Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
فنى - إذن أنت تريد أن يصل الهم إلى قرار نفسي (تقترب وإحدى يديها إلى ظهرها حيث تمسح بيدها اليمنى خده كما كانت مع كاوودال)
حنا - (منفجراً) إنك بهذه الحركة تعيدين إلى ذهني صورة ما اعتدته مع سيدك كاوودال.
(تأخذ بحالة عصبية لفافة وتشعلها)
وعلى هذه الصورة أيضاً كنت تدخنين لفافاتك معهم. إنك لا زلت تكلمينني بلغة المصنع وأسلوب العاهرات حتى كأني بين عشاقك أسمعهم وأراهم.
فنى - (تلقي اللفافة بغضب وتفركها بقدمها) ما أقساك.
حنا - كل هذه الرسائل على ما بها من صفرة القدم وتأثير الزمن. . .
فنى - (تقطع حديثه) دعني أنا أشعل النار فيها.
حنا - بعد أن أتبين ما بها (يقرأ إحداها): (ليتك يا سافو تعلمين كم أحرقت من دمي لأجري الحياة في المرمر الذي نعم بتصوير جسمك الغض. . .)
فنى - (معترضة) بالله عليك (تخطفها وتحرقها)
حنا - (يتناول كتاباً آخر) إنه شعر هذه المرة.
سافو لقد ذقت الهوى … من مقلتيك فذقت أنسا
لكن بُعدك شفني … وجنى علي فكيف أنسى
(متأثراً) ماذا فعلت معهم حتى تركتهم على هذه الحال.
فنى - (حزينة) ليتني أدري.
حنا - (يقرأ رسالة أخرى ورقها وردي اللون): أنا بانتظارك الليلة في دار التمثيل (تطرق فنى خجلاً. أما هو فيحرقها ولكنه يحس كأن سهماً مسموماً أصابه حين يقع بصره على تخطيط يصورها عارية)
وهذا الرسم؟ إذن كانوا يصورونك عارية (ثم يقرأ ما هو مكتوب تحته): (حبيبتي سافو. . .)
فنى (متحببة إليه) إنني ما استبقيته إلا لشهرة مصوره.
حنا - (يلقيه إليها) احتفظي به.
فنى - (ترده إليه) بل احرقه واحرق كل ما بقى معه (بحزن) كفى يا حنا وارحم ألمي
стр. 5112
(يشتد حزنها) وليتك تعلم كيف نشأت، فلقد كنت وأنا طفلة على ما يُروى زهرة القرية أمرح في الطرقات وقد تيتمت من أمي وربما أيضاً من أبي، وما كان يعود إلا آخر الليل يترنّح من السُكر، وكان شديد القسوة معي حتى إذا ما بلغت سن الخامسة عشرة، وأنا أجمل فتيات الناحية فررت إلى هذا المصنع. أما أولئك الفنانون فانتهزوا فرصة احتياجي وبؤسي فعبثوا بطهارتي، ولكنهم مع ذلك لم يهتدوا إلى طريق قلبي ولا تركوا في نفسي من الأثر غير الحقد واللعنة، فهذا القلب ما كان لهم يوماً ما فحطّمه إن شئت فانه لك.
حنا - وما هذه الرزمة المخبأة.
فنى - (تصرخ متألمة) لا إلا هذه يا حنا.
حنا - وما الفرق بينها وبين أخواتها.
فنى - حنا. دعني أحرقها. أتوسل إليك.
حنا - إنك تحيرينني.
فنى - قلت لك دعها (تحاول اختطافها فيتغلب عليها) إذن ليكن ما يكون.
حنا - (متهكماً) طابع السجن! (ينظر إلى الإمضاء) فرومان! فرومان المزور؟
فنى - بل فرومان القدير. أما التزوير فما يعيبه، وما دفعه إليه غير فقره.
حنا - (باحتقار) إنه مجرم.
فنى - (متلطفة به) بيبي.
حنا - (يستيقظ غضباً) هذه الكلمة كنت تداعبين بها أيضاً ذلك اللص.
فنى - ليكن، ولكن مالك به وأنا لك.
(يتبع)
محمود خيرت
стр. 5113
الكتب
صلاح الدين الأيوبي
لمؤلفه الأستاذ محمد فريد أبو حديد
بقلم عبد الحميد حفني الشواربي
لجنة التأليف والترجمة والنشر، هي بلا ريب في مقدمة الجمعيات العلمية الحديثة، التي ساهمت - إلى حد كبير - في النهوض العلمي والإنتاج الفكري في الشرق العربي، الذي يقاسي فوق فقره المادي من أثر الاستعمار الأوروبي فقراً أشد فتكاً وأبعد خطراً، هو غزو اللغات الأجنبية له، فقامت هذه اللجنة في جهد الجبابرة، تنشر وتترجم وتؤلف بلسان عربي في مناح مختلفة في الفلسفة والعلوم والآداب والاجتماع.
والذي يحز في قلوبنا وينال من إحساسنا القومي، أن تنهض هذه الجمعية على أكتاف أفرادها، دون أن نمكن لها من مال الدولة أو الأمة بالقدر الكافي، أو ما يوازي على الأقل ما حصلت عليه الجمعيات العلمية الأجنبية مع ما فيها من مكمن الخطر التبشيري وما تحمله من نزعات الشر والكراهية لمصر والمصريين.
هذه الجمعيات قد منحت من أملاك الدولة، في الصميم من قلب المدينة وخير بقاعها، فضلاً عما تمدها به حكوماتها وشعوبها، بينما ترى مركز لجنة التأليف والترجمة والنشر، في ركن متواضع من أركان بيت ضج بالسكان، أو المرضى من الناس في شارع الساحة. هذا فضلاً عن حرمانها من امتيازات لو منحتها لدرت من أنواع الثقافات أفضلها وأعظمها قدراً.
وأذكر أن المرحوم ثروت باشا قد أشار إلى وجوب إصدار سلسلة معارف عامة تعين على ثقافة الشعب، فكانت هذه اللجنة هي أول من لبى أمنية وزير مصر الكبير.
وكان أستاذنا النابه (محمد فريد أبو حديد) أول من وقع اختيار اللجنة لرسالته كسلسلة معارف عامة في صلاح الدين الأيوبي. والمؤلف غني عن التعريف لولا ما تأخذنا به أصول التحليل والنقد. فهو أستاذ تخرج في المعلمين العليا، وفي مدرسة الحقوق المصرية، وتقلب في مناصب عدة في التعليم الثانوي، على أن هذه العناوين ليست كل شيء في
стр. 5114
الرجل، فإن كثيرين قطعوا مراحل التعليم منفعلين لا فاعلين، ومروا بها مر امتحانات متأثرين لا مؤثرين، ولكن هذا الرجل وقد عاشرته عن كثب - تجد فيه الابن المصري البار الذي كلف نفسه حمل رسالة النهضة من وجهتين: أخلاقية وعلمية - ليؤديها إلى الناس في نفس كبيرة وجسم ضئيل.
وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مرادها الأجسام
أنظر إليه وهو يلقي عليك هذا السؤال في مؤلفه صلاح الدين ما الحياة؟ فانك لتستشف من جوابه على هذا السؤال ناحية أبية من نواحي النفس المصرية النادرة، أو قليلة العدد على الأقل، التي يغتبط بوجودها، بل ويفتقر إليها المجتمع المصري، وهاك جوابه: (أليست تلك الأنفاس التي تتردد في تلك الفترة المحتومة ما بين واجب البلاد وواجب الموت؟ ألا إنها فترة مملة مسئمة إذا لم يكن بها ما يهز النفوس).
ثم هاك كتابه وقد تناول بالبحث الشيق بطلاً من أبطال العالم الإسلامي تقف فيه على خير عصر من عصور التاريخ عانى من غشاوة الجهل والتعصب التي اكتنفت أوروبا في القرون الوسطى. وترى كذلك كيف تكون السياسة الحكيمة يمليها رجل الشرق فترتفع الحواجز وطلاسم الحياة التي بيننا وبين أية أمة بالغة ما بلغت من العظمة والسلطان، اسمعه يقول في تقدير صلاح الدين (والناس إذا تولى أمرهم عظيم تساموا إلى مستوى عظمته فأتوا بالعجب) وهاكم رجل الساعة مصطفى كمال مصداق لما ذهب إليه المؤلف الجليل. والكتاب في جملته وتفصيله حافز للهمم دافع للعزم الصادق في نفوس شباب طغت به مدنيات الاستعمار حتى ماع، وبهره سراب خلّب حتى هوى واستسلم إلا من عصم ربك، فبعث فينا من يعاني النظر في أمراضنا والبحث في وسائل علاجها.
ولولا مغالاة المؤلف في أسلوبه العلمي وتوخيه البحث على نمط مدرسي وهو يكتب للشعب، لكان مؤلفه قد بلغ الغاية وأوفى حتى انتهى إلى درجة الكمال. ولكم نشكره على جهده وما بذل في وسط كوسطنا المصري يعاني ذكرى مؤلمة لمجدنا السالف، ومحنة راهنة بسبب فقرنا العلمي.
قليوب البلد
عبد الحميد حفني الشواربي
стр. 5115
يوم ١١ يوليو سنة ١٨٨٢
للدكتور محمود النشوي
استقبلت صباح اليوم وهو ينبلج عن عامل البريد يزدلف نحوي ويحمل بين أعطافه هدية ثمينة، بل منة خالدة من الأمير الأكبر (عمر باشا طوسون) تلك هي كتابه الذي طوق به جيد مصر وأسماه (يوم ١١ يوليه سنة ١٨٨٢) ولم أكد أتصفحه حتى ذكرت الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية مشرع الترجمة ومبتكرها في الأمة العربية وإبان فجر المدنية الإسلامية. ثم انتقلت بي الذاكرة إلى أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وجالت في خيالي صورته وهو يهيب بالإمام مالك رضوان الله عليه أن يؤلف الموطأ فيأبى، ثم يرضى متأثراً بإلحاح المنصور. ثم يرسم له خطة التأليف حتى يقول إمام دار الهجرة لقد علمني المنصور التأليف.
ثم تذكرت الرشيد ومجالسه الأدبية وشعره الرقيق. وانتقل بي الخيال إلى المأمون وحدبه على العلماء وعلى العلم. وتفرده بكثير من مسائله ثم ذكرت قابوس بن وشكمير وشعره العالي الرصين، وعضد الدولة بن بويه، وسيف الدولة الحمداني، وأبا فراس بن عمه. وتلك الحلقة من الأدباء والشعراء والمؤلفين التي كانت تحف بهؤلاء الملوك والأمراء فتستمد منهم ومن مشاركتهم في الشعر والعلم روحاً تبعثها للأمة قوة ونهوضاً. ذكرت ذلك كله، وعهداً ساهم فيه الأمراءوالملوك في العلم. فكان عصر العلم وكان عصر النهوض. وعلمت أن مؤلفات الأمير هي تباشير الصباح، وبواكير النهضة العلمية في مصر وفي غير مصر.
. . وإنك لتواجهك الوطنية المخلصة في كل حرف من حروف كتاب الأمير الجليل حتى في اسم الكتاب، وفي مقدمته.
فاسم الكتاب يذكر باليوم المشؤوم. يوم الاحتلال. ومقدمته لا أصفها. بل أذكر فقرات من أولها. وأدعها توحي للقارئ بالغيرة على الوطن. وبالتفاني في حب مصر. فاستمع للأمير الجليل حين يقول.
(يقبل علينا شهر يولية في كل سنة فيذكرنا باليوم الأسود يوم ١١ يوليه ذلك اليوم الذي
стр. 5116
داست فيه إنكلترا المعاهدات الدولية وتعلقت بأوهى الأسباب. وضربت مدينة الإسكندرية فاقترفت بذلك سبة الاعتداء على أمة لم يكن بينها وبينها إلا السلام واجترحت إثم التهجم على بلاد لم تناوئها الحرب. ولم تبادئها بالعدوان والخصام). ثم نراه يرسل زفرة الأسى محيياً أبطال مصر وضحايا يوم ١١ يوليه فيقول (فحيا الله أولئك الأبطال الذين راحوا ضحية الدفاع عن الأوطان، وتغمدهم برحمته ورضوانه)
وكذلك ترى حدب الأمير على مصر يحدو به أن يذكر شهادة الأعداء ببطولة مصر فيحدثنا عن الماجور تلك أنه دهش من بطولة جنود مصر حتى وثب إلى حافة السفينة ورفع يده قائلاً: لقد أجدت العمل أيها الجندي المصري.
ثم يروى عن الأميرال سيمون قائد الأسطول إذ يقول في تقرير يرفعه إلى سكرتير الأميرالية (ولقد قاتل المصريون قتال الأبطال بأقدام ثابتة). ثم يختم أميرنا الجليل شهادة الأعداء لأبطال مصر بالأسف على الشهداء، وعلى الوطن فيقول ﵏ وعزانا وعزى هذا الوطن الأسيف) ذلك قل من كثر. وغيض من فيض من الوطنية في كتاب الأمير.
وإن في الكتاب من وراء ذلك لضبطاً ونقلاً عن مصادر لا تلين قناتها لغير الأمير حين يعتمد دار المحفوظات المصرية، وحين ينقل عن تقرير القائد الأمريكي (جون دريتش) الذي قدمه لحكومته، ثم نرى الأمير ينقل عن الإثبات، فيروى عن ابن عبد الحكم مما ذكره في كتابه (فتوح مصر)، وعن خليل شاهين الظاهري مما سطره في كتابه (كشف الممالك)، وعن صاحب الخطط التوفيقية، وغير هاتيك المراجع التي ذكرها الأمير وذكر صفحاتها، فأرانا كيف يكون الضبط، وكيف يكون البحث العلمي الدقيق. فلتهنأ الأمة بأميرها.
وليهنأ العلم بمؤلفات الأمير.
محمود النشوى
دكتور في الآداب
стр. 5117
العدد ٦١ - بتاريخ: ٠٣ - ٠٩ - ١٩٣٤
стр. 5118
الأخلاق والتشريع
إذا كان الصيف موسم التنزه والاستحمام وجوب الشواطئ، فهو أيضاً موسم التحدث عن الأخلاق. ففي كل صيف يتجدد لدينا حديث الأخلاق وانحلالها، وما تجنيه عليها مناظر الاستحمام والعري المثيرة؛ وقد بلغت هذه المناظر على شواطئ الإسكندرية فيما يظهر حداً مزعجاً من التبذل والتهتك، وأثارت عاصفة شديدة من الاحتجاج والسخط، وارتفعت الصيحة بوجوب وضع حد لهذه الإباحة الخطرة؛ فاهتمت الحكومة وتدخلت إدارة الأمن العام، ووضعت قيوداً جديدة على الاستحمام والنزه البحرية والركوب أو الجلوس بملابس البحر، تحقق في نظرها مستوى معيناً من الحشمة والحياء والصون
وثار أيضاً حديث الأفلام والمناظر السينمائية المنافية للحياء، وانتهى إلينا صدى تلك الحملات القوية التي تنظم في أمريكا، وتنظمها الكنيسة بالأخص لمحاربة هذه الأفلام والمناظر المثيرة المفسدة لأخلاق النشىء والشباب؛ وقيل بحق إننا في مصر أشد حاجة إلى مقاومة هذا الخطر الأخلاقي؛ فاهتمت لذلك لجنة الرقابة الأدبية، واقترحت على وزارة الداخلية أن تشدد الرقابة على الأفلام المصورة الواردة من الخارج، فأقرت الاقتراح وستعمل لتنفيذه.
وهكذا كلما ارتفعت الشكوى من خطر على الدين أو الأخلاق، اتجهت الأنظار إلى الحكومة، وطلب إليها العمل لمقاومة هذا الخطر. والحكومة في مصر هي حامية الدين والأخلاق. والحكومة في جميع الأمم المتمدنة تضطلع بمثل هذه المهمة وتحمل مثل هذه التبعة؛ ولكنها لا تنفرد بتأدية هذا الواجب، وإنما تقوم به إلى جانب القوى المعنوية والاجتماعية الأخرى، وتمد إليها يد العون متى احتاجت. أما في مصر فالمفروض أن الحكومة تقوم في هذا السبيل بكل شيء، وتحمل كل تبعة، وعليها وحدها يقع عبء التقويم والإصلاح
وليس هنا مقام التحدث عن أسباب هذه الظاهرة، وإن كان وجودها طبيعياً في بلد تقبض حكومته على جميع السلطات، وتسيطر على جميع الحريات والقوى المادية والاجتماعية؛ ولكنا نتساءل فقط: هل يكفي تدخل الحكومة لدرء الشر، أو بعبارة أخرى هل يعتبر التشريع وسيلة ناجمة لتقويم الأخلاق؟ لقد اعترض بعض النقدة حينما فرضت الحكومة تلك القيود الجديدة على ملابس البحر والنزه البحرية، وقالوا إن الأخلاق لا تقوم بالتشريع، وإن
стр. 5119
تيار الفساد أقوى من أن تحده مثل هذه القيود. وربما كان ذلك حقاً في ذاته؛ فالتشريع وحده لا يكفي لقمع الفساد وتقويم الأخلاق، بل يجب أن تتضافر معه جميع القوى والعناصر التهذيبية الأخرى، في البيت والأسرة والمدرسة والمجتمع، ولكن التشريع لابد منه في بلد تسيطر الحكومة فيه على كل شيء: على التعليم والتربية، وتكوين التفكير والأخلاق؛ وتنظيم المجتمع، والتشريع أول وأهم خطوة في بلد لم يستكمل نضجه في التهذيب والثقافة، وفي بلد تغزوه أسفل عناصر المدنية الغربية؛ وفي مجتمع لا يفهم التمدن إلا بأنه اقتباس للخلال والأزياء الغربية الخليعة، والانحدار إلى مهاوي التهتك، وإهدار قواعد الحياء والحشمة، والانغماس في شر ما تنغمس فيه العناصر الأجنبية الوضيعة.
وحيثما يسري الفساد إلى مجتمع ضاع فيه وازع التربية والحياء والأخلاق، وجب أن يمثل وازع التشريع والإكراه، ونريد هنا التشريع الحكيم النزيه المبني على دراسة عميقة وتمحيص مستنير. نعم إن التشريع لا يحدث أثره سراعاً، ولكنه يذلل الطريق دائماً للغاية المثلى، وفي جميع الأمم الغربية يتخذ التشريع وسيلة لحماية الأخلاق وتقويمها؛ ففي إنكلترا قوانين لحماية الأحداث من خطر ارتياد المقاهي والملاهي منفردين ولحماية أخلاقهم في المصنع؛ وقد لجأت الفاشية في إيطاليا إلى التشريع لمعالجة الفساد الأخلاقي الذي بثته فوضى ما بعد الحرب إلى كل طبقات المجتمع، فأصدرت قوانين عديدة لمحاربة الخلاعة والتهتك ومطاردة الملاهي المبتذلة، وتناول التشريع أزياء المرأة فحتم أن تكون ذات طول معين؛ ورُدت المرأة الإيطالية بقوة التشريع إلى الأسرة والمنزل، وحملت على تقديس الزواج والأمومة، واحتقار الإمعان في التبرج واللهو الخليع؛ وحذت الوطنية الاشتراكية في ألمانيا حذو الفاشية في ذلك، فلجأت إلى التشريع في مطاردة الفساد الأخلاقي والملاهي المبتذلة، وأُغلقت مئات الحانات والمنتديات المريبة في برلين وغيرها، ورُدت المرأة الألمانية إلى حظيرة الأسرة، وبوعد بينها وبين العمل الخارجي جهد الاستطاعة، إلى غير ذلك من الوسائل والإجراءات التي أريد منها صون الأخلاق بعد ما وصلت إلى أبعد حدود الانحلال، ورفع مستوى الحياء والحشمة بعد أن هبط إلى الدرك الأسفل.
وفي تركيا الكمالية، كان التشريع وسيلة التحرير والتمدن، فلما طغى سيل الفساد الأخلاقي في مجتمع لم ينضج بعد لمثل هذا الإغراق والتطرف، عادت حكومة أنقرة فلجأت إلى
стр. 5120
التشريع أيضاً لكبح جماح ما أطلقت عنانه بادئ بدء، وحماية النشء والشباب من الاندفاع في حريات لم يألفوها، وكانت وبالاً على أخلاقهم ونفوسهم.
والخلاصة أننا لا نعترض على التشريع في ذاته كوسيلة لحماية الأخلاق والآداب؛ فلنا في ذلك أسوة بكثير من الأمم الغربية ذات الأخلاق والمدنية؛ وما دمنا نخضع لمثل هذه الظروف والنظم، فلا مناص من الالتجاء في الإصلاح إلى وسائل الإكراه؛ ولكن الذي نعترض عليه حقاً هو أن هذه القوانين التي توضع لمعالجة هذه الشئون ليست دائماً على جانب كبير من الحكمة والاتزان، ولا تقوم دائماً على نزاهة القصد والغاية؛ وإنما توضع في الغالب لتهدئة بعض الحملات المزعجة، ومعالجة بعض الحالات المؤقتة، والتماس شيء من المديح والرضى.
(ع)
стр. 5121
تربية لؤلؤية
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
كتبتْ إليّ سيدة فاضلة بما هذه ترجمتهُ منقولاً إلى أسلوبي وطريقتي:
. . . أما بعد فهذا الذي كنا ظننا وظنت، فاقرأ الفصل الذي انتزعته لك من مجلة. . . وستعرف منه وتنكر، وترى فيه النهار مبصراً والليل أعمى. . . وتجد فتاةَ اليوم على ما وقع بها من الظِنّة، وكثر فيها من أقوال السوء - لا تَشْمس على الريبة ولا تريد أن تنتفي منها، بل هي تعمل لتحقيقها، وتبغي مع تحقيقها أن يتعالم الناس ذلك منها، وتريد مع هذين أن يطلقوا لها ما شاءت، ويسوّغوها مقارفة الإثم، ويُقِرُّوها على منكراتها.
أمَا إنه إذا كانت أمهاتنا الجاهلات هنّ أمسنا الذاهب بلا فائدة، فإن فتياتنا المتعلمات هن يومنا الضائع بلا فائدة، غير أن الجاهلة لم تكن تَكْسَد ومعها الفضيلة، فأصبحت المتعلمة لم تكد تَنْفُق ومعها الرذيلة، ولَتَاجرٌ أمّيّ طاهر الاسم تتحرك سوقُه وتحيا، خير من تاجر متعلم نجس الاسم قد ماتت سوقه وخمدت، فما نتنفّس من درهم ولا دينار.
لقد احتذينا على مثال المرأة الأوربية، فلما أحكَمَتْه المتعلمات مناكن بين الشرق والغرب كالسَّبِخَةِ النشّاشة من الأرض، طرف لها بالفلاة وطرف بالبحر؛ فهي رمل في ماء في ملح، لا تُخْلُص لفساد ولا صحة، فاعتبر هذه وهذه فستجدهما بحكاية واحدة، أصلاً وطبق الأصل.
وقرأت الفصل الذي أومأت إليه السيدة وكان في كتابها فإذا هو لكاتبة تزعم (أنها ممن رفعن علم الجهاد لحرية المرأة) وإذا في أوله: (كتبت آنسة أديبة في عدد سابق من. . . الأغر تقول: (أجل، لنفتش عن هذا الرجل كما يفتشون هم عن المرأة، فإن أخطأناهم أزواجاً فلن نخطئهم أصدقاء. . .) وكتب بعد هذا أديب فاضل، كما كتبت آنسة فاضلة ينحيلن (كذا) هذا المنحى ويطرقان نفس السبيل (كذا) التي اختطتها الآنسة الجريئة في غير حق، الثائرة في نزق. ثم قالت بعد ذلك: (قرأت مقال الآنسة الثائرة في حيوية صارحة. . . . فجزعت لأن قاسم أمين عندما رفع علم الجهاد من أجل حرية المرأة، وولى الدين يكن عندما جاهر بعده في سبيل السفور، وهدى شعراوي عندما رفعت صوتها عالياً تطالب بحرية المرأة - ما ظنت وما ظن واحد من هذين الرجلين أن ثورة المرأة ستتطور
стр. 5122
إلى حد أن تقف آنسة مهذبة تكشف عن رأسها تبكي وتستبكي سواها معها من أجل الزواج. . .)
وأنا فلست أدري والله ممَّ تعجب هذه الكاتبة وإني لأعجب من عجبها وأراها كالتي تكتب عبثاً وهزلاً وهويني مُظهرة الجد والقصد والغضب. أئن أطلق للنساء أن يثرن كما تقول الكاتبة، وجاهد فلان وفلان في هذه الثورة فأخذت مأخذها، فانطلقت لشأنها، فأوغلت في حريتها، فامتد بها أمدها شوطاً بعد شوط - ثم جاء خُلُقٌ من أخلاق المرأة يسفر سفوره ويرفع الحجاب عن طبيعته ثائراً هو أيضاً في غير مداراة ولا حذق ولا كياسة يريد أن يقتحم طريقه ويسلك سبيله، ثم وقف على رغمه في الطريق منكسراً مما به من اللهفة والوثبة يتوجع، يتنهد، يتلذّع بهذه المعاني وهذه الكلمات - أئن وقع ذلك جاءت كاتبة من كاتبات السفور تقول للمرأة: جرى عليك وكنتِ حرة، وتزعزعت وكنت طاهرة. أفلا تقول لها: سفرت أخلاقك إذ كنت سافرة بارزة، وضاع حياؤك إذ كنتُ مُخلاة مهملة، وغلوت إذ كنت في المبالغة من البدء. أفلا تقول لها: لقد تلطفت فجئت بالمعنى المجازي لكلمة (العُرى) ولقد أبدعت فكنت امرأة ظريفة اجتماعية مخيلة للشعر والفن، وحققت أن واجب الظريفة الجميلة إعطاءُ الفن غذاءً من، ومن ومن لحمها. . . .
نعم إن قاسم أمين ﵀ لم يكن يظن. . ولكن أما كان ينبغي أن يظن أن بعض الصواب في الخطأ لا يجعل الخطأ صواباً؟ بل هو أحرى أن يلبسه على الناس فيُشبهه عليهم بالحق وما هو به، ويجعلهم يسكنون إليه ويأمنون جانبه فينتهي بهم يوماً إلى أن ينتسف خطؤه صوابه، ويغطي باطله على حقه، ثم تستطرق إليه عوامل لم تكن فيه من قبل، ولا كانت تجد إليه السبيل وهو خطأ محض، فتمد له في الغي مداً. ثم تنتهي هي أيضاً إلى نهايتها، وتؤول إلى حقائقها؛ فإذا كل ذلك قد داخل بعضه بعضاً، وإذا الشر لا يقف عندما كان عليه، وإذا البلاء ليس في نوع واحد بل أنواع.
ما يرتاب أحد في نية قاسم أمين، ولا نزعم أن له حفِيّة سوء أو مُضمَر شر فيما دعا إليه من تلك الدعوة، ولكني أنا أرتاب في كفايته لما كان أخذ نفسه به، وأراه قد تكلّف مالا يُحسن، وذهب يقول في تأويل القرآن وهو لا ينفذ إلى حقائقه ولا يستبطن أسرار عربيّته، وكان مناظروه في عصره قوماً ضعفاء فاستعلاهم بضعفهم لا بقوته، وكانت كلمة الحجاب
стр. 5123
قد انتفخت في ذهنه بعد أن أفرغت معانيها الدقيقة، فأخذها ممتلئة وجاء بها فارغة، وقال للنساء غَيّرن وبدّلن؛ فلما أطعنه وبدّلن وغيّرن، وجاء الزمن بما يفسر الكلمة من حقائقه وتصاريفه لا من خيالات المتخيّل أو المتشيّع - إذا معنى التغيير والتبديل هو ما رأيتَ، وإذا الحجاب الأول على ضلاله كان نصف الشر، وإذا المرأة التي ربحت الشارع هي التي خسرت الزوج! وإذا تلك الدعوة لم تكن نفياً للحجاب عن المرأة، ولكن نفياً للمرأة ذاتِها وراء حدود الأسرة كأنها مجرمة عوقبت على فساد سياستها؛ وهي في بيتها، ولكنها مع ذلك منفية من مستقبلها.
كانوا يحتجون لنفي الحجاب بالفلاّحات في سفورهن؛ وغفلوا أقبح الغفلة عن السبب الطبيعي في ذلك، وهو أن السفور إنما عمّهنّ من كونهن لسن في المنزلة الاجتماعية أكثر من بهائم إنسانية مؤنثة. ومثل هذا السفور لا يكون على طبيعته تلك إلا في اجتماع طبيعي فطري أساسه الخلط في الأعمال لا التمييز بينها، والاشتراك في شيء واحد، هو كسب القوت لا الانفراد بما فوق ذلك من أشياء النفس.
ولست أرى هذه اللجاجة، أو (الحيوية الصارخة) التي ثارت بفتياتنا - إلا تمرداً من طبيعتهن على الأحوال الظالمة المتصرفة بها؛ ويحسبنه توسعاً من الطبيعة في الحرية، وطلباً للعالم كله بعد الشارع، وللحقوق كلها بعد نبذ الحجاب؛ وهو في الحقيقة ليس إلا ثورة الطبيعة النسوية على خيبتها مما أصابت من الحرية والشارع والعالم والحقوق، ورغبة منها في أن تُحدّ بحدودها ويُؤخذ منها العالم كله بما فيه، وتُعطَى البيت وحده بما فيه.
إذا أنت كشفت جذور الشجرة لتطلقها بزعمك من حجابها وتخرجها إلى النور والحرية فإنما أعطيتها النور، ولكن معه الضعف؛ والحرية، ومعها الانتقاض؛ وتكون قد أخرجتها من حجابها ومن طبيعتها معاً؛ فخذها بعد ذلك خشباً لا ثمراً، ومنظرَ شجرة لا شجرة! لقد أعطيتها من علمك لا من حياتها، وجهلت أنها من أطباق الثرى في قانون حياتها، لا في قانون حجابها. أفليست كذلك جذور الشجرة الإنسانية؟
كل ما يتغير يسهل تغييره على من شاء، ولكن النتائج الآتية من التغيير لا تكون إلا حتماً مقضياً كما يُقضى فلن يسهل تبديلها، ولا تحويلها ولا رَدّها أن تقع. وقد أخطأ جماعة السفور، بل أنا أقول: إنهم جاءونا بالجاهلية الثانية، وإنهم طبّو للمرأة المسلمة كذلك الطبّ
стр. 5124
الذي أساسه الرائحة الذكية في البخور. . .!
وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاءُ سعرها في الاجتماع، وصونُها من التبذل الممقوت لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم؛ قانون العَرض والطلب والارتفاعُ بها أن تكون سلعة بائرة ينادَى عليها في مدارج الطرق والأسواق: العيون الكحيله، الخدود الوردية، الشفاه الياقوتية، الثغور اللؤلؤية، الأعطاف المرتجّة، اليهود الـ. . الـ. . أو ليس فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذُ الحجاب إلى هذه الغاية، وأصبحن إن لم ينادين على أنفسهن بمثل هذا فإنهن لا يظهرن في الطرق إلا لتنادى أجسامُهن بمثل هذا؟ وهذه التي كتبت اليوم تطلبهم مخادنين إن أخطأتهم أزواجاً، وتفتّش عليهم تفتيشاً بين الزوجات والأمهات والأخوات! هل تريد إلا أن تثب درجة أخرى في مخزيات هذا التطور، فتمشي في الطريق مشي الأنثى من البهائم طموحاً مطروقة، تذهب عيناها هنا وههنا تلتمس من يخطو إليها الخطوة المقابلة. . .
ما هو الحجاب الشرعي إلا أن يكون تربية عملية على طريقة استحكام العادة لأسمى طباع المرأة واختصها الرحمة؛ هذه الصفة النادرة التي يقوم الاجتماع الإنساني على نزعها والمنازعة فيها ما دامت سنة الحياة نزاعَ البقاء، فيكون البيت اجتماعاً خاصاً مسالماً للفرد تحفظ المرأة به منزلتها، وتؤدي فيه عملها، وتكون مغرساً للإنسانية وغارسة لصفاتها معاً.
لقد رأينا مواليد الحيوان تولّد كلها: إما ساعية كاسبة لوقتها، وإما محتاجة إلى الحضانة وقتاً قليلاً لا يلبث أن ينقضي فتكدح لعيشها؛ إذ كانت غاية الحيوان هي الوجود في ذاته لا في نوعه، وكان بذلك في الأسفل لا في الأعلى. غير أن طفل المرأة يكون في بطنها جنيناً تسعة أشهر؛ ثم يولد ليكون معها جنيناً في صفاتها وأخلاقها ورحمتها أضعاف ذلك سنة بكل شهر. فهل الحجاب إلا قصرُ هذه المرأة على عملها لتجويده وإتقانه وإخراجه كاملاً ما استطاعت؛ وهل قصرها في حجابها إلا تربية طبيعية لرحمتها وصبرها، ثم تربية بعد ذلك لمن حولها برحمتها وصبرها؟
أعرف معلمة ذات ولد، تترك ابنها في أيدي الخدم بعد وصاة علمية سيكولوجية. . وتمضي ذاهبة عن يمين الصباح ويمضي زوجها عن شماله. . وقد رأيت هذا الطفل مرة فرأيته شيئاً جديداً غير الأطفال، له سمة روحانية غير سماتهم، كأنما يقول لي إنه ليس لي أب
стр. 5125
وأم، ولكن أب رقم (١)، وأب رقم (٢). .
وقد كنت كتبت كلمة عن الحجاب الإسلامي قلت فيها: (ما كان الحجاب مضروباً على المرأة نفسها، بل على حدود من الأخلاق أن تجاوز مقدارها أو يخالطها السوء أو يتدسس إليها؛ فكل ما أدى إلى هذه الغاية فهو الحجاب، وليس يؤدّي شيء إلا أن تكون المرأة امرأة في دائرة بيتها، ثم إنساناً فقط فيما وراء هذه الدائرة إلى آخر حدود المعاني.)
وهذا هو الرأي الذي لم ينتبه إليه أحد، فليس الحجاب إلا كالرمز لما وراءه من أخلاقه ومعانيه وروحه الدينية المعبديّة وهو كالصدفة لا تحجب اللؤلؤة ولكن تربيتها في الحجاب تربية لؤلؤية؛ فوراء الحجاب الشرعي الصحيح معاني التوازن والاستقرار والهدوء والإضطراد وأخلاق هذه المعاني وروحها الديني القوي الذي ينشئ عجيبة الأخلاق الإنسانية كلها؛ أي صبر المرأة وإيثارها. وعلى هذين تقوم قوة الدافعة، وهذه القوة هي تمام الأخلاق الأدبية كلها، وهي سر المرأة الكاملة؛ فلن تجد الأخلاق على أتمها وأحسنها وأقواها إلا في المرأة ذات الدين والصبر والمدافعة. إنها فيها تشبه أخلاق نبي من الأنبياء.
وقد مُحق الدين والصبر، وتراخت قوة المدافعة في أكثر الفتيات المتعلمات، فابتلين من ذلك بالضجر والملل، وتشويه النفس؛ ووقع فيهن معنى كمعنى العفن في الثمرة الناضجة؛ وجهلن بالعلم حتى طبيعتهن فما منهن من عرفت أن طبيعتها سلبية في ذاتها، وأنه لا يشدّها ويقيمها إلا الصفات السلبية، وملاكها الصبر فروعه وأصوله، وجمالها الحياء والعفة، ورمزها وحارسها والمعين عليها هو الحجاب وحده. إنه إن لم يكن في المرأة هذا فليست المرأة إلا بهذا.
وما تخطئ المرأة في شيء خطأها في محاولة تبديل طبيعتها وجعلها إيجابية، وانتحالها صفات الإيجاب، وتمردها على صفات السلب كما يقع لعهدنا، فإن هذا لن يتم للمرأة، ولن يكون منه إلا أن تعتبر هذه المرأة نقائض أخلاقها من أخلاقها كما نرى في أوربا، وفي الشرق من أثر أوربا. فمن هذا تلقى الفتاة حياءها وتبذؤ وتفحش، إن لم يكن بالألفاظ والمعاني جميعاً فبالمعاني وحدها، وإن لم يكن بهذه ولا بتلك فبالفكر في هذه وتلك؛ وكانت الاستجابة لهذا مافشا من الروايات الساقطة والمجلات العارية؛ فإن هذه وهذه ليست شيئاً إلا أن تكون علم الفكر الساقط.
стр. 5126
وعادت الفتاة من ذلك لا تبتغي إلا أن تكون امرأة رواية؛ إما فوق الحياة، وإما في حقائق جميلة تختارها اختياراً وتفرضها فرضاً على القدر! وتنسى الحمقاء أنها أحد الطرفين، وليست الطرفين جميعاً، فتحاول أن تقرر للحياة الجديدة تأويلاً جديداً لمعاني الشرف والكرامة والعرض والنسب وما إليها؛ فانسلخت من كل شيء، ثم لما أعجزها أن تنسلخ من غريزة الأنوثة طاشت طيشها الأخير فانسلخت من إنسانية الغريزة
أما إن غلطة الرجل في المرأة لا تكون إلا من غلطة المرأة في نفسها، وهي قد أعطيت في طبيعتها كل معاني حجابها؛ فإحساسها محتجب مختبئ أبداً كأنه في أتب وملاءة وبرقع وأفكارها طويلة الحذر لا تبرحها كأنها الحارث الثابت في موضعه القائم بسلاحه على حفظ هذا الجسم الجميل؛ وطول التأمل موكل بها كأن عمله مصاحبة وحدتها لتخفيفها على نفسها والترفيه منها؛ والدنيا حول المرأة بمذاهب أقدارها، ولكن لها دنيا في داخلها هي قلبها تذهب الأقدار فيه مذاهب أخرى؛ وضغطة الحياة طبيعته فيها حتى لا يساورها هم من الهموم إلا صار كأنه من عادتها والتي تمزقها الحياة كلما ولدت لا تكون الحياة إلا رحيمة بها إذا ضغطتها.
فخروج المرأة من حجابها خروج من صفاتها، فهو إضعاف لها، وتضرية للرجال بها، وماذا تجدي عادة الحذر إذا أفسدتها عادة الاسترسال والاندفاع، فيكون حذراً ليكون إغفالاً، ثم يكون إغفالاً ليعهد الزلة والغلطة؛ ومتى رجع غلطةً فهذا أول السقوط ومبدأ الانقلاب والتحوّل. وليس الفرق بين امرأة نفور من الريبة، شموسٍ لا تطالع الرجال ولا تُطمعهم؛ وبين امرأة قرور على الريبة، هلوكٍ فاجرة - إلا حجاب الحذر أسدل على واحدة، وانكشف عن أخرى.
وإذا قرتْ المرأة في فضائلها فإنما هي في حجابها ودينها، وإنما ذلك الحجاب ضابط حريتها الصحيحة، باعتبارها امرأة غير الرجل؛ فهو مسمى بالحجاب لاتصاله بالحرية وضبه لها، ولكن الضعفاء الذين يعرفون ظاهراً من الرأي لا يدركون مذهبه، ولا يحققون ما ينتهي إليه، وينفذون في حكمهم على الظاهر لا على البصيرة - هؤلاء لا يعرفون معنى الحجاب إلا في القماش والكساء والأبنية، كأن حجاب الأخلاق النسوية شيء يصنعه الحائك والباني والمستعبد، ولا تصنعه الشريعة والأدب والحياة الاجتماعية، فهم كما ترى حين
стр. 5127
يأتون بنصف العلم يأتون بنصف الجهل.
لم يخلق الله المرأة قوة عقل فتكون قوة إنجاب، ولكنه أبدعها قوة عاطفة لتكون قوة سلب؛ فهي بخصائصها والرجل بخصائصه؛ والسلب بطبيعته متحجب صابر هادئ منتظر، ولكنه بذلك قانون طبيعي تتم به الطبيعة.
وينبغي أن يكون العلم قوة لصفات المرأة لا ضعفاً، وزيادة لا نقصاً؛ فما يحتاج العالم إذا خرج صوتها في مشاكله أن يكون كصوت الرجل صيحة في معركة، بل تحتاج هذه المشاكل صوتاً رقيقاً مؤثراً محبوباً مجمعاً على طاعته كصوت الأم في بيتها.
أيتها الفتاة، إن صدق الحياة تحت مظاهرها لا في مظاهرها التي تكذب أكثر مما تصدق؛ فساعدي الطبيعة واحجبي أخلاقك عن الرجل، لتعمل هذه الطبيعة فيه بقوتين دافعتين منها ومنك، فيسرع انقلابه إليك وبحث عنك؛ وقد يجد الفاسق فاسقات وبغايا، ولكن الرجل الصحيح الرجولة لن يجد غيرك.
وإنما سفورك وسفور أخلاقك إفساد لتدبير الطبيعة، وتمكين للرجل نفسه أن يُرجف بك الظن ويسيء فيك الرأي، وعقابك على ذلك ما أنت فيه من الكساد والبوار؛ عقاب الطبيعة لمستقبلك بالحرمان، وعقاب أفكارك لنفسك بالألم.
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5128
في الأفق الدولي
حديث الحرب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن الحرب المقبلة، وعن أسبابها المحتملة، وعن مواطن نشوبها والدول التي قد تشترك فيها. وكلما أظلم أفق السياسة الأوربية، وتفاقمت مشكلة من المشاكل، تكرر حديث الحرب، وازداد المتشائمون تمسكاً باعتقادهم في قرب نشوبها. ومنذ أشهر نشهد في جو السياسة الأوربية ما ينذر فعلاً باضطراب العلاقات الدولية وتوترها؛ فمن محالفات سياسية وعسكرية تعقد بين مختلف الدول، ومن اعتمادات مالية ضخمة تقررها معظم الدول لتعزيز قواتها واستكمال أهباتها الحربية، ومن تصريحات سياسية هنا وهناك تحمل على التشاؤم والجزع. ولقد كشفت الأزمة النمسوية التي وقعت منذ أسابيع قلائل من جراء الثورة التي أضرمها دعاة التحريض الألماني لقلب النظام في النمسا والتمهيد لإعلان انظمامها إلى ألمانيا عن مبلغ توتر أعصاب الدول العظمى، وعما يجثم في ثنية المشكلة النمسوية من خطر على السلام الأوربي؛ ولم تحجم إيطاليا في هذا الظرف الدقيق عن حشد جنودها على حدود النمسا الجنوبية استعداداً للطوارئ. فإذا ذكرنا أن الحرب الكبرى أضرمت شرارتها الأولى في تلك المهاد، أي في إمبراطورية النمسا والمجر القديمة، استطعنا أن نقدر طرفاً من العوامل التي تملى بحديث الحرب ونبؤاتها.
على أننا مع تقديرنا لخطر هذه الظواهر المزعجة في سير الحوادث الأوربية، نخشى أن يكون خطر الحرب جاثماً في جهة أخرى غير أوربا القديمة؛ ففي الشرق الأقصى تقع حوادث ذات مغزى خطير؛ وهذا التلاحم المستمر بين اليابان وروسيا يبطن من الخطر على السلام أكثر مما يدلي به ظاهر الحوادث. ولنلاحظ أولاً أن هناك خصومة تاريخية خالدة بين اليابان وروسيا منذ الحرب الروسية اليابانية في سنة١٩٠٤؛ وأن بينهما منافسة قديمة مستمرة مدارها التنازع على النفوذ في الصين واقتسام المصالح الصينية؛ وهما يلتقيان في الصين في مناطق ومراكز في منتهى الأهمية. وفي الأنباء الأخيرة أن حادثاً جديداً قد وقع في منشوريا، وزاد في تحرج العلائق بين البلدين. ذلك أن سلطات منشوكيو (منشوريا) قد قبضت على عدد كبير من الموظفين الروس في الخط الحديدي الشرقي،
стр. 5129
وأنها تتحرش بممثلي روسيا القنصليين. وحكومة منشوكيو كما نعلم هي التي أنشأتها اليابان في منشوريا بعد افتتاحها، وهي التي تسيرها كما شاءت. وليس هذا التصادم هو الأول من نوعه، فقد تكرر مراراً في الفترة الأخيرة، ومصدره دائماً هو النزاع على الخط الحديدي الشرقي. ولكي نعرف أهمية هذا الخط الذي يجمع بين الدولتين المتنافستين، نقول إنه يخترق منشوريا من غربها مبتدئاً من مدينة منشولي، ثم يسير نحو الجنوب الشرقي في قلب منشوريا حتى يتصل بخط (أسوري) الذي يمتد إلى ثغر فلاديفوستك على شاطئ المحيط الهادي. ومنه يمتد فرع إلى الجنوب من هربين ويتصل بخط منشوريا الجنوبي. وقد أنشئ هذا الخط في أوائل القرن الماضي بالاتفاق مع حكومة الصين الإمبراطورية بأموال روسية وفرنسية، وتحملت روسيا أكبر قسط في نفقاته، واشتركت الحكومة الصينية فيه بقسط ضئيل؛ وبع الحرب ادعت حكومة منشوريا بتحريض اليابان على الخط حقوقاً؛ ثم ظهرت اليابان في الميدان واحتلت القسم الشرقي من الخط بحجة حماية مصالحها وحماية الخط من العصابات؛ ولما افتتحت اليابان منشوريا منذ نحو عامين أصبحت تسيطر على الخط الشرقي كله. وكان النزاع قد اشتد بين الروسيا واليابان على شئون هذا الخط الحديدي في سنة ١٩٢٩، ووقعت بين قواتهما بعض المعارك الدموية، وخشي يومئذ أن تقع بينهما الحرب. ولكنهما انتهيا بالاتفاق والتفاهم على شئون الخط ونظامه في مؤتمر عقد بينهما في سنة ١٩٣٠.
ومنذ افتتحت اليابان منشوريا وسيطرت على شئونها، شعرت روسيا أن مصالحها في هذه المنطقة من الشرق الأقصى أضحت مهددة، وأضحى التلاحم مستمراً بينهما. ولروسيا في الخط الحديدي الشرقي مصالح حيوية جداً. لأنه يتصل بخط سيبيريا الكبير، ويقصر أمد المسافة إلى فلاديفوستك، وهو الآن تحت رحمة اليابان. ثم إن حلول اليابان في منشوريا واقترابها بذلك من منطقة النفوذ الروسي في منغوليا، يهدد الروس في هذه المنطقة، ويحول دون التوسع الروسي؛ ولا تخفي السياسة اليابانية مذ وطدت أقدامها في منشوريا أنها تعمل على سحق النفوذ الروسي في تلك الأنحاء؛ ولا تخفي حكومة موسكو من جانبها أنها تحرض على مصالحها ونفوذها في الشرق الأقصى كل الحرص، وأنها دائماً على أهبة لحمياتها بالقوة المادية؛ وروسيا تحتفظ منذ أعوام بقوات كبيرة في منطقة شيتا على مقربة
стр. 5130
من الحدود المنشورية؛ وهي تحيط بمنشوريا من الشرق والشمال والغرب، واليابان تحتفظ في منشوريا بقوات كبيرة وتحتل الخط الحديدي الشرقي كله، وتثبر في وجه موظفي الخط الروس كل الصعاب الممكنة وتعتقلهم من آن لآخر بتهم مختلفة على نحو ما حدث أخيراً. وقد احتجت حكومة موسكو لدى الحكومة اليابانية احتجاجاً شديداً، وطالبت بالإفراج عن رعاياها المعتقلين، ونوهت في مذكراتها بروح العداء الذي تبديه بعض المقامات اليابانية نحو روسيا، وحملت اليابان كل تبعة فيما يترتب على هذه السياسة من العواقب الخطيرة.
ومما يلفت النظر أنه في نفس الوقت الذي يتفاقم فيه النزاع بين اليابان وروسيا إلى هذا الحد، تذاع أنباء عن عقد معاهدة أو تحالف بين اليابان وبريطانيا العظمى. ولهذا الحادث إذا صح مغزى دولي خطير، ذلك أن المنافسة الصناعية والتجارية بين اليابان وإنكلترا بلغت في العهد الأخير مدى بعيداً، واستطاعت اليابان أن تنفذ بتجارتها إلى جميع الأسواق التي تسيطر عليها التجارة البريطانية، وأثارت بذلك في وجه التجارة البريطانية صعوبات فادحة. واستعملت بريطانيا كل نفوذها وسلطانها المادي لمحاربة هذا الخطر؛ فإذا صح أن التفاهم قد عاد بين البلدين، وأنهما سيؤكدان أن هذا التفاهم بمعاهدة سياسية تجارية، أو أنهما قد عقدا بالفعل مثل هذه المعاهدة، فمعنى ذلك أن نوعاً من التوازن الدولي يقوم في الشرق الأقصى، وأن اليابان قد استطاعت بعد عزلتها منذ نحو عامين على أثر حوادث منشوريا وانسحابها من عصبة الأمم، أن تجد حليفة قوية تؤازر سياستها في الشرق الأقصى ضد روسيا. والمعروف أن بريطانيا العظمى هي ألد خصوم روسيا البلشفية، وأشدهم مقاومة لسياستها، وأنها مثل اليابان تخشى دائماً من تقدم نفوذها ودعواتها الثورية في الصين، وتخشى بالأخص من دسائسها في الهند؛ على أن مثل هذا التحالف سيحمل روسيا بالطبع على التماس المعونة من جهة أخرى، والظاهر أن أمريكا هي الدولة التي يمكن أن تميل إلى محالفة روسيا على مقاومة التوسع الياباني؛ والمنافسة شديدة بين أمريكا واليابان على سيادة المحيط الهادي، وقد ظهرت خصومة أمريكا لليابان في العهد الأخير حينما احتجت غير مرة ضد توسعها في الصين وأنذرتها بسوء عواقب هذه السياسة، وظهر تصميم اليابان على تحدي أمريكا وغيرها من دول الغرب حينما أعلنت أنها ستعتبر الصين منذ الآن فصاعداً ميداناً للتوسع الياباني وحده، وأنها ستقاوم كل مجهود تبذله الدول الغربية
стр. 5131
لاكتساب نفوذ جديد في الصين. وعلى ذلك فقد نشهد في القريب العاجل قيام هذا التوازن الخطر في الشرق الأقصى بين الدول ذات الشأن، وقد تتفاقم الحوادث بسرعة، ويضطر البلاشفة أخيراً إلى خوض حرب ما زالوا منذ بعيد يحاولون اجتنابها.
هذا ونرى مثل هذه السحب القاتمة يحلق أفق القارة الأوربية. وصحافة أوربا كلها تفيض اليوم بحديث الحرب، بعد أن كانت منذ أعوام قلائل تفيض بحديث السلام والتعاون الدولي. وقد توارت عصبة الأمم من الميدان وغاضت كل الآمال التي علقت على جهودها في تعزيز السلم؛ ولا يحجم الساسة المسئولون اليوم عن التحدث بوقوع الحرب؛ وأقرب شاهد على ذلك ما صرح به السنيور موسوليني في خطاب ألقاه أخيراً على أثر انتهاء الجيش الإيطالي من تمارينه السنوية، من (إن الشعب الإيطالي يجب أن يكون شعباً عسكرياً لأن بقاء الأمم رهين بقوتها، ومن أنه إذا لم يكن أحد في أوربا يرغب في الحرب، فإن نذير الحرب يرى مع ذلك ظاهراً في الأفق، ومن المحتمل أن تنشب الحرب في أية لحظة، فعلى إيطاليا أن تستعد لحرب اليوم لا حرب الغد؛ ولقد نشأت في أواخر شهر يوليو (يريد حوادث النمسا) حالة تشبه الحالة التي كانت عليها أوربا قبل نشوب الحرب الكبرى، فلبت إيطاليا في الحال دعوة الخطر وأرسلت جنودها إلى الحدود، وقضت بذلك على الأزمة). والسنيور موسوليني سياسي عملي، وقد كانت تلميحاته إلى الحرب تثير منذ أعوام في أوربا كلها عواصف من النقد القارص. ذلك أن أوربا كانت ما تزال يومئذ غارقة في أحلام السلام؛ وكانت الآمال معلقة على مواثيق السلام والتحكيم التي سادت الأفق الدولي حيناً، وظن المتفائلون أنها ستقضي على كثير من أسباب الاحتكاك بين الأمم؛ ولكن الأمم الأوربية تشعر اليوم أنها تعيش في جو من التشاؤم والجزع؛ وقد توالت في العامين الأخيرين أحداث سياسية خطيرة، كقيام الوطنية الاشتراكية في ألمانيا وعملها لأحياء الروح العسكري القديم، وتفاقم المشكلة النمساوية من جراء تهديد ألمانيا بالقضاء على استقلال النمسا، ونشاط السياسة الفرنسية لجمع أمم أوربا الشرقية والوسطى حولها بمعاهدات سياسية وعسكرية، وتفاهم فرنسا مع روسيا واهتمامها بمضاعفة تحوطاتها وأهباتها العسكرية رداً على نشاط ألمانيا العسكري، واهتمام إنكلترا بزيادة تسليحاتها البحرية والجوية، وتصريح المستر بلدوين زعيم حزب المحافظين الإنكليز بأن حدود إنكلترا تمتد
стр. 5132
حتى نهر الراين؛ فهذه كلها أحداث وتطورات ترجع بأوربا إلى عهد ما قبل الحرب، وتثير في أفقها سحباً قاتمة، وتجعلها تشعر بأن تصريحات كالتي يلقيها السنيور موسوليني إنما تعبر عن الحقيقة والواقع.
والخلاصة أن خطر الحرب يجثم في الشرق والغرب معاً. والدول العظمى تعمل كلها لمضاعفة تسليحاتها وأهباتها. ولكن متى تقع الحرب، وفي أي ساحة، ومن أي جانب؟ هذه أسئلة تستحيل الإجابة عنها الآن. وكل ما يمكن قوله أن ما نراه اليوم من توتر أعصاب أوربا يجعل خطر الحرب محتمل الوقوع لأي بادرة أو احتكاك يحدوه التحرش أو سوء القصد، كما دلت عليه تطورات المسألة النمساوية، فلو لم تبادر ألمانيا بوقف تحريضاتهم الثورية وتعديل خطتاه نحو النمسا، ولو دفعت ألمانيا الجرأة إلى حد إرسال الخوارج النمساويين الذين تجندهم في أرضها إلى النمسا، لبادرت إطاليا باختراق الحدود النمساوية، ولتحركت في الحال دول الوفاق الصغير، ووقعت مصادمات يخشى أن تثير حرباً عالمية أخرى. وقد تقع الحرب نتيجة للنزاع الألماني الفرنسي أو الإيطالي الفرنسي، أو نتيجة لما بين إطاليا ويوجوسلافيا من التنافس؛ وقد تقع في الشرق الأقصى بين روسيا واليابان؛ وقد تكون ساحتها الأولى في النمسا أو في ألبانيا أو على حدود الرين. تلك احتمالات تبررها الحوادث والتطورات الجارية، ولكنها لا تخرج عن حد الاحتمالات.
لسنا من المغرقين في التفاؤل أو التشاؤم، ولكنا لا نستطيع أن نؤمن بقول مستر لويد جورج أن الحرب لا يمكن أن تقع قبل عشرة أعوام.
محمد عبد الله عنان
المحامي
стр. 5133
ما هو أدب اليوم؟. . .
للأستاذ كرم ملحم كرم
أدب اليوم رواية وقصة،
فالمنشئون من أي طبقة كانوا لا يعتمدون في معظم مؤلفاتهم على غير الحكاية والرواية، فالفن القصصي هو السائد. وأكثر الأدب بلغوا القمة في إخلاصهم لهذا الفن. ولا بدع، فالرواية محك الأدب. المنشئ البليغ يظهر فيها، والكاتب الركيك السمج يفضح نفسه إذا توكأ عليها.
أكابر الأدب في العالم لجئوا إلى القصة يذيبون فيها بلاغتهم وقوة بيانهم. فما أحجم عنها (فولتير) ولا (جان جاك روسو) ولا (لامارتين) ولا (ألفرد ده موسيه) ولا (فكتور هوجو) ولا (فرنسوا كوبيه) ولا (تولستوي) ولا (أد جار والاس) ولا (كونان دويل)، فكلهم مال إلى القصة يعالجها.
وإذا لم تكن رواية (غرازبيلا) أو رواية (رافائيل) أسمى من شعر لامارتين فهما لا تقلان سمواً عن هذا الشعر. وإذا لم تكن رواية (البائسون) لفكتور هوجو أرفع من منظومة فلقد عادلت هذا المنظوم، ونفحت الشاعر بشهرة فوق شهرته، وزادت في تخليده، وحملت عشاق الأدب الروائي على التحدث عنها في العالم أجمع. فإن شهرة (البائسون) شهرة عالمية لا يجهلها ناد أدبي. وما يقال فيها يقال في (غرازبيلا) و (رافائيل) للامارتين، وفي اعترافات جان جاك روسو. أليست اعترافات جان جاك روسو حكاية من الحكايات وفيها يحدث الرجل عن نفسه؟. . .
نعم لقد تربع جان جاك روسو في (عقده الاجتماعي) في ذروة الفلسفة، على أن (اعترافاته) رفعت من مقامه كأديب، وباتت خالدة كمؤلفه الفلسفي، فمن شاء الوقوف على حياة الرجل فليس له إلا أن يقلب (الاعترافات) فيدرك من هو جان جاك روسو.
و (أناتول فرانس) استاذ الأدب في مطلع القرن العشرين مدين بشهرته لروايته، ومثله بلزاك، وأميل زولا، وموريس بارس، ومارسيل بريفو، وهنري بوردو، ورينه بازان، وبول بورجيه، فإن اعظم أدباء فرنسا لا تقوم شهرتهم على سوى الروايات التي أنشأوها، ومثلهم أدباء إنكلترا وروسيا. فالقصة إذا أساس الأدب العالمي.
стр. 5134
والدين نفسه يقوم على الروايات. فما هو كتاب التوراة، وما هو كتاب الإنجيل، وما هو القرآن؟ أليس للرواية من هذه الكتب الدينية أكبر نصيب؟
وإن تكن التوراة أقدم كتاب تتداوله الأيدي ويتسنى للجميع الاطلاع عليه، جاز لنا القول أنه أول كتاب عرفه العالم مشيد الأركان على القصة. فهو يبدأ بقصة وينتهي بقصة. والكتب الخالدة في معظمها - إذا استثنينا كتب الفلسفة والعلم - كتب قصصية سواء صبت نظماً أو نثراً.
ولا شأن اليوم في المؤلفات الأدبية لسوى المؤلفات القصصية، وهذه الكتب التي تتمتع بالجوائز الضخمة، ولا سيما جائزة (نوبل)، لا تخرج في سوادها الأعظم عن النطاق الروائي.
ولقد جاء الأدب العربي في عهده الأول بما يعجز عنه الغرب من قصص وروايات. فما هي (كليلة ودمنة)، وما هي (ألف ليلة وليلة)، وما هو (عنتر)، بل ما هي (الأغاني)، وما هو (المستطرف)، وما هو (العقد الفريد)، وما هي (نهاية الأرب)؟. . . كلها روايات وقصص: وإن لم تكن كليلة ودمنة غير عربية المولد فهي لم تخلد في سوى النص العربي. وباستطاعة لغة الضاد أن تتبناها، خصوصاً ولها عليها باستبقائها يد بيضاء وما يقال في كليلة ودمنة يقال في ألف ليلة وليلة. فالأدب العربي احتضن ألف ليلة وليلة وتعهدها بالبقاء. ويمكن الإدعاء أنها عربية الوجه واللسان. أما رواية (عنتر) فقد روى أنها من سبك الأصمعي. والأصمعي - ألف رحمة الله عليه - خير من لفق وأختلق، وروى وتحدث، وسرد وأبتكر وأخترع. ولقد أتى بالعجائب وهو في تلك الصحراء الكاوية اللاذعة. فبهر العيون وملك اللباب بغزارة علمه وفرط ذكائه وعذوبة حديثه وفيضان بحره. فانه ليتدفق كالسيل في الحديث عن الأعراب وعشقهم وغرامهم. ويروي حكاياتهم بدقة وإبداع، فيسحر سميعه وجليسه، ويستدر رفد الملوك والعظماء، ويجود بالمعجزات فيقصر عنه المتطاول والمقلد واللاحق، كأن سر الرواية في الأدب العربي القديم لم يفتح على غير الأصمعي.
ولو ظهرت كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة في هذا العهد لكان الأدب العربي سيداً في الفن الروائي، حتى وإن يكن ثمة من يزعم أن الكتابين ليسا من مبتكرات الأدب العربي، فليس من أدب غير الأدب الشرقي يسبح في هذا الخيال الرحيب الخصيب.
стр. 5135
ولا ننسى أن أداء القصة وسياقها في كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة يختلفان كل الاختلاف عن مثلهما في روايات اليوم. فهما جديدان مبتكران لقوة المخيلة فيهما اليد الطولي. ومن المحال أن يوفق فيهما ويهتدي إليهما من لم يكن يحلق في الأفلاك.
واختلافهما عن روايات اليوم يحببانهما إلى عشاق الروايات ويفسحان لهما المقام الأول في الأدب العالمي، ولكن أين من يقوى على توفير ذلك النسيج؟
ربما جهل الأدب العربي يوم طلعت في سمائه (كليلة ودمنة) و (ألف ليلة وليلة) قيمة هذين السفرين. ربما أعرض عنهما وشغف بمقامات الهمذاني والحريري - ومقامات الهمذاني والحريري فن روائي خاص - على أنه اليوم يدرك شأنهما ولا يتنكر لهما بل يفاخر بهما وإن يكن استمدهما من بلاد الهند وفارس كما ذاع وشاع
لقد كان الأدب اليوناني يحفل بهذه الأقاصيص البارزة في كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة. ومن هذا الأدب نهل (لافونتين) في أقاصيصه الفرنسية ذات الشعر الطليق. على أن ثمة من يقول، ويثبت ما يقول، أن (لافونتين) سمع بكليلة ودمنة فاقتبس منها وصاغ تلك الأقاصيص الواقفة في طولها عند الفتر، وإن تجاوزته فإلى الشبر، الملأي بالمغزى الرائع والإرشاد البليغ، فاستعان بالحيوانات على تأذيب الملوك شأن أبن المقفع في كليلة ودمنة. ومما يدل على اقتباس (لافونتين) من كليلة ودمنة أن بين أبن المقفع ولافونتين نحواً من ألف سنة، وأين كان الأدب الفرنسي يوم كان الأدب العربي زاهراً رياناً يناطح السماء؟. .
قد نسمع ممن نحدثه عن كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة أنهما شيء قديم. غير أن هذا القديم لا تخلق جدته. فهو أبداً جديد. وعشاق الروايات وقد ملوا طراز اليوم، وبعضه يشبه بعضاً، يميلون إلى الجديد. وروايات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة مما يجوز أن نسميه جديداً، وإن تكن انبثقت منذ ألف عام.
ولا نكير في أن ثمة خرافات وأساطير، على أن الخرافات والأساطير إذا عرضت على الناس في غناء مزخرف براق وكانت دسمة طيبة أزدردها الناس وهضمتها المعد. وخرافات ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة كالفاتنة الحسناء، وكل ما يعاب على ألف ليلة وليلة المجهولة الأم والأب أنها ركيكة ضعيفة في قالبها، ولو أتفق لها من يصوغها في بيان ابن المقفع لنافست كليلة ودمنة في متانة تعبيرها وصحة مبناها.
стр. 5136
ومما نستدل به على أن كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة يثيران ضجة بعيدة الصوت في الأدب العربي، لو برزوا اليوم إلى النور، ويتربعان في القمة العليا من الفن الروائي، ما يلقيان من غزو الروائيين الأجانب. فكل يوم يرزحان تحت غارة جديدة. وليست رواية (حديقة على العاصي) للكاتب الفرنسي المشرق الديباجة (موريس بارس) غير قبس من ألف ليلة وليلة. وما رواية (الأتلانتيد) لبيير بنوا غير صفحة من صفحات ألف ليلة وليلة. فكأنها مستوحى أدباء الفرنج يسلبونها أطايبها المباحة دون أن يقف في سبيلهم من يقول لهم: ماذا تفعلون؟.
ومع كل احترامنا للتوراة وتقديرنا لها نجرؤ على أن نقارن بينها وبين ألف ليلة وليلة مقارنة صادقة لا ترمي مطلقاً إلى الحط من قدر الكتاب الكريم. إن هي إلا مقارنة أدب بأدب. وكل ما نريد إثباته أن ألف ليلة وليلة أضحت لدى كتاب الغرب أشبه بالتوراة. فكما يغيرون على التوراة يستوحونها يغيرون على ما جادت به علينا شهرزاد الملسانة، أو الثرثارة، التي لا تسكت عن الكلام المباح إلا حين يطلع الصباح.
ولا تقف غارة كتاب الغرب عند ألف ليلة وليلة، بل هم يشنون أبداً الغارة علينا ويستأثرون بكنوزنا ونحن عنهم في غفلة، فلا نراهم إلا يشدون الرحال إلى هذا الشرق، هذا الشرق الحافل بكل غريب، الطافح بالأسرار، المنبثقة منه الأديان، المتصاعدة من معابده روائح البخور تنفثها المجامر الحمراء هذا الشرق القديم في حضارته وهياكله وآلهته، المثقل بالرموز والأشباح والعفاريت، المخيمة عليه حسرات داود وحكمة سليمان، هذا الشرق الراسخة فيه المساجد العالية القباب، والمآذن الناطحة السحاب، والمستوردة فيه المرأة وراء ألف حجاب وحجاب. هذا الشرق مهد الناقة والبعير، المتهادية فيه العمائم والقلانس والطرابيش، المكردسة فيه الذكريات أطباقاً فوق أطباق، من عهد الفراعنة، إلى عهد العبرانيين، إلى عهد الآشوريين، إلى عهد الفرس، إلى عهد العرب، إلى عهد الأتراك.
وعلينا ألا ننسى الصليبيين أموا هذه الديار. ومنذ أقبلوا والغارات علينا تتلو الغارات في الميادين كلها، في السياسة والأدب، فمن غزو إلى استعمار.!
ومن غزاتنا في أدبنا (بيير بنوا) القصصي الفرنسي فهو يفكر اليوم في وضع رواية فصولها جماعة الصليبيين وتدور حوادثها عليهم. فهم أبطالها وسادتها وحجر الزاوية فيها،
стр. 5137
ولبيير بنوا أن يقول في الصليبيين ما شاء. فالقول ذو سعة، مخيلة الكاتب قد تأتيه بالمبتكر، ولكن هل عوّدنا بيير بنوا الابتكار؟. . .
كل ما رأينا من بيير بنوا لا يزيد على كونه مقتبساً، وهذا الاقتباس لا غبار عليه لو عرف الكاتب كيف يتلاعب به ويمنحه من قوة الخيال والجمال ما يرفع من شأنه ويزيد في قدره، أما أن يكتفي بالاقتباس دون أن يضيف إليه الابتكار المورق السمين فأي عمل أتاه؟. . .
وبيير بنوا ليس من المبتكرين في إنشائه ولا حوادث روايته فهو من الطبقة الوسطى في الروائيين، وفي طبقة دون الوسطى في المنشئين، حتى وإن يكن يكتب باللغة الفرنسية. فليس كل ما يكتب باللغة الفرنسية وبسائر اللغات الحية بليغاً عالي الديباجة باقياً على ممر الأيام. فكل لغة حافلة بالمبتذل السخيف. كل لغة يتلاشى منها معظم ما يكتب الكاتبون وينشر الناشرون. ولا يخلد من ثمار القرائح غير جزء من عشرة آلاف جزء. وإذا بقي شيء من مواليد (بيير بنوا) الأدبية، فلا ريب بأن روايته (ربة قصر لبنان) - وقد استمدها من لبنان - ليست بذلك الجزء الباقي، فهي تحت رحمة الفتاء، وربما استطعنا أن ننعاها منذ الآن.
قد تبقى منه رواية (الاتلانتيد)، على أن رواية (الاتلانتيد) من سرقاته لا يمكن من مبتكراته. وكل تفننه فيها أنه انتقل بها إلى أفريقيا، إلى الصحراء، إلى تلك الديار القاحلة العجراء. وماذا يقال عنه فيها؟. . . يقال إنه صاحب (الاتلانتيد) ليس غير. وقد يجوز لك أن تقرأ (الاتلانتيد) كما يجوز ألا تقرأها. فإذا قرأتها خرجت منها صفر اليدين. وإذا وقفت عن قراءتها ربحت الوقت إن يكن الوقت عزيزاً عليك. وقد تسأل: كيف بلغت رواية (الاتلانتيد) هذه الشهرة العالمية؟. . . وجوابنا أن المؤلف أجاد بث الدعوة لروايته، فذاع لها الصوت العاطر في الأندية الأدبية جمعاء قبل أن تقف هذه الأندية على مضمونها. وشاق الذين طالعوها من الغربيين تلك الصبغة الشرقية فيها. وجاءت دور السيمياء ترفع من مكانتها. والحق يقال إن (الاتلانتيد) نجحت في عالم السيمياء أكثر منها في عالم الأدب.
واليوم و (بيير بنوا) يفكر في وضع روايته الصليبية سوف نرى أي وحي هبط عليه. أيدرك التوفيق أم لا يوفق، ونحن نرتاب في توفيقه لمعرفتنا شأنه الأدب ي. غير أننا لا نستطيع الإنكار أن الرجل من الغزاة الفاتحين. فهو يقبل علينا ينتزع منا موضوعاته
стр. 5138
الروائية ونحن نشاهد ما عندنا من كنوز ولا نكلف أنفسنا نبشها وإبرازها إلى النور. فالرواية في الأدب العربي الجديد لا تزال في المهد، مع أن الأعصر العباسية حفلت بها وراحت تفاخر العالم بثمارها اليانعة الشهية، ولا يبرح العالم يتذوق هذه الثمار وسيتذوقها ما دام الأدب وضاء الجبين.
وليت أدباء اللغة العربية يدركون اليوم شأن القصة، فتعالجها أقلامهم بما يعيد إلى الأدب العربي مكانته الأولى وعزه القديم. فالرواية حجر الزاوية في كل أدب، وفي كل نهضة، وفي كل دين!
بيروت
كرم ملحم كرم
صاحب جريدة (العاصفة)
стр. 5139
لا تحزني. . .
بقلم جورج وغريس
لا تحزني يا سيدتي. فهكذا شاء القدر أن يدفع بك إلى محيط هذا العالم ذرة مضطربة من ذراته التي لا تستكين ولا تهدأ. كلما حضرني أمرك أيتها السيدة، شعرت بالألم يحز في قلبي، وأحسست بالحياة كلمة غامضة في سجل مبهم، ورأيت السعادة كذبة هائلة انحدرت من شفاء الأبالسة إلى آذان هذه الأجيال التعسة الحالمة. .
لا تحزني أيتها السيدة الكريمة، كفكفي دمعك لأنك لست بمستطيعة أن تغطي الأفق الوسيع بكفك الصغير، ولست بقادرة أن تحولي دون الريح وهبوبها، أو النهر وجريانه. .
قبل أن تغرب شمس اليوم رافعة بأشطانها أوزار العالم وأوحاله لتقدمها إلى صاحب العرش الأعلى. . . . جاءني طفلك الصغير، وكأن أحزان العالم قد وسعها قلبه الغض وهو يلهث من التعب، وأخذ يبكي ويقول لي في كلمات يقطعها البكاء: (تعال لتخفف عن أمي. . . إنها حزينة من الصباح. . . إنها طريحة الفراش. . . باكية ومنتحبة. . . وكلما سألتها السبب قالت: إن أباك لم يعد. . . فمن يكون أبي؟ ومتى يعود. .؟ إنني لا أفهم ما تقوله أمي. .)
فيا رحمة الله أدركيني. . . بأي لسان ينطق هذا الطفل. .؟ أتستطيع ملائكة الرحمة أن تظل واجمة ساكنة؟ أتظنين يا سيدتي أن الرياح حملت فيما تحمل تلك الكلمات التي نطق بها هذا الصبي البريء. . .؟ كلا بل إنها ستبقى خالدة في نفسي ما بقيت. . . وستظل حائمة في فضاء هذا العالم لتصرخ في آذان الجيل بعد الجيل أن الإنسانية ما وجدت إلا لتشقى، وأنه ما من أرض إلا وزرعت فيها التعاسة، وما من حاصد فيها إلا وهو للبؤس ربيب. . .
من يقول لطفلك أيتها السيدة الحزينة إن أباه هو الشر الذي ولد الخير، والحبة النتنة التي أنبتت الزرع الجميل، والحشرة القذرة التي انبثق منها الشهد، والريح الخبيثة التي خلفت النسمة الطيبة، والغيم الحالك الذي بعث ببهجة الأرض، وهو اليد التي دفعت به إلى الحياة. ثم تراجعت متخفية كاليد السارقة التي تأخذ غادرة ولا تعترف بعطاه. . . .
من يقول لطفلك يا سيدتي إنه ما من وليد من أمثاله إلا وله أب يرعاه بعنايته. أما هو فيتيم وإن كان أبوه حياً يرزق، ولكنه يشاء اليتم لابنه ويريد العقم لنفسه، وليس وا أسفاه في
стр. 5140
قوانين الأرض ما يرد تلك المشيئة أو يمنع تلك الإرادة، وليس وا أسفاه في نتاج الإنسانية بعد جهاد القرون ما يخفت أنين الطفل وهو يسائل الحقيقة (من يكون أبى. . . .؟)
يا سيدتي الحزينة - خففي عن نفسك فما أردت أن أثير أشجانك. . . دعي الماضي يمر أمامك كالأطياف السريعة. . . ماذا يؤلمك وماذا يبكيك، وأنت ربيبة الألم ووليدة البكاء؟. . . لقد كنت فتاة في منزل أبيك تقاسين من غلظته، وتعانين من زوجته، وتشكين فراق أمك المطرودة البعيدة. . . وكما خرج موسى من أرض مصر، خرجت أنت من سجن أبيك إلى دار زوجك، ولكنك لم تجدي في صحرائه مَنّاً ولا سلوى. . فمسكينة أنت أيتها السيدة. . لقد رضعتِ الشقاء. والشقاء ما زال في أحضانك رضيعاً يترعرع. . . ورشفت الكأس وثمالته أشد مرارة. . .
مسكينة أنت أيتها السيدة. بل مسكينة كل امرأة تعيش في كنف زوجها الغاصب، لأنها لا تستطيع أن تلامس أطراف السعادة ولو كانت الجنة تحت قدميها. . . غريب أمر الرجل في هذه الحياة، خلق الله له المرأة ليأتنس بها فخلق هو لها الوحشة، وجعل الله له القوة ليحمي ضعفها فنازلها بقوته. . . ومنذ انحدر آدم إلى هذه الأرض والفضيلة والرذيلة تعتركان، أما الحق فمخبوء أبداً. . .
لا تحزني يا سيدتي لأن الحزن لا يقدم من شأنك ولا يؤخر، فإنما أنت مخلوق ضعيف أسلمته يد الأقدار إلى قبضة عاتية. . . وما دامت المرأة في دولة الرجال، فسوف لا تعيش إلا ذليلة مسكينة. . . لأنهم يصنعون الشرائع ويحتكمون إلى أنفسهم ثم يحكمون. . .
لا زلت أذكر يا سيدتي اليوم الذي أتيت فيه إلى جوارنا، وكان زوجك يتعهد هذا الوكر برعايته، يبادلك الوفاء ويقاسمك السعادة، ولكنه كان متكلفاً في هذا العناء فقبل أن يرى طفلك النور. انسل كاللص السارق ليعيش في الظلام. . . ومنذ ذلك الحين إلى الآن وزوجك مقبور في حفرة الأحياء، لا يتلمس النور ولا يتسقط الماء. . .
ما أغرب هذه الطبيعة البشرية وما أعجب أمرها. . . إذا أصابها التقلب والتلون نسيت ما فعله يومها في أمسها، وبَعُد خيرها عن شرها، وتنكر حاضرها لماضيها. . . فإذا بصاحبها إنسان لا يستأنس، وإن كان الحيوان قد بدأ ينسى ما في أحط غرائزه من غدر وفتك وبطش. . .
стр. 5141
قومي يا سيدتي ورفهي عن نفسك فلكل بداية نهاية، ولابد لحقك أن ينتصر اليوم أو غداً. لأن الألم الذي تعاني لم يحترق بمثل ناره قلب من قبل، والدمع الذي ينهمر من عينيك الغائرتين على وجهك الشاحب لم تدانه في حرارته ما سكبته عيون الشقاء منذ ولادته. . .
للمريض آلام وللفقير آلام، للمتعب آلام وللضعيف آلام، للغريب آلام وللطريد آلام. . . وآلامك أنت أيتها الشقية المظلومة تسمو على كل ألم. فيجب أن تسمو نفسك بقدر سموها.
ويجب أن ترفعي رأسك فوق الطوفان الذي يغمرك، وليكن مثلك في ذلك مثل الحادي وراء الإبل يقطع الفيافي على قدميه، وقد أمضه التعب وأضناه الجوع وعضه الفقر، وهو يغنى أنشودة الحياة والحب والفرح. . .
في بكائك المتواصل (قولي ما يقوله الفلاحون عن غيث السماء: هذا المطر كله حنطة). . .
في ظلامك الدامس تطلعي إلى الخيوط الرفيعة البيضاء التي تتراءى لك من وراء الأفق، وارفعي نحوها بصرك. . .
قومي يا سيدتي. ولا تجعلي للألم سلطاناً على نفسك. فقد فعلت بك العلة فعلها. . وارحمي طفلك الذي هوى على صدرك ليمزج أنات قلبه بدقات قلبك. . قومي يا سيدتي وهات يدك. . .
قلت هذا بجوار سريرها. . ثم مددت يدي إلى يدها. فإذا بها باردة!. . .
يا لشقاء نفسي!. لقد كنت بكلماتي الأخيرة أخاطب الأرواح الحائمة حولي. . في استطاعة المرء أن يذكر كل ما يجول بخاطره، ولكنه ليس في استطاعته أن يقول كل ما يبدو لناظره.
أيها الرجل. . . لقد ماتت تلك المرأة!
إسكندرية
جورج وغريس
стр. 5142
الأزمة كما يراها الاقتصاديون
بقلم عبد العزيز عبد الكريم
كانت الشعوب القديمة تشكو من القحط والجماعات. قال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة يوسف: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي أن كنتم للرؤيا تعبرون). هذا ما رآه ملك مصر في منامه، فلم يعرف أحد تأويل رؤياه، وكان يوسف حينئذ في السجن، فاستدعاه الملك واستفتاه في أمر الرؤيا، ففسر يوسف المنام قائلاً له: إنه سيمر عليكم سبع سنين خصبة، فازرعوا فيها واخزنوا ما زرعتم وهو في سنابله إلا قليلاً مما تأكلون، ثم يعقبها سبع سنين مجدبة، تأكلون فيها مما ادخرتم.
وقد تطورت الآن وسائل المعيشة وأحوالها، وتبدلت طرق الكفاح في سبيل العيش، وارتقت الزراعة والصناعة والتجارة؛ فنشأت بازاء هذا التبدل مشاكل جديدة، وظهرت معضلات خطيرة. وأشد ما نعانيه الآن من النظام الاقتصادي الحالي هو الأزمة التي انتابت العالم بأسره؛ وقد خلقت للعالم مشاكل عديدة لا تنجل ولا تزول إلا بالسلاح.
الأزمة هي اضطراب فجائي في التوازن الاقتصادي؛ ولها أعراض وعلامات تشابه أعراض الأمراض التي تصيب الإنسان، فبعض الأزمات يقتصر على بلد واحد، وبعضها وبائي ينتقل في أنحاء العالم كمرض الكوليرا.
عرف الاقتصاديون بعد طول البحث أن ظواهر الأزمة وأعراضها هي في كل الأزمات تقريباً. وأول ما يشير إلى نشوء الأزمات تناوبها؛ فقد رؤى أنها تتبع بعضها بعضاً في القرن التاسع عشر بنظام منتظم عجيب، فبين كل أزمة وأخرى مدة تبلغ عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة، نصفها يمثل حالة صعود والنصف الآخر يمثل حالة هبوط، ويظهر ذلك في تقلبات الأسعار والأجور، وأسعار الفوائد.
ومن ظواهر الأزمة وبائيتها، ففي بادئ الأمر يزيد الإنتاج في إحدى الصناعات أو ينقص، ويتنقل هذا الاضطراب من صناعة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر.
هناك ثلاث علامات خاصة تسبق الأزمة، وتعلن قرب حلولها:
(١) ارتفاع في الأسعار يدل على نشاط الاستهلاك، ووفرة الأموال المتداولة وسهولة
стр. 5143
الإقراض.
(٢) ارتفاع في قيمة الضمانات القابلة للتحويل وخصوصاً الأسهم والسندات، ويدل ذلك على تقدم المشروعات التجارية وزيادة الإنتاج، وزيادة الحصص في رؤوس الأموال.
(٣) ارتفاع في الأجور يشير إلى نشاط سوق العمل، وزيادة الطلب للعمال.
غير أنه بعد وقت ما، تتغير الحال وتنقلب حالة الصعود إلى حالة هبوط، ونجد أمامنا:
(١) تدهوراً في الأسعار: يدل على عجز الاستهلاك، وندرة الأموال المتداولة وصعوبة الأقراض.
(٢) تدهوراً في قيمة الضمانات: يدل على تدهور الأرباح والحصص، وفشل المشروعات الكبرى الخطيرة، وسقوط يرافقه ارتفاع في سعر الخصم والقطع.
(٣) تدهوراً في الأجور: يدل على شلل الإنتاج، ووقف طلب العمال، والأشارف على الوقوع في خطر العطلة والعاطلين.
والأزمات التي وقعت في القرن التاسع عشر تواريخها كما يلي:
١٨١٥
١٨٥٧
١٨٩٠
١٨٢٧
١٨٦٦
١٩٠٠
١٨٣٦
١٨٧٣
١٨٤٧
١٨٨٢
وقد لاحظ جيفونز من هذه التواريخ أن الأزمات والت بعضها في خلال فترات ومسافات منتظمة تبلغ كل واحدة منها عشر سنوات تقريباً. وقد ظن أن الأزمات يرجع سببها إلى ظاهرة فلكية لا سلطان لأحد عليها. ولكن القرن العشرين قد دحض نظريته هذه، فإن أول
стр. 5144
أزمة وقعت فيه كانت في عام ١٩٠٧
اهتم الاقتصاديون بالبحث عن أسباب الأزمات، وأخذوا يبحثون عن علة توالي الأزمات وتناوبها، فاهتدوا أخيراً إلى الأسباب الآتية:
(١) وفرة الإنتاج - لا تنشأ وفرة الإنتاج إلا عن تقدم الصناعة الكبرى. فمن البديهي أن البضائع المعروضة في السوق سوف تزيد يوماً ما على حاجة الاستهلاك، ويصبح من العسير تصريف شيء ما من هذه المقادير؛ فينتج عن ذلك تدهور عام في الأسعار، ولكي يتجنب الصناع البيع مع الخسارة يحصلون على الأموال من المصارف، أو يبيعون الأسهم، فينشأ عن ذلك ارتفاع في الفوائد، وتدهور في قيمة الأسهم، حتى يصبح المال نادراً، وذلك راجع إلى زيادة السلع المعروضة. وسرعان ما يصبح هؤلاء الصناع في حال من الإفلاس والضنك يرثى لها.
وها قد رأينا كيف يسبق الإنتاج الاستهلاك، وكيف يقف الإنتاج عن السير عند حد معين، وكيف يسير الاستهلاك حتى يلحق الإنتاج، فيسبقه بدوره؛ وهذا السبق لا بد منه. فظاهر لنا في هذه الحال علة تناوب الأزمات: وكل أزمة يعقبها وقت تعوض فيه الصناعة خسارتها، وتنتعش حالتها، ويتجدد إنتاجها ليسد مطالب الأفراد الحديثة.
(٢) قلة الاستهلاك - ويذهب بعض الاقتصاديين إلى أن الأزمات هي في الغالب راجعة إلى زيادة الإنتاج الناشئة عن شراهة أصحاب رؤوس الأموال الذين يحاولون استرداد ما فقدوه من الأرباح عن طريق الكمية؛ ولكن السبب الأساسي هو عدم كفاية ثروة أغلب المستهلكين - وأغلبهم من طبقة عمال اليومية - لابتياع ما أنتجوه وما صنعوه بأيديهم، فزيادة الحاجة إلى الصناع لتوسيع الإنتاج وزيادته، وزيادة عمال الأجور، وعدم القدرة على تسديد أجورهم، تؤدي إلى اضطراب التوازن في وقت من الأوقات. ويزيد الاضطراب وتشتد الأزمات حتى يحين الوقت الذي يقضي فيه على نظام الرأسمالية. فهذا النظام مقضي عليه بالفناء بسبب النتائج التي أدى إليها.
(٣) زيادة الرأسمالية - اتفق الاقتصاديون على أن زيادة الرأسمالية أخطر من زيادة الإنتاج في إحداث الأزمات. إن المصانع الكبرى يلزمها ترتيب حركة دولاب العمل بتجهيز الآلات، والمناجم، والعربات، والسفن وغير ذلك. وإذا كان المصنع على أهبة
стр. 5145
الاستعداد للعمل، فقد يرسل غلالاً لا حصر لها إلى السوق. وليس في الإمكان وقف هذه الحركة متى رغبنا، لأن رأس المال ثابت لا يمكن سحبه بأي حال من الأحوال. تتدهور الأسعار تبعاً لذلك، وتفلس أكثر المشروعات، أو تستسلم للأمر، حتى تتصرف الزيادة بزيادة الاستهلاك نظراً لتدهور الأسعار.
والاقتصاديون يعتبرون أن قلة الإنتاج ليست سبباً من أسباب الأزمات أو ظاهرة من ظواهرها: فلماذا؟ ألا يضطرب الميزان الاقتصادي بقلة الإنتاج كما يضطرب بزيادته؟ بالرغم مما تحدثه قلة الإنتاج من البؤس والفناء والموت، وبالرغم من القحط والمجاعات التي سجلتها الحوادث المخيفة والشهيرة في تاريخ الشعوب كلها؛ فإن الاقتصاديين لم يجمعوا الآراء على أن القحط والمجاعات نوع من أنواع الأزمات، إذ ليس من خواصها التناوب، ولا ارتفاع الأسعار قبلها، ولا هبوطها بعدها.
أما علاج الأزمة: فيقف على نوع الأسباب التي أدت إليها. فإذا اعتقدنا أن السبب هو زيادة الإنتاج، وجب علينا أن نعمل على تحديد ذلك الإنتاج، فيمكننا توحيد الشركات وتضامنها، وتنظيم إنتاجها لنتمكن من منع زيادة الأسعار المطردة وهبوطها أيضاً؛ ويمكننا إيجاد حركة تعاون بين الشركات لتنظيم حركة الإنتاج تبعاً للحاجات لا تبعاً للأرباح.
ولو اعتبرنا أن سبب الأزمة هو أن طبقة العمال ليس لديها من الثروة ما يعينها على زيادة الاستهلاك كلما زاد الإنتاج، كان من الضروري أن نبحث عن نظام يضمن للعامل نجاح كل ما ينتجه.
وإذا نظرنا إلى زيادة الرأسمالية، وجب أن نلجأ إلى المصارف إذ هي أكبر عضد لمساعدة الشركات وإمدادها بالأموال. قد تتدخل المصارف، إما برفع سعر القطع لديون الآجال المحدودة، إذا رأت أن سرعة التداول تزداد إلى درجة مقلقة، وإما بإنقاذ البيوت الكبيرة الوشيكة السقوط والضياع، إذا كان لسقوطها الأثر الفعال في إحداث الاضطراب وشل الحركة التجارية.
والأزمة الناشئة عن زيادة الرأسمالية تزداد وتشتد وطأتها بسبب الذعر والتشاؤم الاقتصادي. والتنبؤ بالأزمة يزيد الخطر ويعوقنا عن العمل على تلافيها، فما أجدرنا ألا نعتقد ذلك، فالخوف من الشر يولد الشر، والتفاؤل بالخبر يجلب الخير.
стр. 5146
إسكندرية
عبد العزيز عبد الكريم
стр. 5147
فصول مدرسية في الأدب الدرامي
٤ - الرواية المسرحية
في التأريخ والفن
بقلم أحمد حسن الزيات
أجزاء أخرى للعمل
ذلك هو التقسيم الأساسي للعمل، وهناك تقسيم آخر أغفله اليونان واستعمله الرومان، وهو تقسيم العمل إلى فصول، والفصول إلى مناظر. فالفصول هي مراحل العمل أو درجاته، تفصل بين كل درجة وأخرى فترة تسمى استراحة، والمناظر أجزاء الفصل المختلفة، وتحدد بدخول ممثل أو خروجه. ولعلك لا تكتفي بالتعريف في شرح هذه الكلمات، فدونك شيئاً من التفصيل:
الفصل: لم يعرف الإغريق كما قلت تقسيم الرواية إلى فصول، وإنما كانوا يعرفون شيئاً يشبه ذلك في تمثيل ثلاث مآس في موضوع واحد، كل مأساة لها كيان مستقل عن الأخرى. أما اللاتين فقد قسموها إلى فصول حصرها هوراس في خمسة لا تزيد ولا تنقص. ففي الأول يعرض العمل، وفي الثاني يبسط، وفي الثالث يُعقد، وفي الرابع يهيأ حله، وفي الخامس يحل. ولكن جعل هذا التقسيم قاعدة مطلقة لا يخلو من ضرر. وإلا فماذا يصنعون في موضوع يعرض في منظر ويحل بكلمة؟ أيترك وهو طريف مؤثر صالح للتمثيل، أم يملأ بالتطويل والحشو حتى يكمل؟ وما حكمهم على مأساة أو ملهاة محكمة النسج لا تبدأ عقدتها إلا في الفصل الثالث، ثم يخصص لحلها الفصل الخامس؟ إن التعقيد هو جسم العمل وروحه كما علمت، فينبغي أن ينزل من الرواية في أوسع محل، بل يجب أن يكون كالتيه، مدخله العرض ومخرجه الحل. وأمهر الكتاب وأقدرهم من عجل بالتعقيد ثم طوله ما استطاع محكماً لقوته، متدرجاً في عقدته.
الحق أن جريان العرف بتقسيم الرواية إلى خمسة فصول ليس قائماً على أساس متين فيفرض، ولا هو خالياً من الفائدة الفنية فيرفض، إنما المرجع في ذلك كله إلى طبيعة الموضوع، فإذا كان قوياً غنياً يستطيع أن يملأ خمسة الفصول كان ذلك التقسيم أدعى إلى
стр. 5148
انفساح العمل وتقوية الجاذبية وتحليل الأخلاق واطراد الحوادث من غير ضغط ولا اصطدام ولا مباغتة. وأما إذا كان بسيطاً لا يحتمل البسط ولا يقبل التطويل فخير لك أن تغلب حكم الطبيعة على حكم العرف فتتصرف في التقسيم تصرفاً يلائم الموضوع ويتفق مع الإمكانية ويعصمك من الحشو والتكلف. على هذا الرأي يسير الكتاب اليوم فتجد الروايات تتردد بين فصل واحد وخمسة. على أن الشرط الأساسي هو الدقة في هذا التقسيم حتى يحسن توزيع العمل، ويمكن تدرج الجاذبية في الفصول والمناظر بحيث يكون العمل كالساعة: فالحوار يرصد الثواني، والمناظر ترصد الدقائق، والفصول ترصد الساعات، لأنك إذا أرحت العمل في منظرين متعاقبين فترت الحركة وخمد الأثر. اقرأ رواية ترتوف لموليير - وهي منقولة إلى العربية - وراقب فيها سير العمل وتدرجه وتقسيمه تجسدها في كل ذلك المثل الأعلى تجسدها في كل ذلك المثل الأعلى. علام يدور العمل في هذه القطعة الخالدة؟ يدور إما على هتك الحجاب عن نفاق ترتوف وخبه، وإما على استيلائه على بيت أرجون وثروته، وحرمانه ابنه، وزواجه من ابنته. فماذا صنع موليير في الفصل الأول؟ عرض على أنظارنا صورة المنزل الداخلية، وأرانا سلطان ترتوف المنافق على أرجون الساذج وأمه العجوز، وأطلعنا على سوء رأي الباقين من الأسرة في هذا اللئيم. أعلن كل ذلك في المنظر الأول فاشتبكت المعركة وابتدأ العمل بقوة. وفي الفصل الثاني حمل أرجون على الإقرار بطاعته العمياء لترتوف، وترتوف قد قطع ما بينه وبين بنيه وزوجه، وأفسد ما كان صالحاً من نفسه، وجعله يعلن أن ترتوف سيكون زوج ابنته، وابنته تحب فالير، ولكنها لك تجرؤ على عصيانه. ومن ثم نشبت المعركة المضحكة بين العاشقين. وفي الفصل الثالث كاد داميس بن أرجون يفضح أمر ترتوف، وأوشك العمل أن يشارف الحل لولا براعة المنافق وسذاجة أرجون، فاستحكمت العقدة وقوبت الجاذبية بعزم أرجون على معاقبة بنيه بالخروج عن ماله كله لترتوف. وجاء الفصل الرابع فانكشف سر ترتوف وانجلى أمره لأرجون فهم بطرده، إلا أنه عارضه بعقد الهبة، وهدده بوثائق تتهمه وتجرحه، فاضطرب البيت ونال من أهله الهمم والجزع. وفي الفصل الخامس زاد الاضطراب، واشتد القلق حتى حانت ساعة الانقلاب فعرف الملك خيانة الماكر فقبض عليه وعفا عن أرجون. فأنت ترى أن العمل قسم بدقة، وأن الجاذبية وزعت بحكمة، وأن
стр. 5149
الموضوع كان كافياً لتغذية الفصول فبرئت القطعة من الاستطراد واللغو
الاستراحة:
هي فترة بين فصل وآخر من فصول الرواية يقف أثناءها التمثيل وينقطع انتباه المشاهد، أما العمل الروائي فلابد من فرض استمراره خارج المسرح مجاراة للطبيعة والواقع، ومحافظة على شرط الإمكانية. فهي راحة للمشاهد وضرورة للمسرح، ولكن الممثل يجب أن يشتغل فيها، وإن كان في الواقع يستنشي هو أيضاً نسيم الراحة في ظاهر المسرح (الكواليس). ولا مناص للكاتب من أن يراعي ذلك وهو يُكوّن هيكل الرواية ويقسم العمل على الفصول. فلا يجوز مثلاً أن يحرك العمل عندما وقف في الفصل الأول. بل يفرض أن العمل قد قطع في أثناء الاستراحة مرحلة طويلة أو قصيرة على حسب الظروف، فحكمه في ذلك حكم مهندس البناء يرسم في تخطيطه الأماكن الفارغة والمشغولة ولكل منها نصيب من عنايته وتقديره. وبعد، فإن الاستراحة عظيمة النفع جليلة الخطر. وحسبك أنها أجل مزايا المسرح الحديث، اهتدى إليها فخفق بها مبدأ الإمكانية، ووثق بها عقدة الجاذبية. أما الإغريق فما كانوا يقفون التمثيل، وإنما كانوا يشغلون ما بين الفصول بالقيان (الخورس) وكان يساعدهم على اتباع هذا النظام اشتراط وحدثي الزمان والمكان. فلما تحلل المحدثون من سلطان هاتين الوحدتين وأجازوا لأنفسهم الخروج عن مداهما لم يكن بد من هذه الاستراحة يسدون بها خلل التمثيل، ويتقون بها ملل التطويل، ويفرقون ما بين الحوادث والواقع. وأظن في هذا الكلام شيئاً من الغموض فإليك توضيحه:
لا شك أن في الطبيعة كثيراً من الأشياء لا يمكن أن تمثل على المسرح، ولا أن تغفل في الرواية، فإذا أسأنا تمثيلها أضعف الوهم المسرحي، وإذا أغفلنا ذكرها شوهت العمل الروائي. فلا مخرج لنا إذن من هذه الحيرة إلا الاستراحة، نفرض حدوثها في خلالها، ثم نكتفي بعد ذلك بذكرها. كذلك لا يخلو العمل المسرحي غالباً من تطويل لازم وتفصيل واجب يملان المشاهد ويَفُتّان في طبعه، وهو يأبى إلا أن يظل مشغول القلب متمتع الحواس بتأثير لذيذ قوي، فنستطيع إذن أن نوفق بين شعور المشاهد وحقيقة الواقع، بأن نعرض على المسرح ما يلذ ويؤثر، ونبقى للاستراحة ما يمل وينفر.
بقى أن الكاتب بفضل الاستراحة يستطيع أن يحقق مبدأ الإمكانية الزمنية بفرضه حدوث
стр. 5150
أشياء لو مثلت على حقيقتها لاقتضت من الزمن ما لا تتسع له مدة التمثيل
المناظر: المناظر هي أجزاء الفصل المختلفة كما علمت، وتحدد بدخول شخص أو خروجه، وليس لها عدد معين. ولكن لها قاعدة عامة، وهي ألا يبقى المسرح خالياً من ممثل حرصاً على الوهم واستبقاء للخديعة واستدامة للأثر. فإذا اضطر الممثلون جميعاً إلى تركه ليخلفهم عليه آخرون، وجب إما أن يوجهوا الخطاب إليهم، وإما أن يعلنوا دخولهم عليهم، حتى لا يدخل المسرح أحد أو يخرج منه دون أن يُعلن المشاهدون بسبب دخوله، أو يكونوا قد علموه من قبل حصوله. أما أن يخرج ممثلو المنظر السابق ويدخل ممثلو اللاحق من غير مخالسة النظر ولا مبادلة الكلام فذلك إخلال بشرط الإمكانية
الأشخاص: يشترط في أشخاص الرواية أن تكون صفاتهم وعاداتهم (محلية) تلائم الزمان والمكان اللذين يعيشون فيهما، (مناسبة) تتفق مع عمرهم وجنسهم وطبقتهم، (ممكنة) لا نناقض التأريخ ولا التقاليد ولا الأساطير، (ثابتة) تلازم الشخص من بدء العمل إلى انتهائه، (متنوعة) لا تتشابه في شخصين، بل يختلف كل شخص عن الآخر في صفته وعادته، جارية مع العرف، فلا تكون شاذة ولا غريبة كوصف اللص بالكرامة، وقاطع الطريق بالشهامة، والسفاح بالنبل. وتلك نقيصة من نقائص المسرح الحديث.
أداء العمل
يحدث العمل في نفس الممثل فيؤديه بالعبارة مستعيناً بالإشارة. والعبارة تكون حواراً وقد تكون نجوى نفس. وبحث هذه الكلمات الأربع يحتاج إلى شيء غير قليل من الأناة والعناية
العبارة: الأسلوب الروائي هو أسلوب الحديث النبيل المونق. فشرطه أن يكون طبيعياً لا تفسده الصناعة والتعمل، حياً لا تخمده الغثاثة والتبذل، بسيطاً لا تعقده الروية والتأمل، ملائماً تتناسب لهجته مع نشأة المتكلم وتربيته وطبيعته وعادته وموقفه. ولن يتسنى للكاتب أن يحقق هذه الشروط إلا إذا نسى نفسه وفنى في أشخاصه، فيطرح المقاطع الوجدانية والمحسنات البديعية والتشابيه الغريبة من كل ما ينم على الدرس والبحث والتحذلق. اللهم إلا المأساة بنوعيها فأنها تقتضي الأسلوب الرائع، واللفظ المختار، واللهجة المؤثرة، لعلاقتها بالوجدان وصلتها بالعواطف. والبيان كان وما زال شرك العقول وسحر القلوب. وأكثر المآسي لم يضمن لها الخلود إلا روعة الأسلوب وبلاغة الأداء. ولقد أخطأ بعض الروائيين
следующие страницы →