← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

تعالي له أيضاً تعالي نسعد الروح الحزينا … فقد قرّت نواة الوجد فينا حرمت هوى ترضين إلفاً … وعزّ عليّ من أهوى خدينا كلانا ناشد قلباً حنوناً … وكلّ يحتوي القلب الحنونا تعالي كفكفي الدمع السخينا … فكم أرسلت بالدمع الجفونا عرفتِ الحزن في فجر الليالي … وذقت من الأسى فيه فنونا وملت عن الهوى ونأيت عنه … فذكرنا اللقاء وما نسينا بكيت مودة وبكيتُ شجواً=ومن يبك العهود يكن أمينا فواسيني ترى قلبي حنوناً … وباكيني ترى دمعي هتونا أحمد رامي

стр. 5182

من الأدب الغربي الضجر للشاعر الإنجليزي هنري لنجفلو ترجمة محمد متولي بدر يا قَدَما من سُرى الليالي … ورحلة العمر والسنين أدمتكِ أحجارها ففاضت … فجاجها بالدم الثخين تجرين بالعبء - والأماني … تفرُّ - موصولةُ الأنين ها أنا أوشكت أن أوافي … لبيتك الهادئ الأمين هناك ننسى الذي رعانا … ومضَّنا، في حمى السكون لشدَّ ما أرهقت فؤادي … يا قدمي رحلةُ السنين! ويا يداً، لا أراكِ إلا … كثيرة الوثب والنضال آناً مليكاً ومستبداً … وتارة موطئ النعال الجود يُعْليكِ بالعطايا … والفقر يدنيك بالسؤال أنا الذي خضت مستميتاً … معترك العيش بالمقال يا طالما رحتِ في شقاء … تَشكيَن من كثرة الأمالي كم أنا يا عدتي حزين ال … فؤاد من دائكِ العضال! وأنت يا قلب يا صغيري … يا دائم الخفق والوجيب أراكَ تهتاج بين هذي ال … ضلوع كالثار الغضوب كأنما أنت - والأماني … بعيدة - ملتَ للغروب يا عجباً! هل رماك رامٍ … غير أمانيك بالخطوب؟ نار كنار الغضى وجمر … متقد ثائر الشبوب الآن فاهدأ فسوف نرضى … وتنطفي شعلة اللهيب وأنت يا روح، يا حياتي … يا هبة الرب والسماء هبطتَ من عالم خفي … أنقى وأصفى من الضياء

стр. 5183

يا روح، هذي سحائب العم … ر كالأواذيَّ في الفضاء تُمْعُن في سيرها وراحت … تنتهب النور في ظَمَاء يا لي من العمر! كيف ولَّى … وانحدرت شمسه ورائي؟! يا لي من الموت! كيف حانت … واقتربت ساعة اللقاء؟! محمد متولي بدر

стр. 5184

العلوم بعض الأسماك الغريبة بالبحر الأحمر للدكتور كرسلاندا مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة لم تمض بضع سنوات قليلة على إنشاء الجامعة المصرية حتى فطنت إلى أهمية البحر الأحمر من الوجهة البيلجية. فأقامت على شاطئه الغربي محطة الأحياء البحرية بالغردقة لمساعدة البحاث من العلماء على دراسة هذا البحر واستنباط أسراره. وهنالك في هذه المحطة يمكننا أن نشاهد دون ما عناء تلك الحيوانات الغريبة التي تختلف كثيراً عن حيوانات البحار الشمالية والبحر الأبيض المتوسط، والتي لم يرها حية إلا نفر قليل من العلماء تكلفوا في سبيل ذلك من المال والعناء الشيء الكثير. ويكفي أن تجرف قاع البحر - قريباً من مرسى المحطة حيث تغزر الحشائش - بجرافة صغيرة كي تحصل على نحو من ثلاثين نوعاً من الأسماك الصغيرة، أغلبها غريب في شكله وعاداته. ومن هذه الأسماك فرس البحر والأسماك الأنبوبية الفم ولا يبدو فرس البحر لأول وهلة من الأسماك، لولا زعانفه الصغيرة. وقد فقد زعنفته الذنبية فليس يفيد الذنب في العوم، وإنما يلتف حول الحشائش التي يعيش بينها فرس البحر فيمسك بها. أما الأسماك الأنبوبية الفم فبرغم جسمها العضوي الشكل الكثير الحراشيف، فهي أشبه بالأسماك العادية من فرس البحر ويمكننا أن نرى جلياً حلقة الاتصال بينها وبين فرس البحر. فهنالك واحدة من الأسماك الأولى ذات ذنب قابض قد فقد زعنفته، فإذا أخذت هذه السمكة وثنيت رأسها بزاوية قائمة ونفخت بطنها حصلت على فرس البحر. . كل هذه الأسماك تشابه الحشائش البحرية في لونها، وتحمل نقطاً حمراء قاتمة أو سمراء تشبه تماماً صدأ الحشائش التي تعيش بينها. وتبلغ مشابهة الأسماك للحشائش أقصاها في نوع ماصة الفم فهذا النوع يبلغ في الطول ثمانية سنتيمترات، ومع ذلك تصعب رؤيته جداً بين الحشائش التي يعيش بينها، حتى خارج الماء. ويخيل لناظر الصورة أن هذه السمكة سهلة الرؤية

стр. 5185

لشكلها الغريب، ولكن جسمها الرقيق ذا اللون الأخضر وزعانفها الصدرية العريضة والنقط السوداء المنتشرة عليها، كلها تكسبها شكلاً يحول كثيراً دون رؤيتها الحشائش خارج الماء. فكم تتعذر رؤيتها في مكانها الطبيعي؟ وهناك جنس آخر لا يمُتّ إلى الأسماك الأنبوبية الفم بصلة يعرف بالأمفسيل يشبه الأولى في فمها الأنبوبي الماص، وتغطي جسمه حراشيف كبيرة ملتصق بعضها ببعض، تكسب السمكة صلابة في الحركة - وجسم أسماك هذا الجنس مفرطح رقيق صلب، فهو أشبه شيء بحد السكين، ولا ينتهي بالذنب كالمعتاد، فقد تحول هذا من مكانه الأصلي وتقدم قليلاً نحو الجهة البطنية. وستدل من زعانفها الصغيرة على بطء حركتها - ولا يمكننا أن نتكهن كيف يعيش هذا السمك الغريب، إذ يصعب الحصول عليه حياً أو على الأقل في حالة جيدة، وذلك بالرغم من صلابة حراشيفه التي هي بالنسبة إلى حجمه أقوى من درع التمساح. والمفروض كما وصف بولانجيه في كتابه (المربي المائي) أن هذه الأسماك تتغذى على الحيوانات المائية الدقيقة تمتصها بفمها الأنبوبي. وتعطينا الأسماك الأنبوبية الفم مثلاً من الأمثلة النادرة بين الأسماك، إذ يحتفظ السمك ببيضه حتى يفقس، وبيرقاته حتى تتطور وتصبح قادرة على الأخذ بأسباب الحياة. والذكر وحده هو الذي يرعى النسل، فله كيس بطني تضع الأنثى ببيضها وتثبته ببعض على شكل كرة، تمسكها بفمها فتسد فتحته حتى ليستحيل الغذاء، والغريب أنها مع ذلك تتنفس - ومن طبيعة الأسماك الكبيرة أن تأكل الصغيرة، سواء أكانت من نوعها أم لا. وهنا نرى جلياً ظهور غريزة تخالف تماماً الطبيعة العامة للأسماك، وهي تشبه في ذلك غريزة بعض الأقراش الكبيرة يقال إنها تأوي صغارها في فمها - ولا يمكننا أن نقول إن مثل هذه الأسماك يمكنها أن تتعرف صغارها، فإن عقل الحيوانات لم يصل إلى الدرجة الدنيا التي يمكنه معها تمييز صغارها إلا في ملايين السنين بعد أن بلغت الأسماك نهاية تطورها المخي. وعائلة السكوربينويد كلها أسماك قبيحة المنظر، لها أشواك حادة في كل مكان يمكن أن يظهر فيه الشوك. وكلها ضارة إذا أمسكت، وبعضها خطر يهدد الحياة. إذ أن للأشواك غدداً سامة - ومن أفراد هذه العائلة أسماك صغيرة تعيش بين الحشائش المائية أيضاً، ونحصل

стр. 5186

عليها بالجرافة. وهذه أدنأ أفراد العائلة وأقلها تخصصاً. فنشأت من ناحية أسماك منتفخة كثيرة التجاعيد والنتوءات (شكل٣) هي أقبح المخلوقات، يبدو التمساح بجانبها حيواناً جميلاً وديعاً. وقد بلغت هذه الأسماك حد مشلبهة الصخور المرجانية في شكلها ولونها حتى لتكاد تستحيل رؤيتها في موضعها الطبيعي إذا وطئها إنسان عاري القدم أو بحذاء رقيق أصابه ألم مبرح قد ينتهي بالموت، وهيغير منتشرة هنا، وأن كان يوجد منها نوعان. وشيء واحد نحمده لها، ذلك أنها تلوذ بالفرار إذا أوجست خيفة أو لمحت إنساناً يسير على الشعاب، فإذا هرعت سهل رؤيتها لوضوح زعانفها الصفراء الفاقعة، في أحد النوعين، وخطوط عريضة بيضاء في ذنب النوع الآخر، فيها تحذير من شرها. وذهب التطور من الناحية الأخرى إلى سمكة تعرف هنا بالجنّخ - (شكل٤) - وهي وأن شابه جسمها جسم الأسماك العادية ملاسة، إلا أن لها رأساً مجعداً كبقية أفراد عائلتها. والزعانف في هذه السمكة تأخذ شكلاً غريباً، إذ تطول أشعتها كثيراً وتصير أشبه شيء بريش الطيور، وليست كزميلاتها تهاب أعداءها، وتحاول التخفي بمشابهة الصخور والأعشاب، بل تبدو جلية واضحة بألوانها الزاهية الجميلة. فجسمها مخطط أسمر وأشهب، بينما ريشها الطويل ملون بالأحمر والأسمر والأبيض. وتكثر الجنانخ (جمع جنخ) هنا - وقد اعتدت أن أزور صخرة مرجانية قريبة من المحطة لأتمتع بمشاهدة المرجان اللين النامي عليها ولألاحظ النجوم الريشية تخرج من جحورها، وتنشر ريشها ساعة الأصيل. وقتئذ يخرج الجنخ من مضجعه ويعوم بتؤدة وهوادة، حتى إذا وصلت إلى هذه الصخرة، دفعت برأسها إلى أسفل، ونشرت أجنحتها الكبيرة أفقياً، ورفعت زعنفتها الذنبية، وهي كالزعانف الظهرية الخلفية والشسرجية رقيقة شفافة تصعب رؤيتها في الماء. وتمكث هكذا طويلاً دون حراك، ولا تزال الغاية من عملها هذا سراً خفياً البحر الأبيض المتوسط بحر النور والألوان، ولكن الخبيرين بأحيائه يشدههم كثيراً زهاء الألوان في أسماك البحر الأحمر عندما يزورون الغردقة - لا يقتصر ذلك على الأسماك الدقيقة، التي تسبح كالفراش بين الشعاب المرجانية، أو التي يحاور بعضها بعضاً في الكهوف بين المرجان - بل يتعداها إلى الأسماك الغذائية الكبيرة. وقد يظن من ليس لهم خبرة إلا بأسماك المنطقة المعتدلة، أن الصور التي نشرها روبل سنة ١٨٢٩ لم تكن إلا

стр. 5187

محاولة ضعيفة لتصوير ألوان هذه الأسماك، وأن فيها قدراً من المغالاة غير يسير، إذ ما كان في استطاعة الطباعة في ذلك العصر أكثر من ذلك. والحقيقة إن روبل لم يغال مطلقاً، بل أن معظم الصور جاءت كأدق ما يكن عمله الآن بالطرق الحديثة، فقد يجتمع في بعض الأحيان الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر إلى غير ذلك جنباً إلى جنب في خطوط أو بقع، دون أن يختلط أحدهما بالآخر وأحياناً تمتزج هذه الألوان الواحد بالآخر في أجمل صورة. وأخرى قرمزية لا يداخلها لون آخر، غير أن لها بريقاً فضياً يكسبها جمالاً لا نجده في أي سمكة فارقت الحياة، مهما بلغت من الجمال في حياتها. كيرس كرملانر مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة

стр. 5188

القصص أقصوصة من الأدب المجري الأنشودة بقلم الكاتب المجري يوليس كرودي (إن ينفق المرء وقته في الليل، تحت نافذة، ومن وراء حجاب، ولا يعمل شيئاً إلا أن يفكر في امرأة، أمر حاوله بلا ريب كل إنسان في هذه الحياة). والحق أنه من السخف أن تجد رجلاً رزيناً يسير في الطريق نهاراً رافع الرأس، يحمل من وقت إلى آخر، إذا ما جاء الليل على ارتكاب الحماقة تحت تأثير الجوي والأفكار التي تحملها الخفافيش؛ فيذهب ليلاً ويتربص تحت نافذة، بينما لا يشعر إنسان بأمره، وليس لعمله أي معنى، إذ ربما كانت السيدة المنشودة تحلم في مثل هذا الوقت بأوراق (اليانصيب، أو تحلم برجل آخر؛ أو يعمد إلى تلاوة نظم بوشكين تحت الأشجار، بينما لا يصغي إليه إنسان سوى الليل. . . والله شهيد على إنه ليس ثمة حياة أكثر خزياً وإثماً من حياة رجل عاشق!) دونت هذه الأسطر فيما مضى حين كنت أعتقد من الضروري أن أسطر على الورق بعض مشاعري، في مذكرة عتيقة ذات غلاف أحمر، وقد مرّ على ذلك زمن طويل، وكنت يومئذ في العشرين؛ وكنت ألاحظ كثيراً من الأشياء المختلفة التي لا أتنازل اليوم بالالتفات إليها. وكنت أحب السياحة في العربة من مدينة إلى أخرى، فكنت أحفظ أسماء نسيت أصحابها، وأدون في مذكرتي بكل عناية ما أقف عليه في الفنادق العتيقة، محطات أسفاري؛ ففي فندق (الوردة البيضاء) كانت هناك آنسة خادمة تدعى فالي، وكانت تتعلم الفرنسية خفية؛ وسمعت صاحب حانة ليلية في الطريق الأعظم يتحدث عن الإمبراطور فرانز يوسف، ويقول أنه مرّ وهو فتى من هذا الطريق في عربة تجرها أربعة جياد؛ وفي بلدة صغيرة تحف بشوارعها الأشجار وتتدلى أغصانها ذابلة، وتأتي إليها أصوات الأجراس خافتة من وراء التل كأنما تأتي إليها من أجراس البلدة المجاورة، كانت هِرَرة هزيلات تجوب طرقاتها يوم الخميس المقدس، وثمة رجل في فناء داره يشمر عن ساعديه ويحتسى النبيذ الأحمر ويقرأ في جريدة عتيقة، وهو كئيب كأنه متسول ترك هنالك جيش الإمبراطور؛

стр. 5189

وترى فوق التل أطلال كنيسة متهدمة تنعى حظها، وعن بعد مجرى نهر يترقرق بين القصب القصير؛ ففي تلك البلدة كنت أطوف ذات مساء، غريباً لا يعرفني أحد، لأن سائقي احتسى من الشراب أكثر مما يجب، وأبى قطعاً أن يواصل السير في ذلك الحلك الذي يغمر كل شيء. والحق أني لست أذكر بعد اسم تلك البلدة، ولابد أنها تقع في ناحية من شمال المجر، فقد كان لها قنطرة مغطاة ودار بلدية ذات تماثيل للقديسين. وكان المطعم يسمى (الفندق الأرجواني) فذهبت أتمشى وحيداً غريباً، لأن سائقي أبى إلا أن يتسلل هذا المساء إلى مكان معين، وأذكر أني اخترقت حديقة صغيرة؛ وكان ثمة في المقهى الصغير محصلة تقرأ جريدة مصورة وهي تعتمد رأسها بيديها اللتين تغوصان في شعرها المتهدل ووراء باب مدهون باللون الأبيض يبدو فناء صغير يجلس فيه بعض الموظفين في صديريات سود وهم يدخنون (السيكار) إلى جانب الكؤوس الصغيرة؛ وكنت تسمع عن بعد شخصاً لعله طالب ينفخ في مزمار، ويغني تلك الأنشودة التي أولها: (إذا ما ابتعدت يا حبيبي) فقلت لنفسي: أجل توجد هنا أيضاً قلوب، وتوجد عواطف. . . وكان ذلك المساء ربيع، وربما كان الطالب المذكور قد رسب في الامتحان وكانت الحديقة تمتد جانباً في قفر مطبق، يذكرك بقفر فناء المحكوم عليهم، ولابد أنها تكون في العصر منتجع الشيوخ، والضباط أو ذوي المعاشات، يفكرون في موتاهم أو في خليلاتهن القديمات؛ وكانت أشجار الصنوبر التي ترتفع فوق كل مقعد هزيلة محزنة كأنها حياة تصرمت وانطفأت في غمار السل؛ وكان يعمر هذه المقاعد أحذية عتيقة وسترات خرجت عن الثرى، وفوق الحصى الصغير الذي يغطي الممشى، ترسم العصى الباهتة التي ربما كانت في شبابها أيادي مظلات، خطوطاً ذاهلة جلست على مقعد، وأخذت أفكر في شتى الأمور المحزنة: في نساء البلدة المسكينات اللاتي يرتدين أثواباً شديدة الحفيف ويبكين أكثر مما يضحكن، وفي الرجال الحزانى الذين يتجملون توقعاً لرؤية الأميرة الحسناء، ولن تأتي الأميرة قط، وفي المحادثات العقيمة التي تدور حول المائدة المقفرة أو في السرير المضني لمعرفة من هو أغنى إنسان في البلدة؟ وفي الشهر القادم ستأتي فرقة تمثيلية إلى (الفندق الأرجواني). . . وكثيراً ما يعرف

стр. 5190

الأزواج أن لزوجاتهن عاشقاً! آه، تباً لحياة البلدة الصغيرة من حياة محزنة ذات رائحة كرائحة كسرات الخبز؛ وفيها يضج المرء بالضحك، ولكنه لا يستطيع أن يتناول فيها عشاءه. رباه، إن النساء هنا لا يتكلفن العناية بالنظافة، إذ يستوي ذلك عند الرجال. شعرت أنني جد تعس، إذ قضى على أن أضيع وقتي في تلك النزهة الحقيرة المحزنة في البلدة الصغيرة، بدلاً من أن أجلس في مقهى فخم في مسكولك أو كأساً أو بودابست. وكانت نغمات المزمار قد انقطعت حيناً، ولكنها عادت فدوت في الحديقة ذاتها. وإذن فقد كان الموسيقي الفتى موجوداً هنالك؛ وكان يقوم في ركن المكان إلى جانب الحاجز منزل عتيق له نوافذ صغيرة جداً، حتى لا يتسنى لغير رأس امرأة رشيق جداً وهزيل جداً أن يبرز منها وكانت النجوم مزورة لا تسطع في ذلك المساء المظلم، وربما لم تك ثمة نجوم فوق تلك البلدة الموحشة. وكان هنالك مصباح زيتي ينشر ضوءه، ويتأمل ذات اليمين وذات الشمال وجلاً كأنما يخشى أن يقيم رجال المطافئ احتفالهم في تلك الليلة، وعلى بعد تقوم منازل ضيقة، لا يعمل ساكنوها بلا ريب شيئاً طول حياتهم إلا أن يقتصدوا وأن يبكوا، ولا يفكر نساؤها منذ العشرين في شيء سوى غسل الثياب وكان صاحب المزمار يعزف أنشودة محزنة تحت الأشجار، ولا ريب أنه كان يقصد بعزفه ما وراء الحاجز، وربما كانت لأنشودته صبغة غرامية، وربما كان مؤلفها الشاعر المتوفى يحيى فيها القمر أو الصبية ذات العينين البراقتين؟ بيد أنني لم آنس فيها شيئاً غير الذلة والمرارة والفقر، والسلوة الوحيدة لفتى مسكين من القرية. . . رباه، وكنت قد عرفت يومئذ خادمات فرنسيات وأخذت الموسيقى تنحدر إلى الأنين شيئاً فشيئاً، وكانت الأنشودة تضرع تضرع السائل، إلى سيدة لا تريد - وربما كانت أيضاً حمقاء آثمة - أن تصغي من فوق الحاجز إلى اعتراف فتى، لعله في ظروف أفضل كان يصلح أن يكون فارساً في ملعب، أو حاجباً في حانة ليلية في بودابست يلقى على الغانيات أجوبة ساخرة. . . كان المزمار يئن كالهرة المريضة، وكأنك ترى وجهاً شاحباً لفتى تعس لا يملك من المال ما يمكنه من التلهي بلعبة

стр. 5191

(الخشب) (لعبة مجربة قومية)، وكان البؤس المؤلم الساحق والثياب الخلقة، والمستقبل الذي ينذر بما هو أشنع، كلها تبكي في الأنشودة، ذلك المستقبل الذي ربما استجابت فيه السيدة الخفية إلى التضرع، وأتت للفتى البائس بعدة أولاد لا خير فيهم نهضت من مكاني وسرت لأبحث عن ذلك الفتى الذي يعزف بمزماره بين الأدغال وقد كان حدثاً ذا محيا حزين بائس، وربما كان كاتب مسجل في البلدة؛ وكان مكشوف الرأس، وشعره الأشقر كث منفوش قائم كالمسامير فقلت له بمنتهى الخشونة: عد إلى منزلك، ولا تسمم هواء هذه الحديقة؛ ألا تشعر بالخزي إذ تذل نفسك على هذا النحو من أجل امرأة؟ ثم هرولت فأيقظت سائقي من سباته؛ وفي الليلة نفسها غادرت البلدة الصغيرة، التي شعرت فيها بمثل ذلك الأسى من جراء عازف سخيف.

стр. 5192

٥ - سافو لأوجييه اميل ترجمة الأستاذ محمود خيرت حنا - لنر الآن ماذا أكتب إليك: (لا أنسى عطفك على بزيارتي يا فني) ولكن متى كان ذلك (يقرأ) إبريل من هذه السنة. . إذن فقد أقدمت على زيارته وأنت معي. . . فني - شفقة به وحياتك عندي حنا - (يقرأ): (وإني أفكر الآن في أمر ولدنا. .) ولك منه ولد؟ فني - نعم. فماذا تريد الآن حنا - ها. ها. ما أكبر فخرك بهذه البذرة التي نبتت في السجن! فني - (صارخة شامخة في غضبها) لا تزد على ذلك حرفاً حنا - وما أجمل طفلاً أبوه فرومان وأمه سافو! فني - لا تسبه فهو ولدي حنا - (وقد غلبته صرخة الأمومة) حسناً فني - (بصوت مخنوق) قضى الأمر بيننا، فعد إلى أهلك لعلك تسعد إلى جانبهم حنا - يا لك من قذرة! فني - يا لأمك وابنة عمك من حواصير! حنا - ماذا؟ (يهم بضربها فتحتقره هازة كتفيها) فني - حقيقة إنك نذل. أخرج الآن من هنا. حنا - على هذا عزمت (يأخذ حقيبته وعند ما يصل إلى الباب يلقي الخطاب في وجهها ثم يختفي فتتناوله وتضعه فوق المائدة وهي تبكي وتنشد) فني - ظلموني وأسرفوا=حين نّموا وأرجفوا كم تخيّلت أنه … ذو شعورٍ فيعطف فإذا الطبع واحدٌٌ … دبّ فيه التعسف وإذا من بذكرِه … كنت في الحب أهتف حانثٌ في يمينه … واعدٌٌ وهو مخلف

стр. 5193

قُضى الأمر لم يعد … لي من الناس مُنصفُ الفصل الرابع (في أفينون منزل أسرة جوسين إلى اليمين، وله حديقة بئرها في الجهة اليسرى، وعلى بعد نهر الرون. والأشخاص حنا ووالداه وإيرين ثم سافو وهم عدا سافو على المائدة حيارى لحزن جنا، وعندئذ تشير ديفون إشارة فيخلو المكان إلا منها ومن ولدها.) ديفون - مالك يا حنا؟ حنا - أمي! ديفون - (تمسح رأسه بكفها) مم تشكو يا ولدي؟ حنا - لا أدري! ديفون - لا تكذبي. أحدث لك حادث هناك؟ حنا - كلا. يا أمي ديفون - إذن لم تعجلت العودة حتى كأنك فررت إلينا فراراً؟. حنا - لا، لا شيء يا أمي ديفون - لعل امرأة خدعتك أو حباً غير موفق صادفك؟. لا تخف عن أمك شيئاً يا حنا. إنك لا تجهل مالك في فؤادها من الحب. حنا - أمي. ما أخطأت ولكني شفيت ديفون - أصدقني يا حنا حنا - كانت يا أماه ثورة ولكني نسيتها، فهل أستحق بعد ذلك صفحك عني؟. ديفون - وماذا فعلت مما يستوجب صفحي يا ولدي؟ حنا - آه ليتك يا أماه تنزلين إلى أعماق نفسي؟ ديفون - إن حنو الأمهات يخترق الحجب فتتكشف لهن الأحزان والدموع حنا - ليقاسمن أبنائهن إياها ديفون - نعم يا بني حتى تغسلها قبلاتهن. تشجع يا حنا وإذا عادت إليك همومك فأستحلفك ألا تكتمها عني حنا - سأفعل يا أماه ودعيني أضمك

стр. 5194

ديفون - نعم. نعم تعال فادفن همك عند صدري (يضمها) حنا - الآن خف حمل ألمي. وهدأت ثورتي. وربما أخطأ الحزن بعد ذلك طريق قلبي ما دمت إلى جانبي ديفون - إذن أدعك لأزف إلى أبيك هذه البشرى، فإنه يطرب إذا رأى نور السكينة يتلألأ في عينيك حنا - نعم أسرعي إليه يا أمي (تخرج أمه) إيرين - (مقبلة على حنا) ماذا يحزنك يا أبن عمي؟ حنا - لست السبب على كل حال يا إيرين إيرين - ألست صديقتك. أنسيت مريم ويوسف؟. إنني ساعة الأسى أندفع إلى صدر صديق تذيب حرارته همي ويطرد حديثه وحشي (يدخل سيزار) سيزار - (مسرعاً إليه) حنا حنا - (مندفعاً إليه) أبي سيزار - (لإيرين) اذهبي أنت لديفون إيرين - ولم لا لأبقى؟ سيزار - قلت لك اذهبي إيرين - كأنك غاضب عليّ؟ سيزار - لا. ولكن دعينا الآن (تخرج حزينة) (لولده) آه يا ولدي المسكين. إنها هنا. . . حنا - (مضطرباً) هنا؟ أو عادت؟ سيزار - نعم وتلح في أن تراك! حنا - سافو؟ سيزار - نعم هي يا ولدي. أحسبتني عميت عن أمركما وأنت تكتمه عنا. ولكن تشجع عند مقابلتها يا حنا حنا - سأكون عند نصيحتك يا أبي، ولقد كنت من برهة أنتفض وأتلوى. أما الآن فسأستقبلها بقلب ثابت. نعم نعم يا أبي (سيزار يخرج وتتقدم سافو بخطى بطيئة وهي تنظر

стр. 5195

حولها حتى إذا وقع بصرها عليه أسرعت نحوه ثم وقفت فجأة) سافو - (بعد سكوت طويل) لا تعتب على إذ عدت وما ودعتك الوداع الأخير. وقد كنت وأنا بعيدة عنك أشعر بألم خفي يعذني. أما الآن وقد رأيتك فقد ذهب ألمي. حنا - إنني لا أحمل لك في نفسي غلاً سافو - (والألم يرجها) ماذا؟ آه لو تعلم كم بكيت وكم هدني الجهد حتى لا ادري كيف أنني لم أزل من بين الأحياء (بدهشة) أتراني تغيرت؟ حنا - وهل تقيميين دائماً هناك؟ سافو - وأين تريد أن أقيم، وهناك تلك الذكريات التي أحيا عندها باللم. وكثيراً ما كنت على أثر البكاء تقتلني وحدتي فأضطر إلى العمل لأتسلى. وكم من مرة كنت أستيقظ عند الصباح باسمة فأرتدي ثوبي الأبيض وأصلح شعري على ما كنت تحب، ثم ألزم نافذتي إلى مغرب الشمس، وأنا أتسمع خطواتك وأتلمس عودتك، حتى إذا يئست أغلقها واستسلمت لحزني. (يتبع) محمود خيرت

стр. 5196

الكتب ما قل ودل بقلم أحمد الصاوي محمد جزءان في نحو ٥٨٠ صفحة طبع دار الكتب عنوان هذا الكتاب هو نفس العنوان الذي يتخذه مؤلفه منذ أعوام عنواناً لما يكتب كل صباح في جريدة الأهرام الغراء، وما يحتويه الكتاب هو مجموعة مختارة من هذه القطع التي غدت تقرن باسم كاتبها. ولمؤلف ما قل ودل طابع خاص يسبغه على مقالاته؛ فهو يتناول من مادة الحياة اليومية مسائل الساعة، ما بين اجتماعية وأدبية واقتصادية، ويعالجها بايجاز ولكن بوضوح؛ ويميل بنوع خاص إلى تناول المسائل الاجتماعية وعلاقات الجنسين ومسائل الزواج والأسرة، ويبسط فيها آراءه المحدثة وتعليقاته، ولكنك تأنس دائماً فيما يكتب حرارة الإخلاص، وحسن المقصد ومحاولة الإصلاح. وعندنا أن عنصر الفن يتغلب عند الأستاذ الصاوي على عنصر الكتابة، فهو يكاد يرسم أكثر مما يكتب؛ ومقالاته تبدو كأنها صور سريعة لما يتناول، ويخيل إليك في كثير من الأحيان أنك تتأمل فيما يكتب صورة رمزية ناطقة لما يجول في ذهنه. وأسلوبه بسيط واضح ينم عن خفة روح ودعابة مستملحة في كثير من الأحيان، وهو لذلك لا يتكلف اختيار اللفظ أو إجادة البيان، لأنه يتجه دائماً في خطابه إلى الرجل (المتوسط)، والى الشباب اليافع؛ ولا يهمه أن يمزج من مقتضيات البساطة والسلاسة في عرض ما يريد لمن يريد. وهذا أسلوب له أنصاره ومؤيدوه؛ ولكن له معارضوه أيضاً، ممن لا يسيغون مثول الألفاظ العامية إلى جانب الألفاظ العربية بمثل هذه الحرية وهذا الإسراف؛ وقد يسيغون وجود اللفظ أو العبارة العامية لضرورة محلية لا يؤديها البيان الفصيح؛ ولكن كثرة الألفاظ العامية مما يذهب دائماً بقوة الأسلوب وروائه، وإن كانت تكسبه في بعض الأحيان لوناً من الخفة والدعابة. ولسنا بحاجة بعد ذلك إلى أن نقدم الكتاب ومؤلفه، ففيما يكتبه الأستاذ الصاوي كل صباح

стр. 5197

في الأهرام الغراء خير تقدمة، ولكن الذي نريد أن نهنئ الأستاذ الصاوي عليه حقاً، هو توفيقه في حل مشكلة النشر والتوزيع بطريقة يغبط عليها، فما زال الكتاب في مصر يعانون متاعب هذه المشكلة؛ وليس في مصر ناشرون يعتمد على فطنتهم وأمانتهم وحسن تقديرهم؛ وما زالت معظم جهود المؤلفين نهياً لتجار الكتب. وقد وفق الأستاذ الصاوي إلى تجنب طغيان هؤلاء السادة، واستطاع في شجاعة ولباقة أن يتجه إلى قرائه رأساً وأن يقدم إليهم كتابه بطريق الاشتراك؛ واستطاع أن يخرج لهم كتابه في جزءين كبيرين، وفي أتقن طبع وأجوده، محلى بالصور الرمزية الممتعة؛ وذلك كله بثمن لا يتجاوز عشرة قروش للجزءين! وإنا لنرجو أن يكون في هذا المجهود الموفق عبرة للناشرين فيحد من جشعهم وطغيانهم؛ وأن يكون فيه درس يستفيد منه الكتاب والمؤلفون. كما نرجو لمؤلف (ما قل ودل) ما هو جدير بأدبه وفنه من تشجيع وتقدير.

стр. 5198

المهاتما غاندي حياته وجهاده للأستاذ فتحي رضوان المحامي أثارت شخصية غاندي وحياته ومبادئه الروحية، وأساليبه السياسية في الأعوام الأخيرة كثيراً من الاهتمام في جميع أنحاء العالم؛ وكان غاندي منذ سنة ١٩٢٠ أعظم شبح يروع السياسة البريطانية في الهند، وكان لذلك الرجل الذي يضطرم جسمه النحيل بقوة روحية هائلة في الأعوام الأخيرة مواقف اهتزت لها السياسة البريطانية، واضطرت أن تنحني أمامها، أشهرها موقف سنة ١٩٣٠ حينما أعلن العصيان المدني الأكبر، وأشهر دعوة عدم التعاون، واضطرمت الهند من أقصاها إلى أقصاها بدعوته، واضطرت حكومة الهند إلى اتخاذ أشد الإجراءات الدموية لسحق الثورة، واضطرت الحكومة البريطانية أن تصرح على لسان اللورد ايروين حاكم الهند أنها ترمي إلى السير بالمسألة الهندية إلى منح الهند استقلالها الذاتي، وأنها تعقد لبحثها مؤتمراً خاصاً هو الذي عرف بمؤتمر المائدة المستديرة، والذي استدعى غاندي من أعماق سجنه إلى شهوده، بعد أن التزمت حكومة الهند بوقف الإجراءات الاستثنائية، وإعادة النظر في ضريبة الملح؛ ومن مواقف غاندي المشهورة أيضاً، موقف منذ عامين في مسألة المنبوذين حينما أعلن أن يصوم حتى الموت ما لم تعدل الحكومة البريطانية موقفها نحو المنبوذين؛ ولبث غاندي في صيامه حتى أشرف على الموت، واضطرت الحكومة البريطانية في آخر لحظة أن تنزل عند وجهة نظره نحو المنبوذين اتقاء لموته، وما يجره ذلك الموت في الهند من العواقب الخطيرة. هذه الحياة العظيمة الفياضة بمواطن الكفاح القومي المضطرم، ومواطن القوة الروحية الهائلة، يتناولها الأستاذ فتحي رضوان في سفر كبير تربى صفحاته على الثلاثمائة. وقد سبق أن نشر الأستاذ فتحي رضوان عن غاندي عدة فصول قيمة في بعض الصحف اليومية، ولكنه يقدم الينا الآن دراسة كاملة متصلة عن حياة هذا البطل القومي الممتاز. فأعوام غاندي الأولى، ثم مراحل الدراسة في الهند وفي انكلترا، ومرحلة الحياة العملية الأولى في المحاماة، ونزوح غاندي إلى جنوب أفريقية. حيث هاله ما رأى من اضطهاد مواطنيه وجهاده في سبيل إنصافهم، وبث الدعوة الأولى إلى عدم التعاون، وظفره في هذا

стр. 5199

الكفاح؛ ثم استئناف العمل في الهند، ونمو الدعوة إلى عدم التعاون، وحياة السجن والمحاكمات المختلفة، ومراحل الكفاح القومي المختلفة حتى سنة ١٩٣٠ - هذه كلها يفصلها الأستاذ فتحي رضوان في إفاضة وترتيب ووضوح - ونلاحظ فقط أن المؤلف فاته أن يشرح أدوار المسألة الهندية، وما اتخذته السياسة البريطانية نحوها في الأعوام العشرة الأخيرة، وأعمال لجنة الإصلاح الدستوري وما يتعلق بها. فهذه كلها مسائل هامة يجب أن يستوعبها كتاب بوضع عن غاندي؛ ونلاحظ أيضاً أنه لم يتناول مراحل الكفاح التي خاضها غاندي في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وقد كان حرياً به أن يتناولها. وفي حياة غاندي عبر قومية عميقة يجب أن يستعرضها شباب الأمم الشرقية المغلوبة. ومن واجب الشباب المصري أن يدرس هذه الحياة الفياضة بمواطن الكفاح القومي. وبين الهند ومصر محنة مشتركة، وعدو مشترك. فيجدر بشبابنا المثقف أن يقرأ حياة المهاتما غاندي. وأن يدرس ما فيها من أسرار العظمة ومقومات البطولة القومية. (ع)

стр. 5200

العدد ٦٢ - بتاريخ: ١٠ - ٠٩ - ١٩٣٤

стр. 5201

حقائق التاريخ لا يمكن أن يطمسها التشريع صفد القلم، وصفدت حرية الرأي والفكر في مصر، في الأعوام الأخيرة، بأغلال وقيود شتى لم نعرفها حتى في أشد أيام الاحتلال؛ والتمس المشرع لصوغ هذه الأغلال والقيود مختلف المعاذير في مختلف الفرص؛ فتارة يقال لنا إنه يشرع لحماية النظم الأساسية للدولة من الدعوات والمبادئ الثورية، أو لحماية الحكومة والهيئات العامة من مطاعن خصومها السياسيين؛ وتارة يقال لنا إن سيل الأدب الملحد أو الماجن يكاد يطغى على الدين والأخلاق، فهو يشرع لحماية الدين والأخلاق؛ وكان التشريع يجري في هذه الحدود إلى ما قبل بضعة أعوام؛ وكنا نعتقد أن المشرع قد وصل في مختلف القوانين التي أصدرها إلى ذروة الشدة والتحوط لما يريد تحقيقه من الغايات السياسية والاجتماعية، وإنه لم تبق للقلم والرأي حريات حقيقية يستطيع أن يحد منها بعد؛ ولكن صدرت في الأعوام الثلاثة الأخيرة عدة قوانين جديدة للقضاء على ما بقى من مظاهر حرية الرأي والقلم، أولها قانون الصحافة المعروف، وثانيها قانون تحريم نشر الأخبار الجنائية والقضائية والإدارية إلا في حدود معينة، وثالثها قانون تعديل العقوبات الخاصة بجرائم النشر والسب والقذف، ودفعها إلى حدود لم يسمع بها من قبل، وأخيراً، في هذه الآونة، يقال لنا أن المشرع ينشط من جديد لفرض أغلال وأصفاد جديدة لا على الصحافة وحدها، بل على ناحية أخرى هي عرض التاريخ أيضاً. إذاً لم تنته حلقات هذه السلسلة المدهشة من قوانين وأحكام فريدة في شذوذها وشدتها، بل يراد أن تكمل بما يرى المشرع أنه نقص في حلقاتها حتى يكمل سحق البقية الباقية من هذه المظاهر الضئيلة التي يستطيع القلم المصفد أن يبدو فيها خلال هذه الخطوب التي تغمره؛ ويراد فوق ذلك أن يتناول التشريع الجديد ناحية علمية أدبية محضة كان المشرع يحوم حولها من قبل بطرق ونصوص غير مباشرة؛ ولكنه يزمع اليوم أن يتناولها صراحة وبطريقة مباشرة؛ فيفرض قيوداً خاصة على كتابة التاريخ، ويعاقب أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بحرية العرض أو النقد في تدوين حوادث التاريخ أو تراجم أشخاصه. ليس هنا موضع التحدث عن هذه القوانين من الناحية الدستورية أو السياسية فقد قتلتها الصحافة السياسية من هذه الناحية بحثاً ومناقشة؛ ولكنا نريد فقط أن نتحدث عن أثر هذا التشريع المنشود في سير الحركة الأدبية والمباحث التاريخية.

стр. 5202

لا ريب أن هذا الحجر الجديد على عرض الحقائق التاريخية سيثير صعاباً علمية جمة، وسيكون ضربة شديدة لحرية البحث ونزاهته؛ بيد أنه لن يحقق الغاية التي يعقد عليه تحقيقها؛ وقد أشير إلى طرف من الأسباب التي تتخذ حجة لتبرير هذا الحجر، فقيل إنه قد ظهرت في العهد الأخير كتب ومباحث تاريخية بها مطاعن ومثالب في حق بعض الأمراء السالفين ورؤساء الحكومات الأجنبية الحاليين، واتخذ العرض التاريخي شعاراً لهذا التجريح؛ وأنه يجب أن يوضع حد لذلك. وجوابنا أن حقائق التاريخ لا تتجزأ، والمؤرخ المحقق لا يمكن أن يتقيد في سرد هذه الحقائق إلا بالمراجع والأسانيد والوثائق، ولا يمكن أن يخضع لغير ضميره ومقتضيات الحق والنزاهة. وحياة الذاهبين من الزعماء والقادة ملك التاريخ، لا سلطان لإنسان عليها غير سلطان العلم؛ فالتوسل بالتشريع إلى طمس الحقائق التاريخية تدخل غير مسوغ في حرية العلم والبحث، وتجن على الحقيقة لا يخلق بعصرنا عصر العلم والحقيقة والنور. والحجر على حرية البحث والكتابة على هذا النحو يلقى سحباً من الشك على قيمة الكتب والمباحث التي تصدر في ظله حتى ولو كانت جديرة بالتقدير؛ ومن المستحيل أن تنقلب المثالب إلى مناقب بقوة التشريع؛ والعلم ليس له اليوم حدود ولا وطن، فإذا استطاع المشرع أن يصفد الأقلام في مصر، فليس في وسعه أن يصفدها في أي أرض أخرى؛ وأرض الله واسعة. والتاريخ يكتب بكل اللغات الحية؛ وهذه اللغات تقرأ في مصر، كما تقرأ في غيرها. هذا إلى أن ما لدينا اليوم من الكتب والمباحث في الميادين والموضوعات التي يراد حمايتها بقوة القانون يلقى عليها ضياء لا يمكن أن تطمسه أية قوة أو بطش. كان لويس الخامس عشر يعتبر حتى عصرنا أشنع مثل للملكية الظالمة الباغية المسرفة؛ وكانت النشرات القاذفة تنثال عليه إبان حياته من أقلام قاسية لاذعة كقلم فولتير؛ فكان الباستيل مأوى القاذفين؛ ولكن هل استطاع الباستيل وكل ضروب البطش والمطاردة الأخرى أن تخمد الصيحات المنبعثة أو تطمس الحقائق الثابتة في هذه الحياة الفياضة بالإثم والبغي؟ ومع ذلك فقد وجد في أيامنا من كتاب التاريخ من يذهب في سيرة هذا الملك رأياً آخر، ويقول إن التاريخ قد ظلمه، وأنه كان في أخطائه ومثالبه دون ما يصوره بكثير. وكانت لوكريزيا بورجيا ابنة البابا إسكندر السادس تعتبر حتى عصرنا أشنع مثل للأميرة

стр. 5203

الفاجرة التي تضطرم بأوضع الأهواء والشهوات، وتنحط إلى أسفل درك من الرذيلة والأثم، فجاء أخيراً مؤرخ بارع هو العلامة فونك برنتانو، وأصدر كتاباً عن حياة هذه الأميرة، وفيه يصورها لنا امرأة عفيفة فاضلة، ويدفع عنها كل الجنايات والآثام التي نسبت إليه. وكان الباستيل يعتبر حتى عصرنا أروع سجون التاريخ فجاء فونك برنتانو أيضاً يقول إن الحياة فيه كانت ناعمة، وكانت تنتظم بين جدرانه القاتمة جميع مجالي اللهو والأنس والترف. والخلاصة أن التاريخ ملك البحث الحر وملك الزمن، فاتركوه يجر مجراه الحر؛ وثقوا أن من المحال أن يحول التشريع دون ظهور الحقائق غير المرغوب في ظهورها؛ فللتاريخ مسمع جاد يصل إلى ما وراء الجدر، وبصيرة ثاقبة تنفذ إلى أعمق الظلمات. وإنما تطلب الحماية للحقيقة لا لغيرها. (مؤرخ)

стр. 5204

سيدنا للأستاذ أحمد أمين كان لسيدنا الشيخ سيد عبد الرحمن كتاب في حي وطني في قسم الخليفة، أسلمني له أبي وأنا في السادسة من عمري. كان هذا الكتاب بيتاً من بيوت الوقف، يتكون من طابقين، طابق أرضي فيه حجرتان أحدهما سبيل لسقي الماء كان قد هجر عندما ذهبت إليه، والأخرى لسيدنا ينام فيها أحياناً، وفي الطابق العلوي حجرتان كذلك، إحداهما لأولاد الكتاب يقرءون فيها، والأخرى لسيدنا أيضاً، وبين الحجرتين (فسحة) في أحد أركانها زير ماء لا تعرف لونه مما توالى عليه من أحداث الزمان، وعليه غطاء من خشب، قد كسر ولم يهتم أحد بإصلاحه، وعلى الغطاء كوز صفيح قد شد بحبل في مسمار في الحائط، حتى لا يذهب به الأولاد من مكان إلى مكان، وخشية أن يقع الكوز في أسفل الزير، فإذا كان مربوطاً ووقع استطعنا أن نشده بالحبل، والماء إن تلوث بوقوع الحبل فيه، فهو أقل ضرراً من مد اليد عارية وغوصها لاستخراجه. وأدوات الكتابة: حصير فرش على البلاط، يبلى أحياناً فتتناثر عيدانه، ومع ذلك يبقى إلى أنيحنن الله على سيدنا فيشتري حصيراً جديداً، وصندوق من صناديق السكر أو الجاز وضع في زاوية من زوايا الحجرة، نضع فيه ألواحنا - وهذه الألواح أكثرها صفيح، تسود أحيانا ويذهب طلاؤها حتى لا نتبين الكتابة منه - وكيف يبين أسود من أسود؟ وأقلها خشب قد طلي بدهان أبيض، وله إطار لون بلون بني، وذلك خاص بأولاد الذوات وأشباههم. هذا كل ما بالكتاب من أدوات، ومعاذ الله أن أنسى شيئاً أهم من ذلك كله، وهو مجموعة عصى من جريد النخل، تختلف طولاً وقصراً، أما القصيرة فيستعملها سيدنا لمن يسمع عليه اللوح أو (الماضي) فيخطئ فتدركه هذه العصا، وأما الطويلة فعندما يرى سيدنا طفلاً في آخر الحجرة لا يهتز وقت قراءته أو يتهاون في حفظه، فما يشعر إلا والعصا الطويلة نزلت عليه وصحبها من سيدنا (اهتز يا ولد) - وقد كان لهذه العصا ما طال منها وما قصر، أثر في نفوسنا لا ينكر، فكثيراً ما رعبنا لأن خيالنا صور لنا أن سيدنا يريد أن

стр. 5205

يهوي علينا بعصاه، وفي الواقع لم يكن شيء من ذلك، وإنما هو الرعب ملك نفوسنا، ويحصل هذا أحياناً حتى في البيت، فننسى أننا خرجنا من الكتاب، وأننا بين أهلينا، فنرتجف بغتة لحركة تشبه حركة سيدنا في الكتاب. وإلى جانب هذه العصى (فلقة) وهي عصى غليظة من خشب متين قد ثقب في وسطها ثقبان يبعد ما بينهما نحو شبر، وركب في هذين الثقبين سير من جلد أو نحوه، فإذا شكا الولد أبوه أو غضب عليه سيدنا أدخل رجليه في هذا السير ولواه عليهما، وأمسك بطرفي الفلقة ولدان كبيران شديدان من أولاد الكتاب، فلم تستطع الرجلان حركة، وانهال عليه سيدنا ضرباً بالعصا والولد يصيح (في عرضك يا سيدنا) (حرمت) (أتوب)! ولست أنسى مرة أفرط فيها سيدنا فشق عقبي وسال منه الدم؛ وكان عزائي الوحيد أني مكثت بعيداً عن سيدنا نحو أسبوعين. وهذا كل ما كان في الكتاب من (موبيليات). كان سيدنا يحفظ القرآن حفظاً جيداً، ويكتب كتابة عاجزة، وهذا كل ما له من ثقافة، كان يطوف في الصباح على البيوت يقرأ فيها ما تيسر من القرآن، ويخرج من بيت إلى بيت حتى يتم دورته، وكان موظفاً في مسجد يؤذن فيه، فإذا حان وقت الظهر أو العصر خرج من الكتاب للآذان والصلاة - وفي غيابه صباحاً أو ظهراً أو عصراً يتركنا لعريف يقوم مقامه، ولكن كان العريف ولله الحمد أهون علينا من سيدنا. فكنا نتنفس الصعداء إذا خرج، ونصاب بالرعشة إذا حضر. وكان برنامج الكتاب ينحصر في كلمة هي (تحفيظ القرآن) فيبتدئ بتعليم حروف الهجاء على طريقة غريبة، فأول درس كان هو (أألف) وهي كلمة حفظتها ولم أفهمها إلا وأنا طالب في مدرسة القضاء. إذ فهمت أننا لو تهجينا كلمة ألف لكانت ألفاً ولاماً وفاءً، وما أدري ما السر في هذا البدء على هذا الوضع - حتى إذا عرف الولد شيئاً من القراءة والكتابة بدأ بكتابة جزأ من القرآن في اللوح يحفظه كل يوم وهو في أثناء ذلك (يثبت الماضي) ويمضي النهار كله في هذا الباب، فلا إملاء ولا حساب، ولا يعرف سيدنا شيئاً من ذلك، ولا نستريح من هذا العمل إلا وقت الغداء فإذا حان الظهر جمع (سيدنا) من كل ولد مليمين أو ثلاثة أو خمسة ثم بعث بولد كبير فأتى له بماجورين مملوءين، أحدهما فيه قليل من فول نابت وكثير من مرق، والآخر مملوء

стр. 5206

مخللاً بمائه وخله، وتحلق الأولاد حلقة، وأخرج كل رغيفه، وكان قد أحضره معه في الصباح تحت إبطه، وضربوا بأيديهم في الماجورين وأكلوا هنيئاً مريئاً - وقد رحمني الله من تمثيل هذا الفصل إذ كان بيتنا بجوار الكتاب أستطيع أن آكل فيه وأعود - وبين هؤلاء المريض والقذر ومن تلوثت يداه بالحبر. لا تعجبن من هالك كيف توى … بل فاعجبن من سالم كيف نجا كان (سيدنا) غريب الأطوار عرف في الحي باسم الشيخ سيد المجذوب، يلبس المرقع من الثياب فلم أره يوماً لبس (مركوباً) جديداً ولا عمة نظيفة ولا قباء ولا عباءة جديدين، فكأنه كان يتحرى القديم من كل شيء ويشتريه، كان يتزهد في أكله ولبسه وحديثه، ويهزأ بالناس ولا يعيرهم التفاتاً. فهو يمشي مسرعاً مشياً يشبه الجري، ويأكل في الشارع وهو على هذه الحال، وإذا ناداه منادٍ لا يلتفت إليه، فكان بذلك يلفت أنظار الناس والأطفال، ويعجب منه بعضهم، ويتبرك به بعضهم، وكان في المجالس العامة غريباً ينتحي ناحية وحده ويفر من الناس ويستوحش منهم، وفي مجالسه الخاصة واعياً أنيساً لطيفاً. لم أره يقرأ في كتاب، وما أظنه كان يعرف ذلك، ولكني مع هذا اذكر له حادثة حيرتني حقاً - فقد خرجت من كتابه، وأتممت التعليم في مدرسة ابتدائية، ثم قطعت مرحلة بعدها في التعليم - ثم ذهبت إلى مدرسة القضاء ومكثت فيها نحو أربع سنوات، ثم لقيت سيدنا في الطريق فسلمت عليه في احترام وإجلال اعترافاً بفضله عليّ في أول مراحل التعليم، ولكني أطوي بين جنبي إدلالاً بنفسي عليه، فأين هو الآن مني؟ لقد درست طبيعة وكيمياء، ودرست رياضة نظرية واسعة من حساب مثلثات وتوافيق وتراتيب ولوغارتمات، ودرست علوماً دينية مختلفة الأشكال والأنواع، وعلوماً مدنية من تاريخ وأصول قوانين ونظام إدارة وما إلى ذلك - فأين سيدنا من هذا كله فهو لا حظ له من علم إلا أن يحفظ القرآن، ولكن ما أدهشني حقاً أنه أخذ يسألني عن حالي وجرى من ذلك إلى الإدلاء برأيه في العالم وفلسفة الكون عن طريق صوفي، فإذا أنا أسير معه ملتذاً من حديثه معجباً بقوله إعجاباً يفوق ما كنت أضمره لأساتذتي في المدارس العالية، وإذا أنا أذهب معه حيث يذهب وأجلس معه حيث يجلس حتى أتم حديثه الممتع اللذيذ في ساعتين أو أكثر، ولوددت أنه طال أكثر مما كان - لست أذكر الآن حديثه وقوله، ولا أذكر ماذا

стр. 5207

كانت نظراته في الحياة، ولكني أذكر لذة حديثه وفائدة درسه. ثم راحت أيام وجاءت أيام، وإذا لي ولد، وإذا بي أرسله إلى (روضة الأطفال)، وإذا مكان الكتاب ذي السبيل والحصر، بناء فسيح ذو حديقة غناء، وتخت وأدوات شتى، ومكان العصي و (الفلقة)، بيانو وآلات موسيقية، ومكان مواجير الفول والمخلل، لبن وبسكوت في الساعة العاشرة، وأكل نظيف يشرف عليه الطبيب في الظهر ومكان برنامج كتابنا الذي ليس فيه إلا حفظ القرآن برنامج دقيق مفصل محدود بالساعة والدقيقة فيه غناء وفيه لعب، وفيه مبادئ القراءة، وفيه ما شئت من تنوع واختلاف، ومكان سيدنا الشيخ سيد عبد الرحمن آنساتنا العزيزات. وأتى ابني يوماً يقول أن (أبلة) فلانة علمتهم اليوم درساً جديداً، قالت هذه (ستي) أ، وهذه (ستي) ب، وستي ألا شيء عليها، وستي ب من تحتها نقطة، فقلت أين هذا مما كنا نتعلمه من أألف، بابا ليف، بوبا واو بي با يه). ورأيته ينشد أناشيد (سمير الأطفال) ونحوها فقلت أين أنت من أبيك وقد كان ينشد في العصر قبل الذهاب إلى البيت الأناشيد الدينية. ورأيته يزكم فيجلس في البيت ثم يذهب إلى المدرسة فتأبى عليه إلا أن يأتي بشهادة طبيب بأنه برئ ولم يكن مرضه معدياً، فقلت لحا الله زماناً لم نكن نعرف فيه طبيباً، وكان حولنا في الكتاب مرضى لا يعرفون أن الزكام مرض، وكان أصحاءهم ومرضاهم يشربون من زير واحد بكوز واحد. ورأيته في سنه لا يحفظ شيئا، وكنت أنا في سنه أحفظ جزءا كبيراً من القرآن. ورأيته يعرف من الأشغال اليدوية والرسم والتلوين ما لا أعرفه إلى اليوم. ورأيته ورأيته؛ ورأيتني ورأيتني أخشى أن نكون في كلا الحالين مفرطين ومفرطين، وأن نكون في (كتابنا) قد غلونا وفي (رياض أطفالنا) قد غلونا أخشى أن يكون الكتاب قسا وأسرف في القسوة، ورياض الأطفال ماعت وأسرفت في الميوعة، أخشى أن نكون في كتابنا قد وضعنا أمام الطفل كل العقبات فلم يستطع أن يجتازها إلا القليل، ونحينا في (رياض الأطفال) كل العقبات فاجتازوها جميعاً، ولكنهم

стр. 5208

خرجوا لا يعرفون كيف يجتازون عقبة عرضت، ولا يصبرون على شدة ألمت، ولا يتحملون مشقات العلم ومعانات الدرس، ولا يعالجون ما يعن من مصاعب الحياة - وآية ذلك أن الجيل السابق - مع كثرة من تخلف - كانوا أصبر على الدرس وأحمل للمكاره والمشاق، وأن الجيل الحاضر أنعم وأظرف وألبق، ولكنهم لا يصبرون على مكروه حتى العلم. أحمد أمين

стр. 5209

قصيدة مترجمة لحوم البحر. . . للأستاذ مصطفى صادق الرافعي لكأنما والله قد تمدد على سيف البحر في إسكندرية شيطانٌ ماردٌ من شياطين ما بين الرجل والمرأة. يخدع الناس عن جهنم بتبريد معانيها. . وقد امتلأ به الزمان والمكان؛ فهو يرعش ذلك الرمل بذلك الهواء رعشة أعصاب حية؛ ويرسل في الجو نفخاتٍ من جرأة الخمر في شاربها ثار فعربد، ويطلع الشمس للأعين في منظر حسناء عريانة ألقت ثيابها وحيائها معاً؛ ويرخي الليل ليغطي به المخازي التي خجل النهار أن تكون فيه. ولعمري إن لم يكن هو هذا المارد فما أحسبه إلا الشيطان الخبيث الذي ابتدع فكرة عرض الآثام مكشوفة في أجسامها تحت عين التقي والفاجر لتعمل عملها في الطباع والأخلاق؛ فسول للنساء والرجال أن ذلك الشاطئ علاج الملل من الحر والتعب حتى إذا اجتمعوا فتقاربوا، فتشابكوا، سول لهم الأخرى أن الشاطئ هو كذلك علاج الملل من الفضيلة والدين. ولئن لم يكن اللعينان فهو الرجيم الثالث، ذلك الذي تألى أن يفسد الآداب الإنسانية كلها لفساد خلقٍ واحد، هو حياء المرأة؛ فبدأ يكشفها للرجال من وجهها ولكنه استمر يكشف. وكانت تظنه نزع حجابها فإذا هو أول عريها. . وزادت المرأة، ولكن بما زاد فجور الرجال، ونقصت ولكن بما نقص فضائلهم، وتغيرت الدنيا وفسدت الطباع. فإذا تلك المرأة ممن يقرونها على تبذلها بين رجلين لا ثالث لهما: رجل فجر ورجل تخنث. . هناك فكرة من شريعة الطبيعة هي عقل البحر في هؤلاء الناس، وعقل هؤلاء الناس في البحر؛ إذا أنت اعترضتها فتبينتها فتعقبتها، رأيتها بلاغة من بلاغة الشيطان في تزيينه وتطويه، وأصبت فكره مستقراً فيها استقرار المعنى في عبارته، آخذاً بمداخلها ومخارجها. وما كان الشيطان عيياً ولا غبياً، بل هو أذكى شعراء الكون في خياله، وأبلغهم في فطنته، وأدقهم في منطقه، وأقدرهم على الفتنة والسحر. وبتمامه في هذا كله كان شيطاناً لم تسعه الجنة إذ ليس فيها النار، ولم ترضه الرحمة إذ ليس معها الغضب، ولم يعجبه الخضوع الملائكي إذ ليس فيه الكبرياء، ولم يخلص إلى الحقيقة إذ لا تحمل الحقيقة شعر أحلامه.

стр. 5210

وما أتى الشيطان أحداً، ولا وسوس في قلب، ولا سول لنفس، ولا أغوى من يغويه إلا بأسلوب شعري ملتبس دقيق، يجعل المرء يعتقد أن أطراح العقل ساعة هو عقل الساعة، ويفسد برهانه مهما كان قوياً إذ يرتد به من النفس إلى أخيلة لا تقبل البراهين، ويقطع حجته مهما كانت دامغة، إذ يعترضها بنزعة من النزعات توجهها كيف دار بها الدم لا كيف دار بها المنطق. فكرة من شريعة الطبيعة ظاهرها لبعض الأمر من الشمس والهواء والبحر وما لا أدري، وباطنها لبعض الأمر من فن الشيطان وبلاغته وشعره وما لا أدري، وما كانت الشرائع الآلهية والوضعية إلا لإقرار العقل في شريعة الطبيعة كي تكون إنسانية لإنسانها كما هي حيوانية لحيوانها، وليجد الإنسان ما يحفظ به نفسه من نفسه التي هي دائماً فوضى، ولا غاية لها لولا ذلك العقل إلا أن تكون دائماً فوضى. . وبالشرائع والآداب استطاع الإنسان أن يضع لكلمة الطبيعة النافذة عليه، وأن يرى في هذه الطبيعة أثر جوابه؛ فكلمتها هي: أيها الإنسان أنت خاضع لي بالحيواني فيك؛ وكلمته هو: أيتها الطبيعة وأنت لي خاضعة بالإلهي فيّ. والآن سأقرأ لك القصيدة الفنية التي نظمها الشيطان على رمل الشاطئ في إسكندرية؛ وقد نقلتها أترجمها فصلاً بعد فصل عن تلك الأجسام عارية وكاسية، وعن معانيها مكشوفة ومغطاة، وعن طباعها بريئة ومتهمة، حتى اتسقت الترجمة على ما ترى قال الشيطان: ألا إن البهيمية والعقلية في هذا الإنسان؛ مجموعهما شيطانية. . . ألا وإنه ما من شيء جميل أو عظيم إلا وفيه معنى السخرية به. هنا تتعرى المرأة من ثوبها، فتتعرى من فضيلتها. هنا يخلع الرجل ثوبه، ثم يعود إليهفيلبس فيه الأدب الذي خلعه. رؤية الرجل لحم المرأة المحرمة نظر بالعين والعاطفة. يرمي ببصره الجائع كما ينظر الصقر إلى لحم الصيد. ونظر المرأة لحم الرجل رؤية فكر فقط. . . تحول بصرها أو تخفضه، وهي من قلبها تنظر.

стр. 5211

يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . يا لحوم البحر! سلخك جزار من ثيابك. جزار لا يذبح بألم ولكن بلذة. . ولا يحز بسكين ولكن بالعاطفة. ولا يميت الحي إلا موتاً أدبياً. . إلى الهيجاء يا أبطال معركة الرجال والنساء. فهنا تلتحم نواميس الطبيعة ونواميس الأخلاق. للطبيعة أسلحة العري، والمخالطة، والنظر، والأنس، والتضاحك، ونزوع المعنى إلى المعنى. . وللأخلاق المهزومة سلاح من الدين قد صدئ، وسلاح من الحياء مكسور. يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . الشاطئ كبير كبير، يسع الآلاف والآلاف. ولكنه للرجل والمرأة صغير صغير، حتى لا يكون إلا خلوة. . . وتقضي الفتاة سنتها تتعلم، ثم تأتي هنا تتذكر جهلها وتعرف ما هو. . وتمضي المرأة عامها كريمة، ثم تجيء لتجد هنا مادة اللؤم الطبيعي. . . لو كانت حجاجة صوامة، للعنتها الكعبة لوجودها في (استانلي). الفتاة ترى في الرجال العريانين أشباح أحلامها، وهذا معنى من السقوط. والمرأة تسارقهم النظر تنويعاً لرجلها الواحد، وهذا معنى من المواخير. . . أين تكون النية الصالحة لفتاة أو امرأة بين رجال عريانين؟ يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . . هناك التربية، وهنا إعلان الإغفال والطيش. وهناك الدين، وهنا أسباب الإغراء والزلل. وتكلف الأخلاق، وهنا طبيعة الحرية منها. والعزيمة بالقهر يوماً بعد يوم، وهنا إفسادها بالترخص يوماً بعد يوم. والبحر يعلم اللائي والذين يسبحون فيه كيف يغرقون في البر. .

стр. 5212

لو درى هؤلاء وهؤلاء معرة اغتسالهم معاً في البحر، لاغتسلوا من البحر. فقطرة الماء التي نجستها الشهوات قد انسكبت في دمائهم. وذرة الرمل النجسة في الشاطئ ستكبر حتى تصير بيتاً نجساً لأب وأم. . يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . يجيئون للشمس التي تقوى بها صفات الجسم، ليجد كل من الجنسين شمسه التي تضعف بها صفات القلب. يجيئون للهواء الذي تتجدد به عناصر الدم، ليجدوا الهواء الآخر الذي تفسد به معاني الدم. يجيئون للبحر الذي يأخذون منه القوة والعافية، ليأخذوا عنه أيضاً شريعته الطبيعية: سمكة تطارد سمكة. . ويقولون ليس على المصيف حرج. أي لأنه أعمى الأدب، وليس على الأعمى حرج. يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . المدارس، والمساجد، والبيع، والكنائس، ووزارة الداخلية، هذه كلها لن تهزم الشاطئ. فأمواج النفس البشرية كأمواج البحر الصاخب، تنهزم أبداً لترجع أبداً؛ لا يهزم الشاطئ إلا ذلك (الجامع الأزهر)، لو لم يكن قد مسخ مدرسة. فصرخة واحدة من قلب الأزهر القديم، تجعل هدير البحر كأنه تسبيح، وترد الأمواج نقية بيضاء، كأنها عمائم العلماء. وتأتي إلى البحر بأعمدة الأزهر للفصل بين الرجال والنساء، ولكني أرى زمناً قد نقل حتى إلى المدارس روح (الكازينو). . يا لحوم البحر! سلخك من ثيابك جزار. . .! هنا على رغم الآداب، مملكة للصيف والقيظ، سلطانها الجسم المؤنث العاري. أجسام تعرض مفاتنها عرض البضائع، فالشاطئ حانوت للزواج.! وأجسام تعرض أوضاعها كأنها في غرفة نومها لا في الشاطئ. . . وأجسام جالسة لغيرها تحيط بها معانيها ملتمسة معانيه، فالشاطئ سوق للرقيق. . وأجسام خفرة جالسة للشمس والهواء، فالشاطئ كدار الكفر لمن أكره.

стр. 5213

وأجسام عليلة تقتحمها الأعين فتزدريها، لأنها جعلت الشاطئ مستشفى. . .! وأجسام خليعة أضافت من استانلي وأخواتها إلى منارة إسكندرية، ومكتبة إسكندرية، مزبلة إسكندرية. . . كان جدال المسلمين في السفور فأصبح الآن في العري. فإذا تطور، فماذا بقي من تقليد أوربا إلا الجدال في شرعية جمع المرأة بين الزوج وشبه الزوج.؟ انتهى ما استطعت ترجمته، بعد الرجوع في مواضع من القصيدة إلى بعض القواميس الحية. .، إلى بعض شبان الشاطئ. طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5214

حول ذكرى الشاعرين (شوقي وحافظ) كتب كثير من الأساتذة الغير، يأسفون على إهمال حافظ، ويتألمون على أن كتاباً لم يصدر عنه. ولم يذكر واحداً منهم، أن المكتبة العربية في دمشق، قد أخرجت كتاباً في ذكرى الشاعرين في (٧٥٠) صفحة كبيرة. فيه (١٢) مقالة عن حافظ لطائفة من أكبر كتاب مصر والشام كالرافعي والمازني وطه حسين وهيكل والبشري والمغربي و (١٦) قصيدة في حافظ لطائفة من كبار الشعراء كشوقي ﵀ والزهاوي ومطران والعقاد ومحرم والبزم والهراوي وجبري، وأكثر من ألف بيت من شعر حافظ الذي لم ينشر في ديوانه، ومثل هذا عن شوقي، وخمس مقالات في المقارنة بينهما للزيات وطه حسين والمازني ومطران وسعيد الأفغاني. أفليس من الحق أن ينوه بهذا العمل، وأن يشكر لدمشق؟ دمشق متأدب

стр. 5215

أعظم حادث في حياة روسو: روسو ومدام دي فرنس للأستاذ محمد عبد الله عنان صدر أخيراً في باريس كتاب عنوانه (مدام دي فرنس) وهو عنوان لا يثير لأول وهلة كبير اهتمام؛ ولكنا متى علمنا أن صاحبة هذا الاسم هي المرأة التي كان لها أكبر أثر في حياة جان جاك روسو الكاتب والفيلسوف الأشهر، وأنها إذا لم تكن معروفة شهيرة لذاتها فان روسو يخلدها في آثاره، ويفرد لها في (اعترافاته) أو ترجمة حياته أكبر مكانة، استطعنا أن نقدر أهمية بحث يتناول هذا الجانب من حياة روسو، وما كان له من عظيم أثر في تكوين تفكيره وفلسفته. نلمس أثر المرأة في حياة كثير من عظماء الرجال، وتمتاز هذه الشخصيات النسوية في أغلب الأحيان بخلال قوية بارزة تمكن لها في النفوذ والتأثير؛ ولكن مدام دي فرنس تبدو لنا في صورتها وخلالها شخصية عادية، لا تخلق في ذاتها لأن توحي بشيء من مقومات العظمة أو البطولة؛ وكان مثولها في حياة روسو أيام كان فتى مغموراً شريداً لا قيمة له في مجتمع وطنه وعصره. على أن هذه الصلة طبعت نفس روسو وروحه بأعمق طابع، وأثرت في عواطفه وتفكيره أعظم تأثير، وأثارت من قلمه عن مدام دي فرنس وعن صلاته بها تلك الصحف المؤثرة البديعة التي نعتقد إنها أجمل ما في (الاعترافات). كانت لروسو مع مدام دي فرنس قصة من أغرب القصص وأجملها، قصة (أم) وولد، ومربية وتلميذ، وحامية ومحسوب، وأخيراً قصة عاشق ومعشوق، وصاحب وخليلة؛ وكان اتصاله بها سنة ١٧٢٨ وهو حدث في نحو السادسة عشرة من عمره؛ ففي ذلك الحين فر روسو من جنيف مسقط رأسه، وغادر أسرته بعد أن التحق حين كان صبياً بمكتب محام ولم يأنس ميلاً للعمل فيه، ثم بحانوت حفار لم يطق خشونته وسوء معاملته؛ وسافر على غير هدى إلى بلدة كفنيون من أعمال سافوا، وقصد قسيسها المسيو دي بونفير وكانت بينه وبين أسرته صداقة، فأرسله بتوصية منه إلى سيدة خيرة محسنة هي مدام دي فرنس، لكي تعاونه على البحث عن عمل يعيش منه. وكانت مدام دي فرنس تقيم يومئذ في بلدة (أنسي)؛ فقصد إليها الفتى جان جاك، وقلبه يتردد

стр. 5216

بين الخيبة والأمل. ويقول لنا روسو إنه لما وصل إلى (أنسي) فكر في وسيلة مؤثرة يكسب بها عطف مدام دي فرنس، فكتب إليها خطاباً منمقاً ضمنه كل ما وسع من الكلمات والعبارات البليغة، ووضع معه خطاب المسيو دي بونفير. ثم ذهب إلى منزلها فلم يجدها هنالك، وقيل له إنها سارت تواً إلى الكنيسة على مقربة من المنزل، فهرول في أثرها ولحق بها وناداها. ثم يقول؛ (وإني لأذكر هذه البقعة بلا ريب. وكثيراً ما بللتها بعد بدموعي وغمرتها بقبلاتي. وإني لأود أن أسور هذه البقعة السعيدة بقضيب من الذهب، وأود أن ألتمس لها إجلال العالم. ومن يقدس آثار إنقاذ الإنسان فعليه أن لا يقربها إلا راكعاً). وشد ما كانت دهشة روسو حينما رأى مدام دي فرنس لأول مرة، وكان يتصورها عانساً مظلمة المحيى شديدة الورع، وما كانت المحسنة التي يختارها القس دي بونفير لتكون في نظره غير ذلك. ولكنه رأى بالعكس محيا يفيض بالسحر، وعينين زرقاوين نجلاوين تفيضان بالرقة، وبشرة ناصعة باهرة. فاستقبلته باسمة وتناولت الخطابين وقرأتهما. ثم طلبت إليه برفق أن ينتظرها في المنزل حتى تعود من القداس. وهنا يحدثنا روسو طويلاً عن مدام دي فرنس؛ فهي لويزا لينور دي فرنس، سليلة أسرة نبيلة من لوزان؛ تزوجت صغيرة بالمسيو دي فرنس؛ وكان الزواج عقيماً، ولم يكن سعيداً؛ فعافت حياة الأسرة؛ وانتهزت فرصة وجود الملك فكتور أمدية (ملك سافوا) ذات يوم في أفيان، فغادرت أسرتها ووطنها واستغاثت به، فمنحها حمايته ورعايته ورتب لها نفقة حسنة. ثم ذاع بعد ذلك إنه يهواها، فأبعدها إلى (أنسي)، وهناك نبذت مذهبها البروتستانتي واعتنقت الكثلكة إرضاء لمليكها وكان كاثوليكياً متعصباً. وكان قد مضى عليها ستة أعوام في أنسي يوم وفد عليها روسو؛ وكانت يومئذ في الثامنة والعشرين من عمرها. وكانت حسناء (جمالها من ذلك النوع الباقي الذي يبدو في المحيى أكثر مما يبدو في التقاسيم، هذا إلى أن جمالها كان ما يزال في ذروته الأولى؛ وكانت ذات هيئة ناعمة جذابة، ونظرة ساحرة، وبسمة ملائكية. وكانت صغيرة القد، أميل إلى القصر، عبلة نوعاً ولكن دون قبح، بيد أنه لم يك أجمل منها رأساً، ولا أجمل صدراً ويدين ومعصمين). وقد تلقت مدام دي فرنس تربية مضطربة متنوعة ترجع إلى أنها فقدت أمها عند مولدها، فتعلمت شيئاً من مربيتها، وشيئاً من والدها، وشيئاً من أساتذتها، وكثيراً من عشاقها. وتلقت

стр. 5217

بالأخص عن والدها قشوراً من الطب والسمياء، وكان للأفاقين من الأطباء والسميائين نفوذ كبير عليها، فكانت تقلدهم في عمل المركبات والأدوية، وتبدد في ذلك ذكاءها وسحرها اللذين كانا يخلقان بأرفع المجتمعات. بيد أنها لبثت خلال هذه الغمار محتفظة بطيبة قلبها، ورقة شمائلها، وبشرها وصراحتها، وحبها للبائس والمسكين، وكان جديراً بذكائها ورفيع خلالها أن تشغل مكانة غير التي وجدت فيها، وأن تؤدي عملاً أجل من ذلك الذي كانت تؤديه. ولقي روسو مدام دي فرنس (فغزت لبه وحازت ثقته من أول مقابلة وأول كلمة وأول نظرة). ولا يستطيع روسو أن يدرك كنه هذه العاطفة العميقة التي بثتها إليه مدام دي فرنس منذ الساعة الأولى، ويتساءل إذا كانت هذه العاطفة حباً، فكيف اقترنت منذ البداية بسلام القلب، والسكينة، والبشر، والثقة؟ وكيف أنه وهو في حضرة امرأة رفيعة رائعة الحسن، يتوقف عليها مصيرمستقبله في معنى من المعاني، استطاع أن يشعر بمنتهى الحرية والطمأنينة، ولم يخالجه أي اضطراب أو وجل؟ هذا وهو الحدث الحيي الذي لا يعرف شيئاً عن العالم. وسألته عن أحواله ورغباته، فقص عليها قصته، وبعد أن فكرت ملياً في أمره ولم تجد له حلاً موافقاً، اقترح أحد ضيوف المنزل على مضيفته أن يسافر الفتى الشريد إلى تورينو ليلتحق هنالك بمعهد لتخريج الكهنة، وفيه يلقى العون المادي والروحي، فوافقت مدام دي فرنس لأنها لم تجد حلاً آخر، وساعدت روسو ببعض المال، فسافر إلى تورينو بعد أن أقام لديها بضعة أيام أسرته فيها بساحر خلالها وبثت إليه شعوراً خالداً بالمحبة والعرفان؛ وهنالك قدم أوراق التوصية التي يحملها. وكان المعهد معهد تبشير للكثلكة، فلم يمض حين حتى حمل روسو على تغيير مذهبه البروتستانتي واعتناق الكثلكة، ثم أخرج على أثر ذلك من المعهد ونفح بمكافأة صغيرة فلبث حيناً يتجول في المدينة، وينتقل من مسكن إلى آخر، وهو شريد لا يدري ماذا يصنع، حتى ألقى به القدر إلى خدمة سيدة نبيلة تدعى الكونتة دي فرتشلي. وكانت أرمل متقدمة السن ولا ولد لها، وكانت أديبة قارئة، فكان روسو يكتب ما تمليه عليه من القطع والخطابات؛ ولكنها لم تلبث طويلاً حتى مرضت ثم توفيت؛ وغادر روسو المنزل آسفاً شريداً؛ حتى سنحت له فرصة أخرى، فألحق بتوصية من بعض

стр. 5218

الأصدقاء بخدمة الكونت دي جوفون أحد رجال البطانة، وتعرف عندئذ بالأب دي جوفون أحد أعضاء هذه الأسرة، وتلقى عليه دروساً في اللاتينية والأدب القديم، ولبث في عمله الجديد أشهراً أخرى، ثم أقيل منه فخرج خالي الوفاض مهموم النفس وكره البقاء في تورينو، وأعتزم العودة إلى أنسي وإلى مدام دي فرنس. فغادر تورينو على قدميه، ووصل إلى أنسي بعد رحلة شاقة، وقصد إلى منزل المحسنة إليه؛ وآنس في الحال منها ذلك العطف القديم، فارتمى على قدميها وهو يلثم يدها فرحاً، وفاض قلبه سعادة إذ علم أنها أعدت له غرفة بالمنزل وأنه سيقيم إلى جانبها باستمرار. وهنا يفيض روسو في وصف عواطفه نحو هذه السيدة البارة الساحرة، فيقول إن علائقهما لم تثر منذ الساعة الأولى أية كلفة، فكانت تسمية (ولدها الصغير) ويسميها (أمه) وأن هذه التسمية كانت أصدق معبر عن بساطة هذه العلائق وسذاجتها، وبالأخص عن تجاذب قلبيهما، وأن الشهوة الجنسية كانت بعيدة عن ذهنه، ولكنه كان سعيداً إذ وجد (أماً) فتية حسناء تغمره مداعباتها وقبلاتها - أجل قبلاتها - سحراً، وإنه كان يشعر إلى جانبها ولدى نظراتها وأحاديثها بمتعة خالدة لا يستطيع أن يدرك كنهها، يقول روسو: (كان يأخذني سحر المقام معها، ورغبتي المضطرمة في أن أقضي حياتي إلى جانبها، فكنت أرى فيها دائماً، أكانت غائبة أم حاضرة، أماً رؤوماً، وأختاً محبوبة، وصديقاً ممتعاً، ليس غير؛ وكانت صورتها التي لا تفارق قلبي قط لا تفسح مجالاً لأية صورة أخرى، فلم أك أرى في العالم امرأة سواها، وكانت عذوبة المشاعر التي تبثها إلي تمنع حواسي من أن تنتبه إلى مشاعر أخرى، وتحميني منها ومن جنسها كله، وبعبارة أخرى كنت عفيفاً لأني أحببتها، فتأمل هذه النتائج التي لا أكاد أحسن عرضها، وقل لي من ذا الذي يستطيع أن يصف طبيعة شغفي بها. . .) البقية في العدد القادم محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5219

من المدنية الإسلامية الأرقام الهندية شرقية لا غربية الأستاذ محمد عبد السلام البرغوثي ثلاثة عوامل أساسية دفعت الإنسانية من حظيرة الهمجية التي رتعت فيها أجيالاً إلى مستوى المدنية الذي تتبوأ في يومها هذا. ولا تزال هذه العوامل دعائم مدنية الإنسان الثابتة وهي (١) التقاليد الاجتماعية المتوارثة جيلاً بعد جيل، وقد انتهت هذه التقاليد بالعقائد الدينية الراسخة التي حولت وجه البشرية شطر المثل العليا. (٢) اللغة التي تطورت إلى آداب رفيعة سمت بالإنسان إلى مدارك الحياة العليا. (٣) العلم الذي توج بانتصارات باهرة سلمت للإنسان مقاليد الحياة. ولقد كان هذا الشرق مهبط وحي الأديان الحنيفة التي خلصت البشر من ديجور الجهل وأنارت لهم سبل الحياة القويمة. وقدم هذا الشرق للعالم الحروف الهجائية فكانت واسطة تخليد آدابه الرفيعة واكتشافاته المجدية في مجاهل الحياة، ومفتاح ثقافة متماسكة مسرعة الخطى نحو الكمال. ومن قرائح أبناء هذا الشرق أخرج الله للعالم الدعامة الثالثة لصرح مدنيتهم هي - ألف باء الحساب - أسس العلم الحديث، فتم بذلك للإنسان ثلاث وسائل فعالة تتحد وتأتلف لتدفع به في سبيل القوة نحو غاية سامية قدرها الله. لقد بلغت الحضارة الإغريقية شأواً بعيداً من السمو، ووضعت العقلية الإغريقية قواعد المدنية الأساسية، وخطت للبشرية معالم مدنيتها فكانت مبرزة في كل مضمار إلا في الحساب والجبر لعوزها الأرقام وهي اللبنات الأساسية في بناء هذا العلم. ولو لم تزد الحضارة الإسلامية على تراث الإغريق سوى تلافيها هذا النقص الذي كان يعتريها لكفاها مأثرة وفخراً. حوالي سنة ١٥٦هـ وفد إلى بغداد تاجر هندي يحمل مقالة في الرياضيات وأخرى في الهيئة. فكانت الأولى أول رسالة رياضية ترجمت إلى العربية ترجمها إبراهيم الفزاري بأمر من الخليفة. وكانت هذه المقالة على ما هو شائع ومتعارف تحوي الأرقام التسعة والعمليات الحسابية الأساسية. ولهذا كان للحساب عند العرب اسمان: (الهندي) وهو ما كان

стр. 5220

على الطريقة الرقمية الهندية، والأرتماطيقي وهو ما نسج على أسلوب الإغريق الخالي من استعمال الأرقام. لعل أول إشارة إلى أصل هذه الأرقام، العالم سفيروس سيبوخت أحد أعلام مدرسة نيسابور على ما يظن في القرن السابع الميلادي، فقد جاء في كتاب له مؤرخ سنة ٦٦٢م عن براعة أهل الهند في العلم ما يأتي: - (. . ولا يتسع المقام لشرح ما كان للهند من حذق للفلك وبراعة في الاختراعات التي تفوق براعة الإغريق والبابليين. ونخص بالذكر طرق حسابهم للمقادير والكميات وتفوق كل وصف، وصفوة القول في هذا الصدد أن هذا الإحصاء والتقدير يتمان باستعمال علامات تسع). (فعلى من يعتقد من الإغريق أنهم قد بلغوا نهاية القصد في العلم أن يفقه ذلك ويدرك أن من الأمم غير الإغريق من ضرب في العلم بسهم وافر). أهـ وعلى هذا كان الاعتقاد السائد في العالم العربي وفي أوربا طيلة القرون الوسطى أن الأرقام من أصل هندي. وقد نشر العلامة الفرنسي ووبوك في المجلة الآسيوية التي تصدر في باريس عام ١٨٦٣ بحثاً مستفيضاً عن تاريخ الأرقام مرجعاً إياها إلى الأصل الهندي، فكانت كلمته فصل الخطاب في ذلك العهد. وفي مستهل القرن الحالي أثيرت ضجة حول هذا الموضوع كان فرسان حلبتها وحاملوا لوائها ثلاثة من علماء الغرب الأعلام، أولهم كيس الأمريكي البحاثة في علوم الهند، والثاني كارادفو الفرنسي الحجة في تاريخ المدنية الفارسية، وثالثهم نيقولاوس بهنوف الروسي وهو ضليع في اشتقاق اللغة. وقد شك هؤلاء في صلة الهند بالأرقام، وقدم الأخيران فرضاً جديداً لتاريخ الأرقام. نشر الأستاذ كيس عدة مقالات عام ١٩٠٧ في المجلة الآسيوية في البنغال عن تاريخ الرياضيات في الهند. وكتب دفو بحثاً في مجلة سنة ١٩١٧ عن أصل الصفر. أما بهنوف فقد أخرج مؤلفين عام ١٩٠٨ أولهما (استقلال الثقافة الأوربية في العلوم الرياضية) وقد ترجم إلى الألمانية عام ١٩١٨ وثانيهما (تاريخ الأرقام) تصدى الأستاذ كيس في تحرياته إلى سبع عشرة لوحة نحاسية بها مخطوطات هندية يرجع تاريخها إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي وتحوي أساس استعمال القيمة المنزلية للأرقام و
следующие страницы →