← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

بين الخيبة والأمل. ويقول لنا روسو إنه لما وصل إلى (أنسي) فكر في وسيلة مؤثرة يكسب بها عطف مدام دي فرنس، فكتب إليها خطاباً منمقاً ضمنه كل ما وسع من الكلمات والعبارات البليغة، ووضع معه خطاب المسيو دي بونفير. ثم ذهب إلى منزلها فلم يجدها هنالك، وقيل له إنها سارت تواً إلى الكنيسة على مقربة من المنزل، فهرول في أثرها ولحق بها وناداها. ثم يقول؛ (وإني لأذكر هذه البقعة بلا ريب. وكثيراً ما بللتها بعد بدموعي وغمرتها بقبلاتي. وإني لأود أن أسور هذه البقعة السعيدة بقضيب من الذهب، وأود أن ألتمس لها إجلال العالم. ومن يقدس آثار إنقاذ الإنسان فعليه أن لا يقربها إلا راكعاً). وشد ما كانت دهشة روسو حينما رأى مدام دي فرنس لأول مرة، وكان يتصورها عانساً مظلمة المحيى شديدة الورع، وما كانت المحسنة التي يختارها القس دي بونفير لتكون في نظره غير ذلك. ولكنه رأى بالعكس محيا يفيض بالسحر، وعينين زرقاوين نجلاوين تفيضان بالرقة، وبشرة ناصعة باهرة. فاستقبلته باسمة وتناولت الخطابين وقرأتهما. ثم طلبت إليه برفق أن ينتظرها في المنزل حتى تعود من القداس. وهنا يحدثنا روسو طويلاً عن مدام دي فرنس؛ فهي لويزا لينور دي فرنس، سليلة أسرة نبيلة من لوزان؛ تزوجت صغيرة بالمسيو دي فرنس؛ وكان الزواج عقيماً، ولم يكن سعيداً؛ فعافت حياة الأسرة؛ وانتهزت فرصة وجود الملك فكتور أمدية (ملك سافوا) ذات يوم في أفيان، فغادرت أسرتها ووطنها واستغاثت به، فمنحها حمايته ورعايته ورتب لها نفقة حسنة. ثم ذاع بعد ذلك إنه يهواها، فأبعدها إلى (أنسي)، وهناك نبذت مذهبها البروتستانتي واعتنقت الكثلكة إرضاء لمليكها وكان كاثوليكياً متعصباً. وكان قد مضى عليها ستة أعوام في أنسي يوم وفد عليها روسو؛ وكانت يومئذ في الثامنة والعشرين من عمرها. وكانت حسناء (جمالها من ذلك النوع الباقي الذي يبدو في المحيى أكثر مما يبدو في التقاسيم، هذا إلى أن جمالها كان ما يزال في ذروته الأولى؛ وكانت ذات هيئة ناعمة جذابة، ونظرة ساحرة، وبسمة ملائكية. وكانت صغيرة القد، أميل إلى القصر، عبلة نوعاً ولكن دون قبح، بيد أنه لم يك أجمل منها رأساً، ولا أجمل صدراً ويدين ومعصمين). وقد تلقت مدام دي فرنس تربية مضطربة متنوعة ترجع إلى أنها فقدت أمها عند مولدها، فتعلمت شيئاً من مربيتها، وشيئاً من والدها، وشيئاً من أساتذتها، وكثيراً من عشاقها. وتلقت

стр. 5217

بالأخص عن والدها قشوراً من الطب والسمياء، وكان للأفاقين من الأطباء والسميائين نفوذ كبير عليها، فكانت تقلدهم في عمل المركبات والأدوية، وتبدد في ذلك ذكاءها وسحرها اللذين كانا يخلقان بأرفع المجتمعات. بيد أنها لبثت خلال هذه الغمار محتفظة بطيبة قلبها، ورقة شمائلها، وبشرها وصراحتها، وحبها للبائس والمسكين، وكان جديراً بذكائها ورفيع خلالها أن تشغل مكانة غير التي وجدت فيها، وأن تؤدي عملاً أجل من ذلك الذي كانت تؤديه. ولقي روسو مدام دي فرنس (فغزت لبه وحازت ثقته من أول مقابلة وأول كلمة وأول نظرة). ولا يستطيع روسو أن يدرك كنه هذه العاطفة العميقة التي بثتها إليه مدام دي فرنس منذ الساعة الأولى، ويتساءل إذا كانت هذه العاطفة حباً، فكيف اقترنت منذ البداية بسلام القلب، والسكينة، والبشر، والثقة؟ وكيف أنه وهو في حضرة امرأة رفيعة رائعة الحسن، يتوقف عليها مصيرمستقبله في معنى من المعاني، استطاع أن يشعر بمنتهى الحرية والطمأنينة، ولم يخالجه أي اضطراب أو وجل؟ هذا وهو الحدث الحيي الذي لا يعرف شيئاً عن العالم. وسألته عن أحواله ورغباته، فقص عليها قصته، وبعد أن فكرت ملياً في أمره ولم تجد له حلاً موافقاً، اقترح أحد ضيوف المنزل على مضيفته أن يسافر الفتى الشريد إلى تورينو ليلتحق هنالك بمعهد لتخريج الكهنة، وفيه يلقى العون المادي والروحي، فوافقت مدام دي فرنس لأنها لم تجد حلاً آخر، وساعدت روسو ببعض المال، فسافر إلى تورينو بعد أن أقام لديها بضعة أيام أسرته فيها بساحر خلالها وبثت إليه شعوراً خالداً بالمحبة والعرفان؛ وهنالك قدم أوراق التوصية التي يحملها. وكان المعهد معهد تبشير للكثلكة، فلم يمض حين حتى حمل روسو على تغيير مذهبه البروتستانتي واعتناق الكثلكة، ثم أخرج على أثر ذلك من المعهد ونفح بمكافأة صغيرة فلبث حيناً يتجول في المدينة، وينتقل من مسكن إلى آخر، وهو شريد لا يدري ماذا يصنع، حتى ألقى به القدر إلى خدمة سيدة نبيلة تدعى الكونتة دي فرتشلي. وكانت أرمل متقدمة السن ولا ولد لها، وكانت أديبة قارئة، فكان روسو يكتب ما تمليه عليه من القطع والخطابات؛ ولكنها لم تلبث طويلاً حتى مرضت ثم توفيت؛ وغادر روسو المنزل آسفاً شريداً؛ حتى سنحت له فرصة أخرى، فألحق بتوصية من بعض

стр. 5218

الأصدقاء بخدمة الكونت دي جوفون أحد رجال البطانة، وتعرف عندئذ بالأب دي جوفون أحد أعضاء هذه الأسرة، وتلقى عليه دروساً في اللاتينية والأدب القديم، ولبث في عمله الجديد أشهراً أخرى، ثم أقيل منه فخرج خالي الوفاض مهموم النفس وكره البقاء في تورينو، وأعتزم العودة إلى أنسي وإلى مدام دي فرنس. فغادر تورينو على قدميه، ووصل إلى أنسي بعد رحلة شاقة، وقصد إلى منزل المحسنة إليه؛ وآنس في الحال منها ذلك العطف القديم، فارتمى على قدميها وهو يلثم يدها فرحاً، وفاض قلبه سعادة إذ علم أنها أعدت له غرفة بالمنزل وأنه سيقيم إلى جانبها باستمرار. وهنا يفيض روسو في وصف عواطفه نحو هذه السيدة البارة الساحرة، فيقول إن علائقهما لم تثر منذ الساعة الأولى أية كلفة، فكانت تسمية (ولدها الصغير) ويسميها (أمه) وأن هذه التسمية كانت أصدق معبر عن بساطة هذه العلائق وسذاجتها، وبالأخص عن تجاذب قلبيهما، وأن الشهوة الجنسية كانت بعيدة عن ذهنه، ولكنه كان سعيداً إذ وجد (أماً) فتية حسناء تغمره مداعباتها وقبلاتها - أجل قبلاتها - سحراً، وإنه كان يشعر إلى جانبها ولدى نظراتها وأحاديثها بمتعة خالدة لا يستطيع أن يدرك كنهها، يقول روسو: (كان يأخذني سحر المقام معها، ورغبتي المضطرمة في أن أقضي حياتي إلى جانبها، فكنت أرى فيها دائماً، أكانت غائبة أم حاضرة، أماً رؤوماً، وأختاً محبوبة، وصديقاً ممتعاً، ليس غير؛ وكانت صورتها التي لا تفارق قلبي قط لا تفسح مجالاً لأية صورة أخرى، فلم أك أرى في العالم امرأة سواها، وكانت عذوبة المشاعر التي تبثها إلي تمنع حواسي من أن تنتبه إلى مشاعر أخرى، وتحميني منها ومن جنسها كله، وبعبارة أخرى كنت عفيفاً لأني أحببتها، فتأمل هذه النتائج التي لا أكاد أحسن عرضها، وقل لي من ذا الذي يستطيع أن يصف طبيعة شغفي بها. . .) البقية في العدد القادم محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5219

من المدنية الإسلامية الأرقام الهندية شرقية لا غربية الأستاذ محمد عبد السلام البرغوثي ثلاثة عوامل أساسية دفعت الإنسانية من حظيرة الهمجية التي رتعت فيها أجيالاً إلى مستوى المدنية الذي تتبوأ في يومها هذا. ولا تزال هذه العوامل دعائم مدنية الإنسان الثابتة وهي (١) التقاليد الاجتماعية المتوارثة جيلاً بعد جيل، وقد انتهت هذه التقاليد بالعقائد الدينية الراسخة التي حولت وجه البشرية شطر المثل العليا. (٢) اللغة التي تطورت إلى آداب رفيعة سمت بالإنسان إلى مدارك الحياة العليا. (٣) العلم الذي توج بانتصارات باهرة سلمت للإنسان مقاليد الحياة. ولقد كان هذا الشرق مهبط وحي الأديان الحنيفة التي خلصت البشر من ديجور الجهل وأنارت لهم سبل الحياة القويمة. وقدم هذا الشرق للعالم الحروف الهجائية فكانت واسطة تخليد آدابه الرفيعة واكتشافاته المجدية في مجاهل الحياة، ومفتاح ثقافة متماسكة مسرعة الخطى نحو الكمال. ومن قرائح أبناء هذا الشرق أخرج الله للعالم الدعامة الثالثة لصرح مدنيتهم هي - ألف باء الحساب - أسس العلم الحديث، فتم بذلك للإنسان ثلاث وسائل فعالة تتحد وتأتلف لتدفع به في سبيل القوة نحو غاية سامية قدرها الله. لقد بلغت الحضارة الإغريقية شأواً بعيداً من السمو، ووضعت العقلية الإغريقية قواعد المدنية الأساسية، وخطت للبشرية معالم مدنيتها فكانت مبرزة في كل مضمار إلا في الحساب والجبر لعوزها الأرقام وهي اللبنات الأساسية في بناء هذا العلم. ولو لم تزد الحضارة الإسلامية على تراث الإغريق سوى تلافيها هذا النقص الذي كان يعتريها لكفاها مأثرة وفخراً. حوالي سنة ١٥٦هـ وفد إلى بغداد تاجر هندي يحمل مقالة في الرياضيات وأخرى في الهيئة. فكانت الأولى أول رسالة رياضية ترجمت إلى العربية ترجمها إبراهيم الفزاري بأمر من الخليفة. وكانت هذه المقالة على ما هو شائع ومتعارف تحوي الأرقام التسعة والعمليات الحسابية الأساسية. ولهذا كان للحساب عند العرب اسمان: (الهندي) وهو ما كان

стр. 5220

على الطريقة الرقمية الهندية، والأرتماطيقي وهو ما نسج على أسلوب الإغريق الخالي من استعمال الأرقام. لعل أول إشارة إلى أصل هذه الأرقام، العالم سفيروس سيبوخت أحد أعلام مدرسة نيسابور على ما يظن في القرن السابع الميلادي، فقد جاء في كتاب له مؤرخ سنة ٦٦٢م عن براعة أهل الهند في العلم ما يأتي: - (. . ولا يتسع المقام لشرح ما كان للهند من حذق للفلك وبراعة في الاختراعات التي تفوق براعة الإغريق والبابليين. ونخص بالذكر طرق حسابهم للمقادير والكميات وتفوق كل وصف، وصفوة القول في هذا الصدد أن هذا الإحصاء والتقدير يتمان باستعمال علامات تسع). (فعلى من يعتقد من الإغريق أنهم قد بلغوا نهاية القصد في العلم أن يفقه ذلك ويدرك أن من الأمم غير الإغريق من ضرب في العلم بسهم وافر). أهـ وعلى هذا كان الاعتقاد السائد في العالم العربي وفي أوربا طيلة القرون الوسطى أن الأرقام من أصل هندي. وقد نشر العلامة الفرنسي ووبوك في المجلة الآسيوية التي تصدر في باريس عام ١٨٦٣ بحثاً مستفيضاً عن تاريخ الأرقام مرجعاً إياها إلى الأصل الهندي، فكانت كلمته فصل الخطاب في ذلك العهد. وفي مستهل القرن الحالي أثيرت ضجة حول هذا الموضوع كان فرسان حلبتها وحاملوا لوائها ثلاثة من علماء الغرب الأعلام، أولهم كيس الأمريكي البحاثة في علوم الهند، والثاني كارادفو الفرنسي الحجة في تاريخ المدنية الفارسية، وثالثهم نيقولاوس بهنوف الروسي وهو ضليع في اشتقاق اللغة. وقد شك هؤلاء في صلة الهند بالأرقام، وقدم الأخيران فرضاً جديداً لتاريخ الأرقام. نشر الأستاذ كيس عدة مقالات عام ١٩٠٧ في المجلة الآسيوية في البنغال عن تاريخ الرياضيات في الهند. وكتب دفو بحثاً في مجلة سنة ١٩١٧ عن أصل الصفر. أما بهنوف فقد أخرج مؤلفين عام ١٩٠٨ أولهما (استقلال الثقافة الأوربية في العلوم الرياضية) وقد ترجم إلى الألمانية عام ١٩١٨ وثانيهما (تاريخ الأرقام) تصدى الأستاذ كيس في تحرياته إلى سبع عشرة لوحة نحاسية بها مخطوطات هندية يرجع تاريخها إلى ما قبل القرن العاشر الميلادي وتحوي أساس استعمال القيمة المنزلية للأرقام و

стр. 5221

الأرقام، وأثبت أنها جميعها مزيفة إلا واحدة مؤرخة سنة ٨٦٧ م. أما أقدم مخطوطة هندية تحوي الأرقام العشرة فترجع إلى سنة ١٠٥٠. على هذا الأساس رفض كيس قول المؤرخين السابقين الذين ذهبوا إلى أن الأرقام كانت معروفة لدى الهنود منذ القرن الثالث للميلاد. ورد على من زعم بأن الفلكي الهندي وعاش في القرن السادس الميلادي هو مخترع الأرقام زعمه عليه. كان ووبوك قد عرض في أبحاثه عن تاريخ الرياضيات إلى مخطوطات عربية جاءت على ذكر بعض مسائل حسابية كطريقة تحقيق عمليات الضرب والقسمة بإسقاط التسعات، ونعتها بالطريقة الهندسية. ولما خيل إليهأن هذه الأعمال حسابية بحتة ولا صلة للهندسة بها، قرر أن الكلمة مصحفة عن (هندية). أما كيس فقد استطاع أن يثبت أن شرح هذه الطرق الحسابية ممكن هندسياً وأنه كان فعلاً معروفاً لدى العرب. وعدا ذلك فقد تحرى جميع المراجع العربية التي عثر عليها فوجد أن معظم هذه المراجع لم يبحث فعلاً عن العمليات الحسابية بالطريقة المعروفة برغم أن عناوينها تشير إلى ذلك. فمن هذه المؤلفات وأقدمها مؤلف الخوارزمي الذي عثر على ترجمة لاتينية له عنوانها وليس فيها ما يشير إلى استعمال الأرقام غير هذا الاسم. وقد عثر كيس على مخطوطات هندية جاء فيها نظام للأعداد التسعة دون الصفر يخالف النظام الآخر الذي وجد وفيه الصفر فرجح أن النظام الأخير جاء الهند من البلدان المجاورة في أزمنة متأخرة. ومما قوى عزيمة كيس على إنكار نسبة الأرقام للهند أن الأعداد تكتب من اليمين، أما الكتابة الهندية فمن اليسار. أما العالم الفرنسي دفو فقد كان أشد جرأة في رفض فضل الهند على الأرقام إذ قال إن مؤلفي العرب جروا في تسميتهم الأرقام الهندية على ما جاء في حادث الفلكي الهندي الذي وفد إلى بغداد في عهد المنصور وهي حكاية يراها هو أنها مدسوسة من علماء النساطرة والسريان نكاية في الإغريق الذين كانوا يتوخون التنقيص من فضل مدنيتهم، وإشارة سبوخت إلى ذلك واضحة في روايته التي مر ذكرها. وقد تناقض رواة هذه الحكاية في تاريخها: فالبيروني في مؤلفه (تحقيق ما للهند من مقولة) المطبوع بلندن سنة ١٨٨٧ (ص

стр. 5222

٢٠٨) يسند هذه الحكاية إلى عام١٥٤ هـ ويشاركه في ذلك المسعودي في كتابه (مروج الذهب). أما القفطي صاحب طبقات الأطباء (ص١٧٧ طبع مصر) فيسندها إلى عام ١٥٦ هـ نقلاً الزيج الكبير لأبن الآدي. والمظنون أن البيروني المتوفى سنة ١٠٣٨ م أخذ روايته عن المسعودي المتوفى سنة ٩٤٣ م دون تحقيق لها، ونستدل على ذلك من اقتضابه هذه الرواية وعدم شرحها أو تمحيصها على خلاف ما عهد عنه من الإطناب والتمحيص في أخباره الأخرى عن أهل الهند. ويجري دفو في حكمه على روايات المؤلفين العرب على طرفي نقيض من ووبوك إذ يرى أن كلمة (هندي) مصحفة عن هندسي في كتب الرياضيات العربية. ولقد برع العرب حقاً في تحقيق الأعمال الجبرية والحسابية هندسياً. والعالم الروسي بهنوف بحث القضية من وجهة لغوية وذلك اختصاصه. وله في اشتقاق اللغة سبق. فلم يرتح إلى نسبة الأرقام إلى الأصل الهندي. ويذهب إلى أن مبدأ استعمال القيمة المنزلية للأرقام كان أولاً في (العداد إذ يقول إن بعض هذه العدادات كان يتكون من صفوف في كل صف حبات عشر كل واحدة تخالف الأخرى شكلاً وترمز إلى رقم من الأرقام العشرة الأساسية، وأن الأعمال الحسابية كانت ممكنة باستعمال هذه العدادات. ثم قلدت هذه الرموز كتابة فجاءت الأرقام على الصورة المعروفة. ويعتقد إن قدماء الإغريق واليونان استعملوا هذه العدادات بالرغم من عدم قيام أي حجة أو دليل يدعم مقولته. إذا صح ما ذهب إليهبهنوف من أن الأرقام تطورت من العداد فمن المتعذر نسبتها للهند، لأن الهنود القدماء لم يثبت استعمالهم للعداد، وقد أخذ العرب هذه الآلة عن الفرس، وفي تسميتهم إياه (بالتخت) الدليل القاطع على ذلك. لقد شهد الأستاذ كاجوري المؤلف المعروف في تاريخ الرياضيات بأمانة كيس في البحث وتوخي الدقة العلمية وعدم التحيز والمغالاة، والحقائق التي توصل إليها تضعف النظرية الهندية ولكنها لا تنقصها من الأساس. أما العالم الفرنسي فقد ركب متن الشطط ومرق من أمانة العلم إلى خسة التعصب والأثرة. فقد ذهب إلى أن الأرقام من تراث المدنية الإغريقية انتقلت إلى الشرق عن طريق الثقافة الإغريقية فيما بين النهرين على العهد الفارسي، وأخذها العرب عن الفرس. بينما نقل

стр. 5223

الرومان هذه الأرقام إلى أوروبا، ولهذا تباينت هذه الأرقام شكلاً عند مختلف الأمم. وليس من باعث على هذا الاعتقاد الواهن إلا ما وقر في نفوس علماء الغرب من إعلاء شأن الثقافة الإغريقية ونعتها بما لا تستحقه من صفات، والحط من قدر الشرق واستهجان مدنيته. ولقد طمس هذا التعصب الخسيس مآثر المدنية الإسلامية إذ رماها بالتقليد والتقيد واللبس بينما قصر الابتكار والسمو والوضوح على مدنية الإغريق. ومما لا ريب فيه أن الأرقام تداولتها أمم الشرق في العهد الإسلامي أجيالاً قبل أن تعرفها أمم الغرب، وعن العرب أخذتها أوروبا، ولا تزال تسميها بالأرقام العربية. فإن كان تداولها في القرن العاشر الميلادي على ما يقرر كيس فلا بدع أن هذه الأرقام نشأت في طرف من أطراف الإمبراطورية الإسلامية الشاسعة، ثم عمت هذه الإمبراطورية قبل أنم تعرفها أمم الفرنجة. وللمستقبل أن يلقي شعاعاً على ما غمض من تاريخ هذه الأرقام ويردها إلى منبتها الذي فيه نشأت. وليس لعالم غربي أن يستأثر بهذه المبرة الشرقية في غفلة من الشرق وعجز عن التمتع بحقوقه كاملة غير منقوصة وويل من العلم لمن ينتهك حرمة العلم! هذا وفي فصل آخر سنأتي على انتقال الأرقام إلى أوربا. محمد عبد السلام البرغوثي مدير مدرسة حيفا الثانوية

стр. 5224

الشخصية للأستاذ محمد عطية الأبراشي المدرس بكلية الآداب بالجامعة المصرية مقدمة: إذا تقدم أحد أقاربك من الشبان لوظيفة من الوظائف، ثم سئلت عما تعرفه عنه بالتفصيل، فقد تجيب بأنه: شاب أمين نزيه، صادق في قوله، كريم الخلق، حسن السلوك، سليم القلب طاهر السريرة، كثير التفاؤل، قليل التشاؤم. يقول ما يعتقد، ويعتقد ما يقول، هذا من الوجهة الخلقية. أما من الوجهة العقلية فهو: ذكي، حاضر البديهة، حسن البصيرة، صافي الذهن، صادق الحس؛ وأما من الناحية الاجتماعية فهو محب للتعاون، عدو للأثرة، يشارك الناس في مسراتهم، ويواسيهم في أحزانهم، يوقر الكبير، ويعطف على الصغير. مطيع للرئيس، وفيّ للنظير؛ وأما من الناحية الجسمية. فهو قوي الجسم، معتدل القامة، حسن الهيئة، جميل الذوق؛ وأما من الوجهتين العلمية والعملية فهو مثل في النشاط وأداء الواجب، واسع الإطلاع، غزير المادة. . . . . . وما إليها من الصفات المختلفة التي يتصل بها ذلك المثل الأعلى من الشباب فمجموع هذه الصفات هو عبارة عن شخصيته العليا بصورة واضحة مفصلة. وقد أثبت علم النفس التطبيقي أن الشخصية شرط أساسي للنجاح في الحياة، وأن المؤهلات العلمية وحدها لا تكفي للنجاح، بل يجب أن تصحب بالشخصية القوية. فكثيرون من الأطباء والمدرسين والمحامين وغيرهم قد فشلوا في حياتهم العملية لضعف شخصياتهم مع كفايتهم من الوجهة العلمية. ولكن ما تلك الشخصية التي طالما سمعنا الناس ولا نزال نسمعهم يتكلمون عنها، ولا ندري من أمرها شيئاً؟ وإجابة عن هذا السؤال نقول: تعريف الشخصية ليس من السهل أن نحدد الشخصية ونعرفها تعريفاً علمياً جامعاً مانعاً؛ فهي كالكهرباء والمغناطيسية والجارس (الراديو) لا تعرف إلا بآثارها. ولكن هذا كله لا يمنعنا أن نحاول البحث عن سرها وتعريفها ولو تعريفاً تقريبياً فنقول:

стр. 5225

(١) الشخصية هي مجموع الصفات والمزايا الذاتية التي يمتاز بها الشخص من غيره. أو هي: (٢) مجموعة الصفات العقلية والخلقية والجسمية والإرادية التي يتوج بها الإنسان. أو هي: (٣) مجموعة الفروق التي تميز الشخص من غيره. والحق أن هذه التعريفات كلها تقريبية، وأن الشخصية لا يمكن تحليلها إلى عناصرها الأولية تحليلاً محساً، ولكنها تبدو لنا في مقدار ما عند الشخص من الاستقلال الفكري، وحضور البديهة، وسرعة الخاطر، وقوة الروح، وهي كالحب والكره اللذين لا يمكن تعليليهما عادة، فقد تحب شخصاً أو تبغضه لمجرد رؤيته بدون معرفة سابقة، وقد لا يمكنك إبداء السبب. وكل ما تستطيع أن تذكره هو أن تقول: إني أحبه أو لا أحبه. أما السبب فلا يمكن تعليله لأنه أمر معنوي وسر خفي يتعلق بشخصية ذلك الرجل. وقد يكون الشعور بالحب أو البغض ناشئاً عن صفات أو عيوب خاصة في الشخص الذي تعرفه وتقابله من حين لآخر، فنحن نحب فلاناً مثلاً لأنه مخلص كريم شجاع متفائل، يواسي الفقير ويساعد البائس. ونكره فلاناً لأنه لا يعرف الإخلاص، والإخلاص لا يعرفه، يتمثل فيه البخل، والجبن، والتشاؤم، والقسوة والغلظة، لا يحن إلى مسكين ولا يتألم لحزين. وفي مثل تلك الأحوال نعرف إلى حد ما سبب المحبة أو الكراهة، ولكن ليس ذلك بسهل دائماً؛ فقد نحب الشخص في أول لحظة نقابله فيها، وقد نبغضه لأول وهلة قبل أن نعرف شيئاً عنه، نحبه لمظاهره أو نكرهه لهذه المظاهر، ولا يمكننا أن نوضح الأسباب التي جذبتنا إليه، أو التي نفرتنا منه. والسبب الجوهري هو أن شخصيته محبوبة أو مكروهة. هل الشخصية هبة طبعية أو صفة مكتسبة؟ والجواب أن الشخصية توهب بالفطرة، وقد تكتسب بالتربية الحق، ولكن الطيعية أقوى من المكتسبة. ولو كانت الشخصية هبة طبيعية فحسب لكنا ضحايا الظروف، وما كان للتربية أي أثر في تكوين العظماء من رجال الدين والعلم والأدب والفن. ولكن أثرها لا ينكر في تكوين الشخصية والعظمة في نفوس العظماء. وهنا نسأل هل قامت التربية وقام المربون حقيقة بواجبهم نحو تربية الشخصية؟ هل قاموا بواجبهم وقد أصبحنا نفكر فيما فكر فيه غيرنا، ونتكلم بما قاله سوانا، ونفعل مثل من سبقنا؟ إننا أصبحنا مقلدين في أفكارنا وأقوالنا

стр. 5226

وأفعالنا، مهملين أنفسنا وشخصياتنا، لأن التربية تربية إتكالية، لا تعرف معنى الثقة بالنفس والاعتماد على النفس في التفكير والقول والعمل. وقد نادى كبار المربين وبخاصة (السر برسي نن) المربي الإنجليزي الكبير بأن الغرض من التربية هو تربية الشخصية المستقلة، ولكن كتب التربية في واد، والمدارس في واد آخر. فبينما نقول: يجب أن يربى الفرد تربية كاملة من كل الوجوه، جسماً وعقلاً وخلقاً واجتماعاً، نجد أن الفرد مهمل إهمالاً تاماً من جميع الوجوه، وأن شخصيته تطبع بالطابع المدرسي، وتصب في قالب خاص، فتفقد مظاهرها الطبيعية. كل ذلك حباً في النظام، ولسنا ننكر أن النظام يجب أن يكون سائداً، بل إننا ننادي بالنظام، ونقول دائماً: النظام هو الحياة، ولكننا نعترض على الطريقة التي يسود ذلك النظام، تلك الطريقة التي تقتل شخصية الطفل وتضعف مواهبه، ونريد طريقة أخرى بها يستتب النظام من غير إضرار بعقلية الطفل أو وجدانه أو إرادته أو جسمه أو شخصيته، وليست هذه الطريقة بسهلة، لأنها تتطلب مشاركة في الوجدان، وفهماً لكل فرد من حيث الذكاء والميول والبيئة والظروف. . وما ذلك بالأمر الهين، فنحن لا نفكر إلا في المظاهر، والنظام الشكلي، والسكون العسكري. مهما ضحينا في سبيل هذه الأشياء من الضحايا. وإذا تحققت الثقة بين المعلم والمتعلم؛ ووجدت الصلة الروحية بينهما فمن المحال أن تكون هناك صعوبة في نظام أو غيره، ولن تضحي شخصية الفرد أو الأفراد بعد. الاختلاف في الشخصية كما أن الناس يختلفون في الذكاء والميول الفطرية كذلك يختلفون في الشخصية؛ فبينما تجد هذا قوي الشخصية قد تجد ذاك خاملاً ضعيف الشخصية، وكما أن الشخصية تختلف باختلاف الأفراد كذلك تختلف باختلاف الشعوب؛ ففي الشخصية الألمانية تتمثل الروح العسكرية، والطاعة العمياء، والاتكال على الحكومة في كثير من الأشياء. وفي الشخصية الإنجليزية تبدو الثقة بالنفس، واحترام الذات، وتقدير الحرية الشخصية والاستماتة في سبيلها. وفي الشخصية الأمريكية تظهر الروح العامة أو (الديموقراطية)، وعدم الاكتراث للتقاليد، لأن أمريكا كأمة حديثة لا تقاليد لها. وفي الشخصية الفرنسية تتغلب العاطفة على التفكير، والنظريات على الأعمال. وتكثر الآمال، والميل إلى الخيال، وحب الظهور؛ فكل فرنسي يريد أن يكون ضابطاً إذا تقدم للحرب. ولا ندري من أين يؤتى بالجنود إذا كان

стр. 5227

الجميع ضباطاً، وإذا كانوا ضباطاً فإنهم لا يفكرون في الجنود ولا يحتفظون بهم خوفاً من أن يقل احترامهم. والمثل يقال في العلاقة بين المدرسين والتلاميذ، فأولئك في واد، وهؤلاء في واد آخر، والصلة بين هؤلاء وأولئك لا تتجاوز صلة الحجرة الدراسية تزول بمغادرتها وتتجدد بالعودة إليها. والشخصية صفة نسبية وقوة سرية توجد في كل شخص إلى حد ما، وتختلف في نوعها وقوتها باختلاف الأشخاص. وقد تكون بارزة واضحة في بعض الأفراد يشعر بها الإنسان في الحال، وقد تكون كامنة خفية في البعض الآخر. وليست الشخصية مقصورة على جنس دون آخر. ولا على طبقة دون طبقة أخرى، فكما تكون بين المتعلمين تكون بين غيرهم، وكما تكون بين المدنيين تكون بين القرويين. وكما تكون بين الرجال تكون بين النساء، وكما تكون بين الأغنياء تكون بين الفقراء، ولكلٍ تفكيره وتقاليده وطرقه ومعيشته الخاصة. والعاديون من الناس قد يكونون في ضنك من العيش، ولكن لهم شخصية خاصة، فهم يستطيعون أن يتحدثوا عن الحوادث المحلية، ويذكروا حقائق قومية، بروح قوية لا تنقص عن روح الكبار من القوم وقد يمتازون عنهم لأنهم لا يرددون ما يقرؤون من أفكار غيرهم، ولكنهم يصلون إلى هذه الحقائق بتفكيرهم الخاص. (يتبع) محمد عطية الأبراشي

стр. 5228

صورة بغير عنوان! للأستاذ علي الطنطاوي (هذه صورة من صور الحياة، أعرضها على علاتها في الرسالة، ليلحق عليها من شاء من القراء شرحاً وحاشية وتعليقاً.) ذهبت أمس إلى الحلاق، وتخيرت آخر ساعة من النهار كي يخلو لي المكان، ولا تغروني نظرة. . فوجدت عنده شاباً، وكرهت أن أدخل فأنظره، وأنا أكره الناس للانتظار، فهممت بالرجوع. ولكن الحلاق أومأ إلي أن أدخل، لن يلبث حتى يقوم فقد أوشك أن ينتهي. فدخلت وكان الشاب قد انتهى حقاً، وكان قذاله وعذاره وسالفته مقصوصة، وكانت جمته مرجله مصففة، وكان وجهه كالمرآة الصقيلة ما فيه (والحمد لله) أثر من لحية أو شاربين! فما باله لا يزال قاعداً على الكرسي؟ وماذا ترى الحلاق صانعاً به بعد؟ ثم اطمأننت وقلت: قد انتهى وإنه لقائم. وقعدت أرقبه فلم يرعني إلا الحلاق يقبل على شعره فينفشه نفشاً وهو ساكت لا ينكر عليه. فقلت: لعله قد بدا له، فأحب أن يقصر من هذا الشعر، ولن يطول أمد هذا التقصير، وإني منتظر. وتنظرت والحلاق ماضٍ في عمله، حتى إذا تم النفش غدا على رأس صاحبنا شجرة ذات فروع. . . فعجبت كيف كان هذا الشعر كله مصففاً مستقراً، ورثيت له إذ يحمل على رأسه أبد الدهر هذا الحمل الثقيل، وأعجبني منه أن يزمع الخلاص منه. ولكنه لم يقصه كما قدرت أن يفعل، بل أشار إلى الحلاق فعمد إلى هنات سوداء لا والله ما عرفتها من قبل وسنّى سنّى! فأدخلها النار حتى احمرت ثم أدناها منه، فأشفقت أن يصيبه منها أذى، ثم فكرت فقلت: لعله مريض يكتوي، وقديماً قالت العرب: آخر الدواء الكي. ونظرت فإذا هو يقبض على شعره بإحدى هناته تلك، ويديره عليها، ثم يستلها منه استلالاً، ثم يفعل مثل ذلك وأنا أعجب، حتى انتهى فإذا صاحبنا قد عاد جعد الشعر، وقد كان سبطا، فقلت: إنا لله! رجل أصله من البربر فهو يحب أن يتشبه بأصله، والتمست له المعاذير. وحسبته قد انتهى وظننت أنه قائم، ولكنه لم يقم بل أشار إلى الحلاق. فضمّخ رأسه بماء (كلونية) وأقبل فسرحه تسريحاً، وعاد فمسحه بدهن استخرجه من حق صغير، فصار

стр. 5229

لرأسه وميض ولمعان، فقلت الحمد لله قد انتهى، ونزعت عني طربوشي، ثم أعدته إلى رأسي حين لم يقم. ولبثت أنتظر، وجاء الحلاق بكمهٍ فوضع فيها رأسه وشدها من حوله شداً، فقلت مصدع متألم فهو يخفف من صداعه. ثم أخذ الحلاق الملقاط، وعمد إلى حاجبيه، فجعل ينتش منهما نتشاً وأنا أرثي له، وألح عليه بالنظر، علّ عينيه تقع على عيني، فأبذل له عوني ونصرتي، فإن هذا الحلاق لا يكاد يرحمه فلا يبصرني. ثم أدركت الحلاق رحمة فعفا عنه وأبقى عليه، فنظرت فإذا حاجباه خطان كأنما خطا بقلم؛ فقلت سبحان الله أي فتاة تعطى مثل هذين الحاجبين ثم لا تنزل راضية عن سنين من عمرها. وفتح الحلاق خريطة فاستخرج منها كبة، أخذ منها خيطاً لفه بين أصابعه وجعل في وسطه فرجة تضيق وتتسع كلما شدها أو أرخاها، وأمر هذا الخيط على وجهه يتمعر ويخيل إلي أنه يقاسي ألماً شديداً، ثم كف عنه. فلا والله ما ترك في جبينه زغبة إلا واجتثها هذا الخيط. فقلت: قد انتهى، ولم يبق في وجهه ما يذهب به، إلا أن يكون أنفه، فيكون كباغي الجمال بجدع الأنف، ولكن سرعان ما خاب ظني في أنه انتهى. ورأيت الحلاق يدلك وجهه دلكاً ويقرصه قرصاً، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد جن الرجل. . وإلا فماذا يكون هذا القرص من الحلاق، ثم كف فنظرت في وجه الشاب فإذا عليه حمرة الخجل، وأنعمت النظر والتفكير فعلمت أنها حمرة الصحة والحياة، أو حمرة الدلك والقرص، فهممت أن أقوم إليهفألتزمه وأهنئه على هذا الاختراع: يصيب الناس الصحة بالغذاء وبالرياضة ويصيبها هو بالدلك وبالقرص، ثم تخاذلت ورحت أنظر مشدوهاً إلى الحلاق وهو يصبغ وجهه بالأبيض والأحمر، ورأيتني لا أطيق احتمال هذا منه وأنا أكره من النساء أن يفعلنه، وعجبت كيف لا ينكره هو؟ وكيف لا يغضبه أن يعامل كامرأة. ولكنه لم ينكر شيئاً، بل أشار إلى الحلاق، فجاء بإصبع حمراء فمس بها شفتيه كما تفعل فتيات السينما سواء بسواء، فلم أستطع المكث بعد هذا وقمت فجلت في السوق جولة. ثم عدت لما فارق الكرسي. وما أدري بعد كيف أصفه؟ أأبدأ من رأسه أم من رجليه؟ أما رأسه فقد عرفت أي شيء

стр. 5230

هو! أما صدره وظهره فبادٍ أعلاهما، وأما ذراعاه فمكشوفان. . . ولو أنت عرضته على الناس بزينته تلك ما عرفوا أرجل هو أم امرأة أما (بنطلونه) فأبيض رقيق يبدو ما تحته واضحاً إلا شبراً تستره سراويلات قصار. ثم كانت الطامة الكبرى وأقترب مني الشاب يسلم عليّ ويزعم أنني أعرفه. - أنا أعرفك؟ كلا. أراك مخطئاً. - أوه؟ كيف؟ أنا تلميذك منذ كذا سنين في مدرسة كذا، وأنا الآن معلم في المدرسة التي فيها ابنك. - أنت معلم؟! وندت مني صرخة تعجب ولم أجب. دمشق (علي الطنطاوي)

стр. 5231

فصول مدرسية في الأدب الدرامي ٥ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات أداء العمل - الحركات هي أحد لساني العمل. ومصاحبتها للكلام في إبانة الفكرة طبيعة في الناس منشأها ضعف العبارة وعجز اللغة عن تصوير ما يجول في النفس من خواطر ومشاعر. لذلك تجد حركات الجسم وملامح الوجه تشتد وتحتد كلما أصاب اللسان عي أو لكنة. ومن ثم كانت الشعوب ذات الخيال القوي والإحساس الشديد أكثر الأمم حركة وأشدها لهجة. والمرء إذا ما التاث عليه القول لنقص طبيعي في منطقة أو لضعفه في اللغة التي يعبر بها، اعتمد على هذه الدلالات المنظورة فمرنها وقواها كما ترى في الأخرس والبادئ في تعلم لغة جديدة. وأشد ما تكون الحركات قوة وظهوراً حين تثور النفس وتضطرم العواطف، فتتفجر من اللسان والجوارح والملامح. لذلك كانت الحركات عنصراً من العمل الروائي، وجزءاً من الفن الخطابي، لشدة انفعالاتهما وكثرة مفاجآتهما وازدحامهما عادة بالمواقف الثائرة أو الساخرة. على أن الحركات قد تقوم بنفسها مقام الكلام كما ترى في الخيال الشمسي والخيال الظلي والرقص التمثيلي مثلاً. وليس من شأننا أن نتعرض لهذه الأبحاث فلها فن آخر، وإنما حملنا على ذكر الحركات ذيادنا عن حق البلاغة في العمل الروائي والمسرحي، وقد مر شيء من ذلك عند الكلام عن العبارة، وربما عدنا إليهعند بحثنا في الدرامة. الحوار: الحوار هو مطارحة الحديث بين شخصين أو ثلاثة على الأكثر، أما الرابع فقلما يكون له شأن في الحديث أو خطر. ومن الصعب أن تشركه فيه ما لم يكن دوره أن يظل صامتاً أثناء الحديث، أو يؤيد بعض المتحدثين بكلمات قليلة. وشرطه أن يكون جيد المناقلة، سديد المساجلة، حسن التقطيع، مطابقاً لموقف المتكلم وخلقه، متغير اللهجة والجرس تبعاً لمقتضى الحال، سريع الجواب قصير الخطاب، فلا يشبه دفاع المحامي ولا خطبة الخطيب، لأن ذلك يزهق روح الجاذبية ويبعث السأم في النفس. وأجدر الأساليب به أسلوب الطباق والمقابلة

стр. 5232

نجوى النفس. نجوى النفس هو حديث الممثل مع نفسه بصوت مسموع، ومحله حين تضطرب حال الشخص، فيغلبه الجزع ويفترسه الشك، فينفجر بالكلام الجهير معلناَ عن ضميره مصرحا بسره، ولو لم يكن هناك من يسمعه. وقد غالى رجال المذهب الإبتداعي في استعمال نجوى النفس، قاصدين بذلك إلى حذف الأنجياء وهم أشخاص كان كتاب الإغريق ومقلدوهم من القدماء يضعونهم في الرواية لا لشيء غير أن يسر إليهم البطل ما يفكر ويقدر بدل أن يتحدث إلى نفسه. ولكن الأبتداعيين بإسرافهم في النجوى، وإسهابهم فيها لم يبرئوها من النقص والإملال. فلهوجو مثلاً في رواية هرناني نجوى ألقاها (دون كارلوس) على قبر شرلمان بلغت ستين ومائة بيت! وجمال النجوى أن تكون قصيرة إلا إذا كان اضطراب الشخص قوياً فلا بأس أن تطول قليلاً. أنواع الرواية موضوع الفن الروائي هو حياة الناس بأسرها. فهو يصور المضحك والمبكي من الحوادث، ويصف الخامل والنابه من الناس. فإذا كان العمل الذي يمثله جدياً، والأشخاص الذين يصورهم من الطراز الأول والطبقة العالية سمي مأساة. وإذا كان العمل هزلياً منتزعاً من حياة العامة مصوراً لعيوبهم سمى ملهات. أما إذا جمع بين الجد والهزل، أو أقتصر على الجد ولكن أشخاصه من طبقة العامة والسوقة، فتلك هي المأساة الحديثة أو الدرامة. وكل ذلك يؤدى عن طريق الإلقاء، فإذا أدي عن طريق الموسيقى والغناء، كانت الغنائية وفروعها. وسنتناول كل نوع من هذه الأنواع بالشرح والتفصيل والتحليل، إلا الغنائية فسنلم بها إلماما على قدر صلتها الواهية بالأدب والبيان. المأساة. تعريفها: المأساة هي تمثيل عمل عظيم يبعث في النفوس الرعب والرحمة والإعجاب. وليس من الحتم أن تسفك الدماء وتنثر الأشلاء فوق المسرح لتحدث تلك الآثار، بل يكفي أن يكون العمل جليلاً والشخص نبيلاً، والهوى المتحكم رفيعاً، حتى ينشأ ذلك الحزن الرهيب الذي يجدر بالمأساة. ومعنى ذلك أن يكون العمل خطيراً كإرجاع ملك مغصوب، أو إخضاع هوى مستحكم؛ وأن يكون الأشخاص من ذوي التيجان وطلاب العروش، لأن

стр. 5233

وجيعة النفس لمصاب الملوك أشد من وجيعتها لمصاب السوقة؛ وأن يكون الموضوع مقتبساً من الماضي ليكسب العمل جلال القدم؛ وأن يكون الهوى المحرك للرواية هو الطمع أو الانتقام أو الحب. هكذا كانت المأساة بعد كوزني: أرستقراطية العمل والأشخاص والأسلوب والغرض. وقد درج الناس دهوراً يوجبون أن تكون نهايتها فاجعة محزنة، أخذاً برأي أرسططاليس كما علمت، ولكن هذا الرأي جانبه المنطق وخالفه الواقع فأصبح غير واجب ولا محتوم، لأن العمل قد يثير الإعجاب ويبعث الرهبة والرحمة، ثم ينتهي مع ذلك بالسرور والغبطة. غرض المأساة: فغرض المأساة إذن هو إصلاح النفوس بإثارة الرهبة من الجرم الفاضح، والرحمة للفضل المعذب، والإعجاب بالصنع الجميل. وطريقها إلى ذلك أن تمثل لنا أمثالنا وهم يصارعون الخطر ويكابدون المصيبة، على شرط أن يكون هذا الخطر مما يفزعنا، وتلك لمصيبة مما يروعنا، وأن يكون هذا التمثيل مصبوغاً بلون الحقيقة حتى يخدع أبصارنا ويملك بصائرنا، فنتأثر التأثير الذي نحبه على أنك تسألني ما لذة المرء في شهوده نوائب الناس وسماعه أنين غيره؟ يقول ارسططاليس إن مصدر هذه اللذة هو إتقان التقليد، ويقول (لكريس) إن مصدرها شعور الإنسان بالنجاء والأمن من مصائب يصلاها غيره وهو بعيد عنها، كلذة الجالس على شاطئ البحر يبصر في عرضه سفينة تصارع الموج وتكافح الخطر وهو رخي البال هادئ السر. ويؤخذ من خطاب الشاعر الهندي طاغور الذي ألقاه في مسرح الأزبكية حين مر بمصر أن مصدر هذه اللذة تمثيل الحقيقة. (لأن الحقيقة من حيث هي، جمال لا يعد له جمال. ألست ترى إلى صورة المرأة العجوز أبدعها فنان ماهر؟ إنك تنظر إلى الصورة فتقر بجمالها، ولكن العجوز التي فيها ليست على شيء من الجمال، وإنما جمال الصورة أنها تمثل هذه المرأة على حقيقتها) ونحن لا ننكر أن المرء يروقه أن يفزع من الخطر وهو بعيد، ويلذه أن يألم المصاب غيره وهو آمن، وأن تفكيره في سلامته من هذه الأرزاء وبراءته من تلك الأدواء سبب من أسباب سروره حين يشهد مأساة على المسرح، ولكن السبب الذي يبعث فينا تلك اللذة الغريبة من رؤية الألم وسماع الأنين غير هذا كله. فإن الأطفال وهم لا يفكرون هذا التفكير

стр. 5234

يلذ لهم أن يستشعروا الرعب والرحمة من سماع الحكايات المروعة المؤثرة. يظهر أن منشأ هذه اللذة فينا عند مشاهدة المنظر الفاجع هو ميلنا الغريزي إلى تمرين قوانا الجسمية والنفسية، وما يحدثه ذلك الميل في نفوسنا من قوة الشعور بحيويتنا وعقليتنا وحساستنا وقدرتنا على العمل والتصرف. وما الأمن الذي نشعر به عند شهود هذه الفجيعة إلا شرط ضروري لإحداث منظرها تلك اللذة لا مسبب لها. وذلك التمرين الطبيعي هو علة ما نجد في الطفل من شرهٍ إلى سماع الخوارق التي ترعبه، والحوادث التي ترهبه. وهو كذلك سبب ما نرى من سعي العامة والسوقة إلى الساحة التي كان يشنق فيها المجرمون أيام كان الشنق علنياً، وهو السبب أيضاً في ميل الأمم الغليظة أو القوية إلى صراع الثيران وأناشيد الحماسة، وميل الأمم الرقيقة أو الضعيفة إلى تمثيل العواطف وقصائد الغزل. أما السبب في جعل الجاذبية المزدوجة من الرعب والرحمة أساس المأساة وروحها، فهو ما لهاتين العاطفتين دون سائر العواطف من التدرج مع الحادث، والترقي مع الخطر، والأخذ بمجامع القلب شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغا الغاية عند انتهاء العمل. أما عواطف الحماس والفرح مثلاً فإنها تنشأ بقوة ثم تضمحل بسرعة. موضوع المأساة: يقع الرجل في التهلكة والبؤس لأسباب خارجة عنه؛ أو صادرة منه. فالأولى تنشأ من حظه وموقفه وواجباته وعلاقاته، ومن صروف الحياة وأحكام الآلهة، وأفاعيل الطبيعة وأضاليل الناس. وأفجع هذه الأسباب وأوجعها ما دهمت البائس من مأمنه، وأتته ممن لا يتوقع منهم إلا الخير والنفع. والأخرى تنشأ من ضعفه وغفلته وميوله وأهوائه ورذائله، وقد تأتيه أحياناً من فضائله. وأسباب الهوى المقرون بطيبة القلب وسلامة النية، هي أقوى الأسباب تأثيراً وأكثرها خصوبة وأروعها حكمة. ومن هذا الفرق بين الأسباب الداخلية والخارجية نشأ للمأساة مذهبان: مذهب القدماء أو مذهب القضاء والقدر، ومذهب المحدثين أو مذهب النفس والهوى. مذهب القدماء: فأما مذهب القدماء أو الإغريق بتعبير أصح فيعزو مصائب الأشخاص دائماً إلى سبب خارج عن إرادتهم، حتى لو اتفق أن حدث لهم ما يكرهون بسبب غفلتهم أو ضعفهم أو ميلهم كأوديب وهيكوب مثلاً حرص الكاتب على أن يخلق لهذه الأسباب أسباباً أولى كمشيئة القدر وغضب الآلهة. ولقد انتقل مذهب الإغريق إلى من خلفهم من كتاب

стр. 5235

العالم باقتباس رواياتهم أو موضوعات تاريخهم، واستعان المقلدون من كتاب الفرنج بالوهم المسرحي على تمثيل العادات والعبارات، فظهرت مقتبسات ميروب وأوديب وإيفجيني وأورست لراسين وفولتير على المسرح الفرنسي، أقوى وأروع وأبدع مما ظهرت به لوربيذس وسوفوكليس على مسرح أثينا. والذي حمل الإغريق ومن لف لفهم على الأخذ بمذهب القضاء والقدر في الرواية أنه أشد تأثيراً وأقوى فجيعة. فإنك لا تجد أبعث للرعب وأدعى إلى الرحمة من رجل يعميه القدر فتسيره قوة غير قوته، وتسخره مشيئة غير مشيئته، وتعبث به إرادة متحكمة غير إرادته، ثم تراه يجهد عبثاً في الفرار من جريمة تراصده، أو النجاء من مصيبة تطارده. وذلك هو مذهب الرواقيين الذي لخصه (سنيكا) في هذه الجملة: (إن القدر يقود ذوي الإرادة ولكنه يجر فاقديها) ذلك فضلاً عن موافقه هذا المذهب لمسرحهم وعبادتهم وسياستهم وعادتهم مما لا نجد داعياً لشرحه وتفصيله. مذهب المحدثين: على أن القدماء كان لهم بجانب مذهب القدر الذي أملاه عليهم الدين والتاريخ والإقليم مذهب آخر هو مذهب النفس والهوى، ولكنهم أغفلوه إما لضعف تأثير وإما لعدم انطباقه على نظام مسرحهم في سعته وشكله ووسيلته، حتى جاء المحدثون وأولهم كرني أبو المأساة الحديثة، فأخذوا به وساروا عليه، وجعلوا المأساة صورة لمصائب الرجل الخاضع لهواه، لا لمصائب الرجل الطائع لحظه؛ وأصبح الرجل الحر الذي يخضع لإله عادل يسمح بالشر ولا يأمر به، ويتعرض لأرزاء الدهر بسبب أهوائه وأهواء غيره، موضوع المأساة الحديثة وينبوع الأثر المروع الموجع الذي يأخذ بأذهاننا ووجداننا. ومزايا هذا المذهب هو أنه أخصب إنتاجاً لاستمداده من ينابيع القلب البشري الفياضة، وأتم شمولاً لتحليله الإنسان في كل زمان ومكان دون الاقتصار على شعب معين وتاريخ معين؛ وهو مع ذلك أبلغ حكمة وأتم ملائمة للمسرح الحديث، وأروع جمالاً في التمثيل العصري. ولولا الخوف من أن يسأم القارئ من تفصيل قد لا يعنيه لأفضت في شرح هذه المزايا واحدة فواحدة، ولكن فيما ذكرته غناء للقارئ المستفيد. وأما عمل المأساة وصفاته كالإمكانية، والوحدة والجاذبية والتأثير والمغزى، وأجزاؤه الأساسية كالعرض والتعقيد والحل وما إلى ذلك من الانقلاب والتعرف والأسلوب، فقد سبق القول فيه.

стр. 5236

يتبع (الزيات)

стр. 5237

بمناسبة عيد موزار تكريم النوابغ للأستاذ عبد الحميد فهمي مطر في الوقت الذي وصل فيه العدد الأخير من الرسالة إلى أيدي القراء كان سكان مدينة سالزبرج خاصة والنمساويون عامة. قد انتهوا من عيدهم الذي يقيمونه سنوياً ذكرى للموسيقار النابغة الذي لم يطل عمره أكثر من ستة وثلاثين عاماً بذّ فيها جميع معاصريه الموسيقيين وأحدث في الموسيقى الغربية حدثاً عظيماً لا يمحوه الزمان. ولد هذا النابغة في ٢٧من يناير سنة ١٧٥٦ في مدينة مدينة الحدائق والجمال، ونشأ وترعرع في حضن والده ليوبولد الذي كان موسيقاراً في خدمة الكنيسة في تلك المدينة، وقد ظهر ميله إلى الموسيقى ولما يبلغ الثالثة من عمره، وبدأ في سن الرابعة يعزف بعض القطع الصغيرة وفي سن السادسة رحل مع والده إلى ألمانيا فحاز عزفه إعجاب الملوك والأمراء حتى الإمبراطور فرنسوا الأول أجلسه بجواره وسماه (الساحر الصغير) كما أن البرنسيس ماري انتوانت التي صارت فيما بعد ملكة فرنسا رفعته بين ذراعيها لشدة إعجابها به، فقال لها الطفل عندئذ: (حقاً إنك لطيفة وعندما أكبر سأتزوج منك) وفي سن السابعة بدأ يعزف على الكمان والأركون في رحلاته مع والده كما بدأ يؤلف بعض قطع صغيرة. وفي أبريل من سنة ١٧٦٤ زار مع والده إنجلترا. فكان إعجاب الأسرة المالكة به كبيراً، وقد أملى على الملكة قطعة موسيقية من تأليفه، كما أنه أهدى إلى المتحف البريطاني مقطوعة (الله ملجأنا) ولما بلغ الحادية عشرة ألف أول أوبرا له أسماها بناء على إشارة الإمبراطور جوزيف الثاني قالت عنها لجنة الفحص (إنه عمل لا يضارع) ومن ذلك الوقت أخذ يظهر حقد الموسيقيين عليه وهبوا يدسون له الدسائس في قصر الإمبراطور، فكان ذلك سبباً في البؤس والفاقة الذين لازماه طول حياته تقريبا. غير أن هذا لم يمنعه من إبلاغ رسالته وإخراج تأليفه العظيمة أثناء جولاته في إيطالياوغيرها من بلاد أوربا وفي يوليه ١٧٦٩ أي عندما كانت سنه ثلاثة عشر عاماً تقريباً منحته أكاديمية بولونيا لقب (مؤلف) مع أن القانون يحرم منح هذا اللقب لمن هو أصغر من عشرين عاماً. ولقد كان عجباً أن يخرج هذا الصبي النمساوي المولد والنشأة واللغة في٢٦ ديسمبر سنة ١٧٦٩ ولما

стр. 5238

يبلغ الرابعة عشر من عمره أوبرا باللغة الإيطالية في ميلانو أسماها أحرزت نجاحاً منقطع النظير، ومنذ ذلك الحين اعتبر هذا الفتى سيد الموسيقى وزعيمها. وفي سنة ١٧٧٣ وبعد أن عاد إلى مسقط رأسه أخرج أوبرا بمناسبة زواج البرنس فرديناند فاقت كل ما أخرجه قبل ذلك حتى قال عنه أكابر الموسيقيين (إن هذا الصبي سيجعلنا نسياً منسياً) وزاد حسدهم له وحقدهم عليه كما زادت دسائسهم عليه في قصر الإمبراطور. وبالرغم مما كان يلاقي بسبب ذلك كله من ويلات، وما كان يعاني من ضيق وضنك، فإنه أستمر في إتمام رسالته بما كان ينفثه في الموسيقى من سحر، حتى اعترف له الجميع بأنه أدخل عليها تعديلات وتحسينات غيرت من طبيعتها. وكان أشد الحاقدين عليه في حياته ولما توفي في يوم ٥ من ديسمبر سنة ١٧٩١مات معتقداً أن هذا الرجل هو الذي دس له السم في الدسم كما كان يعتقد الكثيرون، فراح بذلك ضحية نبوغه وعبقريته. ولكن النمساويون الذين يقدرون الفضل لذويه إن كان فاتهم أن يواسوه في حياته، فلم يفتهم أن يكرموه بعد وفاته فلقد رأيت له تمثالين عظيمين رفع أحدهما بين القصر الإمبراطوري ودار الأوبرا في فينا يحف به تلاميذه بآلاتهم الموسيقية ورفع الثاني في أفخم ميدان في مدينة وهم فوق ذلك يقيمون لذكراه في هذه المدينة عيداً سنوياً في شهر أغسطس من كل عام حيث يهرع إليه أكابر الموسيقيين والممثلين من فيّنا وغيرها من بلاد النمسا لإقامة الحفلات وتمثيل مختلف الروايات، فتراها غاصة بالجماهير من مختلف الشعوب بين إنجليز وأمريكيين وغيرهم. وقد بدأ عيد هذا العام يوم ٢٨ يوليه وانتهى يوم ٢ سبتمبر وكان لي حظ مشاهدة كثير من مظاهره في تلك المدينة الجميلة. وقد مثلت هذا العام في هذا العيد بعض الروايات المشهورة مثل , ست مرات كما أعيد تمثيل كثير من الروايات الأخرى في ال وفي مدينة مسرح اسمه لا يعرف له قط نظير في العالم وقد حضرت فيه تمثيل رواية يرفع الستار فترى أمامك دمى لا يزيد طول الواحدة على ثلاثين سنتمتراً تتحرك أمامك على المسرح وتتكلم وتمثل أدوارها بغاية الدقة والإتقان تسطع عليها أنوار قوية زاهية مختلفة الألوان. ولقد كنت دهشاً طوال مدة التمثيل لحركات تلك الدمى العجيبة وللمناظر الرائعة التي كانت تسحر الأنظار وتأخذ بمجاميع القلوب. فلعل أحد علمائنا يفسر لنا حركة تلك الدمى على المسرح.

стр. 5239

وبعد فلا يسعنا إلا أن أعلق أمنيتي العظيمة في أن يحل الوقت الذي يكرم فيه الشعب المصري نابغيه كما يكرم الأوربيون عامة والنمساويون خاصة نابغتهم العظيم موزار عبد الحميد فهمي مطر

стр. 5240

من الأدب الإغريقي الشاعر الصائم بقلم بسام كرد علي لقد أطبق شفتيه ولم يرد - بعد أن قضى الأيام الطوال ينشد أهل أثينا شعره الرائع العذب - أن يظل مثابراً على ما بدأ به، فألقى نفسه في داره والتزم حياة العزلة، وانقطع ذلك الصوت الذي كان يغذي جميع سكان أثينا، وسكنت تلك العواطف الثائرة وخليق بها ألا تسكن، وتشرق بأنوار الجمال لكل من يريد الجمال فدخل عليه هوبول وكان من أصدقائه الملازمين، فوجده مستلقياً على فراشه النابي، وصاح به هوبول وقتئذ: يا قيثارة الأرض! ويا عندليب السماء. هل حبست صوتك انتقاماً منا نحن أهل الأرض الذين أصمت آذاننا كلمات الحسد، وأعمت عيوننا ترهات النعيم، وشغلت عقولنا سفاسف الملذات، فلم يبقى منا إلا هذه الأجسام المركبة من عظم الكبر ولحم الفرائس، ودم نجس كالخمر المسكوبة في مجلس الدعارة. فقام هايكلوس من مكانه وحمل جسمه المنهوك وحاول إخراج جملة قصيرة من صدره المتهدم قال: إني لا أزال أرى في نومي ويقظتي ملائكة أبولو تحاسب أهل أثينا عما حفظته من أشعار هوميروس، وعما تعي من كلم زيوفراست، وهيراقليط، وسقراط، فلا تجد غيرك يا هوبول، وتصرخ في أعلى السماوات بصوت موحش مهول لقد نسى أولئك الطاغون أشعار اليونان وكلمها، وتركوا عبادة آلهتها، فدعهم يا هايكلوس في ظلمات الجهل يعمهون. دعهم فقد عبدوا البطون والقدود، وأضحوا قوقعات نجسة تدنس الأرض بسائلها اللزج، ما أشدهم طغياناً وفجراً، إنهم نسوك يا هايكلوس فثابر على صومك ولا تعد تنشدهم شيئاً، وإن الثلاثين يوماً التي انصرمت على انقطاعك لا تكفي، بل ثابر على صمتك فهؤلاء قوم قد نسوا ماضيهم وحاضرهم، وعليك أن ترحم نفسك. لأني أرى أن كل كلمة من أشعارك الباهرة قد سلبت خلية من جسمك الغض. إني يا هوبول رأيت الملائكة تخاطبني غضبى: (سنترك المدينة طمعاً للشياطين،

стр. 5241

وسنحرسك فقط بعنايتنا) (وكان هوبول جاثياً على ركبتيه بجانب الشاعر هايكلوس مصغياً لما يفسر له من أقوال الملائكة) فوخزه هايكلوس وأشار إليهليرى المدينة، فأبصر الشياطين تمرح في أسواقها وقد خيمت عليها السحب الربداء، وأعقبها قصف الرعود الصاخبة، فصرخ الأهلون. . . وجزعوا، وهرعوا إلى الجبال والآكام ومنهم من فر واختفى في الغابات. . . ومنهم من رضى بالاستسلام للشياطين، فلم يستطع هوبول أن يبقى صامتاً ساكتاً، فألقى نفسه من النافذة، وركض نحو القوم صائحاً: ألم أذكركم بصوم هايكلوس، ألم أبين لكم غضب الآلهة لعدم انقيادكم لصوت الحق. إنكم لم تعوا الحكم المرسلة على ألسنة شعرائكم، ولم تعبئوا بما صاغ لكم خطباؤكم من الأقوال المأثورة. إن هايكلوس قد بلغ به الإعياء حد النزع، وأضحى لا يستطيع مقاومة مرضه الممض، وإن جوبيتر يرثي لحالكم الأسيفة بعد أن فقدتم كل ما في الحياة من معنى، وأصبحتم في حياة لا روح فيها، فإن أثينا بعد اليوم ستقفر من الفن، ستقفر من مواهبها السماوية، ستقفر من بلابلها الغريدة. لم يعد يخرج بين ظهرانيكم شعراء وحكماء يفنون أجسامكم لتغذيتكم، وينشرون الرائحة لتعطيركم، ويصوغون الحكمة لإرشادكم. وما زال هوبول يجول في أحياء المدينة ويقص ما سمع من هايكلوس عن جوبيتر وأبولو والملائكة، حتى فزع القوم، فانتدبوا من يذهب إلى هايكلوس ويرجو وساطته بينهم وبين الآلهة، لئلا تستمر الشياطين في تمردها، فانتدبوا أشخاصاً من كل طبقة وتوافدوا مستجدين أشعاره صائحين: لقد أيقنا بحكمة الحكماء، وآمنا بحاجاتنا لأمثالكم الرفقاء. . . . فخرج هايكلوس من داره وأخذ ينشد دعاءً يعيد لأثينا حياتها الأولى. . . . . بسام كرد علي

стр. 5242

رد على نقد مكة ومشهد للدكتور عبد الوهاب عزام قرأت وأنا على أهبة السفر كلمة في الرسالة لأخي الأستاذ أمين الخولي عنوانها (مشهد ومكة) فلم أجد بين مشاغل السفر فراغاً لإجابته ومناقشته، وعزمت أول الأمر أن أترك كلمته حتى تتهيأ لي المناقشة فيها، ثم بدا لي أن أكتب كلمة كعجالة الراكب، أو لهنة الضيف، يروي بها الأستاذ بعض ظمئه للحقيقة (وإنها لحقيقة أن تبتغي لذاتها). أترك كلام الأستاذ عن (فرق ما بين العقيدة والفكرة وصلة العقل بمنطقه، والاعتقاد بسلطانه) فهذه فلسفة لم أتهيأ لفهمها، وأعمد إلى الموضوع: أخذت على الرحالة محمد ثابت في مآخذ أخرى تاريخية ولغوية قوله إن الشيعة يفضلون مشهد على مكة، فقلت: (وأفظع من هذا كله قوله عن إخواننا شيعة إيران أنهم يفضلون مشهداً على مكة، وكيف يعقل أن أمة مسلمة شديدة الغيرة على دينها تعتقد أن الحج إلى مكة فرض، وقاعدة من قواعد الإسلام كيف يعقل أن هذه الأمة ترى زيارة مشهد أفضل من الحج إلى مكة الخ)، ففقه المسألة أن الشيعة يعتقدون أن الحج قاعدة من قواعد الإسلام، ولا يرون زيارة مشهد كذلك، خلافاً لما رواه محمد ثابت. فهل استطاع الأستاذ أن ينقض هذه الدعوى بما روى من حديث هذا (الكوزة كناني) الذي تسلح به للجدال ولم يستطع إخفاء فرحه به؟ قلت: (ربما بالغ عامة الإيرانيين في تعظيم مشهد وغيرها من المزارات الشريفة كما يبالغ عامة المصريين في تعظيم مسجد سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيد البدوي وإبراهيم الدسوقي، ولكن عمل العامة لا تقاس به عقائد الأمة. وهذه كتب الشيعة بين أيدينا تنطق بخلاف ما زعم الكاتب) فطالبني الأستاذ متحدياً بأن أذكر له من كتب الشيعة التي بين أيدينا شيئاً بعينه ليرتاح القارئ. ثم قال: (وكيف يكون الأمر إذا كانت كتب الشيعة تقرر هذا التفصيل المكاني بقسوة وعنف إلخ) وساق ما نقله من كتاب الكوزة كناني. وظاهر أن دليل الأستاذ الخولي لا يفي بدعواه، فقد ادعى أن كتب الشيعة تقرر هذا التفضيل ثم لم يرجع إلى كتب الشيعة ولم يتحر أقوال

стр. 5243

أئمتهم، ولكنه اكتفى برواية في كتاب فرد لمؤلف لا يعرف عنه الأستاذ إلا أن له كتاباً مطبوعاً منه نسخة في دار الكتب. فلو فرضنا أن كتب الشيعة الأخرى تؤيد رواية الكوزة كناني لكان الأستاذ مجازفاً في الاستشهاد بكتب الشيعة قبل الإطلاع عليها أنا لا أطيل على القارئ بنقل نصوص من كتب أئمة الشيعة، ولكن أعرض عليه خلاصة قراءتي: في كتب الشيعة روايات في تفضيل كربلاء على مكة، وفيها روايات يؤخذ منها تفضيل مكة على غيرها مثل هذا الحديث المروي عن جعفر الصادق في كتاب (وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة) (ما خلق الله خلقاً أكثر من الملائكة، وأنه لينزل كل يوم سبعون ألف ملك، فيأتون البيت المعمور فيطوفون به، فإذا هم طافوا به نزلوا فطافوا بالكعبة، فإذا طافوا بها أتوا قبر النبي ﵊، فسلموا عليه، ثم أتوا قبر أمير المؤمنين فسلموا عليه، ثم أتوا قبر الحسين فسلموا عليه، ثم عرجوا، فينزل مثلهم أبداً إلى يوم القيامة.) وفي كتب الشيعة أيضاً روايات عن فضل زيارة الحسين والرضا، ولكن خلاصة الروايات كلها، وفقه النصوص الكثيرة أن الحج والعمرة الواجبين لا تعدلها زيارة أحد، وأن زيارة الحسين قد تعدل عمرة أو حجة أو أكثر من ذلك من الحج والعمرة المندوبين بعد أداء حجة الإسلام المفروضة. وفي (وسائل الشيعة): قلت لأبي عبد الله (جعفر الصادق): ما تقول في زيارة قبر الحسين، فإنه بلغنا عن بعضكم أنه قال: تعدل حجة وعمرة، فقال: ما أصعب هذا الحديث. ما تعدل هذا كله، ولكن زوروه ولا تجفوه، فإنه سيد شباب أهل الجنة. . الخ. فهذه خلاصة قراءتي في كتب الثقات، وذلك تصديق ما قلته في مقالي السابق، وفي صدر هذا المقال. وقد ختم الأستاذ الخولي مقاله بعد أن أثبت عليّ الخطأ بقوله: (واكتفى بهذه الكلمة، قائلاً مع الأستاذ عزام في ختام كلمتي: وإنني لراج أن يتم التعارف بين الأمم الإسلامية، حتى لا يكتب بعضها عن بعض إلا عن علم وروية، وتثبت وإنصاف، والله ولي التوفيق.) وإعادة كلمتي هنا تعريض معناه أن محمد ثابت كان ثبتاً فيما كتب، وأنني أنا غير المتثبت. ولعل الأستاذ قد عرف الآن أينا ينقصه التثبت، على أن من فاته التثبت وهو يصف أمة مسلمة بما هو حري بها وبدينها خير ممن فاته التثبت في الإدعاء على بعض المسلمين أنهم

стр. 5244

يفضلون زيارة كربلاء على الحج، وهو قاعدة من قواعد الإسلام عند المسلمين كافة. عبد الوهاب عزام

стр. 5245

فجيعة الحياة (أبي) للأستاذ محمد محمود جلال يا أبعد الناس عن لغو وإيذاء … جوزيت بالخلد عن هَمٍّ وعن داء مضت حياتك ركناً يستظل به … سُغْب العُفاة ويؤوى البائس النائي فكنت آية خير، في حمايتها … دفع الخطوب بحزم دون ضوضاء وإذ يمينك بالإحسان في شُغُل … تمد يسراك ستراً عيب أَعداء عف اللسان كثير العفو في أدب … كم طوح الخصم في وعظ وإطراء تغار للحق والدنيا على ملق … وتصرع الظلم والدنيا بإملاء حتى أتى القدر الغلاب عن أجل … على الصبابة بين السين والراء فهز نعيك في الدنيا مكارمها … وقوِّضت من حياتي كل سراء في غربة فجعتني قبل موعدة … وهونت بعد رزئي فيك أرزائي التوبة يا حبيبتي هَدَأ الحب … فَما يُجْدِي التَّمنِّي واستَرَحْنَا من غرامٍ … وعذابٍ وتجنِّي واْنَتَهَيْنَا لِسُكُونٍ … هاتِفِ الصَّمْتِ يُغَنَّي وفَرَغْنَاَ من أمانٍ … قَرَّبَتْ بالأمْسِ حَيْنيِ يا حَبيبي هَدَأ الحبُّ … بقَلْبي وَضُلوعِي وتراءى الكَوْن ليْلاً=في سُكونٍ وخشوع وَطُيُوُر الرَّوْض غَنَّتْ … في الضُّحَى لحنَ الربيعِ أقْفَر القَلْبُ مِنَ الحبَّ … فَما جَدْوَى دُمُوعِي؟ كان هَذا اُلحبُّ لحناً … مِنْ لُحُونِ الأبَدِيَّهْ كان هَذَا الحبُّ إشعا … ع الأماني القدُسيَّه كان رَوْضاً من جمالٍ … وزهورٍ ذهَبِيهْ

стр. 5246

وَهْوَ طيْفُ الله في الأرْ … ضِ وَلِي أسْنَى عطيَّهْ يا حَبِيبي كمْ تغنَّيْ … ناَ بألحان الإلهْ وَشَدَوْنَا فَوْقَ ناي ال … حبِّ أصْدَاَء نداهْ وَتَذوَّقْنَا مداماً … من سُلافَاتِ الشَّفاه وَهتفْنا في حَنِينٍ: … إنَّماَ اُلحبّ الحياه! حسن محمد محمود

стр. 5247

على هامش اللزوميات إلى المعري // لعل موتاً يريح الجسم من نصب … إن العناء بهذا العيش مقترنُ (المعري) للشاعر التونسي محمد الحليوي أبا العلاء، أحقّاً أنتَ في دَعةٍ … من الُخطوب، وفي سِلمْ منَ الكُرب هل في رُقاَدِك في بيتٍ تُقيم به … على الغضاضة، ما أغْنَى عن النَّصب وهل طريق الرّدى زهراءُ مونقَةٌ … أم حفَّها الله بالوْيلات والحَرَب وكيف كأسُ الرَّدى هل في ثمالتها … خَمْرٌ، وهل شربها أشهى منَ الضَّرَب وما رأيتَ وراء القَبْر من عمهٍ … حارت عقُول الورى في سِره العَجَبِ أبا العلاءِ، لقد حاولتَ مُجْتهداً … فكَّ الرُّموز، وكشفَ السرَّ عن كَثَبِ فما رأيتَ سوى طخياَء حالكةٍ … وكنتَ تنظر خلف الباب من ثقب واليومَ ها أنتَ لا بابٌ ولا حجبٌ … فقل لنا مَا وراَء الباب والُحُجبِ ما علة الكون. . . ما سرُّ الوجود، وما … في هذه الأرض من صدقٍ ومن كذب ما غايةُ الحيّ من دنيا يُقيم بها … وما يُراد بها من عَيْشه اللَّجب والموتُ ما هو. . . هل جسر نمرُّ به … أم هُوَّ غايتنا من كلَّ ذا التَّعب! هيَ الحقيقة تحكي ربةً ملكتْ … عرش الأُلْمبِ على الأرْباَبِ والرسُلِ وجرّبتْ سحرَهاَ في الأرْض فافتَتَنَتْ … به الخليقةُ من فَسْلٍ ومن بَطل خلفَ النّقاب بَدَتْ هَيْفَاَء ساحرةً … تبادل الصبَّ أفناناً من الغزل أهلُ الصَّبابة في الأشواقِ ما برحوا … يَسْتَشْهدون ولا يحظَوْنَ بالقبَل كم من قتيلٍ قَضى في حُبَّ ربّته … وكم رماه الهوى بالحادث الَجلَلِ لكنَّ رَّبتَهُ ظْمأى إلى دمه … لا ترْتَوي الدهرَ من علٍ ومن نَهل أبا العلاءِ، لقد راعتك نَضْرَتها … فهمتَ مفتتناً في حبّها الأزلي وعشتَ رهنَ العمى والحبس في شظفٍ … تنهى لها كلَّ ما تأتيه من عمل

стр. 5248

وقد مضيتَ وما أدْخلتَ هيكلَها … ولا أحَلَّتْكَ يوماً قنةَ الجبل وكَيْفَ! وهي التي في الدهر ما رفعتْ … عنها النّقاب، ولم تُسْفرْ إلى رجل كلٌّ مشوقٌ وكلٌ آملٌ ظفراً … بوصل لَيْلَى، وكلٌّ خائبُ الأمل يا ليتَ شِعْرِيَ هل تُخفي غلالتُها … ملاحةً، أم حِمَى ليلى على دَخَل أبا العلاء، وهل أجدَتْك موجدةٌ … على الحياةِ وتجديفٌ على القدر الكونُ ما زال مثل العَهْدِ مشكلةً … وسرهُُ مُضمَرٌ في مُغْمَرِ العُصُر والدهر يمشي. . فلا شكْواك تُوقفه … ولا سبابك يثنيه عن الوطن يمشي لِطِيِته والحيّ يتبعه … يأتي على الكُرْه أو يأتي على قدَر رحاهُ لا تنتهي في الدّهر ضجّتْها … ولا تدورُ الرَّحى إلاّ على البشر وما عَلِمْنا على التحقيق من خَبرٍ … سوى القُصور على الإتيان بالخبَر نمشي على الدَّرب في جَهْلٍ وفي عمةٍ … والليل في حلك والدَّربُ في خطر ما تطلعُ الشمس مصباحاً لترشدَنا … كلا، ولكنّها رمْز على الَحَقر والبدرُ يضحك في عليائه أبداً … وكيف لا. . وهو يَلْقانا على سَخَر وذا الفضاءُ كتابٌ نُصْبَ أعيُننا … يُتْلَى فيلْقي علينا خالد العِبَر يقول في كلِّ سطر من صحائفه: … (أفٍ لكم ما لكم في الكَوْن من خطر) ما أنتمُ في قضاء الله من أحدٍ … سوى هباء على الأكَوْان منتَثَر سَوْأي لكم يا هباءٌ هل ضجيجكُمُ … ولعنةُ الأرض تثني الدَّهر عنْ سفر! (تونس) محمد الحليوي

стр. 5249

في تاريخ الأدب المصري أيدمر المحيوي للأستاذ أحمد أحمد بدوي ١ في عصر الدولة الأيوبية، حينما كانت مصر زعيمة العالم الإسلامي ترفرف رايتها عليه، وتقف في وجه المغيرين من الصليبين وتصد هجماتهم، وتدفع عن بيت المقدس وتذود عن حياضه، وتحمي مدينة الشرق وتحوطها بسياج من المناعة والقوة، وحينما كانت مصر تقف أمام أوربا مجتمعة، يريد الأوربيون أن ينالوا منها منالاً، فتأبى مصر أن ينكسر عودها أو تلين قناتها، في ذلك العصر المليء بأسباب القوة، المفعم بالعظمة المصرية والمجد المصري، عاش الشاعر أيدمر المحيوي، وربى في أرض مصر، وفوق ثراها المخصب الندي، وهو في أصله ينتسب إلى الترك، وإن كنا نجهل ما يتعلق بأسرته وآله، ويظهر أن التاريخ يجهل كذلك أسرته، ولا يذكر إلا أنه كان مملوكاً للأمير محي الدين محمد بن محمد بن سعيد، ثم أعتقه وأصبح حراً، غير أنك إذا ذهبت تبحث عن السنة التي ولد فيها شاعرنا بله الشهر واليوم، فإنك غير مهتد إلى شيء، اللهم إلا أنه نشأ في عصر الدولة الأيوبية في منتصف القرن السابع الهجري، نستنبط ذلك استنباطاً من قصائده التي مدح بها بعض سلاطين تلك الدولة، وإذا أنت سألت التاريخ عن تربيته وتعليمه فإنك سوف تجد غموضاً وإبهاماً لا تستبين خلالهما إلا ما قد ينم عنه شعره من أنه درس اللغة، واطلع على كثير من شعر الشعراء السابقين والمعاصرين، فتثقف به وتأثره، وعارضه أحياناً كما فعل ذلك مع ابن المعتز وابن النبيه ومسلم بن الوليد والمتنبي - وإلا ما قد يكون قد تثقف به من علوم اللغة العربية على يد ولي نعمته محي الدين الذي نسب إليه والذي ظل أيدمر حافظاً لنعمته عليه يذكرها، ويمدح سيده بغرر القصائد والموشحات. ٢ ليس لنا اليوم إلا أن نحدثك عن شعره الذي بين أيدينا، وقبل أن نصفه لك أو نحدثك عنه حديثاً مسهباً، يحسن بنا أن نخبرك أن ما سوف نتحدث عنه ليس بكل شعره، بل هو مختار

стр. 5250

منه أبقته لنا الأيام، ولسنا ندري إن كنا سنعثر على كل شعره أو أن الزمن بذلك ضنين؟ أول مميزات شعر شاعرنا طول نفسه، فقصائده أغلبها طويلة، وقد يبلغ بها الطول إلى أن تقارب المائتين، وذلك إن دل فإنما يدل على تمكن في اللغة، واطلاع واسع يهيئه لأن يطيل كما يشاء حق يوفي ما بنفسه ويستوفيه. ثانيها الرقة وجمال الأسلوب مع متانته، فلست تحس بالتنافر أو نبو الألفاظ أو أن تركيباً قلق في موضعه غير مستقر، أو إنك تجد عسراً في فهمه، أو تحتاج إلى وقوف طويل حتى تستبين معناه، فهو سلس سهل، يسبق معناه إلى قلبك قبل أن يسبق لفظه إلى سمعك، وإنك لتجد نفسك مسوقاً إلى قراءته متى بدأت أول القصيدة لطلاوته وعذوبته، وهو يذكرنا بالبحتري حينما نجذ الألفاظ منقادة متخيرة، مع السهولة والعذوبة. ولا يذهبن بك الوهم إلى أنه لم يستعمل ألفاظاً غريبة في شعره، فإنه قد استعمل منها طائفة صالحة، غير أنه كان حكيماً في استخدامها، حصيفاً في استعمالها، لا يكثر منها ولا يضعها في غير موضعها. ثالثها استعمال بعض المحسنات البديعية من غير إكثار منها ولا تكلف، بل إنها تجيء سلسة سهلة، لا تذهب برواء القصيدة، ولا تضيع من بهجتها، ولقد استخدم في شعره التورية والجمع والجناس، وحسن التعليل، والطباق، والاقتباس، فهو يقول: في جوده السفاح أم في عزمه المنصور، أم في غيبه المأمون ويقول: قضت لك الشيمتان: العدل والكرم … أن تخضع الأمتان العرب والعجم وشرف الدين والدنيا بدولتك ال … غراء، والأشرفان العلم والعلم ويقول: ملك إذا امتدت يداه إلى العدا … يوم الوغى تتقاصر الأعمار ويقول: هو الناهب الأرواح والواهب اللهى … وباني العلا والناسك المتورع ويقول واصفاً حماماً أحمر العين والرجل: وأليف غصن لا يفارقه … صب الفؤاد به متيمه يدعو بصوت أستبين به … معنى الحنين، ولست أفهمه

стр. 5251

فيميل بي طرباً تمايله … ويهزني شوقاً ترنمه يبدي أسى الباكي ورقته … في نوحه، والدمع يكتمه نحر الأسى إنسان مقلته … فجرى فخضب رجله دمه ويقول من موشح: أنت يا موسى رجائي آنساً نار جدواه فوافي قابساً رحت في حضرة قداس دائساً في طوى السؤدد، فأخلع نعلكا … وادعه يأت بكبرى يوشع وكان أكثر ما أتى به من شعره حسن التعليل، على أن كل المحسنات التي أتى بها قليلة، فهو غير مغرم بها، ولا ملزم نفسه كغيره السير على منهاجها. ٣ شعر المحيوي ينضوي تحت لواء واحد وفن واحد من فنون الشعر الغنائي، هو المدح، فهو الغرض الأول في شعره، يقصد إليهقصداً ويلم بغيره عرضاً من غير قصد، يبدأ به قصيدة المدح أو يختم به الموشح، وكان ما أتى به عرضاً يدخل في الوصف أو في الغزل، ولنقف وقفات قصيرة لدى كل غرض من هذه الأغراض التي طرقها واصفين ودارسين. أول ما نلمسه في شعره المدحي أنه قد خلا من الغزل في أوله حينما يمدح سلطاناً من سلاطين الدولة الأيوبية، بينما هو يبدؤه بالغزل عندما يمدح ولي نعمته محي الدين بن سعيد أو غيره من الوزراء، فأي شيء تستطيع استنباطه من تلك الملاحظة؟ وعلى أي شيء تدل؟ لقد قلبنا الأمر على وجوهه، ثم خرجنا بنتيجة قد تكون قريبة من الصواب: تلك هي أن هؤلاء السلاطين لم تكن عنايتهم موجهة للغواني والحب والغرام حتى يأسرهم الحديث عن الحب ويسترعي انتباههم، وإنما كان كل همهم موجهاً إلى الحرب والقتال، وقهر الأعداء، ورد العادين من المغيرين على دولتهم، فقد كانوا كما قال أيدمر في أحدهم: متفرغ للمجد، لا هو من دد … يلهيه عن كرم ولا منه دد البيض من صنع القيون لدى الوغى … يطربنه، لا البيض مما يولد والأسمر الخطار يبهج نفسه … ويسرها لا الأسمر المتأود

стр. 5252

وإذا كانت عنايتهم متجهة نحو ميادين الحروب فماله يشغل نفسه بشيء لا يملك عليهم نفوسهم، ولا يأسرها؛ حقاً لقد كانت لهم مواطن لهو ولذة، ولكنها لذة العظمة وأبهة الملك كذلك يسترعي نظرك في شعره كثرة مدحه لسلاطين هذا العصر بذبهم عن حياض الدين وحياطته بسياج من العزة والمهابة فهو يقول للملك الصالح: ملك يلوذ الدين منه بمعقل … أشب، سطاه سوره والخندق فالدين بعد تفرق متجمع … والكفر بعد تجمع متفرق ويقول له: فأسلم لدين قد هديت إليه من … لا يهتدي، وجمعت ما لا يجمع وحميت حوذته، فأصبح وهو في … أيام دولتك الأعز الأمنع ويقول للملك الكامل: فالله يشهد أن دين محمد … بمحمد، وله الخليفة تشهد ويقول له: لولاه كان الدين سرحاً ما له … راع، وزنداً ما عليه سوار وذلك نتيجة طبيعية لهذا العصر الذي صبغ بالصبغة الدينية وكان القتال يدور فبه باسم الدين، فليكن الشعر كذلك مصبوغاً بهذه الصبغة، مثنياً على السلاطين لأنهم خدموا الدين وقاموا على صيانته. تلمس في شعره المدحي كذلك قوة ملوك مصر في هذا العصر حتى لكثيراً ما يسميهم ملوك الملوك وكثيراً ما تسمعه يقول لهم: من ألقت الدنيا مقالد أمرها … بيديه وهو بها أحق وأليق ذو صورة تنبيك عنه أنه … ملك الملوك الحق حين يحقق إلى أن قال: فجلست حيث جلست منه تزينه … شرفاً فطاف بك الملوك وأحدقوا كل يغض من المهابة طرفه … فتراه، وهو لغير فكر يطرق هيهات جزت مدى الملوك إلى مدى … رجم الظنون إليهلا يتطرق ويقول:

стр. 5253

منح رآك الله أهلاً أن تقل … دها فقلدك الذي تتقلد ذكرت مفاخرها الملوك وخير ما … ذكرته منها أنها لك أعبد ذكراك فيهم سجدة مسنونة … فلذا متى تذكر لديهم يسجدوا فإذا هم نظروا إليك فأعين … حسرى، وأفئدة تقوم وتقعد ملك الملوك وخير من عقدت له الت … يجان في قدم الزمان وتعقد وإذا علمت أن ملوك مصر في ذلك الحين كانوا حقاً زعماء الملوك في العالم، وكانوا أكبر رؤوس تطأطأ لها هام الملوك، وتنخلع من هولها قلوب الأعداء؛ وإذا أنت علمت أن مصر في تلك الأزمان كانت أكبر مملكة في الشرق والغرب، وأقوى دولة يقصدها الأوربيون بجموعهم، فلا ينالون منها إلا ما ناله الوعل من الصخرة، وإذا أنت علمت أن الجيش المصري هو الذي حمى الشرق وحفظه من الأجنبي الذي يريد أن يتحكم فيه وإذا أنت علمت أن الإسلام وحرية الأديان كانت تسهر عليهما مصر وملوك مصر، ويحيطونهما بسياج الحفظ والمناعة، إذا أنت علمت كل ذلك أيقنت أن هذا الذي مدح به هؤلاء الملوك لم يكن بالكذب ولا المغالي فيه، وأمامك كتب التاريخ فاقرأها تعد مؤمناً بصدق ما قاله في قوة مصر وملوك مصر. شعر شاعرنا المدحي يعطيك صورة عن بعض نواحي الحياة المصرية في ذلك الحين، فهو يحدثك عن النزاع الذي كان قائماً بين المصريين والصليبين حينما وجه هؤلاء تيار حروبهم إلى مصر نفسها قلب العالم الإسلامي؛ فأغاروا على دمياط، ولكنهم فشلوا أيما فشل، واستطاع المصريون أن يخلصوا دمياط من حوزتهم ويرجعوهم بخفي حنين، وهو يحدثك عن هذه الجموع الكثيرة التي كانت أوربا تمد بها الجيش المحارب لدمياط، والذي يريد الغلبة عليها، قال أيدمر: أيام قال الشرك بغياً للهدى … دمياط لي، ولك الغداة الموعد وأتى بما ملأ البسيطة كثرة … والله ربك هادم ما شيدوا جيش إذا مسحت يداه بقعة … جف المياه بها، وذاب الجامد كالسيل إلا أنه لا ينقضي … والليل إلا أنه يتوقد وأتى بك الإسلام وحدك موقناً … أن سوف تهزم جمعهم وتبدد

стр. 5254

حتى إذا التقيا طلعت عليهما … بالنصر تشقى من تشاء وتسعد فرددت شخص الشرك، وهو مسربل … خزياً، ودين الله وهو مؤيد حكمت بأسك فيهم: فمكلم … ومجدل، ومشرد، ومصفد كما يحدثك عن هذا النزاع الذي كان قائماً حول جلق (دمشق) أتبقى في حوزة المصريين، أم يحكمها غير المصريين، وكانت الغلبة غالباً في جانب المصريين، وهو حين يحدثك عن هذا الفتح يشعرك بما في نفوس المصريين من حب لأن تبقى دمشق ضمن حدود مملكتهم، وأن يخفق عليها علم الإمبراطورية المصرية. حتى إنه حينما كان يأتي البشير بفتح دمشق يزين المصريون دورهم، ويرفعون الأعلام على شرف الجدران تخفق كما تخفق قلوبهم بالفرح والسرور، واستمع إليهيقول: قد قلت إذ جاء بالفتح البشير به … الله أكبر هذا غاية الأمل ترنح الدهر، واهتزت معاطفه … وراح يسحب ذيل التيه والجذل والأرض قد أخذت للناس زخرفها … وازينت، فهي في حلي وفي حلل مسرة في قلوب الناس قد ظهرت … حتى على شرف الجدران والقلل. إلخ وهو يؤمن بأن دمشق سوف تنال الخير والسعادة، وسوف تصبح في دعة وأمن ما دامت ضمن المملكة المصرية: فليهن جلق أنها قد أصبحت … في مستقر الملك، لا تتحول وأنا الضمين بأن سيسلي جلقاً … عما مضى من غمرها ما يقبل ونختم حديثنا عن مدحه بتلك القطعة الصغيرة لتكون نموذجاً لبقية مدحه، قال يمدح الملك الكامل: الله جارك، والورى أنصار … فانهض، ونل بهما الذي تختار خضعت لهيبتك الأقارب والعدا … وجرت بوفق مرادك الأقدار ملك إذا امتدت يداه إلى الظبا … يوم الوغى تتقاصر الأعمار من وجهة قمر ينير، وسخطه … قدر يبير، وحدسه إبصار وإذا القلوب تطايرت في موطن … نزلت عليه سكينة ووقار ملك له من باسه وغنائه … حصن أشم، وجحفل جرار

стр. 5255

ملك يميل إلى المكارم لا الدمى … وتهزه العلياء لا الأوتار ملك تهيم به بنات قلوبنا … حباً وتعشق مجده الأشعار لولاه كان الدين سرحاً ما له … راع، وزنداً ما عليه سوار فأنت تحس حقاً بأنك تقرا أسلوب البحتري وتحس جماله وعذوبته، مدحه لغير الملوك يبدأ بالغزل، وهو وإن لم يكن مقصوداً لذاته لا بأس بجماله وعذوبته، حتى لتتمنى حين تقرأ غزله أن لو كانت القصيدة كلها غزلية، وإن كنا نؤكد أنه في غزله مقلد آخذ معاني من سبقه من الشعراء، واستمع إليهيقول من موشح: قال لي العاذل لما نظرا من غدا قلبي به مشتهرا: أكذا تعشق؟ ماذا بشراً؟ حاش لله؟ أراه ملكاً … مثل ذا فاعشق، وإلا فدع هز عطف الغصن من قامته مطلعاً للشمس من طلعته ثم نادى البدر في ليلته: أيها البدر تغيب ويحكا … ما احتياج الناس للبدر معي؟! فأنت لا شك تحس بالعذوبة في ألفاظه وإن كان الكثير من معانيه مقتبساً، وكم كان بودنا لو أطال الحديث في الغزل أو لو قصد إليهقصداً وظل يروي لنا عاطفتنا الظامئة إلى غزله. البقية في العدد القدم أحمد أحمد بدوي
следующие страницы →