ستة أعوام تلقيت ضربة من شخص لا يزال على قيد الحياة!؟ هنا زادت دهشتي فسألته مسرعا: أو لم تقابله؟. لا ريب في أن ظرفا خاصا منعك من لقائه فأجاب: (لقد قابلته، وهذا ما أسفر عنه لقاؤنا).
وقام وأحضر من صندوق قريب قلنسوة من القماش الأحمر لها زر معقود وضفائر مموهة مثل القبعات التي يسميها الفرنسيون ولما لبسها رأيت ثقبا يدل على أن رصاصة اخترقتها على مسافة بوصة واحدة من الجبهة!
وواصل حديثه قائلا (أنت تعرف أنني كنت في فرقة الفرسان الإمبراطورية، وتعرف خلقي فأنا أحب أن أسود الجميع، ولقد كانت هذه الرغبة في السيادة أيام شبابي قوية إلى درجة الجنون، وكانت لذة الشبان في المشاجرة وقت ذاك، ولهذا كنت شيخ المتشاجرين وزعيمهم في الفرقة، وكنا نفخر بالسكر والعربدة، أما أنا فكنت أفوق في الشراب (ب) الشهير في أغنية دافيدوف. . لي في كل يوم مبارزة أمثل فيها الدور الأول أو الثاني فينظر ألي زملائي نظرة الإعجاب، أما رؤسائي فكانوا يعتقدون أنني كالطاعون الذي لا خلاص منه
стр. 534
ولا نجاة!
(وظللت أعيش وسط معالم الانتصار وعلائم الرهبة حتى نقل إلى فرقتنا شاب غني من أسرة نبيلة، وأنا لا أريد أن أذكر لك اسمه، ولكن ثق أنني لم أقابل شخصاً له حظ هذا الشاب، فيه كل ما تتصور من القوة والنشاط، وكل ما تحلم به من الجمال والرشاقة، وكل ما تتمناه من الذكاء وسرعة البديهة والرقة في الحديث بل كل ما تصبو إليه من الثروة والبذخ. . . فيه كل هذا وأكثر منه: إقدام غريب لا يعبأ بالخطر أو الموت، ولا يفكر في الهزيمة. . . فما أن وصل هذا الشاب فرقتنا حتى تلاشى نفوذي وزالت سطوتي، وقد أراد أول مجيئه مصاحبتي لما رآه من الزعامة المعقودة عليّ، ولكني قابلته بفتور ولذلك تركني دون أن يظهر عليه شيء من التأثر).
(وأقول لك الحق لقد كرهته لما رأيت من شغف الجميع به واحترامهم إياه ولما شاهدته من إعجاب السيدات به وتهالكهن عليه وكم حاولت أن أجره إلى الشجار معي بأسلوبي التهكمي اللاذع وسخريتي المتصلة، ولكنه كان يجيب على ذلك بسرعة خاطره وذكائه وميله إلى السرور. . كنت أجدّ دائما وكان يمزح دائما، وفي النهاية بينما كنا في منزل بولندي نحضر حفلة من حفلات الرقص أسررت في أذنه جملة مهينة لكرامته لما رأيته من شغف ربة البيت به وصدوفها عني مع أنها كانت تعبدني قبل أن تتعرف إلى هذا الشاب الغني الجميل فما كان منه الا أن صفعني، فأسرعت إلى سيفي وأسرع إلى سيفه. . وقامت الدنيا وقعدت. وفقد بعض السيدات صوابهن، واندفع زملاؤنا وحالوا بيننا وبين الشجار؛ ولكنا غادرنا المكان رغبة منا في المبارزة الصريحة حتى يغسل كل واحد منا الإهانة التي لحقته بالدم!
(وذهبت مع شهودي الثلاثة إلى المكان المعهود، وكنت أنتظر غريمي في قلق واضطراب. . طلعت الشمس وأخذت حرارتها تزداد شيئاً فشيئا، وأتى يتهادى في مشيته مرتدياً قميصه واضعاً رداءه الرسمي على كتفه، يحمل في يده قبعته التي ملأها بفاكهة الكريز ولم يكن معه غير شاهد واحد.
أقمنا الشهود في نقطتين تبعد إحداهما عن الأخرى باثنتي عشرة خطوة، وكان من حقي أن تكون طلقتي الأولى، ولكني رفضت لما كنت أخشاه من أخطائه في حالتي العصبية. ورفض هو الآخر ولذلك تركنا المسألة للمصادفة وكانت في جانب هذا الشاب الذي أفسده
стр. 535
الحظ الحسن. أطلق رصاصته ولكنها اخترقت قبعتي ولم تصبني بسوء، وجاء دوري فشعرت أنه تحت رحمتي فأستطيع إذا شئت أن أسلبه نعمة السعادة بل نعمة الحياة. . نظرت إليه في شوق، وكنت أنتظر أن أراه ممتقعاً شاحب الوجه. ولكن خاب ظني لأني رأيته يأكل فاكهته في هدوء واطمئنان ويلقي بالبذور إلى ناحيتي فتتساقط تحت أقدامي).
(فكرت في نفسي ماذا أجني من أخذ حياة هذا الشاب الذي لا يعنى بالحياة! ولمعت عيناي عندما خطر لي خاطر غريب، وأفرغت بندقيتي وقلت له، يخيل ألي أنك لا تهتم كثيراً بموتك أو حياتك في هذه اللحظة، وأنك تعنى بأفكارك أكثر من عنايتك بالمبارزة. . ليكن ما تراه فليس عندي الرغبة في إزعاجك.
فأجاب: أحب أن تلزم عملك فقط، وأرجو أن تطلق رصاصتك ولكن يجب أن تذكر أن لك أن تطلقها في المكان والزمان اللذين تشاء، وأنا رهن إشارتك في كل حين!)
(غادرت المكان وأنا أقول لشهودي أنا لا أرغب في إطلاق رصاصتي في هذا اليوم وانتهت المسألة وقت ذاك على هذه الصورة
ثم أرسلت استقالتي من الجيش واعتكفت في هذه القرية المتواضعة وأنا لا أفكر في غير شيء واحد هو الانتقام، وقد جاء وقته!)
وعندئذ أخرج سيليفيو الرسالة التي تلقاها هذا الصباح من أحد معارفه (ولعله محاميه) يقول له في أن الرجل (المطلوب) سيتزوج في القريب العاجل من فتاة رائعة الجمال. . ثم مضى في حديثه يقول (وليس من شك في أن الرجل المطلوب هو عدوي الذي أريد الانتقام منه. وها أنا ذاهب إلى موسكو. وسأرى إذا كان يقابل الموت وسط أفراح العرس بالفتور الذي قابله به وقت ذاك. وفي يده رطل من فاكهة الكريز)
ولما نطق بهذه الكلمات ألقى بقبعته إلى الأرض. منفعلاً ثم أخذ يسير في الغرفة جيئة وذهاباً كما يسير النمر المحبوس! ولم أعترضه أثناء حديثه فقد ملك لبي واسترعى انتباهي وأثار في أنواعاً متضاربة من العواطف.
ودخل أحد الخدم يقول لسيده. إن العربة قد أعدت، وهنا تناول سيليفيو يدي وصافحني في حرارة، وركب العربة التي كان فيها صندوقان يحتوي أحدهما على أسلحة الرجل وبنادقه ويحتوي الآخر على أدواته وملابسه. . ثم حياني مرة أخرى قبل أن تتحرك العربة، وفي
стр. 536
الحق لقد كان وداعاً مؤثراً. . .
عبد الحميد يونس
стр. 537
العدد ٧ - بتاريخ: ١٥ - ٠٤ - ١٩٣٣
стр. 538
في العيد. . .
في ذات مساء اشتد فيه الصراع بين بواكر الربيع وأواخر الشتاء، ارتفع من بين ضجيج القاهرة ولغط النهار الراحل، طلقات ضعيفة من مدفع عتيق. . وتألقت في شرفات المآذن الشم مصابيح الكهرباء بغتة. . فعلم الناس بمقتضى التقاليد أن غداً يوم العيد. .!
راح قوم يقضون ليلهم بين وحشة القبور ورهبة الموت، في غير إدِّكار ولا اعتبار ولا خشية! وبات آخرون يتعهدون كباش الأضاحي بالعلف، ويشحذون لصباحها المدى والسواطير. . .!
وأصبحت القاهرة دامية البيوت، حامية المطابخ، شديدة الجلبة: وبيوت الله التي نزل فيها العيد من السماء، تنتظر المؤمنين للصلاة والدعاء، فلم يغشها إلا فئات من العمال والبوابين والخدم!.
أما السراة والأوساط، فقد خرجوا من هندام الأمس، واهتمام اليوم، يستقبلون العيد في القهوات والحانات، بين لعبة النرد الصاخبة، وأحاديث الدواوين المعادة! فإذا تلاقى في الطريق صديقان، أو تراءى في القهوة قريبان، تبادلا في فتور تحية العيد، ثم مضى كل منهما لشأنه!!
ذلك هو العيد أو ما يقاربه في مصر وفي سائر البلاد العربية.! فلولا مرح طافر يقوم بالأطفال في هذا اليوم لعطلة المدارس، وجدة الملابس، وسحر النقود، وفتنة اللعب لمرَّ كسائر الأيام حائل اللون تافه الطعم بادي الكآبة!
فليت شعري ماذا حاق بنا من الأحداث والغِيَر حتى غاضت ينابيع المسرة في القلوب، وماتت أحاسيس البهجة في النفوس، وتحللت أواصر المودة بين الناس، وآل أمر العيدين (وهما كل ما بقى في أيدينا من مظاهر الوحدة الدينية والعزة القومية) إلى هذه الصورة الطامسة والحال البائسة؟!
لا نستطيع أن نتهم حسرة الحزن على الماضي، وذلة الضعف في الحاضر، فإن أعياد اليهود وإن فقدت بذلك مظهرها الاجتماعي، لم تفقد روعة الدين في الكَنيس، ومتعة الأنس في البيت، وجمال الذكرى في الخاطر.
وأعياد إخواننا في الوطن والجنس والمجد والأسى من نصارى الشرق لا ينقصها الرواء والإخاء واللذة.
стр. 539
كذلك لا نستطيع أن نتهم المادية والمدنية، فانهما (وإن جنَتا على بعض الأخلاق الكريمة كالإخاء والإخلاص والمروءة والرحمة) لم تجنيا على نزعات السرور في النفوس، ولم تقضيا على غرائز اللهو في الطباع، بل ازداد الناس بهما في ذلك شراهة وحدَّة.
والأعياد الأجنبية التي تشهدها مصر في ذكرى الميلاد ورأس السنة غاية في نعيم الروح والجسم، وآية في سلامة الذوق والطبع، وفرصة ترى فيها القاهرة (وهي متفرجة) كيف تفيض الكنائس بالجلال، وتزخر الفنادق بالجمال، وتشرق المنازل بالأنس، وتمسي الشوارع وبيوت التجارة ودور اللهو مسرحا للحسن، ومعرضاً للفن، ومهبطاً للسرور، وتصبح أعياد القلة القليلة مظهراً للفرح العام، ومصدراً للابتهاج المشترك!
وهي من وراء ذلك كله من أقوى العوامل في توثيق العلاقة بين الله والإنسان بالصدقات، وبين الأصدقاء والأقارب بالهدايا، وبين الكبار والصغار باللعب، وبين الإنسان والإنسان بالمودة.
إذن ما هي الأسباب الصحيحة التي مسخت حياتنا هذا المسخ، وشوهت أعيادنا هذا التشويه، فجعلت المظاهر فيها خروفا يذبح ولا يضحَّي، ومدافع تساعد المآذن ولا تجاب، وأياما كنقاهة المريض كل ما فيها همود ونوم وأكل؟؟
الحق أن لذلك أسباباً مختلفة، ولكنها عند الروية والتأمل ترجع إلى سبب رئيسي واحد: هو غيبة المرأة عن المجتمع الإسلامي. . . ذلك السبب هو علة ما نكابده من جفاء في الطبع، وجفاف في العيش، وجهومة في البيت، وسآمة في العمل، وفوضى في الاجتماع.
كرهنا الدور لاحتجاب المرأة، وهجرنا الأندية لغياب المرأة، وسئمنا الملاهي لبعد المرأة، وأصبحنا كالسمك في الماء، أو الهباء في الهواء، نحيا حياة الهيام والتشرد، فلا نطمئن إلى مجلس، ولا نستأنس لحديث!
فإذا لم تصبح المرأة في البهو عطر المجلس، وعلى الطعام زهر المائدة، وفي النَّدِي روح الحديث؛ وفي الحفل مجمع الأفئدة، فهيهات أن يكون لنا عيد صحيح، ومجتمع مهذب، وحياة طيبة؛ وأسرة سعيدة!.
أحمد حسن الزيات
стр. 540
التجديد في الأدب
للأستاذ أحمد أمين
- ٢ -
عرضت في مقالي السابق للبحث في الألفاظ وما تتطلب من جِدة؛ واليوم أعرض لضرب آخر من ضروب التجديد وهو التجديد في العبارة، وأعني بالعبارة الجملة التي يؤدَّى بها المعنى على اختلاف ألوانها، من حقيقة ومجاز وتشبيه واستعارة وكناية.
ومما لا شك فيه أن البليغ يستمد تشبيهاته واستعاراته وما إلى ذلك مما يحيط به من بيئة طبيعية واجتماعية. فالأدب الجاهلي (مثلاً) صورة صادقة لمعيشة العربي في الجاهلية؛ إذا بكى، فإنما يبكي الأطلال والمنزل الداثر والرسم العافي. وإذا رحل، فعلى ناقة أو بعير. وإذا أعجبه نبت، فالشيح والقيصوم، والخزامى والعَرار. وإذا ذكر النسيم، فصبا نجد. وإذا حن إلى مكان، فموطنه من الرقمتين ورَضوى وثَبير. كذلك كان في تشبيهاته واستعاراته وأمثاله: يستوحي ما يحيط به، ويستلهم ما يقع حسه عليه. فقال: استنوق الجمل، وهو أعز من الأبلق العقوق، وأبدت الرغوة عن الصريح، وهم أكثر من الحصى، وهو ليث غابة، وما تُحَلُّ حَبْوته، وألقى حبله على غاربه، وقصُرت الأعنة، واشتجرت الأسنة، وزلزلت الأقدام من رنين القِسِي، وقراع الرماح، وطحنهم طحن الرحى، ومطله مطل نعاس الكلب، وكالباحث عن حتفه بظلفه، وحط راحلته، وضرب أوتاده، وألقى عصاه، والقافلة تسير والكلاب تنبح. إلى كثير من أمثال ذلك، فهم في كل هذا يصفون حياتهم، ويشتقون منها تشبيهاتهم، ويضربون منها أمثالهم.
وتتابع أدباء العرب بعدُ يزيدون في التعبير، تبعاً لتغير المعيشة الاجتماعية، وتقدمهم في الحضارة. فقالوا: صندل الشراب وعنبره (وكأن أخلاقه سبكت من الذهب المصفى) ويكاد يسيل الظرف من أعطافه، ويمازج الأرواح لرقته (قد دس له الغدْر في الملَق) وهو من صيارفة الكلام، يتطفل على موائد الكتاب، وكأن ألفاظه قطع الرياض، وكأن معانيه نسم الآصال. وهكذا كانت العبارات المحدثة في العصر العباسي تخالف من وجوه كثيرة العبارات الجاهلية والأموية.
وقد جارى المؤلفون الأدباء: يدونون ما اخترعوا، ويقيدون ما أبدعوا. فرأينا عبد الرحمن
стр. 541
الهمذاني يجمع في كتابه (الألفاظ الكتابية) العبارات المختارة من جاهلية وإسلامية ورأينا الحصري يملأ كتابه (زهر الآداب) بفصول يعنونها (ألفاظ لأهل العصر) يجمع تحتها ما اخترعته أهل عصره من تعبير رقيق وتشبيه أنيق. ونهج المؤلفون بعد هذا المسلك حتى كانت خاتمتهم إبراهيم اليازجي في كتابه (نجعة الرائد وشرعة الوارد) جمع فيه أحسن العبارات والألفاظ مما قال السابقون والمحدثون إلى عصره.
وبعد، فلو قارنا بين الأدب العربي الحديث، والأدب الغربي في هذا الباب، أعني باب العبارة، وجدنا في أدبنا العربي قصوراً ظاهراً، وضعفاً بيناً.
ذلك أن الأدب الغربي ساير الزمن، واعترف بكل ما حدث فيه، واستمد منه، على حين أن الأدب العربي الحديث أغمض عينه عن كل ما كان، ولم يعترف بوجوده. نظر الأدب الغربي إلى ماضيه وحاضره ومستقبله؛ ولم ينظر الأدب العربي إلا إلى ماضيه. وزّع الأدب الغربي لفتاته لينظر نظرة شاملة وثبَّت الأدب العربي عينيه فيما وراءه، فلم ينظر إلا إلى قديمه، فكان ناقصاً، لا يسايرنا ولا يصفنا ولا يمس حياتنا، وإنما يمس حياة آبائنا.
اعترف الأدب الغربي بالأدب القديم فأخذ منه خيره، واعترف بالدنيا الحديثة فاستمد تشبيهاته واستعاراته منها، رأى في دنياه مخترعات ومستكشفات لا حد لها من كهرباء ومواد كيميائية وطيارات وغواصات وغازات وأضواء وراديو وما لا يحصى كثرة. كل هذه الأشياء قلبت الحياة الاجتماعية رأساً على عقب. فلماذا لا تقلب الأدب؟ فأقبل الأديب عليها يتعرفها، ويستلهمها تشبيهات واستعارات عصرية طريفة، كان له منها ما أراد.
ورأى الأديب علم النفس ينمو ويرقى ويحلل أعمال الإنسان تحليلاً علمياً دقيقاً، ويعرض لكل المظاهر اليومية من ابتسامة وعبوس ورضى وغضب، فأخذ بحظ وافر منه واستعان به في أدبه وتعبيراته حتى استطاع أحد الكتاب الفرنسيين (وهو مارسل بروست أن يحلل ابتسامة سيدة في ست صفحات، ورأى نُظماً في الحكم تقوم وأخرى تسقط وكان لها من الأثر في حياة الناس وعقليتهم ما يخيل إليك معها أنهم أصبحوا بها خلقاً آخر، فجعل يتتبع هذه التغيرات ويقتبس منها ما شاء ذوقه الأدبي.
كل هذا وأمثاله جعل الأدب الغربي يسير محاذيا لكل نظم الحياة ويشاركها في رقيها واتجاهها، إن استضاء الناس بمصباح كهربائي فالأدب يعبر عنه ويستعير منه ويشبه به،
стр. 542
وإن كان نظام الحكم ديمقراطياً فالأدب ديمقراطي، والصور التي يصورها ديمقراطية، ويتعمق السيكولوجي في بحثه فيتعمق الروائي في تحليل شخصيات روايته، وهكذا كانت الاختراعات والصناعات والعلوم ونظم الحكم والسياسة والأدب تسير معاً، لا يخطو عنصر منها خطوة إلى الأمام حتى يدرك الآخر سر تقدمه فيعمل على أن يحتذيه. أما الأدب العربي فيحارب متراليوزا بقوس وسهم، ويضيء في أدبه سرا جابزيت، والناس اليوم قادمون على أن يغيروا المصباح الكهربائي بخير منه، ويبكى الأطلال ولا أطلال، ويحن إلى سلع ولا سلع، ويستطيب الخزامي والعرار ولا خزامي لدينا ولا عرار. من الحق أن نحب القديم الجميل ونحفظه ونتعلم منه ونعجب بما فيه من مظهر عاطفة حية وشعور قوي، ولكن لا ننشئه. وإذا قلناه وجب أن نقول معه ما نحياه ونعيش فيه
إذا أنت لم تحم القديم بحادث … من المجد لم ينفعك ما كان من قبل
وقفت العبارة العربية حيث كانت في العصر العباسي، ولم تتقدم إلا قليلا بما اقتبس من الأدب الغربي، والذي نتطلبه من التجديد فيها أن نستمد من حياتنا الواقعية، ومن كل ما يحيط بنا جملا حية تلائم ما في نفوسنا، وأن نخترع عبارات من المجازات والاستعارات والتشبيهات والكنايات نستمدها من الحياة التي نعيشها، وما وصلت إليه علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد.
وقد عاق الأدب العربي الحديث عن الوصول إلى هذه الغاية عوائق كثيرة أهمها:
(١) ما سبقت الإشارة إليه من أن المخترعات ليس لها أسماء، وأن أئمة اللغة لم يرضوا أن يستعملوا الكلمات الأجنبية ولا وضعوا لها أسماء عربية، وتركوا الأدباء في حيرة من أمرهم، فكيف يستطيعون أن يستلهموها في جملة لتكسب المعنى قوة، وهم يفرون من التلفظ بها، ويخشون من علماء اللغة استعمالها، لذلك رضينا من الأدب بالعدول عنها جملة وتفصيلا، حقيقة ومجازا. وبهذا سد أمام الأديب العربي باب من أوسع الأبواب وأغزرها فائدة.
(٢) وسبب آخر من أهم الأسباب في فقر الأدب العربي في التعبير، هو أن الأدب العربي الحديث أدب أرستقراطي لا أدب شعبي، وأعني أرستقراطية العلم لا أرستقراطية المال، ذلك أن الأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني، أدب شعب لا أدب طبقة خاصة (نعم قد
стр. 543
يرقى الأدب الإنجليزي مثلا) فلا يفهمه إلا الراقون، ولكن بجانبه أدب إنجليزي شعبي، لا يختلف عن أدب الخاصة في ألفاظه وتراكيبه وإن اختلف في دقة المعنى وبساطته، (أما الأدب العربي فأدب خاص لطائفة المتعلمين تعلماً راقياً فحسب، لا يشاركهم فيه العامة وأشباه العامة، وللعامة أدب بلدي خاص، يستمتعون به في أغانيهم ونكتهم وزجلهم وموالياتهم) وحتى الخاصة، لا يتذوقون الأدب العربي إلا في الكتب والمجلات والجرائد، أما أحاديثهم وتنادرهم وفكاهاتهم فباللغة العامية، وليست أمة من الأمم الحية الآن بين لغتها اليومية ولغتها الأدبية من الفروق ما بين اللغة العربية واللغة العامية.
نتج من هذه الظاهرة نقص كبير في الأدب العربي الحديث، لأن استعمال الكلمات والعبارات في البيت وعلى المائدة وفي الشارع يكسبها حياة قوية ويزيدها صقلا ومرونة، ولو اقتصر في استعمالها على الكتب كانت حياتها ناقصة، لا يهذبها الاستعمال ولا يرقيها الصقل اليومي. وحسبك دليلا على ذلك أن النكت والنوادر وهي من أهم أركان الأدب لا تجد منها سائغا عذبا في أدبنا العربي عشر معشار ما تجده في الأدب العامي، وأن النادرة تحكي بالعامية فتضحك إلى أقصى حد، ثم تحكيها باللغة الفصحى فتخرج باردة تافهة، وأن كثيراً من الألفاظ والتعبيرات العامية قد أفادها الاستعمال روحا قوية فإذا عبرت عنها بالعربية لم تجد لها من التعبير قوة العامية وحسن دلالتها على المعنى.
وكل أمة قد كسبت من توحيد لغتها الكلامية والكتابية ما لا يقدر، فقد أصبح الشعب كله منتجا أدباً وتعبيراً قويا، وأصبح الحديث عن المائدة وفي حجرة الجلوس وفي التمثيل والسينما يخرج أدباً جديداً ويحيي أدباً قديماً، والأمة كلها تتعاون في الإنتاج الأدبي، هذا بتعبيره الرقيق، وهذا بنكتته ونوادره، وهذا بقصته وأمثاله، وهذا بشعره، وهكذا.
وليس كذلك الحال في الأدب العربي، فالأمثال والنوادر والحكايات باللغة العامية، والأحاديث اليومية وقضاء كل شؤون الحياة باللغة العامية، وليس للغة العربية إلا الكتاب وما إليه، ولذلك أصبح عندنا أدبان أدب أرستقراطي هو هذا الشعر والكتب التي تؤلف، والمجلات والجرائد التي تنشر، وأدب شعبي هو الزجل والأغاني والحواديت وما إليها، وبين الأدبين فواصل كبيرة وحواجز متينة، وفي هذا ضرر كبير على الأمة والأدب معاً، أما الأمة فلأن شعبها لا ينتفع بنتائج المتعلمين منها، وأما الأدب فلأنه ليس أدباً صحيحاً، إذ
стр. 544
الأدب الصحيح هو ما كان ظلا لحياة الأمة الاجتماعية كلها لا لحياة طبقة خاصة منها.
ولا أمل لحياة الأدب العربي من هذه الناحية إلا بإزالة الحواجز القوية بين العامية والعربية، على أي وجه يرضاه قادة الأمة، ويحفظ للغة العربية مكانتها من حيث هي لغة الدين ورابطة الشعوب الشرقية. إذ ذاك تصبح اللغة حية، والتعبيرات حية؛ وإذ ذاك تزول الحيرة التي نعيش فيها الآن، فإنك تستعمل اللفظ العامي والعبارة العامية، فلا تجد لهما نظيرا في العربية، وإن وجدت لهما نظيراً فنظير ميت ليس فيه حياتهما. كنت أقرأ الآن في جريدة فوجدت فيها كلمة (بعبع) وكنت أسمع فسمعت من يقول: إنه بيت (مُبَهْوَأ) ومن يقول (رزق الهبل على المجانين). ووجدتني إذا أجهدت نفسي قد أعثر على تعبيرات عربية مرادفة لها أو قريبة منها. ولكن ليس فيها حياتها، لأن الحياة وليدة الاستعمال، وأريد الاستعمال الشعبي. وهذا أحد الأسباب في أن مقالات الأستاذ فكري أباظة، والمجلات الهزلية، والهزلية الجدية، لها من الرواج في أوساط الجماهير ما ليس لغيرها، وتتفتح لها نفوس شعبية أكثر مما تتفتح للمقالات العربية الصرفة؛ وترن الكلمة أو العبارة في الأذن رنيناً دونه رنين العربية الكلاسيكية.
(٣) وسبب ثالث هو أن الحواجز عندنا بين العلم والأدب قوية متينة، وإن شئت فقل إنه ليس هناك صلة بين كلية العلوم والآداب، وأن الثقافة التي يتثقفها الأديب ينقصها (غالباً) قدر ضروري صالح من المعلومات العلمية، تجعله يستطيع أن يلم إلماماً ما بالمخترعات والمستكشفات، ويستغلها في أدبه. وهذا القدر يلقفه الأديب الأوربي في بيته وفيما يقع في يده من كتب ومجلات أولية، ثم في مدرسته. وأدباء الطبقة الأولى منهم كانوا على حظ عظيم من الثقافة العلمية استغلوها في منتجاتهم، فأصبحت هناك أنواع من الأدب، ومن التعبيرات والتشبيهات القوية التي تعتمد على الثقافات العلمية، أخذها منهم الشعب واستساغها. أما برنامج الأديب العربي فقاصر من هذه الناحية كل القصور؛ ولذلك كان نتاجه قاصراً كل القصور.
وهناك أنواع من التجديد في الأسلوب والموضوع والنثر الفني والشعر والقصة وغيرها، نعرض لها فيما بعد.
стр. 545
صور من التاريخ الإسلامي
زرياب المغني
للأستاذ عبد الحميد العبادي
- ٢ -
إذا قدر للأندلس أن يكتب تأريخها الفني والاجتماعي، فلا شك أن أنضر صفحة في ذلك التاريخ المجيد وأعجبها تكون صفحة أبي الحسن علي بن نافع المغني الملقب بزرياب. فهو رجل استطاع وحده أن ينقل أمة بأسرها من حال البداوة إلى حال الحضارة، وذلك بشيئين اثنين: تحبيب الموسيقى إليها، وتنظيم حياتها اليومية.
فتح المسلمون الأندلس في العقد الأخير من القرن الأول الهجري، وانتشرت قبائلهم العربية والبربرية في بسائطها وحزونها ولكنهم ظلوا حتى أواخر القرن الثاني بداة جفاة كلما اجتمعت كلمتهم لم يلبثوا أن تفرق بينهم الإحن والعداوات المنبعثة عن العصبية القبلية، فكأنهم لا يزالون ضاربين في هضاب نجد وسهول تهامة ومفاوز إفريقية. ثم أخذت شؤونهم السياسية تستقر وتتسق بفضل مجهودات المتقدمين من أمراء الدولة الأموية الأندلسية: عبد الرحمن الداخل، وهشام، والحكم، وعبد الرحمن الأوسط. أما الأحوال الاجتماعية فظلت على ما كانت عليه فسادا واضطرابا.
وعلى العكس من ذلك كان المشرق الإسلامي في ذلك الزمان فقد إستبحر فيه العمران وبلغت المدنية الإسلامية فيه غايتها، وتعلق فيه ذوو الدعة واليسار بأسباب الكمال من شؤون الحياة، بعد أن استكملوا الضروري، والحاجي منها على حد تعبير ابن خلدون. وقد ساعفهم في ذلك عامل الدين وعامل التاريخ معا. فأما المعتدلون منهم فكانوا يستندون إلى أن الدين الإسلامي دين يسر يحب من المؤمن أن يكون هينا لينا موفور الحظ من الظرف والكياسة غير فظ ولا غليظ القلب، ولا ناسٍ نصيبه من الدنيا. وأما المتطرفون فوجدوا في تقاليد الفرس والروم الاجتماعية ما جعلهم يؤثرون العاجلة ويحرصون على لذة الحياة الدنيا ومتعها، أياً كانت الطرق الموصلة إليها.
وقد تألفت من هؤلاء طبقة أرستقراطية، مرهفة الأذواق، رقيقة الطباع، ترى في الموسيقى، ومجالس الأنس والطرب، وحفلات السمر خير ما ينقعون به غلة تلك الأذواق
стр. 546
المرهفة والطباع المترفة. هذا هو السبب المباشر في تقدم صناعة الغناء في ذلك الزمان، وبلوغها الغاية على أيدي إبراهيم المهدي، وإبراهيم الموصلي، وأبنه إسحاق. وهذا هو السبب كذلك في استفاضة مجالس الأنس والطرب لذلك العهد في مدن الشرق الإسلامي عامة وبغداد خاصة، وفي بلوغ هذه المجالسدرجة من التأنق يمكن تصورها إذا عرفنا أنهم وضعوا لها آدابا كانوا يأخذون بها من الندماء، والجلساء، والسمار.
من ذلك أن يكون الغناء قوامها، وأن يحتفل لها بلبس الثياب المصبغة الأنيقة، وأن يزين المجلس بالأزهار والرياحين، وألا يحضرها إلا من كان مهذباً، خفيف الروح، حاضر البديهية، قادراً على قول الشعر وارتجاله، فضلا عن تذوقه وروايته عندما يقتضي المقام ذلك.
إلى هذا المشرق اتجه أمراء بني أمية الأندلسيون، وهم أبناء خلائف دمشق ورصافتها، يستهدونه فنانين ومعلمين يهذبون ما غلظ من طباع العرب والبربر والمولدين، وينظمونها جميعاً في نسق واحد. وقد أهدى المشرق إلى المغرب غير واحد من المغنين أمثال علون، وزرقون، ولكن زرياباً كان أعظم هؤلاء جميعاً وأبعدهم أثراً.
كان أبو الحسن علي بن نافع مولى للخليفة المهدي العباسي، ولسواد لونه، وحلاوة شمائله لقبوه بزرياب تشبيها له بطائرأسود غريد يعرف عندهم بهذا الاسم. وقد تكاملت لزرياب كل أسباب النبوغ والتفوق موهوبها ومكسوبها، فكان شديد الذكاء، لطيف الحس عارفا بالنجوم والجغرافية، شاعراً فصيح اللسان، غير أنه كان إلى الغناء أميل وبه أشغف، وقد درسه علماً في كتب الأقدمين من حكماء اليونان، وعملاً على أستاذه اسحق الموصلي زعيم المغنيين في ذلك الوقت، ولشدة افتتان زرياب بالموسيقى كان تفكيره فيها لا يكاد ينقطع حتى أنه ليلهم النوبة والصوت وهو نائم، فيهب من نومه مسرعاً، ويقيد ما وقع له أو يلقيه على جاريتيه غزلان وهنيدة، ثم يعود إلى مضجعه عجلا، ومن ثم قيل انه كان يأخذ ألحانه عن الجن كما قيل في إبراهيم الموصلي نفسه. قالوا وكان يحفظ عشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها. ولم يأل زرياب جهداً في أن يأخذ نفسه بالأدب الرفيع والسلوك العالي المصطلح عليه في البيئة التي كان يعيش فيها ببغداد، بيئة البلاط وقصور الأمراء ورؤساء الدولة العباسية.
стр. 547
ويذكرون أن السبب في هجرة زرياب من المشرق إلى المغرب، انه غنى يوما في حضرة هارون الرشيد، فأخذ الخليفة بصناعته وظرفه وطلب إلى اسحق أن يعنى به حتى يفرغ لسماعه. ولكن اسحق لم يلبث أن تحركت في صدره عوامل الغيرة والحسد والحقد على تلميذه، فخلا به وخيره بين الموت والحياة، بين أن يقيم ببغداد فيعرض حياته للهلاك ومهجته للتلف، وبين أن يذهب في أرض الله العريضة فينجو بحياته، ووعده إذا هو اختار ثاني الأمرين أن يعينه على الرحيل بما شاء من المال، وغير المال. فأختار زرياب الرحيل عن المشرق بأسره، ووفى له اسحق بما وعده من المعونة.
وتذكره الرشيد بعد أن فرغ من شغله الذي كان منهمكاً فيه وطلب إلى اسحق إحضاره فقال (ومن لي به يا أمير المؤمنين؟ ذاك غلام مجنون يزعم أن الجن تكلمه وتطارحه ما يزهي به من غنائه، فما يرى في الدنيا من يعدله، وما هو إلا أن أبطأت عليه جائزة أمير المؤمنين، وترك استعادته، فقدر التقصير به والتهوين لصناعته، فرحل مغاضبا ذاهبا على وجهه مستخفياً عني، وقد صنع الله تعالى في ذلك لأمير المؤمنين فأنه كان به لمم يغشاه ويفرط خبطه، فيفزع من رآه). يقول المقري (فسكن الرشيد إلى قول اسحق وقال على ما كان به (فقد فاتنا منه سرور كثير).
خرج زرياب يؤم المغرب، فلما كان بأفريقيا أتصل بصاحبها زيادة الله الأغلى. ولكنه لم يطب له المقام بها فرحل عنها إلى المغرب الأقصى، وهنا كتب إلى الحكم بن هشام، أمير الأندلس المعروف بحبه للموسيقى، يستأذنه في دخول الأندلس والصيرورة إليه، فأذن له الأمير في كل ذلك من فوره. وعبر زرياب البحر إلى عدوة الأندلس، وبينما هو يتأهب للرحيل إلى قرطبة إذ سمع بوفاة الحكم فهم أن يعود أدراجه إلى المغرب لولا أن كتب إليه الأمير الجديد، عبد الرحمن الأوسط، يستقدمه ويعده أن ينيله كل ما تصبو إليه نفسه من مال وجاه. فقدم عليه زرياب، ويروون أن عبد الرحمنأحتفل لمقدمه أعظم احتفال إذ خرج بنفسه من قرطبة لتلقيه. وما هو إلا أن سمعغناءه وحديثه حتى شغف به فغمره بفضله وإنعامه وأجرى عليه من الرواتب والأرزاق الشيء الكثير، حتى لقد كان يركب وبين يديه مائة مملوك. وقدمه الأمير على سائر المغنين وبلغ من شدة شغفه به أن جعل في قصره باباً خاصاً يستدعيه منه كلما أحب سماع غناءه الرائع وحديثه العذب الطريف.
стр. 548
وقد لقي زرياب النعمة بمثلها وجزى المعروف بالمعروف، ولكنه قصد إلى ذلك من طريق غير مباشر، قصد إليه من طريق النصح والإخلاص للأندلس التي أصبحت له وطناً، وأهل الأندلس الذين أصبحوا أهلا له ومعشراً. فعكف على رفع مستوى الموسيقى الأندلسية وعلى النهوض بالمجتمع الأندلسي حتى يداني المجتمع الشرقي ببغداد وقد وفق فيما قصد إليه كل التوفيق.
يمكن القول إن زريابا نهض بالموسيقى الشرقية نهضة جديدة مطبوعة بطابعه وذلك بما أدخله على العود من إصلاح وتحسين، وبما استن من طرق جديدة في إلقاء الغناء وتعليمه. فقد أتخذ لنفسه وهو بالمشرق عوداً جعله على الثلث من وزن العود القديم، وصنع أوتاره من حرير لم يغزل بماء ساخن يكسبها أناثة ورخاوة، وأتخذ بمها ومثلثها من مصران شبل أسد (فلها في الترنم والصفاء والجهارة والحدة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها). فلما كان بالأندلس زاد أوتار العود الأربعة المقابلة للطبائع الأربع وتراً خامساً يقوم مقام النفس من الجسد، فأكتسب به عوده ألطف معنى وأكمل فائدة كما يروي المقري. وأتخذ مضراب العود من قوادم النسر بدلا من مرهب الخشب (وذلك للطف قشر الريشة ونقاءه وخفته على الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إياه). وأما من حيث إلقاء الغناء فقد رسم زرياب أن يبدأ في الإلقاء بالنشيد بأي نقر كان، ثم يؤتي في أثره بالبسيط ويختتم بالمحركات والأهزاج. أما مذهبه في تعليم الغناء فيقول المقري (وكان إذا تناول الإلقاء على تلميذ يعلمه أَمرَه بالقعود على الوساد المدور المعروف بالمسورة، وأن يشد صوته جدا إذا كان قوي الصوت، فأن كان لينه أمره أن يشد على بطنه عمامة فأن ذلك مما يقوي الصوت ولا يجد متسعا في الجوف عند الخروج على الفم فان كان ألص الأضراس لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته زم أسنانه عند النطق، راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاثة أصابع، يبيتها في فمه لليالي حتى ينفرج فكاه. وكان إذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت المراد تعليمه من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته يا حجام! أو يصيح آه! ويمد بها صوته، فأن سمع صوته بها صافياً ندياً قوياً مؤدياً لا تعتريه غنة ولا حبسة ولا ضيق نفس، عرف انه سوف يَنجُبْ وأشار بتعليمه، وأن وجد خلاف
стр. 549
ذلك أبعده). هذه العبارة تشير في صراحة إلى أن زرياباً انشأ بالأندلس في أوائل القرن الثالث عشر الهجري ما يصح أن نسميه بلغة الوقت الحاضر معهداً لتعليم الموسيقى الشرقية.
ولم يكن زرياب أقل ابتكاراً في شؤون الحياة اليومية منه في مجال الموسيقى والفن، وهذا محل العجب من سيرته. فقد ابتكر لأهل الأندلس ألوانا من الطعام فاستطابوه ونسبوا بعضها إليه، وعلمهم أن يشربوا من آنية الزجاج الرقيق بدلاً من آنية المعدن، وهو أول من اجتنى لهم البقلة الشهية المعروفة بالهليون وكانوا لا يعرفونها من قبل. وعلمهم أن يبسطوا فوق ملاحف الكتان أنطاع الأديم اللين، وأن يبسطوا سفر الأديم فوق الموائد الخشبية فذلك أنظف لها وآنق لمنظرها. وعلمهم أن يلائموا بين ما يلبسون وبين فصول السنة الأربعة، فيتدجوا من الخفيف الأبيض صيفاً إلى الثقيل الملون شتاء، ولفتهم إلى أنواع من الطيب والعطر لم يلبثوا أن أقبلوا عليها وفضلوها على ما كانوا يتعطرون به من قبل، كما علمهم كيف ينظمون شعورهم تصفيفاً وتدويراً وإرسالاً.
لا ندري بالدقة متى توفى زرياب والغالب أن وفاته كانت في إمارة الأمير محمد عبد الرحمن الأوسط (٢٣٨ - ٢٧٣هـ) وكما رزق زرياب الحظوة عند أهل الأندلس في حياته فقد رزقتها ذكراه عندهم بعد مماته. ذلك بأن مذهبه في الغناء وما رسمه لهم من أسلوب المعيشة ظل باقياً متوارثاً فيهم حتى آخر أيامهم. فلما انتهى أمر الأندلس وخرج من تبقى من أهلها إلى بلدان أفريقيا الشمالية أنتقل إليها بانتقالهم مقدار غير قليل من صناعة زرياب وآدابه. يقول ابن خلدون عند ذكره زرياباً (فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف وطمأ منها بإشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بأفريقية والمغرب وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها) ويقول المقري (وكان زرياب قد جمع إلى خصاله هذه الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الآداب ولطف المعاشرة وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنه لهم من آدابه واستحسنه من أطعمته فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوما به).
стр. 550
كان أهل رومية على عهد نيرون يلقبون سريا من سراتهم اسمه بطرونيوس برب الظرف وسلامة الذوق لأنه كان عندهم مضرب المثل في ذلك. أما أهل الأندلس فقد وصفوا زرياباً بأنه (معلم الناس المروءة) وهو لاشك أجمل وصف يوصف به وأحقه بأن يحفظه عليه التاريخ ويذكره به.
стр. 551
الزهرية العاطلة.
للأستاذ راشد رستم.
لا أجد هنا من يضع لي الزهر في غرفتي، وأنا الذي أحب الزهر
قريباً مني، أضمه إلى صدري حنيناً، وأشمه لتسمو به روحي بعيداً،
أحب العطر منه، وأحب العطف عليه.
ليس غيري إذن يضع الزهر لي في غرفتي، بل أختاره بنفسي وأرعاه وحدي.
واليوم اشتريت من الزهّارة الفتية الناضرة، باقة من ذلك الزهر الذي تحبه. . . . . (روحي).
لم تدر فتاة الزهر الجميلة لماذا سألتها السماح لي اليوم أن أنتقي بيدي أنا تلك الزهرات الحبيبة التي سأجعل منها وحدها دون غيرها، حديقتي في هذا اليوم.
سكتت فتاتي الحسناء راضية، وتَنحَّت هادئة، ونظرت إليَّ في سرور وابتسام وعجب!. ولِمَ تعجب؟ ومن عاشر الزهر لا يغضب.
لم ترني الفتاة قبل اليوم ألمس أزهارها بيدي، إنما أشير إليها بالطرف وهو كليل فتفهم مني قصدي، وتجمع لي زهراتي المختارة، تنتقيها من بين أخواتها برشاقة في حنو وعطف.
تبتسم الفتاة بسمات اللطف والرقة، وكأني بها تعلم سري عن الزهرات وهي تجمعها فتحدثها بها جهراً تقول: ما أحلاك أيتها الوردة الحمراء، المملوءة عطراً وعطفاً وشوقاً وحرارة!. . وأنت أيتها الزهرة الفاتنة مثال الرشاقة والخفة والحلاوة! وأنت يا حبيبة الفؤاد! تعالي تعالي يا زهرة الحب والإخلاص والحنان! أما أنت فيا للفتوة ويا للحياة!. وما أسعد الفتى بالفتاة؟ وأنت يا ربة الدلال والكمال. تقدمي! تقدمي! خذي مكانك هنا بين زميلاتك الرشيقات!.
هكذا كانت الزهرة تناجي وتنادي وتداعب هذه الزهرات النواعم، وهي تجمعها من هنا وهناك وتنسقها ثم تلفها في حرزها لتحميها، ثم تلتفت في رقة الفاتنات المائلات وتقول: تفضل يا حبيب الزهر فخذ زهراتك المحبوبات، وبودي لو أطلعت عليك معها، أو لو علمت سرها معك!!. ثم تعود مسرعة إلى زهرها.
نعم أتيت اليوم بذلك الزهر الذي تحبه. . . (روحي)، وهي لا تعلم أنني جئت به!
стр. 552
ليس له اليوم شريك من زهرات أُخر.
هذا الزهر الذي تحبه (. . .) أشمه يوماً في كل عام، فيحييني طول العام!
وبعد. . فليس له عندي زهرية تصونه وتماشيه، ولا بد له من زهرية خاصة ترضيه وتحميه وتحييه.
ولكن هل أخشى هذه الزهرية ألا تحمل إليَّ هذا الزهر يوماً ما؟.
أم هل أخشى هذا الزهر ألا يكون في هذه الزهرية يوماً ما؟.
أم أخشى يوماً تحمل إلي فيه هذه الزهرية زهراً غيره؟.
نعم. قد يأتي هذا اليوم الذي أخشاه، وقد أرى بعيداً عني هذا الزهر الذي تحبه (. . .) والذي أحب أن أرعاه.
ولكني لا أخشى أن تكون الزهرية يوماً عاطلة!
ألم تحمل لي هذا الزهر يوماً من الأيام؟
وهل هذا اليوم ينسى مع الأيام؟
أني لأرجو أن تبقى الزهرية بعد اليوم عاطلة على الدوام، فهي عاطلة أحب إليّ منها خالية بعد هذا اليوم الذي أخشاه ستظل كنفسي التي تحمل دوماً ذكريات كنَّ في يوم من الأيام. . . . حقيقة موجودة. وواقعة مشهودة. . .
المعادي - راشد رستم
стр. 553
جلال الدين منكبرتي
للدكتور عبد الوهاب عزام
سارت جيوش التتار تقذف بالموت والدمار. (وفتحت يأجوج ومأجوج وهم من حَدب ينسلون). خرَّت المدائن لصولتهم فأسروا وقتلوا، ثم سلّطوا الماء والنار فأخربوا ودمروا. وانطلقوا في جحافل من السيوف والسهام والنار والدخان، والدماء والماء، والهول والفزع.
وعلاء الدين ملك خوارزم. قد أوقد النار فلم يستطع إطفاءها، وفتح باب الشر فلم يقدر على إغلاقه. لم يفن جنده ولم تثبت عزيمته. فما زال يهجر المدينة بعد المدينة حتى اعتصم بجزيرة في بحر الخَزَر فهلك بها.
ورث جلال الدين ملك أبيه. وإنما ورث الضراب والطعان، وعرشاً في أشداق المنون، تخاض إليه الأهوال، وتقطَّع دونه الآمال. لقد ذهب الملك وعلاء الدين معاً. وورث جلال الدين دَين أبيه من الكفاح والنضال، ورث القتال الحاضر , والملك الغابر.
هلَّم جلال الدين!: ادفع عن رعيتك ملا يُدفع، وأختر لنفسك وليس في الشر خيار: هما خطتا إما إسار وذلة وإما دم، والقتل بالحر أجار.
تحفز البطل تحفز الأسد، وتقهقر ليثب، ولكن المغول كانوا في أثره حيثما سار، يطوون وراءه الليل والنهار، حتى خرج من ملكه وقارب الهند. وهنالك صف جلال جنده وهم:
عصابة ليس لهم ديار … إلا ظهور الخيل والغبار
فهزم عدوه الجبار في ست معارك.
يلقى المنية في أمثال عُدَّتِها … كالسيل يقذف جلموداً بجلمودا
ولكن طوفان المغول أعظم من أن تثبت فيه صم الجلاميد أو يغنى فيه العزم المرير والبأس الشديد.
فذلكم جلال الدين على نهر السند وأولئكم المغول على نهر السند. يكرّ عليم كالأسد المُحرَج ويَصدقهم القتال من الفجر الى الظهيرة، يموت في يمينه الحسام بعد الحسام، وينفق تحت عزائمه الجواد بعد الجواد. فلما سدت على العزائم سبل النصر، وضاقت بالمجال حيل الأبطال، حمل على عدوّه فحطمه، ثم انثنى إلى النهر فأقتحمه، والموت خزيان ينظر. تلك لجة النهر تموج بجلال الدين وجنده، وفوقهم من سهام المغول وابل منهمر. وفي الهمم
стр. 554
القعساء تستوي الغبراء والدأماء. أعجب الأعداء بهؤلاء الأبطال فوقفوا معجبين ينظرون.
غرق معظم الجند وخرج البطل ببقايا القتل والغرق ليلقى بهم عدواً آخر. فهذا (جودي) أحد أمراء الهند يغير على البطل المرزَّأ لينفيه من أرضه. وهذا جلال الدين على العلات يصمد للمغير فيهزمه، ثم جاءه مدد من جنوده فتقدم في أرض الهند وأقام بها حيث شاء على رغم (قراجه) أمير السند وأيلتتمش أمير دهلي إذ تحالفا وحالفا عليه الدهر.
وما جهد هذا الدهر إلا هزيمة … إذا نازلت عزم الكرام كتائبه
أتحسب جلال الدين بلغ من الجهد غايته، ومن الجلد نهايته، وقد أعذر إلى المجد والملك والرعية؟ أتحسبه قد فقد ملكه جميعه، وهزم في أرض غريبة فهو حريّ أن يطلب في فجاج الأرض مفراً أو يلتمس في زواياها مستقراً؟ كلا! إنه فقد ملكه ولم يفقد رجاءه، ولا عزمه، ولا إباءه. إن له ملكاً وإن يكن في يد العدو الجبار وإن له عرشاً وإن يكن في ذمة الزمان الغدّار. إن أمامه في عراك الخطوب ثماني حجج تطير فيها بين المشرق والمغرب همته. وتنقله من حرب إلى حرب صرامته. ويسلمه من مصيبة إلى مصيبة حظه.
يشق بين الأهوال طريقه إلى كرمان ففارس فأصفهان فالري. ثم يصمد للخليفة العباسي الناصر فيهزم جنده ويقتل قائده ويسوق المهزومين إلى أسوار بغداد.
ثم يستولي على تبريز ويتخذها دار ملكه، ويغير على الكرج كأن أعداءه ليسوا أكفاء نضاله. وبينما هو في تفليس جاءه نبأ هائل. وناهيك بخيانة الأعوان في حومة الطعان: أنبئ أن براقا الحاجب والي كرمان قد مالأ المغول. فبادر من تفليس إلى كرمان ليعاقبه بخيانته. ثم يرتد من كرمان إلى الشمال ليحارب التركمان والملاحدة فيهزمهم ويجزيهم بما اقترفوا في غيبته. ويشرق تلقاء دامغان ليهزم جيشاً من المغول. ويرجع إلى الغرب حين يعلم إن الكرج تألبوا عليه. فيلتقي الجمعان وتأبى على جلال الدين شجاعته ومضاؤه إلا أن يبارز أبطال الكرج. وقد قتل أربعة من صناديدهم وِلاءً ثم حمل على الكرج فهزمهم أجمعين.
هذه سنة سبع وعشرين وستمائة وجلال الدين يعمل ليؤلف أمراء المسلمين ويضرب بهم هذا العدو المدمر فلا يمهلهم عدوه فيباغته ثلاثون ألفا من المغول فينهزم أمامهم ولكن ليستولي على مدينة كنجة.
стр. 555
عشر سنين نازل فيها جلال الدين منكبرتي أحداث الزمان مجتمعة وغلب فيها جهد الأعداء وخيانة الأصدقاء، وجالد عدو المسلمين وخليفة المسلمين. وحارب المغول والتركمان والملاحدة والكرج.
أرأيت جلال الدين نجما يدور به فلك من الخطوب بين المشرق والمغرب؟ أعلمت أن الرجل العظيم يخلق أحداث التاريخ ولا ينقاد لها. إن يكن ما يروى عن جلال الدين مستحيلا فكم بين حقائق التاريخ من مستحيلات.
غياث الدين أخو جلال الدين يمالئ الأعداء أيضاً فانظر إلى البطل العظيم عام ٦٢٨ وقد أجتمع عليه الأعداء وخانه الأخوة والأصدقاء وناء بقلبه خذلان أعوانه لا بطش أقرانه. ها هو ذا مكتئبا حزيناً مشرداً يسير في قرى الكرد ولعله كان ليحاول أن يخلق من عزمه جنداً وحرباً وانتصاراً وملكاً. ولكن رجلاً من الكرد باغته ففتك به:
أتته المنايا في طريق خفية … على كل سمع حوله وعيان
ولو سلكت طريق السلاح لردها … بطول يمين واتساع جنان
ولكن النفس العظيمة التي ملأت العدو والصديق هيبة وإعجاباً لا تموت بموت الجسد، فقد أكبر الناس أن يموت البطل الذي غلب الموت في كل معترك. فبقوا أكثر من عشرين عاما يتحدثون أن بطلهم حي وأنه ظهر في هذا المكان أو ذاك. بل حاول بعض الناس أن يلبسوا عظمته ويحملوا أسمه فناءوا بالعبء فأخذهم المغول بغير عناء.
يا شباب الشرق! قلبوا صفحات مجدكم فإن أعظم المصائب أن تمحى ذكرى الآباء من صدور الأبناء. وأن لكم في جلال الدين لعبرة.
стр. 556
مجمع البحور
إلى الدكتور محمد عوض محمد
قرأت مقالكم الممتع، تحت عنوان (مجمع البحور وملتقى الأوزان) فوجدت فيه من الطرافة ما يدل على التفوق في الذوق، غير أني أخذت عليكم فيه مأخذين أدلي بهما إليكم وإلى قراء مجلة (الرسالة) الكرام.
(١) قد ذهبتم إلى أن الشعر المرسل قريب العهد في الحدوث. وهذا غير الواقع فقد أنشد أبو عبيدة لأبنة أبي مُسافع وقد قتل أبوها يوم بدر:
فما ليثُ غريفٍ ذو … أظافير وأقدام
كحييّ إذا تلاقوا
وَ … وجوه القوم أقرانُ
وأنت الطاعن النجلا … َء مزبدٌ آنًِ
وبالكف حسامٌ صا … رم أبيض خذامُ
وقد تركب بالركبِ … وما نحن بصحبانِ
وتجدون هذه الأبيات في (الموشح) للمرزُباني، (ص٢٠) ومن يدري؟ فلعل هناك كثيراً من قصائد الشعر المرسل ذهبت بها أيدي الضياع. والمعروف أن الأستاذ الزهاوي هو الشاعر الوحيد في المحدثين الذي رفع لواء الشعر المرسل، ولا أعلم العلة التي حدت بكم إلى إغفال ذكره في الموضوع، وهو معيد الفكرة إلى نشأتها الأولى.
(٢) أنكم عبتم على أمير الشعراء عدم التزامه وزناً واحداً في رواياته؛ وأنا أقول: لو أن شوقي ﵀ أجهد نفسه، وتكلف الكثير حتى جاء برواياته، من بحر واحد وقافية واحدة لقال الناس ولقلت أنت أيضاً: إن شوقي قد وضع في عنق الشعر طوقاً يغله به في عصر الحرية والإنطلاق، وأنه مقلد وقديم في عهد التمرد والابتكار. ولكنا إذا صرفنا النظر عن كل هذه الاعتبارات، ونظرنا إلى الموضوع من حيث أن تلك الروايات إنما وضعت للتمثيل خاصة، تجلى لنا الموقف الذي ظهر في شوقي وهو يقدم لأدب الضاد مادة طريفة دلل بها على أن لغة القرآن لا تضيق بكل ضرب من ضروب التفكير، وكل فن من فنون الأداء وأن في الشعر ما يصلح أداة للتمثيل.
أنا لا أختلف وإياكم فيما يحدثه نظم القطعة الواحدة من بحور متعددة من الشعور بنفرة
стр. 557
الانتقال المباشر في الموضوع الواحد. ولكن هذه المفارقة النافرة في الذوق لا يبقى لها أثر متى لا حظنا أن الشعر خاص بالتمثيل وأنه نظم ليلقى على المسرح بغير لسان واحد. فانتقال الإلقاء من هذا إلى ذاك مما تضيع به فائدة المحافظة على البحر والقافية في قاعة التمثيل فضلا عما يحدثه التمثيل ذاته في أنفس السامعين من الاتجاه إلى الحادثة وتسلسل المواقف دون الالتفات إلى أن هذا يسأل من بحر الخفيف وذاك يرسل الجواب من بحر الطويل. وقد حضرت روايات شوقي التي مثلتها الفرق المصرية في العراق فلم أجد في نفسي أثراً لاختلاف البحور والقوافي ولم أسمع من غيري شيئا من هذا. ويظهر أن فكرتكم قد تولدت من القراءة المجردة دون أن تقترن بالروح التي تبعثها مشاهدة التمثيل. وما كان شوقي بعاجز عن أن يوحد البحور والقوافي في رواياته بشيء من الجهد وهو أمير الشعراء، ولو كان قد تكلف اجتياز هذه العقبة الكأداء لما وفق في الموضوع إلى المدى الذي انتهى إليه من البراعة في حبكة الرواية والإتيان بأرفع الخواطر سمى ذلك لأن الشعر ذاته في حاجة (بالتمثيل) إلى كل هذه التوسعة وإلا طغت الألفاظ على المعاني وجاءت المواقف في شيء كثير من البرود والجفاف مهما بلغ الشاعر حظا عظيما من فيض العبقرية. ويظهر أن الأبيات التي استشهدتم بها من رواية قمبيز ليست ثلاثة ومصرعا (بفتح الراء) وإنما هي أربعة أبيات باعتبار قوله:
بخٍ بخٍ … بنتَ أخي
بيتاً واحداً مصرعاً (بتشديد الراء) كما يدل عليه التشكيل في الرواية وعلى حد قوله في (قمبيز) أيضاً:
النوبُ جيلْ … حر أصيلْ=يقضي الديونْ
نحن الأسود … حمر الجلودْ=حمر العيونْ
لنا لبدْ … من الزردْ=هي الحصونْ
إلى آخر القطعة (ص ٩٨) وهناك كثير من أمثال ذلك وهو بحر جديد يستسيغه الذوق طبعاً. وبذلك يرتفع ما يؤخذ على شوقي من استساغته اختلاف البحر في البيت الواحد، وذلك لا يصح صدوره من شاعر، لأن البيت في الشعر وحدة مستقلة الذات في القصيدة، وهذا الاستقلال يفرض معه اتحاد البحر في البيت الواحد.
стр. 558
وبعد فإني أرجو لا يكون هذا الدفاع مبرراً لما جريت عليه في تأليف روايتي الشعرية (رسول السلام) من عدم التقيد ببحر واحد وقافية ثابتة والاكتفاء بموسيقية الوزن فحسب، إنما أرجو فيه إصلاحا لما علق في بعض الأذهان من أن روايات شوقي فقدت أكثر جمالها بفقدها اتحاد الوزن والقافية. ويكفي الشعر التمثيلي أن يحتفظ بنغمة الوزن وحدها ما دام المسرح لم يخصص لقائل واحد وإنما هي مشاهدة عدة وممثلون كثيرون قد يكون هذا التنويع في البحور والقوافي، ملائماً لإبراز ملامح الجمال التي تنسجم مع الموقف ومن فيه.
بغداد. حسين الظريفي
стр. 559
مشروع تعاون الشباب
صيحة من قلب الشباب لإنقاذ الشباب
للأستاذ حافظ محمود
في الوقت الذي يزاحم القنوط آمال الشباب في ساحة العمل والنشاط قد ارتفع صوت ينادي الشبان إلى الخلاص مما أحاق بحياتهم العملية من ضغط وإرهاق، يقول لهم أن في يد الشباب معجزة الثروة الطائلة إذا هم ادخروا من أموالهم المتواضعة بضعة قروش تحتسب لهم أساساً للمساهمة في إنشاء شركات مصرية صناعية تزيد في كسبهم ناحية لن تزيدهم الأيام إلا سعة وتجديدا.
ذلك هو مشروع تعاون الشباب الذي يتقدم إلى شباب الأمة المصرية بهذه الفكرة الناضجة، يفصل لهم رءوس الأموال تفصيلا، يستطيع كل فتى وكل فتاة إلى الاشتراك فيه سبيلا. فخمسة قروش ما أسهل توفيرها في كل شهر مرة واحدة لمن أراد، وأكثر من مرة واحدة للقادرين!
فحسبنا من المصريين واحد في المائة من تعدادهم يؤمنون بتنفيذ هذه الفكرة. إن واحداً في المائة من خمسة عشر مليونا مصريا إذا ادخروا خمسة قروش لكل منهم شهرياً اجتمع لنا في عام واحد تسعون ألفا من الجنيهات. وهو مبلغ يحسب في تاريخنا الاقتصادي الناشئ بالشيء الكثير. فأنت حين تراجع تاريخ إنشاء بنك مصر وتعلم أنه قام أول ما قام على ثمانين ألفا فقط لا بد واجد من نفسك بعد هذا إحساسا طيبا نحو هذه التسعين ألفا من الجنيهات التي يستطيع شبان المدن المصرية وحدهم أن يدخروها في سنة واحدة من بقايا نفقاتهم النثرية في غير عنت ولا إرهاق.
أن الحركة الاقتصادية هي ميزة العصر الحاضر على كل العصور، ومن الأمثلة التي تساق في هذا البحث أن مصر تستورد سنويا من الخارج بما يقرب من المليون جنيه غرائر (زكائب) خشنة ساذجة، مع مصلحة التجارة والصناعة بعد درسها لصناعة الغرائر علميا قد تبينت إننا نستطيع أن ننشئ بتسعين ألفا من الجنيهات أو يزيد قليلا هذا المصنع العظيم الذي يغنينا عن بذل مليون أو ملايين بضرورة التكرار سنويا للمصانع الخارجية.
هذا كله إنما يقوم دليلا قويا على صلاح الدعوة التي يدعوها (مشروع تعاون الشباب) لفتح
стр. 560
آفاق جديدة يرتادها شبان مصر في حياة الأعمال الحرة، ويزيد فخرهم فيها أنهم هم المنشئون، وهم العاملون، وهم الذي يفيدون ويستفيدون.
ذلك أن القائمين بدراسة هذا المشروع وتنفيذه فكروا أول ما فكروا ألا تكون قروش الشباب هبة أو عطاء، فليس العطاء من تاريخ الاقتصاد في شيء، إنما جعلت هذه القروش الخمسة التي يكرر الشباب المصري ادخارها لمشروع تعاون الشباب وسيلة ميسورة تنتهي بالجميع إلى أن يصبحوا مساهمين في الشركات التي ينشئونها بأموالهم. فيكونون قد أنشئوا للصناعة في مصر منشآت جديدة من ناحية، وفتحوا لأنفسهم طريقاً إلى الربح من ناحية ثانية. وزادوا على هذا وهذا أنهم يبذرون بما يعملون بذور النزعة الاقتصادية المنتجة في أرض البلاد.
فأنت ترى أن الفكرة في هذا المشروع لم تكن وليدة رأي عارض أو تقليد أصم. إنما هي فكرة ولدتها حاجة الحياة المصرية إلى كثير من المنافذ التي تنفذ منها جهود الشباب إلى ما يهيأ لهذه الشبيبة المصرية مستقبلا أكثر رخاء ورغداً، وأنت ترى في تضاعيف هذه الفكرة نزوعا إلى تحقيق الديمقراطية الاقتصادية إذ تفتح وسائل المشروع أبواب المساهمة في تأسيس الشركات والمصانع أمام أصحاب خمسات القروش كما تفتحها أمام أصحاب الآلاف أو الملايين، وهي نزعة علمية صالحة جديرة بالتقدير والاعتبار.
كان هذا المشروع فكرة، ثم انقلبت الفكرة صوتا ينادي شباب مصر إلى العمل في سبيل مستقبلهم ومستقبل بلادهم. والواقع أن في مصر مشكلة يصح أن تسمى مشكلة الشباب، وأن هذا المشروع حل من أوفق الحلول لهذه المشكلة الضخمة فأولئك الألوف الذين تخرجهم المدارس كل سنة إلى أين يذهبون بما تسلحوا من علوم وفنون؟ لقد ضاقت سبل الرزق عن أن تسد حاجاتهم، وعز على أوليائهم والأغنياء من أهلهم أن يضحوا في سبيلهم، وحقت عليهم التجربة القاسية التي سيخرجون منها إما ظافرين بمعنى سام من معاني الرجولة التي تعرف قيمة الاعتماد على نفسها، وإما حاملين أثقال الخيبة التي لا رجولة فيها.
لم يبق أمام الشبيبة المصرية إلا أن تعنى بمستقبلها: تدبر له الأمر وتنفذ ما فيه بناؤه، بناء يقوم على أسس مادية ثابتة لا تتعرض لها أيدي الآخرين. ولعل مشروع تعاون الشباب هذا
стр. 561
هو الترجمة الحرفية لهذا كله، فهو محاولة مرضية في خلق شيء لمستقبل الشباب بجهود الشباب وماله من قليل المال وكثير النشاط. وربما كان حتما لزاما على إخواننا الشبان أن يوجهوا جهودهم في تنفيذ هذا المشروع على الوجه الذي يحقق آمالهم أملا فأملا ليثبت لهم في سجل الأيام أنهم عرفوا واجبهم فأدوه، وآمنوا بحقهم فسعوا إليه.
أما وسائل التنفيذ لهذا المشروع فقد أحسن أو يحسن القائمون به تنظيمها، فلكل خمسة قروش تودع لحساب المشروع (كوبون) مرقوم بالرقم المسلسل، مختوم بالخاتم المسجل، ممضي إمضاء رسمية. وهذه الكوبونات التي يتقاضاها المساهمون في هذا المشروع تودع قيمتها أو أثمانها لحساب المشروع في بنك مصر إيداعاً ليس فيه صرف ولا حل إلا يوم تنعقد الجمعية العمومية للجان المشروع بعد ستة أشهر، فتحصى المجموع عدداً وتقرر ما ينشأ به من صناعة ومن يقوم على الإنشاء من الأعضاء الأخصائيين البارزين. يومئذ تأذن الجمعية لثلاثة من الرؤساء أن ينفقوا على عملية التأسيس بحساب معلوم تحت رقابة مسؤولة.
هذه وسيلة من وسائل النجاح للمشروع يزيد عليها أن القائمين بعملية التوزيع في ذاتها ليسوا فتية غير مسؤولين، إنما هم أعضاء لجان في وزارات الحكومة ومصالحها ومدارسها يشرف عليها رؤساء من أكبر الرؤساء. وهم يشتركون في المسئولية عن كل ما يوزعون حفظاً وضماناً لما يجمعون.
أما المال الذي يجمع فهو مضمون في خزائن بنك مصر، وأما ملكيته فهي لأصحاب خمسات القروش أنفسهم تعود عليهم أرباحه يوم تنشأ الشركة ويكونون فيها مساهمين، وأما نوع الصناعة التي تؤسس بمال المشروع هذا فمتروك أمرها لقيمة رأس المال الذي يمكن جمعه وتوفيره لهذه الغايات كلها التي يسعى إليها المشروع من إنشاء صناعات وطنية إلى فتح أبواب جديدة للرزق. فلجنة المشروع تضع نصب أعينها إذن غرضين: صناعة لا مزاحمة فيها للمواطنين، ومصانع يتطلب العمل فيها أكبر عدد ممكن من أيدي الشباب المواطنين.
إن كل غرض من هذين الغرضين اللذين يسعى إليهما مشروع تعاون الشباب جدير بعطف الأمة وتقديرها، وإذا كان قلب الأمة موزعا في قلوب الشباب فما أحرى هذه القلوب أن
стр. 562
تنصت إلى نداء (تعاون الشباب) ثم تجاوبه بالإقبال والبذل والعمل في سبيل الحرية التي تلمس بالأيدي ويحس بها الأفراد جميعاً.
стр. 563
في الأدب العربي
القصة المصرية
للأستاذ جيب
أستاذ الأدب العربي في مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن
- ٢ -
أول قصة مصرية بالمعنى الحقيقي خرجت إلى الوجود، وهي غفلاء من أسم مؤلفها، فلم تلق أول الأمر إلا اهتماماً قليلاً من جانب المتعلمين، تلك القصة هي (زينب) مناظر وأخلاق ريفية، بقلم فلاح مصري - القاهرة، مطبعة الجريدة عام ١٩١٤. ومؤلفها هو الدكتور محمد حسين هيكل، ولما كان غداة نشرها محامياً صغير السن طموحاً لم يشأ أن يذكر أسمه مخافة أن يقف ذلك عقبة في سبيل عمله.
خرجت (زينب) خروجاً تاماً، في لغتها وأسلوبها وموضوعها وفي الطريقة التي عالجها بها المؤلف عن جميع ما تقدم من الآثار في الأدب العربي. وليس هناك علاقة بينها وبين قصص زيدان التاريخية، وقصص فرح إنطوان، فلقد كتبت كما يتضح من عنوانها لتصوير الحياة الاجتماعية في الريف بسلسلة من الحوادث تدور حول فتاة قروية.
ونستطيع أن نسرد الحكاية في أيجاز، فنقول، أن زينب وهي فتاة قروية جميلة، قوية الإحساس، بعد علاقة بريئة بشاب متعلم يدعى حامد أبن صاحب الأرض في القرية، قد أحبت فتى يقال له إبراهيم، ولكنها تزوجت رغم أنفها وبمشيئة والديها من صاحبه حسن. فحرصت على وفائها وولائها له، ولكنها ظلت على حبها لإبراهيم، ولقد أدى التنازع بين هاتين العاطفتين، عاطفة الحب وعاطفة الإخلاص الزوجي إلى تأثير سيئ في صحتها، ولما علمت بدخول ابر أهيم في الجيش بلغ ذلك من نفسها مبلغاً عظيما حتى أضناها الحزن ثم أودى بحياتها، وبجانب هذه الخطة تقوم حكاية أخرى. وهي تلك العلاقة بين حامد وابنة عمه، وهي فتاة من فتيات المدن، ثم اختفاؤه عندما أخفق مسعاه في التزوج منها.
ويتضح من ذلك أن الخطة على العموم أقل من أن تكفي لملء أربعمائة صفحة، وبالقصة من جهة أخرى عيوب سنعرض لها الآن. وينبغي أن نتذكر أن تلك القصة ليست أول
стр. 564
مجهود لشاب صغير السن فحسب. بل هي كذلك أول مجهود من نوعه في أدب فني، فيجب أن ينظر إليها مع هذا الاعتبار، والواقع أن ما في القصة من تفاصيل تستوجب النقد، يقل شأنه، إذا قارناه بتلك الحقيقة وهي أن هناك مجهودا بذل، وأن تلك القصة تعتبر شيئاً جديداً من نوعه أضيف إلى الأدب العربي.
ويعد بناء هذه القصة ممتعا من الناحيتين الوصفية (والسيكلوجية) وواضح أن القصة إنما قصد بها انتقاد تلك الروح الرجعية التي ما زالت تسيطر على طبقة خاصة من الناس على الرغم من التقدم الحديث، على أن نجاحها في هذا السبيل لم يكن تاما، إذ أن الشخصيات نفسها لم تركب بدرجة كافية، اللهم إلا شخصية حامد، وهي بلا شك تمثل إلى حد كبير شخصية المؤلف نفسه. كذلك نلاحظ أن تصوير الأشخاص والحوادث بطريقة (درامية) جاء ضعيفا بالجملة.
وكانت النتيجة أن تعليقات المؤلف (السيكلوجية) كانت تأتي على لسانه هو بطريقة أقرب إلى طريقة الكتب المدرسية مع استعمال ضمير المتكلمين الجمع. ويظهر تدخل المؤلف بشكل أوضح في مواضع الوصف. ولقد ذكر هيكل بك في مقدمة الطبعة الثانية الظروف التي وضع فيها كتابه، وذلك حين كان يطلب العلم في باريس وجد به الحنين إلى وطنه، فجعل يتمثل في ذهنه جميع مظاهر الحياة القروية، ومجالي الطبيعة في مصر، ويظهر أثر ذلك في كل صفحة من صفحات الكتاب تقريبا، في قطع وصفية مسهبة للمناظر الطبيعية، كالشمس والقمر والنجوم والمحاصيل والجداول والبرك. . . الخ، ولقد يرتفع أسلوبه في ذلك إلى درجة عظيمة من الفخامة والروعة الموسيقية، ولكن طول الوصف مما يسبب السآمة وتشتيت الذهن. ففي كل حادثة وفي كل منظر وصف وتعليق، مما جعل القصة في بعض المواضع تسير متعثرة. أضف إلى هذا أن الكاتب كان يعمد أحيانا إلى قصص استطرادية تافهة، لا تمت بصلة قوية إلى القصة الأصلية، لا لغرض سوى أن يستطيع بواسطتها أن يضيف بعض الفقرات الوصفية، ثم بين الفينة والفينة تظهر بعض جمل مثقلة بالوصف الى درجة تفقد معها مبناها ومادتها.
ولكن يجب ألا ننسى أن هذه الفقرات الوصفية تحمل من المعاني إلى ذهن القارئ المصري أكثر مما تحمل إلى غيره، وإن تأثيرها الفني في نفسه، يعد أحد الأسباب الرئيسية التي
стр. 565
قامت عليها شهرة هذه القصة عند المصريين.
أما ما حوته من المباحث الاجتماعية، فكان أكثر تمشيا مع الخطة، إذ كان من المحتم أن يتلمس المؤلف أسباب المساوئ التي ذكرها وأسباب المأساة النهائية، وأن يرجع ذلك إلى أصله في العادات الاجتماعية. ويغلب على القصة من أولها إلى آخرها التعرض لنقد المساوئ التي أنتجها التمسك بالعادات البالية، ولكن النقد الاجتماعي لم يحشر بالطريقة التي حشرت بها الفقرات الوصفية (والسيكلوجية) ويرجع ذلك إلى أن المؤلف قد أجراه على لسان حامد، وهو شاب متعلم متأثر بأفكار قاسم أمين وغيره من المصلحين الاجتماعيين، على أن المؤلف كان يلجأ هنا أيضاً في بعض الأحيان إلى اصطلاحات الكتب المدرسية.
وكان تنظيم الأسرة وتحرير المرأة هما المحور الذي تدور عليه انتقادات المؤلف الاجتماعية، أضف إلى ذلك بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في مصر، كبعض الحرف البعيدة كل البعد عن حقائق الحياة، مثل حرفة طبيب القرية (الحكيم البلدي) ومشايخ الطرق الذين يتجرون بتضليل العامة وغير ذلك.
أما شعور المؤلف القومي، فكان مضمراً أكثر منه صريحا وإن كان قد أظهره في بعض المواضيع، وبخاصة عند إشارته إلى حقارة الخدمة العسكرية، تحت سيطرة الأجنبي.
أما أسلوب القصة فقد سار الكاتب فيه على الأسلوب الأدبي الحديث مع تهذيبه في أغلب الأحيان في اللفظ والتركيب، ويلاحظ فيه من جهة أثر الاصطلاحات العامية الخاصة بدلتا مصر، ويتضح ذلك في اقتضاب بعض الجمل، وفي طريقة الانتقال وغيرها، كما يلاحظ فيه من جهة أخرى أثر الفرنسية، ويظهر ذلك في طول الجمل والتوائها مع كثرة الجمل الفرعية والمعترضة التي تدخل على الجملة الرئيسية، مثال ذلك الجملة التي تبتدئ بالفقرة الآتية (ومن الظلام روافه) صفحة ٣٧ من الطبعة الأولى و٣٤ في الطبعة الثانية وكذلك الجملة التي تبتدئ بقوله: ولم تكن إلا لحظات. . . ص ٨٩ في الطبعة الأولى و ٧٠ في الثانية.
أما ما يتعلق بتلك المشكلة الصعبة، مشكلة أسلوب الحوار فقد لجأ هيكل بك في شجاعة إلى استعمال اللغة العامية إذا كان الحوار بين الفلاحين، أما إذا كان بين الطبقات المتعلمة فيتركهم يتكلمون اللغة الفصحى.
следующие страницы →