← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

إسكندرية عبد العزيز عبد الكريم

стр. 5147

فصول مدرسية في الأدب الدرامي ٤ - الرواية المسرحية في التأريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات أجزاء أخرى للعمل ذلك هو التقسيم الأساسي للعمل، وهناك تقسيم آخر أغفله اليونان واستعمله الرومان، وهو تقسيم العمل إلى فصول، والفصول إلى مناظر. فالفصول هي مراحل العمل أو درجاته، تفصل بين كل درجة وأخرى فترة تسمى استراحة، والمناظر أجزاء الفصل المختلفة، وتحدد بدخول ممثل أو خروجه. ولعلك لا تكتفي بالتعريف في شرح هذه الكلمات، فدونك شيئاً من التفصيل: الفصل: لم يعرف الإغريق كما قلت تقسيم الرواية إلى فصول، وإنما كانوا يعرفون شيئاً يشبه ذلك في تمثيل ثلاث مآس في موضوع واحد، كل مأساة لها كيان مستقل عن الأخرى. أما اللاتين فقد قسموها إلى فصول حصرها هوراس في خمسة لا تزيد ولا تنقص. ففي الأول يعرض العمل، وفي الثاني يبسط، وفي الثالث يُعقد، وفي الرابع يهيأ حله، وفي الخامس يحل. ولكن جعل هذا التقسيم قاعدة مطلقة لا يخلو من ضرر. وإلا فماذا يصنعون في موضوع يعرض في منظر ويحل بكلمة؟ أيترك وهو طريف مؤثر صالح للتمثيل، أم يملأ بالتطويل والحشو حتى يكمل؟ وما حكمهم على مأساة أو ملهاة محكمة النسج لا تبدأ عقدتها إلا في الفصل الثالث، ثم يخصص لحلها الفصل الخامس؟ إن التعقيد هو جسم العمل وروحه كما علمت، فينبغي أن ينزل من الرواية في أوسع محل، بل يجب أن يكون كالتيه، مدخله العرض ومخرجه الحل. وأمهر الكتاب وأقدرهم من عجل بالتعقيد ثم طوله ما استطاع محكماً لقوته، متدرجاً في عقدته. الحق أن جريان العرف بتقسيم الرواية إلى خمسة فصول ليس قائماً على أساس متين فيفرض، ولا هو خالياً من الفائدة الفنية فيرفض، إنما المرجع في ذلك كله إلى طبيعة الموضوع، فإذا كان قوياً غنياً يستطيع أن يملأ خمسة الفصول كان ذلك التقسيم أدعى إلى

стр. 5148

انفساح العمل وتقوية الجاذبية وتحليل الأخلاق واطراد الحوادث من غير ضغط ولا اصطدام ولا مباغتة. وأما إذا كان بسيطاً لا يحتمل البسط ولا يقبل التطويل فخير لك أن تغلب حكم الطبيعة على حكم العرف فتتصرف في التقسيم تصرفاً يلائم الموضوع ويتفق مع الإمكانية ويعصمك من الحشو والتكلف. على هذا الرأي يسير الكتاب اليوم فتجد الروايات تتردد بين فصل واحد وخمسة. على أن الشرط الأساسي هو الدقة في هذا التقسيم حتى يحسن توزيع العمل، ويمكن تدرج الجاذبية في الفصول والمناظر بحيث يكون العمل كالساعة: فالحوار يرصد الثواني، والمناظر ترصد الدقائق، والفصول ترصد الساعات، لأنك إذا أرحت العمل في منظرين متعاقبين فترت الحركة وخمد الأثر. اقرأ رواية ترتوف لموليير - وهي منقولة إلى العربية - وراقب فيها سير العمل وتدرجه وتقسيمه تجسدها في كل ذلك المثل الأعلى تجسدها في كل ذلك المثل الأعلى. علام يدور العمل في هذه القطعة الخالدة؟ يدور إما على هتك الحجاب عن نفاق ترتوف وخبه، وإما على استيلائه على بيت أرجون وثروته، وحرمانه ابنه، وزواجه من ابنته. فماذا صنع موليير في الفصل الأول؟ عرض على أنظارنا صورة المنزل الداخلية، وأرانا سلطان ترتوف المنافق على أرجون الساذج وأمه العجوز، وأطلعنا على سوء رأي الباقين من الأسرة في هذا اللئيم. أعلن كل ذلك في المنظر الأول فاشتبكت المعركة وابتدأ العمل بقوة. وفي الفصل الثاني حمل أرجون على الإقرار بطاعته العمياء لترتوف، وترتوف قد قطع ما بينه وبين بنيه وزوجه، وأفسد ما كان صالحاً من نفسه، وجعله يعلن أن ترتوف سيكون زوج ابنته، وابنته تحب فالير، ولكنها لك تجرؤ على عصيانه. ومن ثم نشبت المعركة المضحكة بين العاشقين. وفي الفصل الثالث كاد داميس بن أرجون يفضح أمر ترتوف، وأوشك العمل أن يشارف الحل لولا براعة المنافق وسذاجة أرجون، فاستحكمت العقدة وقوبت الجاذبية بعزم أرجون على معاقبة بنيه بالخروج عن ماله كله لترتوف. وجاء الفصل الرابع فانكشف سر ترتوف وانجلى أمره لأرجون فهم بطرده، إلا أنه عارضه بعقد الهبة، وهدده بوثائق تتهمه وتجرحه، فاضطرب البيت ونال من أهله الهمم والجزع. وفي الفصل الخامس زاد الاضطراب، واشتد القلق حتى حانت ساعة الانقلاب فعرف الملك خيانة الماكر فقبض عليه وعفا عن أرجون. فأنت ترى أن العمل قسم بدقة، وأن الجاذبية وزعت بحكمة، وأن

стр. 5149

الموضوع كان كافياً لتغذية الفصول فبرئت القطعة من الاستطراد واللغو الاستراحة: هي فترة بين فصل وآخر من فصول الرواية يقف أثناءها التمثيل وينقطع انتباه المشاهد، أما العمل الروائي فلابد من فرض استمراره خارج المسرح مجاراة للطبيعة والواقع، ومحافظة على شرط الإمكانية. فهي راحة للمشاهد وضرورة للمسرح، ولكن الممثل يجب أن يشتغل فيها، وإن كان في الواقع يستنشي هو أيضاً نسيم الراحة في ظاهر المسرح (الكواليس). ولا مناص للكاتب من أن يراعي ذلك وهو يُكوّن هيكل الرواية ويقسم العمل على الفصول. فلا يجوز مثلاً أن يحرك العمل عندما وقف في الفصل الأول. بل يفرض أن العمل قد قطع في أثناء الاستراحة مرحلة طويلة أو قصيرة على حسب الظروف، فحكمه في ذلك حكم مهندس البناء يرسم في تخطيطه الأماكن الفارغة والمشغولة ولكل منها نصيب من عنايته وتقديره. وبعد، فإن الاستراحة عظيمة النفع جليلة الخطر. وحسبك أنها أجل مزايا المسرح الحديث، اهتدى إليها فخفق بها مبدأ الإمكانية، ووثق بها عقدة الجاذبية. أما الإغريق فما كانوا يقفون التمثيل، وإنما كانوا يشغلون ما بين الفصول بالقيان (الخورس) وكان يساعدهم على اتباع هذا النظام اشتراط وحدثي الزمان والمكان. فلما تحلل المحدثون من سلطان هاتين الوحدتين وأجازوا لأنفسهم الخروج عن مداهما لم يكن بد من هذه الاستراحة يسدون بها خلل التمثيل، ويتقون بها ملل التطويل، ويفرقون ما بين الحوادث والواقع. وأظن في هذا الكلام شيئاً من الغموض فإليك توضيحه: لا شك أن في الطبيعة كثيراً من الأشياء لا يمكن أن تمثل على المسرح، ولا أن تغفل في الرواية، فإذا أسأنا تمثيلها أضعف الوهم المسرحي، وإذا أغفلنا ذكرها شوهت العمل الروائي. فلا مخرج لنا إذن من هذه الحيرة إلا الاستراحة، نفرض حدوثها في خلالها، ثم نكتفي بعد ذلك بذكرها. كذلك لا يخلو العمل المسرحي غالباً من تطويل لازم وتفصيل واجب يملان المشاهد ويَفُتّان في طبعه، وهو يأبى إلا أن يظل مشغول القلب متمتع الحواس بتأثير لذيذ قوي، فنستطيع إذن أن نوفق بين شعور المشاهد وحقيقة الواقع، بأن نعرض على المسرح ما يلذ ويؤثر، ونبقى للاستراحة ما يمل وينفر. بقى أن الكاتب بفضل الاستراحة يستطيع أن يحقق مبدأ الإمكانية الزمنية بفرضه حدوث

стр. 5150

أشياء لو مثلت على حقيقتها لاقتضت من الزمن ما لا تتسع له مدة التمثيل المناظر: المناظر هي أجزاء الفصل المختلفة كما علمت، وتحدد بدخول شخص أو خروجه، وليس لها عدد معين. ولكن لها قاعدة عامة، وهي ألا يبقى المسرح خالياً من ممثل حرصاً على الوهم واستبقاء للخديعة واستدامة للأثر. فإذا اضطر الممثلون جميعاً إلى تركه ليخلفهم عليه آخرون، وجب إما أن يوجهوا الخطاب إليهم، وإما أن يعلنوا دخولهم عليهم، حتى لا يدخل المسرح أحد أو يخرج منه دون أن يُعلن المشاهدون بسبب دخوله، أو يكونوا قد علموه من قبل حصوله. أما أن يخرج ممثلو المنظر السابق ويدخل ممثلو اللاحق من غير مخالسة النظر ولا مبادلة الكلام فذلك إخلال بشرط الإمكانية الأشخاص: يشترط في أشخاص الرواية أن تكون صفاتهم وعاداتهم (محلية) تلائم الزمان والمكان اللذين يعيشون فيهما، (مناسبة) تتفق مع عمرهم وجنسهم وطبقتهم، (ممكنة) لا نناقض التأريخ ولا التقاليد ولا الأساطير، (ثابتة) تلازم الشخص من بدء العمل إلى انتهائه، (متنوعة) لا تتشابه في شخصين، بل يختلف كل شخص عن الآخر في صفته وعادته، جارية مع العرف، فلا تكون شاذة ولا غريبة كوصف اللص بالكرامة، وقاطع الطريق بالشهامة، والسفاح بالنبل. وتلك نقيصة من نقائص المسرح الحديث. أداء العمل يحدث العمل في نفس الممثل فيؤديه بالعبارة مستعيناً بالإشارة. والعبارة تكون حواراً وقد تكون نجوى نفس. وبحث هذه الكلمات الأربع يحتاج إلى شيء غير قليل من الأناة والعناية العبارة: الأسلوب الروائي هو أسلوب الحديث النبيل المونق. فشرطه أن يكون طبيعياً لا تفسده الصناعة والتعمل، حياً لا تخمده الغثاثة والتبذل، بسيطاً لا تعقده الروية والتأمل، ملائماً تتناسب لهجته مع نشأة المتكلم وتربيته وطبيعته وعادته وموقفه. ولن يتسنى للكاتب أن يحقق هذه الشروط إلا إذا نسى نفسه وفنى في أشخاصه، فيطرح المقاطع الوجدانية والمحسنات البديعية والتشابيه الغريبة من كل ما ينم على الدرس والبحث والتحذلق. اللهم إلا المأساة بنوعيها فأنها تقتضي الأسلوب الرائع، واللفظ المختار، واللهجة المؤثرة، لعلاقتها بالوجدان وصلتها بالعواطف. والبيان كان وما زال شرك العقول وسحر القلوب. وأكثر المآسي لم يضمن لها الخلود إلا روعة الأسلوب وبلاغة الأداء. ولقد أخطأ بعض الروائيين

стр. 5151

القصد فغلَّبوا جانب الحركات والإشارة، على جانب الكلمات والعبارة، فوجهوا التأثير للعيون لا للقلوب، وهيأوا الرواية للتمثيل لا للقراءة. وفاتهم أن العمل المسرحي مؤلف من الكلام والحركات. فلا الممثل متكلم لا غير كالمحدث، ولا هو متحرك لا غير كالخيال الشمسي، وإنما الكمال أن يُعنى بالطريقين جميعاً، فما كان من العمل قوياً مادياً علمياً أدته الحركة، وما كان منه جليلاً دقيقاً عميقاً كآثار العادات وصور الأخلاق وتباين العواطف وتضارب الأهواء وتعارض المنافع شرحته العبارة. فظواهر الغيرة والاشمئزاز والغضب تستطيع الحركات والملامح أن تؤديها واضحة جلية، ولكن تحليل القلب البشري وهو سر الجمال في أدوار ديدون واريان وفدر وهرميون لا يضطلع به إلا البيان المعجز. وهل يعلق بذهنك من القطعة الفنية بعد تمثيلها غير مواقفها الشعرية القوية التي أوحاها اليراع فانتقشت في لوحة ذهنك؟ إن العمل الروائي يتجه إلى العين أو إلى القلب تبعاً لطبيعته وملاءمته للبلاغة أو التصوير، ولكن الأثر الذي يحدثه في النفس عن طريق الأذن أهدأ وأبطأ ولكنه أبقى وأعمق، أما ما يحدثه فيها عن طريق العين فهو قوي فجائي سريع، ولكنه قريب الغور قليل البقاء، لأن الأذن إنما تنقل الفكرة وهي نامية ولود، والعين إنما تنقل الإحساسة وهي جدباء عقيم. ذلك إلى أن القطعة إذا قامت على الحركات فحياتها ومماتها رهن بقوة المسرح وقدرة الممثل. ولك فيما تشهده على المسارح المصرية من روائع الفن الغربية دليل قائم على صحة ما نذهب إليه، فإن بعض المتعسفين من أدعياء الكتابة ينقلونها نقلاً لفظياً، فيهدمون فيها ركن البلاغة وهو عمادها الأقوى، فتثير الضحك وهي فاجعة، وتستوجب الهزء وهي رائعة!! ولا يقعن في بالك أنا نريد أن نضع من قدر الحركات أو ننكر أثرها في الفن، فإن ذلك ليس في حسابنا ولا هو مفهوم من كلامنا، وإنما نريد أن يوفي الكلام حقه من العناية أيضاً حتى تقوم الرواية على قدميها فلا تسير عرجاء ولا شوهاء بقي علينا أن نعرض لمسألة دقيقة خلقتها فوضى الأدب في مصر، ودعوى كل أديب حق التشريع لهذه اللغة الأسيفة، وانصراف القادرين من الكتاب عن الأدب المسرحي انصرافهم عن كل جليل مثمر. تلك هي لغة الرواية! فقد يزعم بعض الكاتبين أن لغة المسرح

стр. 5152

المصري يجب أن تكون العامية تثبيتاً للون المحلي وتحقيقاً لشرط الإمكانية. وكل ما يمكن أن يقولوه تأييداً لمذهبهم إن العامية لغة الأشخاص التي سايرتهم في كل سن، ولابستهم في كل ظرف، فعبرت عن خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم، وأنها حملت خلاصة تجاربهم وثمرات قرائحهم من لطيف الكنايات وبديع الأمثال وبليغ الحكم، وأنها مرآة لبيئتهم انعكست عليها صور حياتهم ومظاهر معيشتهم، وأنها أكمل دلالة وأسهل إبانة عن التصورات الجديدة التي تخرج من أعماق النفس أو تدخل في ثنايا الحوار. ذلك كلام وجيه لا غبار عليه ولا نكير فيه، وما يسوغ في رأينا أن ننقصه وقد قررناه من قبل. ولكن ليقولوا لنا متى طبق قانون الإمكانية بنصه على اللغة والأسلوب؟ إن الناس في كل زمان وفي كل مكان لا يتكلمون في الواقع كما يجعلونهم يتكلمون على المسرح. وهذه جميع المآسي ومعظم الملاهي قديمها وحديثها مكتوبة بالشعر الرصين، ذي اللفظ المنضد والأسلوب الفخم، فهل يزعمون أن أشخاصها كانوا في الحقيقة يتحاورون بالشعر ويتجادلون بالمجاز؟ أم يزعمون أن لغة راسين وشكسبير وهوجو وجوت وهي نموذج البلاغة للكتاب، وموضوع الدراسة للشباب، كانت لغة الشعب الذي كانوا يمثلونه أو يمثلون له؟ وإذا جاز لهم أن يجعلوا الفرنسيين والإنجليز يتكلمون على المسرح المصري بلسان عربي، فلم لا يجوز لنا كذلك أن نجعل خاصة المصريين بل عامتهم أيضاً يتكلمون بلهجة عربية فصحى، وهي أقرب إلى هؤلاء منها إلى أولئك؟ ليفرضوا أن العامية لغة أجنبية ننقلها إلى لغتنا العربية، وليغضوا على تلك القذاة الضئيلة ابتغاء رقي اللغة ونهضة الأدب وتعليم الشعب. إن الفن الحقيقي أبدى خالد، ومن المحال أن تخلده لغة جيل واحد، ولهجة قطر واحد، لأن العامية تتغير من جيل إلى جيل، وتختلف في قطر عنها في قطر. ونحن لا نريد أدباً مصرياً فحسب، وإنما نريد أدباً عربياً يمثل حضارة مصر وثقافة المصريين، وينقلهما إلى الأقطار النائية، والأجيال الآتية على أن أحداً من الناس لم يقل بأن المسرح لابد أن يعرض الحقيقة جرداء عارية، بل المعروف أن من واجبه أن يحسنها بالخيال ويزينها بالكذب، وفي ذلك التحسين والتزيين سحره وجاذبيته، والمشاهد ذاهب إليه وفي نفسه أنه سيخدع، وهو راض بهذه الخديعة ما دام فيها لذته وفائدته، ومن قواعد المسرح أن الصدق يتوخى فيما يؤثر في الذهن والنفس

стр. 5153

من الأفكار والعواطف، أما ما يؤثر في السمع والبصر فلا بأس فيه من الكذب؛ فشكل الأسلوب من النظم والنثر والعامي والفصيح كشكل المسرح من المناظر والستائر والأضواء والأصباغ، تعرف الآذان والعيون أنه صناعي مختلق، ولكن الأذهان والنفوس لابد أن تتأثر لما يقع في الإمكان من المواقف والعواطف والأخلاق والعادات إن المسرح مهبط البيان ومورد البلاغة وطريق النفوس إلى الجمال والخير والحق، فليس من غايته التأثير واللهو، وإنما يعمد إليهما تخفيفاً لثقل الحكمة عن النفوس كما يساغ الدواء الشديد المرارة بالسكر أو العسل. فإذا لم يخرج المشاهد من المسرح وهو أوفر علماً وأرجح حلماً وأحسن حالاً من قبل أن يدخل فقد أخطأ المسرح غرضه وضل طريقه. ولعمري كيف يستطيع أن يرفع النفوس في مراقي الكمال، إذا لم يترفع هو عن حقارة الحياة العامية، ويصور للناس المُثل العليا من الجمال والفضيلة فيرتفع الشعب إلى سمائه، بدل أن يسف هو إلى حضيضه ودهمائه؟ وعافني نشدتك الله من احتجاجك على بنجاح الرواية الفلانية وهي مكتوبة باللغة العامية، فإن نجاح الرواية لا يقدر بما تستدره من المال والدموع، وإنما تقدر بما يبقى في نفسك منها بعد أن يسكن الممثل وينسدل الستار إن الضوء الباهر يبقى أثره في العين ملياً بعد اختفائه، والنغم الجميل يرن صداه في الأذن طويلاً بعد فنائه، وكذلك الفن الساحر يستولي على نفسك وحسك حيناً بعد انتهائه. فهل تجد الأمر في هذه الروايات كذلك؟ أم الحقيقة المخجلة أن أكثر هذه القطع تسود في ليلتين وتمثل في ليلة، ثم تذرو أوراقها عواصف البلى والعدم؟! يتبع (الزيات)

стр. 5154

مثل أوربي لعرفان الجميل! منزلي هو منزلك (قصة مقتبسة عن تمثل آراء هؤلاء الأوربيين الذين يعيشون بيننا، ويأكلون خبزنا ثم يجزوننا عن الكرم لؤماً وعن المعروف نكراناً) - الشرق، آه على الشرق! همست الفتاة بهذه الكلمات، وقد رأت رودلف فالنتينو في رواية الشيخ. وكان بير ازناي المدرس في تجهيز فالاندر قد طوّحت به الحاجة مرّة إلى مصر فكان معلماً في المدرسة العلمانية الفرنسية في (النزهة؟) ولبث فيها عشر سنين. ثم عاد إلى فرنسا منذ عشرة أشهر، وليس في جيبه شروى نقير، ولم يربح إلا حكايات وتجارب حملها معه من الشرق، فلما سمع مقالة الفتاة اغتنم الفرصة فقال: - الشرق يا سيدتي؟ هل تحبين أن أقصّ عليك حادثة وقعت لي فيه، إنها مأساة هازلة عن الصداقة العربية. كان في مدرستي الفرنسية عشرون معلماً أوربياً ومعلم واحد عربي، عربي قحّ، ذو وجه أسمر مستطيل، يلبس القفطان والجبة الواسعة، ويبدلهما كل يوم بلون جديد. وهو مدرس للغة القرآن - الإجبارية في مصر - ومعرّض دوماً لاحتقار الأساتذة الأوربيين الذين يرون أنفسهم أرفع منه، فلا يتنزلون لمصاحبته. أما أنا فكنت أحييه التحية المعتادة لا أبالي بسخط زملائي ودهشتهم، ولا بدهشته هو المسكين الذي ما كان يجرؤ على رد تحيتي إلا بابتسامة عريضة، ونظرات ملؤها العطف والاحترام، ولا تمتد صحبتنا إلى أكثر من هذا، لأنه لا يعرف كلمة من الفرنسية، ولأنني أجهل العربية إلا المائة كلمة التي لابد منها للسير في الشارع مثل عندك هنا عربجي اسمع فين شارع فؤاد. ثم شاء القدر أن تلتقي مرّة في شارع فؤاد صباح يوم من ديسمبر حار ملتهب كأنه الظهيرة من أغسطس في فرنسا، وكان معه ابن عم له أقل عروبة منه، له إلمام بالإنكليزية، إلا أننا لم نكن نتفاهم إلا بصعوبة، وكان علينا أن نفترق، ولكن رغبتي في تعرف الحياة الشرقية وضجري من الوحدة أبقياني معهما. والفضل في بقائي لابن عمه هذا. . وللغة الإنكليزية (وأي إنكليزية؟.) ولم تكن إلا أيام حتى كنا أصدقاء.

стр. 5155

كان طيب القلب، بسيطاً محبباً، ولكن فيه شيئاً من العنجهية والجفاء، وكنا نذهب كل خميس وكل أحد إلى النزهة جميعاً: أنا وهو وابن عمه، فنزور معاهد النزهة ومتاحفها في عربة أو سيراً على الأقدام. وكان ابن العم كثيراً ما يتخلف عن الموعد، هرباً من مهمته الشاقة في الترجمة بيننا، فنبقى وحيدين، وتصوري موقفنا إذن: نسير جنباً إلى جنب ونحن ساكتان، نتبادل النظرات في ابتسامة ساخرة حزينة! ونسلم على المارة، وكنت قد تعلمت التحية العربية، وهي الإشارة باليد إلى الجبهة والشفة والصدر، رمزاً إلى أن الصداقة تشغل العقل بالتفكير، واللسان بالنطق، والقلب بالعاطفة، وكان صاحبي يتعلم بالفرنسية، ولكنه كان يحفظ مقطعاً واحداً في كل ساعة بعد أن أردده عليه مرات ويعيده علي محرفاً، فأشكره بابتسامة. وكنا إذا بلغنا مسجداً ودخل هو وقفت أنا على الباب أستشعر الزهو بأنني رومي لا كالأورام، وأنني صديق الشيخ، وأنني تشرفت بالوقوف في عتبة قبور الصالحين. وكان مساء السبت، وكنت في المدرسة، فدنا مني أحد الطلاب وأعطاني رسالة من الشيخ، مكتوبة بالفرنسية باللغة التي يحسنها طالب صغير، ففتحتها فإذا فيها: (يا صديقي الغربي العالم الفاضل، تفضل بالمجيء غداً إلى داري الحقيرة، لنتناول الغداء معاً، واعلم أن منزلي هو منزلك. . .) منزله منزلي! ولكن من الظهر إلى الساعة الرابعة، وطعامه طعامي، وكنت وا أسفاه مضطراً إلى الإجابة، لأن أي رفض مني يكسر هذا القلب الطيب، ولا أنسى ما حييت تلك الأكلة المنحوسة وهي التي يسمونها (الملوخية)، ولا أنسى كيف يأكلون من غير صحاف ولا شوكات، إنما يغمسون خبزهم جميعاً في صحفة واحدة، وكان على أن آكل بأصابعي هذه الدجاجات المحمرة التي أكرمني بها، وجعل نصيبي منها اثنتين، وقد ذهبت من الدعوة رأساً إلى الفراش، فلبثت ثلاثة أيام مريضاً! ورأيت في هذه الزيارة عقيلة الشيخ سافرة، لأن المعلم كالقس ليس كالرجال، ولا ضرورة للتحجب دونه (هكذا. . .) وتوثقت صداقتي مع الشيخ، فعرفني بالقاهرة وحياتها، ولم يكن غنياً، غير أنه لم يمكني من فتح كيسي مرة واحدة حينما أكون معه، بل يكون السابق إلى دفع الحساب المطلوب، كنا

стр. 5156

نزور الأهرام، ونجول في القاهرة وهي أشبه بعشرين مدينة مجتمعة منها بمدينة واحدة، بل هي عالم لا بد لرؤيته من ثلاثة أشهر. أما أنا فقد لبثت فيها مع الشيخ مدة قصيرة وإن أنس ذكراها لا أنس وقوف القطار بنا يوماً في المحطة، ورؤيتنا قريب الشيخ ينتظرنا ومعه البلح والبرتقال والموز المصري الصغير وغير ذلك مما لا أدري من أين أتى به، وما كنا نتحدث إلا بالابتسامات والجمل المقطعة والإشارات، كأن صداقتنا صداقة صامتة تتكلم فيها القلوب لا الأسنة، ولما اعتزمت العودة إلى فرنسا، في منتصف تموز، ودعني على المحطة وألقى عليّ نظرة كلها حب وعطف، وقال لي: إلى الملتقى! ولا تنس أن منزلي هو منزلك. ثم اختفى بين الجموع وإنساني البحر الواسع، وشواطئ الوطن المحبوب كل ما عداهما. فقالت الفتاة: - أهذا هو الشرق؟ يا ضياع أحلامي! فهز الأستاذ كتفيه، وعاد يقول بصوت خافت: وبعد أمد من رجوعي عينت مدرساً في مدرسة ماجيدي الثانوية في الألب، فلبثت فيها مدة، وتزوجت فيها، وكنت جد مشغول بأمور المدرسة، حتى أنه لم يكن في وقتي ساعة واحدة خالية، وإذا أنا ذات يوم أفاجأ بكتاب عليه خط رديء، وطابع من طوابع (النزهة)! فإذا هو من الشيخ، وإذا هو يخبرني بمجيئه مع امرأته وولديه ليقضي عندنا عدة أشهر، كأنما جاء يتقاضاني بدل ما أحسن إلي، وتصوروا وقع هذه المفاجأة على امرأتي التي أغمي عليها من شدة الدهشة، ولم أر أبداً من الانغماس في هذه المهزلة، ولا سيما وأنهم أبحروا دون انتظار جوابي. نزلت إلى مرسيليا أنتظرهم، فوجدت شيخاً غريباً في سراويل متهدلة وطربوش، ومعه امرأة ضخمة، على رأسها منديل أسود والى جانبها بنت صغيرة. واتفق أن تفتحت أبواب السماء يومئذ فهطل المطر غزيراً، حتى شعرنا أن السماء قد هبطت على الأرض فدخلنا مقهى قريباً، ولكن البنت ارتاعت منه، فملأت الدنيا بكاء ولم تشأ السكوت، وأخيراً أزفت ساعة القطار فركبناه إلى ماجيدي، والناس يرمقونني يحسبون أني أنقل إلى البلد (سركا) غريباً. وبلغنا المنزل، فكان استقبال زوجتي بارداً، وجاءت ساعة الطعام، فلم تألف أيديهم الأكل بالشوكات والصحاف، وانتشروا بعد الطعام في قاعة الأكل وفي الغرف المجاورة، وبكى الطفل بكاء شديداً، فبكت زوجتي أيضاً، ووقعت أنا في حيرة بينهما، فلعنت الشرق

стр. 5157

ومن شاد بذكره. ولما كانت صبيحة الغد سمعت وأنا نائم أصواتاً غريبة تمتزج بأحلامي، فصحوت فإذا بزوجتي ترقص أمام السرير، وتغني وتصيح: لقد سافروا يا بيير، لقد سافروا!. . ونظرت فإذا الشيخ قد ترك لي بطاقة صغيرة، فيها جملة واحدة عربية، حملتها إلى من يترجمها لي، فإذا فيها: - وداعاً! لقد علمت الآن أن منزلك ليس منزلي. دمشق: (ذو الطاءين)

стр. 5158

ناحية خفية من نواحي السودان القعب مصحة ومصيف جميل بقلم أبو القاسم محمد بدري القعب واحة مشرفة بين صحراء محرقة، يشتد بها الحر ويعنف فيها القر، تكاد تصعب فيها السكنى وتستحيل الإقامة، لولا أن الله وهب لنا تلك الواحة البهيجة، والروضة النضرة، فتوقت إليها السكنى وطيبت بها الإقامة وحببت فيها الحياة. ليس القعب واحداً في عدّه، ولا شاسعاً في بعده فهو عدة واحات متقاربة الأطراف مختلفة الأسماء، متحدة المنفعة والدواء، سُميت بالقعب في مجموعها، ولكن لكل قعب منها اسم خاص به، كقعب اللقية وهو أشهر، والسواني، وأبو نمل، وما إليها، مما يبلغ العشرة أو ينيف عدّاً. يشغل القعب جزءاً كبيراً في الجزء الغربي من مديرية دنقلا، ويبعد عن النيل بضع ساعات، ويسافر إليه بالمطايا نظراً لقلة السيارات في هذه المدينة، ولكنها ستعم في المستقبل القريب كل أنحائها ولا سيما بعد أن انتظم طريق المواصلات بالسيارات بين مديريتي دنقلا وحلفا. ولا يفوتنا أن مشقة السفر هذه لا تمنع الوصول إليه على متون الإبل بأجرة زهيدة وزمن وجيز، وخصوصاً إذا توجه المسافر إليه من مدينتي دنقلا وأرجو، أو من إحدى القرى المنتثرة بينهما على طول الطريق، ويبتدئ موسمه عادة في آخر فصل الصيف في الزمن الذي يقرب أو يتم فيه نضج البلح الذي له - على ما يزعم البعض - أثر كبير في الشفاء وصحة البدن، ويصنع منه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، منه ما هو سائغ الطعم لونه أصفر مشرب بحمرة، حلو لذيذ لا يسكر، يسمى (الشربوت) ومنه ما هو مُر المذاق حائل اللون يسكر في الغالب، ويطلق عليه (الدكاي) وكلا النوعين مفيد للصحة، محدد للنشاط، مقو للبدن. والقعب بلدة طيبة المناخ غنية خصبة الثرى وافرة النعيم، يؤمها البدو صيفاً ويرحلون عنها شتاء ينتجعون الكلأ والماء، ويطلبون الغنى والثراء من أكف المرضى وأيدي السائحين

стр. 5159

الذين يفدون إلى القعب زرافات ووحداناً من أقصى جهات السودان وبعض البلدان الأخرى. يقاضونهم أجراً على عملهم ومسكنهم، ويمنحونهم فيضاً من نعمهم. وفضلهم، على أن هاته الأجور وتلك المنح لا يأخذونها من جراء الكراء وتملق النزلاء وحب الاستجداء، كلا، ففطرة البدوي الصميم تأبى عليه أن يتطلب الغنى والجاه من سبل كهذه، لولا أن حاجات العيش الملحة ومطالبه الكثيرة ترغمه على أن يتقبلها كارهاً طائعاً إذ لا سبيل لعيشه بدونها؛ وهو لسمو نفسه وكرم يحتده لا يقبلها إلا بعد أن يرهق بدنه في هناء ضيفه وخدمة نزيله لما رُكّب فيه من طباع الكرم والنجدة والمروءة، وبعد أن يقدم له قرى فاخراً وهدايا جميلة من حمر النعم، وطيب الغنم، ومشتهى الأزاذ، وهي كل ما تصل إليه يد ذلك البائس الكريم، والبدوي إلى ذلك لطيف المعشر بسام الثغر، سريع البدار إلى لقاء الزوار، يستقبلهم بطلاقة ويحييهم يبشر، ويستدبرهم بكرم غيب وطيب ذكر، تلمح في وجهه سمات السذاجة المشوبة بالجهل، وآيات الوداعة الممزوجة بالأنفة والإخلاص مع بساطة عيش وهدوء نفس، وصبر جميل على معاناة النوائب والشدائد. وهؤلاء البدو لا يختلفون - عادة - عن باقي العرب في أساليب العيش والسكنى وطرق التفكير والتدبير في شئون الحياة، فعيشهم تغلب عليه البساطة، يعتمدون في غذائهم على الألبان واللحوم وبعض التمر والحبوب، أما مسكنهم فحقير متواضع، مصنوع من القش والوبر وخشب النخيل، إلا أنه مع تواضعه وحقارته نظيف الحجرات بارد الظل والنسيم، بديع الشكل. ويعتمد البدو كثيراً في جلب قوتهم على الاحتطاب، وهو أهم موارد رزقهم لفقر بلادهم المجدبة التي لا تصلح أن تكون إقليماً زراعياً مع خصوبتها لندرة الأمطار وصعوبة الري. وأرض القعب رملية ناصعة تصمد طوراً حتى تكون نجداً، وتهبط آخر حتى تنحدر إلى وهد أو سهل فسيح تنتشر فيه هنا وهناك كثبان الرمل المتقاودة، وقد قامت فوقها أشجار النخيل الباسقة حانية أغصانها الخضراء المورقة فوق سفح الوادي وحول حافة الينبوع، ومن بينها تتدلى أقناء البلح موشاة بصفرة الذهب وحمرة العقيق، فيتكون من ذلك منظر طبيعي جميل تتجلى فيه الطبيعة بأجلى معانيها وأروع صورها الفاتنة الساحرة. هناك تحت ظلال النخيل وفوق الرمال وحوالي الينبوع، حيث تخلد النفس إلى الراحة وتنعم بالهناء

стр. 5160

والصفاء، تحسن المتعة وتطيب المسرة ويلذ الأنس، بل هنالك وحده يصفو العيش، وتسعد الحياة ويحلو المقام. . وكأني بك وقد جلست عند الأصيل فوق ربوة عالية تسرح الناظر وتمتع الخاطر بمشهد الغزالة عند الغروب، وهي تستل أشعتها الشاحبة من أحضان الوادي الكئيب بعد أن زفت إليه تحية الوداع، وبعدما ألقت عليه نظرة ساجية تفيض بالألم الممض والحزن العميق. أو نهضت من فارشك مبكراً فألفيت الشمس تهبط من خدرها باسمة مشرقة تشيع الحرارة وتنشر الضياء، وتبعث الحياة في جوف ذلك المهمة القفر، وبين جوانب الطبيعة الصامتة، فيستيقظ الطير من سباته الطويل ويصدح بأغاريد الصباح بنغمة سحرية أخاذة وصوت عذب حنون. وهنالك حول الينبوع النمير وبين مدارج السبل ترى فتيات البدو السذج في ثياب فضفاضة وقد بدون سافرات الوجه في صورة مليحة تسحر اللب وتستهوي القلب، لم تعبث بها يد الحضارة الفاسدة، ولما تنل منها مظاهر التجمل الخادع والتكلف المزري الشائن، خرجن يردن الماء وبأيديهن الجرار وهن ينشدن نشيداً يدوياً ساذجاً في لفظه حلواً في معناه، فتمتزج تلك الأغاريد العذبة بهاته الأناشيد السحرية فتتولد منها نغمة قوية مشجية هي كل ما في تلك الطبيعة الجافة الغليظة من موسيقى رائعة، وصوت رخيم. في المساء، وما أسعد سويعات المساء في ليالي القمر البيضاء، إنها والله داعية أنس ومسرح لبانة، ومذادهم، ومعهد سرور. وما أجمل تلك السويعات التي تنفقها في السمر مع بدوي ساذج وديع، يجلس معك ويسمع منك، ويتحدث إليك بأحاديث ممتعة خالية من الحقد والحسد والنميمة. أو تلك التي ترتاد فيها مواطن الرقص في سبيل لذة بريئة، ووراء متعة طاهرة، حيث ترى الفتيان يصفقون والفتيات يغردن، والكل يقف في حركة مستديرة ومن بينهم الراقصة النحريرة، ترقص على توقيع الدف ونغمات العزف، وتتمايل في حركات ريفية واهتزازات بدوية تستلهمها من فن الطبيعة، وتستوحيها من جمال الطبيعة، ولكنها مع سذاجتها وبساطتها بديعة، لأنها صدرت عنها عفو الخواطر، وبدرت منها دون تكلف في الظاهر، وقد يستمر هذا الأنس حتى مغيب القمر ومطلع السحر، وفي النهار تشغل الوقت في عملية الدفن، وماذا عسى أن تكون عملية الدفن هذه؟ وهل هي نوع من أنواع التسلية أو وسيلة من وسائل المعالجة، أو ضرب من ضروب الرياضة؟ وهل اتخذت المعالجة

стр. 5161

بالقبر طريقة للحياة؟ وليس بعجيب أن تنشأ من القبر الحياة كما قد يطغى على الحياة القبر. إن عملية الدفن هذه ضرورية للقعب ضرورة (الحمام) للمصيف و (الدفء) للمشتى. ولا أعدو الحقيقة إن قلت إن قلت إن أثرها في جلب المنفعة ودفع الداء أبعد من ذلك وأسمى: فهي بمثابة العلاج الناجع والدواء الوحيد لشتى الأمراض التي استعصى علاجها بالعقاقير والأدوية المختلفة. وكم من مريض لصب جلده من الهزال، وارتهكت مفاصله من الإعياء، وطحطته العلل والسقام، وكان إلى الموت أقرب منه إلى الحياة، جاء إلى القعب ومكث به قليلاً فاستحال هزاله سمناً وضعفه قوة، وتجددت فيه قوى الحياة المضمحلة، وانتعش فيه روح الأمل البائد. وأنواع الأدواء التي يمكن علاجها في القعب عديدة، منها ما هو عضال يصعب علاجه، وما هو وسط يخشى استفحاله، وما هو يسير يسهل استئصاله. وهي في الغالب كل أنواع الأمراض العصبية والروماتزم (داء المفاصل) وبعض العلل الباطنية المزمنة، والشلل بنوعيه الجزئي والعام. . الخ. ومهما يكن من شيء، فعلاجها أمر موكول إلى التجربة والاستقصاء أكثر منه إلى شيء آخر. على أنه قد يشفى منها الكثيرون بعد ما يقطع الأمل في شفائهم. ولا يزال الأطباء في حيرة من أمر القعب لم يهتدوا حتى الآن إلى معرفة حقيقته معرفة تامة تستند إلى البحث العلمي الصحيح، وقد اكتفوا من ذلك بالإشارة إلى جودة هوائه وصحو سمائه، وأثرهما الحسن في نفوس المرضى، وإسداء النصح لمن يستشيرهم في الذهاب إليه من ذوي العاهات والأمراض. وللناس أقوال متضاربة وإشاعات عديدة يتناقلونها ويروونها عن القعب. فمنهم من يذهب في القول إلى أن مصدر قوته السحرية هذه إنما هي عذوبة الماء، ويزعم أناس أنها جودة الهواء، ويجزم فريق آخر أنها أكل الأزاذ والشواء. وعلى كل حال فحقيقة القعب لا تزال غامضة حتى يستجليها البحث والاستقصاء، ويتولى ذلك نخبة من شبيبتنا المثقفة تحت إشراف الحكومة وبتعضيد الشعب. وبالمناسبة ألفت نظر الجميع إلى وجوب العناية والاهتمام بشأن القعب، وذلك طبعاً بتوفير كل معدات الراحة والرفاهية، وتشييد المساكن الفخمة، وتنظيم طرق المواصلات حتى يسهل السفر إليه والإقامة فيه، فيكثر بذلك عدد المصطافين والمرضى، وحينئذ نحصل على مورد لا بأس به من موارد الرزق نصلح به أحوال البلاد خصوصاً هذه المديرية البائسة في مثل هذه الأزمة الطاحنة

стр. 5162

ولعلك تشتاق إلى معرفة طريقة الدفن، ولشرحها نقول في إيجاز: تشق الأرض على شكل أخدود أو حفرة أو قبر أو كما شئت فسمه، ثم ينصب حول هذا القبر المزعوم سياج من أعواد النخيل يسقف ويغطى من الجوانب بأغطية كثيفة تحجب أشعة الشمس عنه، ويكون في شكله أشبه شيء بالتابوت، ويترك حتى يبرد أديمه، ثم يأتى بالشخص المراد دفنه، وبعد أن يجرد من جميع ثيابه يضطجع ويهال عليه التراب ويدفن كل جسده ما عدا رأسه ووجهه، ويستمر على هذه الحال بضع دقائق يضيق خلالها نفسه، وتسري في جسمه حرارة خفيفة في بدء الأمر تأخذ في الاشتداد كلما طال مكثه، ويشرع في إخراجه متى بدت عليه مظاهر التعب والضيق. والمدة المحددة لدفنه تستغرق ما بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة. وبعد خروجه من ذلك القبر يكون مغبر الصورة معفر الوجه والبدن ملبداً بالتراب الممزوج بالعرق في شكل يثير منك الضحك والعجب وبعد الانتهاء من الحمام يشعر بخفة في بدنه وسرور يغشى نفسه، ويلتهم بعد ذلك طعامه بشهية ونهم عجيبين، وتكرر هذه العملية مرة أو مرتين أو مرتين في اليوم على حسب استطاعة المرء ورغبته، وهي تفيد - على الوجه الأصح - جميع لأمراض العصبية والروماتزم والفالج، ولعل مفعول هذه الحرارة المكتسبة من الدفن يقرب في الغالب - على ما أظن - من مفعول الحمام الشمسي في معالجة هذه الأمراض. ويبتدئ زمنه المناسب من الساعة الثامنة صباحاً والساعة الخامسة في المساء في الزمن الذي تلائم فيه الحرارة الجسم. والدفن ضروري للمرضى. أما ما عداهم فعلى سبيل التسلية والرياضة، ومع ذلك فمنفعته لا يستهان بها في الفتك بالأمراض عند بدئها وإزالة الضعف والنحافة وتقوية العضلات والبدن. كلية غردون (سودان) أبو القاسم محمد بدري

стр. 5163

مصطفى كمال سيرة حياته للكاتب الإنجليزي آرمسترونج تلخيص وتعليق حنفي غالي هنالك في الجي العثماني بسالونيك في بيت حقير متهدم، قائم فوق أحد التلال في ظل حصن عتيق، رأى الطفل مصطفى نور الحياة عام ١٨٨١، في عصر كانت الإمبراطورية العثمانية تعالج سكرات الموت من جراثيم الأمراض الخلقية والاجتماعية التي تنخر فيها، وتكاد تلفظ النفس الأخير، لولا أن قضت السياسة الأوربية في ذلك الحين أن يبقى (الرجل المريض) ليذود الدب الروسي عن حياته، ويحول دون امتداد طغيانه حتى يوافيه أجله المحتوم. فكأن العناية الإلهية قد أرسلت الطفل العظيم في هذا العصر لتبصره بموطن الداء، وتهيئه لتأدية رسالته لإنقاذ أمته. كان أبوه علي ريزا رجلاً مغموراً نزح من ألبانيا إلى سالونيك طلباً للعيش وسعياً وراء القوت، فابتسم له الأمل فيها نوعاً ما، واشتغل كاتباً بإدارة الدين العثماني، ولم يكن مرتبه الضئيل ليقوم بمطالب أسرته، فزاول تجارة تعينه على الحياة. أما أمه زبيدة فكانت كسائر النساء العثمانيات، قعيدة البيت لا ترى نور الشمس إلا من قوته، ولا تغادره إلا في رفقة أحد محارمها لتعود ذويها أو جيرانها الأقربين، فظلت في ظلام دامس من الجهل بشئون العالم الخارجي لا تلم حتى بمبادئ القراءة والكتابة، ولكنها كانت ربة أسرة بحق تعرف كيف تدبر أمورها بحزم، وتسوسها بنظر بعيد، في مزاجها شيء من الحدة، وفي محياها سيماء النبل والسيادة. يمتزج في عروقها الدم الألباني بالدم المقدوني، وكانت أقرب إلى الرجولة في بنيانها، مديدة القامة، قوية الصحة، وقد آثرت الحياة بجوار الريف الذي أحبته ونشأت في أحضانه، فظل لها خلق أهله من إيمان عميق ووطنية صادقة، واستمساك بالقديم، وعقل رجيح صائب الحكم في مسائل الحياة الأولية، وكانت ككل امرأة عثمانية تهب نفسها، وتصفي ودها لزوجها وأطفالها الثلاثة الذين توفى أحدهم في طفولته، ولم يبق سوى مصطفى وأخته مكبولا.

стр. 5164

كان مصطفى هزيلاً نحيلاً، وكان طفلاً في سنه، كهلاً في خلقه. فلست ترى فيه جذل الأطفال ومرحهم. بل وقار الرجال ورزانتهم، وكان عصي النفس عسير القياد، كثير التمرد على أوامر والدته، فإذا همت بتأديبه ثار واهتاج، وكان قليل المخالطة للداته من الأطفال مستقلاً بنفسه عنهم، اعتزل أبوه منصبه فأراد أن يعلمه الاتجار ليساعده ويعينه، ولكن أمه أرادت أن تفقهه في دينه، فأرسل إلى مكتب ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة ويستظهر القرآن. ثم إلى مدرسة شمس أفندي حيث بدت بواكير نبوغه. وفي ذلك الحين فجعت الأسرة بموت عائلها، فأضحت في فقر مدقع، وبؤس ملح، فلجأت زبيدة إلى أخيها فأوى إليها وعطف عليها، واحتضن مصطفى وأخرجه من المدرسة وأبقاه معه، وناط به رعي الماشية وإطعامها، ومال الفتى إلى هذا اللون من الحياة واطمئن إليه، إذ كسب منه قوة في بنيته ومتانة في صحته، ولم تزده الأيام إلا حباً له وشغفاً به، وإباء لكل ما يرمي إلى انتزاعه منه، ولكن الأم الحكيمة لم تنزل على هوى الفتى الغرير، فأغرت أختاً لها بالإنفاق على تعليمه وكان لها ذلك. ألحق فتانا مرغماً بإحدى مدارس سالونيك، فألفى البون شاسعاً بين حياته الأولى الحرة الطليقة، وبين حياته الجديدة السجينة المقيدة، فأضحى دائم الثورة كثير التبرم بنظام الدرس، ولكنه ظن كما كان شديد الإعجاب بنفسه، كثير التفاخر على أقرانه، قليل المخالطة لهم حتى في ألعابهم المدرسية، فإذا هموا بمضايقته والتحرش به، ناضلهم بشدة، وردهم على أعقابهم مدحورين، فاشتد بغضهم له ونفورهم منه وإنكارهم لكبريائه، حتى اشتبكوا في شجار معه وشكوه إلى أحد المدرسين فصفعه صفعة أطارت صوابه، ففر من المدرسة وعاد إلى ذراعي أمه، وعبثاً حاولت أن تعيده إليها رغم توسلها بالترغيب حيناً وبالإرهاب أحياناً، فاقترح خاله إرساله إلى المدرسة الحربية بسالونيك، لأن التعليم فيها لا يكلفهم من النفقات كثيراً ولا قليلاً، وهي تحت رعاية السلطان عبد الحميد، فإذا ظهر تفوق الفتى ارتفع إلى مرتبة ضابط، وإلا التحق جندياً بالحرس السلطاني. فمستقبله على أي حال واضح مأمون. وما كانت الأم لترضى بهذا أو تميل إليه، إذ كانت تريده فقيهاً على غرارها في التقى والورع، ولكن فتانا الثائر نال منه الاقتراح كل منال، وأخذ منه كل مأخذ، فما كانت نفسه الطموح لتقنع بما تريده الأم. بل هو يريد أن يرتدي حلة الجندية التي يرتديها تربة أحمد ابن أحد جيرانهم، ويخطر بها غادياً

стр. 5165

رائحاً في زهو وإعجاب، ويمني نفسه بأن يكون ضابطاً يصدر أوامره فيتلقاها مرءوسوه بالإذعان والخضوع، ولم يطل بفتانا الانتظار بل عول على نفسه في تحقيق غايته. فلجأ إلى ضابط متقاعد من معارف أبيه، ورجاه أن يكون ولي أمره لدى المدرسة المذكورة. ثم تقد م للامتحان فجازه، والتحق بها دون أن تعلم أمه من الأمر شيئاً، وهكذا أرادت الأم شيئاً وأراد الله شيئاً آخر، فكانت إرادته جلت قدرته أرحم بالفتى وبأمته من الأم الورعة الزاهدة، وفي المدرسة وجد الفرصة التي هيأتها له الأقدار في عالمها المحجوب، فبرزت مواهبه رائعة في الرياضة وسائر العلوم الحربية، أما خلقه فظل كما هو، بل زاد مزاجه حدة وطبعه تمرداً، يثور لأقل نقد يوجه إليه، أو لوم يلقى عليه، وكان يحب دائماً أن يكون قبلة الأنظار ومدار الحديث، ولم يكن أبغض إليه من أن يرى نفسه خاملاً ذاهباً في غمرة الإهمال، إذ كان شديد الشعور بشخصيته، قوي الإحساس بارتفاعها عن أقرانه، حتى كان يرد من حاول الاتصال به منهم قائلاً (أنا لا أريد أن أكون واحداً من أمثالكم) ويمضي في سبيله قدماً لا يلوي على شيء، كذلك كان لرغبته الملحة في التفوق والتبريز، شديد الحسد لكل من بذه منهم، ولعلك تعجب حين تعلم أن هذا الفتى الجافي الخلق الفظ الطباع يلعب الغرام برأسه، فيرى دائماً يخطر في أبهى ملابسه وأزهاها، مداعباً للفتيات مغازلاً لهن، محاولاً الاستيلاء على قلوبهن، ولكن لم العجب؟ أو ليست هي الطبيعة تأبى إلا أن تبرز العظيم في جميع أدوار حياته نمطاً شاذاً؟ ومهما يكن من أمر فتانا فقد نبغ نبوغاً لفت نظر أحد أساتذته وأسمه مصطفى، فأختاره مشرفاً على إحدى الفرق الصغرى ووكل إليه إلقاء بعض الدروس، ولتشابه الاسمين ميز الأستاذ تلميذه بإضافة اسم كمال، فأصبح يعرف منذ ذلك الحين باسم مصطفى كمال، وقد تخرج في المدرسة في سن السابعة عشرة. ثم أرسل إلى المدرسة الحربية العليا بموناستير (يتبع) حنفي غالي

стр. 5166

مشهد ومكة بقلم الأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب سارت الرسالة في عددها التاسع والخمسين، بكلمة ناقدة للأستاذ عبد الوهاب عزام، عن كتاب (جولة في ربوع الشرق الأدنى) للرحالة محمد ثابت، وقد عناني من هذه الكلمة تفضيع الأستاذ عزام خطأ الرحالة في قوله عن شيعة إيران: إنهم يفضلون مشهداً على مكة فنشطت لكتابة هذه الكلمة لا إنصافاً للناقد والمنقود، فهذا شيء قد يكون عند غيري حسابه، إنما عنيت بذلك لثلاث: إحداهن حب الحقيقة، وإنها لحقيقة أن تبتغى لذاتها، ويجمل إلى الناس تصحيح وخالفها تطوعاً. وثانيتهن: أن في هذا الحديث عن تفضيل الشيعة مشهداً على مكة مثلاً شيقاً طريفاً للباحث النفسي عن فرق ما بين العقيدة والفكرة، وصلة ما بين العقل بمنطقه، والاعتقاد بسلطانه. كما أن أمثال هذه الحقائق النفسية هي الأصول القوية لتفسير التأريخ تفسيراً صحيحاً صادقاً. والثالثة: أننا حين نعمل جادين، وندعو محبين الوحدة الإسلامية، وتقريب ما بين الشعوب الإسلامية على تنائي ديارها، واختلاف أنظارها، يجب أن نعرف الحقائق على ما قد يكون بها من قسوة أو شدة، إذ لا غناء في إنكارها، ولا خير لنا في تناسيها أو نسيانها. قال الأستاذ الناقد (وأفظع من هذا كله قوله عن إخواننا شيعة إيران، إنهم يفضلون مشهداً على مكة، وكيف يعقل أن أمة مسلمة شديدة الغيرة على دينها تعتقد أن الحج إلى مكة فرض، وقاعدة من قواعد الإسلام، كيف يعقل أن هذه الأمة ترى زيارة مشهد افضل من الحج إلى مكة؟. ربما بالغ عامة الإيرانيين في تعظيم مشهد وغيرها من المزارات الشريفة، كما يبالغ عامة المصريين في تعظيم مسجد سيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيد البدوي، وإبراهيم الدسوقي: ولكن عمل العامة لا تفسر به عقائد الأمة. وهذه كتب الشيعة بين أيدينا تنطق بخلاف ما زعم الكاتب) (ص١٣٩٩ عدد ٥٩ من الرسالة). والأستاذ عزام خير من يعرف أن القياس قليل الجدوى وضائع الأثر في مثل هذا المقام. فما لا يعقل وما يعقل قد يُعتقد ويهرب معتقده من الحوار فيه أو الجدال حوله، بل يهرب من طلب النفس تفسيره؛ على أن الأستاذ لو أنصف لذكر من كتب الشيعة التي بين أيدينا

стр. 5167

شيئاً بعينه يفند هذا الزعم، أو يحتسبه على العامة، فيرد عليهم بدعتهم، كما ترد على عامة المصريين بدعمهم في تعظيم المشاهد المصرية والقبور، ولكنه لم يفعل فلم يرح القارئ. وكيف يكون الأمر إذا كانت كتب الشيعة تقرر هذا التفضيل المكاني بقسوة وعنف؛ وتجعل مكة وبيتها الحرام ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لكربلاء، وإلا هوى الله بها في نار جهنم!!. وهذا عالم فارسي شيعي من المحدثين قد أشرب روح العصر واعتداله أو تساهله إن شئت، وهو مع ذلك ينقل عن قديم كتبهم هذا التفضيل؛ بل يعد المروى فيه متواتراً عندهم!! ذلك العالم هو الشيخ أحمد بن عبد الله الكوزه كناني، صاحب روضة الأمثال في تفسير آيات التمثيل بالقرآن الكريم، وكتابه مطبوع في فارس ومنه نسخة في دار الكتب المصرية. عقد الشيخ فصلاً (في فضيلة أرض مكة وفضائل بيت الله.) الخ ص١٨٧. واستطرد في خلاله بفصل عنوانه (في أن أرض كربلاء أفضل من الكعبة) ص ١٨٨ وفيه يقول ما نصه: - (أقول قد ورد في أخبارنا الخاصة أن أرض كربلاء أفضل من الكعبة مثل ما في البحار عن. . . عن أبي عبد الله. . . قال إن أرض الكعبة قالت منْ مثلي: قد بني بيت الله على ظهري، يأتيني الناس من كل فج عميق، وجعلت حرم الله وأمنه؛ فأوحى الله إليها أن كفي وقري، ما فضل ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غرست في البحر، فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به، فقري واستقري، وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم) إلى مرويات أخرى في هذا المعنى آخرها قول الرسول ﵇ (يقير ابني في أرض يقال لها كربلاء هي البقعة التي كان عليها قبة الإسلام التي نجى الله عليها المؤمنين الذين آمنوا مع نوح في الطوفان)، ونختم هذا الفصل بقوله (والأخبار في هذه المعاني في خصوص كربلاء متواترة من أرادها فعليه المجلد الثاني والعشرون المسمى بمزار البحار). فليس الأمر من مبالغة العامة، ولا من عمل العامة الذي لا تفسر به عقائد الأمة ولا نكر على الرحالة، ولا فظاعة فيما أخبر به.

стр. 5168

أنا لا أقول بصحة هذه المرويات بل تواترها، وليس يعنيني في شيء مطلقاً أن يستمسك إخواننا الشيعة بها؛ بل أحب ألا يكون لذلك أثر حتى تتضاءل الفروق بين المسلمين، ويهون التقارب، لكن ما لا نحبه قد يواجهنا صارخاً به الواقع. واكتفى بهذه الكلمة قائلاً مع الأستاذ عزام في ختام كلمتي: إنني لراج أن يتم التعارف بين الأمم الإسلامية، حتى لا يكتب بعضها عن بعض إلا عن علم وروية، وتثبت وانصاف، والله ولي التوفيق. أمين الخولي

стр. 5169

اليابان تلقي على الشرق درساً للأستاذ محمد مختار المحامي جاء في الصحف اليومية منذ عهد قريب أن مصانع اليابان أخرجت سيارات زهيدة الثمن في طاقة كل شخص أن يقتنيها وهي تريد أن تغمر بها أسواق العالم، وقد كان لهذا الخبر رجة عنيفة في جميع الدول، فقد أوقعها في حيرة شديدة إزاء هذا التيار الجارف الصادر من أقصى الشرق. منذ نصف قرن تقريباً استيقظت اليابان من أحلامها، وبخطوات العمالقة اقتحمت الهوة التي تفصلها عن الحضارة الغربية الحديثة فتركت وراءها قروناً غطت فيها في سبات عميق، ورفعت الحجاب عن أعين الشرق ونبهته إلى الحقيقة التي غابت عنه، وأظهرته على باطل ما يلقي إليه المستعمرون من أن الشرق يعيش في الماضي، وأن من المحال إحياءه وجعله يسير في طريق التقدم لأن وجهه دائماً إلى الخلف، وقد قبلنا هذا الاتهام وآمنا به، وفعل فينا فعل التنويم المغناطيسي إلى أن أتت اليابان ففكت طلاسم هذا السحر، وكنا قد نسينا أن نشأة الفلسفة والعلم والآداب وكل أديان العالم لم تكن إلا في الشرق، فكيف تتهم أراضيه بالعقم وعقوله بالخمود، وهي التي قد حملت مشاعل الحضارة وقت أن كان الغرب يتخبط في الظلام؟ لقد دهش العالم أيما دهشة حين حطمت اليابان الحواجز التي كانت تحجزها عن العالم بين يوم وليلة، ثم خرجت منتصرة أيما انتصار، فقد فعلت ذلك في وقت قصير كالوقت الذي تغير فيه الثياب، لا الوقت الذي توضع فيه أسس حضارة جديدة، وقد أظهرت أصدق مظاهر قوة الخصب والقدرة على العيش في هذه الحياة الجديدة، فقيل إن هذا الانقلاب ليس إلا مسخة من مسخ التاريخ، أو فقاعة كفقاقيع الصابون كاملة في استدارتها ولونها، جوفاء في قلبها ومادتها. ولكن اليابان أثبتت أن تطورها لم يكن لحظة دهشة قصيرة، أو فرصة من فرص مد الزمن وجزره. الحقيقة أن اليابان قديمة وحديثة في آن واحد، فهي لم تترك تراث الشرق القديم وثقافته التي تدفع الإنسان إلى البحث عن القوة والسعادة الحق في أصل نفسه والتي توحي إليه برباطة الجأش عند مواجهة الخسائر والأخطار، وبالتضحية التي لا تحسب حساباً للكسب

стр. 5170

وبتحدي الموت. فاليابان زهرة من أزهار اللوتس تنمو بسهولة ورشاقة محافظة على الأعماق التي منها نمت، ومع ذلك فقد تسلقت اليابان إلى آخر ما وصل إليه الغرب وصارت تعج فيها الحضارة الحديثة بكل مسئولياتها. إذن الحياة والقوة كائنتان في الشرق، ولكنهما كامنتان تغطيهما قشرة ميتة يجب أن تزول، لأن الاحتماء بالميت موت، واحتمال أخطار الحياة حياة. ولا يظن أحد أن اليابان قد وصلت إلى ما وصلت إليه بالتقليد، لأننا لا نستطيع تقليد الحياة والقوة لأمد طويل، بل إن التقليد مصدر من مصادر الضعف، فهو يعوق طبيعة الأمة الحقيقية، لأنه كالباس هيكل عظمي لإنسان ما، إهاب إنسان آخر. لقد استمدت اليابان غذاءها من الغرب، ولكنها لم تستمد منه حيويتها، بل احتفظت بروحها، وهذه هي المعجزة التي بهرت أعين العالم، فقد علمت عن حق ويقين أنه لا يمكن قبول المدنية الغربية على علاتها، تلك المدنية التي لم تحل بعد أعظم مشاكل الوجود كالتنازع بين الفرد والدولة، وبين العمل ورأس المال، وبين الرجل والمرأة، والتنازع بين شره الكسب المادي والحياة الروحية للإنسان، وبين أطماع الأمم المنظمة والمثل العليا للإنسانية، تلك المدنية التي تتغنى بالحرية، ثم تأتي بأقسى ضروب العبودية، تلك المدنية التي يفقد الإنسان تحت تأثير سحرها كل ثقة في المثل العليا التي جعلته من قديم الزمن إنساناً. والحق يقال إن النفس الشرقية بما انطوت عليه من قوة روحية وحب للبساطة واعتراف بالواجبات الاجتماعية عليها أن تحكم العقل الشرقي إذا أرادت أن تشق طريقاً وسط هذه المعمعة الغربية، وعليها ألا تلقي وراء ظهرها تراث الأجيال الماضية كما تلقي الملابس البالية، إذ أن هذا التراث في دمها وفي نخاع عظمها وفي تكوين لحمها، وفي ألياف مخها، وهو يكيف دون أن تشعر ودون أن تريد كل ما تضع عليه يديها بتكييفه الخاص. ومن تراث الماضي وغذاء الحاضر المستمد من الغرب عليها أن تخرج خلقاً جديداً لا مجرد تكرار، ولتكن لنا من اليابان عبرة إنّا لنصغي إلى ما يقوله الغربيون من أن مدنية الشرق ليست إلا فلسفة لاهوت، فإن الأصم يرى في اللعب على (البيانو) حركات أصابع مجردة عن نغم الموسيقى، وهم لا يعرفون إننا قد بنينا تقاليدنا على أساس من الحقائق التي تدخل الطمأنينة والسلوة في قلب الإنسان،

стр. 5171

والتي تجعل وجدانه دائم اليقظة والحياة. لقد واجهت الشمس المشرقة العالم فكانت الأولى في الشرق في هذا السبيل، ولقد أشعلت الأمل في فؤاد الشرق فحق عليه أن يقدم لها الثناء، ومن يدري فقد يكون هذا بشيراً بأن يعم النور الخالد هذا المكان الذي بزغت فيه شمس الآدمية لأول مرة. محمد مختار المحامي

стр. 5172

ليلى العفيفة للمرحوم الأستاذ محمد عبد المطلب . . . لعل أسمى مراتب العظمة الإنسانية في الحياة الدنيا هي تلك الكلمة الصغيرة التي تفني الأجيال وهي باقية، وتتقلب الأزمنة وهي ثابتة، وتخفت الكواكب والأقمار وهي متلألئة متوهجة، والتي اسميها؛ ويسميها الناس معي (. . الخلود. .)!! نعم. . إن أعظم ما في الحياة الدنيا وأبقى ما فيها من خير هو الخلود من غير شك. . وإذا قلنا إن الخلود هو أمتع ما في الحياة من جمال وروعة، فلأننا نريد أن نقول أيضاً إنه صعب المنال عسر الإدراك. لا يتشرى إلا بأعز ما في النفس البشرية، وأغلى ما فيها. . وهي الحياة. . فمن ضحى بحياته، أو كان على استعداد لتضحيتها في سبيل سعادة غيره ورفاهيته ورفع الظلم عنه نال الخلود لأنه أناله لغيره، أو حاول أن ينيله إياه - إن قصر أجله عن إتمام ذلك - ومن ضحى بوقته وراحته في سبيل تثقيف الغير وتعليمهم، وتهذيبهم ونشر نور العلم بينهم. لن يفنى وإن فني جسمه، ولن يُنسى وإن اختفى شخصه، ورجع إلى الأرض التي منها نشأ وعليها تربى. فالحياة والذكرى ليستا وقفاً على الجسوم الحية المتحركة. . وإنما هي رهينة تلك الأعمال الجليلة التي أداها أصحابها، وعلى تلك الخدمات الصادقة التي بذلوا في سبيلها راحتهم وشبابهم، والتي لن تفنى حتى يفني الفناء، ولن تزول حتى تتبدل الأرض غير الأرض والسموات. فكم من حي لا تعرفه إلا نفسه، وكم من ميت بلى عظمه وفني جسمه، ومع كل فهو يملأ القلوب بحبه، ويملأ الدنيا بذكره واسمه. ومن هؤلاء الخالدين المرحوم الأستاذ (محمد عبد المطلب) الذي تعرفون عنه أكثر مما أعرف، وتقدرون أعماله الجليلة كما أقدر، وتؤمنون بعبقريته الفذة كما أؤمن، وتعترفون بشاعريته الخصبة السامية كما أعترف، وتفخرون بدرره اللامعة - التي حلى بها جيد العربية - كما أفخر. لهذا فإني أعتقد أنكم تودون أن تقرءوا له شيئاً لتمتعوا أنفسكم بسحر هذا الشاعر البدوي

стр. 5173

الذي سيدهشكم الآن بأسلوبه الحضري الرقيق، وبتفكيره المصري الذي نعجز عنه ونحن فيه. وقبل أن أعرض للأستاذ المرحوم شيئاً أود أن أقول: إنه كان من أسبق الشعراء إلى تأليف الروايات، فله في دار الكتب من عشرين سنة مضت روايتا (المهلهل) و (امرئ القيس) وله أيضاً عدة روايات وضعها للمدرسة السعيدية وقت أن كان مدرساً بها: وكأن المرحوم شعر بحاجة المسرح المصري إلى روايات عربية سليمة التفكير رقيقة التعبير، فوضع له في سنة ١٩٠٩ رواية (ليلى العفيفة)، ولكن حظ المسرح التعس حال دون ذلك لأن الأستاذ لكثرة أعماله في مدرستي دار العلوم والقضاء الشرعي لم يستطع إتمام القصة، وحاول في أواخر أيامه أن يتمها ولكن الموت القاسي عاجله، فحرمنا من تراث أدبي نافع. على أننا سنعرض الجزء الذي كُتِب من (ليلى العفيفة) بنت لكيز، وهي التي حاربها الزمن على يد أبيها بضع سنوات، فأذاقها مُرّ الحياة وشقاء العيش، وذل الأسر. . . ولكن الله جلت قدرته أنالها سعادتها مضاعفة، ورد عليها فتى قلبها وبطل أحلامها جزاء وفائها وإخلاصها. . . ولعل القارئ يدهش من هذا ويعجب، إذ كيف يحارب رجل ابنته ويذيقها الألم الممض، ويمنع عنها سعادتها ورفاهيتها. والمعروف أن الآباء يتسابقون إلى جلب السعادة لبناتهن؟! ولعله لا يدهش ولا يعجب عندما أقول له: حقاً إن الآباء يفعلون هذا وأكثر من هذا، ولكنهم في مسألة واحدة، بل وفي لحظة واحدة يهدمون حياة بناتهن، ويسقونهن كأس الموت مترعة، ويقاومون شعورهن، ويتجاهلون إحساسهن، ويدفعونهن إلى الهاوية باسم المحافظة عليهن. فترى الرجل منهم عندما يعلم أن ابنته تهوى إنساناً وتحبه، وتود من صميمها أن يكون رجلها. تراه في هذه اللحظة قد تنمر وركب رأسه الأخرق، ووقف بينها وبين من تحب رافضاً زواجهما، آبياً جمعهما؛ بل يزوجها ممن يحب هو ويريد، محتجاً بأنه أعرف منها بمصلحتها! فتكون الطامة، وتكون النهاية السوداء في أغلب الأحايين!. وهذا ما حصل فعلاً مع ليلى بنت لكيز فإنها كانت مخطوبة لابن عمها البراق، وكان الحب يجمعهما برباطه المقدس. فرأى لكيز بعقله الأخرق، وحماقته المجنونة أن يفسد هذه الخطبة، وأن يقبل خطبة عمرو بن ذي صهبان لابنته طمعاً في ماله وشجاعته!. . فأنظر

стр. 5174

إليه وقد زاره أحد بني كليب لينهاه عما فعل حرصاً على البراق ورحمة بابنته التي تحبه وتهواه: كليب: ما لأبي ليلى حزيناً مطرقاً؟ لكيز: أرقني شغل بليلى أرقا … جمّع من همي ما تفرقا عمرو بن ذي صهبان لما حققا … أن لها في الحسن جدا صدقا وفي المعالي غاية لن تلحقا … بادر في خطبتها مستبقا كليب: رام ابن ذي صهبان صعب المرتقى … إن سمع البراق أو تحققا بأن عمراً باب ليلى طرقا … أرعد كالليث لنا وأبرقا وطبق الأرض علينا طبقا لكيز: ولكن عمراً بالأيادي سبقا … قلدنا نعماءه وطوقا يجود كالغيث علينا غدقا … إذا بنا صرف الليالي أحدقا كليب: لكنه ليس من البراق … أحق بالطاهرة النطاق نقية الأعراض والأعراق … وهو فتى الجيش لدى التلاقي وما لبكر غيره من واق … إذ تأخذ الخطوب بالخناق وتلعب الأرواح بالتراقي … في يوم هول مظلم الآفاق حتى إذا يئس كليب هدده بقوله: إياك يا ابن العم أن تجيبا … فإن فيه اللوم والتأنيبا وإن ليلى - إن تكن أريبا - … تأبى سوى ابن عمها خطيبا وهو وان كان لها حبيباً … فما أتت نكراً ولا عجيبا فلا يزال السيد الأريبا … في قومها والبطل المهيبا يكفيهم البأساء والكروبا

стр. 5175

فيغضب لكيز من قول كليب ويستأسد قائلاً: ويحك! هل ليلى ترد أمري … برد هذا وقبول عمرو؟ رضيتُ عمراً أن يكون صهري … ما حجتي في رده؟ ما عذري؟ أليس في منعيه عين الغدر … ولو أبى البراق إلا هجري؟ فليجر في قطيعتي ما يجري وقد أنصف كليب كل الإنصاف حينما ذكره بأنه غدر بابن أخيه فقال له: يا أبا ليلى كفى. فالحقوق. أنكرتها. ذلك الغدر وأحاديث الجفا. والعقوق. كررتها. حلوها مر غضب البراق. مر لا يطاق. وله العذر ولكن أترى لكيزاً يأبه لهذا ويهتم به؟ كلا وإنما يمعن في قسوته، ويسترسل في شدته، ويأبى إلا تنفيذ ما رآه. ولو كان ما رآه هو الخطل بعينه، فاسمع إلى ابنته ليلى وقد عرفت من أمرها ما عرفته: فأخذت تشكو إلى الله ظلم أبيها، وتعدد مناقب ابن عمها، وتبثه لواعج غرامها. ثم تعرج على خطيبها المكروه فتتمنى من الله أن يقبض روحها قبل أن تزف إليه، فتواسيها صديقتها سلمى فلا تستمع إليها، ولا تزداد إلا أنيناً، وإلا حسرة على بعاد براقها. ليلى: رب! كم تبلو وتمتحن … إن قلبي شفه الحزن كلما قلت انجلت محن … عاودتني بعدها محن سلمى: هل أتى عن ركبنا نبأ … محزن، من بعد ما ظعنوا؟ ليلى: لا، ولكني أرى جللاً … عاجلاً يسعى به الزمن يا ابن عمي إن لي كبداً … قد يراها بعدك الشجن إنما البراق خير فتى … فيه بنت العم تفتتن صده عني أبي سفها … وأبي في رأيه أفنن وأتى عمرو ليخطبني … فأذلتهم له المنن

стр. 5176

ليت شعري ما الذي خبأت … لي من أحداثها اليمن ليتني يوم أزف له … يحتويني قبله الكفن سلمى: إن في الأيام معتبراً … والليالي بيعها غبن اصبري ليلى! ولا تهني … إن عزم الحر لا يهن ليلى: ارحمي يا سلم والهة … غلقت من قلبها الرهن وارحمي البراق فهو بنا … قد جفا أجفانه الوسن وكما قلنا من قبل أن أرواح العاشقين متجاوبة تشعر بشعور واحد، وتحس بإحساس واحد وفي وقت واحد. فإننا نستطيع أن نقول هنا إن براق أحس ما أحسته ليلى، وشكا مما شكت منه، فقال لصديقه عقيل: براق: يا عقيلا، يا عقيلا، … ما ترى الليل طويلا؟ ما لنجم الليل لا يبغي عن الأفق أفولا؟ عقيل: طال ليلى وهو أولى … بعد ليلى أن يطولا براق: بالأسى قد عيل صبري عقيل: أي نعم، صبرك عيلا يا ابن روحان رويدا … واصبر الصبر الجميلا براق: إن يحل دوني فإني … عن هواها لن أحولا يرتضى مثل ابن ذي صهبان من ليلى حليلا إن ليلى يا عقيل … لا ترى مني بديلا

стр. 5177

ظلموني ظلموها … أغضبوا السيف الصقيلا أنا إن لم أسق عمي … بالردى كأساً وبيلا. . . فيخاف عقيل من هذا التهديد ويخشى عاقبته. . ويشفق للكيز أن يقتله ابن أخيه فيقول لصديقه بخبث: عقيل: أوَ ترضى يُتْمَ ليلى؟ فيستفيق براق حينما يسمع اسم ليلى، وتأخذه عليها الشفقة والرحمة، ويخاف كرهاً إن هو نفذ تهديده. . فيكرر صديقه الخبيث قوله: عقيل: أوَ ترضى يُتْمَ ليلى؟ براق: لا ولا، حسبي ذهولا قطع السيف يميناً … تترك العم قتيلا والفتى من كان للأهل … ين مسماحاً وصولا غير أن براق يرى أن من المستحيل عليه معاشرة أهله، وقد حطموا قلبه وفتتوا كبده فيقول: غير أني لا أرى عن … أرضكم إلا الرحيلا يا لقومي للنوى زم … وا عن الحي الحمولا والى البحرين في … صبح غد، حثوا الرعيلا حتى إذا كان الصباح رحل براق إلى اليمامة ليأسو جرحه، وينسى ما هو فيه من عذاب وألم. فهل ترى الأقدار ساعدته؟ أم أنها كانت تعد له من مخبآتها ما أثار شجونه واستفز رجولته وألهب حميته وهو العربي الصميم؟ نعم إن الأقدار حاربته وعذبته، فإنه ما كاد يستقر في اليمامة حتى علم أن قومه في حرب ضروس مع طيئ وخزاعة. فماذا يعمل؟ أيذهب ويحارب معهم حتى ينتصروا وهم هم الذين عذبوه ومزقوا قلبه. .؟ أم يتركهم لأعدائهم يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم

стр. 5178

ويستحيون نساءهم؟ إنه إن فعل هذا فقد لحقه العار وركبه الذل، وناهيك بعار العرب وذلهم، على أنه مع هذا وذاك لم ينس أن يتهكم ويعتد بقوته فيقول: أتاني أن قومي جد فيهم … من الحدثين شر مستطير أناخت بينهم حرب عوان … ضروس للردى فيها زئير وما أدري أيذكرني لكيز … إذا استعرت وطار لها زفير؟ وهل هو بابن ذي صهبان يغني … إذا عميت على القوم الأمور؟ وما إن ينتهي براق من قوله حتى يخبره خادمه بضيوف يطلبونه، وسنرى الآن من أخلاق براق ما يدهشنا، وما يثير إعجابنا. الضيوف: نزلنا بأبي نصر … سلام يا أبا نصر دعوناك إلى أمر … فهل تصغي إلى الأمر؟ بنو عمك قد جاروا … ومدوا سبب الشر وقد خانوك من قبل … بمحض البغي والغدر فخالفنا وأيدنا علي … هم واسع في النصر نحالفك على منشئ … ت في بر وفي بحر براق: ذروني لست أترك آل قومي … وأرحل عن فنائي أو أسير بهم ذلي إذا ما كنت فيهم … ولكن لي بهم شرف خطير أأنزل بينهم إن كان يسر … وأرحل إن ألم بهم عسير؟ وفي أثر هذا القول الذي خيب ظن القوم يخرجون وهم يتميزون غيظاً ويحترقون ألماً. بل وفي إثره أيضاً يعلم براق بموت أخيه وانكسار قومه، وأسر أغلبهم وفيهم (ليلى) فيطير عقله، وينخلع قلبه، ويسافر تواً إلى قومه ويجمع شملهم وينظم عقدهم. ويشاء الله أن ينتصر انتصاراً حاسماً وأن يشتت أعداءه، ويمزقهم شر ممزق ثم يرجع بحبيبته ليلى ليستأنفا سعادتهما وحبهما، وهو يقول: يا ليل قومك عنك قد نكلوا … يا خجلتي يا بئس ما فعلوا

стр. 5179

أفأسلموك وأمعنوا هرباً … وتخطفتهم دونك السبل؟ أم كانت الجلى فما ثبتوا … وعن الحريم لهولها ذهلوا؟ أهلوك لا ميل ولا كُشُف … عند اللقاء، إذا هم نزلوا إن يخذلوك فرب معترك … عميت به النجدات والحيل هذه عجالة رأينا من الخير للأدب أن ننشرها للناس لتكون ذكرى طيبة للأستاذ الخالد، ولتكون نواة صالحة، وقدوة حسنة لمن يود أن يكتب الشعر العربي الرصين للمسرح المصري. رحم الله الفقيد وأسكنه مساكن الشهداء والصالحين. محمد السيد المويلحي

стр. 5180

من طرائف الشعر وحي المصيف ليلة البدر للشاعر الوجداني أحمد رامي غبرت أعدّ ليالِي العُمُر … وأرتقب البدر حتى ظهرْ وفي القلب أمّنية للقاء … وفي النفس عاطفة للسمرْ أسوق إليك حديث الشجون … وأشكو إليك صروف القدر وأرسل شعري على مِزهري … فأسمع منك حنين الوتر تعالَيْ إلى زورق سابح … نشقُ عليه عُبَاَب النَّهَرْ ونبصر بدرَ الدجى زاهياً … يرصّع أعطافه بالبِدَر وفي الشاطئين حسان المغاني … تجلّت لأعيننا كالصوَر سجا الليل إلا اصطفاق الشراع … وأبلس إلاّ حفيف الشجر بقلبي شكاةٌ تكتمتها … وقد كتم القلب حتى صبر توالى المغيب وكان الغروب … وعيني على الموعد المنتظر ظللت أودع شمس النهار … وأستقبل الليل بين الذّكر خلا الكون إلا نجىّ الفؤاد … تناغى مع الموج لمَّا هدر هنا البحر أقبل آذيُّه … هنا النيل طالَعه وانحدرْ تلاقى الغريبان بَعد النوى … وضِنّى الذي ارتجى ما ظهر

стр. 5181

تعالي له أيضاً تعالي نسعد الروح الحزينا … فقد قرّت نواة الوجد فينا حرمت هوى ترضين إلفاً … وعزّ عليّ من أهوى خدينا كلانا ناشد قلباً حنوناً … وكلّ يحتوي القلب الحنونا تعالي كفكفي الدمع السخينا … فكم أرسلت بالدمع الجفونا عرفتِ الحزن في فجر الليالي … وذقت من الأسى فيه فنونا وملت عن الهوى ونأيت عنه … فذكرنا اللقاء وما نسينا بكيت مودة وبكيتُ شجواً=ومن يبك العهود يكن أمينا فواسيني ترى قلبي حنوناً … وباكيني ترى دمعي هتونا أحمد رامي

стр. 5182

من الأدب الغربي الضجر للشاعر الإنجليزي هنري لنجفلو ترجمة محمد متولي بدر يا قَدَما من سُرى الليالي … ورحلة العمر والسنين أدمتكِ أحجارها ففاضت … فجاجها بالدم الثخين تجرين بالعبء - والأماني … تفرُّ - موصولةُ الأنين ها أنا أوشكت أن أوافي … لبيتك الهادئ الأمين هناك ننسى الذي رعانا … ومضَّنا، في حمى السكون لشدَّ ما أرهقت فؤادي … يا قدمي رحلةُ السنين! ويا يداً، لا أراكِ إلا … كثيرة الوثب والنضال آناً مليكاً ومستبداً … وتارة موطئ النعال الجود يُعْليكِ بالعطايا … والفقر يدنيك بالسؤال أنا الذي خضت مستميتاً … معترك العيش بالمقال يا طالما رحتِ في شقاء … تَشكيَن من كثرة الأمالي كم أنا يا عدتي حزين ال … فؤاد من دائكِ العضال! وأنت يا قلب يا صغيري … يا دائم الخفق والوجيب أراكَ تهتاج بين هذي ال … ضلوع كالثار الغضوب كأنما أنت - والأماني … بعيدة - ملتَ للغروب يا عجباً! هل رماك رامٍ … غير أمانيك بالخطوب؟ نار كنار الغضى وجمر … متقد ثائر الشبوب الآن فاهدأ فسوف نرضى … وتنطفي شعلة اللهيب وأنت يا روح، يا حياتي … يا هبة الرب والسماء هبطتَ من عالم خفي … أنقى وأصفى من الضياء

стр. 5183

يا روح، هذي سحائب العم … ر كالأواذيَّ في الفضاء تُمْعُن في سيرها وراحت … تنتهب النور في ظَمَاء يا لي من العمر! كيف ولَّى … وانحدرت شمسه ورائي؟! يا لي من الموت! كيف حانت … واقتربت ساعة اللقاء؟! محمد متولي بدر

стр. 5184

العلوم بعض الأسماك الغريبة بالبحر الأحمر للدكتور كرسلاندا مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة لم تمض بضع سنوات قليلة على إنشاء الجامعة المصرية حتى فطنت إلى أهمية البحر الأحمر من الوجهة البيلجية. فأقامت على شاطئه الغربي محطة الأحياء البحرية بالغردقة لمساعدة البحاث من العلماء على دراسة هذا البحر واستنباط أسراره. وهنالك في هذه المحطة يمكننا أن نشاهد دون ما عناء تلك الحيوانات الغريبة التي تختلف كثيراً عن حيوانات البحار الشمالية والبحر الأبيض المتوسط، والتي لم يرها حية إلا نفر قليل من العلماء تكلفوا في سبيل ذلك من المال والعناء الشيء الكثير. ويكفي أن تجرف قاع البحر - قريباً من مرسى المحطة حيث تغزر الحشائش - بجرافة صغيرة كي تحصل على نحو من ثلاثين نوعاً من الأسماك الصغيرة، أغلبها غريب في شكله وعاداته. ومن هذه الأسماك فرس البحر والأسماك الأنبوبية الفم ولا يبدو فرس البحر لأول وهلة من الأسماك، لولا زعانفه الصغيرة. وقد فقد زعنفته الذنبية فليس يفيد الذنب في العوم، وإنما يلتف حول الحشائش التي يعيش بينها فرس البحر فيمسك بها. أما الأسماك الأنبوبية الفم فبرغم جسمها العضوي الشكل الكثير الحراشيف، فهي أشبه بالأسماك العادية من فرس البحر ويمكننا أن نرى جلياً حلقة الاتصال بينها وبين فرس البحر. فهنالك واحدة من الأسماك الأولى ذات ذنب قابض قد فقد زعنفته، فإذا أخذت هذه السمكة وثنيت رأسها بزاوية قائمة ونفخت بطنها حصلت على فرس البحر. . كل هذه الأسماك تشابه الحشائش البحرية في لونها، وتحمل نقطاً حمراء قاتمة أو سمراء تشبه تماماً صدأ الحشائش التي تعيش بينها. وتبلغ مشابهة الأسماك للحشائش أقصاها في نوع ماصة الفم فهذا النوع يبلغ في الطول ثمانية سنتيمترات، ومع ذلك تصعب رؤيته جداً بين الحشائش التي يعيش بينها، حتى خارج الماء. ويخيل لناظر الصورة أن هذه السمكة سهلة الرؤية

стр. 5185

لشكلها الغريب، ولكن جسمها الرقيق ذا اللون الأخضر وزعانفها الصدرية العريضة والنقط السوداء المنتشرة عليها، كلها تكسبها شكلاً يحول كثيراً دون رؤيتها الحشائش خارج الماء. فكم تتعذر رؤيتها في مكانها الطبيعي؟ وهناك جنس آخر لا يمُتّ إلى الأسماك الأنبوبية الفم بصلة يعرف بالأمفسيل يشبه الأولى في فمها الأنبوبي الماص، وتغطي جسمه حراشيف كبيرة ملتصق بعضها ببعض، تكسب السمكة صلابة في الحركة - وجسم أسماك هذا الجنس مفرطح رقيق صلب، فهو أشبه شيء بحد السكين، ولا ينتهي بالذنب كالمعتاد، فقد تحول هذا من مكانه الأصلي وتقدم قليلاً نحو الجهة البطنية. وستدل من زعانفها الصغيرة على بطء حركتها - ولا يمكننا أن نتكهن كيف يعيش هذا السمك الغريب، إذ يصعب الحصول عليه حياً أو على الأقل في حالة جيدة، وذلك بالرغم من صلابة حراشيفه التي هي بالنسبة إلى حجمه أقوى من درع التمساح. والمفروض كما وصف بولانجيه في كتابه (المربي المائي) أن هذه الأسماك تتغذى على الحيوانات المائية الدقيقة تمتصها بفمها الأنبوبي. وتعطينا الأسماك الأنبوبية الفم مثلاً من الأمثلة النادرة بين الأسماك، إذ يحتفظ السمك ببيضه حتى يفقس، وبيرقاته حتى تتطور وتصبح قادرة على الأخذ بأسباب الحياة. والذكر وحده هو الذي يرعى النسل، فله كيس بطني تضع الأنثى ببيضها وتثبته ببعض على شكل كرة، تمسكها بفمها فتسد فتحته حتى ليستحيل الغذاء، والغريب أنها مع ذلك تتنفس - ومن طبيعة الأسماك الكبيرة أن تأكل الصغيرة، سواء أكانت من نوعها أم لا. وهنا نرى جلياً ظهور غريزة تخالف تماماً الطبيعة العامة للأسماك، وهي تشبه في ذلك غريزة بعض الأقراش الكبيرة يقال إنها تأوي صغارها في فمها - ولا يمكننا أن نقول إن مثل هذه الأسماك يمكنها أن تتعرف صغارها، فإن عقل الحيوانات لم يصل إلى الدرجة الدنيا التي يمكنه معها تمييز صغارها إلا في ملايين السنين بعد أن بلغت الأسماك نهاية تطورها المخي. وعائلة السكوربينويد كلها أسماك قبيحة المنظر، لها أشواك حادة في كل مكان يمكن أن يظهر فيه الشوك. وكلها ضارة إذا أمسكت، وبعضها خطر يهدد الحياة. إذ أن للأشواك غدداً سامة - ومن أفراد هذه العائلة أسماك صغيرة تعيش بين الحشائش المائية أيضاً، ونحصل
следующие страницы →