Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
بارتكابهم جرائم عن غير عمد فيعاقبون عليها جميعاً في النهاية. أما سقراط وأفلاطون فرأيهما على خلاف رأيه: يريان أن المأساة لا بد أن تتفق مع القوانين فتقف البريء على المسرح إزاء المجرم ثم تحكم للأول على الثاني. وعلى الجملة فالحل عند القدماء كان يعوزه اجتماع التأثير والمغزى وهما قوامه وكماله، لأن الحوادث التي تؤدي إلى الحل كانت خارجة عن إرادة البطل صادرة عن سواه، والشقي إذا أشقته أخطاء غيره لا يكون مثلاً، وإذا أشقته أخطاء نفسه لا يستحق عطفاً. أما الحل في الفن الحديث فمن السهل اجتماع هاتين الخلتين فيه، لأن الرجل إذا أضله الهوى وأعماه الغي فتردى في هوة الشقاء وهو طيب القلب نبيل النفس، كان مثلاً قوي التأثير شديد الروعة جليل المغزى، يشعر قلبك الخوف دون أن يفزعك بالبلاء، ويثير في نفسك الرحمة دون أن يثيرك على القضاء. وليس الكاتب في حاجة إلى أن يغمس يد أشخاصه في الجرائم ليهز النفوس ويبكي العيون، فانه يجد لهم في صميم أفئدتهم العدو الكاشح، والطاغية المستبد، والسياف القاسي، وإذن يكون عذابهم ومصابهم من طريق الهوى المضل أبلغ مثلاً وأقوى أثراً وأفظع صورة. وفي ذلك يتجلى فضل الطريقة الحديثة على القديمة في الحل المحزن. أما فضلها عليها في الحل السار فهو أظهر وأكبر، لأن هوى النفس مقروناً بسلامة القلب لا يقابل على المسرح بما تقابل به الدناءة الغريزية والشر الصادر عن روية من الزراية والمقت. وإذن يستطيع الكاتب أن يجد للبطل الذي أضله هواه مخرجاً من شقوته ومخلصاً من ورطته، وهو جازم بوقوع هذا الحل السار من نفوس المشاهدين موقع الرضا والمسرة، لأنهم طالما ابتأسوا لبؤسه، وشقيت نفوسهم لشقاء نفسه.
ويجمل بنا قبل أن نفرغ من الحل أن ننبه الكتاب إلى عيب أصلي من عيوبه وهو الطول.
ومنشأ ذلك العيب سوء توزيع العمل على خمسة فصول، فيجعلون الفصل الأول للعرض، والثلاثة التالية للتعقيد، والخامس للحل. وطبيعة ذلك التقسيم تقضي بأن يبلغ الخطر أقصى درجته ومنتهى قوته في الفصل الرابع. فإذا جاء الفصل الخامس وجد الكاتب نفسه مضطراً أن يحل العقدة ببطء وتدرج ليملأه، فيطول بذلك الحل ويفتر، والجاذبية إذا انتهت في الزيادة بدأت في النقص، أو هي كالنار تغذى بالوقود فإذا ما سكت عنها انطفأت. فينبغي الإسراع فيه على شرط ألا تضر السرعة بالإمكانية، ولا الإمكانية بالشك. أما حل الملهاة
стр. 5077
فهو بحكم العادة كشف خديعة وإزالة غرور وفضيحة خبث وقطيعة سخرية. ويغلب أن يكون الحب محور التعقيد الهزلي فينحل بالزواج. وهو يشارك حل المأساة في ترتبه على ما قبله وانتزاعه من نفس الموضوع وتولده من تسلسل الحوادث. ويختص دونه بعدم المفاجأة، فقد يزداد هزله كلما وضح أمره. وفي المأساة يخدع المشاهدون، أما في الملهاة فيخدع الأشخاص.
(يتبع)
(الزيات)
стр. 5078
من الشعر المنثور
موعظة الحكيم
للأستاذ خليل هنداوي
وسمعته وقد جمع إليه تلاميذه في الساحة يودعهم ويشجعهم، وقد لمعت بوارق الأمل في وجوههم، وكأنما كل واحد منهم رسم على صفحة وجهه ما يوارى له الغد.
قال لهم: يا أبنائي، إنكم داخلون في أقطار تعرفونها وتجهلونها، وحاملون إليهم ما يعرفونه ويجهلونه، فابذلوا تعاليمكم في سبيل الحياة، لأن من يعمل للحياة تضمه الحياة إلى صدرها. لا تكونوا كأولئك الحكماء الدجالين الذين يسخرون من جهل الناس وما عرف جهلهم إلا أنفسهم، يقولون للناس: هلموا الينا، إننا أتيناكم بالحياة، وما يحملون إلا الموت. لتعط ألسنتكم من خزائن قلوبكم، وليخرس اللسان إذا أراد القلب ألا ينطق.
الكلمات المنثورة - من غير صدق اعتقاد - تمضي كما تمضي الأصداء، وتنقش في الصدور، كما تنقش على الرمال السطور!
أريد أن أسمع كلماتكم في عزلتي، وأريد أن ترسخ على وجوه الجبال وصفحات البحار. ولن تقدروا على تخليدها إلا إذا اعتقدتم بخلودها.
اذهبوا كما تذهب السوافي من البحر مبشرة بنعمة البحر. لا تمدحوا عذوبتها قبل أن تذكروا ملوحته. البحر يوزع الحياة على الأرض، ويُعطي بلا نفاد، لأن لذة حياته لم يقفها على الأخذ دون العطاء.
تذهب السافية من البحر لتعود إلى البحر نقية طاهرة لامعة تؤوب كما ذهبت. لأن الأرض لا تقابل يد الطاهر إلا بجسدها الطاهر، ولا تقابل الرجس إلا بالطهر.
اذهبوا أنتم وعودوا إليّ أنقياء طاهرين كما تذهبون طاهرين، أما الطاهر فلن يعود إلا طاهراً كالسافية النقية تذهب حبلى بأسرار البحر، وتعود حبلى بأسرار الأرض! وأما الدنس فانه لن يعود إليّ كالسافية التي خبثت نفسها فعرجت على بطون الرمال تتهادى فيها ولا تنفع الحقول. فهي إلى موت لا حياة بعده، وهي موطن لا ترتقب فيه ساقية ثانية تحملها إلى مستقرها.
كونوا كالسافية الأولى، تذهب مرنمة على أجنحة الغيوم، وتعود كرّارة ثرثارة بين تعاريج
стр. 5079
الجبال والوديان.
الماء لا يحيا إلا إذا كان يغني، وإذا سكن هديره فهو آسن قد فقد الحياة.
الماء يغني في صدر البحر والجداول والأنهار، ولا يسكت إلا في الغدران الراكدة، وأية حياة في هذه الغدران؟ غنوا إذاً، وليكن غناؤكم في سبيل الحياة كما يغني كل حي من أجلها. وعلموا الناس أن يبتسموا لأن غاية الحياة هي أسمى من أن توجدنا لنشقى ونتألم، ومتى علمتموهم أغنية الرجاء هان عليكم تعليمهم غريها من الأغاني:
ما أكفرك أيها الإنسان!
كل شيء يضحك للحياة إلا أنت
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 5080
١٣ - أعيان القرن الرابع عشر
أحمد باشا تيمور
بقلم حسن عبد الوهاب
والده المرحوم إسماعيل باشا بن محمد كاشف تيمور بن إسماعيل، تقلب في الوظائف الكبيرة إلى أن كان رئيساً للديوان الخديوي في عهد المغفور له إسماعيل باشا.
جده محمد كاشف تيمور كان ضابطاً في جيش محمد علي وساعده على إبادة دولة المماليك وترقى حتى كان والياً على الحجاز وتوفي سنة ١٢٦٢ هـ (١٨٤٧م)
مولده
ولد في ٢٢ شعبان سنة ١٢٨٨ هـ ١٨٧١م وقد تلقى دروسه الأولية على مدرسين خصوصيين، ثم تلقى اللغة العربية على المرحوم العلامة الشيخ رضوان محمد العالم الشهير في علمي القراءات والرسم
ودرس اللغة الفرنسية بمدرسة كليبر وعلى الأستاذ عبيد بك حتى نبغ فيها مع نبوغه في اللغتين التركية والفارسية.
وتلقى علم المنطق وعلوماً أخرى على الأستاذ الكبير الشيخ حسن الطويل، ثم تلقى علم اللغة على اللغوي الثقة الشنقيطي الكبير، فحضر عليه شرح المعلقات وغيره، فكان يذهب إليه الفقيد في منزله ويتلقى الدرس عليه وهو جالس، فكان حينما يشعر بألم ويبدل رجلاً بأخرى يقول له لا تتألم يا أحمد فقد كنا نقطع بالراحلة شهوراً وراء البحث والاستقصاء عن مسألة علمية.
وظل مثابراً على الدرس ومجالسة العلماء والأخذ عنهم حتى أصبح الحجة في اللغة بعد الشنقيطي في عصره والوحيد بعده.
ناديه بسراي درب السعادة
يرى السائر الآن في شارع درب سعادة بجوار مسجد آسنبغا فضاء كبيراً هو سراي تيمور، وقد كانت منتدى يؤمه شيوخ الأدب واللغة في القاهرة للبحث والمناقشة في المواد العلمية والأدبية، أمثال المرحومين الشيخ أحمد مفتاح والعلامة الشيخ طاهر الجزائري الحجة الثقة
стр. 5081
في المؤلفات العربية، والمرحوم الشيخ محمد عبده، ويحيى أفندي الأفغاني وأصدقاؤه الأجلاء السيد رافع والسيد محمد الببلاوي والشيخ حسن منصور والشيخ محمد شاكر أطال الله بقاءهم، وغيرهم كثيرون ممن يضيق المقام عن سرد أسمائهم، وقصارى القول أن تلك الدار كانت كعبة العلماء والأدباء في مصر والأقطار العربية، وما كتبه في الصحف والمجلات من مباحث علمية وتنقيب عن حضارة العرب بأسلوب شيق وتمحيص للحقائق أكبر دليل على ماله من أدب ونظر سديد فيما يعانيه من الأبحاث. وقد جمع خزانة كتب هي مفخرة مصر بل والشرق.
الخزانة التيمورية
بدأ في تكوين خزانته سنة ١٣١٩هـ (١٩٠١م) وقد كان لديه نواة صغيرة لها من جمعه أيضاً، وظل طوال تلك السنين ينقب عن النوادر من المخطوطات القيمة ويشتريها بأغلى الأثمان حتى اجتمعت لديه نوادر يندر وجود مثلها في خزائن أخرى، بل انفردت بتحف كثيرة.
ويبلغ عدد كتبها ١٥٠٠٠ كتاب في نحو ٢٠٠٠٠ مجلد غالبها خط، جميعها مجلدة تجليداً متقناً، واستنسخ في عهده الأخير مجموعة صالحة من مكاتب أوروبا بالفوتوغرافيا. وبها القليل من المؤلفات الفرنسية والإنجليزية مما له علاقة بحضارة العرب أو تاريخ مصر ونشرات المجمع العلمي الفرنسي.
وتمتاز هذه المكتبة بوفرة كتبها الخطية وخاصة في التاريخ واللغة، ولعل القارئ يعجب إذا أكدت له أن هذا العدد من الكتب قد اطلع عليه ﵀ وعلق عليه ملاحظات له ما بين وفاة مؤلف، أو بيان ذيول وضعت على الكتاب، أو الإشارة إلى قوة المؤلف والاعتماد عليه في النقل. هذا ما يتعلق بالكتب المطبوعة.
أما الكتب الخطية وهي أكبر قسم فيها، فقد استنفدت منه مجهوداً لا يقدر عليه أشخاص. ومن يطلع على جميع الكتب الخطية يجدها مبتدأة بترجمة المؤلف ومنمرة، ثم فهارس بالتراجم الواردة فيه، والموضوعات المهمة، وآخر بأسماء البلدان والأماكن. وبيان الكتب الواردة فيه، ومن حبه للعلم ومساعدته على نشره لم يبخل على من أراد طبع بعض هذه الكتب بالترخيص له بطبع فهارسه، وهذا مشاهد في كتاب الطالع السعيد للأدفوي المطبوع
стр. 5082
سنة ١٩١٤ فانه محلى بالفهارس التي أشرت إليها، وكما حصل أخيراً من إعطائه مفتاح الخزانة، وهو مجموعة الفهارس التي وضعها لكتاب الخزانة للبغدادي إلى المطبعة السلفية لدرجها في الطبعة الجديدة، وفعلاً طبعتها، وأمثال هذا كثير.
ومن اللطيف في هذه المكتبة تدقيقه ﵀ في انتقاء كتبها، فإذا اطلع مطلع على نسختين من كتاب فلا بد وأن يكون هناك فرق بينهما، وكأن تكون هذه كتبت في عصر المؤلف أو قرئت عليه، والأخرى طبعة بمصر أو أوربا أو الهند.
أما المجاميع الخطية فقد وضع لها فهارس بمشتملاتها، وكل هذا المجهود بخطه.
وكثيراً ما أعار المكاتب والمستشرقين أو استنسخ لهم لحسابه هدية منه، كما أنه أعار دار الكتب الملكية بعض نفائس خزانته لتصوير نسخ منها مثل الأجزاء التي كانت تنقصها من كتاب عيون التواريخ لابن شاكر الكتبي، وما لديه منه بخط المؤلف. وأخيراً أعارها الجزأين الأول والسابع من كتاب الضوء اللامع للسخاوي، وتاريخ ابن الفرات الذي استنسخه من فينا بالفوتوغرافيا، وسمح للدار بتصوير الفهارس التي وضعها لكل جزء في أوله، وعدد أجزائه سبعة عشر جزءاً.
أما النفائس التي امتازت بها المكتبة فكثيرة ولا تسعها تلك العجالة، ومن مميزات تلك المكتبة النادرة وجود تواقيع مئات من أكابر العلماء في القرن السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر الهجري، وقد حصرها جميعها، وبعد وفاته ﵀ أهديت مكتبته إلى دار الكتب المصرية، فأفردت لها مكاناً خاصاً بها.
مقالاته ومؤلفاته
كان ﵀ دقيقاً في البحث والتمحيص، وقد نشر مقالات كثيرة في المؤيد والضياء والمقتطف والمقطم والأهرام والهلال والهندسة والزهراء والهداية الاسلامية، وكلها في حضارة العرب وتحقيقات تاريخية.
فمن مقالاته الممتعة (الخلافة والسلطنة) نشرت في المقطم سنة ١٩٢٢ ومنها (المهندسون الإسلاميون) نشرت تباعاً في السنة الثانية ١٩٢٢ والثالثة ١٩٢٣ من مجلة الهندسة، وأيضاً خص تلك المجلة بفصول قيمة من كتابه (التصوير عند العرب) نشر منها (التصوير على الجدران) في العدد الأول والعدد الثاني من السنة الثامنة يناير وفبراير سنة
стр. 5083
١٩٢٨ (التماثيل المتحركة والمصوتة) في العددين ٣و٤ مارس وأبريل سنة ١٩٢٨ - وسبق أن نشر بمجلة الهلال الغراء مقالات عن التصوير عند العرب.
وقد انفردت مجلة الزهراء بنشر قسم كبير من مقالاته نذكر منها: بئر الثنيتين - حول تصحيح القاموس - شعر يزيد - دار ابن لقمان بالمنصورة - انتشار المذاهب الأربعة - الكرات العربية الأرضية والفلكية - الكتابات الدقيقة، غرائب أخرى في الكتابة - لقب الطواشي - الطربوش وتاريخه - وصف ساعة المدرسة المستنصرية - المشتهى وتحقيق موضعه بالروضة.
ومن مقالاته التي كان يوافينا بها أخيراً (الآثار النبوية) خص بها مجلة الهداية الإسلامية ونشر منها تسع مقالات في الأعداد محرم، وربيع ثاني، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب وشعبان، ورمضان، وشوال، وذي القعدة سنة ١٣٤٨ وظهر المقال العاشر في عدد الحجة بعد وفاته ﵀، تكلم فيه عن الآثار النبوية في الأقطار الإسلامية بإسهاب لم يسبق، وتحقيق وتمحيص نادر، وباقي هذا البحث معد للنشر أيضاً.
وكلها مباحث تدل على سعة الاطلاع والتعمق في البحث، بل هي خلاصة معلوماته وعصارة أفكاره، وآثار تنقيبه في خلال السنين الماضية.
والحق أنها رسائل فريدة وليست بمقالات، وذلك لغزارة مادتها ودقة مباحثها التي لم تطرق من قبل.
مؤلفاته
هذه المؤلفات قسمان: ما نشر وما لم ينشر. أما ما نشر فهو:
١ - تصحيح لسان العرب نشر القسم الأول منه سنة ١٣٣٤هـ.
٢ - القسم الثاني من تصحيح لسان العرب نشر سنة ١٣٤٣هـ.
٣ - تصحيح القاموس طبع سنة ١٣٤٣هـ.
٤ - نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة وانتشارها طبعت سنة ١٣٤٤.
٥ - قبر الإمام السيوطي وتحقيق موضعه مزين بالصور طبع سنة ١٣٤٦.
٦ - اليزيدية ومنشأ نحلتهم طبع سنة ١٣٤٧.
٧ - تاريخ العلم العثماني مزين بالصور. طبع سنة ١٣٤٧
стр. 5084
أما مؤلفاته التي لم تطبع فهي:
١ - الأمثال العامية: وقد رأيتها بعيني تملأ مجلدات كبيرة وكلها معدة للطبع صرف في جمعها زهرة شبابه، حتى أنه رغم جمعها بنفسه أعد جوائز لمن يأتي بمثل لم يدونه.
٢ - التصوير عند العرب: اطلعت على قسم كبير منه وجميعه معد للنشر، ومن يطلع على ما نشر منه في مجلة الهندسة يعلم مقدار حاجتنا إلى مثل هذا المؤلف بعد أن رأينا ما ظهر من مؤلفات الغرب في هذا الباب وجلها اقتصر على ما عثر عليه من التصوير الفارسي وكلها لا تسمن ولا تغني من جوع بجانب هذا السفر القيم العديم المثال.
٣ - معجم تيمور في العامية المصرية: وهو بمثابة إصلاح للأخطاء الدخيلة على العربية فيذكر الكلمة وأصلها الصحيح، وبيان التحريف الذي طرأ عليها ومنشأه. وقد اطلعت على قسم كبير منه فإذا هو مجهود مضن لا يستطيع المضي فيه إلا من أوتي بسطة في العلم مثل تيمور ﵀، وقد نشر منه قطعاً في مجلة المجمع العلمي بدمشق، ونقلت البلاغ الغراء قطعتين منه في العددين المؤرخين ٢٥ و ٢٦ مايو سنة ١٩٢٦.
٤ - السفن الإسلامية وأسماؤها.
٥ - شرح التبرّي من معرّة المعرّي.
وهو كتاب لطيف جمع فيه أسماء الكلب بمناسبة ما قرأه في ترجمة الإمام أبي العلاء المعري من أنه دخل على أبي القاسم المرتضى فعثر برجل فقال من هذا الكلب فقال له أبو العلاء الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً.
٦ - ولديه أيضاً مجموعة كبيرة من الوفيات منذ العصر الذي يلي العلامة الجبرتي إلى عصرنا هذا، ويكاد يكون منفرداً بها أيضاً.
هذا قليل من كثير، ولديه أشياء لم يطلع عليها أحد ومقالات لم أشر إليها في عجالتي هذه.
أعماله ومآثره
كان عضواً في مجلس الشيوخ منذ تكوينه حتى أوائل دورة العام الذي توفى فيه واستقال لانحراف صحته.
وكان عضواً بلجنة حفظ الآثار العربية. والمجمع العلمي العربي بدمشق. والمجلس الأعلى لدار الكتب الملكية، ومن مؤسسي جمعية الشبان المسلمين وجمعية الهداية الإسلامية، ومن
стр. 5085
مؤسسي جمعية نشر الكتب العلمية، وفي سنة ١٩٢٤ أهدى إلى المجمع العلمي بدمشق مجموعة من الموازين (الصنج) الزجاجية مع قسم كبير من الكتب.
وأهدى إلى دار الآثار العربية خنجراً مرصعاً بالأحجار الكريمة وسيفاً كان لجده تيمور كاشف وأهدى إلى جمعية الشبان المسلمين كتباً قيمة وأيضاً منح جمعية الهداية الإسلامية في شهر أبريل سنة ١٩٣٠ ١٢٠ كتاباً.
ولو لم يكن من مآثره إلا مكتبته النادرة لكفى.
أخلاقه
كان ﵀ مثلاً عالياً في الأخلاق. حلو المعاشرة هادئاً حليماً، على دين متين ولهجة صادقة، وسمت حسن، وعقل وافر ووقار، محباً للخير لا يصل إلى الشر مطلقاً.
وقد كان محسناً متواضعاً لا يحب الظهور ولا المباهاة، وانظر إلى تواضعه الملموس في مقدمة كتابه تصحيح لسان العرب وهو أكبر كتاب في اللغة حيث يقول:
(ولسنا في ذلك بمدعين عصمة أو متبجحين بفضل)
وما أجمل تواضعه حينما يصف لنا مقالاته (التصوير على الجدران) و (التماثيل المتحركة) بأنهما من رسالة التصوير عند العرب، يمين الله أن المقال الواحد منهما حري بأن يكون رسالة وافية فما بالك بكتاب ضخم يصفه لنا برسالة.
وكان مثلاً عالياً في التقوى والغيرة على الإسلام والمحافظة على العوائد القومية.
خاتمته
لقد كانت حياته حافلة بجلائل الأعمال قضى معظمها في البحث والتنقيب والذود عن الإسلام، وجمع نفائس الكتب، حتى نكب بوفاة نجله المرحوم محمد بك تيمور في أوائل سنة ١٩٢١ فكانت صدمة قوية لم يقو على كفاحها، فأثرت في صحته، ومن ذلك الحين أصبح يميل إلى العزلة.
ومع أن مصيبته بفقد نجله هذا من أكبر المصائب فإنها لم تنته عن المثابرة على الكتابة والبحث، غير أن نوبات المرض كانت تنتابه بين آونة وأخرى، وخاصة في أعوامه الأخيرة وهو لم يرحم نفسه ولم يشفق عليها.
стр. 5086
وفاته
في الساعة الرابعة من صبيحة يوم السبت ٢٧ ذي القعدة سنة ١٣٤٨ - ٢٦ أبريل سنة ١٩٣٠ انتقل إلى رحمة الله تعالى فانطوى ذلك العلم الخفاق، واندك ذلك الركن الركين، وكان لنعيه رنة حزن وأسف جزعت لها القلوب وفاضت بالبكاء العيون إنا لله وإنا إليه راجعون. ودفن وقت الغروب بمقبرة عائلته المجاورة لقبر سيدنا الإمام الشافعي، ﵀ وطيب ثرى تربته.
حسن عبد الوهاب
стр. 5087
في المعلقات أيضاً
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
. . . وكنت عازماً على العودة إليها بتكملة رأيي فيها، وأقول رأيي وإن حاول بعضهم أن يجعله رأي عالم أوربي سبقني إليه فلا يكون لي جديد فيه، وقد اشتغلت بالكتابة في العلم والدين والأدب والتاريخ من نحو خمس عشرة سنة، ولى في ذلك بفضل الله آراء كثيرة جديدة خالصة جِدتها لي، ولم يحاول أحد في رأي منها ماحوول في رأيي الجديد في المعلقات، اللهم إلا ما كان من الأستاذ الجليل أنطون الجميل فيما كان بيني وبين الأستاذ زكي مبارك في نقد تسمية العصر الأدبي قبل الإسلام باسم العصر الجاهلي، لأنها تسمية دينية لا أدبية، وكان بيننا في ذلك جدال فيمن هو صاحب ذلك الرأي مني ومنه، فذكر الأستاذ الجميل أن هذا الرأي ليس لي ولا له وفلاناً مسبوق به، فأما أنا فذهبت إليه فلم أجد عنده في ذلك شيئاً فاكتفيت بذلك منه، وأما الأستاذ زكي فإنه سكت على ذلك، وهو من عادته ألا يسكت عن شيء، وألا يرضى بالهزيمة وهو منهزم، ولعله رضى من ذلك بما رضيت به إحدى المرأتين اللتين تنازعتا في ولد عند سليمان ﵇.
وكذلك هذا الرأي الذي أذهب إليه في المعلقات ليس هو رأي الأستاذ نولدكه، ولا رأي الأستاذ كليمان هيار، وإنما هو توجيه جديد لتسمية هذه القصائد باسم المعلقات أصح من توجيههما لها، فإني أرى أن المعلقات اسم مفعول مشتق من التعليق بمعنى الحفظ أو الشرح أو الحب والتتبع كما قال الشاعر:
علقتها عرضاً وعلقت رجلا … غيري وعلق أخرى ذلك الرجل
وكما يقولون فلان علق علم أي يحبه ويتبعه، وعلق شر كذلك.
وأما الأستاذ نولدكه فيحاول أن يحمل اسم المعلقات معنى علق، وهو الشيء النفيس فتعني هذه التسمية عنده أن هذه القصائد قد سمت إلى درجة خاصة مجيدة، وهي محاولة خاطئة، لأن العلق بمعنى الشيء النفيس صفة مشبهة لا يشتق منها اسم مفعول هكذا (معلقات)، وإنما يشتق اسم المفعول من المصادر وما في معناها، ولم يقل أحد إن اسم المعلق يطلق على الشيء النفيس، وإنما الذي يطلق عليه اسم العلق فقط فاخذ أحدهما من الآخر خبط وخلط.
стр. 5088
وأما الأستاذ كليمان هيار فيرى أن المعلقات جمع معلقة بمعنى القلادة بدليل أنهم يسمونها أيضاً السموط بمعنى العقود أو القلائد وهو أيضاً توجيه خاطئ لأن كلمة معلقة تطلق على التميمة وعلى المرأة المعلقة وهي التي ليست بذات زوج ولا مطلقة وعلى غير ذلك من أمور كثيرة وهي أشهر في المرأة المعلقة من التميمة والقلادة وغيرهما من كل ما يعلق ولو كانوا يريدون هذا المعنى في تسمية هذه القصائد بالمعلقات لسموها باسم القلائد كما سموها باسم السموط حتى يكون هذا الاسم نصاً في ذلك المعنى ولا يحتمل معنى التميمة أو غيرها مما يصح أن يطلق عليه اسم المعلقات. وقد جاء في الأساس أنه يقال أعلقت المصحف جعلت له علاقة يعلق بها واشتقاق اسم المعلقات لهذه القصائد من نحو هذا أجدر من اشتقاقها من المعلقة بمعنى القلادة. وقد ذكر بعض شيوخ الأدب ما يقرب من هذا في سبب تسمية تلك القصائد باسم المعلقات فقال إن العرب لم تكن تكتب في دفاف ولم تكتب قبل القرآن كتاباً مدففاً، وإنما كانوا يكتبون في رقاع مستطيلة من الحرير أو الجلد أو الكاغد يوصل بعضها ببعض ثم تطوى على عود أو خشبة وتعلق في جدار الرواق أو الخيمة بعيدة عن الأرض حرصاً عليها من قرض فأرة أو عث أو نحو ذلك من دواب الأرض، وذلك تأويل قوله تعالى (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) إذ يظهر أن السجل ومعناه الصحيفة أو الكاتب الذي كان يعلق الكتب أو يطويها لعله كان يستعمل مثل هذا العود في طي الكتاب وتعليقه.
فهذا هو رأيي في المعلقات مع رأيي الأستاذين نولدكه وكليمان هيار وهذه ميزته عليهما ولا أقول الفرق بينهما، لأنه من الوضوح بحيث كان يغني ذلك الناقد عن نقده، ويغنيني عن هذا الرد عليه إلى ما هو أنفع عندي منه. ولا أثقل على نفسي من أن يقول ناقد رأيي إنني أغفلت مناقشة ونقض رأي القائلين بأن هذه القصائد سميت بالمعلقات لأنها كانت تكتب بالذهب وتعلق بأستار الكعبة فيلجئني إلى أن أعيد له ما ذكرته في نقض هذا الرأي عن أبي جعفر النحاس من أنه لا يعرفه أحد من الرواة، فكيف أكون مع هذا قد أغفلت مناقشته ونقضه.
ولا أثقل على نفسي من أن يذكر ناقد رأيي أن أبا جعفر النحاس أطلق الملك الذي كان يأمر بتعليق هذه القصائد في خزانته إطلاقا وأني أنا الذي حملته على النعمان بن المنذر ليتأتى
стр. 5089
لي نقض رأي أبي جعفر فيلجئني إلى أن أعيد له ما قلت من أن أبا جعفر لم يذكر من هو هذا الملك الذي كان يأمر بتعليق هذه القصائد في خزائنه وأن بعض علماء الأدب هو الذي رجح أنه النعمان بن المنذر، فلم أكن أنا الذي حملته عليه ليتأتى لي بذلك نقض رأيه، ثم إني لم أكتف بهذا في نقض رأيه بل ذكرت ما ينقضه، ولو كان ذلك الملك ملكاً آخر قبل النعمان بن المنذر وأشرت إلى الأسباب المعروفة التي قيلت المعلقات من أجلها والى الأمكنة التي قيلت فيها وهي أمكنة غير تلك الأسواق التي يقول أبو جعفر وغيره أنها كانت تقال فيها.
ولا أثقل على نفسي من أن لا يطلع ناقد رأيي على النص الذي أخذت منه أن سوق عكاظ أنشئ بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة. ثم يطلع على نصوص أخرى قد تخالف ذلك فيمضي فيها إلى أن يعود فيسألني عن النص الذي اعتمدت عليه في أمر قيام تلك السوق بعد عام الفيل، فيلجئني إلى أن أدله في ذلك على كتاب المتداول مشهور هو كتاب (الوسيط) للأستاذين الفاضلين الشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ مصطفى عناني، وإني أذكر لناقد رأيي نصاً أقدم مما ذكره من النصوص التي ذكرها في إثبات قدم سوق عكاظ.
قالوا في تفسير المثل المشهور (الحديث ذو شجون) إنه يضرب في الحديث يتذكر به غيره، أي ذو طرق يتصل بعضها ببعض ويؤدي بعضها إلى بعض، والواحد شجن قاله ضبة بن أد ابن طابخة بن إلياس بن مضر، وقد نفرت إبل له فطلبها أبناء (سعد وسعيد) فوجدها سعد فردها، ومضى سعيد فلقيه الحارث بن كعب فأخذ منه برديه وقتله واختفى خبره على أبيه إلى أن وافى عكاظ فرأى بردي سعيد على الحارث فسأله عنهما فأخبره بأنه رآهما على غلام فطلبهما منه فأبى فقتله بسيفه، فقال له ضبة: أعطينيه أنظر إليه فإني أظنه صارماً، فأعطاه له فهزه في يده وقال: (الحديث ذو شجون)، ثم قتله به، فقيل له يا ضبة: أفي الشهر الحرام؟! فقال: (سبق السيف العذل) فذهب أيضاً مثلاً.
ولا شك أن عصر ضبة أقدم بكثير من عصر عبد شمس بن عبد مناف، ولكنها نصوص قد تحمل على الاشتباه وان ذاكرها يريد سوقاً أخرى غير سوق عكاظ فاشتبهت عليه لشهرتها، وهكذا يغطي كل مشهور على كل شيء سواه، فيبقى النص الذي يعين قيام سوق عكاظ بعد عام الفيل غير قابل للتأويل ويقدم على غيره من النصوص الأخرى لأنه نص سيق لبيان
стр. 5090
تأريخ بدء هذه السوق ونهايتها، وتلك نصوص في حكايات أخرى ذكرت هذه السوق عرضاً فيها، فيمكن حملها على الاشتباه كما ذكرنا.
وإذا أراد ناقد رأيي بحثاً في وثاقة رواية هذه القصائد وأمثالها فيمكنه أن يجد ذلك في بحث صحة أشعار امرئ القيس من كتابنا (زعامة الشعر الجاهلي) فلعله يقتنع بأنّا قد نحسن هذا النوع من البحث، وأراني بعد هذا قد أطلت، ومنعني الأستاذ الحاجري من العود في هذا المقال إلى تكملة رأيي في المعلقات فليكفه هذا منى وليتركني في سبيلي وجزاه الله خيراً.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 5091
من طرائف الشعر
على الشاطئ
للأستاذ محمود خيرت
أنظر الشاطئ البهيَّ الرّواء … ضاحكاً كالخميلة الغنَّاء
كل غصنٍ به تمثَّلَ قَدّاً … أنبتَتْ وَردَه خدُودُ الضباء
فاتناتٍ وقد خَطرن سَكارى … برحيقٍ من الرِّضى والصَّفاء
سافراتٍ وكيف يحتبس الحُس … ن وقد كان من فيوض السَّماء
عارياتٍ كأنما قد تسترْ … نَ عليه بحُلَّةٍ من رياء
باسماتٍ والابتسامةُ تحيي … في قرار النفوس ميْت الرّجاء
فتَرَى أعيُنَ الشباب عليه … نَّ خفافاً من كل قاصٍ وَنَاء
وتراهنَّ آمِناتٍ بمنأى … عَن تَجَنٍّ أو نُفرَةٍ أو جَفاء
قد تأكّدْنَ أنَّها نظراتٌ … أرسلَتها العيون بالإطراء
والغواني يهزُّهنَّ كما قد … قال شوقي العظيم سحر الثناء
وانظر البحر هل ترى لمداهُ … آخراً. رائعاً كرحب الفضاء
وهو حيٌّ له نصيبٌ من الحِ … س وحالاتُ فتنةٍ والتِواء
فإذا مسَّه النَّسيم عليلاً … كان مثل الصحيفة الزَّرقاء
وتراه كأنما الرّعدُ يَدوي … حول أمواجه من الأنواء
قام يُزجي مياهَه صاعداتٍ … نحو أقدامهنَّ في إغراء
فتواثَبْنَ كالعرائس لكن … كنَّ فيه عرائساً من ضياء
وتناثرْن كالدُّمى سابحاتٍ … في انحرافٍ عن سطحه واستواء
هادياتٍٍ لقاعِه غائصاتٍ … ثم يظهرْن عند سطح الماء
ثم يأخُذْن في التَّراشُق بالما … ء رشاشاً وهنَّ في ضوضاء
هكذا ينعَمُ الملاح على الشَّا … طئ حتى يرفّ ظلُّ المساء
(الإسكندرية)
стр. 5092
محمود خيرت
بقسم قضايا المالية
стр. 5093
ليلة الأهرام. . .
مَوثِقُ الحبِّ الذي صِحْنا به … شَهِدَ الأهرامُ والبدرُ عليهِ
شقَّ كلٌّ صدرَهُ عن قلبه … ومضى يبعثُ بالعهدِ إليهِ
ومَضَتْ أعيُنُنَا تروي الغَرَامْ … وتَبُثُّ الوَجدَ وحياً خالدا
رَفرَفَ الأمنُ عليها والسلام … وضياءُ البدرِ يسري هاجداً
آهِ من فرصةِ لثمٍ وعِناقْ … لم تُتَح إلاَّ لِسكَّان الجِنان
اختلسناها، وعُدنا في احتراق … نَحقُرُ الدنيا، ونُزرِي بالزمان. .!
ثغريَ الصديانُ كم لاذَ بثغركْ … يرشفُ النورَ الذي رَفَّ وحام
وذراعي كم هوتْ تعطف خَصْرِكْ … والهوى الصادقُ في الأعْيُنِ نام.!
لا تقولي ما مضى فاتَ، فما … يَطَّبِينِي غيرُ ماضي الذكريات
أنا أهواك جَبينَاً وفَماً … وضياءً شاع في كلِّ الجهات
قُلتِ لي، والبدرُ للأهرامِ يرنو، … وأنا في سَكرَةٍ مِمَّا أرَى:
(أتُرَى أحبَبْتَنِي أم أنت تحنو … مُشفِقاً، أم ذاكَ حُلمٌ في الكرى؟)
قلت: (أهواكِ ولا أهوى سواكِ) … ثم لاذَ الثغرُ ضمآناً بِثَغْرِكْ
وطعِمْتُ الحُبَّ حلوى في لَمَاكِ … وشربتُ الضوء من جاماتَ سِحْرِكْ!
ثم قثمنَا، وانحدرنا في الطريق … مِثلَ مخمورَيْنِ لَجّا في الغبوق
ضَمَّ صدرانا من الوجدِ حريق … وثوى في ثغرها حُلْوُ الرحيق!
مختار الوكيل
стр. 5094
في الريف
للشاعر محمود غنيم
عشقوا الجمال الزائف المجلوبا … وعشقتُ فيكَ جمالك الموهوبا
قدست فيك من الطبيعة سرها … أنعم بشمسك مشرقاً وغروبا
ولقد نزلتك فادكرت طفولتي … وتمائمي. طوبى لعهدك طوبى
زعموك مرعى للنبات. وليتهم … زعموك مرعى للعقول خصيبا
فهي القرائح أنت مصدر وحيها … كم بت تلهم شاعراً وخطيبا
حييتُ فيك الثابتين عقائداً … والطاهرين سرائراً وقلوبا
والذاهبات إلى الحقول حواسراً … يمشي العفاف أمامهن رقيبا
سلبت عذاراك الزهور جمالها … فبكت تريد جمالها المسلوبا
كست الطبيعة وجه أرضك سندساً … وحبت نسيمك إذ تضوع طيبا
بسط تظللها الغصون فأينما … يممت خلت سرادقاً منصوبا
وحنت على الماء الجذوع كأنها … أم تضم وليدها المحبوبا
وبدا النخيل غصونه فيروزج … يحملن من صافي العقيق حبوبا
أرأيت عملاقاً عليه مظلة … أو مارداً ملء القلوب مهوبا؟
يا رب ساقية لغير صبابة … أنَّت وأجرت دمعها مسكوبا
وحمامة سمع الفؤاد هتافها … فحسبته بين الضلوع مجيبا
والغيد تغمس في الغدير جرارها … فيظل يضحك ملء فيه طروبا
سربان من بط وبيض خرّد … يتباريان سباحة ووثوبا
وترى الجداول في الأصيل كأنها … من فضة فيها النضار أذيبا
يا بدر أنت ابن القرى وأراك في … ليل الحواضر إن طلعت غريبا
نشر السكون على القرى أعلامه … فتكاد تسمع للفؤاد وجيبا
بدت الحياة هناك في ريعانها … ولو أنها سارت تدب دبيبا
ولقد ينام القوم ملء العين في … زمن يقض مضاجعاً وجنوبا
وهي السعادة كم أوت كوخاً وكم … هجرت أشم من القصور رحيبا
стр. 5095
قالوا الحضارة قلت أسفر وجهها … وبدت محاسنها فكن عيوبا
ما ضر أهل الريف ألا يحفلوا … بالطب أو لا يعرفوا (الميكروبا)
ضمنت سلامتهم سهولة عيشهم … وصفا هواؤهمو فكان طبيبا
رضعوا رحيق السائمات ومادروا … غير النمير وغيره مشروبا
وسرى شعاع الشمس في أبدانهم … فجرى بأوجههم دماً مشبوبا
شمس القرى كست الوجوه نضارة … أرأيت وجهاً في القرى مخضوبا؟
سر في الحقول تر الرياضة عندهم … فناً. وخطاً عندنا مكتوبا
أكبرت في القروي صحة عزمه … وحسبته في صبره أيوبا
ورأيت طيب النفس فيه سجية … ووداده سهل المنال قريبا
فيه ترى الخلق الصريح ولا ترى … ضحك النواجذ بالخديعة شيبا
أنا لا أقول: تشينه أميَّة … كن خيِّراً لا كاتباً وحسيبا
كم ضل من أهل الحواضر قارئ … فاغتال أعراضاً وشق جيوبا
في الريف فتيان تسيل جباههم … عرقاً فيصبح لؤلؤاً مثقوبا
لا فتية مرد بأيد بضة … في كل يوم يلبسون قشيبا
بذلوا لمصر فوق ما في وسعهم … ورضوا بما دون الكفاف نصيبا
محمود غنيم
стр. 5096
العلوم
البراكين
بقلم نعيم علي راغب
دبلوم عال في الجغرافيا
هي ظاهرة من أهم الظواهر التي تدل على حرارة الأرض الباطنية. وأنه لمن المدهش حقاً أن نجد حتى الآن وبين مدرسي الجغرافية من يخطئ في تعريف هذه الظاهرة، ولذلك سأبدأ بحثي بتعريف البركان ووصف أجزائه بالتفصيل، ثم أختتمه ببيان الغلطات الشائعة في تعريف البركان ووصفه:
البركان عبارة عن شق يصل باطن الأرض بظاهرها، فهو بمثابة قصبة تخرج عن طريقها المواد المنصهرة من باطن الأرض إلى سطحها إذا كان البركان ثائراً. فإذا ما همد لسبب ما وخمدت ثورته سدت القصبة إما بتجمد المواد المنصهرة فيها، أو تجمع المواد المفتتة بها.
أجزاء البركان
يتكون البركان عادة من أقسام ثلاثة هي: -
١ - القصبة واسطة الاتصال بين باطن الأرض وسطحها. تخرج منها المواد المنصهرة ومقذوفات البركان وهذه القصبة تظل مفتوحة ما دام البركان مستمراً في ثورانه حتى إذا ما سكنت ثورته أو خمدت تجمدت فيها المواد الذائبة وتراكمت في الفتحة الصخور والأحجار فتنسد.
٢ - الحوض تجويف يقع في نهاية القصبة البركانية يختلف في اتساعه تبعاً لقوة ثوران البركان. ففي البراكين الصغيرة يصغر مقدار قطر الحوض كما في بركان كوتابكس وفزياما.
٣ - المخروط عبارة عن تراكم المقذوفات على جوانب الفتحة أو القصبة. والمخاريط على أنواع فهي إما لابية كمخروط بركان ترابية كما في بركان (الواقع على الساحل الغربي لجمهورية بيرو) أو أن يكون المخروط جامعاً بين النوعين وهذا شائع الوجود. وقد تتجمد المواد المنصهرة هنا بين الطبقات الترابية والحجرية وتكون عروقاً صلبة يطلق
стр. 5097
عليها اسم السدود أما ارتفاع المخروط البركاني فيختلف باختلاف قوة البركان وقد يبلغ ارتفاعاً كبيراً: فمخروط فيزوف يبلغ ارتفاعه ٤٠٠٠ قدم واتنا١١٠٠٠ وكوتابكس١٨٨٧٦.
ثوران البركان
إذا ما ثار البركان جمع الشياطين معه ليقوموا سوياً بعملية الهدم والتخريب فيقذف من فوهته بالحمم ويلقي في الجو بالصخور مكوناً سيلاً من مواد منصهرة مخربة ينحدر على المدن والقرى القريبة ليدمرها. ينحدر إليها ببطء حقيقة ولكنه ينحدر بلا تردد.
ويسمع للبركان الهائج دمدمة تصم الآذان وينتشر مع الثوران دخان يعمي العيون، فتذبل الأزاهير وتتحطم الأشجار، وتعود الأماكن التي كانت كالجنان جحيماً ثارت فيه الشياطين، ويغدو الجو الذي كان عطراً بالأريج خانقاً لا يحتمله الصدر ولا مجال للتنفس فيه.
ويغلب أن يحدث الثوران البركاني بعد مقدمات تسبقه بدقائق معدودات لوحظ منها: -
أ - ارتفاع صوت كصوت الرعد يرتفع منقطعاً لكنه لا يلبث حتى يزداد شدة فتصحبه هزات أرضية شديدة تتعاقب بسرعة كبيرة.
ب - انخفاض مستوى الماء في الآبار المجاورة وذلك ناشئ من تسرب المياه في الشقوق الحادثة في باطن الأرض.
ولو أنه قد يثور البركان دون إنذار سابق كما حدث في بركان فيزوف عام ١٨٥٣ ميلادية. ويجب أن لا نظن أن البركان إذا ثار اندفعت منه المواد المنصهرة دفعة واحدة فهذا غير حقيقي لأن للمقذوفات البركانية ترتيباً يقرب من الترتيب التالي حين الثوران:
١ - يبدأ الثوران البركاني بخروج الأبخرة والغازات قاذفة معها أثناء خروجها أتربة كثيرة وفتات الصخور التي كان قد سبق أن تجمدت في فوهة البركان. ويعلو في الجو إلى ارتفاعات عظيمة بخار الماء المتصاعد وما معه من الغازات الأخرى (بلغ ارتفاعه في بركان كركاتو ١٧ ميلاً) وعلى أثر ارتفاع الأبخرة المائية إلى هذه الارتفاعات العظيمة تتكاثف وتنهمر على شكل أمطار غزيرة تمتزج بالأتربة الكثيرة فتكون أنهاراً طينية
٢ - يتلو ذلك الأتربة والأحجار المفتتة التي تندفع على أثر البخار والغازات وتنشأ عن انفجار الصمامات البركانية والتصدع الناشئ في الجوانب الداخلية للمخروط بفعل الاضطرابات البركانية وقد ميزوا بين أنواع مقذوفات الدور الثاني بالنسبة للحجم فهناك
стр. 5098
أ - التراب البركاني وهو عبارة عن فتات رفيع يتراوح حجمه بين حبة الرمل والدقيق.
ب - القنابل البركانية وهي عبارة عن كتل حجرية مستديرة أو بيضاوية أصلها صخر منصهر قذفها البركان وهي في حالة السيولة فتجمدت واستدارت أثناء وجودها في الهواء وتكون مسامية غالباً.
جـ - وهي كتل لابية الأصل تخرج من البركان جامدة.
٣ - يأتي بعد ذلك خروج المواد المنصهرة وهي ما يطلق عليها اسم اللابة من القصبة المركزية أو من الفتحات الجانبية. وهي آخر ما يقذفه البركان، وبخروجها يتعين هدوء الاضطرابات البركانية. وهذه تخرج في درجة حرارة عالية ثم تبرد تدريجاً بتعرضها للجو الخارجي، ويقتم لونها إذا ما بردت كما أنها عندما تتجمد تصير كثيرة الثقوب.
وتختلف سرعة سير المادة اللابية باختلاف درجة سيولتها وانصهارها كذلك تبعاً لانحدار الأرض ولذلك تكون سرعتها في المبدأ كبيرة نسبياً تقل تدريجاً كلما بعدت عن فوهة البركان. وقد يحدث أن تحتفظ هذه الأنهار المكونة من المادة اللابية بسيولتها لمسافات طويلة فمثلاً في سنة ١٧٨٣م ثار بركان في جزيرة الجليد خرجت منه مقادير عظيمة من المواد المنصهرة ملأت مجاري الأنهار والبحيرات والفتحات المجاورة لمكان البركان لمسافات كبيرة فبلغ امتدادها في إحدى هذه الجهات ٢٨ ميلاً وفي الأخرى ٥٠ ميلاً وارتفاعها ١٠٠ قدم وعرضها ١٥ ميلاً. وليتصور القارئ الكريم معي بعد ذلك مجرى بهذه المقاييس مكوناً من مواد منصهرة تشع حرارة وتصعد أبخرة وغازات خانقة.
ومما يدل على عظم مساحة الأراضي التي كانت تغمرها المواد اللابية المنصهرة ما هو مشاهد الآن من وجود مساحات كبيرة على الأرض، طبيعة تكوينها لابية تكسوها مادة لابية إلى أعماق كبيرة خرجت من باطن الأرض في عصور جيولوجية حديثة. أشهرها هضبة الدكن وكولومبيا والحبشة.
ويميز عند ذكر كلمة بركان بين ستة أنواع للبراكين.
١ - البراكين الثائرة وهي دائمة الثوران كسترامبولي، ومتقطعة الثوران كفيزوف.
٢ - البراكين الساكنة وهي التي تهدأ لمدة من الزمن ثم لا تلبث أن تثور فتهدم ما يقوم بجانبها من مدن أو مساكن كما حدث في فيزوف سنة ٦٩م.
стр. 5099
٣ - البراكين المتآكلة أو ما يطلق عليها اسم نسبة إلى بركان بهذا الاسم سكن وأثرت عليه عوامل التعرف فتآكل مخروطه ولم يبق منه إلا فتحة تخرج منها الغازات.
٤ - البراكين الهامدة أو المائية وهي ما ينعدم فيها كل أثر للثوران ولا يبقى منها إلا المخاريط على شكل تلول كتلك التي وجدت قرب أسوان ومثل براكين أوفيرون في هضبة وسط فرنسا.
٥ - البراكين الطينية وهي نوع تخرج منه كميات كبيرة من الماء مختلطة بالأتربة فيسيل الوحل على الجانبين مكوناً أنهاراً طينية، وتوجد هذه الظاهرة في كثير من المناطق البركانية وتعين آخر مظهر للثوران البركاني مثل براكين صقلية ونيوزلند وباكو وجنوب بلوخستان.
٦ - البراكين المائية. وفيها لا يخرج سوى الماء كما في الينابيع الحارة والنافورات.
أسباب البراكين
سبق لي القول في العدد ٥٣ من هذه المجلة الغراء الصادر بتأريخ ٩ يوليو الماضي، أن القشرة الظاهرة للأرض عرضة لعامل الانكماش بفعل انخفاض حرارة الباطن وانكماش الجزء الداخلي فتلتوي القشرة الظاهرية لكي تتلبس على الباطن الذي نقص حجمه. وقد يكون الالتواء الحادث من الانكماش في بعض الجهات أكثر منه في جهات أخرى، ولذلك فإنه حيث ينظم الالتواء تنكسر الطبقات الأرضية، وتشقق مكونة مناطق ضعف في القشرة الأرضية
ولما كانت مناطق البراكين في توزيعها على العالم تتبع هذه المناطق الضعيفة فإننا لا نشك لحظة في أن السبب الرئيسي لحدوث البراكين هو تكوين هذه الشقوق أو العيوب التي تستفيد من وجودها المقذوفات البركانية والمواد المنصهرة، فتندفع خلالها، وتخرج منها إلى السطح الخارجي.
على أن هذا السبب يحتاج لبعض التفسير، فهناك قوة البركان القاذفة، وتكرار الثوران بين كل آونة وأخرى، وهذان يمكن تفسيرهما بوجود الشقوق البركانية مجاورة للمساحة المائية العظيمة، ولذلك فإن الماء المتسرب إلى الباطن يتحول إلى بخار بتأثير الحرارة، يجتمع مع الغازات الأخرى التي في الباطن، ويكوّن منها قوة دافعة عظيمة تقذف بالمواد المنصهرة
стр. 5100
وغيرها إلى السطح.
هذا وهناك من يرى أن المادة المنصهرة التي تخرج في نهاية الثوران مصدرها (جيوب) في أسفل القشرة الظاهرة، وتوجد هذه بكثرة في الجهات المرتفعة حيث يكون الضغط قليلاً.
غلطات شائعة
لا زلت حتى الآن، وأنا أكتب هذا المقال، أذكر كيف كنا نحفظ تعريف البركان بأنه (جبل يخرج ناراً ودخاناً) ولعلي لا أكون مبالغاً إذا قلت إن هناك اليوم من لا يعرف إلا هذا التعريف للبركان.
البركان ليس جبلاً. وقد جاء في تعريفي الأول للبركان، أنه فتحة أو شق في ظاهر الأرض يوصل بينه وبين الباطن، وليس الشكل المخروطي الذي هو حقيقة شبيه بالتل أو الجبل إلا المقذوفات والأتربة التي قذفها البركان، فتساقطت وانحدرت حول الفتحة البركانية مكونة هذا الشكل المخروطي.
وليس البركان جبل نار. إذ أن ذلك الذي يراه الناس فيحسبونه ناراً ليس إلا خطأ أو خداعاً نظرياً لأن انعكاس لون باطن البركان المتوهج على الغازات المتصاعدة يوحي إلى الناظر أن المتصاعد نار. ويجب أن نعرف أن هناك بين النار والتوهج فرقاً عظيماً فقد تكون قطعة من الحديد تتوهج احمراراً من الحرارة ولكن لا يصلح أن نطلق عليها اسم نار.
وهناك من يقول بأن البركان يخرج دخاناً وليس هذا القول صحيحاً، لأن ذلك الذي يطلق عليه اسم الدخان ما هو في الحقيقة إلا بخار الماء المتصاعد من باطن الأرض بفعل حرارتها عند ثوران البركان. كذلك لا يشترط في ثوران البركان أن يحدث الانفجار من أعلى المخروط أو بمعنى آخر أن تكون الفوهة في أعلى المخروط، لأنه يحدث كثيراً أن تكون الفتحة جانبية وأن يكون للبركان الواحد أكثر من فوهة واحدة.
ويحسن بي الآن قد انتهيت من الكلام على البراكين أن أذكر ظاهرة طبيعية تقترن بثورانها، وهي الاهتزاز الذي يحدث في المنطقة المحيطة بالبركان الثائر، وهذه يطلق عليها اسم الزلزال البركاني، وهذا النوع من الزلزال ولو أنه محلي إلا أنه عنيف، وقد يحدث تلفاً وأضراراً عظيمة كما حدث في زلزال جزيرة (في خليج نابلي) سنة ١٣٨٨ الذي أهلك ألفي نسمة.
стр. 5101
نعيم علي راغب
دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافيا
стр. 5102
القصص
القابلة
للأستاذ محمود خيرت
تقيم تلك القابلة مدام دوبوا في ركن عند ملتقى شارع سان لازاك وشارع روشفوكولد حيث كتبت اسمها على باب منزلها بخط كبير.
وهذا المنزل أو تلك (العيادة) التي لا تقتصر في اريس على مساعدة الحاملات عند وضعهن. . . لا تجرؤ الفقيرات على الدنوّ منها، لأن مدام دوبوا تشتطّ في الأجر فلا تستقبل فيها إلا طبقة السيدات الغنية التي ترى في الحمل عبثاً ثقيلاً.
وفي ذات يوم نزلت من العربة أمام تلك الدار فتاة رشيقة ثم صعدت إلى الطابق الثاني. وبعد أن استقبلتها الخادمة وأدخلتها عند سيدتها أخذت هذه تطيل النظر فيها كأنها تستطلع أمرها، لأن الزائرة كانت مع حسنها وصباها يشق جبينها من وقت لآخر خط ينم عن تفكيرها وتكتّمها حالتها.
على أن القابلة لم يخْفَ عليها من أول نظرة أن هذه الفتاة حامل، ولكنها مع ذلك تجاهلت أمرها، وسألتها عن سبب زيارتها وقد عادت إليها حالتها العصبية السالفة:
(لقد اقتضى مجيئي إليك كثيراً من الشجاعة يا سيدتي لأنني لم يعد في وسعي الأحجام بعد ذلك الصبر الطويل الذي غلبني. بل إنني لا أدري كيف قدرت على كتمان أمري إلى الآن. لذلك قصدتك وأنا أرجو السلامة على يديك فما أنا بذات بعل ولا أنا مخطوبة، حتى إنني لأخشى أن يفتضح أمري فيلحقني العار ويلحق بأهلي)
وعند ذلك عادت القابلة تسألها: لماذا لم توحي لأمك بذلك فلعلها كانت تهيئ لك أسباب السفر إلى مكان قصي تضعين فيه حملك. ولكنها كانت يتيمة من أمها، وما كانت لتجد شجاعة على مكاشفة أبيها بأمرها وإن كان يحبها ويُعزّها خشية أن تنغص حياته وتكدر صفوه.
وقد علمت منها القابلة أن عشيقها مات قبل أن تشعر بهذا الحمل الذي مضى عليه أربعة شهور، فلامتها على إهمالها شأن نفسها إلى تلك اللحظة قائلة إنها لو كانت قصدتها قبل ذلك فربما كانت وُفّقت إلى الأخذ بيدها. أما بعد هذه المدة الطويلة. . .
стр. 5103
وعند ذلك سقطت الفتاة باكية عند قدميها تستصرخها وتتوسل إليها صائحة: أنقذيني يا سيدتي فإنك قديرة على ذلك. على أنني ما قصدتك إلا بعد أن هدتني إليك إحدى صاحباتي.
أما القابلة فتجاهلت تلك الصاحبة قائلة إنها ما أقدمت مرة على عمل ممقوت كهذا، فأخذت الفتاة تنوح وتستعطفها وتنشد مروءتها إن لم يكن إكراماً لتلك الصاحبة فشفقةً بها، ثم قالت إنني لن أبخل بما تطلبين، وأقسم لك أيضاً أنني لا أخرج من هنا إلا صمّاء فلن يعرف أحد شيئاً من أمرك وأمري.
ولقد هدّأت هذه الأقوال من روع القابلة سيما بعد أن اطمأنت على أجرها، ولذلك قالت لها إني أعرف هنا جرّاحاً شهيراً في وسعه أن يخلصك من هذا الحمل بغير عناء ما دمت تدفعين له ما يطلب، ولكنه لا يقبل أقل من ثلاثة آلاف فرنك. فلما قبلت المسكينة أوصتها بالعودة إليها في صباح اليوم التالي.
وفي الموعد وقفت عربة الدكتور تيسو عند باب منزل خلوي كان يعدّه لعملياته الجراحية المحرمة. وكان قد علم من القابلة بأمر هذه الفتاة وأنها جاءت كما أوصتها، وناولته الأجر الذي اتفقت معها عليه. وعند ذلك سألها ما إذا كانت قد عرفت من هي أو من هم أهلها، فقالت له إنها لم تشأ أن تذكر لها شيئاً من ذلك، ولكنها سلمتها خطاباً أوصتها أن لا تفضه إلا إذا كتب لها أن تموت لا قدر الله.
وعند ذلك هز الطبيب كتفيه ثم قصد إلى معمله قائلاً، إذهبي أنت فخدريها بينما أغسل أنا يدي وأعقم سلاحي.
وبعد لحظة كان الطبيب بغرفة العملية، والفتاة نائمة عارية إلا أن وجهها كان مختفياً تحت حجاب المخدر.
وعند ذلك شرع في عمله بغير شفقة على هذا الشباب المنطرح أمامه، ولكنه فوجئ بمضاعفاتأخطأ حسابها، وقطع القطن تتساقط من يديه فوق الأرض وقد صبغها الدم بينما القابلة تراقب تأثير المخدّر في ضربات القلب، وكان قد مضى على بدء العملية عشرون دقيقة. غير أنه صاح فجأة: ما هذا؟ لقد ثقبت الجدار. فصرخت شريكته، إذن هلكنا.
ولقد اضطر الطبيب إلى اتباع آخر وسيلة كانت أمله الأخير فأخذ يقتطع من لحم الفتاة، والغضب والاضطراب باديان على وجهه ولكن القابلة صاحت فجأة صيحة مزعجة: لقد
стр. 5104
وقف قلبها. ماذا تعمل الآن. وكيف ندفع عنا شر هذه الخاتمة المشئومة. ثم أخذت تستر جسم الفتاة بغير أن تنزع عن وجهها ذلك القناع.
أما هو فبعد أن غسل يديه كما يغسل القاتل يديه من دم قتيله صاح: كيف حصل هذا؟ وما عسى أن نفعل بعد ذلك؟ لقد قضى الآن علي وعلى اسمي وشهرتي، وابنتي التي تعلم أنني رجل شريف ماذا يكون الآن حكمها عليّ؟ ثم تحقيق النيابة ثم محكمة الجنايات. . اسمعي يا دوبو: قولي إذا سئلت أنها لم تكن حاملاً وأنها. . ولكن القابلة أفهمته أنه لن يصدّقها أحد ثم ذكرته بأهلها الذين قد لا يسكتون أيضاً. وعند ذلك تضاعف يأسه وتذكر ذلك الخطاب الذي نوهت له به فطلبه منها لعله يهتدي منه إلى مكان أهل الفتاة، وربما إذا غمرهم بالمال اكتفوا ووقفوا عن الشكوى.
ولكن ما كادت تقع عيناه عليه وأصابعه ترتجف وعرقه يتصبب حتى صرخ صرخة دوت لها الغرفة ثم أسرع فنزع ذلك القناع، فإذا بتلك الفتاة ليزا ابنته!
ولا تسل بعد ذلك عما حلّ به فقد أخذ يلطم خديه ويدق صدره ويدفع رأسه دفعاً شديداً في الحائط كمن جُنّ. وأخيراً جحظت عيناه فأخذ مبضعاً قريباً منه وغيبه في صدره حيث سقط ميتاً بعد أن جر ابنته إلى جانبه عند سقوطه.
محمود خيرت
стр. 5105
سحر المرأة
بقلم محمد عبد الحميد
وأنت يا أمين ألا تتزوج؟
أنا؟ لا. لن. . .
بهذا الرد القاطع أجابني (أمين) يوم سألته وكنا في رفقة من الزملاء، نقطع الوقت بالحديث، وأغلب ما يدور حديث الشباب حول المرأة.
كان ذلك في أوائل سنة ١٩٣٠، وكان (أمين) معاوناً في وزارة الأوقاف، مات والده قبل أن يبدأ مرحلة الدراسة الثانوية، وهو ما يزال صبياً لم تثقله الحياة بهمّ أو تصبه بكارثة، فشاء أو شاءت له الظروف أن يختصر طريق التعليم، فلم يكد يقطع شهوراً في مدرسة مشتهر الزراعية، حتى لحقت أمه بأبيه.
قضى أمين زهرة حياته محروماً من عطف أبيه وحنان أمه، لم تكد تتفتح نفسه، ويلمع بريق الحياة في عينيه، حتى ألفى نفسه وحيداً، لا تضمه إلى صدرها أم، ولا يتولاه بالإرشاد أب. لم ينسكب في نفسه هذا النور الذي تشعه عيون الأمهات حناناً ورحمة، وخرج إلى الحياة بقلب صلب لم تصهره قبلات الأم الحارة البريئة، ونفس جافة لم ترفقها شفقة الوالد ورعايته. كذلك أخوته الثلاثة قطعت الحياة بينهم وبينه، فلم يلمس حنان الأخوة، ذهب أولهم في بعثة إلى أوروبا لدراسة الطب، والتحق الثاني والثالث قبل وفاة أبيهما بوظائف الحكومة، وعاش كل منهما مع زوجته في منزل وحده.
وكذلك عاش أمين وحيداً أكسبه جفاف حياته خشونة لم تكن تروق في أعين الذين يحتكون به، فكان صريحاً جافاً، لا يفكر في أحد من الناس، ولا يفكر في الاتصال به أحد من الناس.
غير أنه كان يضم في كيانه قلباً حياً نائماً لم يتح له أن يثور، فرقت بيننا ظروف العمل، فنقل إلى مأمورية الأوقاف في طنطا، وهناك ولأول مرة بعد وفاة والديه اتصل برجل من أهله. فقد كان له في هذه المدينة (خال) لم يتصل به منذ صباه. زار منزل خاله، فرحب به أهل الدار: خاله وزوجته وابنه وابنته (زينب)، وهي عذراء، أتمت السادسة عشرة من عمرها.
стр. 5106
مضت الأيام وتوالت الشهور دون أن يعنى كثيراً بزيارة أقاربه حتى أحسّ يوماً بالمرض يسري في جسمه، وإذا هي الحمى، وإذا هو مضطر أن يستريح كما أشار عليه الطبيب، ولكن أين يجد الراحة وهو (أعزب) ليس في منزله من يعنى به أو يهتم بأمره، وهو مضني لا يكاد يستطيع الوقوف على قدميه. إذن لتكن دار خاله ملجأه اليوم في مرضه، لعله يجد فيها بعض الراحة مما يعاني.
لقيه أهله في عطف، وأحاطوه بقلوبهم، ووقفت إلى جوار سريره (زينب) لا تكاد تخرج من بين شفتيه كلمة حتى تسعفه بما يبغي، وتقوم له بما يحتاج، وما تكاد الساعة تدق حتى تسرع إلى الدواء تسكب له منه بالقدر الذي أشار به الطبيب، وهي ما تفتأ بين الحين والحين، تضع يدها على جبينه تجس بها حرارته. كانت تقضي النهار إلى جواره، وتقطع الليل أو أغلبه حول سريره، ما يكاد يلمع ضوء الفجر حتى تهب إليه تسأله في كلمات رقيقة عذبة، ألم يشعر بتحسن؟ ألا يزال يمقت ماء الشعير؟ أتستطيع أن تحضر له مقداراً يغذي جسمه وتستريح به معدته؟ وهي إلى جانب هذا لا تنقطع كلما صحا من نومه المتقطع تعمل على راحته وتسعى جهدها لتغتصب الابتسامة من بين شفتيه اغتصاباً، واشتدت به العلة يوماً فارتفعت درجة حرارته، وأغمض عينيه، ووقف حوله أهله يبتهلون إلى الله من أجله، حتى إذا كان الليل وهدأت الحياة، واستسلم الجميع للنوم، أفاق أمين قليلاً وارتفع جفن عينه المغمض فإذا هو يواجه (زينب) إلى جواره تنظر إليه بعين قد التهبت من البكاء.
ماذا؟ هل تبكين؟ ثم انهمرت من عينه دمعة لعلها أول دمعة تفيض بها عينه منذ وفاة والدته.
توالت الأيام وزال عن (أمين) ما كان قد أقعده فعاد إلى عمله يستعيد مع الأيام الطويلة بعض الذي فقده.
لم يكن يعيش مع أقاربه في مدينة واحدة، بل كان يعمل في (منطقة) من مناطق الأوقاف القريبة من طنطا فلم يكد يقطع اليوم الأول في مقر عمله حتى أحس في أعماق نفسه شعوراً قوياً يدفعه إلى العودة.
إنه يحن إلى طنطا، بل هو يحن إلى منزل أهله. طغى على قلبه شعور قوي لم يكن يدركه
стр. 5107
قبل اليوم يدفعه إلى العودة.
إلى أين؟ إلى منزل أقاربك. ولكن لماذا؟ لقد شفيت ولم تعد لي بالعودة حاجة، وأنا لم أقض بعيداً عنهم يوماً كاملاً؟ لقد كانت هناك حاجة قوية تدفعه، وشعور جبار يغريه.
نام ليلته الأولى بعد تفكير طويل لم يكد يتبينها واضحة جلية، فإذا هو يقطع الليل في أحلام متقطعة رأى فيها أشباحاً بيضاء رقيقة تدور حوله، فلما حاول أن يتعرفها لم تتمثل له غير (زينب).
زينب العذراء الحلوة الفاتنة، زينب الجميلة الساحرة، هذه عيونها تلمع بفتنة الحياة، وهذا قوامها البديع، وهذه يدها الرقيقة تمتد إليه في دلال ولين، وهذا صوتها العذب يتدافع إلى أذنيه حلواً سائغاً.
هب من نومه مع الصباح الباكر فألفى السماء ساكنة صافية وهذه الأشجار لا تزال تلمع بقطرات الندى، والقرية ساكنة إلا من أصوات أفراد قلائل يصل إليه وقع أقدامهم وهم في طريقهم إلى المسجد يؤدون فريضة الصباح، غير أنه يشعر بوحشة ويحس بالهم والحاجة. . .
لا بد أن يكتب إلى خاله يشكره على عنايته به في مرضه، فإذا هو يختتم خطابه في حرارة لم يكن يحسها قبل اليوم، وإذا هو يحاول أن يختص زينب بتحية يقنع نفسه أنها ستدركها رغم أنها صادرة للجميع.
لقد أحب أمين.! أمين الجامد الصلب قد تفجر قلبه فإذا اللهب يكاد يحرقه، وإذا العاصفة التي ثارت في أعماقه تكاد تسحقه، فإذا هو يعود إلى منزل أقاربه، وإذا هذه الزيارة تتكرر في الاسبوع الواحد مرات، وإذا هو لا يصمد لهذه الثورة المجتاحة.
لقد نفذت العاطفة الحارة إلى قلبه فألهبته وصهر العطف نفسه فإذا هو يرى في الحياة ألواناً جديدة، هو يهواها ويفني نفسه في سبيلها. لقد لمسته المرأة بالعصا السحرية فانبثق النور في أعماقه، فإذا هو مفتون.
كانت الأيام قد توالت، وكنا على وشك أن نختتم عام ١٩٣٢ فإذا أنا أتسلم منه كتاباً لم يزد فيه على كلمات:
عزيزي محمد:
стр. 5108
لقد أدركت سر الحياة لأول مرة، في عيني المرأة، سأتزوج.
أخوك. أمين
لقيته بالأمس فإذا هو كالعصفور يكاد يطير. ينطلق في حديثه فإذا هو ينساب في رقة وعذوبة، وينقطع عنه، فإذا ابتسامة مشرقة تنشر على صفحة وجهه نوراً لامعاً جذاباً.
أتذكر يا أمين يوم سألتك عن الزواج، فأجبت في لهجة الواثق أنك لن تتزوج؟ لا يصديقي. لقد كانت الحياة إذ ذاك قاحلة جدباء. هيا هيا نشتري معاً (تربية الطفل) لزوجتي تقطع به الوقت، وتخفف به عن نفسها عبء الحمل، ونشتري لعبة مما أعده للمستقبل لابنتي المرتقبة (كامليا)
محمد عبد الحميد
стр. 5109
٤ - سافو
لأوجييه اميل
ترجمة الأستاذ محمود خيرت
المنظر الثاني
(غرفة بدار حنا بها دولاب ومائدة فوقها شمعة موقدة وحنا وحده ينزع من الدولاب ملابسه بيدين مرتجفتين ويضعها في حقيبة)
حنا - (كارهاً الحياة) نعم أفر من وجه هذه المدينة فلعلي لا أعود أشعر بآلامها وأقصد إلى قريتي فلعل نسميها ينسيني مرارة هذا الحلم.
(يعثر في الدولاب على علبة من صنع اليابان فيتأملها)
علبتها. والحفيظة على ذكرياتها. لم تعيدين لخاطري أيتها العلبة صورة ذلك الماضي القذر (تظهر فنى)
فنى - (جازعة وهي تراه يستعد للرحيل) حنا. لا ترحل.
حنا - قضى الأمر
فنى - لقد كذبوا عليك حسداً. ثم كيف أصغيت إليهم وكيف صدقتهم.
حنا - سافو. (متعمداً لكي تفهم أنه يعلم ما تخفي من أمرها) يا لها من خيانة. أنت التي أبحتك قلبي، واتخذتك معبودي تقدمين على خيانتي. أهكذا في وسع امرأة أن تعبث بنفس هادئة مطمئنة وأن تحطم قلباً لم ينغمس في إثم. ليتك تشعرين بما أشعر به الآن من مرير الألم. ولكني أرحل فلعلي في وحدتي أنسى وأنا أستنزل غضب الله ولعنته عليك. لقد بلغ من جهلي أن أكرمتك واتخذتك امرأتي، حتى انكشف لعيني ماضيك الذي سترته عني. وبلغ من نفاقك أن أعميتني فتمكن سلطانك من إيماني، ولكن الحمد لله فقد نضب الآن معين حبي ووقف من دونك شبح كراهيتي ومقتي. فعودي إلى ما كنت سافو الخليلة العاهرة الفاجرة.
فنى - (وقد صدعها الألم والفضيحة) هب كل ما سمعت صحيحاً أفنسيتَ أن المصادفة هي التي جمعتني بك. ثم ألم تقم هذه المصادفة سداً بين سافو الغابرة وفنى الحاضرة. أقسم لك
стр. 5110
أن سافو ماتت من يوم أن عرفت فنى.
حنا - كما أقسمت لغيري
فنى أنا ما أحببت سواك يا حنا
حنا - تكذبين
فنى - (مضعضعة) بل إني لصادقة وإني لأعبدك.
حنا - إذن لم احتفظت بهذه العلبة؟
فنى - (مفكرة) أو علمت بها؟
حنا - (مشيراً إلى الدولاب) إنها لا تزال هنا. أنظري
فنى - ولكنها لا تحوي شيئاً. . .
حنا - أبداً؟ (يتناول العلبة بين يديه ليفتحها)
فنى - (بصوت خائر خافت) ما هذا الجنون
حنا - إنها تحوي الشواهد الناطقة بفجورك
فنى - مهما جرعتني من القسوة فما زلت أحبك
حنا - (بخشونة) أين مفتاحها؟
فنى - لا أدري
حنا - (مهتاجاً يعالج فتحها بالقوة) سأعرف كيف أحتال على فتحها.
فنى - (تحاول منعه ويكون قد فتحها) ولكنك تعالج النار بالنار.
حنا - ها قد أفلحت. أنظري. إنها هنا مكدسة منكمشة خشية أن يفوح نتن عارها.
فنى - أحرقها إن شئت فهي لك.
حنا - لي أنا يا سافو. . .
فنى - لم أعد سافو يا حنا (تتناول بيد مرتجفة بعض رسائل سقطت على الأرض) نعم أحرقها أو فمزقها لتصدق أنني أصبحت لك وحدك (بلطف) بالله لا تجر خلف شكوكك ودع ما أقاسي يتصاعد في دخانها. إنها ما كانت غير سحب بعيدة فلا تحجب الآن بها سماء طهارتي.
حنا - (ببطء وألم) كنت أود أن أقف على ما فيها.
стр. 5111
فنى - إذن أنت تريد أن يصل الهم إلى قرار نفسي (تقترب وإحدى يديها إلى ظهرها حيث تمسح بيدها اليمنى خده كما كانت مع كاوودال)
حنا - (منفجراً) إنك بهذه الحركة تعيدين إلى ذهني صورة ما اعتدته مع سيدك كاوودال.
(تأخذ بحالة عصبية لفافة وتشعلها)
وعلى هذه الصورة أيضاً كنت تدخنين لفافاتك معهم. إنك لا زلت تكلمينني بلغة المصنع وأسلوب العاهرات حتى كأني بين عشاقك أسمعهم وأراهم.
فنى - (تلقي اللفافة بغضب وتفركها بقدمها) ما أقساك.
حنا - كل هذه الرسائل على ما بها من صفرة القدم وتأثير الزمن. . .
فنى - (تقطع حديثه) دعني أنا أشعل النار فيها.
حنا - بعد أن أتبين ما بها (يقرأ إحداها): (ليتك يا سافو تعلمين كم أحرقت من دمي لأجري الحياة في المرمر الذي نعم بتصوير جسمك الغض. . .)
فنى - (معترضة) بالله عليك (تخطفها وتحرقها)
حنا - (يتناول كتاباً آخر) إنه شعر هذه المرة.
سافو لقد ذقت الهوى … من مقلتيك فذقت أنسا
لكن بُعدك شفني … وجنى علي فكيف أنسى
(متأثراً) ماذا فعلت معهم حتى تركتهم على هذه الحال.
فنى - (حزينة) ليتني أدري.
حنا - (يقرأ رسالة أخرى ورقها وردي اللون): أنا بانتظارك الليلة في دار التمثيل (تطرق فنى خجلاً. أما هو فيحرقها ولكنه يحس كأن سهماً مسموماً أصابه حين يقع بصره على تخطيط يصورها عارية)
وهذا الرسم؟ إذن كانوا يصورونك عارية (ثم يقرأ ما هو مكتوب تحته): (حبيبتي سافو. . .)
فنى (متحببة إليه) إنني ما استبقيته إلا لشهرة مصوره.
حنا - (يلقيه إليها) احتفظي به.
فنى - (ترده إليه) بل احرقه واحرق كل ما بقى معه (بحزن) كفى يا حنا وارحم ألمي
стр. 5112
(يشتد حزنها) وليتك تعلم كيف نشأت، فلقد كنت وأنا طفلة على ما يُروى زهرة القرية أمرح في الطرقات وقد تيتمت من أمي وربما أيضاً من أبي، وما كان يعود إلا آخر الليل يترنّح من السُكر، وكان شديد القسوة معي حتى إذا ما بلغت سن الخامسة عشرة، وأنا أجمل فتيات الناحية فررت إلى هذا المصنع. أما أولئك الفنانون فانتهزوا فرصة احتياجي وبؤسي فعبثوا بطهارتي، ولكنهم مع ذلك لم يهتدوا إلى طريق قلبي ولا تركوا في نفسي من الأثر غير الحقد واللعنة، فهذا القلب ما كان لهم يوماً ما فحطّمه إن شئت فانه لك.
حنا - وما هذه الرزمة المخبأة.
فنى - (تصرخ متألمة) لا إلا هذه يا حنا.
حنا - وما الفرق بينها وبين أخواتها.
فنى - حنا. دعني أحرقها. أتوسل إليك.
حنا - إنك تحيرينني.
فنى - قلت لك دعها (تحاول اختطافها فيتغلب عليها) إذن ليكن ما يكون.
حنا - (متهكماً) طابع السجن! (ينظر إلى الإمضاء) فرومان! فرومان المزور؟
فنى - بل فرومان القدير. أما التزوير فما يعيبه، وما دفعه إليه غير فقره.
حنا - (باحتقار) إنه مجرم.
فنى - (متلطفة به) بيبي.
حنا - (يستيقظ غضباً) هذه الكلمة كنت تداعبين بها أيضاً ذلك اللص.
فنى - ليكن، ولكن مالك به وأنا لك.
(يتبع)
محمود خيرت
стр. 5113
الكتب
صلاح الدين الأيوبي
لمؤلفه الأستاذ محمد فريد أبو حديد
بقلم عبد الحميد حفني الشواربي
لجنة التأليف والترجمة والنشر، هي بلا ريب في مقدمة الجمعيات العلمية الحديثة، التي ساهمت - إلى حد كبير - في النهوض العلمي والإنتاج الفكري في الشرق العربي، الذي يقاسي فوق فقره المادي من أثر الاستعمار الأوروبي فقراً أشد فتكاً وأبعد خطراً، هو غزو اللغات الأجنبية له، فقامت هذه اللجنة في جهد الجبابرة، تنشر وتترجم وتؤلف بلسان عربي في مناح مختلفة في الفلسفة والعلوم والآداب والاجتماع.
والذي يحز في قلوبنا وينال من إحساسنا القومي، أن تنهض هذه الجمعية على أكتاف أفرادها، دون أن نمكن لها من مال الدولة أو الأمة بالقدر الكافي، أو ما يوازي على الأقل ما حصلت عليه الجمعيات العلمية الأجنبية مع ما فيها من مكمن الخطر التبشيري وما تحمله من نزعات الشر والكراهية لمصر والمصريين.
هذه الجمعيات قد منحت من أملاك الدولة، في الصميم من قلب المدينة وخير بقاعها، فضلاً عما تمدها به حكوماتها وشعوبها، بينما ترى مركز لجنة التأليف والترجمة والنشر، في ركن متواضع من أركان بيت ضج بالسكان، أو المرضى من الناس في شارع الساحة. هذا فضلاً عن حرمانها من امتيازات لو منحتها لدرت من أنواع الثقافات أفضلها وأعظمها قدراً.
وأذكر أن المرحوم ثروت باشا قد أشار إلى وجوب إصدار سلسلة معارف عامة تعين على ثقافة الشعب، فكانت هذه اللجنة هي أول من لبى أمنية وزير مصر الكبير.
وكان أستاذنا النابه (محمد فريد أبو حديد) أول من وقع اختيار اللجنة لرسالته كسلسلة معارف عامة في صلاح الدين الأيوبي. والمؤلف غني عن التعريف لولا ما تأخذنا به أصول التحليل والنقد. فهو أستاذ تخرج في المعلمين العليا، وفي مدرسة الحقوق المصرية، وتقلب في مناصب عدة في التعليم الثانوي، على أن هذه العناوين ليست كل شيء في
стр. 5114
الرجل، فإن كثيرين قطعوا مراحل التعليم منفعلين لا فاعلين، ومروا بها مر امتحانات متأثرين لا مؤثرين، ولكن هذا الرجل وقد عاشرته عن كثب - تجد فيه الابن المصري البار الذي كلف نفسه حمل رسالة النهضة من وجهتين: أخلاقية وعلمية - ليؤديها إلى الناس في نفس كبيرة وجسم ضئيل.
وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مرادها الأجسام
أنظر إليه وهو يلقي عليك هذا السؤال في مؤلفه صلاح الدين ما الحياة؟ فانك لتستشف من جوابه على هذا السؤال ناحية أبية من نواحي النفس المصرية النادرة، أو قليلة العدد على الأقل، التي يغتبط بوجودها، بل ويفتقر إليها المجتمع المصري، وهاك جوابه: (أليست تلك الأنفاس التي تتردد في تلك الفترة المحتومة ما بين واجب البلاد وواجب الموت؟ ألا إنها فترة مملة مسئمة إذا لم يكن بها ما يهز النفوس).
ثم هاك كتابه وقد تناول بالبحث الشيق بطلاً من أبطال العالم الإسلامي تقف فيه على خير عصر من عصور التاريخ عانى من غشاوة الجهل والتعصب التي اكتنفت أوروبا في القرون الوسطى. وترى كذلك كيف تكون السياسة الحكيمة يمليها رجل الشرق فترتفع الحواجز وطلاسم الحياة التي بيننا وبين أية أمة بالغة ما بلغت من العظمة والسلطان، اسمعه يقول في تقدير صلاح الدين (والناس إذا تولى أمرهم عظيم تساموا إلى مستوى عظمته فأتوا بالعجب) وهاكم رجل الساعة مصطفى كمال مصداق لما ذهب إليه المؤلف الجليل. والكتاب في جملته وتفصيله حافز للهمم دافع للعزم الصادق في نفوس شباب طغت به مدنيات الاستعمار حتى ماع، وبهره سراب خلّب حتى هوى واستسلم إلا من عصم ربك، فبعث فينا من يعاني النظر في أمراضنا والبحث في وسائل علاجها.
ولولا مغالاة المؤلف في أسلوبه العلمي وتوخيه البحث على نمط مدرسي وهو يكتب للشعب، لكان مؤلفه قد بلغ الغاية وأوفى حتى انتهى إلى درجة الكمال. ولكم نشكره على جهده وما بذل في وسط كوسطنا المصري يعاني ذكرى مؤلمة لمجدنا السالف، ومحنة راهنة بسبب فقرنا العلمي.
قليوب البلد
عبد الحميد حفني الشواربي
стр. 5115
يوم ١١ يوليو سنة ١٨٨٢
للدكتور محمود النشوي
استقبلت صباح اليوم وهو ينبلج عن عامل البريد يزدلف نحوي ويحمل بين أعطافه هدية ثمينة، بل منة خالدة من الأمير الأكبر (عمر باشا طوسون) تلك هي كتابه الذي طوق به جيد مصر وأسماه (يوم ١١ يوليه سنة ١٨٨٢) ولم أكد أتصفحه حتى ذكرت الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية مشرع الترجمة ومبتكرها في الأمة العربية وإبان فجر المدنية الإسلامية. ثم انتقلت بي الذاكرة إلى أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وجالت في خيالي صورته وهو يهيب بالإمام مالك رضوان الله عليه أن يؤلف الموطأ فيأبى، ثم يرضى متأثراً بإلحاح المنصور. ثم يرسم له خطة التأليف حتى يقول إمام دار الهجرة لقد علمني المنصور التأليف.
ثم تذكرت الرشيد ومجالسه الأدبية وشعره الرقيق. وانتقل بي الخيال إلى المأمون وحدبه على العلماء وعلى العلم. وتفرده بكثير من مسائله ثم ذكرت قابوس بن وشكمير وشعره العالي الرصين، وعضد الدولة بن بويه، وسيف الدولة الحمداني، وأبا فراس بن عمه. وتلك الحلقة من الأدباء والشعراء والمؤلفين التي كانت تحف بهؤلاء الملوك والأمراء فتستمد منهم ومن مشاركتهم في الشعر والعلم روحاً تبعثها للأمة قوة ونهوضاً. ذكرت ذلك كله، وعهداً ساهم فيه الأمراءوالملوك في العلم. فكان عصر العلم وكان عصر النهوض. وعلمت أن مؤلفات الأمير هي تباشير الصباح، وبواكير النهضة العلمية في مصر وفي غير مصر.
. . وإنك لتواجهك الوطنية المخلصة في كل حرف من حروف كتاب الأمير الجليل حتى في اسم الكتاب، وفي مقدمته.
فاسم الكتاب يذكر باليوم المشؤوم. يوم الاحتلال. ومقدمته لا أصفها. بل أذكر فقرات من أولها. وأدعها توحي للقارئ بالغيرة على الوطن. وبالتفاني في حب مصر. فاستمع للأمير الجليل حين يقول.
(يقبل علينا شهر يولية في كل سنة فيذكرنا باليوم الأسود يوم ١١ يوليه ذلك اليوم الذي
следующие страницы →