Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
كل أمة أن يستكشفوا هذه الكوامن فيقدموا لها الغذاء ويتعهدوها بالنماء.
أحمد أمين
стр. 5042
الإنسانية العليا
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
من أوصاف النبي ﷺ أنه كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المَهين، يعظّم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئاً، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعُدّيَ الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وكان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول، من نظره إلى السماء، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، ولا يطوى عن أحد من الناس بشْرَه، قد وسع الناس بسطُهُ وخُلقُه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، يحسن الحسنَ ويقويه، ويقبّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، وكان أشد الناس حياء، لا يثبت بصره في وجه أحد، له نور يعلوه، كأن الشمس تجري في وجهه، لا يؤيس راجيه، ولا يخيب فيه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول، أجود الناس بالخير.
صلى الله وسلم على صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الإنساني مذهباً عنها، ولا عن شيء منها، ولا يجد النقص البشري مساغاً إليها، ولا إلى شيء منها، ففيها المعنى التام للإنسانية، كما أن فيها المعنى التام للحق، ومن اجتماع هذين يكون فيها المعنى التام للإيمان.
هي صفات إنسانها العظيم، وقد اجتمعت له لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها العالية، فهي بذلك من براهين نبوته ورسالته.
ولو جمعت كل أوصافه ﷺ ، ونظمتها بعضها إلى بعض، واعتبرتها بأسرارها العلمية - لرأيت منها كوناً معنوياً دقيقاً قائماً بهذا الإنسان الأعظم، كما يقوم هذا الكون الكبير بسننه وأصول الحكمة فيه، ولأيقنت أن هذا النبي الكريم إن هو إلا معجم نفسي حي ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها، وقوة من قوتها، لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعاً جديداً، وتنشئه النشأة المحفوظة له في أطوار كماله.
ولن ترى في الإنسانية أسمى من اجتماع هذه الصفات بعضها إلى بعض، وإني لأكاد كلما تأملتها أحسب هذا السمو قضاء وقدراً بإنسان على الإنسانية كلها. وهي دليل على أنه
стр. 5043
الإنسان الذي خلق للدنيا لا لنفسه، فهو لا ينمو بما يكون له على الناس من الحق، ولكن بما يكون للناس عليه من الواجبات، كأنما هو حقيقة كونية تعيش عيشها، فما تكون في الوجود إلا لتقرر وجودها هي، ولا تنتهي حين تنتهي بذاتها إلا لتبدأ معانيها في غيرها، فهو ﷺ إنسان غُرِسَ في التاريخ غرساً ليكون حداً لزمن وأولاً لزمن بعده، وما كانت حياته تلك إلا طريقة غرسه، وهو أبداً قائم في مكانه الاجتماعي، إذ كان الزمن كلما تقدم زاد في إثباته. وقد أصبح في الدنيا كأنه جهة من الجهات لا إنسان من الناس، فلن يتغير أو يمحى إلا إذا تغير أو مُحي المشرق والمغرب.
ونحن حين نقرأ تلك الصفات وما فاضت به كتب الشمائل من أمثالها - لا نقرؤها أوصافاً ولا حلية، بل نراها صفحة إلهية مصنفة أبدع تصنيف وأدقه، ومن وراء تأليفها تفسير طويل لا يتهدّى الفكر البشري لأحسن منه ولا أصح ولا أكمل، فقد اجتمعت تلك الصفات في إنسانها اجتماع الأجزاء في المسألة الرياضية لا ينبغي أن تزيد أو تنقص، إذ كان في مجموعها ما وجد له مجموعها.
ويكاد الارتباط بين أجزاء هذه المسألة يكون هو بعينه صورة للارتباط بين أجزاء تلك الصفات الشريفة، فان كل جزء منها موضوع وضعاً لا يتم الكل إلا به، حتى لا موضع فيها لقلةٍ أو كثرة، وهذا معنى قوله ﷺ : (أدبني ربي فأحسن تأديبي) وأنت إذا دققت في هذا الحديث أدركت من معناته أن هناك طبيعة أخلاقية مفردة تجري على قانونها الذي وضعه الله لها وأحكمها به.
وأعجب ما يدهشنا من مجموع صفاته ﷺ أن فيها دليلاً بيناً على أنه مخلوق خلقة متميزة بنفسها كخلقة القلب الإنساني، نظامه حياته وحياته نظامه، وكأنما اعترته حالة نفسية كالتي تعتري القلب في استشعار الخطر فتخرجه من طبيعته إلى أقوى منها، فلا يزال يمد أعضاء الجسم بمدد لا ينفد - من القوة والصبر يجعل الحياة فيها على أضعافها كأنها حياة كانت مخبوءة وظهرت بغتة؛ وفي هذه الحالة تتجه غرائز النفس كلها إلى جهة واحدة كأنها مقدرة بميزان، مضبوطة بقياس؛ فترجع على تناقضها واختلافها متعاونة يؤازر بعضها بعضاً، وكان قانونها الطبيعي أن تتجاذب وتتساقط وتفسر الواحدة منها عمل الأخرى، فيجيء بها الشيء وضده معاً: كالصدق والكذب، والطمع والقناعة،
стр. 5044
والشهوات الثائرة والخمود الساكن، إلى آخر ما تعد من هذه الغرائز؛ ولكنها في استشعار الخطر تكون كالأشباه لا كالأضداد، فيشد بعضها بعضاً، ويتمم النقيض منها نقيضه، وتجري كلها في قانون واحد: هو الدفاع بأجزائها عن مجموعها؛ فترى النازع منها وإنه لمستقر في أشد من القيد، وكأن فيه غير طبيعته.
وهل ينبئك مجموع صفاته ﷺ إلا أنه يعيش معيشة القلب إذا اختلف ما حوله وفجأته بغتات الوجود فتجاوز أن يكون منبعاً للحياة إلى أن يكون حافظاً للحياة في منبعها. وتلك الحالة - كما مر بك - تجعل وجود الإنسان هو وجود إرادته وعقله، لا وجود شهواته وغرائزه؛ وبذلك نبينا ﷺ ، فهو مدة حياته في وجود إرادته لا غيرها، حتى ليس عليه سبيل لغميزة أو لائمة، كأنه خُلق تشدّه نية مستيقظة قد نبهها ما ينبه النفس من الغرر والخطر. ولعل هذا الشعور في نفسه ﷺ هو التفسير لقوله: (نيةُ المؤمنِ خيرٌ من عمله) إلى أحاديث كثيرة مما يجري في معنى هذه الكلمة الجامعة؛ يريد بها: أن نية المؤمن لا تنطوي إلا على الخير الكامل، فهو ما دامت نيته على صلاحها، وسرُّه على إخلاصه - لا يعد اليسير من الشر يسيراً، ولا يرى الكثير من الخير كثيراً؛ فالأصل القائم في تلك النية المؤمنة ألاّ يبدأ الشر كي لا يوجد، وألاّ ينتهي الخير كي لا يفنى؛ فالمؤمن من ذلك على الخير والكمال أبداً، في حين أن عمله بطبيعته الإنسانية يتناول الخير والشر جميعاً، ثم لا يكونون إلا عملاً إنسانياً على نقص واضطراب والتواء.
وقد لا يستطيع المؤمن أن يأتي الخير في بعض أحواله، ولكنه يستطيع دائماً أن ينويه ويرغب فيه ويعزم عليه ليحقق ضميره الطيب في كل ما يهم به، ويحصر أفكاره في قانون نيته المؤمنة. وهذا هو الأساس في علم الأخلاق، لا أساس من دونه.
والنية من بعد هي حارس العمل، فكل إنسان يستطيع أن يذعن وأن يأبى، ومن ثم تكون هذه النية رداً ومدافعة من ناحية، واستجابة ومطاوعة من الناحية الأخرى؛ فهي على الحقيقة متى صلحت كانت استقلالاً تاماً للإرادة. وكانت مع ذلك ضبطاً لهذه الإرادة على حال واحدة هي التي ينتظم بها قانون المبدأ السامي.
ثم إنه لا ضابط لصحة العمل واستقامته إلا النية الصحيحة المستقيمة؛ فالتزوير والتلبيس
стр. 5045
كلاهما سهل ميسور في الأعمال، ولكنهما مستحيلان في النية إذا خلصت.
وهي كذلك ضابط للفضائل توجه القلوب على اختلافها وتفاوتها اتجاهاً واحداً لا يختلف، فيكون طريق ما بين الإنسان والانسان، من ناحية الطريق ما بين الإنسان وبين الله.
وأشواق الروح بطبيعتها لا تنتهي، فيعارضها الجسم بجعل حاجاته غير منتهية، يحاول أن يطمس بهذه على تلك، وأن يغلّب الحيوانية على الروحانية، فإذا كانت النية مستيقظة كفّتْه وأماتت أكثر نزعاته، ووضعت لكل حاجة حداً ونهاية؛ وبذلك ترجع النية إلى أن تكون قوة في النفس يخرج بها الإنسان عن كثير مما يحدُّه من جسمه، ليخرج بذلك عن كثير مما يحده من معاني الأرض.
وهي بعد هذا كله تحمل الإنسان أن ينظر إلى واجبه كأنه رقيب حي في قلبه، لا يرائيه ولا يجامله، ولا يخدع من تأويل، ولا يُغر بفلسفة ولا تزيين، ولا يُسكته ما تسول النفس، ولا يزال دائماً يقول للإنسان في قلبه: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظّم الحياة من حولك الفوضى في قلبك.
وجملة القول في معاني النية أنها قوة تجعل باطن الجسم متساوقاً مع ظاهره، فتتعاون الغرائز المختلفة في النفس تعاوناً سهلاً طبيعياً مطرداً، كما تتعاون أعضاء الجسم على اختلافها في اطراد وسهولة وطبيعة.
وكل صفات النبي ﷺ مما ذكرناه وما لم نذكره - متى اعتبرت بذلك الأصل الذي بيّناه انتظمها جميعاً، فجاء بعضها تماماً على بعض في نسق رياضي عجيب، وظهرت حكمة كل منها واضحة مكشوفة، ورأيتها في مجموعها تصف لك عمراً هندسياً دقيقاً قد بلغ الغاية من الكمال والروعة والدقة، لا يُعَدُّ جزءٌ منه جزءاً، بل كله أجزاؤه، وأجزاؤه كله؛ كالوضع الهندسي؛ إما أن يكون بكله، وإما ألا تكون فيه الهندسة كلها.
وليس مجموع تلك الصفات في معناه إلا صنعة الإنسان صنعة جديدة تخرجه موجوداً من ذات نفسه، وتكسر القالب الأرضي الذي صب فيه وتفرغه في مثل قالب الكون، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه، فلا تخضعه المادة، ولا يؤتى من سوء نظره لنفسه، ولا تغرّه الدنيا، ولا يمسكه الزمان؛ إذ كانت هذه هي صفات المستعبَدِ بأهوائه لا الحر فيها، والخاضع بنفسه لا المستقل بها، والمقبور في إنسانيته لا
стр. 5046
الحي فوق إنسانيته. ومثل هذا المستعبد الخاضع المقبور لا وجود له إلا في حكم حواسه، فعمله ما يعيش به لا ما يعيش من أجله؛ ويتصل بكل شيء اتصالاًُ مبتوراً ينتهي في هوى من أهواء الحيوان الذي فيه.
ومن المقابلة العجيبة أن يكون في الإنسان الاجتماعي حيوان تقابله الحكمة في الحيوان الأليف بإنسان؛ وحكمهما واحد ومنطقهما لا يختلف. فلو أنك سألت حيوان الأعصاب عن صاحبه الإنسان لقال لك: هو غلّتي ومزرعتي. ولو سألت كلباً عن حبّه صاحبه ومبلغ هذا الحب في نفسه لما زاد في جوابه على أنه يحبه حبّ اللقمة والعظمة. . .
ومتى كان الإنسان في حكم حواسه لم تعد الأشياء عنده كما هي في نفسها بمعانيها الطبيعية المحدودة، وانقلبت كما هي في وهمه بمعان متفاوتة مضطربة، فلا يشعر المرء بائتلاف الوجود وتعاونه، ولكن باختلافه وتناقضه، فمن ثم لا تكون أسباب اللذة إلا من أسباب الألم، ويدخل في كل حب بغض، وفي كل رغبة طمع، وفي كل خير شر، وفي كل صريح خبئ، وهلم جراً؛ إذ لابد من هذا كله متى غلب الفاني على الباقي، ولابد من كل هذا في تمثيل رواية الحواس الخادعة التي أساسها التغّير والتقلّب، حتى لكأن النفس إنما تعيش بها في ظاهر من الحياة لا في الحياة نفسها.
وهذا الخداع جاعل كل شيء من أشياء النفس لا يبدأ إلا لينتهي، ثم لا ينتهي إلا ليبدأ؛ فما تزال هذه النفس طامعة فيما لا تناله، ولا يزال من ذلك مصدر لآلامها الحسية؛ ثم إذا هي نالت منالها سئمت، فلا يزال من ذلك مصدر آخر لآلامها المعنوية. ولن يجئ الصحيح من غير الصحيح، فالكون كله ليس إلا كذباً في النفس الكاذبة بحواسّها.
ولذا كان أخص أوصافه ﷺ راجعاً إلى خروجه من سلطان نفسه، فلا يغضب لها، ولا يطلقها من الدنيا فيما تذمه أو تمدحه، ولا يحب فيها، ولا يبغض من أجلها، ولا يهاونها، ولا يستلين لها في مأكل ولا ملبس، ولا يأخذها إلا من ناحية الإيمان بالله والإيمان بالإنسانية؛ فأفراحها أحزانها، وآمالها أشواقها، وأملاكها أعمالها، وحسابها في طبيعتها، وحوادثها من العقل لا من الحواس، وعظمتها إثبات ذاتها في غيرها، لا إثبات غيرها في ذاتها؛ وغايتها في الباقي لا الزائل، وفي الخالد لا الفاني. وما دام الحاضر متحركاً فهو طارئ عابر أو شكُ أمورِ الدنيا زوالاً، والعمل له على مقداره في قلة لبثه
стр. 5047
وهوان أمره، والاهتمام أبداً بما وراءه لا به.
فأول النفس النية العاملة لآخرتها، وآخر النفس ما تؤدى إليه أعمال هذه النية؛ فليس في إنسان الدنيا إلا إنسان العالم الآخر؛ وبهذا يقدّر صمته وكلامه، وحركته وسكونه، وما يأتي وما يدع، وما يحب وما يكره؛ إذ كل شيء منه على الاعتبار إنما هو صورة الحقيقة العاملة فيه.
وجماع الأمر ألا يكون مستقبل الإنسان علامة استهزاء بجانب ماضيه، ولا علامة استفهام، ولا علامة إنكار.
وتدل صفات النبي ﷺ باجتماعها وتساوقها على حقيقة عظمى لم يتنبه إليها أحد؛ وهي أن جميع خصائصه النفسية مرهفة متيقظة، وهذا مما يندر وقوعه وإمكانه؛ فان الرجل من الناس ليكون حياً بالحياة، ولكن جوانب كثيرة من نفسه قد طاح بها الموت، أو هي مريضة، وذلك أول الموت؛ أو غافلة، وذلك شبه الموت. أما الحيّ العظيم فهو الذي يحيا بأكثر خصائص نفسه، وأما الحي الأعظم فهو الذي يحيا بجميع خصائصها، تملؤه الحياة فيملأ الحياة، ويتمدد السر فيه ليريه حقائق الأشياء، ويهديه ويدلّه، فيكون بنفسه رؤية للناس وهداية ودلالة؛ ومثل هذا يعظم ثم يعظم حتى ليرى الفرق بينه وبين غيره كالفرق بين نور لبس اللحم والدم، وبين تراب لبس الدم واللحم.
وذلك لا يكاد يتفق إلا في مراتب أعلاها الامتياز في النبوة، ثم النبوة؛ ثم تنزل إلى الامتياز في الحكمة، ثم تهبط إلى عبقرية الشعر. فأكبر الشعراء قاطبة كالنبي في معناه إلا أنه نبي صغير، وإلا أنه في حدود قلبه.
وهذه القوى الثلاث هي التي أبدعتها الحكمة الإلهية لتحويل الحياة والسموّ بها؛ فالشاعر يستوحي الجمال إذا تألّه الجمال في قلبه، والحكيم يستوحي الحقيقة إذا تألّهت في نفسه، والنبي يستوحي الألوهية نفسها.
(كان ﷺ متواصل الأحزان) ولكنها أحزان النبوّة تكسو الحياة فرح النفس الكبيرة، وهو فرح كله حزن وتأمل، وفكرة وخشوع، وطهر وفضيلة. وما فرح أعظم الشعراء بطرب الوجود وجمال الموجودات إلا شيء قليل من حزن النبي.
(وكان دائم الفكرة ليست له راحة) إذ هو مكلّف أن يصنع الإنسان الجديد وينقح الآدمية
стр. 5048
فيه. وفكرة النبي هي معيشته بنفسه مع الحقائق العليا، إذ لا يرى أكثرها تعيش في الناس. وهي الفردية واستقلالها وسموّها لأنها إطاقة النفس الكبيرة لوحدتها، بخلاف الأنفس الضعيفة التي لا نطيقها، فدأبها أبداً أن تبحث عما تستعبد له، أو تنسى ذاتها فيه، أو تستريح إليه من ذاتها. ومتى كانت النفس فارغة كان تفكيرها مضاعفة لفراغها، فهي تفر منه إلى ما يلهيها عنه. ولكن العظيم يعيش في امتلاء نفسه، وعالمه الداخلي تسميه اللغة أحياناً: الفكرة، وتسميه أحياناً: الصمت.
(وكان ﷺ طويل السكت لا يتكلم في غير حاجة) ومن الصمت أنواع، فنوع يكون طريقة من طرق الفهم بين المرء وبين أسرار ما يحيط به؛ ونوع يغشى الإنسان العظيم ليكون علامة على رهبة السر الذي في نفسه العظيمة، ونوع ثالث يكون في صاحبه طريقة من طرق الحكم على صمت الناس وكلامهم، ونوع رابع هو كالفصل بين أعمال الجسد وبين الروح في ساعة أعمالها؛ ونوع خامس يكون صمتاً على دويٍّ تحته يشبه نوماً ساكناً على أحلام جميلة تتحرك.
على هذا النمط يجب أن تفسر كل أوصافه ﷺ ؛ فهي بمجموعها طابع إلهي على حياته الشريفة يثبت للدنيا بكل براهين العلم والفلسفة أنه الإنسان الأفضل، وأنه الأقدر، وأنه الأقوى.
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5049
بضع كلمات
خير زمام لمطية الشجاعة الحلم
لا تستقل أمة نفوس أفرادها غير مستقلة
لا يخرج أبو الهول من صمته حتى نتكلم
الحياة كأس تحلو وتمر، ثم تتحطم
لا تنهر السائل فقد ينهرك غداً
العفاف كالمعدة يشبع ويجوع، فإذا لم يجد ما اعتاده من طعام الزوجية الطيب انصرف إلى غيره من خبيث الطعام
المرأة شيطان جميل
السكير يملأ في آخر أيامه قواريره عقاقير
ما رأيت أستاذاً يعلمني الحلم خيراً من زوجتي وأولادي
شباب التاريخ يتجلى في آثاره القديمة
الطبيعة الجميلة ليست ملكي ولكنها ملك عينيّ، فلم لا أتمتع بها؟
الأولاد مصابيح البيت
المرأة كالطفل، نفر منه فيتبعنا، ونتبعه فيفر
أعمى البصيرة أعمى مرتين
المخدرات كالمرابي، ولكنها تتقاضى ربحها من صحتك
محمود خيرت
стр. 5050
شخصية نسوية أندلسية
صبح أو صبيحة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة
تولى محمد بن أبي عامر مقاليد الحكم مع الحاجب جعفر بمعونة صبح وتدبيرها كما بينا، وبدأ الصراع بين الرجلين على الاستئثار بالسلطة. وكان أبن أبي عامر هو القوى بلا ريب، سواء بمواهبه وقوة نفسه أم بمؤازرة صبح له. ولم تكن هذه المؤازرة ترجع فقط إلى ذلك الحب القديم الذي تضطرم به جوانح صبح نحو ذلك الرجل القوي، ولكنها كانت ترجع أيضاً إلى ثقة صبح في مقدرته وبراعته، وفي أنه هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يحمي ملك ولدها الفتى، وأن يوطد السلام والأمن في المملكة. فكان ابن أبي عامر في الواقع هو السيد المطلق، وكانت صبح تفوض إليه كل سلطة وكل أمر، فكان يدير الشئون كلها بمهارة تثير إعجاب خصومه وأصدقائه على السواء.
وكان الأمير الفتى، هشام المؤيد بالله، ميالاً بطبعه وسنه إلى اللهو والدعة، ولم يكن له شيء من تلك الخلال الرفيعة التي تهيئ الأمراء للاضطلاع بمهام الملك، فكان يلزم القصر والحدائق، ويقضي كل أوقاته في اللهو واللعب بين الخصيان وآلات الطرب. وكان أبن أبي عامر يشجع هذا الميول السيئة في نفس الأمير ويراها ملائمة لمقاصده؛ ومذ ولى هشام، حجر عليه أبن أبي عامر؛ ولم يسمح لأحد غيره برؤيته أو مخاطبته، وكان يحمل صبحاً بدهائه وقوة عزمه على أن تخلق الأعذار لحجب ولدها، حتى غدا هشام شبه معتقل أو سجين في قصره لا يعرف شيئاً من العالم الخارجي إلا ما يسمح له من ضروب اللهو واللعب. وفي ذلك يقول لنا مؤرخ أندلسي: (حجر المنصور بن أبي عامر على هشام المؤيد بحيث لم يره أحد مذ ولى الحجابة. وربما أركبه بعض سنين وجعل عليه برنساً فلا يعرف، وإذا سافر وكل من يفعل به ذلك). ويروي كوندي أن سيداً فارسياً يدعى سابور كان من أمناء القصر أيام الحكم، جاء من ماردة إلى قرطبة يوم البيعة لهشام ليؤدي يمين الطاعة، وحاول رؤية الأمير فلم يستطع. وفي الفرص النادرة التي كان يسمح فيها للأمير بالخروج
стр. 5051
كان ابن أبي عامر يتخذ أشد التحوطات، فيحيط موكب الأمير حين يخترق شوارع قرطبة بصفوف كثيفة من الجند تمنع الشعب من رؤيته أو الاقتراب منه. وكان الحجر على هشام عماد ذلك الانقلاب العظيم الذي اعتزم ابن أبي عامر أن يحدثه في نظم الدولة لتمكين سلطانه وطغيانه وجمع سلطات الخلافة كلها في يده.
ولا يتسع المقام للإفاضة في شرح الوسائل والإجراءات المتعاقبة التي تذرع بها ابن أبي عامر لتحقيق مشروعه؛ ولكنا نقول فقط إنه سار إلى غايته بسرعة مدهشة، ولجأ في تحقيقها إلى أشد الوسائل؛ واستطاع بعزمه وصرامته وبراعته أن يستحق كل عقبة، وأن يروع كل منافس ومناوئ. وفي ذلك يقول لنا ابن خلدون: (ثم تجرد (أي ابن أبي عامر) لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه، فمال عليهم، وحطهم عن مراتبهم، وقتل بعضهم ببعض، كل ذلك عن أمر هشام وخطه وتوقيعه حتى استأصل شأفتهم ومزق جموعهم). وكان أشد ما يخشى منافسة الحاجب جعفر، ودسائس الخصيان الصقالبة بالقصر؛ فبدأ بالتخلص من الصقالبة وحمل جعفر على نكبتهم وتشريدهم، فقتل منهم عدد كبير واعتقل الباقون أو شردوا؛ ولبث بعد ذلك حيناً يتربص بجعفر، ويحرض صبحاً عليه، وينوه كلما سنحت الفرص بقصوره وسوء تدبيره، ثم اعتقله أخيراً وأودعه السجن حتى مات؛ وجدّ بعد ذلك في مطاردة كل من يخشى بأسه من بني أمية أو غيرهم من زعماء القبائل، وسحق كل من يصلح للولاية والرآسة. وفي ذلك يقول ناقم منه:
أبنى أمية أين أقمار الدجى … منكم وأين نجومها والكوكب
غابت أسود منكم عن غابها … فلذاك حاز الملك هذا الثعلب
وعمد ابن أبي عامر إلى الجيش فنظمه من جديد ليؤكد عونه وإخلاصه، وأبعد عنه كل العناصر المريبة، وملأه بصفوف جديدة من البربر والمرتزقة؛ وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أنشأ مدينة جديدة في ضاحية قرطبة على ضفة الوادي الكبير وسماها بالزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة والدواوين؛ وأنشأ له حرساً خاصاً من البربر والصقالبة؛ واتخذ سمة الملك، وتسمى بالحاجب المنصور، ونفذت الكتب والأوامر باسمه، وأمر بالدعاء له على المنابر، ونقش اسمه في السكة؛ وتم بذلك استئثاره بجميع السلطات والرسوم، ولم يبق من الخلافة الأموية سوى الاسم.
стр. 5052
ماذا كان موقف صبح إزاء ذلك الانقلاب؟ لقد كانت أكبر عون لابن أبي عامر على إحداثه؛ وكان حبها المضطرم لذلك الرجل الذي ملك عليها كل مشاعرها وعقلها يدفعها دائماً إلى مؤازرته والإذعان لرأيه ووحيه؛ وكان إعجابها الشديد بمقدرته وتوفيقه يضاعف ثقتها به، ويعميها دائماً عن إدراك الغاية الخطرة التي يسعى إلى تحقيقها؛ هذا إذا لم نفترض أن تلك الفرنجية المضطرمة الجوانع كانت تذهب في حبها إلى حد الائتمار بولدها وتضحية حقوقه ومصالحه. والظاهر أن علائقها بابن أبي عامر، أو المنصور كما نسميه فيما بعد، انتهت بالخروج عن كل تحفظ، وغدت فضيحة قصر ذائعة، شهر بها مجتمع قرطبة وتناولها بلاذع التعليق والهجو؛ وظهرت في ذلك الحين قصائد وأناشيد شعبية كثيرة، في التشهير بحجر المنصور على هشام، وعلائقه بصبح. فمن ذلك ما قيل على لسان هشام في الشكوى من الحجر عليه:
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعاً عليه؟
وتملك باسمه الدنيا جميعاً … وما من ذاك شيء في يديه؟
ومن ذلك ما قيل في هشام وأمه صبح؛ وقاضيه ابن السليم:
اقترب الوعد وحان الهلاك … وكل ما تحذره قد أتاك
خليفة يلعب في مكتب … وأمه حبلى وقاض. . .
وهذه المقطوعات اللاذعة وأمثالها تعبر عن روح العصر، وتدل على ما كان يثيره موقف صبح وسمعتها من الحملات المرة. وتتفق الرواية الإسلامية في الإشارة إلى هذه العلائق الغرامية بين صبح والمنصور، وإن كانت تؤثر التحفظ والاحتشام؛ ولم نجد ما يعارضها سوى كلمة لكاتب مغربي يدافع فيها عن المنصور ويدفع عن صبح تهمة شغفها به، ويرمي أولئك الشعراء بالتحامل والكذب.
ولم يخمد جذوة هوى صبح زواج صاحبها المنصور، بل كان موقفها من هذا الزواج دليلاً جديداً على إخلاصها ووفائها، وكانت زوج المنصور أسماء ابنة غالب مولى الحكم وصاحب (مدينة سالم)، وهي فتاة بارعة الجمال والخلال؛ زفت إلى المنصور سنة ٣٧٦، في حفلات كانت مضرب الأمثال في البذخ والبهاء؛ ونظم الاحتفال في قصر الخليفة ذاته بإشراف الخليفة، وبعبارة أخرى بإشراف أمه صبح؛ وأغدقت صبح على العروس رائع
стр. 5053
الهدايا والتحف؛ وكان زواجاً سعيداً موفقاً لبث مدى الحياة وإن كان غالب قد خرج بعد ذلك بأعوام قلائل على صهره المنصور، ووقعت بينهما حرب هزم فيها غالب وقتل.
لبث المنصور زهاء عشرين عاماً يقبض بيديه القويتين على مصاير الأندلس، ويسير من ظفر إلى ظفر، ويثخن في ممالك أسبانيا النصرانية؛ ولم تبلغ أسبانيا المسلمة ما بلغته في عهد المنصور من القوة والسؤدد، ولم تبلغ أسبانيا النصرانية ما بلغته في عهده من التمزق والضعف؛ وقد غزا المنصور زهاء خمسين غزوة، وجاز إلى أمنع وأنأى معاقل أسبانيا النصرانية، ومع ذلك لم يشغله تعاقب الغزو عن مهام السلام؛ فكانت الأندلس في عهده تتمتع بفيض من الرخاء والأمن؛ ووطد أيضاً سلطة حكومة قرطبة في المغرب الأقصى، وكان قد فُتح في عهد الحكم المستنصر؛ ولكن المنصور كان يفرض على الأندلس حكماً من الطغيان المطبق، وكانت وسائله العنيفة الصارمة، الدموية في أحيان كثيرة، تذكى من حوله أوار البغض والتربص؛ وكان اجتراؤه بالأخص على مقام الخلافة واستلاب سلطاتها، والحجر على صاحبها الشرعي، تقدمه دائماً إلى الشعب في ثوب الطاغية المغتصب، فكان الشعب يعجب به ولا يحبه. على أن المنصور كان يسير دائماً في طريقه، معتمداً على قوته ووسائله، لا يحفل برأي الزعماء أو الشعب؛ فلما استتب له كل أمر، واجتمعت في يده كل السلطات ثاب له رأي في الاستئثار بما بقى من رسوم الملك ومظاهره، فبدأ بالتخلي عن لقب الحاجب، وخلعه على ولده عبد الملك، وهو فتى في الثامنة عشرة؛ وتسمى بالمنصور فقط؛ ثم أصدر أمره بأن يخص دون سائر أهل الدولة بلقب (السيادة) في المخاطبات، وتسمى عندئذ (بالملك الكريم) وكانت هذه دلائل واضحة على حقيقة الغاية التي يعمل لها المنصور ويرجو أن ينتهي إليها، وهي أن ينسخ الخلافة الأموية حكماً كما نسخ سلطانها فعلاً، وأن ينشئ دولة عامرية تتمتع بمراسيم الملك والخلافة.
ولم تك ثمة معارضة يخشى بأسها المنصور؛ وكان هشام المؤيد قد أشرف على الثلاثين من عمره، ولكنه لبث خاملاً ضعيف العزم والإرادة، لا تسنده أية قوة؛ وقد سحق المنصور كل زعامة وكل قوة خصيمة، وجمع حوله الجيش. ولكن كانت ثمة قوة لم يحسب المنصور حسابها: تلك هي صبح أو (أورور) صاحبته القديمة، وعونه السابق في الوصول إلى ذرى الحكم، وفي الحجر على الخليفة واستغلال ضعفه. ثارت صبح لما تبينته من نيات
стр. 5054
المنصور وغايته، وكانت صبح يومئذ في نحو الخمسين من عمرها، وقد تضرم ذلك الحب الذي شغفها بالمنصور دهراً، وأضحت تبغض ذلك الرجل الذي سلب ولدها كل سلطة؛ وأخذت تبث في نفس ولدها هشام مثل هذه العاطفة، وتدفعه بكل ما وسعت إلى مناوأة المنصور ومنازعته واسترداد سلطانه، وتولى مقاليد الحكم بنفسه؛ وأذاعت بواسطة أعوانها من الناقمين على المنصور دعوة شديدة، واتهمته بأنه يسجن الخليفة الشرعي ويحكم رغم إرادته ويغتصب سلطته. ولم تقف عند هذا الحد، بل فكرت في القيام بمحاولة عملية لمقاومة المنصور وإسقاطه، ففاوضت زيرى بن عطية حاكم المغرب الأقصى من قبل المنصور وأرسلت إليه الأموال سراً ليحشد الجند وليتأهب للعبور إلى الأندلس؛ وكان زيرى بن عطية أقوى زعماء المغرب، وكان مخلصاً لبني أمية يقوم بدعوتهم ويؤيدها، فلبى دعوة صبح، وأخذ يشهر بالمنصور وسياسته وحجره على الخليفة. ولكن المنصور فطن إلى المؤامرة قبل نضجها فبادر برؤية هشام المؤيد سراً، وتفاهم معه، وانتهى بأن أخذ منه تفويضاً كتابياً جديداً بالحكم؛ ونقل الأموال من القصر إلى الزاهرة حتى لا تمتد إليها يد خصومه. ثم تحول إلى زيرى بن عطية فعزله من منصبه وقطع رواتبه؛ فرد زيرى بأن محا اسمه من الخطبة وطرد عماله بالمغرب، وتأهب للحرب. وبعث المنصور إلى المغرب الأقصى جيشاً ضخماً بقيادة مولاه واضح فهزمه زيرى وارتد إلى طنجة؛ واستمرت الحرب حيناً بين الفريقين، وسار المنصور بنفسه إلى الجزيرة الخضراء وبعث إلى المغرب جيشاً كثيفاً بقيادة ولده عبد الملك، ونشبت بين الفريقين معارك شديدة هزم في نهايتها زيرى ومزق جيشه وفر إلى الصحراء الداخلية (٣٨٨هـ - ٩٩٧م).
وهكذا فشلت صبح في محاولتها، ولم يسفر ذلك الصراع المتأخر إلا عن توطيد سلطان المنصور وسحق البقية الباقية من خصومه ومعارضيه. ولم تك صبح في الواقع أهلاً لمقاومة ذلك الرجل القوي، خصوصاً بعد أن مكن له في كل شيء، ولم يكن الخليفة الأموي سوى شبح فقط. ونستطيع أن نقول إن الدولة الأموية بالأندلس قد انتهت فعلاً بانتهاء عهد الحكم المستنصر، ولم يكن استمرارها صورة على يد هشام المؤيد، أيام المنصور، ثم تجددها بعد ذلك على يد الزعماء الثائرين من بني أمية، إلا مرحلة السقوط النهائي. ولما أيقنت صبح أن المقاومة عبث، وأنه لا منقذ لولدها من ذلك النير الحديدي، لجأت إلى
стр. 5055
السكينة والعزلة؛ فلا نسمع عنها بعد ذلك في تأريخ الأندلس؛ ولا نعرف تأريخ وفاتها بالتحقيق؛ ولا نعرف إن كانت وفاتها قبل وفاة المنصور (سنة ٣٩٣هـ - ١٠٠٢م) أو بعدها، وكل ما تقوله الرواية الإسلامية في ذلك إن وفاتها كانت أيام ولدها هشام. والظاهر أنها توفيت قبيل وفاة المنصور حوالي سنة ٣٩٠هـ، لأننا لا نعثر باسمها بعد ذلك في حوادث الأندلس. وقد أورد صاحب يتيمة الدهر للشاعر الأندلسي أبي عمر بن محمد بن دراج القسطلي قصيدة يرثى فيها صبحاً (أم هشام المؤيد بالله) نقتطف منها ما يأتي:
هل الملك يملك ريب المنو - ن أم العز يصرف صرف القضاء
ألم تر كيف استباحت يدا - هـ حريم الملوك وعلق النساء
هو الرزء أودى بعزم الملو - ك مصاباً وأودى بحسن العزاء
وحاشا لرزئك أن يقتضيه … عويل الرجال ولدم النساء
لبيض أياديك في الصالحا … ت تمسك وجه الضحى بالضياء
فتلك مآثرها في التقى … وبذل اللهى ما بها من خفاء
جزاك بأعمالك الزاكيا … ت خير المجازين خير الجزاء
ولقيت من ضنك ذاك الضريح … نسيم النعيم وطيب الثواء
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 5056
في السعادة
للورد افبري من كتابه (فائدة الحياة)
ترجمة الأستاذ بشير الشريقي
لا تسير الرفاهية مع السعادة دائماً، وإن كثيراً من الناس بؤساء وإن كانوا يملكون في الظاهر كل ما من شأنه أن يجعلهم سعداء.
يمكن أن تقدم الطبيعة إلى أحب عشاقها الغنى والقوة والشهرة والحياة الطويلة، ولكنها لا تستطيع أن تجعله سعيداً. إذ يجب أن يعتمد في ذلك على نفسه.
إذا لم تكن عناصر السعادة موجودة في نفس الرجل فإن كل ما في العالم من جمال ومشاهد وملذات ومبهجات لن تستطيع أن تهبها له.
أكثر ما تتوقف عليه السعادة إنما هو ضبط الرجل لأفكاره وقيادته لها متجنباً ما هو مؤلم، مستعيداً أجمل الذكريات.
يقول (شوبنهور) - يرى أحدهم العالم قاحلاً مظلماً حقيراً، ويراه الآخر غنياً مبهجاً مملوءاً بالمعاني.
السعادة شيء يحتاج إلى المران كالعزف بالناي.
إذا سرنا على الصراط المستقيم وصلنا إلى ما تصبوا إليه نفوسنا ولكن حذار أن نبحث عن هذا الصراط باهتمام شديد.
يقول (فرانكلن) - اتبع السرور يتبعك.
لا تفكر كثيراً في نفسك، أنك لست الوحيد في هذا العالم،
يقول (راسين) - لا تفتش عن اللهو، ولكن كن مستعداً دائماً أن تلهو.
إنه من الصعب أن تجعل الحياة تعاقب لذائذ،
يقول (تشفورت) - إن أضيع يوم في حياتنا هو اليوم الذي لا نضحك فيه.
إذا كان اليوم مظلماً فأضئه.
يقول أحد القساوسة - إن البشاشة هي تسعة أعشار المسيحية.
يحتاج النزاع إلى شخصين فلا تكن أنت أحدهما.
لا تدع الشمس تغرب على غضبك.
стр. 5057
إن أنت فكرت في نفسك كنت تعساً، وإن أنت فكرت في غيرك كنت سعيداً.
يتذمر بعض الناس دائماً، ولكنهم مساكين لم يدركوا أنه لو قدر لهم فولدوا في جنات عدن لوجدوا هنالك أشياء كثيرة يتشكون منها ويتذمرون.
الغبطة مقوٍ أخلاقي عظيم، وكما أن الشمس تفتح الأزهار وتنضج الأثمار، كذلك الغبطة.
الشعور بالحرية والحياة يبعث فينا كل بذور الوجود.
ما دام الإنسان محافظاً على بشاشته فهو محافظ على قوته وشبابه.
يظن بعض الناس أن السرور دليل عدم التفكير وهذا خطأ، إذ ليس من علاقة ضرورية بينهما.
لا نستطيع أن نمنع آلام هذه الحياة عنا، ولكننا - إذا أردنا - نستطيع أن نسمو فوقها؛ ولذلك يجب أن نعلق على جدران غرفة ذكرياتنا صوراً جميلة ضاحكة. وكما يلأم الزمن الجراح يشفي الزمن الأحزان.
يقول (كوكريتوس) يخاف بعض الرجال في النور بقدر ما يخاف الأطفال في الظلام.
إن العقل المثقف، ولا أعني بالمثقف عقل الفيلسوف، بل كل عقل فتحت له منابع المعرفة فعرف كيف يمرن قواه، سيجد في كل ما يحيط به منابع للسرور والتسلية لا ينضب معينها؛ سيجد في بدائع الفن غبطة، وفي جمال المرأة راحة، وفي خيال الشعراء وحوادث التأريخ سلوة، وفي عقائد الناس تفكهة.
الطبيعة نعمة لمن لا يكفر النعمة.
لا الغنى ولا الجاه بضامنين لك السعادة.
قد تكون غنياً وعظيماً وقوياً من غير الحب والإحسان والاطمئنان، ولكنك لن تكون سعيداً.
لقد اتفق أحكم الحكماء على أن السعادة لا يمكن أن تشترى بالمال ولا أن تنال بالقوة.
يقول (هريو) لسيمونيدس: لقد أغرت مفاخر الأمارة وعظمة الملوك ورفاهيتهم السواد الأعظم من الناس؛ أنا لا أعجب من ذلك، لأن الناس كما يظهر لي يحكمون على بعضهم بمجرد الظواهر فقط؛ إنني أؤكد لك باسيمونيدس أن الملوك يملكون أقل نصيب من (المسرات العظيمة)، وأعظم سهم من (البلايا العظيمة).
لا ينبغي أن نخاف الموت، فالموت كما يقول (باسكال) هو المصيبة الوحيدة التي لا نشعر
стр. 5058
بها.
ما دمنا كائنين فما ثمة موت. وإذا جاء الأجل فما ثمة وجود.
يجب ألا ننشد السعادة في الخارج بل في نفوسنا، في عقولنا.
الجنة فيك، فإن أنت لم تستطع أن تكون سعيداً على الأرض فكيف تنتظر أن تكون سعيداً في السماء؟
يقول (سقراط): (خير الرجال من يسعى لضبط نفسه، وأسعدهم من يشعر بأنه ضابط لها).
خذ الغبطة إلى بيتك
واسمح لها أن تنمو ودارها.
إنها ستخفف من آلامك وأحمالك
وتغني لك وأنت تجاهد في حراثة أرضك.
إنه لعمل عادي أن تكون مسروراً.
(شرقي الأردن)
بشير الشريقي المحامي
стр. 5059
حول كتاب (هتلر)
قضية طريفة أمام القضاء الباريسي
نعرف أن للهر أدولف هتلر رئيس الحكومة الألمانية الحالية، وزعيم الحزب الوطني الاشتراكي الألماني، كتاباً كتبه أيام المحنة، وقت أن كان زعيم جماعة صغيرة وحزب ناشئ، وكان وقتئذ معتقلاً في إحدى القلاع يقضي حكماً صدر عليه لاشتراكه في مؤامرة دبرت في ميونيخ لقلب الحكومة. ولم يكن لهذا الكتاب الذي صدر في سنة ١٩٢٥ بعنوان جهادي أهمية سياسية أو أدبية، وفيه يقص هتلر سيرة حياته، ويعرض برنامج حزبه، وآراءه السياسية في أسلوب عادي لا يمتاز بشيء إلا بما يتخلله من المبادئ، والآراء المتطرفة. فلما تطورت الحوادث، وغدا هتلر زعيم أعظم الأحزاب الألمانية، واستولى على مقاليد الحكم، اتجهت الأنظار إلى كتابه، وتخاطفته الملايين، وطبع مراراً عدة، وترجم إلى عدة لغات، واتخذ أهمية جديدة يسبغها عليه مركز مؤلفه وما انتهى إليه من السلطان والنفوذ.
وقد رأى أحد الناشرين الباريسيين أن يخرج الكتاب باللغة الفرنسية لما للكتاب من خطر في نظر الجمهور الفرنسي بعد أن غدا مؤلفه أعظم خصم لفرنسا، فأرسل إلى شركة فرانز أيهر الألمانية التي فوضت جميع حقوق النشر يستأذنها في الترجمة، فأجابت بالرفض المطلق. والظاهر أن ذلك يرجع إلى أسباب سياسية أكثر مما يرجع إلى أسباب مالية، لأن الهر هتلر لم يشأ أن يطّلع الشعب الفرنسي على ما كتبه، وفيه كثير مما لا يدعو إلى الطمأنينة. ولكن الناشر الباريسي لم يعبأ بهذا الرفض؛ وأخرج لكتاب (جهادي) ترجمة فرنسية بديعة كاملة بقلم ثلاثة من الكتاب المعروفين. فبادرت شركة فرانز أيهر الألمانية إلى رفع الأمر إلى القضاء الفرنسي، واستصدرت أمراً بالحجز على النسخ المطبوعة لدى الناشر الباريسي، ورفعت عليه دعوى تطلب مصادرة النسخ المحجوزة، والحكم عليه بغرامة قدرها ألف فرنك عن كل نسخة، والحكم عليه فوق ذلك بتعويض مالي كبير.
وكانت نظرية الشركة الألمانية أمام المحكمة أن نشر الترجمة دون إذن يعتبر اعتداء واختلاساً، وقانون سنة ١٧٩٣ الفرنسي الذي يحمي الملكية الأدبية يعتبر ذلك (تزويراً) تترتب عليه جميع حقوق التعويض والمصادرة.
стр. 5060
ولكن الناشر الباريسي أجاب على لسان محامييه الأستاذين جاييه وفيليب لامور أن هذه الحالة لا يشملها قانون سنة ١٧٩٣. ذلك أنه لا يمكن أن نشبه كتاب هتلر بكتاب عادي أو رواية لمؤلف عادي؛ والواقع أن كتاب (جهادي) إنما هو كتاب عمومي لرجل من الرجال العموميين، ورؤساء الحكومات الذين تغدو كتاباتهم ملكاً للجميع على نحو ما يغدو تصريح وزاري أو خطبة عرش؛ فلكل إنسان الحق، بل ومن واجب كل إنسان يهمه الاطلاع على الشئون العامة أن يعرفها وأن يقرأها. هذا إلى أن العقد الذي تزعم الشركة الألمانية أنها حصلت بمقتضاه على حقوق النشر لا يوجد ولم يقدم، وليس لديها غير تصريح شفوي من (الزعيم) هتلر. ورفع الدعوى بهذه الصورة باطل، وكان واجباً على هر هتلر، إذا شاء أن يحمي حقوقه أن يتقدم بنفسه، وعلى أساس الاعتبارات السياسية التي هي جوهر القضية؛ ولكنه لم يكن لديه من الشجاعة أو الصراحة ما يحمله على اتباع هذا الطريق، ولهذا آثر أن يتقدم بواسطة شركة للنشر وعلى أساس الاعتبارات التجارية.
وقد أثارت هذه القضية اهتماماً كبيراً في الدوائر القضائية والأدبية، ولا تزال منظورة أمام محكمة السين التجارية، رهن صدور الحكم فيها. على أنه يرجح منذ الآن أن يأخذ القضاء الفرنسي بنظرية الناشر الباريسي في اعتبار كتابات الرجال العموميين وأقوالهم ملكاً مباحاً يسوغ لكل إنسان أن يحصل عليه وأن يذيعه.
стр. 5061
صورة من صدر الإسلام
عبد الله بن مسعود
بقلم محمد طه الحاجري
أخذ الناس في مكة يحسّون شيئاً جديداً يداخل روح الحياة عندهم، وينشر ظلالاً خفيفة من حولهم، ويبعث في أنفسهم شعوراً شديد الغموض لا يتبينون كنهه ولا يتحققون أمره، شأن الجماهير في فجر الأحداث الخطيرة. وكأن لهم من وراء الحواس الظاهرة حساً باطناً لا يستند إليها فيما يدرك، ولا يدرك إلا المعنى العام الذي لا يحدد. وكان الجو في تلك المدينة المقدسة يزخر بشتى التيارات، ويموج بلمحات النبوة ونفحات السماء، كما يموج الأثير بأمواج الكهرباء: تحمل في أطوائها معاني القوة دون مظاهرها، وتخفى في أثنائها الصوت المجلجل، والضوء الساطع، كامنة كمون الروح، خفية خفاء القدر، حتى تتاح لها الظروف المواتية، والحالات الملائمة، فتجهر وتستعلن وتؤدي رسالتها. . . وكذلك كان الأمر في الأيام الأولى للبعثة: تنزل الملائكة وتصعد، ويترادف الوحي ويمتد، ويزخر الجو بنفثات الرسالة، والناس مستمرون في شأنهم، لا يحسون شيئاً إلا حفيفاً لا يعبئون به، ولمحات خفيفة لا ينظرون إليها، حتى تصادف قلباً أعد لها، و (جهازاً) صالحاً لقبولها، فتجهر وتستعلن وتؤدي رسالتها. . .
وفي يوم من هذه الأيام، خرج الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ومعه صاحبه وصفيه أبو بكر، وأخذا يسيران في ظاهر مكة، على نجوة من العيون، وأمنة من الأسماع. يتناجيان نجوى المودة الصادقة، ويتحدثان حديث العقل المتزن، وقد أقبل الرسول على صاحبه ليجد عنده راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، لقاء ما ألقى عليه ربه. وبيناهما كذلك لقيا شاباً في نحو العشرين، ضئيل الجسم، ضعيف المنة، آدم البشرة، تلمع عيناه ذكاء وعزيمة وصفاء سريرة يرعى قطيعاً من الغنم، هو ذا عبد الله أبن أم عبد الهذلي، مولى أخوال الرسول من بني زهرة، يرعى غنماً لأبن أبي معيط أحد السادة المتجبرين من بني أمية. فوقفا عليه واستسقياه بعض اللبن فسقاهما، حتى إذا ما فرغا من شرابهما أقبل بدوره عليهما، وأخذ يسائل الرسول عما سمع بعض الناس يهمسون به، من كلام بدع تتضاءل أمامه كل صنوف الكلام، وأمر جديد يتنزل عليه من السماء، يدعو إلى عبادة الله وحده ونبذ الأصنام.
стр. 5062
فهش له الرسول ومسح على رأسه، وجعل يقرأ عليه، وإن صوته ليتجاوب بين قلبه وعقله، وجعلت كلمات التنزيل تتنزل على نفسه، كما تتنزل قطرات الماء على حلق يتحرق ظمأ، حتى شرح الله صدره للإسلام. ومضى الرسول وصاحبه، رضى النفس مغتبط الضمير. وخلفا عبد الله وقد ملكته نشوة هذا الأمر، وقد جعلت كلمات الرسول يتردد صداها بين سمعه وقلبه، وهو يحسب أنه قد ظفر بسعادة الأبد. وما يزال كذلك حتى يقبل الليل، فينطلق إلى دار الأرقم، يلفي الرسول وصحبه يتذاكرون آيات التنزيل، ويضرعون إلى الله أن يسدد خطاهم ويمكن لهم دينهم.
أي رجل هذا؟ شاب يافع محروم من أسباب القوة ووسائل المنعة، ليس له عشيرة يلجأ إليها، ولا عصبة يعتمد عليها. ضعيف في ذاته الجسمية، قضيف العظام مترهل العضلات مجرد من وسائل الحياة المادية، يعتمل نفسه لأشراف مكة في الخدمة ورعى الغنم، لقاء ما يحفظ عليه روحه ويمسك عليه الرمق. ثم لا يعبأ بعد هذا أن يخرج عليهم، وهو يعلم مقدار حميتهم لدينهم، وتعصبهم لأنفسهم، ولا يأبه لما لابد أن يصيبه في هذا السبيل من تصرم وسائله، واستهداف حياته في تعرضه لعداء سادته وهم من هم: سدنة البيت الحرام، والقوام على ميراث إسماعيل ﵇، والخيرة المتخيرة من أبناء العرب، وأصحاب الحول والطول في كل أنحاء الجزيرة.
ولكن عبد الله كان يملك من أسباب السماء بقدر ما حرم من وسائل الأرض. كان قوي النفس، متين الخلق، بقدر ما كان هزيل القوام ضعيف الجسد. كان يشعر بالسؤدد الروحي يوجهه ويملي عليه، وإن كان يضطرب في أسمال الخدمة وأهدام الحاجة. فلم تكن الضرورات المادية لتخضع روحه أو تغلب ضميره، وما كان للخوف أن يغشي بصيرته فيخلد إلى الأرض. وكذلك أنطلق مع روحه فاعتنق الإسلام وأخلص له، وأحب محمداً إلى غاية ما يبلغه الحب الروحي، فاصطفاه الرسول ليكون تابعه الأمين، وخادمه الذي ليس من دونه حجاب، فكان يرى وكأنه واحد من آل بيته، مما كان يركن إليه ويطمئن له ويتلطف معه ويحسن عشرته، فأخلص للرسول الإخلاص كله، ووصل حبه له إلى قرارة قلبه، حتى صار جزءاً من حياته، بل لقد اصطبغت حياته كلها به، وتأثر به في مخبره ومظهره، فكان أقرب الناس له سمتاً، وأدناهم إليه دلاً، وأشبههم به في سكينته ووقاره.
стр. 5063
مضت الأيام والإسلام نجوى الضمائر، وحديث القلوب، وهمس الشفاه. والقرآن لا يعدو بيت الرسول ودار الأرقم وأطراف مكة القاصية. ثم جاء أمر ربك فأتيح للخافية أن تظهر، وللسر أن يستعلن، وللدعوة أن تأخذ سبيلها في وضح النهار؛ واجتمع ذلك النفر من المسلمين يتدبرون الأمر، وكانوا يعرفون موضع الإحساس الدقيق في نفس العربي، وموطن التأثر البليغ من قلبه: إنما هي تلك الحاسة البيانية المرهفة التي أمسكت بقياده، وسيطرت على حياته؛ وجاء القرآن وافياً بها متحكماً فيها؛ فكان من الطبيعي أن يكون سبيل الدعوة. فقالوا من لقريش يسمعها هذا الكلام؟ فانبرى عبد الله يقول: أنا لها. وهو يعلم مقدار ما يستتبعه هذا من الأذى، ولا عاصم له من قوم ولا عشيرة. فراجعوه في هذا الأمر، وبصروه بعاقبته، وذكروه ضعفه ووحدته؛ فأبى أن يفوته هذا الشرف، أو أن يرده عنه اعتبار لا قيمة له في ميزان المجد. فاعتصم بإيمانه القوي، ويقينه الثابت أن لا إله إلا الله، فلا نافع ولا ضار إلا الله، وأن لو اجتمعت الجن والإنس على أن ينالوه بشيء ما استطاعوه إلا بقضاء الله وقدره، وأحبب به أذى في سبيل الله وإعلاء كلمته. ثم تخير غداة الغد حين تكون قريش مجتمعة في أفناء الحرم حول الكعبة، يدبرون أمورهم، ويتحدثون عن أموالهم، ويتكهنون بمقادير أرباحهم ويتراهنون على ما يدور بخواطرهم، وتذهب إليه مطامعهم وتراوحهم به مخاوفهم. فلما كان موعده أقبل إلى البيت الحرام، واستقبل الكعبة بوجهه، وأخذ يتلو من كتاب الله:
(بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان).
أي صوت رهيب دوى في أرجاء الحرم، فالتفتت إليه أسماعهم، ودهشت له قلوبهم، واستطارت منه ألبابهم، وأذهلهم عماهم فيه من حجاج ولجاج في تجارتهم وحياة أموالهم؟! فانصرفوا إليه يقولون: ما شأن ابن أم عبد وماذا يقول؟ فلما علموا أنه يتلو بعض ما جاء به محمد أقبلوا عليه يضربونه في وجهه ويدفعونه في صدره، ما شاءت لهم الحمية ونخوة الجاهلية، حتى نالوا منه وتركوا آثار الدم في وجهه. ثم عاد إلى أصحابه وهو يقول: (ما كان أعداء الله قط أهون على منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً) فقالوا له: حسبك.
стр. 5064
وتم لهم ما شاءوا.
استشرف عبد الله إذن لعواصف النكير والاستهزاء، واستهدف لسهام التنكيل والاعتداء. إن كان في بيت الرسول فهناك جيرانه: أبو لهب وعقبة بن أبي معيط والحكم بن العاص وعدي بن حمراء الثقفي يترصدون له وينالون منه. وإن كان في السوق فما شاءت جماهير قريش من أذى وتجهم وسخرية، وإن كان في المسجد، وقد جلس إلى الرسول ﵊ في المستضعفين من أصحابه فكذاك؛ وما يفتأ القوم يمرون بهم، فيتغامزون عليهم ويسخرون منهم، ويقول بعضهم لبعض: (أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا، ولو كان خيراً ما سبقونا إليه).
وهكذا مضت الأيام بعبد الله، وما يزيده هذا إلا صفاء في نفسه، وصلابة في يقينه، واستشراقاً لهدى الله جل شأنه، وسنة محمد ﷺ ، وصنعت منه هذه الخطوب ما تصنع حرارة الأرض وضغطها من الماس وكرائم الأحجار، فأصبح كالماسة الصافية صلابة وإشعاعاً.
فلما اعتدل ميزان الأمور، وتمت كلمة ربك الحسنى على المسلمين، وأصبحت القوة في جانب الحق، وأصبح الإسلام في يثرب صاحب الكلمة، كان عبد الله سيفاً قاطعاً ونجماً ساطعاً، فشهد المشاهد كلها مع رسول الله، لم يقعد به ضعفه. ولم يخلفه هزال جسمه، إذ كان قوي القلب ثابت الإيمان. وكانت بصيرته في الدين قوية الإشعاع دائمة السطوع، حتى لقد أوصى الرسول ﷺ بالتمسك بعهده، وشهد له كبار الصحابة كعلي وحذيفة، ومكانهما من هذا الأمر ما نعلم، وكان من العلم بالقرآن في المكان المرموق: ما من سورة في القرآن أو آية من سورة إلا وهو يعلم سبب نزولها، ومكان مجيء الوحي بها، لا ينكر عليه ذلك منكر. ولقد كان إيمانه يتلألأ في قراءته كما كان يتألق في جبينه؛ حتى كان يحبب إلى رسول الله أحياناً أن يسمع القرآن منه. فقال له مرة: اقرأ عليّ سورة النساء. قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأ عليه حتى بلغ قوله تعالى مخاطباً رسوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً) فبلغ التأثر من الرسول مبلغه، وفاضت عيناه بالدموع.
стр. 5065
وحين نذكر فصاحة منطقه، وخلوص لسانه، لا ننسى أنه هذلي الأصل، مع عرق فيه يمت إلى زهرة؛ ثم هو مع هذا قرشي المولد والمربى؛ فلا غرو أن كان جيد الأداء حسن القراءة، بعد أن اجتمعت له مقومات لسانه ونصاعة إيمانه.
انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى، فانتقلت الدعوة إلى الشمال، تكافح بالسيف ولاة فارس وعمال الروم، فما كان أسرع عبد الله إلى الجهاد في سبيل الله، وقد مكن له فقهه وبصره وورعه أن يتولى أمر الأنفال، فكان لا يفتأ فيما بين هذا يعلم القرآن، ولا يترك فرصة دون أن ينتهزها لتفهيمه والتبصير به، وإنه لجالس ذات مرة في حمص وقد جيء إليه بسبائك من الفضة، فجعل يذيبها، وإنها لتتلون ألواناً، فرأى في ذلك صورة بينة للمهل الذي جاء به القرآن، فالتفت إلى أصحابه يقول لهم: أتدرون ما المهل؟ هذا أشبه شيء به. لله أنت يا ابن مسعود! ما كان أبصرك بكتاب الله وأحرصك عليه!
ثم بعثه عمر إلى أهل الكوفة معلماً حين بعث عماراً عليهم أميراً، وكتب إليهم هذه العبارة التي تدل دلالة واضحة على قيمة ابن مسعود في نظر أصدق الصحابة بصراً، وأنفذهم رأياً، وأعرفهم بقيم الرجال: (إني بعثت عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله ابن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ ، من أهل بدر، فاقتدوا بهما، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي) وكفى بهذه الجملة الأخيرة شاهداً بمكانة الرجل.
فلبث فيها ما لبث قيما على بيت المال، قائماً بتعليم القرآن وبث تعاليم الإسلام، وحديث الرسول ﵊، وكان فوق هذا يضرب بخلقه وورعه خير الأمثال، حتى كان أصحابه يقولون: (ما رأينا رجلاً أحسن خلقاً، ولا أرفق تعليماً، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعاً من ابن مسعود). فكون فيها مدرسة تحبه وتتعصب له، فلما كان عثمان وأخذ يقلب بين الولاة والعمال، بعث إلى ابن مسعود يستقدمه إليه، فجزع أصحابه أيما جزع، واستشعروا أثر النازلة، إذ يوشك أستاذهم الذي وهبهم قلبه وألهمهم حبه أن يفارقهم، فاجتمعوا إليه يرجونه أن يقيم بينهم، وله عليهم أن يمنعوه مما عسى أن يصل إليه من مكروه، ولكن عبد الله ما كان ليعبأ بالمكروه يصيب شخصه، فما أهونه في ذات نفسه لقاء الخير يصيب أمته، ولكنه كان يرمي ببصره إلى ما وراء الشخوص الماثلة أمامه، فيرى
стр. 5066
بوادر شر تتربص بالأمة الدوائر، ودلائل فتنة توشك أن تنقض. وما كان له أن يفتح بعصيانه ثغرة في بناء المسلمين، فصرف القوم عنه وهو يقول: (إن له على حق الطاعة، وأنه ستكون أمور وفتن، فلا أحب أن أكون أول من فتحها) فمضوا عنه وهم يشدون على قلوبهم، ثم أخذ أهبته وسار إلى المدينة.
وقد لبث فيها وإن الفتن لتموج بالناس من حوله وهو قارّ ساكن، يسأل الله العصمة وإطفاء الثائرة، ولا يكاد يلفته شيء إلا كتاب الله الذي تلقاه عن رسول الله، فهو موضع عزته، ومناط كرامته.
ولم يطل به العهد حتى اصطفاه الله لجواره، ﵁.
محمد طه الحاجري
بكلية الآداب
стр. 5067
القضاء عند قدماء المصريين
بقلم حامد أسعد محمد عاشور
قبل أن نطرق هذا الموضوع يجب أن ألفت نظر القارئ إلى أن مصر كانت على درجة عظيمة من الرقي والحضارة، وأن العدالة كانت مستتبة الأركان موطدة الدعائم؛ وأن النظم الديمقراطية التي يدعي الأوربيون اليوم أنها من بنات أفكارهم أو مما ورثوه عن الإغريق والرومان، لم تكن إلا وليدة النظريات السياسية الفرعونية في عصور سحيقة؛ وأن الحريات المدنية والسياسية وحماية الملكية الفردية التي يباهي بها القرن العشرون بعد الميلاد، عُرفت في مصر وتوطدت أركانها في القرن العشرين قبل الميلاد تحت حكم ملوك مصر وفراعينها العظام.
كذلك قبل أن أبدأ الكلام أرى لزاماً عليّ أن أذكر أنني استقيت معلومات هذا المقال من مصادر تأريخ مصر المعروفة من كتابة على جدران القبور والمعابد إلى ما كتب في أوراق البردي، ثم من محاضرات أستاذي الدكتور زكي عبد المتعال في كلية الحقوق، ثم من كتاب (وصف مصر) الذي وضعته الحملة الفرنسية بعد رجوعها من مصر.
يرجع أصل سكان البلاد إلى بعض العناصر الآسيوية التي غزت مصر من الشرق، ثم امتزجت بعناصر أخرى من السود آتية من الجنوب.
أما تكوُّن الإقليم فهناك رأيان فيه: الأول يقول إن البلاد كانت تتكون من قبائل اتحدت فكونت مدناً، ثم اتحدت هذه فكونت أقاليم ومقاطعات، ثم تكونت مصر العليا مستقلة عن مصر السفلى إلى أن وحد سكوربيون ملك نخعة (مصر الوسطى) قسمي الإمبراطورية، ومن بعده جاء مينا فأتم ما بدأه سلفه.
أما الرأي الثاني فيقول: إن مصر لم تمر بهذا التطور التدريجي بل أنها من يوم أن دبت الحياة فيها وهي أمة موحدة، ويستند أصحاب هذا الرأي الأخير إلى أن نهر النيل هو منبع الثروة الوحيد في البلاد، فلا يمكن إلا أن توحد جهود السكان في سبيل الغرض المشترك وهو حب البقاء، والدفاع عن أموالهم ومورد رزقهم؛ هذا إلى أن الوثائق وأوراق البردي لم تذكر أن البلاد مرت بالدور التطوري السابق ذكره.
ولما تكون الإقليم وجدت الأسرات. ففي عهد الأسرتين الأولى والثانية كان الحكم مطلقاً،
стр. 5068
فكان المُلكُ قائماً على الحق الإلهي. وبذا كان الملك ممثلاً للسلطتين الزمنية والدينية، فكان يصدر القوانين بنفسه وبمساعدة كتبة خصوصيين.
وفي عهد الأسرة الثالثة كان الملِكُ مصدر جميع السلطات، يستعملها بمساعدة موظفيه المدنيين لا الدينيين، وكان خاضعاً للقوانين التي يصدرها وتسري على شعبه، وبذا كان الحكم مطلقاً مشبعاً بروح العدالة والإنصاف، فالجميع متساوون في الحقوق لا فرق بين أمير وحقير أو غني وفقير، وكانت الدولة إذ ذاك زمنية لا دينية أي لم يكن للكهنة نفوذ كبير فيها.
وفي عهد الأسرة الرابعة أصبحت الدولة دينية، وأصبح الملك ممثلاً لرع وهاتور الإلهين، وقدمت الديانة الملكية على الإدارة الحكومية، والكهنة على الموظفين، وكانت هناك إدارات حكومية كثيرة، منها (إدارة الري ومياه النيل، وإدارة الحربية، وإدارة الإحصاء والضرائب، وإدارة المالية، وإدارة العقائد والتموين.) وكل هذه الإدارات كانت تحت إشراف مجلس العشرة الملكي، وهو يقابل مجلس الوزراء الآن، وكان الوزير الأكبر هو الذي يرأس هذا المجلس.
هذه نظرة عامة عن اختصاصات السلطة التنفيذية، أما فيما يتعلق بالتشريع والقضاء - وهو موضوع هذا المقال - فإن القوانين عرفت ودونت في مجموعات عندما اخترعت الكتابة في القرن الخمسين قبل الميلاد، فوضع (نحوت) إله القانون مجموعته القانونية في سنة ٤٢٤١ قبل الميلاد.
وقد شملت هذه المجموعة الالتزامات والأموال وجميع العقود الأخرى، والزواج والطلاق. وكان مما نص عليه في هذا الشأن أن الزواج يتم بعقد مدني بطريق الشراء، ثم يجري بعد ذلك احتفال ديني. أما العلاقة المالية بين الزوجين فكان يتفق عليها في مشارطة الزواج على أحد بأمور ثلاثة: (١) فصل مال كل من الزوجين عن الآخر فيكون للزوجة في هذه الحالة حق التصرف في مالها بدون إذن الزوج (٢) تخصيص جزء من مال الزوجة لمساعدة الزوج على المعيشة العائلية، ويكون للزوج في هذه الحالة حق الانتفاع بأموال الزوجة وعليه ردها عند الانفصال (٣) اشتراك الزوجين في بعض الأموال أو جميعها. وكان للنساء امتيازات كثيرة عللها المؤرخ ديودور الصقلي باحترام المصريين للآلهة
стр. 5069
إيزيس.
أما الطلاق فقد أجازه الشارع الفرعوني كما أباح للمرأة أن تتزوج، بشرط أن يكون لها الحق في فسخ الزواج كما كان لها حق الرهن العام على أموال زوجها ضماناً لعدم تعرضها لخطر الطلاق منه.
ويترتب على البيع الصحيح (باليمين والشهود) التزام البائع بتعهدين: الأول وموضوعه تسليم سندات الملكية - والثاني وموضوعه ضمان كل تعرض للمشتري. وينقسم عقد البيع إلى عقدين أحدهما اتفاقي والآخر عيني وبه تسلم العين المبيعة.
وقد أخذت سائر العقود الأخرى صورة عقد البيع، حتى أن الوصية كان يكتب لها عقد اتفاقي بين الموصي والموصى له بشرط ألا يتم استلام الأخير للوصية إلا بعد وفاة الموصي وتسلم الوارث العقد العيني من باقي الورثة.
ولما تشتت مجموعة نحوت جاء بو خوريس مؤسس الأسرة الرابعة والعشرين وجمع شتاتها وعدلها في مجموعة نظم بها جميع المعاملات المدنية والأحوال الشخصية في مجموعة قوانين سميت باسمه كما سماها اليونانيون بمجموعة العقود.
ولما جاء أحمس أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين أصدر مجموعته المسماة باسمه. ثم جاء من بعده الملك نفريت فأعاد العمل بمجموعة بو خوريس بعد أن نقحها، واستمر العمل بها حتى نهاية العهد الفرعوني. ثم طبقت على المصريين فقط في العهد الإغريقي حتى جاء الرومان فمنحوا ممتلكاتهم الرعوية الرومانية في عهد الإمبراطور كراكلا، وبذا طبقت في مصر القوانين الرومانية.
هذه نظرة عامة عن تطور التشريع في عهد قدماء المصريين حتى الفتح الروماني، والآن نستعرض نظام المحاكم واختصاصاتها وسلطة القضاء في الدولة.
كانت سلطة القضاء العليا في يد الملك يباشرها إما بنفسه أو بواسطة موظفين مدنيين أو دينيين تبعاً لازدياد نفوذ الكهنة في الدولة. وفي حالة ازدياد نفوذ رجال الدين (كما كانت الحال في عهد الأسرة العشرين) كان يجري العمل على استفتاء الإله آمون في القضايا الجنائية والمدنية، فكان يقدم المتهم أمام تمثال الإله فيقر بذنبه، وإذا أنكر أعيد إلى السجن، وفي حالة تعدد المتهمين كان الإله يشير بيده إلى السارق مثلاً قائلاً هذا هو السارق، فإذا
стр. 5070
أنكر أعيد إلى السجن حيث يلاقي أشد أنواع العذاب، إذ لا يمكن تكذيب الإله، ثم يعاد إليه فيقر بذنبه ويؤمن التمثال على كلامه، ومن ثم يقدم إلى المحكمة بعد أن يقسم اليمين الآتية:
(أقسم بآمون والملك أن أقول حقاً، ولئن كذبت فلأعودن إلى السجن ولأسلمن إلى الحراس) ثم تأخذ المحكمة بأقواله وتحكم عليه.
وكان القضاة يقسمون يميناً أمام الملك بعد تعيينهم يتعهدون فيها بعدم طاعته إلا فيما يوافق العدالة. وكان يرجع إليه كثيراً عند تعذر الحكم في بعض القضايا الهامة.
أما المحاكم فكانت على أنواع كثيرة: محاكم جزئية بالقرى والمدن، ومحاكم ابتدائية في عواصم الأقاليم، ومحكمة استئناف عالٍ بعاصمة الدولة، ثم محاكم عسكرية للجند، ومحاكم عائلية تفصل في المسائل المتعلقة بالأسرة، ثم محكمة للأموات يقوم الكهنة بتكوينها ومحاكمة كل ميت أمامها، فإن كان سيئ السيرة قضت بحرمانه من الدفن.
أما المحاكم الجزئية فكان يرأسها حكام المدن، وقد أعطي لرئيس مقدري الضرائب اختصاص الفصل في المنازعات التي تقوم بين دافعي الضرائب والمقدرين.
أما المحاكم الابتدائية فكان يرأسها حاكم الإقليم وأعضاؤها الأعيان، وكانت مختصة بالفصل في المنازعات المدنية فقط، وترفع أمامها عريضة دعوى وجميع الإجراءات أمامها كتابية.
أما المحكمة العليا فقد كان يرأسها رئيس أسرار الملك وأعضاؤها كتمة الأسرار. وكان الملك يقوم بالقضاء فيها بنفسه، وعلى الأخص في القضايا الجنائية.
وكانت هذه المحاكم ترجع في اختصاصها إلى الإدارة القضائية وهي تشبه وزارة الحقانية الآن.
وقد وجدت وظيفة النائب العام في عهد الأسرة الثانية عشرة، وكان يسمى إذ ذاك (لسان الملك) ولكن كان له بجانب سلطته القضائية، وظيفة أخرى يقوم بها بصفته مدير شئون السراي الملكية وكبير الأمناء، وكان له وكلاء في الأقاليم يباشرون الدعوى العامة أمام المحاكم الجنائية.
وفي عهد الأسرة التاسعة عشرة قسم القضاء إلى مدني وجنائي منفصلاً كل منهما عن الآخر، وكان للجميع حق رفع الدعوى المباشرة الجنائية.
هذا فيما يتعلق بالقضاء الجنائي العادي أي الذي يتعلق بأفراد الشعب، أما القضاء الجنائي
стр. 5071
غير العادي الذي يتعلق بشخص الملك أو الدولة، فقد كان موكولا إلى محكمة خاصة تشكل من أثنى عشر قاضياً بعضهم من رجال الجيش، وكان النائب العمومي هو الذي يختارهم بناء على أمر من الملك ذاته، فتتكون المحكمة وبمجرد انعقادها تنقسم إلى هيئتين تفحص كل منهما الدعوى على حدة، ثم تجتمعان، وكانت محاضرها مختصرة وسرية، فكانت تصدر الأحكام دون نشر الأسباب، وبالرغم من أن النائب العمومي هو الذي يختار هؤلاء القضاة فقد كان لا يتدخل مطلقاً في عملهم حتى أن اسمه كان يأتي بعد أسمائهم وقبل أسماء كتاب الجلسة.
هذا ما كانت عليه حال القضاء في عهد قدماء المصريين، ومنها يرى القارئ أنها كانت على درجة عظيمة من الثبات والاستقرار، وأن العدالة كانت مستتبة الأركان قوية الدعائم. وقد ظلت كذلك حتى انتهى العهد الفرعوني السعيد، ودخل الإغريق البلاد فأفسدوا نظمها، وقد كان للبطالسة شأن كبير في طرد العدل من البلاد، إذ أدخلوا امتيازات أعطوها للإغريق دون المصريين في القضاء وفي الضرائب، فكان على المصري الغُرم ولهم الغنم، ومما يدل على صحة ما قلت تقسيم المحاكم في عهدهم إلى إغريقية ومصرية، وكانت الإجراءات أمام الثانية معقدة تتبع شكل القانون الضيق دون التوسع فيه، بعكس المحاكم الإغريقية التي كانت طبقاً لقواعد العدالة والإنصاف والقانون الطبيعي. وكان نظام المحاماة معروفاً في المحاكم الإغريقية بعكس المصرية حيث كان الخصوم ملزمين بالدفاع عن أنفسهم كما كانت تقدم الوثائق والمستندات أمام المحاكم المصرية، فإذا لم تكن كافية مُزقت علانية في الجلسة.
حامد أسعد محمد عاشور
стр. 5072
فصول مدرسية في الأدب الدرامي
٣ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن
بقلم أحمد حسن الزيات
أجزاء العمل
العمل الروائي كالعمل الحكائي يتألف من العرض والتعقيد والحل.
فالعرض فكرة عامة مجملة عن العمل الروائي يتقدم بها الكاتب في الفصل الأول، ليهيئ الأذهان إلى الحادث، ويشوق النفوس إلى المتأخر، ويعرف الظروف والأمكنة والأشخاص إلى المشاهد. وهو في الرواية أصعب منه في الملحمة، لأن أداءه لا بد أن يكون بالعمل، ولأن الأشخاص وهم مشغولون بأعمالهم الحاضرة وأحوالهم القائمة، ملزمون بتقديمه إلى المشاهدين في معرض حديثهم الخاص دون أن يظهر عليهم أنهم يريدون ذلك. فالطبيعة إذن هي الصفة الجوهرية للعرض. وهناك صفة أخرى لا تقل عنها خطورة، وهي أن يكون العرض وسطاً بين الغموض والوضوح: فيكون واضحاً بقدر ما يدلك على أدوار الأشخاص الأساسيين، ويضع يديك على الخيوط التي سيحيك العمل منها عقدته؛ وغامضاً بقدر ما يخفى عنك الحل ويدخر لك سرور المفاجأة.
ولقد كان عرض المأساة في الفن القديم بائن الطول، قوي الفعل، شديد الأثر؛ ولا تزال عروض اسخيلوس وسوفوكليس مضرب الأمثال في ذلك. فأصبح في الفن الحديث سريع الحركة، ضعيف التأثير، ولكنه أدق وأبلغ. إذ من القواعد الأولية المقررة في فن المسرح أن تتدرج الجاذبية في أجزاء الرواية، فتبدو ضعيفة في العرض، ثم تنمو على التدريج رويداً رويداً حتى تبلغ الغاية في النهاية. فإذا ما بدت قوية في صدرها فأسالت العيون من الرحمة، وخلعت القلوب من الرعب، كان من الصعب على الكاتب أن يُدرج المواقف الروائية ويرتبها في الفصول. لذلك تجد كتاب العصر لا يضعون الجاذبية في العرض، وإنما يكتفون بالتهيئة لها والدلالة عليها.
إن العرض يسهل بناؤه ويخف أداؤه كلما اشتهر موضوع الرواية أو كان مما ألفه الناس في اجتماعهم، وعرفوه من طباعهم. ولذلك كان في الملهاة أسهل منه في المأساة، لأن العمل
стр. 5073
فيها قريب العلاقة محدود الفكر، لا يخرج في معظم الأحوال عن دائرة الجماعة أو الأسرة. والمآرب والأخلاق، والعادات والأهواء، في هذه الدائرة معروفة مألوفة، توضحها كلمة وينبئ عنها منظر. ومع ذلك فلبعض الملاهي عروض بلغت حد الإعجاز من الفن كعرض ترتوف، والمريض المتوهم، والنساء العوالم لموليير.
والتعقيد هو الجزء الذي تشتبك فيه الظروف والوقائع والمنافع والمنازع والأخلاق في اعتراضها طريق البطل، فينشأ عن اشتباكها الشك والتطلع والقلق وفروغ الصبر وبذلك تقوى الجاذبية. وأفضل التعقيدات وأجدرها بالفن ما نشأت فيه العوائق من أخلاق الأشخاص وأهوائهم، لا مما يصدر عن غير طبيعتهم ولا إرادتهم، كالأخطاء القهرية، والحوادث الخارجية. ولا بد أن يسر التعقيد على سنن الطبيعة حتى يسهل على المشاهد أن يتصور وقوع الحوادث كما يراها. ولحوادث الطبيعة كما تعلم نتيجة وعلاقة وتسلسل، فينبغي إذن أن يكون التعقيد سلسلة من الحوادث بينها من التواصل والتفرع ما بين الحلق.
لم يكن للتعقيد في المآسي القديمة ماله اليوم من شأن وخطر. فقد قسم أرسططاليس الموضوع تقسيماً كمياً إلى أربعة أقسام. وهي المقدمة والوقائع والنتيجة والخورس. (والقسم الأخير قد حذف اليوم)، ثم تكلم عن التعقيد دون أن يُعنى به، وقسم الموضوع إلى بسيط وهو ما كان العمل فيه مستمراً متحداً ينتهي من غير انقلاب ولا تعرف، ومركب أو معقد وهو ما اشتمل على هذين الموقفين أحدهما أو كليهما. فالقاعدة التي وضعها أرسططاليس للنوعين جميعاً هي أن تستمر سلسلة الحوادث متصلة، وألا يكون تسلسلها تعاقبياً، بل يتوالد بعضها من بعض على غير ما يترقب المشاهد حتى تنتهي إلى الحل. والحق أن أرسططاليس لم يكن محتاجاً إلى غير هذا مادام كل ما يبغيه هو حادثاً يبعث في القلوب الرعب والرحمة. فهو لا يشغل باله إلا بالحل، أما التأثير الداخلي للموضوع فذلك مالا يحفل به كثيراً. فأنت ترى أن المسرح الإغريقي كان يعتبر الموضوع الذي يتمخض عن الفاجعة الأليمة المحزنة بسيطاً. وما كانت تلك البساطة في الواقع إلا فراغاً في عمل عقيم بطبعه، وكيف يكون في مثل هذا الموضوع الساذج محل لتناقض الأخلاق وتصادم الأهواء، وأسباب حوادثه خارجة عن إرادة الأشخاص أو سابقة للعمل الروائي نفسه؟ ففي رواية أوديب الملك ماذا ترى؟ ترى كل شيء قد وقع قبل ابتداء العمل. (فلبُّوس) قد قتل،
стр. 5074
وأوديب قد تزوج من (يوكاست)، فلم يبق إذن بين البطل وبين الشقاء إلا أن يعلم أنه زانٍ بأمه قاتل لأبيه، فرويداً تنكشف الحجب وتنجل الحوادث، ويستيقن أوديب أنه نفذ إرادة الآلهة فيعاقب نفسه. تلك هي رائعة الأدب الإغريقي وكل ما فيها انكشف عن جريمتين وقعتا قبل عملها، فكان ذلك الكشف الرهيب الأليم كافياً لشغل المسرح وملئه. فكيف استطاع الإغريق إذن أن يشغلوا خمسة فصول بحادث محتوم لا حيلة للأشخاص فيه ولا منجى لهم منه؟ كانوا يمثلون على التتابع مآسي كثيرة في يوم واحد، وكان الخورس يقتل جزءاً من الزمن، وما بقي من الفراغ كانوا يملأونه بالشكاوي والوعظ والوصف والإنشاد والمجادلات في الفلسفة والسياسة.
تلك حال التعقيد الروائي في الفن الإغريقي، وهو كما ترى ضئيل الخطر قليل الأثر، لا يقوى الجاذبية ولا يزيد التشويق، وإنما كان سبيلهم إلى ذلك هو التعرف وحده، وكان شعراؤهم يؤثرونه ويرونه أنجع الوسائل لإيقاظ المسرح وإحياء الرواية. ولولاه لما كان لمعظم روائعهم الفنية شأن يذكر كأوديب وإيفجيني وفيلوكتيت.
أما التعقيد في الفن الحديث فهو جسم الرواية وروح العمل، وكان سبب ما أحله تلك المكانة هو امتداد نواحيه، وتشعب أطرافه، وحرية وجهه، فقد تخلص من ربقة القضاء والقدر والكهانة، وأصبح مظهراً للعواطف المؤثرة المنتجة، وصدى لأصوات الحياة الصاخبة المزعجة، وصورة للبيئة الحاضرة المعقدة؛ وصارت جاذبية المسرح معقودة بما يحدثه اصطدام الأهواء واضطرام النفوس وتباين الأخلاق وتعارض الأطماع من خير أو شر، وأخذ الحب والبغض والانتقام والطمع والغيرة تحل من حياة الإنسان محل الأقدار والحظوظ، وتعقد العمل بتفاوت الشعور وتنازع النفس واختلاف الهوى وثورة العاطفة فبعث في المسرح الحديث حركة شديدة وروحاً قوية كان القدماء يجهلونها كل الجهل، لأن مسرحهم كان يقوم على حكم الضرورة، ومسرحنا يقوم الآن على نظام الطبيعة، والضرورة عامل قاهر، ومتسلط مستبد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. أما الطبيعة فلها مبادئ وقوانين تُصدر عنها وتسير عليها، فكل حادث لعلة، وكل غاية لأصل، حتى في اضطراب الأهواء وفوضى الميول تجد نظاماً خفياً لا تستطيع أن تقلبه دون أن تصرخ الطبيعة في نفسك بأنك خرقت قانونها وانتهكت حماها، لذلك كان بناء المأساة الحديثة من أدق الأمور
стр. 5075
وأشقها على الكاتب: فالحوادث تتدرج في الصعوبة بحكمة، والجاذبية تتوزع في الأجزاء بدقة، والعمل يتسلسل بعضه من بعض في حدود الطبيعة سواء أكان منتزعاً من جوهر الموضوع أم من خلق الأشخاص. ولو شاء ربك أن يبعث الآن أرسططاليس فرأى كيف نسجت العقدة في أمثال بُلْيُكْتَ وألزِيرَ لملكه الدهش وأخذه العجب، ولاعترف أن هناك فناً آخر أسمى وأبلغ من فن أوربيدس وسوفوكليس يدور العمل فيه على الأخلاق والعادات، لا على الضرورة والخرافات.
بقى الحل وهو الجزء الذي تنتهي به الرواية وتتحلل فيه العقدة بزوال الخطر أو قضاء الوطر أو تذليل العقبة أو حلول الكارثة. وبراعة الحل أن يدبر دون أن يظهر. فتدبيره يكون بوضع العمل على طريقة تجعل اللاحق ناتجاً عن السابق. فإن بين الحوادث المتوالدة والحوادث المتعاقبة بوناً بعيداً كما قال ارسططاليس، وبذلك يكون الحل طبيعياً منطقياً متفقاً مع أخلاق الأشخاص وأعمالهم؛ وعدم ظهوره هو أن يكون فجائياً ولا سيما إذا كان ساراً، لأن الجاذبية إنما تقوى بتعاقب الرجاء والخوف على قلب المشاهد، ولا مصدر لهذا التعاقب إلا الشك، فإذا علم من قبل أن الحل سيكون ساراً انتفى سبب الرجاء والخوف، وسكن بانتفائه محرك الجاذبية. حتى في الموضوعات المعروفة يجب أن يخفى الحل. وخفاؤه إنما يرجع إلى براعة الكاتب في سوقه العمل على وجه ينسى المشاهد ما يعلمه من قبل. وتلك هي قوة الوهم وعبقرية الفن، ولولاهما لما رأينا ذوي الحساسة من المشاهدين يبكون للمأساة الواحدة عشرين مرة.
إن معنى فجائية الحل هو انتقاله طفرة من حالة مبهمة إلى حالة واضحة. وتقريب ذلك أن حظ الأشخاص في سياق العمل أشبه بسفينة تناوشتها الأمواج واصطلحت عليها العواصف - وتلك هي العقدة - فأما أن تغرق وإما أن تبلغ الساحل - وذلك هو الحل -
ثم إن الحل قد ينتهي إما بالتعرف إذا تعقد العمل على أساس الجهل والتناكر، ثم تحلل بجلاء الموقف وتعارف الأشخاص؛ وإما بالانقلاب إذا حدث تغيير فجائي فقلب حال البطل من نعيم إلى بؤس أو من بؤس إلى نعيم، وفي الحالة الأولى يسمى الحل محزناً وفي الحالة الأخرى يسمى ساراً. وكان أرسططاليس يفضل الحل المحزن ويقول بإبعاد الفضيلة المطلقة والرذيلة المطلقة من المسرح، ليكون لأشخاص الرواية نصيب من كلتيهما
стр. 5076
بارتكابهم جرائم عن غير عمد فيعاقبون عليها جميعاً في النهاية. أما سقراط وأفلاطون فرأيهما على خلاف رأيه: يريان أن المأساة لا بد أن تتفق مع القوانين فتقف البريء على المسرح إزاء المجرم ثم تحكم للأول على الثاني. وعلى الجملة فالحل عند القدماء كان يعوزه اجتماع التأثير والمغزى وهما قوامه وكماله، لأن الحوادث التي تؤدي إلى الحل كانت خارجة عن إرادة البطل صادرة عن سواه، والشقي إذا أشقته أخطاء غيره لا يكون مثلاً، وإذا أشقته أخطاء نفسه لا يستحق عطفاً. أما الحل في الفن الحديث فمن السهل اجتماع هاتين الخلتين فيه، لأن الرجل إذا أضله الهوى وأعماه الغي فتردى في هوة الشقاء وهو طيب القلب نبيل النفس، كان مثلاً قوي التأثير شديد الروعة جليل المغزى، يشعر قلبك الخوف دون أن يفزعك بالبلاء، ويثير في نفسك الرحمة دون أن يثيرك على القضاء. وليس الكاتب في حاجة إلى أن يغمس يد أشخاصه في الجرائم ليهز النفوس ويبكي العيون، فانه يجد لهم في صميم أفئدتهم العدو الكاشح، والطاغية المستبد، والسياف القاسي، وإذن يكون عذابهم ومصابهم من طريق الهوى المضل أبلغ مثلاً وأقوى أثراً وأفظع صورة. وفي ذلك يتجلى فضل الطريقة الحديثة على القديمة في الحل المحزن. أما فضلها عليها في الحل السار فهو أظهر وأكبر، لأن هوى النفس مقروناً بسلامة القلب لا يقابل على المسرح بما تقابل به الدناءة الغريزية والشر الصادر عن روية من الزراية والمقت. وإذن يستطيع الكاتب أن يجد للبطل الذي أضله هواه مخرجاً من شقوته ومخلصاً من ورطته، وهو جازم بوقوع هذا الحل السار من نفوس المشاهدين موقع الرضا والمسرة، لأنهم طالما ابتأسوا لبؤسه، وشقيت نفوسهم لشقاء نفسه.
ويجمل بنا قبل أن نفرغ من الحل أن ننبه الكتاب إلى عيب أصلي من عيوبه وهو الطول.
ومنشأ ذلك العيب سوء توزيع العمل على خمسة فصول، فيجعلون الفصل الأول للعرض، والثلاثة التالية للتعقيد، والخامس للحل. وطبيعة ذلك التقسيم تقضي بأن يبلغ الخطر أقصى درجته ومنتهى قوته في الفصل الرابع. فإذا جاء الفصل الخامس وجد الكاتب نفسه مضطراً أن يحل العقدة ببطء وتدرج ليملأه، فيطول بذلك الحل ويفتر، والجاذبية إذا انتهت في الزيادة بدأت في النقص، أو هي كالنار تغذى بالوقود فإذا ما سكت عنها انطفأت. فينبغي الإسراع فيه على شرط ألا تضر السرعة بالإمكانية، ولا الإمكانية بالشك. أما حل الملهاة
стр. 5077
فهو بحكم العادة كشف خديعة وإزالة غرور وفضيحة خبث وقطيعة سخرية. ويغلب أن يكون الحب محور التعقيد الهزلي فينحل بالزواج. وهو يشارك حل المأساة في ترتبه على ما قبله وانتزاعه من نفس الموضوع وتولده من تسلسل الحوادث. ويختص دونه بعدم المفاجأة، فقد يزداد هزله كلما وضح أمره. وفي المأساة يخدع المشاهدون، أما في الملهاة فيخدع الأشخاص.
(يتبع)
(الزيات)
стр. 5078
من الشعر المنثور
موعظة الحكيم
للأستاذ خليل هنداوي
وسمعته وقد جمع إليه تلاميذه في الساحة يودعهم ويشجعهم، وقد لمعت بوارق الأمل في وجوههم، وكأنما كل واحد منهم رسم على صفحة وجهه ما يوارى له الغد.
قال لهم: يا أبنائي، إنكم داخلون في أقطار تعرفونها وتجهلونها، وحاملون إليهم ما يعرفونه ويجهلونه، فابذلوا تعاليمكم في سبيل الحياة، لأن من يعمل للحياة تضمه الحياة إلى صدرها. لا تكونوا كأولئك الحكماء الدجالين الذين يسخرون من جهل الناس وما عرف جهلهم إلا أنفسهم، يقولون للناس: هلموا الينا، إننا أتيناكم بالحياة، وما يحملون إلا الموت. لتعط ألسنتكم من خزائن قلوبكم، وليخرس اللسان إذا أراد القلب ألا ينطق.
الكلمات المنثورة - من غير صدق اعتقاد - تمضي كما تمضي الأصداء، وتنقش في الصدور، كما تنقش على الرمال السطور!
أريد أن أسمع كلماتكم في عزلتي، وأريد أن ترسخ على وجوه الجبال وصفحات البحار. ولن تقدروا على تخليدها إلا إذا اعتقدتم بخلودها.
اذهبوا كما تذهب السوافي من البحر مبشرة بنعمة البحر. لا تمدحوا عذوبتها قبل أن تذكروا ملوحته. البحر يوزع الحياة على الأرض، ويُعطي بلا نفاد، لأن لذة حياته لم يقفها على الأخذ دون العطاء.
تذهب السافية من البحر لتعود إلى البحر نقية طاهرة لامعة تؤوب كما ذهبت. لأن الأرض لا تقابل يد الطاهر إلا بجسدها الطاهر، ولا تقابل الرجس إلا بالطهر.
اذهبوا أنتم وعودوا إليّ أنقياء طاهرين كما تذهبون طاهرين، أما الطاهر فلن يعود إلا طاهراً كالسافية النقية تذهب حبلى بأسرار البحر، وتعود حبلى بأسرار الأرض! وأما الدنس فانه لن يعود إليّ كالسافية التي خبثت نفسها فعرجت على بطون الرمال تتهادى فيها ولا تنفع الحقول. فهي إلى موت لا حياة بعده، وهي موطن لا ترتقب فيه ساقية ثانية تحملها إلى مستقرها.
كونوا كالسافية الأولى، تذهب مرنمة على أجنحة الغيوم، وتعود كرّارة ثرثارة بين تعاريج
стр. 5079
الجبال والوديان.
الماء لا يحيا إلا إذا كان يغني، وإذا سكن هديره فهو آسن قد فقد الحياة.
الماء يغني في صدر البحر والجداول والأنهار، ولا يسكت إلا في الغدران الراكدة، وأية حياة في هذه الغدران؟ غنوا إذاً، وليكن غناؤكم في سبيل الحياة كما يغني كل حي من أجلها. وعلموا الناس أن يبتسموا لأن غاية الحياة هي أسمى من أن توجدنا لنشقى ونتألم، ومتى علمتموهم أغنية الرجاء هان عليكم تعليمهم غريها من الأغاني:
ما أكفرك أيها الإنسان!
كل شيء يضحك للحياة إلا أنت
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 5080
١٣ - أعيان القرن الرابع عشر
أحمد باشا تيمور
بقلم حسن عبد الوهاب
والده المرحوم إسماعيل باشا بن محمد كاشف تيمور بن إسماعيل، تقلب في الوظائف الكبيرة إلى أن كان رئيساً للديوان الخديوي في عهد المغفور له إسماعيل باشا.
جده محمد كاشف تيمور كان ضابطاً في جيش محمد علي وساعده على إبادة دولة المماليك وترقى حتى كان والياً على الحجاز وتوفي سنة ١٢٦٢ هـ (١٨٤٧م)
مولده
ولد في ٢٢ شعبان سنة ١٢٨٨ هـ ١٨٧١م وقد تلقى دروسه الأولية على مدرسين خصوصيين، ثم تلقى اللغة العربية على المرحوم العلامة الشيخ رضوان محمد العالم الشهير في علمي القراءات والرسم
ودرس اللغة الفرنسية بمدرسة كليبر وعلى الأستاذ عبيد بك حتى نبغ فيها مع نبوغه في اللغتين التركية والفارسية.
وتلقى علم المنطق وعلوماً أخرى على الأستاذ الكبير الشيخ حسن الطويل، ثم تلقى علم اللغة على اللغوي الثقة الشنقيطي الكبير، فحضر عليه شرح المعلقات وغيره، فكان يذهب إليه الفقيد في منزله ويتلقى الدرس عليه وهو جالس، فكان حينما يشعر بألم ويبدل رجلاً بأخرى يقول له لا تتألم يا أحمد فقد كنا نقطع بالراحلة شهوراً وراء البحث والاستقصاء عن مسألة علمية.
وظل مثابراً على الدرس ومجالسة العلماء والأخذ عنهم حتى أصبح الحجة في اللغة بعد الشنقيطي في عصره والوحيد بعده.
ناديه بسراي درب السعادة
يرى السائر الآن في شارع درب سعادة بجوار مسجد آسنبغا فضاء كبيراً هو سراي تيمور، وقد كانت منتدى يؤمه شيوخ الأدب واللغة في القاهرة للبحث والمناقشة في المواد العلمية والأدبية، أمثال المرحومين الشيخ أحمد مفتاح والعلامة الشيخ طاهر الجزائري الحجة الثقة
следующие страницы →