Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
فيميل بي طرباً تمايله … ويهزني شوقاً ترنمه
يبدي أسى الباكي ورقته … في نوحه، والدمع يكتمه
نحر الأسى إنسان مقلته … فجرى فخضب رجله دمه
ويقول من موشح:
أنت يا موسى رجائي آنساً
نار جدواه فوافي قابساً
رحت في حضرة قداس دائساً
في طوى السؤدد، فأخلع نعلكا … وادعه يأت بكبرى يوشع
وكان أكثر ما أتى به من شعره حسن التعليل، على أن كل المحسنات التي أتى بها قليلة، فهو غير مغرم بها، ولا ملزم نفسه كغيره السير على منهاجها.
٣
شعر المحيوي ينضوي تحت لواء واحد وفن واحد من فنون الشعر الغنائي، هو المدح، فهو الغرض الأول في شعره، يقصد إليهقصداً ويلم بغيره عرضاً من غير قصد، يبدأ به قصيدة المدح أو يختم به الموشح، وكان ما أتى به عرضاً يدخل في الوصف أو في الغزل، ولنقف وقفات قصيرة لدى كل غرض من هذه الأغراض التي طرقها واصفين ودارسين.
أول ما نلمسه في شعره المدحي أنه قد خلا من الغزل في أوله حينما يمدح سلطاناً من سلاطين الدولة الأيوبية، بينما هو يبدؤه بالغزل عندما يمدح ولي نعمته محي الدين بن سعيد أو غيره من الوزراء، فأي شيء تستطيع استنباطه من تلك الملاحظة؟ وعلى أي شيء تدل؟ لقد قلبنا الأمر على وجوهه، ثم خرجنا بنتيجة قد تكون قريبة من الصواب: تلك هي أن هؤلاء السلاطين لم تكن عنايتهم موجهة للغواني والحب والغرام حتى يأسرهم الحديث عن الحب ويسترعي انتباههم، وإنما كان كل همهم موجهاً إلى الحرب والقتال، وقهر الأعداء، ورد العادين من المغيرين على دولتهم، فقد كانوا كما قال أيدمر في أحدهم:
متفرغ للمجد، لا هو من دد … يلهيه عن كرم ولا منه دد
البيض من صنع القيون لدى الوغى … يطربنه، لا البيض مما يولد
والأسمر الخطار يبهج نفسه … ويسرها لا الأسمر المتأود
стр. 5252
وإذا كانت عنايتهم متجهة نحو ميادين الحروب فماله يشغل نفسه بشيء لا يملك عليهم نفوسهم، ولا يأسرها؛ حقاً لقد كانت لهم مواطن لهو ولذة، ولكنها لذة العظمة وأبهة الملك
كذلك يسترعي نظرك في شعره كثرة مدحه لسلاطين هذا العصر بذبهم عن حياض الدين وحياطته بسياج من العزة والمهابة فهو يقول للملك الصالح:
ملك يلوذ الدين منه بمعقل … أشب، سطاه سوره والخندق
فالدين بعد تفرق متجمع … والكفر بعد تجمع متفرق
ويقول له:
فأسلم لدين قد هديت إليه من … لا يهتدي، وجمعت ما لا يجمع
وحميت حوذته، فأصبح وهو في … أيام دولتك الأعز الأمنع
ويقول للملك الكامل:
فالله يشهد أن دين محمد … بمحمد، وله الخليفة تشهد
ويقول له:
لولاه كان الدين سرحاً ما له … راع، وزنداً ما عليه سوار
وذلك نتيجة طبيعية لهذا العصر الذي صبغ بالصبغة الدينية وكان القتال يدور فبه باسم الدين، فليكن الشعر كذلك مصبوغاً بهذه الصبغة، مثنياً على السلاطين لأنهم خدموا الدين وقاموا على صيانته.
تلمس في شعره المدحي كذلك قوة ملوك مصر في هذا العصر حتى لكثيراً ما يسميهم ملوك الملوك وكثيراً ما تسمعه يقول لهم:
من ألقت الدنيا مقالد أمرها … بيديه وهو بها أحق وأليق
ذو صورة تنبيك عنه أنه … ملك الملوك الحق حين يحقق
إلى أن قال:
فجلست حيث جلست منه تزينه … شرفاً فطاف بك الملوك وأحدقوا
كل يغض من المهابة طرفه … فتراه، وهو لغير فكر يطرق
هيهات جزت مدى الملوك إلى مدى … رجم الظنون إليهلا يتطرق
ويقول:
стр. 5253
منح رآك الله أهلاً أن تقل … دها فقلدك الذي تتقلد
ذكرت مفاخرها الملوك وخير ما … ذكرته منها أنها لك أعبد
ذكراك فيهم سجدة مسنونة … فلذا متى تذكر لديهم يسجدوا
فإذا هم نظروا إليك فأعين … حسرى، وأفئدة تقوم وتقعد
ملك الملوك وخير من عقدت له الت … يجان في قدم الزمان وتعقد
وإذا علمت أن ملوك مصر في ذلك الحين كانوا حقاً زعماء الملوك في العالم، وكانوا أكبر رؤوس تطأطأ لها هام الملوك، وتنخلع من هولها قلوب الأعداء؛ وإذا أنت علمت أن مصر في تلك الأزمان كانت أكبر مملكة في الشرق والغرب، وأقوى دولة يقصدها الأوربيون بجموعهم، فلا ينالون منها إلا ما ناله الوعل من الصخرة، وإذا أنت علمت أن الجيش المصري هو الذي حمى الشرق وحفظه من الأجنبي الذي يريد أن يتحكم فيه وإذا أنت علمت أن الإسلام وحرية الأديان كانت تسهر عليهما مصر وملوك مصر، ويحيطونهما بسياج الحفظ والمناعة، إذا أنت علمت كل ذلك أيقنت أن هذا الذي مدح به هؤلاء الملوك لم يكن بالكذب ولا المغالي فيه، وأمامك كتب التاريخ فاقرأها تعد مؤمناً بصدق ما قاله في قوة مصر وملوك مصر.
شعر شاعرنا المدحي يعطيك صورة عن بعض نواحي الحياة المصرية في ذلك الحين، فهو يحدثك عن النزاع الذي كان قائماً بين المصريين والصليبين حينما وجه هؤلاء تيار حروبهم إلى مصر نفسها قلب العالم الإسلامي؛ فأغاروا على دمياط، ولكنهم فشلوا أيما فشل، واستطاع المصريون أن يخلصوا دمياط من حوزتهم ويرجعوهم بخفي حنين، وهو يحدثك عن هذه الجموع الكثيرة التي كانت أوربا تمد بها الجيش المحارب لدمياط، والذي يريد الغلبة عليها، قال أيدمر:
أيام قال الشرك بغياً للهدى … دمياط لي، ولك الغداة الموعد
وأتى بما ملأ البسيطة كثرة … والله ربك هادم ما شيدوا
جيش إذا مسحت يداه بقعة … جف المياه بها، وذاب الجامد
كالسيل إلا أنه لا ينقضي … والليل إلا أنه يتوقد
وأتى بك الإسلام وحدك موقناً … أن سوف تهزم جمعهم وتبدد
стр. 5254
حتى إذا التقيا طلعت عليهما … بالنصر تشقى من تشاء وتسعد
فرددت شخص الشرك، وهو مسربل … خزياً، ودين الله وهو مؤيد
حكمت بأسك فيهم: فمكلم … ومجدل، ومشرد، ومصفد
كما يحدثك عن هذا النزاع الذي كان قائماً حول جلق (دمشق) أتبقى في حوزة المصريين، أم يحكمها غير المصريين، وكانت الغلبة غالباً في جانب المصريين، وهو حين يحدثك عن هذا الفتح يشعرك بما في نفوس المصريين من حب لأن تبقى دمشق ضمن حدود مملكتهم، وأن يخفق عليها علم الإمبراطورية المصرية. حتى إنه حينما كان يأتي البشير بفتح دمشق يزين المصريون دورهم، ويرفعون الأعلام على شرف الجدران تخفق كما تخفق قلوبهم بالفرح والسرور، واستمع إليهيقول:
قد قلت إذ جاء بالفتح البشير به … الله أكبر هذا غاية الأمل
ترنح الدهر، واهتزت معاطفه … وراح يسحب ذيل التيه والجذل
والأرض قد أخذت للناس زخرفها … وازينت، فهي في حلي وفي حلل
مسرة في قلوب الناس قد ظهرت … حتى على شرف الجدران والقلل. إلخ
وهو يؤمن بأن دمشق سوف تنال الخير والسعادة، وسوف تصبح في دعة وأمن ما دامت ضمن المملكة المصرية:
فليهن جلق أنها قد أصبحت … في مستقر الملك، لا تتحول
وأنا الضمين بأن سيسلي جلقاً … عما مضى من غمرها ما يقبل
ونختم حديثنا عن مدحه بتلك القطعة الصغيرة لتكون نموذجاً لبقية مدحه، قال يمدح الملك الكامل:
الله جارك، والورى أنصار … فانهض، ونل بهما الذي تختار
خضعت لهيبتك الأقارب والعدا … وجرت بوفق مرادك الأقدار
ملك إذا امتدت يداه إلى الظبا … يوم الوغى تتقاصر الأعمار
من وجهة قمر ينير، وسخطه … قدر يبير، وحدسه إبصار
وإذا القلوب تطايرت في موطن … نزلت عليه سكينة ووقار
ملك له من باسه وغنائه … حصن أشم، وجحفل جرار
стр. 5255
ملك يميل إلى المكارم لا الدمى … وتهزه العلياء لا الأوتار
ملك تهيم به بنات قلوبنا … حباً وتعشق مجده الأشعار
لولاه كان الدين سرحاً ما له … راع، وزنداً ما عليه سوار
فأنت تحس حقاً بأنك تقرا أسلوب البحتري وتحس جماله وعذوبته، مدحه لغير الملوك يبدأ بالغزل، وهو وإن لم يكن مقصوداً لذاته لا بأس بجماله وعذوبته، حتى لتتمنى حين تقرأ غزله أن لو كانت القصيدة كلها غزلية، وإن كنا نؤكد أنه في غزله مقلد آخذ معاني من سبقه من الشعراء، واستمع إليهيقول من موشح:
قال لي العاذل لما نظرا
من غدا قلبي به مشتهرا:
أكذا تعشق؟ ماذا بشراً؟
حاش لله؟ أراه ملكاً … مثل ذا فاعشق، وإلا فدع
هز عطف الغصن من قامته
مطلعاً للشمس من طلعته
ثم نادى البدر في ليلته:
أيها البدر تغيب ويحكا … ما احتياج الناس للبدر معي؟!
فأنت لا شك تحس بالعذوبة في ألفاظه وإن كان الكثير من معانيه مقتبساً، وكم كان بودنا لو أطال الحديث في الغزل أو لو قصد إليهقصداً وظل يروي لنا عاطفتنا الظامئة إلى غزله.
البقية في العدد القدم
أحمد أحمد بدوي
стр. 5256
بمناسبة الذكرى الأولى للملك فيصل
فقيد الأمة العربية
للشاعر القروي
لَحيُّ برغم القبر فليخسإِ الردى … وقد سلم الغازي فلا يهنأ العدا
ولو كل موتٍ يضمنُ الخلدَ سارعت … إليه ملوك الأرض مثنىً وموَحْدا
ولو كل حظٍ حظُ غازي من العلى … تفاءلَ بالدنيا مُهِلُّ فأنشدا
بنيتَ له الُملكَ الذي هو أهله … وأَطرفتَ ما هارون بالأمس أتلدا
فمكَّنت أساساً وزخرفت قبةً … وذهَّبت آفاقاً وأطلعت فرقدا
ورمَّمت في بغداد عرشاً مهدماً … وخلَّفت في الأكباد عرشاً مؤبدا
وما أنت إلا السيف أعقَبَ خنجراً … بلوناهُ في الجُلَّى فكانَ المهندا
لدن أدَّب الجبَّار بالصفعةِ التي=تداول أسماعَ النجوم لها صدى
وصبَّ على رأس السفير صواعقاً … نزلن على أكبادنا البرد والندى
رآه وقد ظلَّ الهدى فانتضى له … يداً قدحت من عينيه النور فاهتدى
يمينَ شريفٍ تقِعد الطود قائماً … ولو شاءت اليسرى أقامته مُقعدا
أذابت قلوبَ الخائنين وفوَّرت … دما في عروق الإنجليز تجمدا
لَيِرْض عليك الله يا سبط أحمد … فإنك قد أرضيت جدك أحمدا
شفيت بهذا الموقف الحر نفسه … وزحزحت عن صدر العروبة جلمدا
وكم غضبٍ أدنى من الحلم للتقى … وأهدى إلى المجد الرفيع من الهدى
وما شأن ملكٍ سامه العبد ذلة … وأبرق صعلوك عليه وأرعدا.!
وكم تاج ملك صار نِيراً لربه! … وكم صولجان عاد في العنق مِقْوَدا.!
أيزعم ذو القرنين أنك عبده=ومثلك من يلقى السلاطين أعبدا
تعَّودِ منا أن نغضَّ على القذا … فعَّودته نسيانَ ما قد تعودا
ليعلمْ عبيد التاج أنك سيد … تزيد به التيجان مجداً وسُؤددا
وأن قريشاً أعظم الخلق هيبة … وأكرم أخلاقاً وأشرف محتدا
تخرّ منيعات الجبال مهابة … لبيت على رَمل الحجاز تشيدا
стр. 5257
زكى أصله قبل النبي محمد … فكيف وقد أزكى النبيَّ محمدا
بتمكينه عهد من الله خالد … على الدهر ما كرّ الجديدان جُددا
تشيب الثريا قبل إنذار شيبه … ويوشك خدُّ الشمس أن يتجعدا
أفيصل أني مرسل فيك شُرَّداً … يثبن إليك اللانهاية غُرَّدا
أكلِّفها نَوْحا فتمضي شواديا … أوَابِيَ أن ترثيك حياً مخلدا
كأن حروف الخط أعواد جنة … على كل فرع بلبلٌ للعلى شدا
وقلَّدتُ منها كلَّ شطرٍ مهندا … يظل على هام العدا مجردا
إذا قرَع الراوي به سمعَ خائنٍ … تذوَّقَ طعمَ الموت شعراً مُردَّدا
وحسب القوافي أنها فيك ألهِمت … لأغدو بها رب البيان المسوَّدا
فقد يهب الحق الغرابَ فصاحة … وقد يُخرِسُ البُطلُ الهزارَ المغردا
سبيلُكَ لم تسلكه إلا منورا … وسهمكَ لم ترسله إلا مسدَّدا
وكنت لأشتات البلاد موحدا … كما كنت في الدين الحنيف موحدا
وكنت لأجل المجد بالمال زاهداً … وكنت لأجل العرب بالمجد أزهدا
وكم خضت لاستقلال شعبك لجة … وكم جبت آفاقاً وكم جزت فدفدا
بعيد المنى لم تُلقِ مِرساةَ مطمحٍ … إلى المجد إلا سامك المجد أبعدا
مشيت له تستبطئ البرق مركباً … وأدركته تستوطئ النجم مقعدا
أرِحْ كبِداً حَمَّلتها كلَّ فادح … من الهم يعي الشُّم لو كنَّ أكبدا
طَعامٌ على مضٍ وشربٌ على قذى … ومشيٌ على جمرٍ ونومٌ على مُدى
تصبرَّتَ حتى الصبرُ كاليأسِ قاتل … وحتى ذممنا في الخطوب التجلدا
صعدت جبال الألب تنشُد راحة … وعدت كأن الألب في القلب صعَّدا
كلاكِل هّمٍ لو أنيخت (بيذبلٍ) … لعاد (يزوفاً) يقذف الجمر والردى
خيانةُ أحلافٍ وإخلافُ ساسةٍ … وغدر الذي أكرمَته فتمردا
مشَوا بك بين الجيش والتاجِ موكباً … أعدَّت له نَظَّارةُ الخلد مِرصدا
فلم يرَ أهلُ الأرضِ أروعَ مشهدا … ولم تَرعينُ الغيبِ أفظعَ مشهدا
يمدون للتسليم في لندنٍ يدا … ويخفون للتسليح في نينوى يدا
стр. 5258
وقالوا مليك العرب في الغرب مكرَمٌ … فقلت إذن باتَ المليكُ مهددا
نصحتك لا تمدد إلى أبرص يدا … ولو مطرت كفاه درا وعسجدا
لأمرٍ يلقيك الفرنجيُّ باسماً … فزد حذراً ما زاد ذئب تودُّدا
تراه صحيح الود وهو سقيمه … كما تُكْسِبُ الحمَّى الخدود تورُّدا
حفيدَ رسول الله يا غوث أمة … إذا استنجدت لم تلق غيرك منجدا
بكل لسان رتلت لك آية … وكل جنان شيدت لك معبدا
أذبت عليها حبة القلب ساهراً=فسافر بحبات القلوب مزودا
الشاعر القروي
من العصبة الأندلسية
стр. 5259
رسول الوحدة العربية!
للشاعر الحضرمي علي أحمد با كثير
يا أبا غازي! وما فينا سوى … مُستطار يمزج الدمع بْدم
يا أبا غاري وما فينا فتِيً … (عربيٌّ دمعُه) إلا انسجم
يا أبا غازي وما فينا فتِيً … ما براه - يوم ودّعتَ - الألم
ليت شعري، سامعٌ أسئلتي … أنت؟ أم في مسمع الموت صمم؟
فيم ودّعَت علي أجراحها … أمة العرب ولَّما تلتئم؟
فيم غادرت بني قحطان في … مِرْجل يغلي. ونار تحتدم؟
أولم تشرع لها وحدتها؟ … لو تلبث بها حتى تتم!
لم تجب قولي. . بلى! هذا صدى … رنَّ في أعماق قلبي كالنَغَم:
مُكرهٌ. . لو كان أمري بيدي … لم أمت إلاّ وقد فقنا الأمم
ورأيتُ العرب في وحدتها … كشعاع النور يجري في الظُّلم!
همُّها أن تُصلح العالَم، في … يدها السيف، وفي الأخرى القلم!
هذه (الخُلد)! وما أبغي بها … وبنو الضاد ببؤس وضَرَم؟
وأرى (الحوض) فأوّاه متى … ترد العرب ينابيع الحِكَم؟!
وأرى (الحُور) فلا يُنسِيْنَ ما … لفتاة العُرب عندي من ذِمم
ربّ لا نقض لما أبرمته … فارزق العُرب هُمَاماً ذَا شَممْ
بدوي الطبع والخلقِ معاً … حَضَريّ العِلم، غربيّ الهِمم
طابُع (الوحدة) في تاموره … بعد توحيدك مرقوم بدم!!
يخرج البدو فيبْني منهمُ … ثكنَ الجيش كأمثال الهَرَم
يجعل (العرفان) كبرى آيهِ … ويرى (القوة) في الدنيا الحكم
ذلكم (فيصلٌ) فابكوه وقد … غاب عنكم شخصه، والرُّوحِ لم
من إذا ما عزَمَ الأمرَ مضى … وإذا ما أبصر الرأي عزَم
وإذا ما قدمٌ زلّت به … قام يمشي - غيرَ وانٍ - بقدم!
وإذا ما وقف الدهرُ مضى … وإذا ما عبس الدهرُ ابتسم!
стр. 5260
يا مليكاً هاشمياً ما له … غير توحيد شعوب العرب هم
يختم النومُ عليه جفنَه … فيراه في تهاويل الحُلُم!
بِسَناهُ كنت في (سوريةٍ) … مَلِكاً في عرش (أقمار الحكم)
وبه في (ميسلون) استُشْهدت … مُهَجٌ لو لم تقمها لم تَقم
وبه اخترتَ - على كرهِكه - … عرش (بغداد) ولم تأنف ولَم.
واثقاً أنك تشفِي داءه … بطريق الحرب أو طرق السَّلَم
فيصلٌ يَفْسَح للخطب إذا … جاءه لا ينثني، لا يصطدمْ
فإذا الخطب الذي قد أمه … قد تولّى خلفه كالمنهزم!
فيصلٌ لا يعرف اليأس، ولا … يرهب الموت، ولا يخشى الغُمم
فيصل العامل يمتدُّ لَه … أمل النهضة ما امتدّ الألم
فيصل يعمل ما يعمله … صامتاً في غير عيٍ أو سَأم
يسهر الليل تناجيه المنى … من رعى آمال شَعْب لم ينم
هذه (يعرب) ضلَّت سيرها … فهي حيرى تترامى في ظُلِم
بعضها يعثر بالبعض؛ وقد … غرب الطالع، والليل ادْلَهَمْ
وفم (الغرب) - وأخفى شخصه - … جاهداً ينفخ في النار الضرم
أيها الآوي إلى فردوسهّ! … طالما أسهرتَ عينيك فنَم!
لا تخف شراً على العرب، فقد … لَقِنَتْ مبدأك الحُرَّ الأشم
وسرى فيها، فلن يهضمها … طامع أجنبُ، أو طاغٍ صَنَم
ولقد خلّفت فيهم (غازياً) … علَماً يهديهمُ بعد عَلَم
لم يمت من عاش (غازي) بعده … يرفع الملك، وللشَّعث يُلم
قم تهّيأ للقاء (المصطفى) … جدّك المبعوث فينا بالِحكم
فسيدنيك إليه فرِحاً … بمساعيك كباراً والخِدَم
وألق (آل البيت) وأرتع بينهم … في كروم الخلد أمثال النَّجُمْ!
علي أحمد با كثير
стр. 5261
بين الشك والإيمان
الشاعر الإنجليزي بيرون
(١٧٨٨ - ١٨٢٤)
للأستاذ خليل هنداوي
روح هائمة ونفس معذبة طغى عليها الشك في جميع أدوارها، فارتعشت واضطربت وجدفت، وما تجديفها إلا صدى تلك الحرقة الملتهبة في قلب الشاعر الذي يريد أن يزيح ذلك الغطاء عن الحقيقة المحتجبة.
قضى الشاعر طفولته الأولى حراً لا تقرعه عصا الأبوة، لأنه نشأ تحت رعاية أم كثيرة الإشفاق عليه، دخل المدرسة وشيطان الشعر والفن أخذ يوسوس له ويقويه وهو لما يلبس أردية الشباب، فأنفق أيامه يزجي الفراغ متسلياً بالنظم لاهياً بالطرب. وفي هذا العمر الزاهي تسرب إليهالشك ودعاه زهوه إلى الجحود، فجحد باليوم الآخر وحطم قيود التقاليد. ولكن سرعان ما أعياه التفكر في حقائق الوجود وكم أعيت من قبله؛ فتعب من نفسه وهو الرقيق النفس، وتعب من الناس وهو ذو الروح الشاعر.
هجر وطنه وفي خلال هذه الهجرة بدأ ينظم مقطوعته الخالدة (طواف شيلد هارولد)
ومن هو هارولد؟ (هارولد عرفه الناس شر من جاور الناس، يعيش مستقلاً عنهم مزهواً بيأسه، يعرف كيف يتلمس الحياة في زوايا نفسه. كذلك الكلداني الذي أرسل عينيه في النجوم، وما زال يحدق فيها حتى أسكن نجومها المضيئة كائنات مثلها مضيئة، فإذا استطاع أن يرقى بنفسه في هذا الأوج كان سعيداً، ولكن الطين الذي جبل منه يثقل عليه، وتراه - وهو الراغب في النور الساطع - يبتغي أن يهدم السد الذي يحول بيننا وبين السماء، تلك السماء التي تتفتح لنا في أعاليها عوالم مضيئة. وأنه لهائم في منازل بني الإنسان يغلب عليه القلق ويزعجه التعب؛ مظلم النفس كثير الهم كاسف اللون كالصقر المهيض الجناح لا يجد له وطناً إلا الفضاء الفسيح، فيأخذه هيمان يسلبه عقله، فهو يريد إنقاذه منه، فيهيج ويدأب كالطائر الذي يقرع قضبان قفصه فيصبغ كساءه بدمائه، ونفسه السجينة المضطرمة
стр. 5262
أخذت ترتشف هذه الدماء، دماء قلبه. . .)
فأي فتى يتوارى وراء هذه الأبيات؟ هل هو غير الشاعر؟ وكل من قدر له أن يتذوق ما وراءها من يأس ومرارة يحس أن الشاعر لا يستطيع أن يخرج عن نفسه، لأنه يستمد كل عوامل نظمه من نفسه، فلندعه يخلق الأشخاص ويولد الأبطال. فلن ترى وراء هؤلاء كلهم ناطقاً غير الشاعر، ولا قانطاً غير الشاعر، فهو ذلك الفتى النبيل الذي غامر في ملذاته حتى عاده السأم، والسأم داء يقتل في المسرات كما يقتل في الأشجان، فتراه يهجر عالم الإنسان كالمسحور (هائماً وراء أحلام مظلمة، يخنقه السرور ويهفو إلى الشقاء والحزن لأنه يجد فيهما مروحاً عن نفسه، مغادراً وطنه، حاملاً معه إلى المواطن التي وطئها - وهي الأنس ومرابع النزهة - فكرته التي تسعى وراءه كأنها شيطان لاحق به).
عرج على الأندلس ونزل في (أثينا) مدينة الفلسفة، وهنالك استفزته هذه المشاهد التي تحمل طياتها التراث الفكري الذي استلمه الحاضر من الغابر. وهذه المشاهد هي التي أوحت إلى (رينان) صلاته الخالدة، وفجرت في قلب (شاتوبريان)
ينابيع العاطفة والتصور. هنالك وقف (بيرون) إزاء هذه الآلهة المتناثرة على الحضيض، فسخر من الإله الموجود والإله المفقود.
يا أبن يوم واحد! انهض وأدن مني. . . .
أنظر إلى هذا المكان. . . هو وطن شعب، ومأوى آلهة تبعثرت هياكلهم.
الآلهة نفسها تتلاشى، ولكل شريعة أجلها. . .!
بالأمس ساد (جوبيتر) واليوم يسود (محمد) والعصور الآتية ستتخذ لها من مذاهب القوم مذهباً حتى يجيء عصر يجد فيه الإنسان أن ما يضرمه من بخور ويهدره من أضاحي يذهب عبثاً!
أيها الولد الحقير! يا قذفة الشك والموت! يا من يتوكأ رجاؤه على أقدام من قصب. . . .!)
وقف الشاعر إزاء (البريتون) وتحت قبته المنقوبة فرحب بالعدم وجعل عصره خير عصر لنا وغده خير غد لنا. فقال: (هاهنا قبة العقل، هاهنا مأوى النفس. كل ما كتبه القديسون والسفسطائيون والعقلاء، أقادر على أن يعمر هذا الجوب المنعزل؟ ألا إن الراحة تنتظرنا على شواطئ (الأشيرون). هنالك لا يكره الذي شبع من الحياة على أن يستوي على هذه
стр. 5263
المأدبة المملة، ولكن السكون يعد ذلك المرقد الذي يحمل للجالس عليه السبات الأبدي).
ولكن بيرون لم يكن بذلك الجاحد الذي استراح ضميره وأراح، فالحيرة لا تزال تغشاه، والتردد لا يزال يطغى عليه كأنما اتسع قلبه لنوازع يأكل بعضها بعضاً، ويدمر بعضها بعضاً، شأن الذي يركبه الشك، ويتوارى عنه اليقين. وإنما يتميز بيرون من غيره من شعراء الشك بثورة دامية في نفسه يقدم وقودها من قلبه ليحرق بها قلبه، وهو قلب قتله الظمأ إلى اللانهاية، هذا الظمأ الذي عجزت عن إطفائه سواقي الأرض.
قال (لاميني) لزملائه يوماً: أتعرفون ماذا جعل الإنسان أشقى الكائنات؟ هذا لأن له قدماً وضعها في العالم المتناهي، وأخرى في العالم اللامتناهي، وهذه هي حالة بيرون.
ولكن وجه الغرابة في ثورة بيرون أنها اضطرمت في صدره ولما يبلغ الثامنة عشرة، وحق لمثل هذه الثورات أن تثور على مهل لأنها تأخذ غذائها من العاطفة لا من العقل. وقد طغى اليأس عليه وهو مازال في ميعة الشباب ولكن قلبه يخفق ويخفق معلناً (أن الشباب ولى، وأن الحياة بليت، وأن الرجاء نفسه قد أسدل على وجهه حجاباً.)
جاز بيرون بأحد القبور فقال: (يا أحلام طفولتي! كم حسرة تتصاعد مني عليك. أنا لا أستطيع أن أنساك، لأنني أجد ما حولي ظلمات متراكماً بعضها على بعض، لا شيء أعز على قلبي منك يا شعاع الماضي.)
وكتب وهو في فينوس (إنني سأنفق شبابي حتى ينفد، وبعدئذ أقول: عمي مساء أيتها الحياة، فقد عشت وكنت مسروراً.)
ولكن يا له من سرور! وهو القائل (أتيقظ في كل صباح وبي يأس وسآمة من كل شيء حتى من الذي يبطن سهدي بالسرور.)
مم يشكو الشاعر؟ وما هي الأسباب التي أورثت قلبه هذه السآمة وهو ممن لم تعوزهم أسباب الهناء، ولا ممن نزلت بهم حوادث الدهر، وهذه المواطن التي جابها في سياحته تشفي البائسين وتداوي أصحاب الهموم، ميدان الهوى أمامه رحب الفناء، ومجال الحرية والمجد والبراعة واسع الفسحة، فأية سعادة يطلبها، ويلح في تناولها، ويشقي نفسه في تتبعها، وأين يجب أن يتحرى عنها إذا لم يجدها هنالك؟
قد علل بعض النقاد أسباب هذه المظاهر بإفعام نفسه بالسرور الذي يخلق السأم، ولا عجب
стр. 5264
إذا قتل السرور الكثير صاحبه كما يقتل الحزن صاحبه، ولنسمع الشاعر نفسه يعلل هذه السآمة قائلاً:
(وا أسفاه! عواطفنا الفتية تذوب ضائعة، حيث لا تنتج إلا قفراً فارغاً، ولا ينبت منها إلا أشواك مؤذية. . . ونبات بقدر ما يروق للعين منظره، يؤذي القلب ويؤلمه. وأشجار يقطر منها السم القاتل، هذه الأشجار التي تولد تحت أقدام الأهواء.
أيها الحب! لست أنت من سكان هذا الوجود! أيها الساروفيم الذي لا يرى، نحن نؤمن بك. أنت شريعة أصحاب القلوب المنكسرة فيها، هم الشهداء، ولكن العين لا تراك، ولن تراك بحقيقتك.
الحب هو هذيان، وهو جنون الشباب، لكن علاجه أمر من عذابه، وعند ما نرى تلك الجواذب تتلاشى الواحدة بعد الثانية من أصنامنا الغرامية، وعندما نرى تلك الروعة التي كانت تتمثلها مخيلتنا في حالة التسامي قد زالت، فسرعان ما يذهب هذا الانجذاب عنا، وبعد أن زرعنا الريح لم نحصد إلا العاصفة.
يأتينا الذبول ونحن في فجر العمر. . . نشقى ونسأم ونسعى إلى الغاية، والغاية تمعن في الفرار. . . وظمئونا لا ينقع غلته شيء. . . وفي اللحظة الأخيرة، ونحن على حافة القبر يعودنا خيال جميل هو خيال السعادة التي تحرينا عنها في مطالع الحياة، ولكنه زاد متخلفاً، وجاد بالوصل حين لا ينفع الوصل، فنذوق الشقاء مرتين. . .
الحب والطمع والبخل، كل هؤلاء سيء، ما هي إلا شهب واحدة تجيء باسم واحد. والموت وحده هو الدخان القاتم الذي يطفئ نارها.)
ما أدنى هذه العواطف من القلب، لأنها ما خرجت من قلب إلا لتدخل في قلب. . . ولكن بيرون المظلم قلبه ما وجد على الأرض إلا الظلام؛ وما أبصر إلا خيال السعادة مولياً أمامه، فقيد الحقيقة - التي هي حقيقة الدهر - بهذا الخيال. وهو الشاعر قبل أن يكون فيلسوفاً. ولكن هل كل جمال مآله الزوال؟ أكل حب يستقي من نبعة واحدة، فهنالك أنواع كثيرة لجمال يزول وجمال يبقى، وحب يتلاشى وحب يحيا، فبأي نوع قيد الشاعر سعادته؟
هاهو حائر كيف يقضي أعوامه هنا؟ وكيف يستقبل ذلك العالم الهامد؟ يأتيه الضجر فيبدع أشخاصاً وأبطالاً تغلي فيهم نزعة الضجر لأنهم يستمدون عواطفهم من عاطفته.
стр. 5265
فهذا (ما نفرود) يملك عليه السأم، سأله الجني: ماذا تتمنى؟ فأجابه: النسيان، نسيان نفسي.
وهذا هارولد كان يدعى: (الفتى السائم من الوجود) وهذا (جيور) كان لا يجد أقفر من صحراء القلب الفارغ.
وأخيراً آل به هذا الشك إلى جحود كل شيء، فخلا قلبه من الحب وفرغ من الأمل. واستحالت كل هذه الصفات النبيلة إلى كره للبشر، وهل في استطاعة من كرههم وأوسعهم ذماً أن يبدلوا ظلمة قلبه نوراً إذا لم يكن النور ابن قلبه؟
لنصغ إليه وهو يحدثنا عن الناس (هل أعود إليهم كرة ثانية أتحرى عما يرجوه قلب هادئ في هذه المواطن التي يغلب فيها إنهاك أصحابها في المنكرات، وحيث الضحكات ترتفع عبثاً لتخفي حقيقة القلب. هذه الابتسامة هي تؤلف أخدوداً لدمعة طافرة ستنسكب).
لم يستطع أن يحمل نفسه فطار بها في الآفاق يسليها بالوحدة فطابت له حياة منعزلة تقصيه عن الناس في مواطن آهلة بالجيال التي يدعوها أصدقاءه، منتحياً عن قوانين وحكومات أقسم ليكرهنها حتى يقضي نحبه.
وكان هذا الألم قد أكسبه قوة ومناعة (أما الجمل فإنه يحني ظهره تحت الحمل يمشي ساكتاً، والذئب يموت ساكتاً، ونحن الأولى تسمو جبلتنا على جبلتهم، لنتعلم أن نتألم مثلهم)
ويقول بلسان أحد أبطال روايته (إنني شبيه بهذه الريح المشتعلة التي لا تسكن إلا الصحراء، ولا تهب لوافحها إلا على الرمال. . الأسد وحده أتخذه لنفسي مثلاً) وبمثل هذا الكبرياء حلى بيرون أبطال رواياته، وجعلهم ناقمين ثائرين غير راضين عن الوجود، فأتعب نفسه كثيراً وأتعبهم كثيراً. فإذا كان القعود عن الشيء يعد عجزاً فإن التحليق فوق حدود الإمكان ما هو إلا ضرب من ضروب العجز، وأن يرفض الإنسان الوجود رفضاً باتاً بحجة نقصه، وأن يهرب منه ومن أصحابه بداعي هذه الحجة هما من نقائص النفس التي تستر عجزها وترددها وراء هذا التهور الفارغ.
هذا هو الوجود؛ إن وجدت فيه الجميل فاملكه، وإن وجدت القبيح فحسنه وأصلحه، وإياك أن تعف عن الأول بسبب الثاني، لأن قوانين الحياة قاسية تسحق من يحاول أن يسحقها. هكذا أرادت أن تكون، وهكذا تريد أن تمشي.
وفي النهاية لا تجدي هذه الكبرياء شاعرنا شيئاً، فهو تعس يود أن يعترف بتعسه لنه لا
стр. 5266
يستطيع أن يمشي كالجمل ساكتاً أو يموت كالذئب صامتاً. فيقول:
(ما أشد تعسي؛ أيامي أمست تجري على وتيرة واحدة، وليالي اقضيها بالسهاد، لا أخالط المجتمع البشري إلا قليلاً، إذا جاءني أحد منه لذت بالفرار. . إنها لحال مؤلمة لا ينقذني منها إلا الجنون)
كل هذه الأهواء الصاخبة، والأنات المتصاعدة يرسلها الشاعر وراء محبوبته، الحقيقة. . ولكن أين يجدها؟
(بيروت)
خليل هنداوي
стр. 5267
العلوم
١ - التلفزة في عهدها الأول
للأستاذ محمود مختار
بكلية العلوم
مقدمة:
ليس لعالم اللاسلكي حد ينتهي عنده. فهو يأتينا كل يوم بمعجزات لم تخطر على قلب بشر. فما كاد وليده بالأمس يكبر ويترعرع ويلعب دوراً جدياً في الحياة يملأ الدنيا بهجة وسروراً بما ينشر من موسيقى شجية وأحاديث عذبة ومسامرات طريفة، أقول ما كاد هذا الوليد يكبر حتى قال الإنسان الطماع (لو أن لي أن أرى ذلك الذي يشجيني بتلك الموسيقى، ويبعث إلي بأحاديثه. لو أن لي أن يكشف عن بصري كما كشف عن سمعي. إذاً لكنت إنساناً آخر). وسرعان ما وصلت هذه الأحلام إلى العقل البشري الجبار حتى يقوم لفوره يقول (ليس في الوجود معنى لكلمة مستحيل) فلم تكن كلمته محض هراء وهو الذي لا يلقي الكلام جزافاً.
ففي سنة ١٩٢٦طلع علينا العالم الإنجليزي الكبير جون بيرد بجهازه الأول في عالم التلفزة وعرضه بالمعهد الملكي في لندن ونقل به صوراً لأجسام بسيطة كانت موضوعة بغرفة مجاورة. وبالرغم مما كانت عليه الصورة المتلفزة من صغر واهتزاز وعدم وضوح، كانت فكرة جبارة جريئة شغلت العالم بعدها وملأت الرؤوس فقام الكثير يعمل على تحسينها وإنمائها فلم يمض عليها بضعة أشهر حتى قامت مصلحة التلفونات والتلغرافات الأمريكية بعرض هائل لتلفزة بعض الجسام ما بين واشنجتون ونيويورك، وقد كان من بين من اشترك في هذا العرض ما لا يقل عن ألف مهندس كهربائي.
تخطى الوليد دور المهد بعد سنوات ثلاث تحت رعاية مخترعه الأول الذي تمكن من إذاعته مع أخيه الأكبر بنجاح تام من محطة للإذاعة اللاسلكية في لندن على موجتين مختلفتين كما استقبلهما بجهازين منفصلين أيضاً.
ولأترك الآن النقطة التاريخية في الموضوع لأنتقل إلى شرح جهازي بيرد للإرسال والاستقبال كل على حدة. ويلاحظ أن التلفزة يقصد بها إرسال الصور الثابتة أو الأجسام
стр. 5268
المتحركة على حد سواء كما يمكن أن تنقل بواسطة أسلاك أو بدونها.
وتأخذ عملية الإرسال ثلاث خطوات. نبدأ أولاها بتقسيم الجسم المتلفز إلى مساحات صغيرة، وثانيتها بتحويل الأضواء المنعكسة من هذه المساحات إلى دفعات كهربائية، وثالثتها بتكبير هذه الدفعات وإذاعتها على التعاقب بواسطة أسلاك أو بالأثير إلى جهاز الاستلام.
وللاستلام خطوات ثلاث أيضاً هي بنفسها خطوات الإرسال مأخوذة في الاتجاه العكسي. فتبدأ باستقبال هذه الدفعات الكهربائية من الأثير وتكبيرها ثم تحويلها إلى دفعات ضوئية، ثم أخيراً جمعها وإعادة تركيبها لتخرج صورة الجسم المتلفز.
ولأبدأ ببحث كل من هذه الخطوات على حدة متدرجاً من أبسط الأجهزة إلى ما تطور منها.
جهاز الإرسال
فلتحليل الجسم المتلفز - ولنفرضه الصورة أ١ أ٢ ي٢ ي١
شكل (١) - يستعمل القرص المثقب ويكون عادة من معدن
خيف كالألمونيوم ويبلغ قطر دائرته حوالي ٤٠ سنتيمتراً
ويحوي قرب حافته المستديرة ثلاثين ثقباً صغيراً مربعاً تقع
على منحن على شكل لفة مفردة من حلزون صغير الزاوية
كما هو مبين بالشكل، ويوضع الجسم المراد تلفزته خلف هذا
القرص كمايوضع أمامه ضوء قوي من قوس كهربائي.
ويكون موضعي الجسم والضوء بحيث أن الخط الواصل
بينهما يكون متعامداً على مستوى القرص وماراً بأحد ثقوبه.
ويدار هذا القرص بسرعة منتظمة قدرها ١٢ ١٢ دورة في
стр. 5269
الثانية بواسطة محرك كهربائي مركب على محوره.
ولنفرض الآن أن القرص في موضع بحيث أن شعاع أضوء المر من المربع (١) يقع على النقطة (١١) على الجسم فيضيئها، وتعكسه هذه بقوة تتناسب مع قدرتها على العكس، فإن كانت قاتمة كانت نسبة الانعكاس صغيرة، أو ناصعة كانت نسبتها كبيرة. فإذا تحرك القرص في اتجاه بحيث يحمل معه المربع (أ) إلى أعلى تحرك تبعاً له شعاع الضوء الساقط على الجسم إلى أعلى فيضيء على التعاقب نقطاً من الجسم تقع على خط رأسي حتى إذا ما انتهى عند حافة الجسم العليا عند (أ ٢) بدأ شعاع آخر يخرج من المربع ب ويقع على الجسم من أسفل عند (ب١) الملاصقة للنقطة (أ١) وهذا هو الغرض من وضع ثقوب القرص على لفة من حلزون حتى يكون كل ثقب مزاحاً عن سابقه بقليل بحيث يرمي شعاع الضوء الخارج منه على نقط ملاصقة لنقط الثقب الذي قبله.
فإذا ما أتم القرص دورة كاملة شاهدنا ظهور الضوء أولاً عند (أ١) ثم سيره إلى (أ٢) ثم اختفاءه وظهوره ثانياً عند (ب١) وسيره إلى (ب٢) ثم اختفاءه وظهوره عند (جـ١) وسيره إلى (جـ٢) وهكذا حتى (ي٢) وبذلك تكون كل نقط الجسم قد أضيئت على التعاقب، ويمكن أن نشبه حركة النقطة المضيئة على الجسم بحركة العين عندما تقرأ كتاباً كتبت أسطره في اتجاه من أسفل إلى أعلى.
وعند ما يأخذ القرص سرعته العادية (١٢ ١٢ دورة في
الثانية) لا يمكن للعين أن تتبع حركة هذه النقطة المضيئة على
الجسم بالتفصيل، ولا حتى هذه الخطوط الرأسية المتلاصقة
المتتابعة. بل سيخيل إليها أن الجسم كله مضاء إضاءة واحدة
منتظمة من مصدر واحد مستمر.
ويوضع عادة بين الجسم والقرص عدسة لامة تعمل على جمع الأشعة الخارجة من الثقب على نقطة واحدة من نقط الجسم كما يغطي مصدر الضوء حتى لا يتسرب منه ضوء إلى
стр. 5270
الجسم بطريق غير طريق الثقب.
وقد وجد أن هذه الطريقة تستلزم مصدراً ضوئياً قوياً إذ أن الجزء الساقط منه على الجسم صغير، وهذا يسبب قلة استضاءة الجسم. هذا فضلاً عن أن هذه الطريقة تستلزم أيضاً وضع الجسم المتلفز في ظلام حالك لا يتسرب إليه أي ضوء خارجي وذلك مما يمنع تلفزة أجسام موضوعة في ضوء النهار. فنقحت هذه الطريقة بإضاءة الجسم ذاته من مصدر الضوء ثم وضع عدسة أمامه لتكون له صورة تقع على حافة القرص المثقب. بحيث لا يمكن أن تغطي أكثر من ثقب واحد في أي موضع من مواضع القرص كما هو مبين بشكل (٢) ففي أي موضع من مواضع القرص ينفذ من ثقب واحد منه شعاع ضوئي تتناسب شدته وشدة استضاءة نقطة الصور الباعثة له. وبحركة دوران القرص يسير كل ثقب على الصور على التعاقب في اتجاه رأسي من أسفل إلى أعلى حتى إذا ما خرج من حافة الصورة العليا بدأ الثقب الثاني له يظهر في أسفل الصورة ليمسح من الصورة خطاً رأسياً آخر يلاصق الأول وهكذا حتى إذا ما أتم القرص دورة كاملة أرسلت من ثقوبه على التعاقب أشعة تمثل في شدتها وضعفها شدة استضاءة نقط الصورة كلها.
وفي السنوات الأخيرة استبدل هذا القرص المثقب بعجلة على شكل الطبلة تتثبت على حافتها الخارجية مرايا مستوية صغيرة بعدد ثقوب القرص تميل كل منها بزاوية صغيرة جداً على سالفتها شكل (٣) فتعكس الضوء الساقط عليها من المصدر على نقطة واحدة من نقط الجسم بمساعدة عدسة لامة وبدوران العجلة تمسح أشعة الضوء المنعكسة من المرايا المتعاقبة الجسم المتلفز بطريقة تشبه تمام الشبه الطريقة الأولى للقرص
كذلك استعمل لنفس القرص حلزون المرايا وهو شكل ثان لطبلة المرايا. وميزة أجهزة المرايا هذه أنها لا تشغل فراغاً كبيراً.
وبأي طريقة من الطرق السالفة لتحليل الجسم المتلفز إلى نقط
صغيرة نجد أن كل عملية التحليل لا تستغرق سوى ١ من ١٢
١٢ جزءاً من الثانية كما أسلفت. ومعنى هذا أنه يرسل للجسم
١٢ ١٢ صورة في الثانية الواحدة. فأن كان متحركاً اختلفت
стр. 5271
كل صورة عن سابقتها اختلافاً طفيفاً بحيث أنه عند عرضها
في جهاز الاستقبال بنفس السرعة ١٢ ١٢ صورة في الثانية
تظهر للرائي حركة الجسم كما هي الحال في ظهور حركته
بواسطة آلة السينما مثلاً.
هذه الأشعة المنعكسة من الجسم المتلفز في حالة القرص الأولى أو المارة من ثقوب القرص في حالة طريقة القرص الثانية أو المنعكسة من المرايا في جهاز طبلة المرايا أو حلزون المرايا. كل هذه الأشعة تتحد في خاصية واحدة كما أسلفت، وهي أن كلاً منها تمثل في تغيراتها من حيث الشدة والضعف اختلاف نقط الجسم المتعاقبة من حيث الضوء والظلام. وعند هذه تنتهي الخطوة الأولى من خطوات الإرسال.
هذه الأشعة الضوئية المتعاقبة التي حصلنا عليها. نريد الآن أن نحولها إلى دفعات كهربائية تختلف شدة وضعفاً تبعاً لاختلاف شدة هذه الأشعة. وهذه هي الخطوة الثانية من خطوات الإرسال.
العين الكهربائية أو ما نسميها علمياً بالخلية الكهرضوئية هي المحور الأساسي والجزء المهم في جهاز عرض السينما الناطقة. ولها أنواع كثيرة منها ما هو مبين بشكل (٤). وهي عبارة عن انتفاخ زجاجي مفرغ من الهواء أو به غاز مخلخل وتحوي قطبين بداخلها، أحدهما يبطن الزجاج من الداخل ويسمى الكاثود ويكون عادة من معدن البوتاسيوم، أو الصوديوم، أو الربيديوم أو السيزيوم. والقطب الآخر وهو الأنود، ويكون عادة على شكل سلك رفيع في وسط الانتفاخ. ويوصل الأنود هذا بالطرف الموجب من جهد كهربائي عال يتراوح بين١٠٠ و١٥٠ فولتاً، ويوصل الكاثود بطرفه السالب. ولهذا الكاثود خاصية غريبة، وهي أنه إذا ما سقط عليه ضوء انبعثت منه ألكترونات واتجهت نحو الأنود، وتسبب تياراً في دائرته تتناسب قوته مع شدة الضوء الواقع على الكاثود.
فإذا ما سلطنا الأشعة الضوئية المتعاقبة التي حصلنا عليها سابقاً من تحليل الجسم على كاثود هذه الخلية سببت تيارات كهربائية في دائرة الخلية تتغير تبعاً لاختلاف نقط الجسم
стр. 5272
المتلفز بالنسبة للضوء والظلام، وتكون هذه التيارات عادة ضعيفة جداً، أي إنها لا تتعدى بضعة ميكروأمبيرات (الميكرو أمبير يساوي واحداً من مليون من الأمبير). لذلك كان من الواجب تكبيرها قبل إرسالها، وهذه هي ثالثة خطوات الإرسال.
أما كيفية تكبيرها وإرسالها فهذا موضوع آخر يختلف تمام الاختلاف في بحثه عن موضوع اليوم. وهو موضوع قائم بذاته يتطلب دراسة وافية لعلم الصمامات. فكل ما يهمنا الآن هو أن نعلم أن هذه التيارات الكهربائية المتغيرة المارة في دائرة الخلية الكهرضوئية تؤخذ إلى هذا الجهاز المكبر ومنه إلى جهاز الإذاعة حيث تذاع في الأثير بنفس الطريقة التي تذاع بها الأمواج اللاسلكية. ومن ثم إلى جهاز الاستقبال وموعدي به الرسالة القادمة.
محمود المختار
стр. 5273
الضيف. . .
بقلم الأستاذ محمد سعيد العريان
ود توفيق لو يهجر المدينة وأهلها ويقطع صلته بالناس فترة من الزمان، فإنه ليجد لذة ويحس أنسا أن يفارق هذه الصور التي يطالعها وتطالعه كل صباح ومساء، لقد أطافت به نوبة من الضيق والملل حتى لا يلقى أهله إلا بوجه عابس وطلعة متجهمة، ودق حسه حتى أصبح سريع التأثر قريب الانفعال. وكان في إجازة طويلة، والجو حار يهيج الأعصاب ويثير النفس ويبعث على السأم؛ وإنه ليعيش بين أهله ولكنه يشعر بالوحشة والانفراد فلا طاقة له على البقاء في البيت ساعة من نهار، ولا يجد في القهوة ما يسلي نفسه ويشغل فراغه؛ وقد هجره أصدقاؤه جميعاً إلى المصايف أو إلى بلادهم وخلفوه ونفسه يصارع الهم والوهم والوحدة والألم. .!
وتصورت في خياله القرية التي مس ترابها جلده منذ ربع قرن، والتي لا يذكر - لبعد العهد - متى هاجروا منها إلى المدينة، ولمه. . . لاشك أنه سيجد هناك من جدة العيش وطرافته ما يحمل عن صدره أثقال الهموم، ويهدي إلى نفسه الموحشة بعض الأنس والهدوء والدعة.
وتراقصت أمام عينيه صور جذابة من حياة القرية ويسر الحياة فيها بعيداً عن أسر التقاليد وتكاليف الحضر؛ وحضرته ذكريات حلوة من زياراته القليلة لأخته في القرية، فذكر مجالسه مع شبانها على حافة الساقية تحت شجرة التوت الغليظة تساقط عليه ثمراً شهياً، ورياضاته في جلبابه الفضفاض تحت المعطف الأبيض على شاطئ الترعة وبين الحقول، يتملى بجمال القرويات غاديات رائحات من الترعة وإليها أسراباً يجررن الذيول، ويحملن الجرار على رؤوسهن، ويهمسن بالغناء الساحر تسيل في نبراته الرقة والعذوبة والحنين. وذكر مجالس الأنس والسمر في الليلة المقمرة على مصطبة الدار، وحديث القرويين ينتقل في لذة وسحر بعيداً عن التزويق والإدعاء الفاخر. . . وزهته مظاهر التبجيل والاحترام التي تحوطه هناك.
وفي اليوم التالي كان القطار يغذ السير بتوفيق إلى القرية، وقد أشعل بين إصبعيه دخينة وسبح في أحلام لذيذة بهدوء القرية وسحر بناتها. . .
стр. 5274
وتلقته أخته بالترحيب والعناق، وجلست إليهقليلاً تحدثه ويحدثها، ثم تركته لتهيئ له الطعام بيدها، طعام القرية الشهي الدسم اللذيذ. وتوافد عليه عارفوه وشبان أسرته يحيونه ويتجاذبون وإياه أطراف الحديث يقطعون بين فتراته بالتحية المكررة والسؤال عن الصحة والأحوال. . .
وخرج معهم في العصر يطوف بأزقة القرية يتعرف إلى الوجوه والأبنية. واخترق سبلاً وعرة بين الحفر وكومات السماد، وبيوت متواضعة متقاربة كأنما تدانت للعناق. وانتهى به المطاف في دار له بها عهد، لأن صاحبها من ذوي قرابته، واجتمع لفيف من شبان القرية وشيوخها يبعثون التاريخ، ويتناولون شتى الذكريات، ويخوضون في كل حديث، ويتبادلون أنباء القرية وحوادثها، وأنباء السياسة أيضاً، وإن لهم في السياسة أحاديث لا تخلو من حكمة وبعد نظر.
وأعجب توفيق بحديثهم كما تعجب بحديث الطفل، فأنصت إليهفي لذة وأنس، كما يستمع السائح المؤرخ إلى خرافيات دليله الجاهل عن سر أبي الهول وأطياف وادي الملوك.!
وأديرت فناجين القهوة وانعقدت في جو الغرفة سحائب الدخان، واشتد الحر وأسال العرق على الجباه؛ وشعر توفيق أنه يكاد يختنق وأن أعصابه تخونه، وهم بالانصراف ولكنهم ألحوا عليه أن يجلس فجلس، وأخذوا في حديث الشياطين والجن، فراح كل واحد منهم يحدث بما سمع وما رأى! وتفننت عبقرية الجهل في اختراع القصص المروعة والروايات الغريبة، وطفقوا يعددون الشياطين بأسمائها وحوادثها وضحاياها. . . وأشار (الشيخ) بيده فأنصتوا ومالوا برؤوسهم إليهوقد أخذ يرقص شاربه وترتجف شفتاه في انفعال عصبي، وشرع يقص على الحاضرين قصة العفريت الذي كان يتسور عليه البيت وهو شاب ليالي متتابعة، فيقاسمه طعامه وشرابه وفراشه أيضاً فلا ينصرف إلا مع آذان الفجر، والزنجية الحسناء التي كانت تصحبه ليالي فتحتل موضعه من الفراش، وتضطره أن يقضي الليلة معقودة يداه خلف ظهره ورأسه بين ركبتيه إلى حائط الدار، ثم لا يفارقه العفريت وصاحبته قبل الصباح إلا بنفحة من دراهم، أو عصوين من نار تلهبان ظهره، جزاء رضاه أو سخطه على ما يصنعان. .!
وكان حديثاً غريباً على الضيف فحاول أن يتفلسف وينكر ويعلل، ولكنهم أنكروا منه ذاك،
стр. 5275
وطلبوا إليهالتسليم أو يتعرض لغضب الشياطين وأذاهم، وكانت أعصابه مهيئة للتسليم فسكت، واستمروا يتحدثون. وأحس رعدة خفيفة تتمشى في جسده فسحب رجليه في هدوء فدفنهما في أطراف ثيابه، وجمع يديه في حجره ومال إلى المحدث يستمع إليه هادئاً منصتاً في شبه إيمان. لقد حطمت هذه الليلة الصاخبة أعصابه، وهاجت وساوس نفسه المريضة.
وانتهت السهرة ولكن صاحبنا ظل جامداً في مكانه لم يهم بالقيام حتى دعوه، فنهض كسلاً متراخياً يكاد يسقط من إعياء.
وشيعوه إلى دار أخته، وهو سارٍ بينهم يتعثر في أوهامه. . ووجد أهل البيت نياماً فلم يبق ساهراً إلا مصباح ضئيل موقد في الردهة يرقص لهبه على عزيف الهواء وكان يعلم أنهم أعدوا له غرفة في الطبقة الثانية فصعد في السلم بطيئاً متثاقلاً يتلفت بين الخطا والمصباح في يمينه، ودفع باب الغرفة بيسراه فسمع صوتاً يشبه أنين المستصرخ، فأدار ظهره في فزع ليرى من هناك ولكنه لم يجد شيئاً، وعاد يدفع الباب فسمع حشرجة خشنة، ثم سمع ضحكة بشرية ناعمة. .!
ووقف في وسط الغرفة يقلب بصره بين زواياها في رعب وفزع، وكانت به رغبة في التدخين، ولكنه لم يجرؤ أن يذهب إلى الغرفة الثانية - حيث أودع حقيبته - ليستحضر بعض التبغ. وخلع نعليه وهو جالس على حافة السرير ويداه ترتعشان، وتتجاوب في أذنه أصوات غريبة تفزعه وتسلبه الطمأنينة. ودفن نفسه في الفراش، واستلقى على ظهره وقلبه يدق دقات عنيفة، وكأن يداً غليظة تقبض على عنقه، وأشباحاً خفية تطيف به.
وكان يعلم أنه ليس فوق السطح غير أكداس من الحطب والوقود، ولكنه أحس دبيب أقدام، وسمع أصوات غريبة هامسة ليست من صوت البشر! أتراه أغضب الشياطين فأرسلوا إليهعفريتاً ينتقم منه؟
وضاقت أنفاسه، واضطرب فكره، واشتد ضغط الوهم على صدره، وهم أن يصرخ ويستنصر، ولكن صوته احتبس ولم يتحرك لسانه. وشبه له أنه يرى شبحاً من الضباب في شكل غير إنساني - وإن كان يمشي على رجلين - ينسل من النافذة مع ضوء القمر، ويشير إليهبالصمت في إنذار وتهديد!. . وسحب الغطاء يخفي عينيه في حركة آلية، ولكنه أحس شيئاً بارداً يلمس أطراف قدميه، فاستوى جالساً وأفلتت منه صرخة مكتومة. وتوارت
стр. 5276
الأشباح فلم يعد يبصر شيئاً، ولكن همهمة غير مفهومة، ودبيباً وهمساً وأصواتاً غريبة كانت تصك أذنه من بعيد. واستلقى ثانية على الفراش وهو يحدق في الحائط الذي أمامه تحديق الخائف المذعور، فقد أبصر ظلاً أسود مطبوعاً عليه يحرك رأسه ويشير بيديه كأنه يتحدث إلى شخص بعيد. وود توفيق أن ينظر إلى ما وراء ليرى المشار إليه، ولكنه خاف؛ واستمر الهمس والدبيب يرنان في أذنيه، وتتراقص الرؤى والأشباح أمام عينيه، فلم ينم ليلته؛ وفي الصباح مع أول خيط من ضوء النهار كان جالساً في فراشه يصفق بيديه في عنف يستدعي الخادم، ودخلت أخته تحييه، فراعها ما رأت في وجنتيه من صفرة الخوف وإعياء السهر، وقالت له:
(توفيق ماذا بك؟)
- (لا شيء، ولكني مسافر اليوم فأعدي لي ركوبة إلى المحطة)
- (مسافر؟ ولكنك عرفتني أمس أنك قد تمكث لدينا شهراً، فلماذا غيرت رأيك؟)
- (لاشيء، لاشيء، قلت لك لاشيء. إن حقيبتي في الغرفة الثانية!.)
وآلمتها لهجته فمطت شفتيها آسفة وخرجت تنفذ ما أمر به، ثم عادت تسأله:
- (حدثني يا توفيق، هل تألمت من شيء هنا؟)
- (لا، ولكني لم أخبر أمي أمس أني مسافر، فأخشى أن يقلقها غيابي أو يألمها.)
- (ليتك لم تحضر يا توفيق!) وانصرفت لبعض شأنها.)
وحين تناول توفيق حقيبته من حيث وضعها أمس أفلتت منها ورقة فظنها سقطت منه ودسها في جيبه قبل أن يقرأها.
ولما جلس في القطار وضع يده في جيبه ليخرج شيئاً فعثر بالورقة، ونشرها بين أصابعه يقرؤها. . . وضحك توفيق وشاع في وجهه السرور حين عرف ما هناك؛ لقد كانت أخته تربي له ماعزة ولوداً، فكتبت له هذه الورقة أمس تخبره أن في ضيافة ماعزته فوق السطح جدياً فلا يفزعه دبيبهما ريثما ترد الجدي إلى صاحبه في الصباح. . .
لقد خاف توفيق وفزع ليلته لأنه كان يظن أنه وحده ضيف البيت. . .!
محمد سعيد العريان
стр. 5277
٦ سافو
لأوجيبه اميل
ترجمة الأستاذ محمود خيرت
حنا - إن الشتاء قارس هناك فلم لا تقصدين إلى باريس؟
سافو - وماذا أعمل فيها وأنت بعيد عني. ثم إنني ما عدت أجد في الوسط الذي كنت قديماً فيه غير أسباب الأسى والهم. ولقد امتلأت يدي منك فحسبتها امتلأت من حب كتب له الدوام، وما لبثت امرأتك أكثر من سنة. عد يا حنا فتعود تلك الأيام من جديد، وتعود السعادة فتملأ جوانب قلبك وقلبي. تعال معي وسأكون كما تريد محبة طائعة، وسأفتح لك صدري وأنزلك في عيني. تعال إنك لازلت تحبني. رق لحالي فليس غيرك يروي ظمئي وينسيني همي
حنا - لا يا فتى لم يعد هذا في طوقي
سافو - ولمه؟
حنا - لأنني لا أريد!
سافو - وآلامي وعذابي؟
حنا - وماضيك؟ (مبكتاً)
سافو - (وقد ملكها اليأس) الذنب فيه على الأيام. ومع ذلك ألم يمت؟
حنا - بل هو حي يحول دون كل أمل في الحياة معك بغير عذاب ودون كل أمل في الحب بغير ريبة وعار. على أنني سأرحل
سافو - قل إنهم هيأوك للزواج وأنت تسخر من دموعي وتلتذ على حساب ألمي. لقد حطمت قلبي ونثرت البقية الباقية من رجائي
حنا - (بشدة) ماذا؟
سافو - سامحني فما عاد لي أمل واحد هو أنت.
حنا - وهو وا أسفاه أمل ضائع!
سافو - إنني أحييك يا حنا. أحبك ولن أجد سواك يملأ فراغ قلبي. رق لحالي. إرحمني، إنني أجثو عند قدميك
стр. 5278
حنا - (وهي تحاول وقد تزعزع صوابه) فني!
(هنا يدخل سيزار وديفون فجأة)
سيزار - كفى يا ولدي وتعال
حنا - آه يا أبي. . .
سافو - لا. لن أصبر على بعده (تتعلق به وأبوه يجتذبه فتدفعها أمه)
ديفون - (لها) دعيه واذهبي من هنا
سافو - ولكن من أنت؟
ديفون - أنا أمه
سافو - آه سامحيني فما كنت أعلم يا سيدتي
(تمد ساعديها نحو حنا وأبوه يجره وهو يلتفت إليها وهي تبكي) ها أنا ذاهبة يا حنا
ديفون - (لا تستطيع أن تنظرها وهي على هذه الحال) آه يا مسكينة
стр. 5279
الفصل الخامس
(الفصل شتاء والمنزل في أفري ويظهر منه غرفة لها باب به
مربعات)
(من الزجاج يطل على الفضاء وقد كساه الثلج)
سافو - (حزينة مفكرة ثم تنشد)
حال عهد الهوى … بعدما تبسمْ
فهو حلٌم حوى … يَقظة الألم
وكؤوس المُنى … في سنا القبلْ
جرعتني العنا … من يد الملل
واستبدَّت معي … قسوة القدَرْ
فجرت أدمعي … تشبه المطر
ها حبيبي هجَرْ … إِنَّ هجرَهْ
مثل وخز الإبَرْ … ما أمرَّهْ
ليته أنصفا … قبلما رحَلْ
يا فؤادي كفى … أخطأ الأملْ
(بعد سكوت)
سافُ هنّي فأكرمي … ساعة الواجب
إنَّه مهجتي. دَمي … طفلِيَ الغائب
قم فقّبله يا فَمِي … قبلة التائِب
علً طُهَر السّنينْ … الذي ما عَرفْ
أين قلبي. يزين … قلبه بالشرف
فإلى الواِجبْ … عقَّنِي الصاحِبْ
حنا - (يدخل فجأة) فني؟
فني - (ذاهلة) أنت؟
стр. 5280
حنا - نعم فلقد خانني جلدي ولم أقو على البعد
فني - وعدت
حنا - ساءتك إذن عودتي؟
فني - ولكنني سأرحل يا حنا فأولى لك أن تنسى
حنا - (فاقداً صبره) نعم ترحلين. ولكن إلى غير صدري
فني - قسماً بك لا
حنا - إنني حطمت من أجلك قلبي وأهلي وأعزائي ومزرعتنا والغابة والنهر وكل ما هو عزيز عليّ. وكذلك أمي التي كانت في منتصف الطريق تستبقيني وتبكي. وبعد هذا كله ترحلين وتطلبين إلي أن أنسى. اذهبي إذن. اذهبي ولا تطيلي ساعة عذابي.
سافو - (منتبهة) لازلت تحبني. إذن أبقى وأعبدك يا حنا (يتعانقان ويلبثان هكذا برهة)
ولكن ما لوجهك مصفراً يا بيبي
سافو - ماذا قلت. إن هذه الكلمة تعيد إلى ذهني تلك الذكريات الأليمة
حنا - (باكية) هكذا طاب لك أن تعذبني من جديد.
فهل لهذا عدت إلى من كنت تلتمس قبلة العفو عند شفتيك.
سافو - لقد أخطأت يا فني فاحملي ذلك على جنوني
(يذهب فيرتمي فوق مقعد وقد خارت قواه)
سافو - لا بأس عليك فإن شفتيك تختلجان وعينيك تصهرهما الحمى
حنا - خانتني قواي وما نمت إلى الآن
سافو - إذن نم يا حبيبي
حنا - ولكن إلى جانبك
سافو - بل عند صدري
حنا - (ينام ورأسه عند صدرها) آه لو تعلمين كم أحبك
سافو - إنس تكن سعيداً
حنا - نعم إن السعادة في النسيان (ينام)
سافو - ولكن كيف نسيت. خير لي أن أرحل من الآن
стр. 5281
(تتخلص منه وتسند رأسه فوق وسادة)
حنا - (حالماً) زوجتي. . .
سافو - (تضطرب وتنحني عليه) هل أستيقظ؟ لا.
(تبتعد رويداً نحو الباب وهي تنشد بصوت خافت)
ساعة الرحيل - ساعة العذاب - شتت فكري
أيها الجميل - أقصر العتاب - واجبي عذري
يا لها ليال - عهدها النضير - مر كالفجر
هكذا الجمال - عمره قصير - فهو كالزهر
أيه يا دموع - أنت المتاع - بعده فاجري
أسعفي الضلوع - ساعة الوداع - من لظى الجمر
(وأخيراً تودعه بأطراف أصابعها ثم تختفي)
(تمت الرواية)
محمود خيرت
بقلم قضايا المالية
стр. 5282
بعض الكتب الجديدة
فيصل ملك العرب
حياته. أثر فاجعته. أربعينه
بقلم عبد الجبار الرجبي
وضع هذا الكتاب الصغير أحد أدباء دير الزور الأفاضل. وقد حلاه بكثير من الصور وأهداه إلى جلالة الملك غازي. وفي هذا الكتاب تجد كثيراً من المعلومات الشيقة النافعة عن المغفور له صاحب الجلالة الملك فيصل عاهل العرب العظيم وعن أثر فاجعته في العالم العربي. والعالم الأوربي. كما تجد فيه كثيراً من نصوص برقيات التعازي، وقصائد الرثاء. وبالجملة ترى في هذا الكتيب على صغره ما يعجبك من هذا الحديث العطر حديث تلك الحياة الحافلة بجلائل الأعمال، وما أجدر شبابنا وشبان العالم العربي أن يقرأوا سيرة هذا العظيم الراحل في تبصر واعتبار.
الخفيف
стр. 5283
إبراهيم في الميدان
تأليف الأستاذ حبيب جاماتي
عنيت بنشره إدارة الهلال بمصر
يقع هذا الكتاب في نيف ومائتي صفحة من القطع الكبير وهو مجموعة أقاصيص تاريخية تدور حول معارك البطل المصري العظيم إبراهيم باشا، وقد أصدره الهلال هدية لقرائه هذا العام، ولاشك في أن الهلال قد أحسن صنعاً باختياره هذا، فهي مجموعة أقاصيص تجمع بين اللذة والفائدة، ولصاحبها الفاضل قدم راسخة في فن الأقصوصة، ولقد أضاف بكتابه هذا إلى ذلك الفن الناشئ ثروة يعتد بها، ومن أقاصيصه التي راقتني بنوع خاص، الأخذ بالثأر، وخرساء البادية، والضريح الخاوي، والحقيقة أن كل ما يكتبه الأستاذ جاماتي في باب القصص جدير بالعناية والاهتمام.
رواد الشعر الحديث في مصر
تأليف مختار الوكيل
كتاب صغير يقع في نحو ثمانين صفحة افتتحه مؤلفه الفاضل بكلمة رشيدة في النقد الأدبي وشروطه وما يجب على الناقد، ثم بكلمة أخرى في الشعر وأغراضه ومظاهره في المدرستين القديمة والحديثة، وبعد ذلك ترجم لهؤلاء الشعراء الذين سماهم رواد الشعر الحديث في مصر وهم بحسب ترتيبه الأساتذة خليل مطران، وعبد الرحمن شكري، وأحمد زكي أبو شادي، وعباس محمود العقاد. ولقد أعجبني دقة المؤلف الشاب ونزاهته في بحثه، وحسن ذوقه في النقد، كما راقتني فطنته في تعرف مواضع الجمال أو القبح في شعر هؤلاء الشعراء، مما يجعل بحثه متفقاً تمام الاتفاق مع ما جاء في مقدمة كتابه من شروط النقد، ومما يجعل هذه الرسالة على صغرها جديرة بالقراءة في تمهل وإمعان.
الخفيف
стр. 5284
العدد ٦٣ - بتاريخ: ١٧ - ٠٩ - ١٩٣٤
стр. 5285
على ذكر إعانة الكبتن كرسويل
стр. 5286
تشجيع التأليف
أذاعت الصحف نبأ هذه الهبات السخية التي أغدقتها وزارتا المعارف والأوقاف على الكبتن كرسويل المحاضر المنتدب بالجامعة المصرية في الآثار الإسلامية، وقد بلغ مجموع هذه الهبات بضعة آلاف جنيه، دفعت إليه معاونة له على إخراج مؤلف يضعه بالإنكليزية عن العمارة الإسلامية في مختلف العصور؛ وقد أخرج منه إلى الآن الجزء الأول من أربعة أجزاء، ويتعهد الأستاذ كرسويل مقابل هذا السخاء الحاتمي الذي شملته به الحكومة المصرية أن يسمح لوزارة المعارف بترجمة مؤلفه إلى العربية، وأن (يهدى إليها) خمسين نسخة من كتابه.
وتشجيع المباحث العلمية والتاريخية على هذا النحو أمر مستحب لذاته. ولنترك البحث فيما إذا كانت جهود الأستاذ كرسويل ومباحثه جديرة بمثل هذا التشجيع. ذلك أننا نحمد المبدأ لذاته ونؤيده بكل قوانا؛ بيد أنا نود أن نلاحظ أنه لم يسبق لوزارة المعارف أو وزارة الأوقاف أن أبدت مثل هذا العطف أو أسبغت مثل هذه الرعاية على أحد من المصريين الذين يشتغلون بهذه المباحث أو غيرها، مما يجدر تقديره وتشجيعه؛ ولم تضع وزارة المعارف أو الجامعة المصرية وغيرهما من الهيئات العلمية الرسمية لنفسها أي تقاليد في هذا الشأن بالنسبة للعلماء المصريين وإن كان من تقاليدها أن تشجع العلماء الأجانب لأي مناسبة.
ربما قيل في ذلك إن المباحث العلمية والتاريخية لم تبلغ في مصر مستواها المنشود من التقدم والنضوج، وأن جهود العلماء المصريين لم تظهر بعد بمظهر يجدر بالتقدير والتشجيع. ولكنا نبادر فنقول إن هذا الاعتراض لم يبق له محل بعد، وإنه يرجع إلى نوع من التحامل القديم الذي نألفه دائماً في حكومات يطبعها الأجنبي بوحيه وتأثيره، والذي يتخذ مظهره في انتقاص الجهود القومية والاغضاء عن تقديرها وتشجيعها حتى لا تنمو وتزدهر وتكون قوة معنوية في الأمة. ومن التحامل أن ننكر أنه يوجد بين العلماء والباحثين المصريين عدة ممن ينافسون الكبتن كرسويل ومن هم في مستواه من العلماء الأجانب، على الأقل في ميدان المباحث الإسلامية؛ وإنه إذا كانت جهودهم مغمورة غير ظاهرة، فذلك لأنهم يعملون في جو من العزلة واليأس، ولا يأنسون لدى حكومتنا أو لدى هيئاتنا العلمية أي عطف أو تشجيع. وإذا سلمنا جدلاً بأن علماءنا وباحثينا لم يبلغوا بعد من
стр. 5287
العلم والكفاية ما يبلغه أمثال صاحب كتاب العمارة الإسلامية، فانه ليس من الحكمة أو العدل أن يتركوا حيث هم؛ وأن تضن عليهم حكومتهم بالعطف والتشجيع؛ وإنما السبيل إلى شحذ هممهم ومواهبهم وإبراز جهودهم في المستوى اللائق، هو أن تشملهم حكومتهم بشيء من ذينك العطف والبذل اللذين تغدقهما على العلماء الأجانب. خذ مثلا مسألة المباحث الأثرية التي كانت إلى ما قبل أعوام فقط وقفاً على العلماء الأجانب. فقد لبث المصريون نحو قرن محرومين من التنقيب عن آثارهم في نفس بلادهم وأرضهم؛ وكانت البعثات الأجنبية والعلماء الأجانب. يستأثرون بهذه المباحث في أرضنا بفكرة أنهم دون غيرهم يستطيعون إجراءها. ومع أن معظم آثارنا الفرعونية قد تسربت إلى الخارج، وغصت بها المتاحف الأجنبية في مختلف أنحاء العالم، فأن حكومتنا لم تكن تضن عليهم بكل صنوف التشجيع المادي والمعنوي. فلما أن قررت الجامعة المصرية إجراء بعض الحفريات على يد بعض أساتذتها من المصريين، ولما بذل للمصريين ما كان يبذل لزملائهم الأجانب من العون والتشجيع، ظهرت كفاية المصريين ناصعة في الكشف عن آثار بلادهم واستقرائها، وظهر خطأ النظرية القديمة الجائرة التي كانت تنكر على المصريين كل كفاية لتقصيهم عما هو من صميم حقوقهم وميادينهم لكي يتسع المجال للأجانب.
لقد ظهرت في العهد الأخير طائفة قيمة من التآليف والمباحث الإسلامية، والآثار الأدبية الرفيعة، ولقيت كثيراً من التقدير بين العلماء الأجانب؛ فماذا كان نصيبها من التشجيع الرسمي في مصر؟ كل ما يطمح إليه المؤلف الذي أنفق كل ذكائه ووقته وماله على إخراج مؤلفه، هو أن تتفضل عليه وزارة المعارف بتقرير كتابه لمكتبات مدارسها وشراء بضع عشرات نسخ منه، وذلك بعد أن تفحصه لجنة فنية تقره وتوصي به، وهذا كل ما يعرفه المؤلفون المصريون من تشجيع وزارة المعارف، ولا يحظى بهذه المؤازرة الضئيلة سوى القليلين منهم. أما أن تشمل وزارة المعارف برعايتها مجهودا علميا أو أدبيا معينا قبل أن يتم إخراجه، وتبذل لصاحبه شيئا من العون المادي على نحو ما فعلت مع الكبتن كرسويل، الذي استطاع بمجرد الطلب أن يحمل ولاة الأمر على بذل هذه الآلاف المؤلفة له قبل أن يتم مؤلفه أو يخرج منه سوى الجزء الأول فقط، - فهذا أمر لم نسمع به قط، ولا نعتقد أنه تقرر بعد بالنسبة للمصريين في تقاليد وزارة المعارف.
стр. 5288
على أننا نرجو أن يكون في الضجة التي أحدثها تصرف وزارة المعارف ووزارة الأوقاف في هذه المسألة، والأثر المؤلم الذي تركته في أذهان المصريين جميعا، ما يلفت نظر ولاة الأمر في وزارة المعارف وفي غيرها من الهيئات الحكومية المتصلة بالشئون العلمية والأدبية، إلى التفرقة الجائرة بين المصريين والأجانب في نفس الميدان الواحد، وإيثار الأجانب على المصريين بالعطف والتشجيع.
لا بأس أن تشجعوا العلماء الأجانب بأموال المصريين، وإن كان هذا التشجيع لا يصادف أهله في معظم الأحيان، ولكن الحكمة والعدالة وحسن الذوق تقضي كلها بأن يبذل للعلماء والكتاب المصريين من أموال المصريين أضعاف ما يبذل لزملائهم الأجانب حتى لا تبقى جهودهم ضحية الانتقاص والنسيان والنكران.
(ع)
стр. 5289
س. ا. ع
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
هؤلاء ثلاثة من الأدباء تجمعهم صفة العزوبة، ويحبون المرأة حباً خائفا يقدِّم رجلاً ويؤخر أخرى؛ فلا يُقْبل إلا أدبر، ولا يعزم إلا انحل عزمه. بلغوا الرجولة وكأن ليست فيهم؛ وتمر بهم الحياة مرورها بالتماثيل المنصوبة، لا هذه قد وُلد لها ولا أولئك؛ وما برحوا يجاهدون ليحتملوا معاني وجودهم، لا ليطلبوا سعادة وجودهم، ويُمَخْرِقون في شعوذة الحياة بالنهار على الليل وبالليل على النهار، يحاولون أن يجدوا كالناس أياماً وليالي، إذ لا يعرفون لأنفسهم من العزوبة إلا نهاراً واحداً نصفه أسود مقفر مظلم.
فأما (س) فرجل (كشيخ المسجد) يكاد يرى حصير المسجد حيث وطئت قدماه من الأرض. . . . ذو دين وتقوى ما يزال بهما ينقبض وينكمش ويتزايل حتى يرجع طفلاً في الثلاثين من عمره. . . . وهو حائر بائر لا يتجه لشيء من أمر المرأة وقد فقد منها ما يحل وما يحرم، ولا جرأة لنفسه عليه فلا جرأة له على الموبقات، ولا يزين له الشيطان ورطة منها إلا أملس منه، فان له ثلاثة أبواب مفتوحة للهرب؛ إذ يخشى الله، ويتوقى على نفسه، ويستحي من ضميره.
وأما (أ) فرجل معزابة، ولكنه كالإسفنجة امتلأت حتى ليس فيها خلاء لقطرة، ثم عُصرت حتى ليس فيها بلال من قطرة؛ وقد بلغ ما في نفسه وقضى نهمته حتى اشتفى مما أراد؛ ثم قلب الثوب. . . فإذا له داخلة ناعمة من الخز والديباج، وإذا هو (الرجل الصالح) العفيف الدخلة ما تنطلق له نفس إلى مأتم، ولا يعرف الشيطان كيف يتسبب لصلحه ومراجعته الود. . .
وأما (ع) فهو كالأعرج؛ إذا مشى إلى الخير أو الشر مشى بطيئا برجل واحدة، ولكنه يمشي. . . وهو (ملك الشوارع) لا يزال فيها مقبلاً مدبراً طرفا من النهار وزُلفا من الليل؛ فإذا لم يكن في الشارع نساء ظن الشارع قد هرب من المدينة وخرج من طاعته. ولهذه الشوارع أسماء عنده غير أسمائها التي يتعارفها الناس ويستدلون بها. فقد يكون اسم الشارع مثلاً (على الحكيم) ويسميه هو (شارع ماري). . . ويكون اسم الآخر (شارع كتشنر) فيسميه (شارع الطويلة). . . ودرب اسمه (درب الملاح) واسمه عنده (درب المليحة). . .
стр. 5290
وهلم جراً ومسخاً. وإذا أراد صاحبنا هذا أن يسخر من الشيطان دخل المسجد فصلى، وإذا أراد الشيطان أن يسخر منه دحرجه في الشوارع. . .
وافيت هؤلاء الثلاثة مجتمعين يتدارسون مقالة (تربية لؤلؤية) يناقشونها بثلاثة عقول، ويفتشونها بست عيون؛ فأجمعوا على أن المرأة السافرة التي نبذت (حجاب طبيعتها) على ما بينته في تلك المقالة - إن هي إلا امرأة مجهولة عند طالبي الزواج بقدر ما بالغت أن تكون معروفة، وأنها ابتعدت من حقيقتها الصحيحة قدر ما اقتربت من خيالها الفاسد، وأتقنت الغلط ليصدقها فيه الرجل فلم يكذبها فيه إلا الرجل، وجعلت أحسن معانيها ما ظهرت به فارغة من أحسن معانيها. . . . .
وأردت أن أعرف كيف تنتصف الطبيعة من الرجل العزب للمرأة التي أهملها أو تركها مهملة. . . . وأين تبلغ ضرباتها في عيشه، وكيف يكون أثرها في نفسه، وكيف تكون المرأة في خائنة الأعين؛ فتسرحت مع أصحابنا في الكلام فنا بعد فن، وأزلت حذارهم الذي يحذرون حتى أفضوا إليّ بفلسفة عقولهم وصدورهم في هذه المعاني.
قال (س): حسبي والله من الآلام وآلام معها - شعوري بحرماني المرأة؛ فهو بلاء منعني القرار، وسلبني السكينة؛ وكأنه شعور بمثل الوحدة التي يعاقب السجين بها مصروفا عن الحياة مصروفة عنه الحياة؛ تجعله جدران سجنه يتمنى لو كان حجرا فيها فينجو من عذاب إنسانيته الذليلة المجرمة المخلى بينها وبينه توسعه مما يكره؛ شعور بالوحدة والعزلة حتى مع الناس وبين الأهل، فما فيّ إلا عواطف خُرس لا تستجيب لأحد ولا يجاوبها أحد في (ذلك المعنى).
وتمام الذلة أن يجد العزب نفسه أبداً مكرهاً على الحديث عن آلامه بكل من يخالطه أو يجلس إليه، كأنه يحمل مصيبة لا ينفس منها إلا كلامه عنها. وهذا هو السر في أنك لا تجد عزباً إلا عرفته ثرثاراً لا تزال في لسانه مقالة عن معنى أو رجل أو امرأة، وأصبته كالذباب لا يطير عن موضع إلا ليقع على موضع.
ومع جهد الحرمان جهد شر منه في المقاومة وكف النفس، فذلك تعب يهلك به الآدمي إذ لا يدعه يتقار على حالة - من الضجر - فيما تنازعه الطبيعة إليه، وهو كالمزع في أعصابه يحسها تشد لتقطع، ودائما تشد لتقطع.
следующие страницы →