← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

تشجيع التأليف أذاعت الصحف نبأ هذه الهبات السخية التي أغدقتها وزارتا المعارف والأوقاف على الكبتن كرسويل المحاضر المنتدب بالجامعة المصرية في الآثار الإسلامية، وقد بلغ مجموع هذه الهبات بضعة آلاف جنيه، دفعت إليه معاونة له على إخراج مؤلف يضعه بالإنكليزية عن العمارة الإسلامية في مختلف العصور؛ وقد أخرج منه إلى الآن الجزء الأول من أربعة أجزاء، ويتعهد الأستاذ كرسويل مقابل هذا السخاء الحاتمي الذي شملته به الحكومة المصرية أن يسمح لوزارة المعارف بترجمة مؤلفه إلى العربية، وأن (يهدى إليها) خمسين نسخة من كتابه. وتشجيع المباحث العلمية والتاريخية على هذا النحو أمر مستحب لذاته. ولنترك البحث فيما إذا كانت جهود الأستاذ كرسويل ومباحثه جديرة بمثل هذا التشجيع. ذلك أننا نحمد المبدأ لذاته ونؤيده بكل قوانا؛ بيد أنا نود أن نلاحظ أنه لم يسبق لوزارة المعارف أو وزارة الأوقاف أن أبدت مثل هذا العطف أو أسبغت مثل هذه الرعاية على أحد من المصريين الذين يشتغلون بهذه المباحث أو غيرها، مما يجدر تقديره وتشجيعه؛ ولم تضع وزارة المعارف أو الجامعة المصرية وغيرهما من الهيئات العلمية الرسمية لنفسها أي تقاليد في هذا الشأن بالنسبة للعلماء المصريين وإن كان من تقاليدها أن تشجع العلماء الأجانب لأي مناسبة. ربما قيل في ذلك إن المباحث العلمية والتاريخية لم تبلغ في مصر مستواها المنشود من التقدم والنضوج، وأن جهود العلماء المصريين لم تظهر بعد بمظهر يجدر بالتقدير والتشجيع. ولكنا نبادر فنقول إن هذا الاعتراض لم يبق له محل بعد، وإنه يرجع إلى نوع من التحامل القديم الذي نألفه دائماً في حكومات يطبعها الأجنبي بوحيه وتأثيره، والذي يتخذ مظهره في انتقاص الجهود القومية والاغضاء عن تقديرها وتشجيعها حتى لا تنمو وتزدهر وتكون قوة معنوية في الأمة. ومن التحامل أن ننكر أنه يوجد بين العلماء والباحثين المصريين عدة ممن ينافسون الكبتن كرسويل ومن هم في مستواه من العلماء الأجانب، على الأقل في ميدان المباحث الإسلامية؛ وإنه إذا كانت جهودهم مغمورة غير ظاهرة، فذلك لأنهم يعملون في جو من العزلة واليأس، ولا يأنسون لدى حكومتنا أو لدى هيئاتنا العلمية أي عطف أو تشجيع. وإذا سلمنا جدلاً بأن علماءنا وباحثينا لم يبلغوا بعد من

стр. 5287

العلم والكفاية ما يبلغه أمثال صاحب كتاب العمارة الإسلامية، فانه ليس من الحكمة أو العدل أن يتركوا حيث هم؛ وأن تضن عليهم حكومتهم بالعطف والتشجيع؛ وإنما السبيل إلى شحذ هممهم ومواهبهم وإبراز جهودهم في المستوى اللائق، هو أن تشملهم حكومتهم بشيء من ذينك العطف والبذل اللذين تغدقهما على العلماء الأجانب. خذ مثلا مسألة المباحث الأثرية التي كانت إلى ما قبل أعوام فقط وقفاً على العلماء الأجانب. فقد لبث المصريون نحو قرن محرومين من التنقيب عن آثارهم في نفس بلادهم وأرضهم؛ وكانت البعثات الأجنبية والعلماء الأجانب. يستأثرون بهذه المباحث في أرضنا بفكرة أنهم دون غيرهم يستطيعون إجراءها. ومع أن معظم آثارنا الفرعونية قد تسربت إلى الخارج، وغصت بها المتاحف الأجنبية في مختلف أنحاء العالم، فأن حكومتنا لم تكن تضن عليهم بكل صنوف التشجيع المادي والمعنوي. فلما أن قررت الجامعة المصرية إجراء بعض الحفريات على يد بعض أساتذتها من المصريين، ولما بذل للمصريين ما كان يبذل لزملائهم الأجانب من العون والتشجيع، ظهرت كفاية المصريين ناصعة في الكشف عن آثار بلادهم واستقرائها، وظهر خطأ النظرية القديمة الجائرة التي كانت تنكر على المصريين كل كفاية لتقصيهم عما هو من صميم حقوقهم وميادينهم لكي يتسع المجال للأجانب. لقد ظهرت في العهد الأخير طائفة قيمة من التآليف والمباحث الإسلامية، والآثار الأدبية الرفيعة، ولقيت كثيراً من التقدير بين العلماء الأجانب؛ فماذا كان نصيبها من التشجيع الرسمي في مصر؟ كل ما يطمح إليه المؤلف الذي أنفق كل ذكائه ووقته وماله على إخراج مؤلفه، هو أن تتفضل عليه وزارة المعارف بتقرير كتابه لمكتبات مدارسها وشراء بضع عشرات نسخ منه، وذلك بعد أن تفحصه لجنة فنية تقره وتوصي به، وهذا كل ما يعرفه المؤلفون المصريون من تشجيع وزارة المعارف، ولا يحظى بهذه المؤازرة الضئيلة سوى القليلين منهم. أما أن تشمل وزارة المعارف برعايتها مجهودا علميا أو أدبيا معينا قبل أن يتم إخراجه، وتبذل لصاحبه شيئا من العون المادي على نحو ما فعلت مع الكبتن كرسويل، الذي استطاع بمجرد الطلب أن يحمل ولاة الأمر على بذل هذه الآلاف المؤلفة له قبل أن يتم مؤلفه أو يخرج منه سوى الجزء الأول فقط، - فهذا أمر لم نسمع به قط، ولا نعتقد أنه تقرر بعد بالنسبة للمصريين في تقاليد وزارة المعارف.

стр. 5288

على أننا نرجو أن يكون في الضجة التي أحدثها تصرف وزارة المعارف ووزارة الأوقاف في هذه المسألة، والأثر المؤلم الذي تركته في أذهان المصريين جميعا، ما يلفت نظر ولاة الأمر في وزارة المعارف وفي غيرها من الهيئات الحكومية المتصلة بالشئون العلمية والأدبية، إلى التفرقة الجائرة بين المصريين والأجانب في نفس الميدان الواحد، وإيثار الأجانب على المصريين بالعطف والتشجيع. لا بأس أن تشجعوا العلماء الأجانب بأموال المصريين، وإن كان هذا التشجيع لا يصادف أهله في معظم الأحيان، ولكن الحكمة والعدالة وحسن الذوق تقضي كلها بأن يبذل للعلماء والكتاب المصريين من أموال المصريين أضعاف ما يبذل لزملائهم الأجانب حتى لا تبقى جهودهم ضحية الانتقاص والنسيان والنكران. (ع)

стр. 5289

س. ا. ع للأستاذ مصطفى صادق الرافعي هؤلاء ثلاثة من الأدباء تجمعهم صفة العزوبة، ويحبون المرأة حباً خائفا يقدِّم رجلاً ويؤخر أخرى؛ فلا يُقْبل إلا أدبر، ولا يعزم إلا انحل عزمه. بلغوا الرجولة وكأن ليست فيهم؛ وتمر بهم الحياة مرورها بالتماثيل المنصوبة، لا هذه قد وُلد لها ولا أولئك؛ وما برحوا يجاهدون ليحتملوا معاني وجودهم، لا ليطلبوا سعادة وجودهم، ويُمَخْرِقون في شعوذة الحياة بالنهار على الليل وبالليل على النهار، يحاولون أن يجدوا كالناس أياماً وليالي، إذ لا يعرفون لأنفسهم من العزوبة إلا نهاراً واحداً نصفه أسود مقفر مظلم. فأما (س) فرجل (كشيخ المسجد) يكاد يرى حصير المسجد حيث وطئت قدماه من الأرض. . . . ذو دين وتقوى ما يزال بهما ينقبض وينكمش ويتزايل حتى يرجع طفلاً في الثلاثين من عمره. . . . وهو حائر بائر لا يتجه لشيء من أمر المرأة وقد فقد منها ما يحل وما يحرم، ولا جرأة لنفسه عليه فلا جرأة له على الموبقات، ولا يزين له الشيطان ورطة منها إلا أملس منه، فان له ثلاثة أبواب مفتوحة للهرب؛ إذ يخشى الله، ويتوقى على نفسه، ويستحي من ضميره. وأما (أ) فرجل معزابة، ولكنه كالإسفنجة امتلأت حتى ليس فيها خلاء لقطرة، ثم عُصرت حتى ليس فيها بلال من قطرة؛ وقد بلغ ما في نفسه وقضى نهمته حتى اشتفى مما أراد؛ ثم قلب الثوب. . . فإذا له داخلة ناعمة من الخز والديباج، وإذا هو (الرجل الصالح) العفيف الدخلة ما تنطلق له نفس إلى مأتم، ولا يعرف الشيطان كيف يتسبب لصلحه ومراجعته الود. . . وأما (ع) فهو كالأعرج؛ إذا مشى إلى الخير أو الشر مشى بطيئا برجل واحدة، ولكنه يمشي. . . وهو (ملك الشوارع) لا يزال فيها مقبلاً مدبراً طرفا من النهار وزُلفا من الليل؛ فإذا لم يكن في الشارع نساء ظن الشارع قد هرب من المدينة وخرج من طاعته. ولهذه الشوارع أسماء عنده غير أسمائها التي يتعارفها الناس ويستدلون بها. فقد يكون اسم الشارع مثلاً (على الحكيم) ويسميه هو (شارع ماري). . . ويكون اسم الآخر (شارع كتشنر) فيسميه (شارع الطويلة). . . ودرب اسمه (درب الملاح) واسمه عنده (درب المليحة). . .

стр. 5290

وهلم جراً ومسخاً. وإذا أراد صاحبنا هذا أن يسخر من الشيطان دخل المسجد فصلى، وإذا أراد الشيطان أن يسخر منه دحرجه في الشوارع. . . وافيت هؤلاء الثلاثة مجتمعين يتدارسون مقالة (تربية لؤلؤية) يناقشونها بثلاثة عقول، ويفتشونها بست عيون؛ فأجمعوا على أن المرأة السافرة التي نبذت (حجاب طبيعتها) على ما بينته في تلك المقالة - إن هي إلا امرأة مجهولة عند طالبي الزواج بقدر ما بالغت أن تكون معروفة، وأنها ابتعدت من حقيقتها الصحيحة قدر ما اقتربت من خيالها الفاسد، وأتقنت الغلط ليصدقها فيه الرجل فلم يكذبها فيه إلا الرجل، وجعلت أحسن معانيها ما ظهرت به فارغة من أحسن معانيها. . . . . وأردت أن أعرف كيف تنتصف الطبيعة من الرجل العزب للمرأة التي أهملها أو تركها مهملة. . . . وأين تبلغ ضرباتها في عيشه، وكيف يكون أثرها في نفسه، وكيف تكون المرأة في خائنة الأعين؛ فتسرحت مع أصحابنا في الكلام فنا بعد فن، وأزلت حذارهم الذي يحذرون حتى أفضوا إليّ بفلسفة عقولهم وصدورهم في هذه المعاني. قال (س): حسبي والله من الآلام وآلام معها - شعوري بحرماني المرأة؛ فهو بلاء منعني القرار، وسلبني السكينة؛ وكأنه شعور بمثل الوحدة التي يعاقب السجين بها مصروفا عن الحياة مصروفة عنه الحياة؛ تجعله جدران سجنه يتمنى لو كان حجرا فيها فينجو من عذاب إنسانيته الذليلة المجرمة المخلى بينها وبينه توسعه مما يكره؛ شعور بالوحدة والعزلة حتى مع الناس وبين الأهل، فما فيّ إلا عواطف خُرس لا تستجيب لأحد ولا يجاوبها أحد في (ذلك المعنى). وتمام الذلة أن يجد العزب نفسه أبداً مكرهاً على الحديث عن آلامه بكل من يخالطه أو يجلس إليه، كأنه يحمل مصيبة لا ينفس منها إلا كلامه عنها. وهذا هو السر في أنك لا تجد عزباً إلا عرفته ثرثاراً لا تزال في لسانه مقالة عن معنى أو رجل أو امرأة، وأصبته كالذباب لا يطير عن موضع إلا ليقع على موضع. ومع جهد الحرمان جهد شر منه في المقاومة وكف النفس، فذلك تعب يهلك به الآدمي إذ لا يدعه يتقار على حالة - من الضجر - فيما تنازعه الطبيعة إليه، وهو كالمزع في أعصابه يحسها تشد لتقطع، ودائما تشد لتقطع.

стр. 5291

وقد رهقني من ذلك الضنى النسوي ما عيل به صبري وضعف له احتمالي؛ فما أراني يوماً على حمام من النفس، ولا ارتياح من الطبع؛ وكيف وفي القلب مادة همه، وفي النفس علة انقباضها، وفي الفكر أسباب مشغلته؟ وقد أوقدت سورة الشباب نارها على الدم، تلتعج في الأحشاء؛ وتطير في الرأس، وتصبغ الدنيا بلون دخانها، وفي كل يوم يتخلف منها رماد هو هذا السواد الذي ران على قلبي. وما حال رجل عذابه أنه رجل، وذله أنه رجل؟ يلبس ثيابه الإنسانية على مثل الوحش في سلاسله وأغلاله، ويحمل عقلاً تسبه الغريزة كل يوم، وتراه من العقول الزيوف لا أثر للفضيلة فيه؛ إذ هو مجنون بالمرأة جنون الفكرة الثابتة، فما يخلو إلى نفسه ساعة أو بعض ساعة إلا أخذته الغريزة مجترحاً جريمة فكر. . . وفي دون هذا ينكر المرء عقله؛ وأي عقل تراه في رجل عزب يقع في خياله أنه متزوج، وأنه يأوي إلى (فلانة) وأنها قائمة على إصلاح شأنه ونظام بيته، وأنه من أجلها كان عزوفاً عن الفحشاء بعيداً من المنكر، وفاءً لها، وحفظاً لعهد الله فيها وقد دلهته بفنونها التي يبتدعها فكره؛ وهي ساعة تؤاكله على الخوان، وساعة تضاحكه، ومرةً تعابثه، وتارة تجافيه، وفي كل ذلك هو ناعم بها، يحدثها في نفسه، ويسمر معها، ويتصنع لها وتتصنع له؛ ويعاتبها أحياناً في رقة، وأحياناً في جفاء وغلظة؛ وقد ضربها ذات مرة. .؟ ألا إن المرأة عندي هي هذا الجنون الذي يرجع بي إلى عشرة آلاف سنة من تاريخ الدنيا، فيرمي بي في كهف أو غابة رجلاً عارياً متوحشاً متأبداً ليس من الحيوان ولا من الإنس، أحجار وأشجار، وهو حجر له نمو الشجر. لقد توزعت المرأة عقلي فهو متفرق عليها وهي متفرقة فيه، لا أستطيع والله أن أتصورها كاملة، بل هي في خيالي أجزاء لا يجمعها كل؛ هي ابتسامة، هي نظرة، هي ضحكة، هي أغنية، هي جسم، هي شيء هي هي هي. أكل تلك المعاني هي المرأة التي يعرفها الناس، أم أنا لي امرأة وحدي؟ وإني على ذلك لأتخوف الزواج وأتحاماه؛ إذ أرى الشارع قد فضح النساء وكشفهن؛ فما يريني منهن إلا امرأة تزهي بثيابها وصنعة جمالها، أو امرأة كالهاربة من فضائلها؛ والبيت إنما يطلب الزوجة الفاضلة الصناع، تخيط ثوبها بيدها فتباهي بصنعته قبل أن تباهي

стр. 5292

بلبسه، وتزهى بأثر وجهها في، لا بأثر المساحيق في وجهها. وإن مكابدة العفة، ومصارعة الشيطان، وتوهج القلب بناره الحامية، وإلمام الطيرة الجنونية بالعقل - كل ذلك ومثله معه أهون من مكابدة زوجة فاسدة العلم أو فاسدة الجهل، أُبتلى منها في صديق العمر بعدو العمر. إن أثر الشارع في المرأة هو سوء الظن بها، فهي تحسب نفسها معلنة فيه أنوثتها وجمالها وزينتها، ونحن نراها معلنة فيه سوء أدب وفساد خلق وانحطاط غريزة. ومن كان فاسقاً أساء الظن بكل الفتيات، ووجد السبيل من واحدة إلى قول يقوله في الأخرى؛ ومن كان عفيفاً سمع من الفاسق فوجد من ذلك متعلقاً يتعلق به، وقياساً يقيس عليه؛ والفتنة لا تصيب اللذين ظلموا خاصة. آه لو استطعت أن أوقظ امرأة من نساء أحلامي. .! وقال (أ): لقد كانت معاني المرأة في ذهني صوراً بديعة من الشعر تستخفني إليها العاطفة، ولا يزال منها في قلبي لكل يوم نازية تنزو. وكانت المرأة بذلك حديث أحلامي ونجي وساوسي، وكنت عفيف البنطلون؛ ولكن النساء أيقظنني من الحلم، وفجعنني فيه بالحقيقة، ووضعن يدي على ما تحت ملمس الحية. ولو حدثتك بجملة أخبارهن، وما مارست منهن لتكرهت وتسخطت، ولأيقنت أن كلمة تحرير المرأة إنما كانت خطأ مطبعياً، وصوابها: تجرير المرأة. . فهؤلاء النساء أو كثرتهن - لم يذلن الحجاب إلا لتخرج واحدة مما تجهل إلى ما تريد أن تعرف، وتخرج الأخرى مما تعرف إلى أكثر مما تعرفه، وتخرج بعضهن من إنسانة إلى بهيمة. لقد عرفت فيمن عرفت منهن الخفيفة الطياشة، والحمقاء المتساقطة، والفاحشة ذات الريبة؛ وكل أولئك كان تحريرهن أي تجريرهن - تقليداً للمرأة الأوربية؛ تهالكن على رذائلها دون فضائلها، واشتد حرصهن على خيالها الروائي دون حقيقتها العلمية، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ الرذائل كما هي، بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة. كان الحلم الجميل في الحجاب وحده، وهو كان يسعر أنفاسي ويستطير قلبي، ويرغمني مع ذلك على الاعتقاد أن ههنا علامة التكرم ورمز الأدب وشارة العفة، وأن هذه المحصنة المخدرة عذراء أو امرأة لم تلق الحجاب عليها إلا إيذاناً بأنها في قانون عاطفة الأمومة لا

стр. 5293

غيرها؛ فهي تحت الحجاب لأنه رمز الأمانة لمستقبلها، ورمز الفصل بين ما يحسن وما لا يحسن، ولأن وراءه صفاء روحها الذي تخشى أن يكدر، وثبات كيانها الذي تخشى أن يزعزع. قال حكيم لأولئك الذين يستميلون النساء بأنواع الحلي وصنوف الزينة والكسوة الحسنة: (ياهؤلاء، إنكم إنما تعلمونهن محبة الأغنياء لا محبة الأزواج) وأحكم من هذا قول ذلك الرجل الإلهي الصارم عمر بن الخطاب: (اضربوهن بالعرى.) فقد عرف من ألف وثلثمائة سنة أن تحرير المرأة هو تجريرها، وإنها لا تخرج لمصلحة أكثر مما تخرج لإظهار زينتها. فلو منعت الثياب الجميلة حبستها طبيعتها في بيتها. فماذا تقول الشوارع لو نطقت؟ إنها تقول: يا هؤلاء، إنما تعلمونهن معرفة الكثير لا معرفة الواحد. . .! لقد والله أنكرت أكثر ماقرأت، وسمعت من محاسنهن وفضائلهن وحيائهن. ولقد كان الحجاب معنى لصعوبة المرأة واعتزازها، فصار الشارع معنى لسهولتها ورخصها؛ وكان مع تحقق الصعوبة أو توهمها أخلاق وطباع في الرجل، فصار مع توهم السهولة أو تحققها أخلاق وطباع أخرى على العكس من تلك مازالت تنمى وتتحول حتى ألجأت القانون أخيراً أن يترقى بمن لمس المرأة في الطريق من (الجنحة) إلى (الجناية). وتخنث الشبان والرجال ضروباً من التخنث بهذا الاختلاط وهذا الابتذال، وتحللت فيهم طباع الغيرة، فكان هذا سريعاً في تغيير نظرتهم إلى النساء، وسريعاً في إفساد اعتقادهم، وفي نقض احترامهم، فأقبلوا بالجسم على المرأة وأعرضوا عنها بالقلب، وأخذوها بمعنى الأنوثة وتركوها بمعنى الأمومة؛ ومن هذا قل طلاب الزواج، وكثر رواد الخنا. ولقد جاءت إلى مصر كاتبة إنكليزية وأقامت أشهراً تخالط النساء المتحجبات وتدرس معاني الحجاب، فلما رجعت إلى بلادها كتبت مقالاً عنوانه (سؤال أحمله من الشرق إلى المرأة الغربية) قالت في آخره: (إذا كانت هذه الحرية التي كسبناها أخيراً، وهذا التنافس الجنسي، وتجريد الجنسين من الحجب المشوقة الباعثة التي أقامتها الطبيعة بينهما - إذا كان هذا سيصبح كل أثره أن يتولى الرجال عن النساء، وأن يزول من القلوب كل ما يحرك فيها أوتار الحب الزوجي فما الذي نكون قد ربحناه؟ لقد والله تضطرنا هذه الحال إلى تغيير خططنا، بل قد نستقر طوعا وراء الحجاب الشرقي، لنتعلم من جديد فن الحب

стр. 5294

الحقيقي.). وقال (ع): لست فيلسوفا، ولكن في يدي حقائق من علم الحياة لا تأتي الفلسفة بمثلها، وكتابي الذي أقرأ فيه هو الشارع. فأعلم أن العزاب من الرجال يتعلم بعضهم من بعض، وهم كاللصوص لا يجتمع هؤلاء ولا هؤلاء إلا على رذيلة أو جريمة. وحياة اللص معناها وجود السرقة، وحياة العزب معناها وجود البغاء والفسق. ومن حكم الطبيعة على الجنسين أن الفاسق يباهي باظهار فسقه قدر ما تخاف الفاسقة من ظهور أمرها؛ وهذه إشارة من الطبيعة إلى أن المرأة مسكينة مظلومة. فما ابتذال الحجاب، ولا استهتاك النساء إلا جواب على انتشار العزوبة في الرجال، وكيف يتحول الماء ثلجاً لولا الضغط نازلاً فنازلاً إلى مادون الصفر؟ فهذا الثلج ماء يعتذر من تحوله وانقلابه بعذر طبيعي قاهر له قوة الضرورة الملجئة، وكذلك المرأة المذالة أو الطامحة أو المتبذلة أو المتهتكة - ما صفاتهن إلا توكيد لأعذارهن. وكان على الحكومة أن تضرب العزوبة ضربة قانون صارم، فالعزب وإن كان رجلاً حراً في نفسه، ولكن رجولته تفرض للأنوثة حقها فيه، فمتى جحد هذا الحق واستكبر عليه رجع حاله مع المرأة إلى مثل شأن الغريم مع غريمه؛ ليس للفصل فيه إلا الدولة وأحكامها وقوتها التنفيذية. وإذا أطلقت الحرية فصاروا كلهم أو أكثرهم أعزاباً فماذا يكون إلا أن تمحي الدولة، وتسقط الأمة، وتتلاشى الفضائل؟ فالعزوبة من هذا جريمة بنفسها، ولا ينبغي أن تتربص بها الحكومة حتى تعم، بل يجب اعتبارها باعتبار الجرائم من حيث هي، ويجب تفسير كلمة (العزب) في اللغة بمثل هذا المعنى: إنها شخصية مذكرة ساخطة متمردة على حقوق مختلفة للمرأة والنسل والأمة والوطن. وما ساء رأى العزاب في النساء والفتيات إلا من كونهم بطبيعة حياتهم المضطربة لا يعرفون المرأة إلا في أسوإ أحوالها وأقبح صفاتها، وهم وحدهم جعلوها كذلك. إن لهم وجودا محزنا يستمتعون فيه ولكنهم يَهلكون ويُهلكون به. هم والله أساتذة الدروس السافلة في كل أمة، وهم والله بغاة من الرجال في حكم البغايا من النساء، يجرون جميعا مجرى واحدا. ومن هي البغي في الأكثر إلا امرأة فاجرة لا زوج لها؟ ومن هو العزب في الأكثر إلا رجل فاسق لا زوجة له؟ على أن مع المرأة عذر ضعفها أو حاجتها. ولكن ما

стр. 5295

عذر الرجل؟ ماذا تفيد الدولة أو الأمة من هذا العزب الذي اعتاد فوضى الحياة، وسيرها على غير نظامها، وتحققها على أسخف ما فيها من الخيال والحقيقة؛ وأي عزب يجد الاستقرار أو تجتمع له أسباب الحياة الفاضلة، وهو فقد تلك الروح التي تتمم روحه وتنقحها وتمسكها في دائرتها الاجتماعية على واجباتها وحقوقها، وتجيئه بالأرواح الصغيرة التي تشعره التبعة والسيادة معاً، وتمتد به ويمتد بها في تاريخ الوطن. كيف يعتبر مثل هذا موجوداً اجتماعياً صحيحاً وهو حي مختل في وجود مستعار، يقضي الليل هارباً من حياة النهار، ويقضي النهار نافراً من حياة الليل؛ فيقضي عمره كله هارباً من الحياة، وكأنه لا يعيش بروحه كاملة، بل ببعضها، بل بالممكن من بعضها. .! أية أسرة شريفة تقبل أن يساكنها رجل عزب، وأية خادم عفيفة تطمئن أن تخدم رجلاً عزباً؟ هذه هي لعنة الشرف والعفة لهؤلاء الأعزاب من الرجال! قال الراوي: وهنا إنتفض (س) و (أ) وحاولا أن يقبضا على هذه اللعنة ويرداها إلى حلق (ع). ثم سألني ثلاثتهم أن أسقطها من المقال، بيد أني رأيت أن خيراً من حذفها أن تكون اللعنة لأعزاب الرجال إلا (س) و (أ) و (ع). . . طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5296

أعظم حادث في حياة روسو: ٢ - روسو ومدام دي فرنس للأستاذ محمد عبد الله عنان والحقيقة أن مدام دي فرنس نفثت في جان جاك ضرباً غريباً من السحر والجوى، لا هو بالحب الجنسي الخالص، ولا هو بالحب البنوي الخالص، ولا هو بالصداقة الحميمة، بل كان مزيجاً من ذلك كله، يقترن بنوع من عبادة الجمال والسحر، وعاطفة عميقة من العرفان وشكر الصنيعة. وسنرى أن له إلى جانب هذه الناحية الأفلاطونية ناحية أخرى. وعلى أي حال فقد كان لهذا السحر الذي بثته مدام دي فرنس في جان جاك أعظم أثر في تكوين عواطفه وفلسفته في الجمال والحب والمرأة، وكان مستقى خياله ومشاعره في بضعة الأعوام التالية التي اكتمل فيها شبابه، وتفتحت أمامه عوالم الحياة. وفي ظلال هذه السعادة أقام جان جاك معززاً مكرماً يقضي أوقات فراغه في القراءة ودرس الموسيقى والأحلام اللذيذة، والسمر مع مدام دي فرنس. وكان يشعر أن السعادة قد بلغت ذروتها، وأنها لذلك لن تدوم، ويرتجف فرقا كلما تصور يوم البعاد وانقضاء هذا العهد الأمثل. وأقام روسو على هذا النحو زهاء عام وبعضه، ثم رأت مدام دي فرنس أن ترسله إلى ليون لقضاء بعض المهام، فسافر إليها، ولم يغب سوى أيام قلائل. ولكنه لما عاد إلى أنسى لم يجد (أمه) وموئل سعادته، ولم يستطع أن يعلم شيئاً عن غيابها سوى أنها سافرت إلى باريس مع خادمها كلود آنيه، فلم ير سبيلا سوى الانتظار، وأقام وحده بالمنزل يتنسم أخبارها وموعد عودها، وهو يدرس الموسيقى ويؤلف الأناشيد. وهنا يقص علينا روسو عدة حوادث غرامية تافهة وقعت له خلال هذه الفترة. وكانت معرفته بالموسيقى سبباً في اتصاله ببعض الهواة. ولما طالت غيبة مدام دي فرنس، سافر إلى جنيف، ثم إلى نيوشاتل، وهناك استقر حيناً يكسب عيشه بتدريس الموسيقى، ولكن شبح مدام دي فرنس كان يساوره أبداً، وكان العود إليها أبداً أعز أمانيه، فلم تمض عليه بضعة أشهر في هذا التجوال حتى عاد إلى سافوا وكانت مدام دي فرنس، قد غادرت يومئذ أنسى إلى شامبرى واستقرت هناك. فسافر إليها وتحققت أمنيته بالمقام إلى جانبها كرة أخرى، واستطاع بنفوذها أن يحصل على وظيفة في ديوان مسح الأراضي في تلك الناحية نفسها، فكانت سعادة

стр. 5297

مزدوجة، وكان الهدوء والسكينة والاستقرار، وكان ذلك سنة ١٧٣٢. وهنا فقط يكتشف روسو حقيقة مرة غابت عنه طيلة هذه الأعوام الثلاثة؛ تلك هي علاقة مدام دي فرنس بخادمها وأمينها كلود آنيه؛ فقد عرف روسو فجأة أن الخادم ينعم بحب سيدته؛ وعرف ذلك من مدام دي فرنس ذاتها، ففي ذات يوم ثارت بين السيدة وخادمها مناقشة عاصفة وجهت إليه خلالها بعض الألفاظ الجارحة؛ فهرول كلود آنيه خفية إلى زجاجة من (اللادونوم) فابتلع ما فيها لكي يزهق نفسه، ثم أوى إلى غرفته ينتظر حشرجة الموت؛ ورأت سيدته وخليلته الزجاجة الفارغة فأدركت الأمر، وهرولت صارخة إلى غرفته، ونادت روسو واعترفت له بكل شيء ورجت منه العون؛ فعاونها على إسعافه، ونجا الخادم المحبوب. ودهش روسو لغبائه إذ خفيت عليه هذه الحقيقة من قبل. ولكنه لم يشعر نحو كلود آنيه بشيء من الحقد، برغم أنه يسلبه معبودة قلبه، لأنه يحرص على سعادتها وهنائها. . ولبث روسو مدى الأعوام التالية إلى جانب مدام دي فرنس، ولم يفارقها إلا في فترات قليلة ولأسباب طارئة. كانت شامبرى موطنه ومستقره، وكانت مدام دي فرنس أمه وأسرته وكل شيء في الوجود بالنسبة إليه. وكانت الحياة عندئذ هادئة منظمة، وقد أخذ روسو يشعر بشيء من الثقة بنفسه وبمستقبله؛ وكان يوزع وقته بين عمله، ودرس الموسيقى، ومدام دي فرنس. وكانت ثمة سعادة أخرى لم يكن يتوقعها روسو، ترفرف عليه في ذلك المقام الرغد، بل كان ثمة حادث لعله أعظم مفاجأة في حياة روسو. ذلك أن علاقته الساذجة الأفلاطونية مع مدام دي فرنس تحولت فجأة إلى علاقة حب عملي. ولذلك التحول قصة غريبة يرويها لنا روسو في عدة صفحات ساحرة مؤثرة. فقد كان روسو يعطي دروساً في الموسيقى لبعض أكابر السيدات في شامبرى، وكانت علائقه النسوية تزداد يوما عن يوم؛ وكان بين أولئك السيدات، سيدة تدعى الكونتة دي منتون كان روسو يعلم ابنتها الغناء؛ وكانت سيدة مضطرمة الأهواء تحب الدسائس الغرامية، وبينها وبين مدام دي فرنس صلة ومنافسات نسوية. فلما اتصلت بجان جاك وقدرت ذكاءه ومقدرته على الكتابة الساخرة ونظم الأناشيد والأغاني، فكرت في استهوائه والانتفاع بمقدرته، واستقبلته بعطف وإكرام، وشعرت مدام دي فرنس بذلك، ففكرت في إنقاذ روسو من شراكها وشراك غيرها من النسوة اللائي

стр. 5298

يحطن به. والتمست لذلك أغرب وسيلة يمكن تصورها. فاختلت بروسو ذات يوم، وأفهمته أنها لم تر وسيلة لانقاذه من أخطار الشباب سوى أن تقدم نفسها إليه، وأن تفتدي بجسمها كل ما يهدده من الأخطار، وأنها تمهله ثمانية أيام للتفكير والعزم. ويقول لنا روسو إنه دهش لهذه المفاجأة أيما دهشة، وإنه لم يكن يتوقع قط هذا المصير لعلائقه مع المحسنة اليه؛ بيد أنه يقول لنا إن ذهنه لم يكن بعيداً عن تصور هذه السعادة؛ فقد كان يضطرم جوى نحو النساء؛ ولم يكن قد لامس إحداهن بعد؛ وإن مدام دي فرنس وإن كانت تكبره بنحو عشر سنين، كانت ما تزال فتية فتانة وافرة الأنوثة والسحر، ولم يثره أنها كانت خليلة غيره، وأنها بذلك توزع متاعها على أكثر من رجل، فقد كانت هذه الشركة مؤلمة حقا، ولكنها لم تغير ذرة من عواطفه نحوها. ويحاول روسو أن يحلل عواطفه نحو مدام دي فرنس مرة أخرى. لقد كان يحبها حقاً، بل كان يهيم بها حباً؛ ولكن ذلك الهيام كان أقوى من أن يحمله على الرغبة في وصالها. وقد أنفق هذه الأيام الثمانية في اضطراب ذهني لا يمكن تصوره، وكأنها كانت قروناً ثمانية، ولكنه كان يبغى المزيد منها. ثم جاء اليوم المروع أخيراً؛ فهرول روسو إليها، وصرح بالقبول والأذعان؛ وبر في الحال بوعده. ويصف لنا روسو ذلك اللقاء المدهش في تلك العبارات القوية المؤثرة: (لقد توج قلبي كل نذوري دون أن أرغب في المكافأة. بيد أني حصلت عليها، وألفيت نفسي لأول مرة، بين ذراعي إمراة - وامرأة أعبدها. فهل كنت سعيداً؟ كلا! ولقد تذوقت السرور، ولكن شعوراً قاهراً من الحزن كان يسمم سحره؛ وكنت أشعر أني أرتكب عشرة محرم؛ ولقد بللت صدرها بدموعي مرتين أو ثلاث مرات، بينما كنت أضمها إليّ في شغف وهيام. أما هي فلم تكن حزينة ولا مضطرمة، ولكنها كانت ناعمة هادئة. ولم تكن تحدوها الشهوة، ولم تكن ترجو المتاع، ولهذا لم تشعر بمتعة، ولم يؤنبها الضمير قط). وهنا يفيض روسو في تحليل عواطف مدام دي فرنس وميولها الغرامية، ويحاول أن يعتذر عن أخطائها وزلاتها؛ فقد نشأت نشأة حسنة، ذات فضيلة واستقامة، وذوق رفيع، وخلال بديعة، ولكنها كانت تصغي إلى العقل والفلسفة دون القلب؛ وقد عنى معلمها وأول عشاقها، مسيو دي تاقل، بأن يغرس في ذهنها جميع المبادئ التي تسهل له إغواءها؛ فعلمها أن

стр. 5299

الاخلاص الزوجي سخف، وأن الاجتماع الجنسي أمر تافه، وأن الفضيلة والعفة والحشمة أمور ظاهرية فقط. فغزتها هذه المبادئ وطغت عليها حتى أصبحت تعتقد دائماً أنه لا يصفد الإنسان بحب امرأة قدر الوصل. وفي تلك الصحف التي يصف لنا فيها روسو ذلك التحول في علائقه مع مدام دي فرنس، يبلغ روسو ذروة البلاغة والافتنان، ولعلها أبدع قطعة في (الاعترافات). وهكذا تحولت القصة البنوية الأموية إلى قصة غرامية، وغدا روسو خليل المرأة التي لبث بضعة أعوام يقدسها كأم رؤوم. واستمرت هذه العلاقة ما بقى إلى جانبها، واستمر الخادم كلود آنيه شريكه في الوصل مدى حين، ولكنه لم أن توفى. ثم انتقلت مدام دي فرنس وروسو إلى منزل خلوي في ضيعة (لاشارميت)، وهنالك قضى روسو، في ذلك المقام المنعزل أياماً سعيدة في الدرس، مستأثرا بصحبة (أمه) وحبيبته. ثم اعتلت صحته، واشتد به الهزال والضعف، وفكر في السفر لينتجع العافية، وأشير عليه أن يسافر إلى مونبلييه حتى يجد من الأطباء من يستطيع معالجته، ولم تمانع مدام دي فرنس في تنفيذ ذلك العزم، فسافر إلى مونبلييه، ووقعت له أثناء رحلته بعض حوادث غرامية بثت في ذهنه إضطرابا وجوى. وبعد أشهر عاد إلى (أمه) وكانت تلك العاطفة المضطرمة التي لبثت مدى أعوام تدفعه إلى جانب مدام دي فرنس قد خبت نوعاً، واستحالت إلى نوع من الصداقة الهادئة، والظاهر أيضاً أن مدام دي فرنس كانت تبحث عن صداقة جديدة وغذاء جديد لعواطفها الهائمة، فلما عاد روسو ألفى إلى جانبها في المنزل رجلاً آخر يدعى فنتز نريد، ولم يلبث روسو أن أدرك من تصرفاته ولهجته أنه غدا صاحبا لمدام دي فرنس، وأنه قد حل مكانه، فحزن روسو لذلك ولم يطق البقاء حيثما هدمت سعادته، فسافر إلى ليون، ولم تبد (أمه) كبير أسف لسفره. وبعد أن أقام بها حيناً عاد إلى مدام دي فرنس كرة أخرى، وأقام بالمنزل حينأ في عزلة عنها لا يكاد يراها إلا وقت الطعام، وكانت آخر زياراته لها. وكان يومئذ قد أشرف على الثلاثين من عمره، ونضجت دراساته ومواهبه وآنس في نفسه طموحاً إلى غزو ميدان الحياة الواسع، فاتجه ببصره إلى باريس، فودع (أمه) الوداع الأخير، سافر إليها تحدوه مختلف العواطف والآمال. . وكان ذلك ختام قصة روسو ومدام دي فرنس، فلم يرها بعد ذلك ولم يحاول رؤيتها، وألقى

стр. 5300

به القدر في باريس إلى غمار حياة جديدة عاصفة، ولكنه لم ينس ذكرى المحسنة إليه قط، ولما توفيت بعد ذلك بنحو عشرين عاماً - سنة ١٧٦٤ - اشتد حزنه لفقدها، وهو يعرب لنا عن ذلك الحزن في نفثة مؤثرة في (الأعترافات). محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5301

ماذا يعني؟ سيدي الأستاذ البليغ صاحب الرسالة إني قرأت في رسالتكم الواحدة والستين كلمة ندت من الأستاذ كرم ملحم كرم، وهو يتحدث عن (أدب اليوم) صغيرة في ذاتها، ولكن فيها طبيعة كطبيعة (الديناميت) لا يمس شيئاً إلا جعله يباباً، فأكبرتها، وأعددت فصلا طويلا في الرد عليها، ثم بدا لي فقلت: لعل الأستاذ كرم، لا يعني هذا الذي يفهم من كلمته، ولعله إذا نبه إليها نظر فيها ثم رجع عنها، فكفى الله المؤمنين القتال، وعهدنا بالأستاذ أنه ذكي متأن، وكاتب مفكر، فطويت فصلي وبعثت بهذه الكلمة إليكم راجياً منكم أن تنشروها وتسألوه الجواب عنها: ماذا يعني الأستاذ كرم بقوله، وهو يتحدث عن روايات فولتير وروسو ولامارتين وهوغو: (والدين نفسه يقوم على الروايات، فما هو كتاب التوراة، وما هو الانجيل، وما هو القرآن؟ أليس للرواية من هذه الكتب أكبر نصيب؟) اهـ. هل يعني دين التوراة والإنجيل فقط، فلا ننازعه ولا يكون لنا أن ننازعه وهو صاحب الدار وأدرى بما فيها، أم يعنى دين القرآن؟ وهل يعني أن القرآن رواية كروايات روسو ولا مارتين؟ وان ما فيه من عبرة التاريخ الصحيح، هو ملهاة الرواية الباطلة؟ هذا ما أرجو أن تتفضلوا بسؤال الأستاذ عنه، وأن يتفضل بأيضاًحه. علي الطنطاوي عضو (جمعية الهداية الإسلامية) بدمشق

стр. 5302

٢ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الأبراشي المدرس بكلية الآداب بالجامعة المصرية العناصر الرئيسية التي تكون منها الشخصية القوية: إن العناصر الجوهرية التي تكون منها الشخصية القوية كثيرة منها: (١) الجاذبية: وهي قوة طبيعية إن وجدت في الشخص استطاع أن يجتذب قلوب غيره ممن يتصلون به بدون أن يتكلف أو يتصنع: وهذا العنصر يعد أقوى العناصر التي تتكون منها الشخصية إن لم نقل أقواها، ولكن بماذا يجتذب الإنسان غيره من الناس؟ والجواب أنه يستطيع أن يجتذبهم ويسيطر عليهم بأدبه وعلمه، وضبط نفسه، وسداد رأيه، وسرعة خاطره، وحسن حديثه، وكرم خلقه، ومراعاة شعورهم ومشاركتهم في وجدانهم. وهذه الصفات بعضها وراثي، وبعضها يمكن أن يكتسب بالتربية والتعلم، في البيت والمدرسة والملعب والمجتمع، (٢) النشاط العقلي أو الذكاء: العنصر الثاني من العناصر المكونة للشخصية القوية هو النشاط العقلي أو الذكاء، وبعبارة أخرى حضور الذهن. وسرعة الخاطر، وصفاء القريحة. فقد يكون الرجل مثقفاً، واضح التفكير، غزير المادة، واسع الاطلاع، ولكنه قد لا يكون متقد العقل، وضاء الفكر، حاضر البديهة، فلا يستطيع أن يدرك ما يرمي إليه محدثه، ولا أن يشاركه في رأيه؛ وقد تكون المرأة وسيمة الوجه، حسنة المنظر، جميلة الملبس، ولكنها قد تكون فاقدة ذلك النشاط الفكري والاتقاد العقلي، فتعجز عن التأثير في غيرها أو اجتذابه والسيطرة عليه. فهي كصورة جميلة المنظر، ولكنها فاقدة الروح الفنية، تلك الروح التي تؤثر في الصورة فتعطيها قوة وتأثيراً وحياة معنوية. فللنشاط العقلي تأثير حسن في شخصية الإنسان، وفي ارتفاع منزلته بين إخوانه وذويه، وللغباوة وقلة الفطنة والكسل العقلي أثر سيئ في خمول الشخص وتأخره، وعجزه وارتكابه الجرائم أحياناً، ولا عجب إذا قلنا إن معظم المجرمين من الأغبياء وضعاف العقول، وتبدو شخصية الأذكياء في أعمالهم وأقوالهم كما تبدو في منطقهم وتفكيرهم المنظم، وآرائهم

стр. 5303

المرتبة، وحججهم القوية، وقدرتهم على التخلص بسهولة من المشكلات التي تعترضهم بما أوتوا من نشاط عقل وحدة ذهن وصدق حس. ومن كان لذكائهم أثر في نجاحهم في حياتهم (ابراهام لنكولن)، أحد رؤساء الولايات المتحدة الذين تدين لهم تلك الولايات اليوم بما فيها من تقدم ورقي وإصلاح. ولد في ١٢ من فبراير سنة ١٨٠٩، وكان أبوه بحاراً، نجاراً عادياً. توفيت والدته ولما يبلغ من العمر عشر سنين، تعلم مبادئ القراءة والكتابة وهو طفل، وكانت أمه قبل وفاتها تعني به العناية كلها، اختارت له من الكتب الكتاب المقدس وكتاباً عن حياة (جورج واشنطون) قرأهما وأعاد قراءتهما مراراً حتى كاد يحفظهما. وكان في بعض الأحيان يسير أميالاً ليستعير كتاباً يقرؤه. كان في حياته الأولى عاملاً، ثم ثقف نفسه بالقراءة في أوقات الفراغ، وكان في الليل يوقد قطعاً من الخشب، يتدفأ بنارها ويقرأ على نورها، ولولا ضيق المقام، والخوف من الخروج عن الموضوع لكتبنا عنه الكثير فارجع إلى تاريخ حياته أن شئت، وكل ما نريد أن نذكره هو أنه درس القانون أخيراً، ثم كان محامياً مدرهاً يشار إليه بالبنان، حاضر الذهن متقد الفكر، قوي الشخصية، ثم كان عضواً بمجلس النواب، فسياسياً، فرئيساً للولايات المتحدة بأمريكا. فضلته زوجته - وكان فقيراً - على منافس آخر من الأغنياء، وقد اختارته زوجاً لذكائه وإخلاصه وشخصيته. تنبأت أنه سيكون عظيماً، وقد كان مثلاً للعظمة؛ ولئن قام واشنطون بتحرير الولايات المتحدة، فقد قضى لنكولن على ما كان فيها من الاضطراب، وقام بكثير من الإصلاحات، وقد ترك لنكولن اسماً خالداً محبوباً لا من الأمريكيين فحسب، بل من أبناء الإنسانية في جميع الشعوب، فقد كان يعمل للإنسانية ويفكر كثيراً في الإنسانية وينسب إليه كثير من الحكايات التي تقرب من الخيالات والروايات. وممن كان لحدة ذهنهم وشخصيتهم أثر كبير في نجاحهم أيضاً (اللورد ماكولي) الاسكتلندي، فقد كان كاتباً وشاعراً، وكان مؤرخاً وقانونياً، وكان خطيباً وسياسياً، ولد في ٢٥ من أكتوبر سنة ١٨٠٠ م وتوفى في ٢٨ من ديسمبر سنة ١٨٥٩ م. أظهر حباً للقراءة وتعطشاً للعلم منذ نعومة أظفاره، توسم فيه أبوه كثيراً من علامات الذكاء والمقدرة العقلية منذ طفولته؛ فقد قلد (السير وولتر سكوت) في كتابته وعمره لم يزد على سبع سنين، فكتب ثلاث قصائد، ومختصراً تاريخياً عاماً، وهو طفل. كان قوي الذاكرة،

стр. 5304

محباً للعمل مولعاً بالأدب وبخاصة الروايات. وكثيراً ما لامه أبوه على قراءتها، التحق في أكتوبر سنة ١٨١٨ بجامعة (كمبردج). وحصل على أربع جوائز منها. وكنا نود أن نكتب عنه كثيراً لولا الخوف من التطويل. وكل ما يمكننا أن نقوله هو أنه اشتغل بالقضاء، ثم اتخذ الأدب مهنة، ثم انتسب إلى أحد الأحزاب السياسية، ونجح في حياته النيابية نجاحاً باهراً لنشاطه العقلي، وتأثيره الخطابي، وإخلاصه في قوله. وكان ينضم لآرائه كثيرون حتى المعارضون لحزبه. وله خطبة هي آيات بينات يدافع فيها عن تعميم التعليم المجاني، تدل على غيرته، وحضور بديهته. ولم يفخر الشعبان: الإنكليزي والاسكتلندي إلى اليوم بأحد من رجال السياسة والأدب فخرهما بماكولي: ومن كتابته تكاد تلمس قوة حجته، وروح خطابته، ووضوح لغته، وصفاء ذهنه، وسلامة ذوقه في كتابته، وجمال تعبيره، وحسن أسلوبه، ووفاءه لبلاده وأقاربه وأصدقائه، تكاد تلمس نقده المر البريء الذي ينبئ عن الإخلاص والإيمان بما يقول. . وممن كان يشهد لهم بالذكاء وحضور البديهة كثير من رجال العرب ونسائهم نذكر لك منهم: معن بن زائدة؛ فقد دخل على أبي جعفر المنصور، فقارب خطوه، فقال المنصور: (لقد كبرت سنك؛ قال في طاعتك. قال وإنك لجلد؛ قال على اعدائك. قال: وأرى فيك بقية؛ قال: هي لك.) فانظر إلى أجوبة معن تجد أنها تدل على سرعة الخاطر وحسن الجواب. فالنشاط العقلي يساعد على النجاح في الحياة، وينقذ الإنسان من أدق المراكز، ويحفظ شخصيته في أشد المواقف، ويسهل الصعب، ويقرب البعيد وله أثر كبير في حسن الخلق والسلوك. وبالإحصاء وجد أن أكرم حكام أوربه خلقا في القرون الثلاثة الأخيرة الماضية كانوا على قسط كبير من الذكاء. . (٣) المشاركة الوجدانية: العنصر الثالث من العناصر التي تكون منها الشخصية يدعى المشاركة الوجدانية؛ فاذا لم نشعر بشعور الناس ونشاركهم في مسراتهم وأحزانهم، ونتأثر بآرائهم وأفكارهم، فهذا دليل على أننا في حاجة إلى أن نضع أنفسنا موضعهم، مهما كانت علاقتهم على شرط أن يكون لدينا استعداد للفهم والتفكير والشعور، مهما كانت مراكزنا بالنسبة إليهم، من غير نظر إلى رئيس أو مرءوس، غني أو فقير، عظيم أو حقير، رفيع أو وضيع، وألا تكون مناصبنا

стр. 5305

العالية حجر عثرة في سبيل فهمنا لغيرنا، وتقدير ظروفه المحيطة به؛ بل تكون معينا على أن نشاركه في حالاته، فنسر لسروره، ونتألم لآلامه، وبذلك نمتلك قلبه. أما صاحب المزاج البارد الذي يتمثل فيه الجود والقسوة والغلظة فلا يتأثر لما ينتاب غيره من نكبات، ولا يحب أن يتفاهم مع أحد؛ فهو ينفر من الناس، والناس ينفرون منه. وهو يؤثر في غيره بالإيذاء، كما يؤثر الهواء البارد في النبات الغض الشديد الاحساس، فيتجمد قبل أن ينمو أو يترعرع. ومن أكبر عيوب نابليون التي كان يتخلق بها شدة قسوته على النوع الإنساني، وعدم مشاركته له في شعوره، ومن ثم كانت شخصيته غير كاملة. وإننا في الوقت الذي نطالب فيه بالعدالة نطالب أيضاً بالرحمة. ومن الحكمة إذا كنت رئيساً أن تصل بالمشاركة الوجدانية إلى تنفيذ جميع رغباتك من غير التجاء لإظهار سلطتك، وأن تفوز بطاعة مرءوسيك من غير احتماء بالقانون. ومن المهارة أن تبين لمرءوسيك أخطاءهم، ونقط ضعفهم، وتسيرهم كيف تشاء، بدون أن تحط من كرامتهم، وبدون أن تظهر لهم أنك أعلى أو أرقى منهم، ومن غير اضطرار إلى اتخاذ شدة أو عنف. إذا أمكنك الوصول إلى كل هذا كانت شخصيتك قوية، وكان تأثيرك كبيراً. وإن قوة التأثير لا تستدعي قسوة أو غلظة، ولكنها تستدعي أن تشارك الناس في شعورهم ووجدانهم، وتتألم لما يدهمهم من حوادث الدهر، وتواسيهم فيما يلم بهم من نوائبه، وتنظر إلى حسناتهم قبل سيئاتهم، وفي صوابهم قبل خطئهم، وتقدر حسناتهم إذا أحسنوا، وتفكر في البواعث التي اضطرتهم إلى الخطأ إذا أخطأوا، وتعدل في أحكامك إذا حكمت، لا تنزع إلى جانب الظلم، ولا تميل إلى ناحية التهاون، وبهذه الوسيلة تكون قوياً، ليناً في غير ضعف، متواضعاً في غير ذلة، موفقاً في عملك محبوباً عند غيرك. أما هؤلاء الذين يلجأون إلى الشدة والقسوة دائماً فهم ضعفاء، يشعرون بالضعف فيلجأون إلى الغلظة، ظانين أنهم بتلك الطريقة يسترون ذلك الضعف، ويكملون ذلك النقص. مثلهم مثل الكلاب، تنبح في الطرق لا في ضوء النهار، بل في ظلام الليل، كي تبحث عن فريسة تفترسها، أو خيانة تخونها، أو طعام تسرقه، هم كالكلاب تسرهم عيوب غيرهم، ويفرحون لهفوات سواهم. وأمثال هؤلاء لا شخصية لهم، فأشخاصهم مكروهة، وأسماؤهم

стр. 5306

منبوذة، وأفعالهم مذمومة مشئومة. فالمشاركة الوجدانية من أهم عناصر الشخصية تجعل القلب متقداً يشعر بشعور غيره، ويقيس نفسه بمقياس سواه من الناس. يقول (السير وولتر سكوت) الكاتب الاسكتلندي الكبير: (إن المشاركة الوجدانية هي الحلقة الفضية أو الرباط الحريري الذي يصل القلب بالقلب، ويربط العقل بالعقل، والجسم والروح) فإذا كانت الشخصية هي القوة التي بها يجتذب الغير فالمشاركة الوجدانية من أهم الأشياء التي بها نتصل بقلوب غيرنا وأرواحهم. . وإذا قدرنا غيرنا، وفكرنا فيه، وسررنا لسروره، وتألمنا لألمه، فإننا ننتظر منه أن يقابل المثل بالمثل، فيقدرنا ويفكر فينا، ويشاركنا في سعادتنا وشقائنا بوجدانه وقلبه، أما إذا لم نقدر أحداً، ولم نفكر في أحد، فإننا لا نترقب أن يقدرنا أو يفكر فينا أحد. ومن المشاركة الوجدانية أن يخلص الأستاذ في نصح طلبته وإرشادهم، والتفكير في عملهم وظروفهم ومستقبلهم، فيقابل الطلبة ذلك بالوفاء والطاعة والتقدير. فالشخصية تستدعي أن نتأثر للغير، ويتأثر الغير لنا، ونشعر بشعورهم، ويشعروا بشعورنا. ولا أثر للتربية والتعليم إذا لم يصحبا بمحبة غيرنا، والتفكير فيهم بقلوبنا، فالمشاركة الوجدانية يجب أن تتحقق في القادة، قادة الفكر وقادة العمل، حتى تكون لهم شخصية جذابة. غير أنه ينبغي ألا يتدخل الوجدان والعاطفة في أقوالنا وأفعالنا وحركاتنا وسكناتنا تدخلاً كبيراً، حتى نستطيع أن نزن الشيء بميزان العدالة لا بميزان العاطفة. ويجب ألا ننظر إلى الأمور من ناحية واحدة وهي الناحية الوجدانية، لئلا يختل التوازن، ويصبح العقل عبداً خاضعاً للتأثيرات الوجدانية العاطفية التي تعمينا عن حقائق الأشياء وعلاقاتها بغيرها. ونظراً لطول الموضوع وتشعبه أرجئ البقية إلى بعض الأعداد التالية من الرسالة. محمد عطية الأبراشي

стр. 5307

الصقور البحرية في البحر الأحمر للدكتور كرسلاند مدير محطة الأحياء البحرية بالغردقة تقل الطيور البحرية في شمال البحر الأحمر حيث محطة الأحياء البحرية التابعة للجامعة المصرية. وأكثرها الصقر البحري وبدهي أن تندر الطيور البرية في أرض مجدبة لم تجدها الأمطار منذ أثني عشر عاماً. أما الغربان فكثيرة الانتشار وتعتمد في غذائها على جماعات الإنسان، ولكني لم أعثر للآن على النسر البحري المصري الذي كان يوجد بكثرة عند المحطة التي كنت أديرها على شاطئ السودان. أما في فصلي الربيع والخريف فيمر بالمحطة عدد كبير من الطيور من كل نوع، كنوعين من البط وبعضها كالخطاف وأبي فصاده ينساب طوال الفصل. أما الصفير (العصفور) فيمر فرادى. وصقر البحر يختلف في نوع فريسته وطرق صيده عن الطيور البحرية الأخرى. إذ لم يتأقلم تماماً للحياة البحرية، فبرغم تشوك أصابعه واندثار الريش الطويل من أرجله ما زال يشبه الطيور الأخرى من فصيلته. ولا يمكنه أن ينقض على جماعات الأسماك التي تعوم بسرعة قريباً من سطح الماء كما تفعل النورزة والخطاف البحري بل يفترس عادة الأسماك البطيئة كأبي صندوق , والحجم والدرمة والمشط وهذه الأخيرة سمكة زرقاء اللون تزينها بقعة صفراء فاقعة، وتكثر حول الشعاب المرجانية. وكثيراً ما نرى عظام هذه الأسماك وجلودها بكميات كبيرة حول أعشاش الصقر. وإنه وإن بدت هذه الأسماك محصنة من الأسماك المفترسة بكيفية لا نعرفها إلا أن ذلك لا يقيها شرين: حربة الصياد، ومخالب الصقر. وقد التجأ الصيادون هنا إلى استعمال الحراب لانتشار الشعاب المرجانية مما أدى تحديد صلاحية الشباك للصيد. وقد لا يجدي الصيد بالشص كثيراً إذ تتحصن الأسماك المصيدة بالشعاب فيفقد السمك والشص معاً، لذلك انتشر استعمال الحراب. وتتكون الحربة من قضيب من الحديد يبلغ سمكه سنتيمتراً أو سنتيمترين، ويصل طوله إلى ثلاثة أمتار، أحد طرفيه مدبب وبالآخر ثقب صغير يثبت به الخيط. ويشتغل الصيادون مثنى في كل هوري

стр. 5308

(قارب منحوت من الأشجار) ينظر أحدهما في منظار الماء بينما يجدف الآخر ببطء، ويبحثان عن صدف اللؤلؤ، ولكن إذا ما تراءت لهما سمكة أمسك أحدهما الحربة من منتصفها وصوبها ثم قذف بها بمهارة لا تفلت منها الأسماك الصغيرة. وأكثر ما يصاد عادة بهذه الطريقة الأسماك البطيئة الحركة. وقد تقتنص الأسماك السريعة كأنواع البياض وأميز هذا الجنس ما يسميه الأوربيون خطأ فأنه يتلون بألوان براقة جميلة حينما يحتضر خارج الماء. وقد صادفت مرة جماعة من صيادي اللؤلؤ وقد أمسكوا درمة (جنس من السمك) فسألتهم (كيف أمسكتم هذه السمكة وليس معكم حربة واحدة؟) فأجاب أحدهم (أمسكتها بيدي). والدرمة سمكة معروفة بأنها سامة، ولكنها تأكل كثيراً بالبحر الأحمر، ويقال إن لحمها جيد وإن كان قليلاً. وعلى شاطئ البحر الأحمر لا توجد جروف ولا أشجار يبني في وقايتها الصقر عشه. فيلجأ إلى أفرع نباتات الأرض الملحة على الشاطئ المنبسط مثل الشمرة البحرية والحزيس والساليكورنيا وغيرها من النباتات التي تنمو على الأرض المنخفضة بجانب البحر بل وعلى رمل الشاطئ نفسه، وكذلك على الأعشاب البحرية وجلد الأسماك وعظامها والأجسام الطافية على سطح الماء من أي نوع. والصقر لا يغير عشه بل يضيف إليه كل عام حتى يصبح ربوة عالية - وعلى مقربة من المحطة عش يربو ارتفاعه على المترين. ورأيت آخر على شاطئ السودان كان يسكنه صقر مدة خمسة عشر عاماً ولست أدري كم أقام به الصقر قبل ذهابي إلى السودان. وبيض هذا الصقر كبير الحجم وعليه نقط سمراء داكنة، أما الصغار فسمر الألوان، وإذا أزعجت خرجت من عشها وجثمت بين الأعشاب المجاورة. ومما يساعد على وقاية هذه الطيور عزلتها في الصحراء ورغبة (البشاريين) عن أكل الطيور وبيضها. ولكن انتشار السيارات في الصحراء قد سلبها عزلتها. وكم نشفق الآن على بعض هذه الطيور التي ما زالت تأوي عشاً لا يبعد إلا قليلاً من الأمتار عن الطريق الموصل بين آبار البترول ومحطة الأحياء البحرية! أما الجزر فما زالت ولن تزال حصناً منيعاً لها.

стр. 5309

وقد أقمت عدة علامات لتحدد الشعب المرجانية، وسرعان ما انتفع بها الصقر للاستراحة والتهام فريسته، ولا شك أن هذه العلامات توسع نطاق صيدها. إذ أن الصقر طير بري، ولا بد له من الرجوع إلى الشاطئ لأكل فريسته، ولكنه الآن لا يحتاج إلى ذلك كثيراً بفضل انتشار العلامات على بضعة أميال من الشاطئ. وكثيراً ما يرى الصقر ممسكاً بفريسته بين مخالبه باحثاً عن مكان يلتهمها فيه؛ وهو يمسك فريسته موازية لجسمه، بخلاف الطيور الأخرى التي تمسكها في اتجاه مستعرض. كرلس كربلاند

стр. 5310

الامتيازات والديك. . للأستاذ محمد محمود جلال منذ عشر سنوات كنت أعالج (ضرساً) لدى طبيب إنجليزي يقيم في مصر من زمان طويل بل لعله ولد بها. والعجيب من أمره أنه خالف سنة قومه فأكثر من معاشرة المصريين وأتقن الكلام بالعربية، واندمج في مختلف بيئاتهم، وهو على خفة في روحه وظرف في طبعه حلو النكتة حتى لتحسبه (ابن بلد). ففي يوم من أيام العلاج، وقد أخذ يعد دواءً، أراد أن يروح عني من شدة الألم ومرارة الانتظار بنادرة مما حفظ فقال: إن أحد الشيوخ مر ذات يوم بشارع ضيق من شوارع القاهرة، وبينما هو في سيره إذ قفز من أحد المنازل ديك على عمامته فأتلفها وهوى بها، فاستاء الشيخ وبحث عن صاحب المنزل ثم رفع أمره للقضاء. ولم يشك المدعي يوم الجلسة في صدور حكم لصالحه، فحقه في التعويض واضح، زكته اعترافات المدعى عليه في أول إجابته. بيد أنه ذهل إذ سمع المدعى عليه يدفع بعدم الاختصاص!! والخصمان مصريان والمحكمة مصرية، وصرخ عجباً!! قال المدعى عليه (كل ذلك حق) ولكن الديك (رومي) فقضت المحكمة بعدم اختصاصها!!!. إحدى الخراقات الفكاهية التي لا يعدو أثرها حين تطلق في مجلس أن تنتزع ضحكة، ولا نفيد منها إلا نصيباً من الترويح، لكنها من خير ما يصور الأثر الذي تركه ذلك النظام في بلادنا، والطابع الذي أقامه في روح الحياة بعد أن نال من مصالحنا وكرامتنا وآدابنا. فكم تعطلت إجراءات عادلة بدعوى أفاق، حتى إذا فصل في أمره كان الزمن قد ذهب بالمصلحة والغرض، وكم من عاث تعب في أمره رجال الأمن وهو كل يوم يظهر بحيلة جديدة، وكم من حقوق مصرية بحتة أخرجت من دائرتها الطبيعية ودفعت لمجرد شبهة في صالح أجنبي، إلى محاكم استثنائية. يعيش بيننا كثيرون يسيئون إلى سمعة دولهم أكبر الإساءة. فهم يؤجرون للتعرض في التنفيذ ويتخذون ذلك مهنة لهم، وإني لأذكر واحداً تعرض مرة في تنفيذ حجز على محصول لقاء مبلغ الإيجار - وكان المتعرض شخصاً معروفاً للناس تأنف منه الجالية التي

стр. 5311

ينتسب إليها ولا يملك شيئاً إلا هذه المهنة - ومع ذلك فقد ادعى بأنه اشترى المحصول، وكان هذا وحده إشكالاً رجع معه المحضر ليتلافى الأمر من طريق الإجراءات - فلما أخذنا المتعرض بشيء من الحزم اعترف وأخرج من جيبه (جنيهاً واحداً). قبضه أجراً لتعرضه. هذا وغيره كثير الوقوع وقد أصبح حديثاً مردداً. ولكن اليوم تشاء سخرية القدر أن يقع ما هو شر من الخرافة. قضت أعمالي أن أغيب عن مصيفي ببور سعيد في أوائل أغسطس الماضي، فلما عدت أخبرت أن ضابطاً مصرياً جاء إلى المنزل بأمر الحكمدار الإنجليزي، وأبلغ الخادم أن (ديكاً) يزعج الجار الأوربي، فهو يأمر بنفيه إلى (السطوح) أو ذبحه!! ليس بالمنزل سلم (للسطح)، ومكان الطيور بالحديقة بناه المالك ولا يد لنا بتغييره، لأننا نشغل المنزل لموسم الصيف، وإذن نفذ الأمر، وذبح (الديك) مأسوفا عليه من الدجاج مسطراً بدمه صحيفة عن آثار الامتيازات والعبث بالكرامة!! ضابط خلق لمهمات عالية من صيانة أرواح وأموال وأعراض، يحمله الرئيس الإنكليزي رسالة حقيرة في أمر حقير!! عندما يحس الجار إقلاقا لراحته يكفي في دفعه عادة كلمة طيبة لجاره، وتقفه رسالة من خادم لخادم. هكذا نفعل، ولكن الاعتزاز بالامتيازات والاحتلال بدل الجوار الحسن تفرقة وتحكما. ولست أشك في أن المناحة التي أقامتها الدجاج حزناً كانت قوية مؤثرة تضاعفت معها حركة الأقلاق، مما جعل الجار يندم على شكواه والحكمدار يرفه عنه، ولعلهما نسيا بهذه الصيحات المزعجة صوت الديك (الفقيد). وأمام ما تخيلت ثقة بوفاء هذه الطيور تساءلت: (ألم يتجدد الأمر بذبح البقية المقلقة؟) فلما أجبت بالنفي قلت: لعل الآمرين قد أُخذا بروعة الوفاء وصعقة الحزن فنسيا الجريمة!! أو لعل في ذلك إشارة إلى قرب الخلاص!! والله سميع مجيب. على أن في بيت الجار التالي (دجاجاً) سمعت صوتها وصياحها ولكن الشاكي لا يتحرك!! والحكمدار الإنجليزي لا يهتم! والضباط المصريون لا يسخرون! لأن الجار يتمتع بالامتيازات، وما في كنفه تابع له، ولو أن الديك (بلدي).

стр. 5312

ولقد هممت أن أكتب إلى الحكمدار - واحدة بواحدة - ولكني خشيت أن أكون سبباً في نكبة تحل بواحد أصله (مصري) وأنا الذي أفدي الوطن وما ينسب إليه بكل غال. أنظر إلى ما حدث على تفاهته - انه سيصبح حديثاً يتناقله خادم طارئ عن خادم مقيم! وينشره الأول والثاني - ثم يصبح موضوعاً يتنادر به أكثر من جماعة في مقهى أو شارع أو مجلس، ثم تبني عليه نوادر وخرافات أصلها حقيقي عن أمر صدر من رئيس كبير وبلغه مرءوس كبير، ثم قل بعد ذلك ما شئت في التسلسل الطبيعي وأثره في البيئة وما ينشأ عنه من إكبار النفوس البسيطة للنفوذ الأجنبي - وما يتبع ذلك من صبغها بنوع من الخنوع أو نوع من الوجل. ولكن الله يتدارك الشعب بأبنائه النابهين وما أظن نافذاً بإذنه إلا مشيئة البلاد. ولقد راجعت نفسي وواجبي فكتبت إلى الحكمدار منبها إلى كرامة الضباط وغرابة الحادث، ودخول البيوت بغير إذن، وهم العاملون المكلفون بطبيعة وظائفهم بالسهر على الحقوق. وبعد: أليس في الخرافة الأولى حق وعظة؟ محمد محمود جلال المحامي

стр. 5313

الرياضيات في الشعر للأستاذ قدري حافظ طوقان يقولون إن عداء مستحكما موجود بين الرياضيات والأدب بما فيه الشعر، ولكن الحقيقة تنقي وجود هذا العداء، والواقع لايؤيده، إذ ليس في أحدهما ما يناقض الآخر، وكثيراً ما استعان العلماء بأحدهما على الثاني. وإذا كان هناك عداء موضوع أو خصام موهوم، فهو في الحقيقة والواقع بين الرياضيين من جهة، والأدباء من جهة أخرى؛ وما علمت لهذا سبباً، وما قدرت أن أجد الدافع لذلك. فالأديب أو الشاعر يغيظه أن تذكر أمامه كلمة رياضيات، ويزيد في حنقه أن تجري أمامه بحوث في الأرقام والمعادلات والأشكال والخطوط، يتملص من جلسات الرياضيين ويشمئز حين الاجتماع بهم. وليس هذا خاصاً بالأدباء، فكذلك الذين يعنون بالعلوم الرياضية هم أشد حنقا على الأدباء من الأدباء عليهم، لا يتركون فرصة دون ذكر النوادر عن الأدباء والشعراء، وقد يتمادى بعضهم فيستهزئ بلغة العواطف والنسيم والطلول وهند وليلى ومجنونها. وتراهم (أو على الأقل يتظاهرون) بأنهم لا يفهمون معنى لأبيات يتخللها وصف بديع أو مجاز بليغ. هذا صراع موجود لا يمكننا إنكاره. وقلّ أن تجد أديبا أو شاعراً يعنى بالأرقام، كما أنه قل أن تجد رياضياً يعنى بالأدب أو الشعر. وأصبح الجمع بين الرياضيات والأدب والشعر في شخص واحد من الخوارق، بل من ضروب الشذوذ التي تثير الدهشة والاستغراب. فإذا قيل هذا أديب أو شاعر، فمعنى ذلك ضمناً أنه يمج الرياضيات ويكره كل شئ يحتوي على الأرقام والمعادلات. وإذا قيل هذا رياضي فمعنى ذلك ضمناً أنه يكره الأدب والشعر، ولا يفهم إلا الملموس المحسوس، ولا يتكلم إلا بلغة الأرقام. ولكن برغم ذلك فإننا نجد أشخاصاً برعوا وبرزوا في الناحيتين، وكان لهم فيهما جولات موفقات، فهناك رياضيون اعتنوا بالأدب ووجدوا فيه تسلية، وسحرهم الشعر وفنونه، ووجدوا فيه ملهاة، ولم تمنعهم الرياضيات من النظم أو من الغوص على كنوز الأدب، بل قد بلغ في بعضهم حب الجهتين أن استعمل الشعر في التعبير عن القوانين والمعادلات الرياضية. وإذا اطلعت على كتاب (مخطوط) للبيروني: (التفهيم لأوائل صناعة التنجيم) رأيت أدباً عالياً، ودقة في التعابير بالغة الدرجة العليا من الإجادة. وهناك شعراء عكفوا على دراسة الرياضيات والفلك، وشعروا بلذة في

стр. 5314

دراستهما، وبلغوا فيهما ذروة عالية يحسدهم عليها الكثيرون. لا أعرف شاعراً أو شاعرة قبل زرقاء اليمامة نظم شعراً وضمنه مسألة حسابية. ومما لاشك فيه أنها لم تكن تقصد وضع معضلة رياضية في قالب شعري، إنما جل ما في الأمر أنها كانت حادة البصر، وقد رأت سربا من الطيور، فرغبت في وضع عدده شعراً. وأرجح أن إيجاد العدد يحتاج إلى عملية حسابية يعجز عنها الكثيرون من فحول الشعراء وكبار الأدباء، أما الأبيات فهي: ليت الحمام ليه … ونصفه قديه إلى حمامتيه … صار الحمام ميه والمعنى المقصود من هذين البيتين أنه إذا أضيف إلى هذا السرب نصفه وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مئة، فإذا أخذت الحمامة كان الباقي تسعاً وتسعين، وهذا العدد يعدل عدد الحمام ونصفه، أي أن عدد الحمام ست وستون. وقد علق النابغة الذبياني على هذه الأبيات، ويظهر منها أنه يعرف عدد الطيور مع أنه لم يذكر ذلك صراحة. قال النابغة: أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت … إلى حمام شراع وارد الثمد يحفه جانباً نيق وتتبعه … مثل الزجاجة لم تكمل من الزمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا ونصفه فقد فحسبوه فألفوه كما زعمت … تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد فكملت مائة فيها حمامتها … وأسرعت حسبة في ذلك العدد وإذا اطلعت على ديوان أبي نؤاس وقد غمره الحب والخمر واستوليا عليه ودخلا في كل أعماله الصغيرة والكبيرة، أقول إذا اطلعت على ديوانه العجيب الغريب وجدت فيه بعض أبيات أشار فيها إلى تقسيم قلبه بين جنان حبيبته والساقي والعشاق تقسيماً حسابياً غريباً في بابه تقسيمات أبي نؤاس: جنان حصلت قلبي … فما إن فيه من باق لها الثلثان من قلبي … وثلثا ثلثه الباقي وثلثا ثلث ما يبقى … وثلث الثلث للساقي فتبقى أسهم ست … تجزأ بين عشاق

стр. 5315

ولقد وجد في الغرب من استطاع أن يضع كثيراً من الطرق والقوانين التي تتعلق بالأرقام والأعمال الأربعة شعراً. واعتنى بعض علماء الرياضة بالشعر والأدب، ورغب غير واحد منهم في وضع الجبر شعراً، فابن الياسمين وضع أرجوزة في علم الجبر وقد شرحها كثيرون. وفي هذه الأرجوزة نجد خلاصة كثير من القوانين والمعادلات الجبرية التي يجدها القارئ في كتب الجبر الحديثة. وتدل الأرجوزة على تضلع الناظم في الجبر وبعد غوره فيه، على أن ثروته الأدبية لا يستهان بها، وتدل أيضاً على أن لديه شاعرية قوية قد لا نجدها في كثيرين من شعراء زمانه، وإني أعتقد أنه لولا إحاطته بالجبر والشعر إحاطة كلية لما استطاع أن يضعهما في قالب سلس جذاب. ولدينا نسختان من أرجوزة ابن الياسمين، أخذنا الأولى عن مخطوطة قديمة موجودة في المكتبة الخالدية في القدس وهي (شرح الياسمينية للمارديني)، والثانية أرسلها إلينا الصديق الأديب عبد الله كنون من شباب طنجة بالمغرب ومن نجومها اللامعة في سماء الشعر والتاريخ. ولنرجع إلى الشعر الموجود في أرجوزة أبن الياسمين فنجد أنه يبدأ بذكر خواص القواعد الأربع الأصلية وشرح طرق حلها للأعداد الصحيحة والكسرية، وبعد ذلك ينتقل إلى علم الجبر فيقول: على ثلاثة يدور علم الجبر … المال والأعداد ثم الجذر ثم يفسر كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة يقوله: فالمال كل عدد مربع … والجذر واحد تلك الأضلع والعدد المطلق ما لم ينسب … للمال أو للجذر فافهم تصب من هنا يفهم أن المال هو كل عدد مربع، والجذر أحد ضلعيه، والعدد المطلق هو الذي لم ينسب إلى جذر ولا إلى مال ولا إلى غيرهما، فالاثنان (مثلاً) عدد. والجذر والشيء بمعنى واحد … كالقول في لفظ أب ووالد أي أن الجذر والشيء مترادفان، وبعبارة أخرى يمكن أن يقال إن الجذر هو العدد المجهول ويعبر عنه بالحرف (س) في علم الجبر وعلى ذلك يكون المال (س٢). ثم يبحث ابن الياسمين في المعادلات وأقسامها وأنواعها وطرق حلها ويأتي بعد ذلك على شرح طريقة إكمال المربع لحل المعادلة ذات الدرجة الثانية، وإذا تتبعت خطواتها بالدقة تجدها هي

стр. 5316

بنفسها الخطوات المتبعة في الكتب الجبرية الحديثة. فربع النصف من الأشياء … واحمل على الأعداد باعتناء وخد من الذي تناهى جذره … ثم انقص التنصيف تفهم سره فما بقى فذاك جذر المال … وهذه رابعة الأحوال ولم يستطع العرب أن يدركوا القيم السالبة، أي أنهم لم يعتبروا من جذور المعادلة إلا الموجب. ثم يشرح طريقة استخراج المجهول في المعادلة التي يكون فيها معامل (س٢) غير الواحد، وهي نفس الطريقة التي تجدها في كتب الجبر للمدارس الثانوية. وأعطى طرقاً لكيفية حل بعض المعادلات التي تكون في أوضاع مخصوصة مثاله: فاجمع إلى أعدادك التربيعا … واستخرجن جدرها جميعا واحمل على التنصيف ما أخدتا … فذلك الجدر الذي أردتا ولم يقف ابن الياسمين عند هذا الحد، بل نجده يشرح بعض النظريات التي تتعلق بالقوى والأسس وطرق ضربها في بعضها وقسمتها على بعضها. ولم ينس أيضاً أن يذكر معنى كلمتي (جبر) و (مقابلة) فقال: وكل ما استثنيت في المسائل … صيره إيجاباً مع المعادل وبعد ما يجبر فليقابل … بطرح ما نظيره يماثل ولولا الخوف من الملل الذي قد يتسرب إلى القراء ولا سيما الأدباء منهم لأتينا على شرح هذين البيتين تفصيلاً. ولقد سبق أن شرحت معنى الكلمتين (جبر) و (مقابلة) في مقالي في المقتطف. وتنتهي الأرجوزة بالصلاة والسلام على النبي. ويوجد شعر كثير حوى مسائل حسابية وهندسية ومعضلات فلكية من الصعب فهمها وقد يكون حلها أيضاً. وفوق ذلك أخذ الشعراء بعض الاصطلاحات والأسماء والآلات الفلكية والرياضية واستعملوها في شعرهم فقد كتب أبو إسحاق الصابي في يوم مهرجان مع إسطرلاب أهداه إلى عضد الدولة ما يلي: أهدي إليك بنو الآمال واحتفلوا … في مهرجان جديد أنت مبليه

стр. 5317

لكن عبدك إبراهيم حين رأى … علو قدرك عن شيء يدانيه لم يرض بالأرض مهداة إليك فقد … أهدى لك الفلك العالي بما فيه وكتب أيضاً مع زيج أهداه - والزيج هو كتاب يتضمن جداول وحسابات فلكية: - أهديت محتفلا زيجا جداوله … مثل المكاييل يستوفى بها العُمر فقس به الفلك الدوار واجر كما … يجري بلا أجل يخشى وينتظر ومما كتب إليه في يوم نيروز مع رسالة هندسية من استخراجه: رأيت ذوي الآمال أهدوا لك الذي … تروق العيون الناظرات محاسنه وحولك خزان يحوزونه وما … له منك إلا لحظ طرف يعاينه ولكنني أهديت علماً مهذباً … يروق العقول الباحثات بواطنه وخير هدايانا الذي إن قبلته … فليس سوى تامور قلبك خازنه وأخذ بعضهم من الأفلاك والكواكب ومن الظواهر الطبيعية والفلكية ميداناً لنظم الشعر ومسرحاً للخيال، قال أحدهم، ولا يحضرني اسمه الآن: أما ترى الزهرة قد لاحت لنا … تحت هلال لونه يحكي اللهب ككرة من فضة مجلوة … أو في عليها صولجان من ذهب وقال التهامي في البقع السوداء التي تظهر على سطح القمر: فبات يجلو لنا من وجهها قمراً … من البراقع لولا كلفة القمر وقال ابن المعتز في وصف الهلال: أنظر إليه كزورق من فضة … قد أثقلته حمولة من عنبر وجاء في سقط الزند للمعري وصف للسماء وما فيها من أجرام وقد صورت أحسن تصوير في قالب شعري جميل: كأن سهاها في مطالع أفقه … مفارق إلف لم يجد بعده إلفا كأن بني نعش ونعشاً مطافل … بوجرة قد أضللن في مهمه خشفا كأن سهاها عاشق بين عود … فآونةً يبدو وآونةً يخفي كأن قدامي النسر والنسر واقع … قصصن فلم تسمُ الخوافي له ضعفا وجاء أيضاً:

стр. 5318

سقتها الذراع الضيغمية جهدها … فما أغفلت من بطنها قيد أصبعِ بها ركز الرمح السماك وقطعت … عُرى الفرع في مبكى الثريا بأدمع ويستبطأ المريخ وهو كأنه … إلى الغور نار القابس المتسرع وتبتسم الأشراط فجرا كأنها … ثلاث حمامات سدكن بموضع وتعرض ذات العرش باسطةً لها … إلى الغرب في تغويرها يد أقطع وجمع الشيخ اليازجي أسماء البروج في ثلاثة أبيات فقال: من البروج في السماء الحملُ … تنزل فيه الشمس إذ تعتدل والثور والجوزاء نعم المنزلة … وسرطان أسد وسنبله كذلك الميزان ثم العقرب … قوس وجدي دلو حوت يشرب وقال أبو العباس ابن الخليفة المعتز بالله في مخاطبة القمر: يا ساقي الأنوار من شمس الضحى … يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي أما ضياء الشمس فيك فناقص … وأرى حرارة نارها لم تنقص لم يظفر التشبيه منك بطائل … متسلخ بهقا كلون الأبرص ولا يمكننا في هذه العجالة الإتيان على أكثر ما قاله الشعراء وعلماء الفلك والرياضة في مبادئ العلوم الرياضية والفلكية فهو أجل من أن يحاط به في مقالة أو مقالتين آملين العودة إلى البحث فيه بصورة أوسع وأوفى للمرام. (نابلس) قدري حافظ طوقان

стр. 5319

فصول مدرسية في الأدب الدرامي ٦ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات المأساة في خلال القرون لعلك تذكر أنني أشرت عند الكلام عن منشأ الرواية إلى أن أصل المأساة هو تلك الأناشيد التي كان يغنيها القيان (الخورس) إجلالا لباكوس إله الخمر يوم عيده. وكلمة (تراجيدي) اليونانية لا تزال تحمل دليل هذا الأصل. فمعناها غناء الجدي، وهي مركبة من كلمتين: (تراجوس جدي، و (أودي غناء. وذلك لأن الجدي كان مخصصا للقربان في ذلك اليوم، ولأن القيان كن ينشدن تلك الأناشيد أثناء ذبحه. وقلت إن (إبيجين) وضع الحجر الأول في بناء المأساة، ولكن اسحيلوس (٥٢٥ - ٤٥٦ ق م) هو الذي صورها وسواها بخلقه الحوار؛ ثم أبقى على القيان، وبث في المأساة الرعب على الأخص، وجعل تصريف الأشخاص بيد القدر. وجاء سوفو كليس (٤٩٥ - ٤٠٥ ق م) فقلل من عمل القيان، وأضعف من شأن القدر، وعزا جزءاً من العمل إلى أهواء الإنسان وحريته، وأحكم العقدة الروائية. وأشهر مآسيه أنتيجون، وإلكتر، وأوديب الملك، وفيلو كتيت. ثم كان أوريبيذس (٤٨٠ - ٤٢٠ق م) فكاد يلغي القيان، وأخفى أثر القدر من رواياته، وجعل الأمر كله لتصارع الأهواء، وبث فيها الرحمة على الأخص. وأطلق عليه أرسططاليس اسم أمير المأساة. ولكنهم أخذوا عليه الإغراق في تعقيد العمل، والالتجاء إلى معونة الآلهة في الحل، وحشوه القطعة بالحكم الفلسفية. وأشهر مآسيه ألسست وهيكوب وإيفجيني وأوليس. ثم نضبت قرائح اليونان من المأساة بعد أوربيذس فلم ينبغ فيها منهم أحد. أما الرومان فميلهم الغريزي إلى المشاهد الوحشية الدموية كمصارعة الوحوش والثيران أزهق فيهم روح الفن الروائي، وشغلهم عن إجادة المأساة. وما نسبوه من المآسي إلى سنيكا (٦١ - ٣٠ق م) ليس إلا تطبيقات مدرسية صيغت في أسلوب روائي. ثم درست معالم المأساة، وانقضى أمرها في العصور الوسطى، فلم تعد ثانية إلى الظهور إلا مع النهضة العامة في القرن السادس عشر. ظهرت في فرنسا واستمدت موضوعاتها من الأساطير

стр. 5320

اليونانية واللاتينية، واقتبست قواعدها من الأدب القديم، حتى جاء اسكندر هاردي فاستقاها من موارد الاسبان والطليان أيضاً. وظلت المأساة على هذا النحو من التقليد والفوضى حتى أدركها كرنيي زعيم المسرح الفرنسي، وخالق المأساة الحديثة، فزاد على غرضيها الأوليين وهما الرعب والرحمة، غرضاً ثالثاً وهو الإعجاب، وحصر أسباب هذه الأغراض الثلاثة في قلب الرجل وهواه، ووصف الناس كما ينبغي أن يكونوا، وجعل الخلق الغالب على أشخاصه النبل والبطولة، وضحى بالهوى على مذهب الواجب، وأضعف أثر الحب في رواياته ماعدا (السيد). ثم أعقبه راسين فحرك الرحمة في النفوس على ضحايا الأهواء، ولا سيما ضحايا الحب والغيرة، وأرخى عقدة الرواية إيثاراً لجاذبية التصوير الخلقي على جاذبية التعقيد الروائي، وجعل للحب المحل الأول في رواياته، ووصف الرجل كما هو لا كما ينبغي أن يكون كما فعل كورنيي. ثم يأتي فولتير في حسن الأثر وعظم الفضل ثالثاً لكورنيي وراسين، ولكنه دونهما في البراعة والإجادة. فقد أنكر النقاد عليه مزجه الحكاية بالفلسفة، وقصوره عن تصوير أخلاق أشخاصه، غير انهم يذكرون له حسن صنيعه في تقويته حركة العمل الروائي، وحرصه على حفظ اللون المحلي في المسرح. ثم جاء القرن التاسع عشر، وظهر المذهب الابتداعي فهاجم المأساة وطاردها في المسارح حتى قضى عليها، واستبدل بها المأساة العصرية أو الدرامة، ولم يبق من أنصارها المؤلفين فيها والمناضلين عنها إلا تلما المتوفي سنة ١٨٢٦، وراشيل المتوفي سنة ١٨٥٨، ودلافني المتوفي سنة ١٨٦٨ مؤلف لويس الحادي عشر وأطفال إدوار. ثم بنسار المتوفى سنة ١٨٦٧ مؤلف لُكريس، وأنبيس دموراني، وشرلوت كردي. وقد ظل هذا الكاتب حينا من الدهر زعيم المعارضة لفكتور هوجو عميد المذهب الابتداعي. أما أمر المأساة في غير فرنسا فقد كان ساقط الشأن قليل الجداء، اللهم إلا في إنجلترا فقد ألف شكسبير جملة من المآسي الخالدة كروميو وجوليت، وعطيل، والملك لير، ومكبث، وهملت، ويوليوس قيصر، وانطوان وكليوبطرة، وكريولان. وكلها ماعدا الثلاث الأخيرة مقتبسة من التاريخ الحديث. تحليل موجز لأشهر الماسي نريد بتحليل ما اخترناه من المآسي الرائعة الكشف عن هيكلها العظمي ليتبين القارئ فيها

стр. 5321

كيف يتوزع العمل في الفصول وتتدرج الجاذبية في الحادث، وتراعي الوحدة في الموضوع، وتسير الرواية على حكم ما قرأ من القواعد. وسنختار ما نحلله مما خلد على الدهر وعلق بالقلول من روائع كورنيي وراسين وفولتير وشكسبير عسى أن يكون في اختصارها له حادياً لقراءتها ودراستها. مآسي كورني: (السيد وقعت حوادث هذه المأساة في أشبيلية أواخر القرن الحادي عشر في ساحة من ساحات المدينة، ثم في دار كُنت جرماس، ثم في قصر الملك. وأهم أشخاصها: الدون ديبيج أبو رُدريج، والدون جوميز كنت جرماس أبو شيمين، وردريج حبيب شيمين، وشيمين خطيبة ردريج، والدون فردناند الأول ملك قشتاله، والدون سانش منافس ردريج في حب شيمين. وموضوعها زواج ردريج من شيمين، والحيلولة دونه بلطمة الكنت للدون ديبيج، وانتقام ردريج لأبيه من والد خطيبته. ففي الفصل الأول: بينما كانت أسرتا الأميرين (دون ديبيج) ودون جوميز على وشك الاتصال بالصاهرة أسند الملك إمارة (الانفانت) إلى الدون ديبيج، وكان الدون جوميز يرى نفسه أحق بها وأهلها. فيتمارى الأميران وهما خارجان من مجلس الملك وتتسعر بينهما نار الجدل حتى يلطم الدون جوميز صاحبه لطمة يريد أن يدفع عارها عنه بالسيف فيخونه عزمه ويظهر عليه خصمه. فليجأ إلى ولده ردريج يطلب منه أن ينتقم له. فيتردد ردريج هنيهة، ثم يقول: هما خطتا خسف لا معدى لي عن واحدة منهما: أما سمة الإهانة إلى الأبد، وإما الانتقام من أبي الحبيبة. ثم لا يلبث أن يغلب واجبه على هواه فيقبل. الفصل الثاني: يأبى الكنت أن يعتذر عن فعلته للدون ديبيج على الرغم من إلحاح الملك. ويدخل في أثناء ذلك ردريح فيدعوه إلى المبارزة ويقتله. ويعلم الملك فردناند بغزو العرب وقتل الكنت في وقت معاً، وينعى الناعي لشيمين أباها فترفض الزواج من ردريج القاتل وتطلب إلى الملك عقابه، ويتولى الدفاع عن ولده الدون ديبيج.

стр. 5322

شيمين (للملك): أنا أطلب العدل. دون ديبيج: اسمعي دفاعي. شيمين: لقد كسر أيها الملك عضادة صولجانك، وهدم ركناً من أركانك. إنه قتل أبي. دون ديبيج: انه انتقم لأبيه! شيمين: إن من واجب الملك أن يحقن دماء رعيته. فيسمع الملك لها وله، ثم يحيل الفصل في القضية إلى مجلسه. الفصل الثالث: وفي أثناء انتظار الحكم يدخل ردريج على شيمين يسألها أن تقتله هي بيدها، فتقف موقف الحيرة ملياً بين الحقد والحب، ثم يفوز الشرف فتصرفه من وجهها وهي مصرة على القصاص. ويلقى الدون ديبيج ولده فيهنئه بفوزه، ويمدحه على شهامته، ويرسله إلى قتال العرب وقد أوشكوا أن يفتحوا أشبيلية، عسى أن يكون بلاؤه الحسن في جهاد العدو وسيلة إلى عفو الملك وصفح شيمين. الفصل الرابع: يهزم ردريج العرب تحت أسوار أشبيلية ويعود مظفراً بالأسرى وقد لقبوه بالسيد - وهي كلمة السيد بالعربية محرفة - فيقص على الملك أنباء مجده ونصره، وتأبى شيمين مع ذلك إلا القصاص. فيجيها الملك ويأمر بالمبارزة القضائية، وهي أن تختار من تشاء ليبارز السيد على أن تكون زوجة الغالب، فاختارت الدون سانش. الفصل الخامس: يلقى السيد شيمين فيصرح لها أنه لن يدافع عن نفسه، وانه لم يجئ إلا ليودعها الوداع الأخير فتحاول صده عن عزمه، ويأبى هو إلا إنفاذه، فتقول له: (دافع عن نفسك وأنقذني من دون سانش، وإذا خرجت من المعركة فائزاً كنت لك). فيخرج من عندها قويا بهذا الوعد وينقض على خصمه فيجرده من سيفه، ويحكم الملك عليه أن يحمل سيف السيد لشيمين، فينالها الجزع الشديد ظناً منها أنه قتل، ولكن الملك يطمئنها على حياته، ويعلنها أنها تستطيع أن تتزوجه متى كفكف من دموعها الزمن.

стр. 5323

(هوراس وقعت حوادثها في روما في غرفة من بيت هوارس عام ٦٦٨ قبل الميلاد. وموضوعها انتصار روما على (ألب) في موقعة شعواء دامية نشبت بين بني هوراس وبني كرياس، ومغزاها إيثار محبة الوطن على محبة الأسرة، وأهم أشخاصها ملك روما، والشيخ هوراس فارس روماني، وهوراس ولده، وكرياس أحد أشراف ألب وحبيب كاميل، وفالير فارس روماني وعاشق كاميل، وسابين زوجة هوراس وأخت كرياس، وكاميل حبيبة كرياس وأخت هوارس، وجوليا نجية سابين وكاميل. الفصل الأول: أزف يوم المعركة الحاسمة بين الرومانيين والألبيين، فتجد سابين جالسة تشكو إلى نجيتها صرامة القدر الذي جذم الحبل بين ألب مسقط رأسها، وبين روما بلد زوجها، وتألم لحظها المنكود وهمها المتقسم. وتبثها كاميل إشارة من الآلهة، ولكنها ترى رؤيا تقلق بالها وتقلب حالها. ويقدم خطيبها كرياس فينبئها أن المعركة لن تكون، وأن قوميهما رأوا حقناً للدماء أن يقصروا المعركة على ثلاثة أبطال من كلا الفريقين، ويكون فوز الثلاثة فوزاً لقومهم. الفصل الثاني: يجتمع مجلس الشيوخ الروماني فيختار للمعركة أبناء هوراس الثلاثة. ويقبل كرياس خطيب كاميل فيهنئ صهره بما أحرز من ثقة وشرف. ويأتيه النبأ بعد قليل بان مدينة ألب اختارت عنها أبناء كرياس الثلاثة. يتأهب الأبطال للذهاب إلى المعركة، ولكن خطيب كاميل يكره أن يقاتل إخوة حبيبته، بينما زوج سابين لا يرى في أصهاره إلا أعداء لروما وأخصاماً للوطن. وتجهد كاميل وسابين في تخذيل الأبطال عن القتال، ولكن الشيخ هوراس يقبل فيشجعهم على الحرب ويبعث بهم إلى الميدان. الفصل الثالث: تدخل جوليا فتنبئ سابين وكاميل بأن الأقران برز بعضهم لبعض، وأن الجيشين أدركتهما الشفقة فعارضا في تقاتل الاخوة، وطلبا إما المعركة بين الجيشين، وإما الاختيار من غير هاتين الأسرتين. ولكن الشيخ هوراس يقبل وعلى لسانه الخبر المشئوم بأن الملك استشار

стр. 5324

الآلهة في هذا الاختيار فأقروه، وأن المبارزة بين الاخوة قد بدأت. وتطالع جوليا القتال عن بعد فترى اثنين من بني هوراس يسقطان مجندلين، والثالث يلوذ بالفرار، فتبادر القوم بإعلان هزيمة روما. ويتحدم الشيخ هوراس حنقاً وغضباً من جبن ولده. فتقول جوليا: وماذا يصنع واحد أمام ثلاثة؟ فيجيبها الأب في شدة وحدة: يموت! ثم يقسم الشيخ جهد اليمين ليغسلن عار الرومان بدم هذا الابن الجبان. الفصل الرابع: ولكن فالير وقد شهد نهاية المعركة يعود ويقول: استغفروا الآلهة فقد ظلمتم بطل روما! انه لما بقى وحده أمام بني كورياس الثلاثة، وهم مجروحون وهو سليم، رأى أنه أضعف منهم مجتمعين، وأقوى عليهم منفردين، فعمد إلى الخديعة وأوهمهم أنه يفر فطلبوه. حتى إذا انفرد كل عن الآخر كر عليهم واحداً بعد واحد فقتلهم، وبذلك انكسرت ألب! فتنساغ غصة الشيخ، ولكن كاميل تجزع على حبيبها جزعاً شديداً يفقدها الرشد فتنحى باللعنة والسخط على أخيها ووطنها. ويدخل حينئذ أخوها المنتصر فيسمعها، فينزو في رأسه الغضب. فيلطخ انتصاره بدم أخته. الفصل الخامس: يجعل هوراس حياته في يد أبيه تكفيراً عن الجريمة التي ارتكبها، ويجئ الملك مهنئاً هوراس بفوزه. فيتقدم إليه فالير متهماً الأخ بالقتل طالباً موته، ويستسلم القاتل لعدل الملك. ولكن الشيخ هوراس يتولى الدفاع عن أبنه فيقول: (معشر الرومانيين!! أترضون أن تقتلوا رجلا لولاه ما كانت روما اليوم؟ قل لنا يا فالير وأنت تريد قتل هوراس: في أي مكان يقتل؟ أبين هذه الجدران، ولا تزال آلاف الأصوات ترن في جنباتها بأعماله العظيمة؟ أم في وسط هذه الساحات ودماء بني كرياس لا تزال تدخن فيها؟ أم بين قبورهم الثلاثة في ميدان الوغى وكلها شواهد على شرف روما وشهامة هوراس؟. . . .) ثم تكون نتيجة هذا الدفاع البليغ البراءة. ومما أخذه النقاد على كورنيي في هذه القطعة الخالدة أنه لم يراع وحدة العمل. فجعل فيها عملين مختلفين، الأول حرب روما مع ألب، وينتهي بالمنظر الثاني من الفصل الرابع.

стр. 5325

والثاني قتل كاميل ومحاكمة هوراس وينتهي بالرواية. يتبع (الزيات)
следующие страницы →