Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وهو في السادسة والثلاثين من عمره نظم مقطوعة ودع بها الشباب والحياة، وهو في أزهى ريعان الشباب والحياة، فلم يتمن إلا قبر الجندي البطل. فناجى نفسه قائلاً: (إذا فقدت من الحياة أعذب شيء، فمن أجبرك على احتمال هذه الأعباء الثقيلة؟ هي هنالك ساحة الشرف، فأذهبي واختاري مضجعاً عظيماً، اذهبي وتخيري موطناً يهدأ فيه رمادك ثم استريحي) وفي اليوم الموعود طار النبأ بأن (الرجل العظيم قد مات)
وقد أفرد النقادة الفرنسي (تين) في كتابه (تاريخ الأدب الإنجليزي) صفحات مختارة، تناول فيها الشاعر (بيرون) ووصف بحذق ودراية (مرض العصر) الذي فشا بين الأدباء، فأسقط كواكبهم، وصرع عظمائهم.
يقول تين: (وهكذا عاش ومات هذا الرجل العظيم التعس، فكان فريسة سمينة لم يعلق بمثلها مرض العصر، ومن حولها يتساقط الآخرون ضحايا. . . . . البعض انطفأ غارقاً في الذهول والنشوة، والبعض قتله السرور والغناء. أما هؤلاء فقد آل أمرهم إلى الجنون والانتحار، وأولئك غلب على أمرهم العجز والداء. وكلهم عاشوا ناقمين حانقين متألمين، وأشدهم عزماً من استطاع أن يحتمل جرحه حتى صار كهلاً، وأكثرهم هناء من تألم كما يتألم الغير، يحرص على جراحه وهي بريئة. قد ملأ أنينهم العصر كله ونحن وقوف حيلهم نصغي إلى قلوبنا التي تردد هتافهم همسا، ونحن كئيبون مثلهم، تسيطر علينا الثورة، فالديمقراطية قد فتحت مطامعنا دون أن ترويها، والفلسفة أضرمت رغائبنا دون أن ترضيها. فرجل الشعب يشكو وضاعته. والشاك من شكه!
وإنما هذا الرجل - كالرجل الشاك مصاب بسويداء حلت في قلبه قبل أوانها. . . . فتراه يستسلم بعواطفه للشعراء الذين يقولون باستحالة السعادة، وفساد بناء المجتمع وسقوط الإنسان
لا رجاء في شفاء هذا الداء. لأنه داء لا تقوى على محوه عوامل السرور ولا الدين ولا أي شيء. . . وطويلاً سيشعر الناس بأن عواطفهم ترتعش لأنين شعرائهم العظماء. وطويلاً سينقمون على قدر يفتح لأهوائهم فضاء بدون حدود، ولن يقدر لهم الشفاء حتى يحطموها. . . أن ذريتنا مصابة كالسابقين بهذا المرض نفسه. . إننا ذاهبون إلى الحقيقة لا إلى السكون، كل ما نستطيع أن نعالجه في هذه اللحظة هو عقلنا. . . إذ ليس لنا ما نؤخذ به
стр. 5007
عواطفنا، إن لنا الحق بأن نتفهم آمال غيرنا التي ليس لنا مثلها، وأن نهيئ لمن يأتي بعدنا سعادة لن نتمتع نحن بها، وستكون لهم أرواح صافية المعدن عند ما ينشئون في محيط صافي المعدن.
ولكن أين يكمن مورد هذا الصفاء؟ إن مورده العلم وحده، فإن في استخدام العلم وفي أدراك الأشياء، فناً وأدباً وسياسة وشريعة جديدة، وإنما واجبنا اليوم أن نتحرى هذه الأشياء)
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 5008
العلوم
فكرة النظام الشمسي عند العرب
بقلم فرح رفيدي
امتدت الممالك العربية في أيام الدولة العباسية، والكنيسة حينئذ في أول عهد نفوذها، وما قويت شوكة الخلافة في بغداد، حتى هدأت الزوابع السياسية التي كانت شديدة في أيام بني أمية، وانصرف هم الخلفاء إلى نقل العلوم اليونانية والزيادة عليها. وأقول كما قلت في أمر الكنيسة، إن العرب تلقنوا هذه العلوم، وخصوصاً علمي الهيئة والنجوم من اليونان، لكنهم شرحوها شرحاً أقرب للحقيقة مما شرحته الكنيسة. والسبب في ذلك واضح، لأن الكنيسة كان غرضها الأكبر من تفسير العلوم اليونانية المحافظة على مقامها وتعاليمها لدى الشعب، فأبقت العلوم لديها مختلطة بالدين أو جزءا منه. لكن العرب لم يختلط عندهم العلم بالدين اختلاطه عند الكنيسة، فكان ما نقلوه وزادوا عليه هو لأسباب علمية بحتة، وأيضا لم يكن عندهم هيئة خاصة كمحكمة التفتيش تحاسب الفرد على اعتقاده ودينه.
لكنا إذا سلمنا بكل هذا، فلماذا لم يحدث الانقلاب العلمي في أيام العرب؟ أي لماذا لم يتوصل العرب إلى حل رمز هذا الكون الجليل بطريقة تبين اعوجاج النظام اليوناني؟ نذكر لذلك سببين:
لما ابتدأ العالم العربي في نقل العلوم كان ذلك فقط في أيام المأمون في أوائل القرن التاسع للميلاد، أي في بداية العصر العباسي الثاني، ونعلم إنه قبل القضاء على الخلافة العباسية في القرن الثالث عشر للميلاد قامت دول شتى في كل أنحاء البلاد فعمت الفوضى وكثرت القلاقل والحروب، فلم يستتب السلام في أيام بني العباس إلا مدة قصيرة جداً. أي أن الوقت لم يكن كافياً للعرب ليقوموا بانقلاب أو تجديد في العلوم اليونانية، فإذا قابلنا مثلاً المدى الذي تطورت فيه حضارة اليونان بالمدة التي قام فيها العرب بنهضتهم العلمية وجدنا الفرق كبيراً. فلو اقتصرنا ببدء حضارة اليونان من عصر تاليس وبيتاغوراس فقط في القرن السادس قبل الميلاد، إلى عهد بطليموس وبوكليد في القرن الثاني بعد الميلاد لوجدنا المدة تقرب من الثمانية قرون. أما عند العرب، فيمكن أن يقال إن ترجمة العلوم اليونانية ابتدأت فقط من العصر العباسي الثاني، أي في ابتداء القرن الثالث للهجرة، وبقيت حتى أواخر
стр. 5009
القرن الخامس للهجرة وهي مدة لا تزيد على الثلاثة قرون. فإذا كان اليونان بعظمة نبوغهم، وباعتبار أن قسماً كبيراً من مدنيتهم مرتكز على المدنية المصرية القديمة، لم ينتجوا ما أنتجوه في أقل من ثمانية قرون، فكيف يقدر العرب أو غيرهم، أن يستوعبوا ما أبدعه اليونان من تعاليم طبيعية وفلسفية وغيرها في مدة لا تتجاوز ثلاثة قرون؟ خصوصاً والعرب كانوا حينئذ أمة جديدة على الحضارة، لم تتعود ما أعتاده اليونان قبلا.
زد على ذلك أنه لو لم يعتن العرب بعلوم اللغة والدين والتوسع فيهما توسعاً زائداً، في عهد بني أمية وما بعده وصرفوا اهتمامهم الكافي لبعض العلوم اليونانية، لكان العرب عندئذ أولى بأن يقوموا بحركة علمية جديدة.
لم يكن علماء العرب في ذلك الوقت راضين عن النظام اليوناني أو محبذين له. فإنه عندما بدأ العرب ترجمة العلوم اليونانية، ورأوا فكرة اليونان في المجموعة الشمسية، وما هي عليه من التعقيد والتناقض وعدم تلاؤم أجزائها ببعضها داخلهم الشك في صحتها وارتابوا في كثير من أقسامها. وجعل هذا الشك منهم عيوناً دقيقة الملاحظة، حريصة في التنقيب، لا تدع شيئاً مهما كان حقيراً دون بحث أو تفسير. ولم يتركوا سبباً إلا فحصوه وشرحوه ووازنوه مع غيره من الأسباب، وقابلوه مع ما تأتى لها من نتائج أرصادها، فأنقصوا من النظام اليوناني أشياء، وزادوا عليه أشياء، واعتمدوا في كل شروحهم وتعليلاتهم على ما يستسيغه العقل ويقبله المنطق محاولين بذلك اتباع طريق غير طريق بطليموس وشرح نظام جديد ربما تصوروه ولكن لم يدون.
قام حينئذ من العرب ابن رشد وابن طفيل وتلميذه البتروغي في القرن الخامس للهجرة، وانتقدوا كتاب الماجسطي حتى أنهم لعدم اكتفائهم بتفسير النظام البطليموسي أتوا بأفكار مبتكرة في حركات الكواكب السيارة، وألفوا نظاماً جديداً يقال له خلاف النظام اليوناني، فأنكروا وجود الدوائر الصغيرة وبذلك عللوا حركة الكواكب من الغرب إلى الشرق وبالعكس تعليلاً مخالفاً لكتاب الماجسطي، ومنهم من اعتقد أن الكواكب لم تبعد مسافة واحدة ثابتة عن دائرة البروج بل هي في أبعد مختلفة، إذ هذا هو السبب في اختلاف شدة الضوء المنبعث منها.
ومن المشهورين في تطور النظام الشمسي من العرب الخوارزمي سنة٢٢٠ هـ. وهو
стр. 5010
صاحب الأرصاد المختلفة والمرتبة بنظام خاص يقال له الزيج
والفرغاني سنة ٢٢٥هـ. وله قياسات في أبعاد وأقطار الكواكب الخمسة، وكتابه (كتاب في الحركات السماوية وعلم جوامع النجوم) ترجمه أكثر من واحد إلى اللغة اللاتينية.
وثابت بن قرة (سنة ٢٣٥هـ) ويعد اكبر المشتغلين في العلوم الهندسية من العرب، أصلح ترجمة إسحق بن حنين لكتاب أقليدس، ووضع عدة شروح عن النظام اليوناني، محاولاً فيها كلها ابتكار نظريات جديدة، وشروح سهلة لدرس النظام البطليموسي، وله أرصاد مختلفة في قياس بعد الشمس وتحديد السنة الشمسية، وقد أضاف فلكاً تاسعاً إلى النظام القديم وراء فلك النجوم الثوابت، وكان أول من وصف الكرات المتراكزة من العرب.
البتاني سنة ٢٧٠هـ. وهو الذي اشتهر بدقة أرصاده من أيام هبارخس إلى كوبرنيكس، حتى فاق الخوارزمي بدقة ملاحظاته في الكواكب السيارة. وكان من منتقدي بطليموس وقد وجد ميل دائرة البروج عن دائرة خط الاستواء ٣٥َ ٢٣ْ وهو رقم مطابق لقيمة الميل الحديث، وعمل ملاحظات دقيقة عن القمر واختلاف حركاته، وعن أوقات الخسوف والكسوف. وهذا ما قاله عنه ابن خلكان. (له الأعمال العجيبة، والأرصاد المتقنة، وأول من أبتدأ بالرصد سنة ٢٦٤هـ، وله من التصانيف: الزيج، وكتاب معرفة مطالع البروج، وشرح أربع مقالات بطليموس، وأصلح قيمة مبادرة الاعتدالين، وقيمة ميل دائرة البروج على دائرة خط الاستواء).
الزدكلي سنة ٤٦٠هـ. اشتهر بصنع أدوات الرصد وخصوصاً الأداة المسماة بالصفيحة وهي لقياس أبعاد وأقطار الكواكب السيارة. كتب شرحاً ترجم على أيام الملك الفونسو ملك وقد أخذ عنه وعن البتاني كوبرنيكس في تعليل نظريته الجديدة
ولعل أشهر التجارب العملية التي قام بها العرب أيام المأمون
هو قياس الدرجة من خط نصف النهار، بواسطة ثلاثة أخوة
يقال لهم بنو موسى، وبطريقة غير التي عمل بها اليونان
الأقدمون ذهبوا إلى موضع في سهل سنجار في العراق، فذهب
بعضهم شمالاً والبعض جنوباً حتى رأوا في الشمال النجمة
стр. 5011
القطبية ترتفع درجة وفي الجنوب تهبط درجة. ثم قاسوا
المسافتين ووجدوا الوسط بينهما، ولكنهم أتخذوا الرقم الأكبر
منهما وهو ٣٢ ٥٦ ميلاً
وغير هؤلاء الذين ذكرناهم، قام أناس كثيرون من العرب أتوا بأبحاث جليلة مختلفة في شكل النظام الشمسي، وتعليقات شديدة النقد على النظام اليوناني لا يسعنا ذكرها الآن.
قد يبدو النظام اليوناني للبعض بسيطاً بالصورة التي شرحناها، ولكنه في الحقيقة معقد وغاية في الصعوبة، وفيه كثير من المتناقضات لعدم ثبوته على أساس راسخ، والذي زاد في المسألة تعقيداً هو نظرهم للظواهر كما ترى لا كما يستسهلها العقل البشري.
فتعقد النظام اليوناني وتناقضه، من كثرة ما زيد عليه من الكرات والدوائر الصغيرة، ولد الشك في قلوب الكثيرين من العرب. وهذا الشك هو الذي حرضهم على البحث والتدقيق في ملاحظاتهم، وعلى التأمل في نتائج أرصاداتهم في الكون، وربما يمكن أن تكون أسباب التناقض وعلل النقائص ومسببات الحركات الشاذة والمختلفة التي لاحظوها ولاحظها اليونان من قبلهم. لكن هذا الشك الذي نرى في كثير من شروحهم ومؤلفاتهم لم يتخذ طريقاً محسوساً معيناً يمكن معه أن نسميه انقلاباً علمياً كالذي قام به كوبرنيكس وكبلر وغاليلو فيما بعد.
ومع أن العرب لم يتوصلوا إلى اكتشاف جديد في ميزة هذا الكون العجيب، وتعليل ظاهراته تعليلاً صحيحاً، فإن دقة ملاحظاتهم وحسن ترتيب نتائج أبحاثهم، جعلتهم يفوقون الإغريق ويبذونهم في أشياء كثيرة. فقد مهدت السبيل لاكتشافات مقبلة، وجعلت فكرة النظام اليوناني سهلة التغيير قابلة للانقلاب إلى الفكرة الصحيحة، حتى لم يكن بينهم وبينها إلا مسافة قصيرة جداً بدليل أن كوبرنيكس مبتدع الفكرة الجديدة لم يتوصل إلى ما توصل إليه إلا بعد مراجعة كتب العرب، وقد عاش بعد ما انطفأ نور العلم في الشرق بمدة غير طويلة
فرح رفيدي
стр. 5012
القصص
رجل. . . وامرأة
بقلم محمد سعيد العريان
- ١ -
جلس شوكت أفندي كاظم في حجرة الانتظار في مدرسة. . . يجيل طرفه في قطع الأثاث المبعثرة، وينقل النظر بين السقف والأرض والحيطان. لم يتغير شيء فيها عما رآه لآخر مرة منذ سنوات أربع؛ هذا النضد الصغير في زاوية الحجرة كأنه قطعة من أرض المكان فلم يتزحزح عن موضعه؛ وهذه الأريكة الكبيرة طالما تمدد عليها ولوى ذراعيه تحت رأسه وسبح في أحلام اليقظان؛ وهذه الصور على الحيطان تطل منها الوجوه الصغيرة، في أساريرها مرح الطفولة، وفي عينيها بريق الأمل - إنها في موضعها حيث صففها بيديه قبل سنين، ولكنها زادت أخرى، لاشك أنها صور الفرق التي أتمت دراستها بالمدرسة منذ نقل منها. . . ودفعه حنين وشوق فنهض يتأمل صور تلاميذه الذين عاش بينهم شطرا من حياته في منزلة الأب الثاني، ثم فارقهم وفارقوه منذ سنين بعيدة فوجاً بعد فوج إلى حيث لا يدري من فجاج الحياة. ما أسرع ما تمر السنون! أيهم الآن يذكره كما يذكرهم؟ لعل منهم صاحب المنصب الرفيع والجاه العريض وهو ما يزال حيث تركوه في منصبه وجاهه!. . . ووقف لدى صورة من عديد الصور المعلقة، ولم ينتقل عنها ولم يخفض بصره؛ لقد طافت برأسه ذكريات من الماضي، ذكريات حية ما يزال قلبه بدمها ينزف. وحدق في الصورة طويلاً تحديق العانس في المرآة تنعى الشباب وتتهم الزمن. . . منذ ثمان سنوات حين دعي ليجلس بين تلاميذه في هذه الصورة كان شخصاً آخر غير الشخص الذي يعيش اليوم، لقد كان يومئذ يعيش في واد من الأحلام: أحلام الشباب والمرأة والحب. أين هو اليوم مما كان؟ أما الشباب فقد أنهكته أحداث الزمن، وأما الحب فقد دفنه هناك ولفه في أكفان اليأس، وأما هي. . .
ودخل الضابط يحيه بصوت غليظ، في يده عصا ومن وراءه غلام. وأندفع عادل شوكت إلى أبيه حين رآه باسطاً ذراعيه، فلم يخشى عصا الضابط ولا صوته البغيض؛ وضم
стр. 5013
الرجل ولده إلى صدره ومال عليه يقبله في ظمأ وشوق؛ وطأطأ الولد رأسه يعبث بأزرار معطف أبيه ويداعب سلسلته؛ وسبح أبوه في ذكريات ينشرها ويطويها:
لقد كان يحبها أعنف الحب وأرقه، ولم يكن يتمنى غير أن يظفر بها زوجاً يصفيها الحب ويخلص لها الوداد؛ وقد ظفر بها ونالها، فأين هو اليوم من سعادة الحياة؟! لقد أفلتها فلم يبق بين يديه من تلك المنى الساحرة غير لمحة ضئيلة يراها في عيني هذا الغلام.
وعاد إلى الماضي يسترجع ساعاته ولياليه، ويحصي على الزمن سيئاته وأياديه: لقد عرفها فتاة في إحدى الحدائق العامة مع أخيها الصغير فعطفه عليها دل متواضع وكبرياء تبتسم، وأحبها منذ ذلك اليوم وراح يعيش في وهم الأماني. . . واستطاع أن يلفتها إليه وأن يجعلها تهتم بأمره؛ ومدت إليه خيط الرجاء فتعلق، ومضت الأيام تقرب بينهما وتدني نفساً إلى نفس حتى أشعرتهما أنها كل شيء في حياته، وأنه كل شيء في حياتها. وشاركته سعادة الأمل، وأخذ يعد العدة للأمر العظيم يوم تكون زوجه، وأخذت تسابق الأيام فمنحته من ودها على غفلة الأهل أشياء في إباء الراغب ورغبة المتأبي؛ ولم تكن أيام الوصال على وتيرة؛ فيوماً دلال، ويوماً عتاب، ويوماً يتنبه الرقيب من حيث يريد وتريد. . . وهكذا راح الزمن يذكي في صدريهما لواعج الشوق، ويضرم لهيب الوجد - أربع سنين متوالية بين لهفة وشوق وأمل؛ ثم زفت إليه. لقد شعر يومئذ أن الدهر أتم عليه نعمته وأسبغ عارفته، ولكنه أعطاها مقادته من اليوم الأول، ولم يتلقها إلا بتقديس وعبادة، وظل بعدها في العبادة والتقديس!. وإنها لتحب السيطرة والسلطان، بعض ما في دمها من طباع الشركس؛ وإن فيه لطراوة وليناً من ضعف العاشق الذليل؛ فأخذت تملي عليه أرادتها وهو كالكرة في يد الصبي. ولم تجد فيه رجل أحلامها الذي قدرت أن يكون، فراحت تنتقص من سلطانه وهي تتمنى أن يعاصيها ويتمرد على إرادتها فتشعر به زوجاً له مثل سيطرة الرجال. وكانت كلما راحت تستثير فيه نخوة الرجل استخذى لها وتلاشت إرادته؛ لقد كان يجيد الغزل وحديث الحب، ولكنه لم يكن يعرف كيف يملي أرادته، ويلوح للحب بالبغض؛ وكان يعرف كيف ينزل عند رغبتها حين تريد، ولا يستطيع أن يكون رجلا حين يريد. . .
- ٢ -
ورأت كل حاجاتها لديه مقضية؛ ووجدت نفسها الآمرة الناهية في هذه المملكة الصغيرة،
стр. 5014
حتى الرجل الذي كانت تخشى سلطانه وتهواه كان أطوع لها من بنانها. وراحت تبالغ في مطالبها، لا تقف عند حد ولا تنتهي إلى غاية. وحين جاء الصيف رغبت أن يسافرا إلى الإسكندرية فلم يجد في نفسه قوة على العصيان وهو يعلم أن أكلاف الاصطياف هناك فوق ما يتحمل مرتبه الضئيل. . وقضيا في المصيف شهرين استمتعت فيهما زوجة بكل ما اشتهت من حرية وانطلاق، وكان لهما في نفسه لذع ومرارة. وأخذ الحب الذي كانت تحسه لزوجها من قبل يتلاشى رويداً رويداً؛ لأنها بدأت تعنى بأشياء أخرى؛ وصار همها من دنياها ثوباً جديداً تختال به على صوحباتها، أو ليلة ساهرة فيها متاع القلب والنظر، أو سفرة إلى هنا أو هناك تجتلي من مشاهدها أنساً وبهجة. ولم يكن يضن عليها بشيء. . ونسيت تدبير البيت وشئون الزوج؛ فكانت تقضي نهارها زائرة أو طائفة بالبيوت التجارية والحدائق ودور اللهو، وأخذت تنفلت من قيود المرأة المتزوجة قليلاً قليلاً، حتى اطمأنت إلى حريتها كاملة في الغدو والرواح، وفي السهر أيضاً؛ وتاقت لأن تبسط إرادتها إلى ما وراء جدران البيت مؤمنة بجمالها وسلطانها على القلوب!. . وألف شوكت أن يعود إلى البيت في النهار وأول الليل فلا يجد هناك غير الخادم تخلع عنه ملابسه وتهيئ له الطعام، ولم يكن ليسوءه ذلك كثيراً، فحسبه من الزوج الحبيبة أن تكون سعيدة هانئة، وأن يستيقظ في الصباح على نغمات من صوتها الندي الرقيق، وأن يمسي ووجهها آخر ما يراه من الدنيا اليقظة. ولكن الكرة ما زالت تتدحرج ويخاف أن تبعد عن منال يمينه. .!
وعاد ليلة متعباً مكدوداً يلتمس الراحة في البيت، ودق الباب فلم يجب أحد، وعاود الدق فلم يسمع غير الصدى يرن ثم يتلاشى في مثل ضحكة ساخرة من فم امرأة. . . ترى أين ذهبت الخادم، وأين زوجة الآن؟ لقد تعودت الغياب عن البيت كأنما لا يعنيها منه إلا أن تأكل وتنام! أليس له عليها مثل حق الأزواج؛ فما لها لا تدرك عليها واجباً ولا تعترف له بحق؟. . وأخذ يذرع الطريق غادياً رائحاً ويداه خلفه ورأسه إلى الأرض، يمد بصره بين حين وحين يرقب الطريق. . ورأى زوجه مقبلة في سرب من رفيقاتها تهتز أعطافهن في فتنة مغرية، ويجاهرن بالحديث عابثات ضاحكات. ورأته زوجه فقالت: (أنت هنا؟) ولم تزد، وسبقته تفتح الباب وأنصرف صواحبها. ولما اطمأن بهما المكان قال لها:
- (لقد ضايقني الانتظار يا إلهام، أين الخادم؟). قالت:
стр. 5015
- (الخادم؟ لقد سافرت لترى أباها. ألم أنبئك؟)
قال وقد رسم الاستياء خطين على جبينه:
- (وهلا قدرت أن أعود مبكراً فتكوني في انتظاري ولا تتركيني بالباب؟!)
ومالت عليه فطوقته بذراعها ويدها تعبث بشعره وعيناها تبرقان، وقالت تداعبه في لين وتكسر: (ليتك لا تغضب يا شوكت، أنا احبك!) ثم كانت قبلة نسى معها الغضب والعتاب. . .
وتتابعت أيامها من بعد بين غضب ورضى، وأدركت إلهام أن زوجها يحاول أن يعود رجلاً وأن يبسط عليها سلطانه، ولكن بعد أن عرفت من أين تناله وكيف تسلبه أرادته. . . ومر عام، وصار شوكت أباً. هذا ولده عادل.
ودق الجرس في فناء المدرسة، فأنفلت الغلام من بين يدي أبيه كما فرت سعادته من قبل. .!
أين هي الآن؟ أنه مازال يحبها أعنف الحب وأرقه، ولكنه قد فارقها إلى الأبد! وآلمته الذكرى، فأخرج علبة من جيبه فأشعل دخينة، واعتمد بذراعه على حافة المقعد، وأسند برأسه إلى راحته، وزفر زفرة، وتلوت ثعابين الدخان صاعدة، وراح يتابع الذكرى الأليمة:
لقد كافأته زوجه على حبه ووفاءه وطاعته - بالسخر والتمرد والعصيان! ليته استطاع أن يكون معها أصلب قناة وأغلب إرادة، فلعله كان أحب إليها صلباً غلاباً صاحب إرادة وعنفوان. . .!
إنه كان يحبها حباً بعيد الأمل، ليس له حدود تحصره في دائرة الممكن، ولا حرية تطلقه وراء المستحيل؛ فلما ظفر بها ظل الطريق إلى السعادة، وراح يلتمس قلبها فهوى على قدميها. .!
وحين أراد أن يهيئ لها سعادة الرضى في جواره لم يعرف كيف يجعل إرادته تسبق إرادتها فيما تشتهي فيمنحها ما تشاء قبل أن تدعوه إليه آمرة مطاعة. . .!
ولو إن الحجاب بينهما فيما بين الخطبة والزفاف لم يكن في حراسة التقاليد، لتفاهم قلباهما على الود الكريم، ووضع الأساس لحيات الغد على غير جرف هار من الوهم والخيال. . .!
стр. 5016
لم يكن يومئذ يدري أن المرأة تعشق الرجل المتسلط الذي يغلبها ويفوقها، بقدر ما تحتقر الرجل الذي يترامى على قدميها في ضعف وهوان، ولو كان ضعف المحب وهوان العاشق. . .!
لقد عاشرته خمس سنين كانت معه في البيت كضيف على ميعاد، وكان حظ صواحبها منها أكثر من حظه! وربما قضى الساعات في البيت وحيداً، وهي هناك تنتقل زائرة من بيت إلى بيت، فلم تكن تعرف دارها إلا يوماً واحداً في الأسبوع، هو يوم الاستقبال. . . ولقد كان في البيت مرة وسمع بأذنيه أي الشئون يتحدث فيها النساء: حديث الأزواج، وشح الأزواج، وغفلة الأزواج، ثم الأزياء والملاهي ولا شيء غير ذلك!. . بل لعله رأى بعينيه ماذا يصنعن يوم الاستقبال. لقد نقم على كثيرات من صاحبات زوجه، وعاب عليهن سوء الأدب وقلة الاحتشام، ولكنه لم يجرؤ حتى فيما بينه وبين نفسه أن يسيء الظن بأخلاق زوجه، ولم يجرؤ أن يحدثها عما رأى وسمع؛ خشية أن تلومه على استراق الحديث والنظر. .!. . آه لو كان يدري يومئذ أنها واحدة من هؤلاء حين تكون بعيدة عنه، فلعله كان حينئذ يستطيع أن يردها إلى الصواب!
- ٣ -
وطالت غفلته عن حديث الناس بسلوك زوجه، حتى حين مرض بالإسكندرية صيف عام واشتدت به العلة، وأمره الطبيب أن يعود إلى بلده، فأبت زوجه أن تعود قبل أن ينصرم الصيف، وتركته يخلفها وحدها هناك على الشاطئ في حراسة الشيطان، تداعب أمواجاً في البحر وأمواجاً في البر، لقد كان لها يومئذ رغبات نسيت في سبيلها وفاء الزوجة وبر الأم، فلم تعد إلا بعد شهر!
لم تهنأ إلهام بالحياة في بلد زوجها على ما فيه من جمال وفتنة، وحالت بعد عودتها امرأة أخرى؛ فلم تعد تهتم باسترضاء زوجها، تمحو غضبه بابتسامة الخداع وبهرج الكلم، ومزقت القناع عن وجه عابس، وكشفت صدرها عن ألم وضيق بحياتها في كنف الزوج الحبيب، وراح شوكت يستميلها فلا تزداد إلا نفوراً، ويتحبب إليها فلا تبدي غير البغض والكبرياء. . . وآلمه ما تغير من أخلاقها، وراح يحاسب نفسه على ما قد يكون أساء به إليها، ويحصي ما قصر في حقها وما اقترف، فلا يبدو له إلا صفحات كلها حب ووفاء
стр. 5017
وتضحية. وأخفق فيما سعى إليه ولكنه لم ييأس.
وترامت إليه الأخبار بما يتحدث الناس من شأنها؛ وكان آخر من عرف. . . يا للهول! وأفاق من وهم الحب. لقد مد لها أسباب الغواية وتركها تتدحرج حتى استقرت في أعماق الهاوية وجذبته معها!
واستعاد رجولته، ولكن بعد أن فقد من يأتمر بأمره، وفارقها في صمت، عيوفاً أبياً، ولكنه خلف قلبه هناك. . . تحت وسادتها وبين الحشايا!
وكان له ما أراد، ونقل من البلد الذي دفن فيه الشباب والحب والأمل، ينشد العزاء والسلوان بعيداً بعيداً؛ وقد أقسم ألا يكون له من بعدها زوج.
وهاهو ذا يعود بعد سنوات ليأخذ ولده يعيش في حضانته، بعيداً عن عار الخطيئة - عن المرأة التي كرهت أن يكون ولدها معها فيعلن للأصدقاء بوجوده أنها أم. . .!
وصلصل الجرس وما يزال شوكت غريقاً يجاهد موجات الذكرى الأليمة في يأس؛ يأس المحب الوفي جوزي بحبه ووفائه غدراً وخيانة!
وحياه زميله الأستاذ مختار وهو يصيح: (أهلاً، شوكت، متى حضرت؟)
وهز يده بقوة، وربت على كتفه بحنان ثم أردف:
- (إن صديقنا (أحمد) لموفق، فقد كان يذكرك اليوم ويتمنى أن تحضر زفافه، وقد حضرت.)
قال شوكت: (زفافه؟ وماذا تراني أصنع له في زفافه؟)
ودهش مختار أن يتحدث شوكت كذلك وأجابه: (لا أحسبك نسيت ما كان بينكما من ود؛ أفليس من حقه عليك أن تهنئه أن ظفر بالفتاة التي يهواها، وأنك لتعرف أين كان أمله!)
وابتسم شوكت في ألم، وقطب جبينه، واسترجع كل ماضيه الأليم في لمحة، وقال لصديقه ساخراً: (وهل تراه ظفر بشيء يستحق التهنئة، أم تراني أعزيه. . .!)
وتولى عن صاحبه وهو ممسك بيد ولده، والأرض تجاذبه إلى الخلف - إلى حيث يرى المرأة التي أحبها فخانته. ولكنه عرف كيف يكون رجلاً، وكيف يقمع في صدره ذلك الحب الذليل الذي نزل به إلى الهوان والعار. ومضى في طريقه إلى البلد الثاني وكأن ما كان يدوس بقدميه قلبه الدامي فيحس وخزاً أليما فوق ما تخزه الذكرى وتؤلمه.
стр. 5018
ومضت الأيام تسدل بينه وبين الماضي حجاب النسيان، وهو يغالب هواه ويصارع نفسه، حتى برأ من دائه. وأخذت ذكريات الماضي تتضاءل في رأسه حتى أوشكت أن تتلاشى، وانقشعت عن عينيه غشاوة العاطفة التي كانت تغلبه على عقله وتزين له أن يبيع بالحب كرامة الرجل.
وانقضت سنوات ثلاث، ثم رأى نفسه وجها لوجه أمام المرأة التي كان يحبها أرق الحب فعاد يبغضها أعنف البغض، ويبغض من أجلها النساء جميعاً. لقد أخفقت فيما سعت إليه، فلم تظفر بالسعادة التي انطلقت وراء أوهامها وحطمت في سبيلها عش الزوجية، وحالت الثمرة التي كانت تشتهي حلاوتها مرة كريهة المذاق حين عرفت منزلتها الحقيقية من نفوس المعجبين بها والمزدلفين إليها من الرجال، لقد انفضوا عنها جميعاً بعد أن ملوها، وراح كل منهم يلتمس لحظات سعيدة في غرام جديد أبي، يذوق فيه سعادة الظفر بالمغيب المجهول. . وتنكرت لها الحياة فعادت إلى الماضي تستلهمه، فإذا هي ما تزال تحب شوكت. . . وذكرت في النهاية الرجل الذي كان يحبها، والذي كان يبيع من أجلها كل شيء، فجاءت تسعى إليه معترفة تائبة. هيهات! لقد أضلها السراب طويلاً، فلما همت أن تعود إلى المناخ كان الركب قد تحرك، فلم تدرك غير الغبار يقذي عينيها وتتكاءدها عقبات الطريق!
وأغلق الرجل دونها بابه، ووقفت بينه وبينها الذكريات المؤلمة عن ماضيها وماضيه. لم تؤثر فيه دموع الندم، ولم يعطفه عليها ما ناشدته الحب القديم، فقد علمته من قبل كيف يكون بليد العاطفة، فبقى معها بليد العاطفة، وعلمته ألا يؤمن بالحب، فأثبت لها أنه لا يؤمن بالحب، وعلمته ألا يثق بوعود امرأة، فأكد لها أنه أبداً لن يثق بوعود امرأة.
وحين عادت المسكينة امرأة ذات قلب. . . . عاد المسكين رجلاً بلا قلب!.
محمد سعيد العريان
стр. 5019
٣ - سافو
لأوجييه اميل
ترجمة الأستاذ محمود خيرت
كاوودال - (ينادي) هي. هي
لابودري - يا صاحب المطعم
الجميع - أنت يا رجل
(يظهر صاحب المطعم)
كاوودال - أسرع فلقد قتلنا الظمأ
صاحب المطعم - أهلاً اهلاً بأسيادي (وكأنه يعرف كاوودال)
سيدي كاوودال. . . ما أطيب هذه الفرصة تفضلوا.
فأجلسوا عند هذه البراميل أو تحت هذه الشجرة الظليلة
كاوودال - نبيذك الطيب أولاً!
لابودري - الأبيض؟
كاوودال - أصبت
صاحب المطعم - كما تشاؤون. والطعام!
كاوودال - عند المساء متى عدنا، ولكن ماذا عندك منه
صاحب المطعم - كل ما تشتهون
كاوودال - شواء مثلاً؟
صاحب المطعم - نعم. وفرختان!
لابودري - حسناً
صاحب المطعم - وضلع
كاوودال - لا بأس
صاحب المطعم - ثم. . .
الجميع - هذا يكفي
كاوودال - (منشداً) ولكن أيها الشيطان
стр. 5020
لابودري - إذا أهملت في الألوان
آخر - والمزات
ثان - والسلطات
ثالث - وحذار أن تنسى كذا البصطرمة
رابع - معها وإلا فالجزاء
صاحب المطعم - (الصرمة)
(ضحك عام)
صاحب المطعم - (منادياً) نبيذ أبيض حالاً (ينظف الموائد ويرتب المقاعد حيث يجلسون، وعندئذ يظهر الخدم حاملين قناني الشراب والكؤوس)
كاوودال - ليحيى النبيذ=ليحيى الشراب
الجميع - ليحيى النبيذ=ليحيى الشراب
كاوودال - شراب النبيذ=شراب لذيذ
يرد الشاب=لصرعى الخضاب
الجميع - ليحيى النبيذ=ليحيى الشراب
كاوودال - ألا فأشربوا=ولا تحسبوا
لهم حساب=فهذا الصواب
الجميع - ليحيى النبيذ=ليحيى الشراب
صاحب المطعم - ليحيى الصنم
الجميع - لتحيى الصرم
(ضحك عام)
(يظهر حنا)
كاوودال - (وقد لمحه) حنا؟
حنا - (يقترب ويحيي بقبعته) نعم أنا
كاوودال - ما أجمل هذه الصدفة
لابودري - كيف أنت يا حنا. أنت مقيم هنا
стр. 5021
حنا - بل هناك (مشيراً) لأني أميل للغابات أتفيء ظلها وأملئ عيني منها. نعم أن الحياة
بالقرب منها خير من حياة المدن حيث السكون والنسيم العليل
كاوودال - وهل لازلت مع سافو؟
حنا - سافو؟ من هي سافو
لابودري - فني. نموذج المصنع
حنا - (مفكراً) إذا هي سافو (متردداً ثم يتكلم) لا. إنني تركتها.
كاوودال - تركتها؟ إنها فتاة حسناء. ولكنها مع ذلك. . .
حنا - ولكنها ماذا؟
كاوودال -. . . لا شيء
حنا - لاشيء؟ ولكنك قلت إنها. . .
كاوودال - فتاة لا وفاء لها. نعم إنها تحفة من تحف الحسن. ولكن حبها مشوب بالآلام. على أن من يقع في شركها يصعب عليه أن يسلوها.
لابودري - لقد صدقك كاوودال يا حنا
كاوودال - ومع ذلك فدليلي قصتها مع ذلك الحفار الفنان
لابودري - فرومان
كاوودال - بعينه. فلقد دفعته إلى تزوير زج بسببه في السجن. على أني لا أزال أذكر يوم أخذوه إليه وهي تودعه بأطراف أناملها وتقول له تشجع يا بيبي فعما قريب تخرج ونعود إلى سيرة حبنا
حنا - (لنفسه وهو مفكك) أنها تناديني بمثل هذا أيضاً
كاوودال - ما لك يا صديقي؟
حنا - الحقيقة أني كذبتكم. فأنا من سنة أتلوث بصحبة هذه الفاجرة. ولقد استسلمت لمكذوب حبها، ومعسول كذبها حتى أبحتها قلبي ومشاعري لأني كنت أجهل أمرها ولكني الآن أقسم لكم أن كل ما بينها وبيني قد أنقطع وانتهى
(تظهر فني من بعد)
آه. . .
стр. 5022
كاوودال - (يلمحها) سافو
سافو - (وحنا يفر منها) حنا
حنا - دعيني (ثم يختفي)
سافو - (في نفسها) نمو عنده علي (لهم بحدة) الآن وقد فر بسعيكم فلن أخشاكم أيها الأنذال
كاوودال - (يسكن ثورتها) هوني عليك يا سافو. اسمعي
لابودري - عودي إلى رشدك ولا تحتدي
فني - لقد أكلكم الحسد على حبه الذي أسعدني وغير سبيل حياتي فصورتموني له في أشنع صور الرذيلة حتى ألتوى وفر مني. إنكم غلاظ قساة (للابودري) وأنت أيها المنافق طالما أسهرت جفني وأجريت دمعي. ولا زال صدرك طافحاً بالحقد على صفوي فحطمت قلبي الذي أصلحه هذا الفتى، وهكذا لم أخطئ في حسباني إذ علمتم فوشيتم فأنتقمتم. فأنا الآن إذا كنت أتعلق بأذيال الحياة فلكي ألعنكم واستنزل غضب الأقدار عليكم.
الجميع - (بغضب) سافو (يتجاذبونها كأنهم يحاولون جرها معهم)
فني - دعوني فما عادت تطيب بعد ذلك نفسي للحب. لقد أصبحت أمقتكم جميعاً أيها الاخساء
(تهجم علي لابودري فيضحك ويضحكون)
(يتبع)
محمود خيرت
стр. 5023
سيوة
تجارة سيوة
يجاور مسطاح البلح الكبير مقام سيدي سليمان، وهو عبارة عن بناء بسيط يحتوي على مقبرة، إلا أن له مكاناً محترماً في قلوب سكان سيوة، ويحيط بهذا المقام بعض قبور أخرى يقال أنها للمقربين إليه من أتباعه، ويعلو المقام سعف نخيل معلقة في نهايته قطع من أقمشة مختلفة الألوان؛ ويلاصق هذا المقام مسجد جلالة الملك فؤاد الأول، وبدأ في بناء هذا المسجد في عهد الخديو السابق عباس باشا، حتى وصل ارتفاعه أربعة أمتار، غير أن العمل وقف فيه لقلة المال وكثرة التكاليف، ثم تم بناؤه في عهد صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول في سنتي١٩٢٨و١٩٢٩، وأصبح مسجداً يضارع مساجد القاهرة الكبيرة في كبر حجمه وروعة بناءه. ولقد تحريت عن السبب الذي حدا بالخديو السابق أن يفكر في بناء مسجد كبير كهذا في واحة منعزلة مثل سيوة على الرغم من صعوبة المواصلات وقلة وسائل العمل في الوقت السابق، فروى لي أنه كان يقصد ببنائه أن يكون جامعة إسلامية في الصحراء الغربية، يؤمها السنوسيون وغيرهم لتكون لهم بمثابة الأزهر في وادي النيل، وأنه كان يتصور أن مثل هذه الجامعة تمكن له في قلوب السنوسيين فيفيدوه في الصحراء وقت الحاجة. وعدا هذا المسجد الكبير توجد مساجد أخرى مقامة على نظام المنازل السيوية من الملح والطين، والسقوف من خشب النخيل، ولها مآذن غريبة الشكل، أشبه بمداخن المعامل، وسمك حائطها من أسفل حوالي مترين، ثم يقل سمكها تدريجياً كلما أرتفع بناؤها حتى يصل في النهاية إلى ثلث متر تقريباً
وكان أئمة هذه المساجد يدرسون في الوقت الماضي القرآن للصبيان على طريقة عتيقة غير مألوفة، وهي أن يحفظوهم القرآن من غير أن يعرفوا القراءة والكتابة، ولكن مصلحة الحدود أنشأت مدرسة أولية بسيوة تتبع في تدريسها منهاج وزارة المعارف العمومية، ويؤمها أولاد السكان؛ غير أن الإقبال عليها غير كثير برغم كل تسهيل يقدم للأولاد، وتتساهل المدرسة فلا تطلب من الطلبة إلا أن يلبسوا جلباباً نظيفاً وطاقية نظيفة، على أن معظم الأطفال يحضرون حفاة من غير أحذية، ومع كل ذلك فالرجل يفضل أن يشغل ابنه في الحقل أو الحديقة على أن يعلمه أبسط المبادئ من القراءة والكتابة والحساب، ووصل
стр. 5024
الأمر بعناية الحكومة بهؤلاء الناس أن أرسلت أثنين منهم للجامع الأزهر ليتلقوا فيه العلوم الدينية على أحسن الأساتذة، غير أنهما بعد بضع سنين كرها الإقامة في القاهرة ودفعهما الحنين إلى سيوة فعادا إليها ولم يحصلا من العلم إلا قليلا
تتكون السوق في سيوة من بضعة حوانيت متجاورة تبيع كل ما يحتاجه السكان من مختلف الأصناف، وأثمان جميع الحوانيت واحدة، ولذا فلا يهم الشاري أن يشتري من هذا أو من ذاك ما دام الثمن واحداً، وإذا دخلت حانوتاً من هذه الحوانيت خيل إليك لأول وهلة إنك في مخزن بضائع إذ ترى فيه عدة رفوف من خشب قديم وميزان وبعض الأكياس (والمقاطف) فيها دقيق وعدس وفول وسكر، وفي ركن من أركان الحانوت بضعة أثواب من البفتة، ومعلق بسقف الحانوت بضعة مناديل للرجال وللنساء ذات ألوان متنافرة غريبة. وترى في ركن ثان من الحانوت بضع صفائح بها زيت الزيتون وأبسطة من الصوف تنسجها نساء العرب بأيديهن ويبعنها للتجار. ويربح بعض التجار كثيراً من حوانيتهم وبخاصة من بيع البلح وزيت الزيتون، على أن النقود المتداولة في سيوة هي النقود المصرية بجميع أنواعها، ولم أر بها عملة أخرى كما هو الحال في السلوم، إذ إنني رأيت فيها العملة التركية القديمة وبعض النقود الإيطالية متداولة في أيدي التجار والأهالي، وقد أعتاد الأهالي أن يرهنوا حدائقهم وحقولهم لبعض التجار نظير أرباح باهظة، حتى أن بعض التجار يتمادى في الجشع فيطلب من المدين أن يسدد دينه بلحاً وزيتوناً، ولكنه ينص في شروط الرهن على أن يكون سعر البلح والزيتون نصف سعره المعتاد في السوق، وبذلك يكون التاجر قد ضاعف مبلغه الذي أقرضه للمدين زيادة على الأرباح التي ينالها عن مبلغه الذي دفعه للمدين، وفي ظروف كثيرة يقبل المدين كل تلك الشروط الباهظة لحاجته للمال. وقل أن يرى المرء امرأة أمام حانوت من حوانيت البلد، والعادة أن تمر زوجة التاجر أو أمه ببضاعتها على المنازل ليشتري أصحابها ما يشاءون، وما تشتريه النساء عادة. يكون الكحل والحناء وبعض حلي من الفضة: كالدمالج، والأقراط الكبيرة الحجم التي تتدلى أطرافها من الأذن حتى تصل كتفي المرأة أو الفتاة. ثم إنهن لا يلبسن العقود الملونة من حبات متلاصقة كما هو الحال في المدن. بل إنهن يلبسن أطواقاً من الفضة حول أعناقهن بأن يدخلن رؤوسهن فيها. ولذا فهي تباع كثيراً لدى التجار، وأيضاً فإنهن يشترين أحذية
стр. 5025
من جلد أحمر رقيق، وملاءات يلتففن بها وقت خروجهن، وهي من قماش قطني ذات خطوط زرقاء تجاورها خطوط رمادية، وهذه الملاءات يحضرها لسيوة أحد التجار المصريين، إذ أن لعمه مصنعاً خاصاً ببلده بمديرية الجيزة، ويشترين أيضاً بعض الأصباغ الخضراء والحمراء والزرقاء، لصبغ سعف النخيل الذي يصنعن منه (مراجين) وسلات وغيرها
وكثيراً ما تبيع زوجات التجار الأحجية والتعاويذ الفضية التي عليها آيات من القرآن الكريم. وقد لاحظت أن النساء لا يحاولن أن يغيرن ملبسهن بأحسن منه، وكلهن في ذلك سواء. وليس في السوق سوى قصابين يبيعان عادة لحم الجمال للأهالي والعرب، ولكنهما مكلفان ببيع لحم الضأن ثلاثة أيام في الأسبوع هي الأحد والثلاثاء والجمعة، وهذا طبعاً ليتمكن الموظفون الحكوميون من أكل لحم الضان. ولذلك لا يذبح القصاب إلا كبشاً واحداً يكفي الموظفين، لأنهم يشترون في الأيام الثلاثة اللحم الذي يكفيهم كل أسبوع.
وأهم ما يشتريه الأهالي من التجار الشاي والسكر فهما عماد الحياة والعمل لدى السيويين والعرب، ولا يمكن أن يستغني عنهما منزل قط، ولاحظت أن إقبال السيويين على شرب القهوة قليل جداً بل يمكن القول بأنه معدوم، وحدث أن أحتاج خادمي بناً لعمل قهوة فبحث في حوانيت الواحة كلها فلم يجد.
يحيك السيويات ملابسهن وملابس أزواجهن وأولادهن بإتقان ودقة، وبعضهن يطرزن ملابسهن بخيوط حريرية مختلفة الألوان، غير أنه يخالف ما ألفناه في القاهرة، وبعض السيويات يغزلن الصوف وينسجنه ويصنعن منه جبباً للرجال يلبسونها وقت الشتاء القارس، وهذه الجبب وأن كانت رديئة المنظر إلا أنها تساعد الرجال على تحمل برودة الشتاء على كل حال.
على أن للسيويين والسيويات طباعاً نراها نحن شاذة لا تتمشى مع ما ألفناه من عادات وأخلاق، وسنأتي على سرد تلك العادات تباعاً إن شاء الله.
كابتن
стр. 5026
الكتب
كلمة إلى الشبان الطلبة على ذكر كتاب
مرشد المتعلم
ترجمة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
كثيراً ما هممت أن اكتب في أمر من أمور التعليم إلى الرسالة الغراء، عالماً أن صدرها الرحب يتسع لذلك البحث لما فيه من مساس بناحية حيوية من نشاطنا، غير أني كنت كلما هممت بذلك قعدت بي معان صدتني عن عزيمتي. فأنني معلم بي ما بصاحب الفن من حب لفنه وانصراف بقلبه إليه. غير أن التعليم مرتزقي، وسبيل الأرزاق غير حبيب، فما يكاد الرجل ينصرف من مضطرب عيشه حتى يود أن يتناسى ما اعتراه في ذلك المضطرب، فتراه يقبل على كل حديث غير حديث فنه، ويحب الخوض فيما يبعد به عن ذكر صناعته. ومع ذلك قد رأيتني أقرأ كتاباً أهداه إلي صديق كريم قد ترجمه عن الإنجليزية إلى العربية، وهو الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فبدأت قراءته لأنه كتاب صديق، ثم رأيتني أسير في قراءته مقبلاً عليه لما فيه، واضمحلت صورة الصديق شيئاً فشيئاً من ثنايا السطور حتى صرت بعد لا أجدها، وصرت أعاود الكتاب لنفسه، وأطلب صحبته وحديثه لما أجده فيه من فائدة ولذة ونشاط.
ذلك الكتاب سفر قيم. أقل ما أصفه به للشبان أن قراءته ضرورة لازمة لهم إذا شاءوا أن يخرجوا من دراستهم على أكبر قسط من الفائدة من وراء جهدهم وعملهم. وإذا كنت أخاطب الشبان بذلك فأني أفعل ذلك لعلمي بأنهم أحوج الناس إلى قراءة مثله، ولكن ليس معنى هذا أن من هم من طبقة أعلى من الشبان سناً قد بعدوا عن أن يجدوا في قراءته فائدة، أو استغنوا عن أن ينتفعوا بما فيه من بحوث طريفة فأني أقول غير مجامل ولا مبالغ أنني قد خرجت من قراءة ذلك الكتاب وقد علمت كثيراً مما كنت أجهل، واستوضحت كثيراً مما كان غامضاً مبهماً عندي، وغيرت كثيراً مما كنت متجهاً إليه، قانعاً به. وفضل ذلك الكتاب لمن يقرؤه من الكبار أنه يوحي إليهم معاني جديدة بما يأتي به، مما قد يكون معلوماً
стр. 5027
لهم، فيرى القارئ المعاني تهم في نفسه وهو يقرأ كأنما تلك القراءة تثيرها وتوقدها.
قلت أن الطالب الشاب لا غنى له عن قراءة ذلك الكتاب، وذلك لأنني أعرف أن الطالب الشاب في حياته اليومية يسير سيراً غير مهتد. فلا هو يجد من يهديه ولا هو إذا وجد من يهديه بآخذ عنه نظاماً تاماً شاملاً يستطيع أن يهتدي به في كل جهوده وأعماله على اختلافها. فالطالب يقرأ، ولكنه وهو يفعل ذلك يتجه إلى حيث تدفعه المصادفة أو المثل، وقد يكون موفقاً في طريقته كما أنه قد لا يكون موفقاً، ولكنه على أي حال لا يكون في اتجاهه مرتكناً على أساس قوي علمي. ولا أظن أن بين المعلمين أو أساتذة الجامعة من يجد فرصة في وقت درسه يستطيع أن يرشد الطالب فيها إلى خير الطرق التي يسلكها في دراسته، فإن الوقت مخصص كله لمادة الدروس بطبيعة الحال. ولقد كان من أشد الأمور إيلاماً لنفسي أن أرى في بعض الأحيان بعض تلاميذي وهم ينكبون على دراستهم انكباباً غير موفق إذ يتبعون في ذلك طريقة تجعلهم كمن يحاول السباحة في وجه التيار، فلا هو موفر جهده، ولا هو سالك سبيله. وكنت إذ أرى ذلك أحاول جهدي أن أرشد بمقدار علمي، ولكني كنت لا أستطيع أن أبسط المعنى بسطاً تاماً يستقر في النفس استقرارا متمكناً، ويحيط بالمصاعب من جميع أطرافها. فكنت أتمنى لو أتيح لهؤلاء المساكين كتاب يستطيعون أن يجدوا فيه الهداية.
وما كنت أجد تلك الطلبة حتى أتحف الصديق الغمراوي قراء العربية بكتابه.
يبدأ ذلك الكتاب بمقدمة ككل كتاب في مثل موضوعه، يهيأ فيها المؤلف عقل الطالب إلى أن يدخل على عمله بذهن مفتوح وعقل فاحص يقظ، وهذا هو الفصل الأول وعنوانه (تولى المرء أمر نفسه) ثم يلقي عليه في الفصل الثاني خطة العمل ويسميها (خطة الغزو) يبين له كيف يقسم وقته للمذاكرة والدراسة، وما مقدار الوقت الذي يجب عليه أن يجعله لتلك المذاكرة، وطريقة تقسيم ذلك الوقت على مختلف المواد، وأي المواد يبدأ بمذاكرتها، وأيها يؤجله في ترتيب المذاكرة، ثم يبين للطالب أي الطرق أصلح في توزيع لوقت على الدروس: هل الإصلاح أن يجعل لكل مادة قسطاً صغيراً كل يوم، أو أن يجعل قسطاً أطول من ذلك بين حين وحين، وهو في كل ذلك يستضيء بنور التجارب العلمية الثابتة.
وأسلوبه في ذلك البيان أسلوب حي بديع، فهو يقول مثلاً، (ومن الخطر الكبير في استعمال
стр. 5028
جدول المذاكرة الجمود. أن من الصعب أن نفرغ من عملنا في كل مادة في اللحظة التي يحل فيها وقت مادة أخرى، وقد يخطر لنا تخلصاً من هذه الصعوبة أن نفرد كل ليلة في نهاية المذاكرة حصة صغيرة، قل خمس عشرة أو عشرين دقيقة نجعلها كزمن احتياطي ننهي فيه أي شيء صغير قد نكون اضطررنا إلى إغفاله في أية حصة عادية من حصص المذاكرة، لكن هذه الخطة محفوفة بالمخاطر.) وهكذا يسير بالطالب حتى يستقر معه على خير الخطط وأوثقها.
ومن خير ما جاء في هذا الفصل ما كتبه على التعب وماهيته في المذاكرة، وطرق التغلب عليه أو تقليل ضرره.
وفي الفصل الثالث بحث طريف في (تصريف الذاكرة) وطرق الحفظ، ويليه في الفصل الرابع بحث آخر في مثل طرافته في (طبيعة الدراسة والتفكير) والفصل الخامس بيان (طريقة المذاكرة) وهو بحث عملي لا يستغني عنه الطالب، وقد أفاض فيه المؤلف إفاضة أحاطت بالموضوع من أطرافه
وأجد نفسي ضنيناً بأن أترك باباً من أبواب الكتاب لا أكتب عنه كلمة، بل أجد نفسي ميالاً إلى أن انقل إلى القارئ منه نموذجاً لعله يعرف أي قول فيه وبأي أسلوب، غير أني أعود إلى نفسي فأذكر أنني إنما أنوه بكتاب رأيت فائدته، على صفحات مجلة قد لا تتسع لكل ما أريد ذكره من ذلك. ولكن لابد أن أنوه بالفصل الثامن الذي يعالج فيه المؤلف (الإصغاء وأخذ المذكرات) فإن هذا الفصل يسد حاجة ماسة عند طلبة المدارس ولا سيما طلبة الجامعة والمدارس العليا
وقد أضاف المعرب فصلاً بعد الفصل العاشر ألحقه بالفصل السابع وجعل موضوعه (كتب المراجعة في اللغة العربية). والحق أن هذا الفصل بحث عميق في تراثنا اللغوي والعلمي، وفق فيه المعرب كل التوفيق، وأصاب في أضافته كل الإصابة، وقد تناول فيه أمهات المراجع العربية بالوصف والتحليل فكان فصله دليلاً يرجع إليه من شاء المراجعة في تلك الأمهات ليهتدي إلى أيها شاء.
فأزف إلى الأستاذ المعرب إعجابي الذي لا حد له بذلك الكتاب وأرجو أن ينتفع به أبناؤنا في جهادهم العلمي، وأوصي من يطلع على كلمتي هذه من الأخوان أن يصفوه لمن حولهم
стр. 5029
من الأبناء، ففيه خير عون لهم ونعم الهادي.
محمد فريد أبو حديد
جولة في ربوع الشرق الأدنى
للدكتور عبد الوهاب عزام
سمعت بسياحات الأستاذ محمد ثابت، فأعجبت به واغتبطت، أن كان من المصريين سياح يجوب الآفاق إلى أقصى الأرض ليرى ويصف، ويقص على أمته من أنباء الأمم الأخرى. ولم يتح لي أن اطلع على ما كتبه هذا الرحالة المصري إلا الأسبوع الماضي، إذ اطلعت على كتابه (جولة في ربوع الشرق الأدنى) وقرأت ما كتبه عن العراق وإيران، فإذا الرحالة الهمام يعوزه العلم والتثبت في مواضع كثيرة، وأنا أربأ به أن يكون كبعض سائحي الأمريكان؛ يقدم واحدهم إلى القاهرة فيرى في ساعات قليلة الأهرام والأزهر والقلعة ومسجد السلطان حسن، وخان الخليلي، ويرى في الشوارع أناساً لا يعرف وجوههم ولا يفهم لغتهم، ولا يفقه عاداتهم ثم ينقلب إلى أهله فيكتب أو يحدث عما يضطرب في رأسه من خوفو باني الأزهر، وجوهر الصقلي مشيد الأهرام، والسلطان حسن مؤسس القاهرة وهلم جرا!! ثم يتحدث عن أخلاق المصريين وتأثير تاريخهم وجوهم في هذه الأخلاق
إنما يراد بالرحلات المشاهدة، والعلم عن عيان، وبحث بعض الأمور في مواطنها وإفادة علم جديد، أو إبطال وهم قديم، أو التثبت من رواية شائعة. وأما أن يطوف الإنسان بالبلاد مسرعاً كراكب القطار يخيل إليه أن الأرض والجبال والشجر سائرة وأن السيارة التي تجري إلى جانبه واقفة فذلك قلب الحقائق أو تشويهها، وتلك سبيل علمها شر، وجهلها شر.
وأحسب رحالتنا أعتمد في بعض ما كتب على كتاب من الأدلة الأوربية، وبهذا يفسر كثير من الغلط والتحريف في الأسماء، وتاريخ الحادثات الإسلامية بالتاريخ الميلادي، ونحن معشر المسلمين، يكذب علينا كتاب أوربا ويفترون على ديننا وتاريخنا وأخلاقنا، ويسيئون بنا الظن إساءة تقلب حسناتنا سيئات. فينبغي للسائح المسلم ألا يشركهم في ضلالاتهم، فيكتب كل ما يسمع غير متثبت، ولكن الرحالة المصري المسلم لم يتوق الغلط والغلوا مع نية حسنة وقصد سليم. وأصل البلية أن الأمم الإسلامية قد تقطعت بينها الأسباب، وجهل
стр. 5030
بعضها بعضاً إلا ما يقرءون في كتب الأوربيين، فصار المصري إذا رحل إلى العراق وإيران وتحدث عن أخلاق أهليها ومذاهبهم، فإنما يقص عن بلاد مجهولة لم يعرف ماضيها ولا حاضرها، على قرب ما بين الأمم الإسلامية وكثرة ما بينها من أواصر، وسهولة تفهم أحوالها ودرس تاريخها.
وفيما يلي نماذج من الأغلاط التي وقع فيها المؤلف:
من الغلط في بديهيات التاريخ الإسلامي قوله أن الحسن بن علي ﵁ فر من العراق وقتل، وإن الحسين قتلته جنود معاوية، وقوله إن بلاد الفرس فتحها المسلمون في ستين عاماً، وجعله معاوية بن أبي سفيان فر من خالد بن الوليد في قيادة الفتوح أيام عمر، وقوله عن خلافة عثمان بن عفان (ثم جاء عثمان وقتل عاجلاً) كأنه لم يل الخلافة إحدى عشرة سنة، وقوله في أثناء الكلام عن الحجاج: (وكان زياد في البصرة) كأن زياداً والحجاج وليا العراق في وقت واحد، وبين موت زياد وولاية الحجاج زهاء عشرين سنة، وقوله أن خالد بن الوليد صلى في جامع همذان، وقوله إن الفرس رأوا في العباسيين أعداءهم فحاربوهم بالتشيع، وهذه كما يرى القارئ أغلاط كنا نربأ بالأستاذ أن يقع فيها.
ومن التحريفات كتابته مدينة هيرات بالياء. ونصر الدين شاه بدل ناصر الدين بالألف. وجبل الفند، ودمافند. وكرفان سراي بالفاء بدل الواو في الكلمات الثلاث. وقصر جولستان بالواو بعد الجيم. وهذا تحريف النقل من الكتابة الإفرنجية وأشنع من هذا أنه قال عن الإيرانيين اللذين سافروا معه إلى مشهد إنهم كانوا يصيحون بين الحين والحين: (لا هم سل إلى مهمد آلي مهماد) فهل عرف الرحالة المدقق أن هذه الكلمة التي سمعها هي (اللهم صل على محمد وآل محمد) فإن كان قد عرفها فلماذا لم يفسرها بالكتابة الصحيحة، وإن كان لم يعرفها فلماذا لم يسأل عنها؟ وأفضع من هذا كله قوله عن إخواننا شيعة إيران أنهم يفضلون مشهداً على مكة. وكيف يعقل أن أمة مسلمة شديدة الغيرة على دينها تعتقد أن الحج إلى مكة فرض وقاعدة من قواعد الإسلام - كيف يعقل أن هذه الأمة ترى زيارة مشهد أفضل من الحج إلى مكة؟ ربما بالغ عامة الإيرانيين في تعظيم مشهد وغيرها من المزارات الشريفة كما يبالغ عامة المصريين في تعظيم مسجد سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي، ولكن عمل العامة لا تفسر به عقائد الأمة. وهذه كتب الشيعة بين أيدينا
стр. 5031
تنطق بخلاف ما زعم الكاتب، ولست أنسى غضب إخواننا شيعة العراق من قول بعض أساتذتنا: إن الشيعة الأمامية يتبرءون من الشيخين، ولست أنسى عتب أحد علمائهم في بغداد، ولا عتب السيد الحجة محمد الحسين آل كاشف الغطاء حينما شرفنا بزيارته في النجف فقال: لماذا تكتبون عنا ولا تقرءون كتبنا. لقد كان عتاب الأخ للأخ يود ألا يكون بينهما من الغلط ما يكدر صفو الأخوة الإسلامية، وقد اعتذرنا للسيد يومئذ واعترفنا بتقصيرنا في الاطلاع على كتب أئمة الشيعة. وأنا اعتذر هنا مرة أخرى عن الرحالة محمد ثابت واثقاً بحسن نيته، وإن كان حسن النية لا يعد عذراً كافياً لمن لم يتحر الحق في كلامه.
وفي الكتاب أغلاط أخرى، أرجو أن يتوقى أمثالها في رحلاته المقبلة.
وإنني لراج أن يتم التعارف بين الأمم الإسلامية، حتى لا يكتب بعضها عن بعض إلا عن علم وروية، وتثبت وإنصاف، والله ولي التوفيق.
عبد الوهاب عزام
التجديد في الأدب الإنجليزي الحديث
تأليف الأستاذ سلامة موسى
للأستاذ سلامة موسى في خدمة الأدب العربي المعاصر همة تذكر فتشكر، فهو ما ينفك يتحف جمهور المثقفين بأبحاثه الطريفة على صفحات مجلته الغراء وغيرها من الصحف ومن آثاره الأدبية الأخيرة كتابه هذا عن التجديد في الأدب الإنجليزي ويقع في نحو مائة صفحة من القطع الكبير. شرح الأستاذ الحركة الفكرية في العصر الفيكتوري، ثم تكلم عن بعض المذاهب الأدبية في ذلك العصر، وذكر بعض الأجانب وأثرهم في الأدب الإنجليزي. كذلك ذكر اثنين غيرهما وجارى ماكس نورداو في تسميتهما المنحطين وهما: والتر باتر وأوسكار وايلد، ولخص مذهبهما في أنه ينحصر في الدعوة إلى الجمال بلا اعتبار للأخلاق أو العرف،
ثم ترجم الأستاذ لبعض أعلام الأدب الإنجليزي مثل كبلنج وهو في رأيه شاعر الاستعمار، وبرناردشو ودارون وولز وجالزورثي وغيرهما، ولقد تعرض لمذاهبهم وفلسفتهم في دقة
стр. 5032
ومهارة. ولقد يبدو موضوع الكتاب غريباً عند من لم يكن له إلمام بالأدب الإنجليزي، والحقيقة أنه نافع لكل مثقف فهو يدرس حركة فكرية، والحركات الفكرية وثيقة الصلة بالحياة، ومن ثم فأنت تقرأ في هذا الكتاب ملخص الحياة الاجتماعية في إنجلترا منذ عام ١٨٣٠، بيد أن الأستاذ المؤلف يغالي في بعض آراءه مغالاة تنتهي بأحكام لا يمكننا أن نمر عليها دون أن نعارض الأستاذ فيها، وخصوصاً لصدورها من أديب نابه كالأستاذ سلامة موسى. فهو ينعت العصر الفيكتوري ما بين ١٨٣٠ و١٩٠٠م بأنه عصر خمول في الأخلاق والأدب، مع انه من أرقى عصور الأدب الإنجليزي وأحفلها بالحركات والاتجاهات الأدبية الجديدة، بلغت فيه المدرسة الرومانتيكية غاية نموها وتطورها، وتعددت فيه مذاهب الكتاب وأتسع الأدب في نواح عديدة كالقصة والشعر والتاريخ وأدب المقالات وغيرها. يتجلى ذلك في شعر الشعراء اللذين افتتحوا هذا العهد ولم تمهلهم المنية كشلي وبيرون وفي شعر غيرهم ممن عاشوا بعدهم كورد ثورث وتنسن، كما يتجلى في قصص سكوت العديدة وقصص شارلز دكينز العظيم وثكري ومن ذهب مذهبهم أو خالفهم من القصصيين، كما يتجلى في كتابات ماكولي وكارلي ورسكن وغير هؤلاء وهؤلاء ممن ارتفعوا بآدابهم إلى درجات المجد، وما التجديد الذي يشير الأستاذ إلى ظهوره في عام ١٩٠٠ إلا ثمرة من ثمار العصر الفكتوري الناهض، وأنك لتلمس أسبابه في حركات ذلك العصر وترى هذه الأسباب واضحة في كتاب الأستاذ نفسه مما يتفق مع وصفه هذا العصر بالجمود. لذلك لا أستطيع أن أشايع الأستاذ في قوله إن الأدب الإنجليزي قد أتجه طول مدة القرن التاسع عشر نحو الصياغة اللفظية دون التفكير و (الاقتحام)، هذا مع احترامي لآراء الأستاذ الفاضل ومزيد إعجابي بطريقته في عرض آرائه وثقافته الواسعة، فهو كما يتجلى وفي كتابه هذا وفي سواه من مؤلفاته العديدة يعتبر بحق مثالاً للأديب العصري المثقف
محمود الخفيف
стр. 5033
العدد ٦٠ - بتاريخ: ٢٧ - ٠٨ - ١٩٣٤
стр. 5034
من فضائل الأزمة
المصري يكتشف بلاده
من صفات الأزمات الاقتصادية أنها تعلم الناس الاقتصاد. وتحملهم على الاعتدال في كثير من مواطن الإسراف والتطرف، وقد دهمتنا الأزمة الاقتصادية منذ أربعة أعوام، فقضت على كل أسباب الرخاء والسعة، وألقت على ذوي البذخ والترف دروساً قاسية؛ ولكنها علمتنا من فضائل الاقتصاد ما لم نكن نعلم، وفتحت عيوننا إلى أمور كثيرة كانت دعة الرخاء تحملنا على إغفالها، وبثت إلى الأعصاب المضطرمة كثيراً من عوامل الهدوء، وإلى النفوس الجامحة كثيراً من عوامل الاعتدال.
وكان الاصطياف من الأمور التي كشفت لنا الأزمة بعض أسرارها؛ ففي أعوام الرخاء والسعة، كان المصريون في كل صيف يهرعون ألوفاً إلى عواصم أوربا ومصايفها، وينفقون مئات الألوف في فنادقها ومنتدياتها وملاهيها، ثم يعودون وقد استنفد التجوال الممتع كل ما في جيوبهم؛ وكان ما ينفقه المصريون كل عام في الاصطياف خارج القطر يبلغ زهاء المليونين، تذهب كلها إلى يد الأجانب. فلما حلت الأزمة، وذهبت بالدخل الفياض، قبع كثير من المترفين السابقين الذين كانت تجذبهم (موائد) دوفيل وبيارتز ومونت كارلو في دورهم، وذكر كثيرون أن هنالك مصايف مصرية يمكن انتجاعها، ولا تكلفهم ركوب البحار وإنفاق المئات والألوف، وذكر كثيرون أيضاً أن هنالك مصايف شرقية قريبة لا بأس بها.
كان للأزمة فضل هذا الاكتشاف. فبالأزمة وحدها اكتشف المصريون بلادهم، وعرفوا بعد فوات كثير من الوقت أن إنفاق الملايين خارج القطر على هذا النحو سفه لا يغتفر، وانهم يستطيعون بقليل من المال أن ينتجعوا الراحة والعافية في مصايف بلادهم كالإسكندرية وبور سعيد ورأس البر؛ وكان لما بذلته مصلحة السكك الحديدية لتسهيل الاصطياف أحسن الأثر، فقد شعر الناس أخيراً أن الاصطياف ليس ترفاً، وليس وقفاً على الأغنياء، ولكنه ضرورة صحية، وأنه في متناول جميع الطبقات.
وأتجه كثير من المصريين، ممن شاءوا الاصطياف خارج القطر، إلى مصايف البلاد الشرقية القريبة التي لا تجشمهم كبير نفقة، فأموا فلسطين والشام ولبنان، واستطاعوا أن
стр. 5035
يتصلوا عن قرب بإخوانهم في تلك البلاد الشقيقة، وأن يعملوا على توثيق الروابط المشتركة بينها وبين مصر، وكان ذلك من فضائل الأزمة أيضاً.
نذكر إنه لما وقعت كارثة النقد في فرنسا سنة ١٩٢٥، وهبط الفرنك إلى نحو نصف قيمته، بادرت الصحف الفرنسية إلى نصح الشعب الفرنسي بأن يقلل من شراء العملة الأجنبية جهد الاستطاعة، وأهابت بالفرنسيين الذين اعتادوا السفر والسياحة أن يبقوا داخل فرنسا حتى لا تبدد ثروات البلاد وقت المحنة النقدية في بلاد أجنبية، وأهابت بهم بالأخص أن يحاولوا أن يكتشفوا فرنسا أولاً، فيجدوا فيها من بدائع الطبيعة وساحر النره، وتنوع المناظر في البر والبحر، ما يخفف من شغفهم بارتياد مواطن السياحة والنزهة الأجنبية. فاستمع الفرنسيون إلى هذا النداء القومي، وكانت فرصة اكتشفوا فيها بلادهم على نحو ما قالت صحفهم يومئذ، واقتصدت فرنسا يومئذ مئات الملايين، وازداد الفرنسي شغفاً بالتجوال في بلاده، وتفضيلها على غيرها في قضاء فترات العطلة والراحة.
ولما وقعت الأزمة الاقتصادية الحالية، واضطربت أحوال النقد في كثير من البلاد الأوربية، وضعت ألمانيا والنمسا والمجر ويوجوسلافيا وغيرها قيوداً شديدة على شراء العملة الأجنبية لتحول دون تسرب أموالها إلى الخارج، ولتمنع مواطنيها جهد الاستطاعة من السفر خارج بلادهم وإنفاق أموالهم في بلاد أخرى. ووضعت دول أخرى قيوداً شديدة على شراء المنتوجات والحاصلات الأجنبية، واشترطت أن يكون الدفع بعملتها أو من منتوجاتها، وكان للقيود الأولى أثرها في ركود موسم السياحة المصري، وكان للثانية أثرها في كساد سوق صادراتنا.
ولكننا في مصر نغفل هذه الاعتبارات دائماً، ومال المصري مباح أبداً، وعرض للتبديد خارج القطر حتى في أحرج الأزمات؛ ولم توفق الحكومة المصرية حتى اليوم إلى أن تضع لها أية سياسة أو تقاليد ثابتة في مثل هذه الشئون؛ فهي لم تفكر مطلقاً في اتخاذ أية إجراءات للمحافظة على أموال المصريين الذين لا يحملهم أي وازع على حفظها، وللحد من حريات ذلك النفر الذي ما زال في كل صيف يحمل الأموال التي يعتصرها من عرق الفلاح إلى (موائد) العواصم والمصايف الأوربية، وإلى مراقصها وفتياتها.
يقولون إن لمصر موسم سياحة، وإنها تغنم من ذلك الموسم مالاً لا بأس به؛ فلماذا لا ينفق
стр. 5036
المصريون مثل هذا المال في مواطن السياحة الأوربية. والحقيقة أن مصر تظلم بهذا القول أيما ظلم، ففي مصر موسم سياحة حقاً، ولكن معظم الغنم في هذا الموسم لا يعود إلى مصر والمصريين، وإنما يعود إلى الأجانب: إلى شركات السياحة الأجنبية، وإلى شركة الفنادق الأجنبية؛ وما بضع عشرات الألوف التي تعود على خزينة الحكومة من أجور السكك الحديدية وتذاكر الآثار، ثم على بعض المصريين المتصلين بهذا الموسم، إلا فضلات ما يجنيه الأجانب باسمنا.
لقد بدأ المصري يكتشف بلاده، وعلمته الأزمة شيئاً من الاقتصاد والاعتدال؛ فهل سيعتبر بهذا الدرس دائماً، ويذكره أيضاً أيام الرخاء، فيظن قدر الاستطاعة بماله أن ينفق في غير بلاده؟ أم هو درس الساعة فقط، يزول أثره بزوال الظرف الذي ألقاه؟
وعلى أي حال فإنه يبقى للأزمة فضل التذكرة وفضل العبرة.
(ع)
стр. 5037
الشخصية
للأستاذ أحمد أمين
أعجب ما في الإنسان شخصيته، وقد تنوعت الشخصيات بعدد ما على ظهر الأرض من إنسان؛ فترى الشبه الكبير بين الحجر والحجر، ويصعب عليك أن ترى بينهما فرقاً، وترى المطبعة تخرج آلافاً من الكتب تتشابه وتتماثل، ولا تميز بين أحدها والآخر؛ وترى الشبه الكبير بين الوردة والوردة في رائحتها ولونها وكل شيء فيها؛ وترى الحيوانات من فصيلة واحدة تتشابه وتتقارب حتى ليلتبس عليك بعضها ببعض - أما الإنسان والإنسان فلا، حتى ليكاد يكون كل إنسان فصيلة وحدها - فإن كان علماء (الأثنولوجيا) استطاعوا أن يقسموا الإنسان إلى أنواع، وأن يضعوا لكل نوع خصائصه ومميزاته، فذلك عمل تقريبي محض؛ أما إن أرادوا الدقة التامة فلابد لهم أن يضعوا كل فرد في قائمة وحده، له مميزاته الخاصة في جسمه وعقله، وروحه وخلقه؛ فإذا أردنا أن نحصي الشخصيات في هذا العالم فعلينا أن نحصي عدد الناس فنضع ما يساويه من عدد الشخصيات - وكانت اللغة عاجزة كل العجز عن أن تضع لكل شخصية اسماً خاصاً، فاكتفت في الجسم بأن تقول: طويل أو قصير، وسمين أو نحيف، وأبيض أو أسمر؛ مع أن كل كلمة من هذه تحتها أنواع لا عداد لها، فهناك آلاف من أنواع الطول، وآلاف من أنواع القصر، وآلاف من الألوان؛ ولكنها عجزت فقاربت، ولو حاولت أن تضع اسماً خاصاً لكل نوع من أنواع العيون وحدها، على اختلافها في الألوان واختلافها في النظرات، واختلافها في السّحر، واختلافها في السعة والضيق لوضعت في ذلك معجماً خاصاً، وهيهات أن يغنيها.
وعجز علماء الجمال فاكتفوا بقولهم جميل وقبيح، مع أن هناك آلافاً من درجات الجمال، وآلافاً من درجات القبح، بل إنك لا تستطيع أن تنزل إنسانين في منزلة واحدة من الجمال والقبح، فلما أعياهم الأمر قنعوا بقبيح وجميل، واكتفوا بالإجمال عن التفصيل.
وعجز علماء الأخلاق فوقفوا في ذلك مثل موقف إخوانهم علماء الجمال، فقسموا الأعمال إلى خير وشر، وقسموا الصفات إلى فضيلة ورذيلة، وسموا الإنسان خيّراً أو شريراً، وهيهات أن يكون ذلك مقنعاً، فالخير والشر يتنوع بتنوع الأفراد، ولو كان للأخلاق ميزان دقيق لاحتاج إلى سنج بعدد ما في العالم من إنسان.
стр. 5038
الحق أن علماء كل علم عجزوا عجزاً تاماً عن يجاروا الشخصيات في كل مناحيها، وأن يسيروا وراء تحديدها تفصيلاً، ووجدوا العمر لا يتسع لهذا ولا لبعضه، فعنوا بوجوه الشبه أكثر مما عنوا بوجوه الخلاف، وعنوا بالموافقات أكثر مما عنوا بالفروق، وفضلوا أن يضعوا مسميات شاملة وإن شملها الخطأ، وأن يضعوا قواعد عامة وإن عمها الغموض والإبهام، وقالوا ليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذه الشخصية لكل فرد هي التي ميزته عن غيره من الأفراد، وجعلتني أنا أنا، وأنت أنت، وهو هو، ولولا هذه الشخصية لكان أنا وأنت وهو شيئاً واحداً - هذه الشخصية هي مجموع صفاتك الجسمية والعقلية والخلقية والروحية، تتكون من شكلك ونظراتك ونبراتك وطريقة حديثك، ودرجة صوتك من الحسن أو القبح، وإيمائك وإشارتك كما تتكون من عقليتك وكيفية قبولك للأشياء، وحكمك عليها ومقدار ثقافتك - كما تتكون من تصرفاتك وموقفك نحو المال ودرجة حبك له؛ وعلى الجملة كل علاقتك بالحياة، وكل علاقة الحياة بك - وإذ كان الناس مختلفين في هذا كله اختلافاً يسيراً أو كثيراً كانت الشخصيات كذلك مختلفة، وبين بعضها وبعض وجود شبه في بعض الأشياء، ووجود خلاف في بعضها، وكانت بعض الشخصيات تتجاذب وتتحاب، وبعضها تتباغض وتتنافر - وفي الواقع إن معنى أحبك أو أبغضك، وأعرفك أو أنكرك، أن شخصيتي تحب شخصيتك أو تكرهها، وتعرفها أو تنكرها وصَدَق الحديث (الأزواج جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) وليس معنى حب الشخصية لشخصية أخرى أن الشخصيتين من جنس واحد، وإن ميولهما متقاربة، بل إن ذلك يرجع إلى قانون أكثر تعقيداً مما نظن، فقد يتحاب الشخصان لأن ميلهما العلمي في اتجاه واحد، أو ميلهما إلى كيف من الكيوف متحد، وقد يتحاب الشخصان لأنهما مختلفان ويكمل نقص أحدهما الآخر، كما يحب أحياناً كثيرُ الكلام قليلَ الكلام، وكما يحب الساكن الهادئ المتحفظُ المَرِحَ النشيطَ المتحرك، وكما تتعاشق الكهربائية السالبة والموجبة - على كل حال ليس قانون تجاذب الشخصيات وتنافرها قانوناً بسيطاً سهلاً يمكن الفصل فيه بكلمة.
هذه الشخصيات الإنسانية تختلف قوة وضعفاً واختلافاً أكثر مما بين الآلات الميكانيكية والمصابيح الكهربائية، فهذه شخصية عاجزة ضعيفة ذليلة، لا يكاد يتبينها الإنسان إلا
стр. 5039
بعسر، ولا يكاد يراها إلا بمنظار، ولا يكاد يحسها إلا بمجهود، هي (كاللمبة) قوتها شمعة واحدة، بل هي فوق ذلك مغبشة لكي تضعف قوتها، هي من جنس ما يستعمل في حجر النوم، نور كلا نور ووجود كعدم، لا تتعب نظر النائم لأنه لا يشعر لها بوجود، ولا تستهلك مقداراً يذكر من التيار لأنها كامنة الحياة، مسكينة في فعلها وانفعالها، ضعيفة في تأثيرها وتأثرها، وهذه شخصية أخرى قوتها ألف شمعة أو ألفان أو ما شئت من قوة، تضئ فتملأ البيت نوراً، بل هي أكبر من أن تضاء في بيت إنما تضاء في شارع كبير أو ساحة عامة، إذا وضعت في بيت أقلقت راحة أهله بقوتها، وأعشت الناظر بضوئها، وعُد وضعها غير ملائم لجوها، وكان مثل ذلك مثل من وضع (فناراً) في بيت، أو أشعل أكبر وابور جاز ليصنع عليه فنجان قهوة - وبين اللمبة الأولى الضعيفة الخافتة، والثانية القوية الباهرة درجات لا تحصى، فكذلك الشخصيات، بل أكثر من ذلك - ولكن هناك فروقاً بين الشخصيات واللمبات، أهمها أن اللمبة الكهربائية لا يمكنك أن تنقلها من قوة إلى قوة، فاللمبة التي قوتها شمعة واحدة هي كذلك أبداً، والتي قوتها مائة أو مائتان هي كذلك أبداً، وكلما تستطيع أن تفعله أن تنظف اللمبة وتجلوها حتى لا يضعف غبش من قوتها، ولا يقلل غبار من ضوئها - أما الشخصية الإنسانية فقابلة للتحول، بل هي قابلة للطفرة صعوداً وهبوطاً، علواً وانحطاطاً - فبينا هي خاملة ضعيفة إذ اتصل بها تيار قوي أشعلها وقواها حتى كأنها خلقت خلقاً آخر، وكأنه لا اتصال بين يومها وأمسها، هي اليوم مخلوق قوي فعال يلقي أشعته إلى أبعد مدى، وكانت بالأمس لا يؤبه بها، ولا يحس بضوئها - كذلك ترى شخصيات أخرى يخبو ضوءها، فإذا هي مظلمة بعد نور، وضعيفة بعد قوة، ليس لها من حاضرها إلا ماضيها - وكذلك شاء الله، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويخلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم يرده أسفل سافلين - وتأريخ الإنسان مملوء بالأمثال، فكم من نابغ بعد خمول، وخامل بعد نبوغ، وميت في الحياة الأدبية والاجتماعية حي، وحي مات، وهكذا شخصيات الناس في مد وجزر دائماً.
وهذا التغير المستمر في الشخصيات هو الذي أبقى على أمل المصلحين في إصلاح الناس، وباعد بينهم وبين اليأس.
وكل شيء يواجه الإنسان في حياته يؤثر في شخصيته أثراً صالحاً أو سيئاً فالغنى بعد
стр. 5040
الفقر، والفقر بعد الغنى، واليأس بعد الأمل، والأمل بعد اليأس، وما يعتريه من شدائد وكوارث، وما يبذله في صراع الحوادث، وما يلاقيه من رخاء ونعيم، وما يبعثه ذلك من هدوء واطمئنان - كل هذا وأمثاله له أثر في تكوين الشخصية يختلف ضعفاً وقوة؛ وأهم غرض للتربية الصحيحة في نظري أن تجعل ممن تربيهم شخصيات هي أقوى ما يمكن أن يكون الأشخاص من حيث استعدادهم وأهليتهم، فأنجح مرب هو الذي يستطيع أن يصل بطلبته إلى أقصى ما في استعدادهم من رقى، ويبلغ بشخصياتهم إلى آخر حدودها الممكنة - ولكن بجانب هذا التأثير العادي اليومي تحدث حوادث بارزة في تاريخ الإنسان وخاصة العظماء يكون لها الأثر البالغ والتغير الخطير - وهذه الحوادث يصعب ضبطها وتعليلها وحصرها - فقد تنقلب شخصيات الأفراد فجأة على أثر عقيدة دينية تملأ نفوسهم حماسة وقوة وعظمة كما رأينا في فعل الإسلام في رجاله أمثال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، فلولا الإسلام ما كانت لهم هذه الشخصيات البارزة، ولكانت عظمتهم محدودة محصورة، ولو سبقوا زمنهم بسنين لماتوا كأمثالهم من عظماء الجاهلية، وقد يكون بروز الشخصية وظهور النبوغ في الإنسان على أثر مقابلته عظيماً، فيحس بعدها كأن عود ثقاب أشعل في نفسه فألهبها، وأضاء ما بين جوانبه وحفزه للعمل، وهون عليه الأخطار، بل قد تكون العظمة نتيجة لشيء أتفه من ذلك، فقد يقرأ جملة في كتاب، أو يسمع عبارة من خطيب، فكأنها كانت مفتاح عظمته، وكاشف حيرته، بل قد تكون العظمة لم تأت من شيء خارجي بل أتت من تفكير الشخص في نفسه وتحليلها وتبين موقفها في العالم، وموقف العالم منها، وتساؤله لها ما رسالتها في العالم وكيف تؤديها - فإذا هو يشعر بعد طول التفكير كأن قبساً من نور إلهي ألهب نفسه، وأضاء العالم أمامه، فهو يسير على هدى، ويؤدي رسالته كما بُلّغ، إلى كثير من أمثال هذا مما لا يستطاع حصره.
ويظهر أن النفوس إذا نضجت تلمست الوسائل المختلفة لبروزها، وظهور عظمتها، والصوفية يقولون: (صاحب الخصوصية لا بد أن يظهر يوماً ما) ولكن كم في العالم من شخصيات كامنة لو هيئ لها عود الثقاب لاشتعلت، ولو أتيح لها القبس لأنارت، وكم من بذرة صالحة قوية لم تجد تربتها اللائقة بها، فغلبتها على الحياة بذرة فاسدة، وكم من زهرة بدأت تتفتح فأصابتها ريح هوجاء عصفت بها - وعمل المصلحين والشخصيات القوية في
стр. 5041
كل أمة أن يستكشفوا هذه الكوامن فيقدموا لها الغذاء ويتعهدوها بالنماء.
أحمد أمين
стр. 5042
الإنسانية العليا
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
من أوصاف النبي ﷺ أنه كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المَهين، يعظّم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئاً، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعُدّيَ الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وكان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول، من نظره إلى السماء، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، ولا يطوى عن أحد من الناس بشْرَه، قد وسع الناس بسطُهُ وخُلقُه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، يحسن الحسنَ ويقويه، ويقبّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، له نور يعلوه، كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه، ولا يخيب فيه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، أجود الناس بالخير.
صلى الله وسلم على صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الإنساني مذهباً عنها، ولا عن شيء منها، ولا يجد النقص البشري مساغاً إليها، ولا إلى شيء منها، ففيها المعنى التام للإنسانية، كما أن فيها المعنى التام للحق، ومن اجتماع هذين يكون فيها المعنى التام للإيمان.
هي صفات إنسانها العظيم، وقد اجتمعت له لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها العالية، فهي بذلك من براهين نبوته ورسالته.
ولو جمعت كل أوصافه ﷺ ، ونظمتها بعضها إلى بعض، واعتبرتها بأسرارها العلمية - لرأيت منها كوناً معنوياً دقيقاً قائماً بهذا الإنسان الأعظم، كما يقوم هذا الكون الكبير بسننه وأصول الحكمة فيه، ولأيقنت أن هذا النبي الكريم إن هو إلا معجم نفسي حي ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها، لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعاً جديداً، وتنشئه النشأة المحفوظة له في أطوار كماله.
ولن ترى في الإنسانية أسمى من اجتماع هذه الصفات بعضها إلى بعض، وإني لأكاد كلما تأملتها أحسب هذا السمو قضاء وقدراً بإنسان على الإنسانية كلها. وهي دليل على أنه
стр. 5043
الإنسان الذي خلق للدنيا لا لنفسه، فهو لا ينمو بما يكون له على الناس من الحق، ولكن بما يكون للناس عليه من الواجبات، كأنما هو حقيقة كونية تعيش عيشها، فما تكون في الوجود إلا لتقرر وجودها هي، ولا تنتهي حين تنتهي بذاتها إلا لتبدأ معانيها في غيرها، فهو ﷺ إنسان غُرِسَ في التاريخ غرساً ليكون حداً لزمن وأولاً لزمن بعده، وما كانت حياته تلك إلا طريقة غرسه، وهو أبداً قائم في مكانه الاجتماعي، إذ كان الزمن كلما تقدم زاد في إثباته. وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات لا إنسان من الناس، فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو مُحي المشرق والمغرب.
ونحن حين نقرأ تلك الصفات وما فاضت به كتب الشمائل من أمثالها - لا نقرؤها أوصافاً ولا حلية، بل نراها صفحة إلهية مصنفة أبدع تصنيف وأدقه، ومن وراء تأليفها تفسير طويل لا يتهدّى الفكر البشري لأحسن منه ولا أصح ولا أكمل، فقد اجتمعت تلك الصفات في إنسانها اجتماع الأجزاء في المسألة الرياضية لا ينبغي أن تزيد أو تنقص، إذ كان في مجموعها ما وجد له مجموعها.
ويكاد الارتباط بين أجزاء هذه المسألة يكون هو بعينه صورة للارتباط بين أجزاء تلك الصفات الشريفة، فان كل جزء منها موضوع وضعاً لا يتم الكل إلا به، حتى لا موضع فيها لقلةٍ أو كثرة، وهذا معنى قوله ﷺ : (أدبني ربي فأحسن تأديبي) وأنت إذا دققت في هذا الحديث أدركت من معناته أن هناك طبيعة أخلاقية مفردة تجري على قانونها الذي وضعه الله لها وأحكمها به.
وأعجب ما يدهشنا من مجموع صفاته ﷺ أن فيها دليلاً بيناً على أنه مخلوق خلقة متميزة بنفسها كخلقة القلب الإنساني، نظامه حياته وحياته نظامه، وكأنما اعترته حالة نفسية كالتي تعتري القلب في استشعار الخطر فتخرجه من طبيعته إلى أقوى منها، فلا يزال يمد أعضاء الجسم بمدد لا ينفد - من القوة والصبر يجعل الحياة فيها على أضعافها كأنها حياة كانت مخبوءة وظهرت بغتة؛ وفي هذه الحالة تتجه غرائز النفس كلها إلى جهة واحدة كأنها مقدرة بميزان، مضبوطة بقياس؛ فترجع على تناقضها واختلافها متعاونة يؤازر بعضها بعضاً، وكان قانونها الطبيعي أن تتجاذب وتتساقط وتفسر الواحدة منها عمل الأخرى، فيجيء بها الشيء وضده معاً: كالصدق والكذب، والطمع والقناعة،
стр. 5044
والشهوات الثائرة والخمود الساكن، إلى آخر ما تعد من هذه الغرائز؛ ولكنها في استشعار الخطر تكون كالأشباه لا كالأضداد، فيشد بعضها بعضاً، ويتمم النقيض منها نقيضه، وتجري كلها في قانون واحد: هو الدفاع بأجزائها عن مجموعها؛ فترى النازع منها وإنه لمستقر في أشد من القيد، وكأن فيه غير طبيعته.
وهل ينبئك مجموع صفاته ﷺ إلا أنه يعيش معيشة القلب إذا اختلف ما حوله وفجأته بغتات الوجود فتجاوز أن يكون منبعاً للحياة إلى أن يكون حافظاً للحياة في منبعها. وتلك الحالة - كما مر بك - تجعل وجود الإنسان هو وجود إرادته وعقله، لا وجود شهواته وغرائزه؛ وبذلك نبينا ﷺ ، فهو مدة حياته في وجود إرادته لا غيرها، حتى ليس عليه سبيل لغميزة أو لائمة، كأنه خُلق تشدّه نية مستيقظة قد نبهها ما ينبه النفس من الغرر والخطر. ولعل هذا الشعور في نفسه ﷺ هو التفسير لقوله: (نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عمله) إلى أحاديث كثيرة مما يجري في معنى هذه الكلمة الجامعة؛ يريد بها: أن نية المؤمن لا تنطوي إلا على الخير الكامل، فهو ما دامت نيته على صلاحها، وسرُّه على إخلاصه - لا يعد اليسير من الشر يسيراً، ولا يرى الكثير من الخير كثيراً؛ فالأصل القائم في تلك النية المؤمنة ألاّ يبدأ الشر كي لا يوجد، وألاّ ينتهي الخير كي لا يفنى؛ فالمؤمن من ذلك على الخير والكمال أبداً، في حين أن عمله بطبيعته الإنسانية يتناول الخير والشر جميعاً، ثم لا يكونون إلا عملاً إنسانياً على نقص واضطراب والتواء.
وقد لا يستطيع المؤمن أن يأتي الخير في بعض أحواله، ولكنه يستطيع دائماً أن ينويه ويرغب فيه ويعزم عليه ليحقق ضميره الطيب في كل ما يهم به، ويحصر أفكاره في قانون نيته المؤمنة. وهذا هو الأساس في علم الأخلاق، لا أساس من دونه.
والنية من بعد هي حارس العمل، فكل إنسان يستطيع أن يذعن وأن يأبى، ومن ثم تكون هذه النية رداً ومدافعة من ناحية، واستجابة ومطاوعة من الناحية الأخرى؛ فهي على الحقيقة متى صلحت كانت استقلالاً تاماً للإرادة. وكانت مع ذلك ضبطاً لهذه الإرادة على حال واحدة هي التي ينتظم بها قانون المبدأ السامي.
ثم إنه لا ضابط لصحة العمل واستقامته إلا النية الصحيحة المستقيمة؛ فالتزوير والتلبيس
стр. 5045
كلاهما سهل ميسور في الأعمال، ولكنهما مستحيلان في النية إذا خلصت.
وهي كذلك ضابط للفضائل توجه القلوب على اختلافها وتفاوتها اتجاهاً واحداً لا يختلف، فيكون طريق ما بين الإنسان والانسان، من ناحية الطريق ما بين الإنسان وبين الله.
وأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية، يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلّب الحيوانية على الروحانية، فإذا كانت النية مستيقظة كفّتْه وأماتت أكثر نزعاته، ووضعت لكل حاجة حداً ونهاية؛ وبذلك ترجع النية إلى أن تكون قوة في النفس يخرج بها الإنسان عن كثير مما يحدُّه من جسمه، ليخرج بذلك عن كثير مما يحده من معاني الأرض.
وهي بعد هذا كله تحمل الإنسان أن ينظر إلى واجبه كأنه رقيب حي في قلبه، لا يرائيه ولا يجامله، ولا يخدع من تأويل، ولا يُغر بفلسفة ولا تزيين، ولا يُسكته ما تسول النفس، ولا يزال دائماً يقول للإنسان في قلبه: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظّم الحياة من حولك الفوضى في قلبك.
وجملة القول في معاني النية أنها قوة تجعل باطن الجسم متساوقاً مع ظاهره، فتتعاون الغرائز المختلفة في النفس تعاوناً سهلاً طبيعياً مطرداً، كما تتعاون أعضاء الجسم على اختلافها في اطراد وسهولة وطبيعة.
وكل صفات النبي ﷺ مما ذكرناه وما لم نذكره - متى اعتبرت بذلك الأصل الذي بيّناه انتظمها جميعاً، فجاء بعضها تماماً على بعض في نسق رياضي عجيب، وظهرت حكمة كل منها واضحة مكشوفة، ورأيتها في مجموعها تصف لك عمراً هندسياً دقيقاً قد بلغ الغاية من الكمال والروعة والدقة، لا يُعَدُّ جزءٌ منه جزءاً، بل كله أجزاؤه، وأجزاؤه كله؛ كالوضع الهندسي؛ إما أن يكون بكله، وإما ألا تكون فيه الهندسة كلها.
وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه موجوداً من ذات نفسه، وتكسر القالب الأرضي الذي صب فيه وتفرغه في مثل قالب الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه، ولا تغرّه الدنيا، ولا يمسكه الزمان؛ إذ كانت هذه هي صفات المستعبَدِ بأهوائه لا الحر فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته لا
следующие страницы →