← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

كيف يتوزع العمل في الفصول وتتدرج الجاذبية في الحادث، وتراعي الوحدة في الموضوع، وتسير الرواية على حكم ما قرأ من القواعد. وسنختار ما نحلله مما خلد على الدهر وعلق بالقلول من روائع كورنيي وراسين وفولتير وشكسبير عسى أن يكون في اختصارها له حادياً لقراءتها ودراستها. مآسي كورني: (السيد وقعت حوادث هذه المأساة في أشبيلية أواخر القرن الحادي عشر في ساحة من ساحات المدينة، ثم في دار كُنت جرماس، ثم في قصر الملك. وأهم أشخاصها: الدون ديبيج أبو رُدريج، والدون جوميز كنت جرماس أبو شيمين، وردريج حبيب شيمين، وشيمين خطيبة ردريج، والدون فردناند الأول ملك قشتاله، والدون سانش منافس ردريج في حب شيمين. وموضوعها زواج ردريج من شيمين، والحيلولة دونه بلطمة الكنت للدون ديبيج، وانتقام ردريج لأبيه من والد خطيبته. ففي الفصل الأول: بينما كانت أسرتا الأميرين (دون ديبيج) ودون جوميز على وشك الاتصال بالصاهرة أسند الملك إمارة (الانفانت) إلى الدون ديبيج، وكان الدون جوميز يرى نفسه أحق بها وأهلها. فيتمارى الأميران وهما خارجان من مجلس الملك وتتسعر بينهما نار الجدل حتى يلطم الدون جوميز صاحبه لطمة يريد أن يدفع عارها عنه بالسيف فيخونه عزمه ويظهر عليه خصمه. فليجأ إلى ولده ردريج يطلب منه أن ينتقم له. فيتردد ردريج هنيهة، ثم يقول: هما خطتا خسف لا معدى لي عن واحدة منهما: أما سمة الإهانة إلى الأبد، وإما الانتقام من أبي الحبيبة. ثم لا يلبث أن يغلب واجبه على هواه فيقبل. الفصل الثاني: يأبى الكنت أن يعتذر عن فعلته للدون ديبيج على الرغم من إلحاح الملك. ويدخل في أثناء ذلك ردريح فيدعوه إلى المبارزة ويقتله. ويعلم الملك فردناند بغزو العرب وقتل الكنت في وقت معاً، وينعى الناعي لشيمين أباها فترفض الزواج من ردريج القاتل وتطلب إلى الملك عقابه، ويتولى الدفاع عن ولده الدون ديبيج.

стр. 5322

شيمين (للملك): أنا أطلب العدل. دون ديبيج: اسمعي دفاعي. شيمين: لقد كسر أيها الملك عضادة صولجانك، وهدم ركناً من أركانك. إنه قتل أبي. دون ديبيج: انه انتقم لأبيه! شيمين: إن من واجب الملك أن يحقن دماء رعيته. فيسمع الملك لها وله، ثم يحيل الفصل في القضية إلى مجلسه. الفصل الثالث: وفي أثناء انتظار الحكم يدخل ردريج على شيمين يسألها أن تقتله هي بيدها، فتقف موقف الحيرة ملياً بين الحقد والحب، ثم يفوز الشرف فتصرفه من وجهها وهي مصرة على القصاص. ويلقى الدون ديبيج ولده فيهنئه بفوزه، ويمدحه على شهامته، ويرسله إلى قتال العرب وقد أوشكوا أن يفتحوا أشبيلية، عسى أن يكون بلاؤه الحسن في جهاد العدو وسيلة إلى عفو الملك وصفح شيمين. الفصل الرابع: يهزم ردريج العرب تحت أسوار أشبيلية ويعود مظفراً بالأسرى وقد لقبوه بالسيد - وهي كلمة السيد بالعربية محرفة - فيقص على الملك أنباء مجده ونصره، وتأبى شيمين مع ذلك إلا القصاص. فيجيها الملك ويأمر بالمبارزة القضائية، وهي أن تختار من تشاء ليبارز السيد على أن تكون زوجة الغالب، فاختارت الدون سانش. الفصل الخامس: يلقى السيد شيمين فيصرح لها أنه لن يدافع عن نفسه، وانه لم يجئ إلا ليودعها الوداع الأخير فتحاول صده عن عزمه، ويأبى هو إلا إنفاذه، فتقول له: (دافع عن نفسك وأنقذني من دون سانش، وإذا خرجت من المعركة فائزاً كنت لك). فيخرج من عندها قويا بهذا الوعد وينقض على خصمه فيجرده من سيفه، ويحكم الملك عليه أن يحمل سيف السيد لشيمين، فينالها الجزع الشديد ظناً منها أنه قتل، ولكن الملك يطمئنها على حياته، ويعلنها أنها تستطيع أن تتزوجه متى كفكف من دموعها الزمن.

стр. 5323

(هوراس وقعت حوادثها في روما في غرفة من بيت هوارس عام ٦٦٨ قبل الميلاد. وموضوعها انتصار روما على (ألب) في موقعة شعواء دامية نشبت بين بني هوراس وبني كرياس، ومغزاها إيثار محبة الوطن على محبة الأسرة، وأهم أشخاصها ملك روما، والشيخ هوراس فارس روماني، وهوراس ولده، وكرياس أحد أشراف ألب وحبيب كاميل، وفالير فارس روماني وعاشق كاميل، وسابين زوجة هوراس وأخت كرياس، وكاميل حبيبة كرياس وأخت هوارس، وجوليا نجية سابين وكاميل. الفصل الأول: أزف يوم المعركة الحاسمة بين الرومانيين والألبيين، فتجد سابين جالسة تشكو إلى نجيتها صرامة القدر الذي جذم الحبل بين ألب مسقط رأسها، وبين روما بلد زوجها، وتألم لحظها المنكود وهمها المتقسم. وتبثها كاميل إشارة من الآلهة، ولكنها ترى رؤيا تقلق بالها وتقلب حالها. ويقدم خطيبها كرياس فينبئها أن المعركة لن تكون، وأن قوميهما رأوا حقناً للدماء أن يقصروا المعركة على ثلاثة أبطال من كلا الفريقين، ويكون فوز الثلاثة فوزاً لقومهم. الفصل الثاني: يجتمع مجلس الشيوخ الروماني فيختار للمعركة أبناء هوراس الثلاثة. ويقبل كرياس خطيب كاميل فيهنئ صهره بما أحرز من ثقة وشرف. ويأتيه النبأ بعد قليل بان مدينة ألب اختارت عنها أبناء كرياس الثلاثة. يتأهب الأبطال للذهاب إلى المعركة، ولكن خطيب كاميل يكره أن يقاتل إخوة حبيبته، بينما زوج سابين لا يرى في أصهاره إلا أعداء لروما وأخصاماً للوطن. وتجهد كاميل وسابين في تخذيل الأبطال عن القتال، ولكن الشيخ هوراس يقبل فيشجعهم على الحرب ويبعث بهم إلى الميدان. الفصل الثالث: تدخل جوليا فتنبئ سابين وكاميل بأن الأقران برز بعضهم لبعض، وأن الجيشين أدركتهما الشفقة فعارضا في تقاتل الاخوة، وطلبا إما المعركة بين الجيشين، وإما الاختيار من غير هاتين الأسرتين. ولكن الشيخ هوراس يقبل وعلى لسانه الخبر المشئوم بأن الملك استشار

стр. 5324

الآلهة في هذا الاختيار فأقروه، وأن المبارزة بين الاخوة قد بدأت. وتطالع جوليا القتال عن بعد فترى اثنين من بني هوراس يسقطان مجندلين، والثالث يلوذ بالفرار، فتبادر القوم بإعلان هزيمة روما. ويتحدم الشيخ هوراس حنقاً وغضباً من جبن ولده. فتقول جوليا: وماذا يصنع واحد أمام ثلاثة؟ فيجيبها الأب في شدة وحدة: يموت! ثم يقسم الشيخ جهد اليمين ليغسلن عار الرومان بدم هذا الابن الجبان. الفصل الرابع: ولكن فالير وقد شهد نهاية المعركة يعود ويقول: استغفروا الآلهة فقد ظلمتم بطل روما! انه لما بقى وحده أمام بني كورياس الثلاثة، وهم مجروحون وهو سليم، رأى أنه أضعف منهم مجتمعين، وأقوى عليهم منفردين، فعمد إلى الخديعة وأوهمهم أنه يفر فطلبوه. حتى إذا انفرد كل عن الآخر كر عليهم واحداً بعد واحد فقتلهم، وبذلك انكسرت ألب! فتنساغ غصة الشيخ، ولكن كاميل تجزع على حبيبها جزعاً شديداً يفقدها الرشد فتنحى باللعنة والسخط على أخيها ووطنها. ويدخل حينئذ أخوها المنتصر فيسمعها، فينزو في رأسه الغضب. فيلطخ انتصاره بدم أخته. الفصل الخامس: يجعل هوراس حياته في يد أبيه تكفيراً عن الجريمة التي ارتكبها، ويجئ الملك مهنئاً هوراس بفوزه. فيتقدم إليه فالير متهماً الأخ بالقتل طالباً موته، ويستسلم القاتل لعدل الملك. ولكن الشيخ هوراس يتولى الدفاع عن أبنه فيقول: (معشر الرومانيين!! أترضون أن تقتلوا رجلا لولاه ما كانت روما اليوم؟ قل لنا يا فالير وأنت تريد قتل هوراس: في أي مكان يقتل؟ أبين هذه الجدران، ولا تزال آلاف الأصوات ترن في جنباتها بأعماله العظيمة؟ أم في وسط هذه الساحات ودماء بني كرياس لا تزال تدخن فيها؟ أم بين قبورهم الثلاثة في ميدان الوغى وكلها شواهد على شرف روما وشهامة هوراس؟. . . .) ثم تكون نتيجة هذا الدفاع البليغ البراءة. ومما أخذه النقاد على كورنيي في هذه القطعة الخالدة أنه لم يراع وحدة العمل. فجعل فيها عملين مختلفين، الأول حرب روما مع ألب، وينتهي بالمنظر الثاني من الفصل الرابع.

стр. 5325

والثاني قتل كاميل ومحاكمة هوراس وينتهي بالرواية. يتبع (الزيات)

стр. 5326

شخصية ابن خلدون في كتاب الأستاذ محمد عبد الله عنان للأستاذ مصطفى عبد اللطيف السحرتي هيأت لي فرصة حسنة قراءة كتاب الأستاذ عنان الأخير عن ابن خلدون وتصفح مقالات بعض كتابنا المصريين في التعليق عليه، وبخاصة مقال الدكتور هيكل والأستاذ العقاد. وقد لفت نظري في مقال هذا الأخير ملاحظة تتضمن أن عنانا لم يتناول شخصية ابن خلدون في كتابه! ولعل الذين درسوا الكتاب يذكرون أن كل فصل من فصوله حوى مادة غريزة عن هذه الشخصية، وإن لم تجمع هذه المادة في فصل مستقل. فلقد أفاض المؤلف كثيراً في ذكر صفات ابن خلدون الخلقية والعقلية أي في العناصر المهمة التي تقوم عليها كل شخصية. ولعل كتابه وعى من هذه الصفات أكثر مما وعى عن تراثه الفكري الذي لازال الكثير منه مبثوثا في طي مجهول. أبرز الأستاذ عنان صورة تقارب الحقيقة من صفات ابن خلدون المنيرة والمظلمة أبرزها كما هي بين النور والظلمة، كما يفعل النابهون في كتابة التراجم. ووقف من شخصيته موقفاً نزيهاً. فلم يقف منه موقف المحامي الذي يدافع عن الحقيقة حيناً، ويستخدم فصاحته في الظفر أحياناً، بل وقف موقف القاضي النزيه الفطن الذي لا هم له إلا الوصول إلى الحقيقة، والحقيقة دون سواها. وهذا هو موقف المؤرخ العلمي. فها نحن أولاء نراه لا يقطع برأي في خلال ابن خلدون حتى يرجع إلى الثقات الأذكياء من المؤرخين، ويتخذ مقاييسه في الحكم من أعماله وتصرفاته. ونراه أيضاً يربأ بضميره أن يطاوع بعض الكتاب في الزراية بابن خلدون ونسبة القبيح إليه، لئلا يكونوا قد اندفعوا في هذا السبيل جريا وراء الانفعال الأعمى أو العاطفة الهوجاء. وبخاصة إذا علمنا أن لابن خلدون اعداء حداداً أسرفوا في ذمه، وتدفقت أقلامهم في الطعن عليه غيره منه وحقداً. وقد حفل الكتاب بذكر صفات ابن خلدون الخلقية والعقلية إلا أنه مَرَّ مَرَّ الكرام على صفاته الجثمانية ومظهره الخارجي. فقد نقل إلينا المؤلف عن السخاوي أن ابن خلدون كان فصيحاً مفوهاً جميل الصورة، ونقل عن ابن حجر أنه كان يتمسك بزيه المغربي، ولم نعثر في

стр. 5327

الكتاب على شيء من ملامح وجهه وسمات جسمه، ولا أعلم ما إذا كانت هناك مادة في هذه الناحية تعمد المؤلف إغفالها لأن بحثها ليس من عمله، بل من عمل الفنان والأديب، أو أنه لم يجد هذه المادة في كتب القدماء كما هي مع الأسف عادتهم في إغفال صفات الجسم، ولعل هذا هو الأرجح. ومن حسن الحظ أن المؤلف أمدنا بمادة وافرة عن خلال ابن خلدون وخلقه، فنقل إلينا طائفة من أقوال الكتاب الأذكياء أمثال المقريزي والسخاوي وابن تغري بردى، والجمال البشبيشي، والعنتابي، وابن الخطيب، وابن حجر. فذكر أن المقريزي وكان تلميذاً له وسمه بسمات حميدة وذكره بالخير، ولسان الدين بن الخطيب، وكان من معاصريه، نعته بحسن الخلق والطموح وعلو الهمة، وأبو المحاسن بن تغري بردى أشاد بمقدرته ونزاهته في ولاية القضاء بقوله: (إنه باشر القضاء بحرمة وافرة وعظمة زائدة وحمدت سيرته) وأبو المحاسن من ثقات المؤرخين المصريين. إلى جانب هذه الصورة النبيلة لابن خلدون نجد أقلاما ضئيلة مسمومة تشوه صورته وتبهت عليه، وتزري بخلقه، وترميه بالتهمة المؤذية الجارحة. فالعنتابي مثلاً ذكر أن ابن خلدون كان يتهم بأمور قبيحة (ص٩٤) - والجمال البشبيشي اجترأ بقوله إن ابن خلدون كان في أعوامه الأخيرة يشغف بسماع المطربات ومباشرة الأحداث، وأنه تزوج امرأة لها أخ أمرد ينسب للتخليط! (ص٩٤). جمع الأستاذ عنان هذه الأقوال وعلق عليها بقوله: (إنها أقوال تنم عن خصومة مضطرمة، ومبالغة في الانتقاص تنحدر إلى معترك السباب والقذف) وقد يكون الأستاذ محقاً في هذا التعليق لأن نسبة أمثال هذه التهم إلى هذا العبقري بلا سند، مما لا يقبله الضمير النزيه، وقد تكون هذه التهم أراجيف أذاعها الكاشحون عن قصد وتعمد ولا ظل للحقيقة فيها، فليس على الأستاذ المؤلف من غبار إذا حكم حكمه الحاسم، واحتقر هذه التهم كي لا يجري الوهم إلى تصديقها، وتصير في الأذهان اعتقاداً وهي مجرد إرجاف ومراء. ومع هذا فقد أورد المؤلف كثيراً من صفات ابن خلدون غير المحمودة، واعتمد في إيرادها على أقوال ابن خلدون نفسه وأعماله، فلقد نعى عليه خلتين: أولاهما تلونه ووصوليته، وثانيتهما كبرياؤه وصلفه. أبرز هاتين الخلتين إبرازاً جلياً، فانه ليقول في القسم الأول من

стр. 5328

كتابه أن ابن خلدون كان من عباد الحوادث، وكان ينتهز الفرص ويسعى لها بأي الوسائل (ص ٢٨) مهما نافت الوفاء والولاء والعرفان (ص ٤٨) وجلا هذه الخلة في مكان آخر من الكتاب قال: (وكان ابن خلدون يصدر في خططه وأعماله عن احتقار عميق للعاطفة والأخلاق المرعية، وكان يسيره مثل ذلك الروح القوي الذي أعجب به مكيافللي فيما بعد.) وأشار في كثير من المواضع إلى خلته الثانية من خلاله البارزة وهي خلة الكبرياء، وهذه الخلة قد تدل على عزة النفس وعظمتها فتكون خلة محمودة، وقد تكون متغالية فتصير كريهة مذمومة، ولقد أيد المؤلف تخلق ابن خلدون بها في بعض الأوقات وأنها كانت سبباً من الأسباب التي جعلت كثيراً من المصريين يناصبون الرجل العداء. ومن دلائل هذه الخلة ما يقوله البشبيشي من أن ابن خلدون كان يكثر الازدراء بالناس (ص ٩٥) وما يقوله ابن حجر في كتابه رفع الأصر من أن ابن خلدون كان معروفاً بخلق الكبر والازدراء بمقام غيره، وروي أن القضاة دخلوا للسلام عليه حين تولى منصب القضاء فلم يقم لأحد منهم، واعتذر لمن عاتبه على ذلك. وأورد المؤلف غير هاتين الخلتين البارزتين خلالاً أخرى عول في إيرادها على طائفة من الكتاب أثنت على ابن خلدون وأخذت عليه بعض المآخذ، فمن هؤلاء نذكر ابن تغري بردي وما قاله في المنهل الصافي من أن ابن خلدون كان محباً للمنصب، وما قاله ابن الخطيب الذي وسمه بالفضائل الجمة يأخذ عليه الخفة فيقول: (إنه كان بعيداً عن التأني)، وعلل تحامل رجال الدولة عليه إلى هذه الخلة. وابن حجر نقم عليه سوء الأدب أيام كان قاضياً فقال: (كان فظاً جافي الطبع، وكان يعزر الخصوم بالصفع). ولم يقتصر المؤلف في سوق هذه الحقائق على أقوال الكتاب السالفين، ولكنه اعتمد في ذكرها على أقوال ابن خلدون نفسه في كتاب - التعريف - وهذا الكتاب هو ترجمة ابن خلدون لنفسه. وهذا التعريف الذي يتركه لنا ابن خلدون عن نفسه وحوادث حياته قطعة فريدة في الأدب العربي، فهو صورة حقيقية ممتعة لتلك الشخصية الممتازة الجريئة، رسمت في كثير من الحرية والصراحة، حتى إنها لتفصح في كثير من المواطن عن خلال صاحبها، وليست هذه الخلال دائماً مما يحمد أو مما تقر الأخلاق الفاضلة، فهناك الكبرياء والزهو والأثرة، وهنالك الطمع وحب التقلب وشغف الدس، وانتهاز الفرص بأي الوسائل،

стр. 5329

ثم هنالك الجحود ونكران الصنيعة، هذه الخلال كلها أو بعضها نلمحها من آن لآخر ماثلة في أعمال المؤرخ ومواقفه حسبما يقصها علينا بنفسه (ص ١٤٠). وبعد هذا الدرس الطويل الحر لخلق ابن خلدون كشف الأستاذ عنان في الجزء الثاني من كتابه ركناً من أركان شخصية ابن خلدون المضيئة، وهذا الجزء يلقي ضوءاً قوياً على عبقرية ابن خلدون، تلك العبقرية التي صيرته موضع إجلال السلاطين والملوك وذوي النفوذ والجاه، فهاهم سلاطين المغرب والأندلس يخطبون وده، وهاهم بنو عريف يكرمون مثواه وينزلونه ضيفاً عزيزاً مع أسرته بأحد قصورهم أربع سنين، وها هو شعاع العبقرية يسبقه إلى مصر المتحضرة، فيلقاه أهلها بالحفاوة والتعظيم، ويولونه الدرس في الأزهر النابه في ذاك الحين، ثم يتولى بعد ذلك قضاء المالكية عدة مرات، وهاهم الكتاب يجمعون على قوة عقله وحدة ذكائه وعلو تفكيره، حتى أنصفه الحاقدون عليه، فجمال الدين البشبيشي وهو من ألد خصومه اعترف له بالفصاحة والتفوه، وابن حجر الذي زرى عليه خلقه، يظهرنا على ناحية من نواحي عقله يقول: (كان لسناً فصيحاً حسن الترسل وسط النظم، وكان جيد النقد للشعر، وإن لم يكن بارعاً فيه) (ص٩٣). ولقد كشف لنا الأستاذ عنان عن عبقرية هذا الرجل الفذ وعن شاعريته أيضاً، وأتى بقليل من قصائده، وأبان أن هذه القصائد كان يطبعها طابع المرح الصوفي، وهذه الأبيات تجري بين دفتي الكتاب كالنهر العذب في الأرض المثمرة، ولقد أضاف المؤلف في القسم الثاني من كتابه أراء كتاب الإفرنج في عبقرية ابن خلدون وتراثه الفكري فذكر ما قاله جمبلوفتش من أن ابن خلدون درس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن، وأنه أتى في هذا الموضوع بآراء عميقة (ص١٥٢) وذكر أيضاً ما قاله فون كريمر من أن ابن خلدون نثر بيدين نديتين ثمرات تأملاته الناضجة عن سير التاريخ البشري. وأظن بعد هذا البيان يمكن للقارئ أن يخرج بصورة صحيحة عن شخصية ابن خلدون، صورة لا تشيع فيها ولا تحيز، ظهرت فيها الظلال كما ظهرت فيها الأنوار. وهذا المنحى الذي نحاه الأستاذ عنان في درس هذه الشخصية جدير بالتفات كتابنا المصريين المغرمين بتراجم العظماء، ولعل الذين وقع في وهمهم أن كتاب عنان لم يتناول شخصيته، يصححون رأيهم بعد هذا البيان الموجز.

стр. 5330

وأحب قبل أن أختم هذه الكلمة أن أدعو القراء إلى قراءة هذا الكتاب القيم ليتذوقوا فيه حرية البحث ونزاهة الحكم، ودقة الأسلوب وثباته وإيجازه ورزانته. وأسمح لنفسي بعد هذا أن أهنئ الأستاذ المؤلف على كتابه، فلقد أعجبت به وبخاصة بالفصل الذي عقده عن (ابن خلدون والتفكير المصري) الذي أبان لنا فيه خلق ابن خلدون وأوقفنا على تفكير المؤرخين المصريين في القرن التاسع الهجري. وأعجبت كذلك بالفصل الذي عقده عن (ابن خلدون والنقد الحديث لأعلام الغرب). والذي كشف به عن تفكير ابن خلدون الدقيق الذكي. وأرجو الله أن يزيد المؤلف قوة ليتم ما أخذ به نفسه من التنقيب عن التاريخ الإسلامي، وحياة أعلام مصر النابهين. (ميت غمر) مصطفى عبد اللطيف السحرتي المحامي

стр. 5331

٢ - مشهد ومكة للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب بالجامعة المصرية أصبح من الواجب أن أعود إلى الحديث عن مشهد ومكة، إذ عاد الأخ الأستاذ عبد الوهاب عزام إلى الموضوع، ففتح أبواباً كثيرة للكلام، وإنها لحقيقة من حقها علينا أن تنجلي وتتكشف. ويأذن لي القارئ أن أرسل أول الأمر تحية خالصة إلى الأخ في حله ورحيله، ودعوات صالحة بأن يوفقه الله دائماً، وسلاماً إليه. . . ثم سلاماً على عبارات مهتاجة وردت في كلمته التي رد بها كل ما في الأمر: ١ - أن الأستاذ قال ما لفظه: (وأفظع من هذا - أي الخطأ كله؛ قوله - الرحالة - عن إخواننا شيعة إيران أنهم يفضلون مشهدا على مكة). فقلت له: (لا خطأ ولا فظاعة، لأن فلاناً العالم الشيعي قال في كتاب كذا صفحة كذا نقلاً عن كتاب البحار الذي يعد من أمهات كتب الشيعة: (إن كربلاء أفضل من مكة، فلا خطأ). قضايا محدودة، قصيرة، وجيزة، واضحة، متقابلة الأطراف؛ لا أجد فيها محلاً للمخالفة. . . وليس يقال مع هذا التحديد إني مجازف في الاستشهاد بكتب الشيعة قبل الاطلاع عليها، لأني قرأت بلا شك ما نقلت، وقلت بقدر ما قرأت وفهمت. قرأت في كتاب شيعي عن كتاب شيعي من أكبر إن لم يكن أكبر ما يرجع إليه في بيان عقائد الشيعة ومذاهبهم، كتاب عن كتاب، فهناك على الأقل جمع منطقي أيسره اثنان. . . . ثم ماذا قرأت؟ قرأت أخباراً تنعتها كتب الشيعة بأنها متواترة أي رواية جمع عن جمع، كما تنعتها بالكثرة، ويدل مرجعي على مكانها من أجزاء الكتاب الكبير الذي يعزو إليه. . . فدليلي واف بدعواي؛ وليس من الموضوع في شئ أني فرحت بالكتاب أو لم أفرح؛ وليس يجب في شئ أن يكون لي بالشيخ مؤلف الكتاب صداقة قوية أو صلة شخصية. ٢ - مع هذا كله يقول الأستاذ عزام في رده علي: (فقد ادعى أن كتب الشيعة تقرر هذا التفضيل، ثم لم يرجع إلى كتب الشيعة؛ ولم يتحر أقوال أئمتهم، ولكنه اكتفى برواية في كتاب فرد لمؤلف. . . الخ) فهل لم أرجع إلى كتب الشيعة!!. وهل اكتفيت برواية في كتاب؟! وهل هو كتاب فرد؟!. على أن الأستاذ بعد هذا بقيراط من الورق ذكر (كتب

стр. 5332

الشيعة) وما فيها مرتين، فتتوقع من صاحب الملاحظة السابقة أن يحتج من (كتب الشيعة) بأقل الجمع ولو عند المناطقة وهو اثنان، ولكنك لا تراه يذكر إلا كتاباً فرداً هو (وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة) على حين يكرر الحديث عن قراءاته وخلاصة قراءاته في كتب الثقات، ويتحدث عن قراءاته في كتب الثقات وهو ذاكر أني اكتفيت بكتاب فرد، وأنه لا يرى ذلك، فكيف يجئ هذا؟!. ٣ - لما أراد الأخ الأستاذ نقد خبر الرحالة (تفضيل الشيعة مشهداً على مكة) استنتج استنتجاً وقال: (وكيف يعقل أن أمة مسلمة. . . الخ) فسلمت له اختصاراً واقتصاراً أن هذا غير معقول، وقلت عرضاً إن مالا يعقل قد يعتقد، وان العقل ومنطقه شئ، والاعتقاد وسلطانه شئ آخر. فقال أعزه الله: إن هذه فلسفة لم يتهيأ هو لفهمها. فيسمح لي إذن أن أقول في غير فلسفة: أ - إن من المعقول أن يكون الحج إلى مكة فرضاً وأن تفضل الشيعة مع ذلك مشهداً على مكة! فالأخ يعرف أن الوقوف بعرفة ركن في فريضة الحج، ويعرف أن زيارة الرسول ﵇ ليست ركناً في تلك الفريضة ولا واجباً؛ ويعرف في الوقت نفسه أن المسلمين جميعاً يفضلون زيارة الرسول ﵇ ويتطوعون بهذه الزيارة في غير موسم الحج من أيام السنة؛ ويشدون الرحال لها، ويتمنون المجاورة بالمدينة المنورة، ويؤثرون الموت فيها. ولا أعرف واحداً منهم جاور بعرفة أو حرص على زيارتها. فتفضيل مشهد على مكة يتفق تعقله مع كون الحج إلى مكة فرضاً. هذا هو القدر المعقول في المقام، والذي يتصل بفرضية الحج إلى مكة وتفضيل مشهد عليها. ب - لكن الأستاذ عزاما لا يقول هكذا، بل يقول: (وكيف يعقل أن أمة مسلمة شديدة الغيرة على دينها تعتقد أن الحج إلى مكة فرض، وقاعدة من قواعد الإسلام، كيف يعقل أن هذه الأمة ترى زيارة مشهد أفضل من الحج إلى مكة). ولنا هنا مواقف: إن الرحالة ناقل يخبر، ولا يرد الخبر بهذا الاستنتاج العقلي؛ فأثم التناقض على المفضلين لا على المخبر. ولا يقال لناقل الخبر إنك خاطئ، بل يقال إنه كاذب أو غافل أو غير متحر أو ما إلى ذلك. على أنا لو جاوزنا هذا نرى التناقض المعقود غير ما نحن فيه. فخبر الرحالة أو دعواه - ان شئنا - أن الشيعة تفضل مشهداً على مكة؛ وكذلك تقول عبارة الأستاذ عزام في نقده،

стр. 5333

وتفضيل مشهد على مكة تفضيل زيارة مشهد على الحج إلى مكة، كما لم يلزم من تفضيل مسجد الرسول ﵇ على عرفات تفضيل زيارته على الوقوف بعرفة؛ ولن ننسى أن الرحالة - في نقل الأستاذ عزام - يخبر بتفضيلهم مشهداً - لا زيارتها - على مكة - لا على الحج إليها -. ج - والعجب أن الأخ الأستاذ يقحمني أيضاً في مسألة الزيارة والحج ويضع في رده خطاً تحت قوله (زيارة مشهد أفضل من الحج) وكأني كنت فيما كتبت مشتغلاً بنقد استنتاجه لا بتصحيح خبر الرحالة من كتاب شيعي غير عامي؛ والأستاذ بذلك يقول عني إني أدعي (على بعض المسلمين أنهم يفضلون زيارة كربلاء على الحج وهو قاعدة من قواعد الإسلام) وأنه فاتني التثبت في ذلك الادعاء. . الخ. ومن الفكه أن لفظتي (حج) و (زيارة) لم تردا في كلمتي مطلقاً، بل لم تقعا كذلك فيما استشهدت به من كلام العالم الشيعي المحدث مطلقا؛ ولم تردا إلا في الفقرة المنقودة التي نقلتها من كلام الأخ عزام، فكيف حملني عبء هذا الادعاء؟ لا أدري! ولعله هو يدري. وأخيراً، نقل الحالة ثابت تفضيل الشيعة مشهداً مكة متفق مع ما ينقله عالم شيعي عن عالم شيعي ويعد انه متواتراً، وليس يتنافى هذا التفضيل مع فرضية الحج إلى مكة، وليس يلزم من هذا التفضيل زيارة مشهد على الحج المفروض، وهذا التفضيل لمشهد على مكة شئ آخر مغاير لتفضيل زيارة مشهد على الحج إلى مكة؛ وأسأل الله لي ولأخي الثبات والتثبت دائماً. أمين الخولي في تاريخ الأدب المصري

стр. 5334

أيدمر المحيوي تتمة للأستاذ أحمد أحمد بدوي أما الوصف في شعر شاعرنا فهو وإن كان غير مقصود له بالذات يحدثنا كذلك عن بعض نواحي الحياة المصرية، وبعض الجمال فيها، يحدثك عن الطبيعة المصرية في زمن الربيع، فيصفها وصفا دقيقا، ويحدثك عن الاحتفال بوفاء النيل، فيصفه كأنك تراه، ويصف لك الأبنية التي بناها الملك الصالح فيجعلك تشعر بالعظمة والأبهة اللتين تمتعت بهما تلك الأبنية. ويصف لك الجيش المصري فتحس بالمجد المصري والقوة المصرية والشجاعة المصرية التي لا تنثني عن قصد ولا تهزم أمام حصن مهما كان عظيما. قال يصف الجيش المصري الذي فتح دمشق: جيشا تغص به الأرض الفضاء كما … تراكم الغيم يوم الدجن ذا زجل من الكماة التي تطوى ضلوعهم … على العزيمة والاقدام، لا الفشل من كل أمضى من الهندي في يده … عزما، وأنفذ إقداما من الأسل يكون أثبت يوم الروع من جبل … راس، وأجول في الصفين من مثل ولننصت إليه حين يصف لنا الاحتفال بوفاء النيل، وكأنه يصف لنا الاحتفال الذي لا نزال نراه بأعيننا في كل عام، قال: يوم تجلى الدهر منه بزينة … لما غدا المقياس وهو مخلق هو ثالث العيدين إلا أنه … للهو، ليس على العبادة يطلق جمعت لمشهده خلائق غادرت … فيه رحيب البر، وهو مضيق وعلى عباب البحر من سباحه … أمم يغص بها الفضاء، ويشرق كادت تبين لهم على صفحاته … طرق، ولكن يفتقون ويرتق ثم مضى يصف الأنوار، ويصف المليك تحف به حاشيته إلى آخر ما وصف به ذلك اليوم، فإذا أنت ذهبت تستمع إليه، وهو يحدثك حديث إبداع عن طبيعة مصر في الربيع سمعته يقول: الروض مقتبل الشبيبة مونق … خضل يكاد غضارة يتدفق نثر الندى فيه لآلئ عقده … فالزهر منه متوج، ومنطق

стр. 5335

وارتاع من مر النسيم به ضحا … فغدت كمائم زهره تتفتق وسرى شعاع الشمس فيه، فالتقى … منها ومنه سنا شموس تشرق والغصن مياس القوام كأنه … نشوان يصبح بالنعيم ويغبق والطير ينطق معربا عن شجوه … فيكاد يفهم عنه ذاك المنطق غردا يغني للغصون فينثني … طربا جيوب الظل منه تشقق والنهر لما راح وهو مسلسل … لا يستطيع الرقص ظل يصفق فتمل أيام الربيع، فإنها=ريحانة الزمن التي تستنشق فهو قد رسم لك بشعره ذلك صورة جميلة للرياض والزهر المتفتح الذي ارتاع من مر النسيم في الضحا فتفتحت أكمامه، وقد كان الندى عليه كحبات العقد فأضحى عليها كالتاج أو النطاق، ثم هذه الغصون المياسة كأنها سكرى والطير يغني على تلك الغصون فتهتز لهذا الغناء طربا، والنهر يصفق فرحا، والشمس تلقى أشعتها على هذا الجمال كله، فيبدو للمرء منظره وأبدع ما في الطبيعة من مناظر الجمال. ٤ لشاعرنا المحيوي موشحات عارض بها سواه، وهي تعد بحق من أجمل الموشحات وأبدعها، وأنت تحس في بعض موشحاته بآثار الصنعة اللفظية ظاهرة جلية، وهو حين يعارض سواه في موشحاته يضمن موشحه أول بيت من الموشح الذي عارضه، ولذلك يضطره الحال إلى أن يدع المدح وينتقل منه إلى الغزل على عكس السنة المعروفة لدى الشعراء. ولقد كان شاعرنا فخوراً بشعره الفخر كله، مملوءا به تيهاً، يعتقد أن شعره يفوق شعر غيره ويسمو عليه حتى قال: إن القري - وإن تكاثرساكنو … أفيائه - للعبد فيه الأوحد وكان أحياناً لا ينشد الممدح قصيدته إلا بعد أن ينشده سواه ليتمكن الممدوح من أن يرى الفرق بين شعره وشعر غيره، غير أنه في بعض الأحيان كان لا يجد مركزه وما يواتيه به الدهر متناسبا مع جودة شعره وبلاغة قوله فيشكو ويلح في الشكوى، ويتألم أشد الألم، ولقد كان شعره فضلا عن عذوبته التي تحس بها جاريا على قوانين النحو والصرف إذا استثنينا

стр. 5336

بعض أخطاء لا تكاد تذكر، غير أنه قد أخطأ حقا حين قال يهنئ بالعيد: لا أهنئ مولاي بالعيد إلا … خوف تعطيل سنة تعتاد فمن الجهل أن يهنأ بعيد … من به الدهر كله أعياد فمع صحة المعنى لا نشك مطلقا أنه ليس من أدب الخطاب أن يقال لأحد لا أهنيك بالعيد في مفتتح الكلام، ولكن شاعرنا لم يعن إلا بالمعنى وصحته بدون نظر إلى جمال الافتتاح وهو ليس أول من هفا تلك الهفوة بل سبقه بها سواه من الشعراء والشعراء المبرزين. نظم شاعرنا قصيدة طويلة سماها الوسيلة المشفعة في مناقب الخلفاء الأربعة، وهي قصيدة طويلة تبلغ تسعة وسبعين ومائة بيت، عدد فيها مآثر الخلفاء وذكر فضائلهم، وبدأها برأيه فيهم كلهم وهو: كل من الخلفاء غير محلأ … عن مورد الشرف الذي لايورد ولهم سوابق أنزلت كل امرىء … حيث اقتضاه له التقي والسؤدد وأقر بعضهم لبعض بالذي … يسمو به من فضله ويمجد فمضوا، ولم يتدافعوا حسناتهم … كل لصاحبه يقر ويشهد ثم مضى يعدد فضائل كل مبتدئا بأبي بكر، ذاكرا مآثره في الإسلام: فهو أول من آمن بالنبي، ولما مرض النبي أنابه عنه في الصلاة، فكان ذلك من النبي تقليدا له بالخلافة، ولذا كان أولى الناس بها، ولقد جمع أبو بكر أمر المسلمين بعد أن كادوا يتفرقون يوم السقيفة، وحارب أهل الردة حربا موفقا أعاد للإسلام بهجته، ثم حارب الروم والفرس، وكانت خاتمة حسناته أنه ولي الأمر عمر من بعده، وعمر هذا طالما نزل القرآن موافقا لرأيه وما بدا له، كما أن النبي كان يطلب من الله أن يعز الإسلام بدخوله فيه، حتى إذا دخل فرح المسلمون، وجهروا بدينهم بعد أن كانوا يخفونه، لما كان له من المكان له من المكان العظيم بين قومه وعشيرته، حتى إذا ولي أمر المسلمين بعد أبي بكر سهر على الرعية ومصالحها بعين لاتغفل، ففتحت الدنيا في عهده، ودرت الخير الوفير على المسلمين، فإذا أنهى عمر وتحدث عن عثمان ذكر له إعانته للمسلمين، بماله، وصومه وصلاته، وزواجه من بنتي النبي وفضله يوم جيش العسرة، ويوم بيعة الرضوان، ثم رد على من ينتقصه بقوله: نطق الكتاب بفضله فمن الذي … يرتاب فيه جهالة أو يجحد

стр. 5337

إلا كفور للهدى متنكب … أو جاهل في غيه متردد ولكبر ما نقموا عليه ضلة … قربى تبر، وهفوة تتعمد ثم انتهى إلى علي فحدثنا عن قربه من النبي، وتربية النبي له، وزواجه من ابنته، وإسلامه صبيا فلم يدنس الكفر نفسه، ولم يسجد لصنم طوال حياته، ثم وصف عدله، وعلمه، وتواضعه، وعبادته وورعه وزهده وشجاعته وبلاغته، وكل هذا الحديث عن الخلفاء الراشدين ينطق أن شاعرنا سني يفضل الخلفاء كلهم لا شيعي يقدم علياً على سواه بل هو يرتبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، غير أنه مما يلاحظ أنه أثنى على أبي بكر وعمر بأعمالهما بعد الخلافة ثناءً مستفيضاً، حتى إذا جاء إلى علي وعثمان أثنى عليهما بفضائلهما الشخصية أكثر مما أثنى عليهما بأعمالهما بعد الخلافة، ربما يكون منشأ ذلك أن أبا بكر وعمر كانت أعمالهما بعد الخلافة في تثبيت دعائم الإسلام ونشر دعوته أكثر من زميليهما، ومن أجل هذا كان الثناء المستفيض. قبل أن نختم حديثنا عن صاحبنا المحيوي نريد أن نشير إلى أنه كان ناثرا مثلما كان شاعرا، غير أن نثره لم أعثر عليه، ولعلي أوفق يوما ما إلى الاطلاع عليه ودراسته، ولقد ألف كذلك كتابا أهداه إلى ولي نعمته محي الدين محمد بن سعيد لا نعلم اسمه وإن كنا نستطيع أن نفهم موضوعه حين نقرأ قوله واصفا إياه. العبد أيدمر تطلب تحفة … تكسي القبول لسيد الأصحاب فرأى أجل هدية تهدى له … ذوب النهى، ونتائج الألباب فأجال في روض القرائح فكره … ثم انتقى منه لباب لباب: من طيب نادرة، ولطف فكاهة … وبديع بادرة، وحسن خطاب وسوائر الأمثال قد وشحتها … فيه بمعجز سنة وكتاب والجد موصولاً بهزل ينشط ال … قارئ، ويطرب أيما إطراب ونوادر الحكماء والبلغاء، وال … خطباء، والشعراء، والكتاب وجمعت فيه إلى سلامة رقة ال … حضر اللطيف جزالة الأعراب فأتاك كالحسناء قد لبست على الإ … ثراء ثوب نضارة وشباب والروضة الغناء أهدت نشرها … ريح الشمال ضحى غداة سحاب

стр. 5338

فهو مجموعة فيها النوادر والفكاهات، وفيها الأمثال والحكم، وفيها طرف من نثر الخطباء والكتاب، وبعض من شعر الشعراء، فأنت تنتقل فيه من جد إلى هزل ومن هزل إلى جد، فتطرب ولا تسأم القراءة، وتلك طريقة معروفة لدى مؤلفي اللغة العربية فهم من قديم قد استنوا تلك السنة وساروا عليها في مؤلفاتهم. ٦ لم نهتد إلى تعيين عام وفاته كما ضن علينا التاريخ بمعرفة عام ولادته، غير أنه مما يروى عنه أنه كان لطيف المحضر فاضلا مهذبا، أحضر ديوان شعره إلى ابن العديم وكان قد حضر رسولا عن السلطان الملك الناصر فتصفحه وأعجبه، وكتب على الديوان: وكنت أظن الترك تختص أعين … لهم إن رنت بالسحر فيها وأجفان إلى أن أتاني من بديع قريضهم … قواف هي السحر الحلال وديوان فأيقنت أن السحر أجمعه لهم … يقر لهم هاروت فيه وسحبان وعسى أن يواتينا الزمن يوما بكل شعره ونثره، وتاريخ حياته مفصلا فندرسه دراسة مستفيضة تليق ببلاغته. أحمد أحمد بدوي المدرس المنتدب بثانوية نابلس

стр. 5339

من طرائف الشعر بين الليل والصبح للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي انظر إلى الكواكبِ … يسبحن في الغياهبِ من ذاهب في شوطه … ولاحقٍ بالذاهب إلى الطوالع الوضا … ء الزُهر والغوارب إلى الجمال آخذاً … إلى الشعاع السائب والليل ساجٍ قد خلا … من العَصوف الصاخب يعبرن عُرضَ بحره … من جانبٍ لجانب غَرقى إلى الجيد، إلى … الثدى، إلى الترائب أرسلن شَعراً من أش … عةٍ على المناكب وقد خللن ما على الر … ؤُوس من عصائب ما إن رأت عين امرئ … أبهى من الكواكب يلمعن مثل الماس أو … كَوَمضة الحُباحب يمشين أسراباً كأتر_ابٍ من الكواعب يذهبن من مشارق ال … أرض إلى المغارب والليلُ ضاربٌ روا … قه على الجوانب كلّ الجمال في النجو … م اللُمّع الثواقب العاريات للخلا … عات من الجلابب الغامزات بالعيو … ن النُجل والحواجب ما إن لهن غير نش … ر النور من مآرب يضحكن من شيبي … ومن آماليَ الكواذب أشدو بما لهنَّ من … حسنٍ ومن مناقب كأنهن الحور يُط … لِلْنَ من المَراقب أمن بنات الليل هُنّ … أم من الربائب؟

стр. 5340

أم من طيور الخُلد ير … ففنَ على المشارب عصائب يقعنَ أس … رابا على عصائب والماء في المَجَرَّة ال … بيضاء غير ناضب وربما اختلفن في ال … ميول والمذاهب خاطبتهن لو سمع … نَ القولَ من مُخاطِب يا لهفتي على ضيا … ع للشهاب الثاقب قد خر من عين الدجى … ليلا كدمعٍ ساكب وخيم الليل ونا … م القطبُ في المضارب ماذا الذي قد خلّف ال … قطبَ عن الصواحب ما أجهل الليل، وقد … خيّم، بالعواقب فليس يدري ما يلا … قيه من المصائب لقد رماه الفجر في الص … در بسهم صائب وكان لمّا ناله … بالسهم غير كاذب وكشر الليلُ عن ال … أنياب كالمغاضب وجرد الصبح علي … هـ السيفَ كالمحارب وظلّ يفري جلدَه … فَرْىَ حَنيقٍ غاضب جرّ الغَرورُ الليلَ مخ … ذولا إلى المعاطب ملاقياً جزاءه … من ثائرٍ معُاقِب والليل لا يقوى على … ردّ الصباح الواثب يفر كالمغلوب من … وجه القويّ الغالب وهو جريح، دمهُ … يجري على الجوانب ما أنتصر الليلُ بما … جَمَّعَ من كتائب بل إنه اختفى عن ال … عين كلمحٍ ذائب إِن عبس الليلُ فلي … س الذنب للكواكب فهنّ يبتسمنَ حت … ى للعدوّ الناصب

стр. 5341

هو الذي جنى فَكُن … نَ عرضة النوائب وظلت الشعرى تنا … جي الصبحَ كالمعاتب بين الصباح مُسفِرا … والليل ذي الغياهب ثأرٌ سيبقى فتقَهُ … دهرَاً بغير رائب غمَّ النجومَ ما تقا … سيه من المصائب والصبحُ لما راعها … ما كان بالمداعب كأنه بازٌ جرى … يسطو على أرانب أو قَسْوَرٌ حُمارِسٌ … سطا على ثعالب يريد أن يفترس ال … أنجمَ بالمخالب فغرنَ جمعاء من ال … خشية في المذانب إني لأقرأ الأسى … في الأوجه الشواحب أجفلن لا يحملنَ غي … ر الخوف في الحقائب تؤذي العذارى فيالحيا … ة قِلّةُ التجارب تا لله ما هذى الوجو … هـ الغرُّ للنوائب والعندليب هبّ يَشْ … دو بانتصار الغالب والديك صاح يْعلن … السرورَ للصواحب كأنما قد فرحا … بنكبة الكواكب يا كوكب الصبح لك الص … بح من الأقارب ما كان ينبغي له … صفعُك كالمعاقِب لا تيأسَنَّ وأنتظر … ليلَ الغد المقُارِب تكن كما قد كنتَ في ال … عين من الرغائب يا أيها الصبح الجمي … ل يا ملاذَ الراعب لقد قسوتَ حين أخ … نيتَ على الكواكب رميتَ شملهنّ بالت … شتيت والمصاعب ما ضرّ لو حميتهنّ … مثل أمٍّ حادب

стр. 5342

كنّ ينبنَ عنك في الْ … لَيل الطويل اللازب وكن زينةَ السما … ء في عيون الراقب ما أجمل الشمسَ بدت … مُرخيةَ الذوائب قد طلعت في موكب … من أفخم المواكب تنثر من ضيائها … تبراً على الجوانب على البحار والجبال … الشُمّ والسباسب يا شمس أنت للورى … من أكبر المواهب حبيبةٌ أنتِ إلى … الشبان والأشايب أكْبِرْ بما تُهدِينَ من … نورِ ومن كهارب! بغداد جميل صدقي الزهاوي

стр. 5343

بسمة للأستاذ محمد خورشيد هاتها مِن فم القَدَرْ … بَسمةً تَفتِنُ البشرْ تُفسحُ الصدرَ للرَّجَا … ء وتَفنى قوى الكدرْ إنَّما الحظُّ خِلسةٌ … فاغتنِمْ منهُ ما بَدَر إجعلِ الهنا … كعبةَ المُنَى يضحكِ العُمُرْ أهمِلِ الدَّهرَ ما طَغَى … لا تَخَفْ منهُ إِن بَغَى وأدَّرِعْ بابتسامةٍ … تُحرِزِ النصرَ في الوغى لم يُجندلْهُ غيرُ مَن … لاذ بالهُزء والسَّخَرْ عِشْ لِحْربِهِ … لا تَثِقْ بهِ طَالَما غَدَرْ أمسِ، كالحُلمِ أَدْلَجَا … عَوُدُه ليسَ يُرتَجَى وغَدٌ، مِن ضميرِهِ … لمْ يَرَ الغيبُ مَخرَجاً فابتغِ (اليومَ) كلَّ ما … يشتهي السمعُ والبصَرْ روِّ بالأمَلْ … فُسحَةَ الأَجَلْ تصرِفِ الغِيَرْ دَغدغِ النايَ واعزِفِ … لحنَ هَيمانَ مُترَفِ واسقِني قبلَ صحوتي … ريقَ عذراء قَرقَفِِ فندامايَ أكوٌّسٌ … راحُهَا يخطفُ البصَرْ رحمةُ الصَّمَدْ … صَاحِ لا تُحَد كمْ وكم غَفَرْ! القدس محمد خورشيد

стр. 5344

النفس الضائعة للأديب سيد قطب أثِني أنا؟ أم ذاك رمزٌ لغابر؟ … لأنكرتُ من نفسي أخصَّ شعائري! لأنكرتُ إحساسي، وأنكرتُ منزعي … وأنكرت آمالي، وشَتَّى خواطري وأنكرتُ شِعري، وهو نفسي بريئةً … ممحضةً من كل خِلطٍ مخامر ويفصلني عما مضَى من مشاعري … عهودٌ وآباد طوال الدياجر وأجبها ذكرى، ولكنَّ بُعدَها … يخيَّل لي أن لم تمر بخاطري! أنقَّب عن ماضيَّ بين سرائري … فألمحه كالوهم أو طيف عابر أعيش بلا ماضٍ كأنيَ نبتةٌ … على السطح تطفو في مهب الأعاصر وما غابرُ الإنسان إلا جذوره … فهل تمَّ نبت دون جذر مؤازر أنقب عن نفسي التي قد فقدتُها … بنفسي التي أعيا بها غير شاعر وأطليها في الروض إذ كان همها … تأمله، يُفضي بتلك الأزاهر وفي الليل إذ يغشى وكانت إذا غفا … تيقظ فيها كل غاف وسادر وفي الليلة القمراء إذ تهمس الرؤى … وتومئ للأرواح إيماء ساحر وفي الفجر، والأنداء يقطرن، والشذى … يفوح، ويشجي سمعه لحن طائر وفي الحب إذ كانت شواظا وحرقة … ومهبط آمال ومطمح ثائر وفي النكباء، والغبطة التي … تجود بها الأقدار جود المحاذر ولكنني أيئستُ أن ألتقي بها … وتاهت بوادٍ غامر التيه غائر سأحيا إذن كالطيف، ليست تحسهُّ … يدان، ولا يجلوه ضوء لناظر سيد قطب

стр. 5345

من وحي المرض. إلى صورتها الحبيبة. . . بقلم مختار الوكيل يا صورةً قد عبدتُ فيها … صورةَ مَنْ أَبدعَ الوجودْ أنتِ التي قد ضمنتِ خلدي … بوحيك الباسم السعيد أعيش في عَالم الدنايا … سأمان من حِصَّة العبيدِ الداءُ! يا ويلتا، غزاني … بجيشه الساغب المبيدِ والصحب! أواه من صحابي … لم يرأفوا بالفتى العميدِ يا ليتهم حين أهملوني … لم يطلقوا الهجوَ كالرعودِ! يا طلعة قد لمحتُ فيها … تهلُّلَ الوردِ في الخدودِ وبسمةً قد قَبَسْتُ منها … بشائرَ العالم الجديدِ أموت والنورُ منكِ ضافٍ … على دُجَى قلبيَ الشريدِ! يا ما أُحَيْلَي الممات، لولا … مرارة الَحبْسِ في اللحود! كم هاجس ضجَّ في خيالي … وَثارَ في خاطري البليدِ وأنت يا فِتْنتي أمامي … وبين كفّيَّ كالوليدِ! غَفَرْتُ كلَّ الذي دهاني … في عالَمِ الظُلم والكنودْ ببسمةٍ منكِ لا تُرَائي … ونظرةٍ تضمن الخلودْ! مختار الوكيل

стр. 5346

الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر للأستاذ بشير الشريقي اطلعت في عدد الرسالة التاسع والخمسين على كلمة موجزة للأستاذ محمود الخفيف في نقد كتاب (الأدب الإنجليزي الحديث) الذي قدمه الأستاذ سلامه موسى للجمهور مؤخراً، وقد ظهر لي من هذه الكلمة. أولا - إن الأستاذ مصنف الكتاب أو مؤلفه قد نعت العصر الفيكتوري ما بين ١٨٣٠ - ١٩٠٠ بأنه عصر خمول في الأخلاق والأدب، بينما يرى الأستاذ محمود الخفيف هذا العصر من أرقى عصور الأدب الإنجليزي وأحفلها بالحركات والاتجاهات الأدبية الجديدة. ثانيا - إن الأستاذ سلامه يشير في كتابه إلى تجديد في الأدب الإنجليزي ظهر عام ١٩٠٠ فيوافقه الأستاذ محمود على ظهور هذا التجديد ويذكر أنه ثمرة من ثمار العصر الفيكتوري الناهض. وأنا بدوري أود أن أقول كلمة في الموضوع أختلف فيها مع الأستاذين الفاضلين في مسائل، وأتفق معهما في أخرى، فأرجو أن توسع مجلة الرسالة الغراء صدرها لهذه الكلمة: ١ - إن مؤرخي الأدب الإنجليزي الحديث لا يوافقون الأستاذ سلامه موسى على قوله: (إن الأدب الإنجليزي قد اتجه طول مدة القرن التاسع عشر نحو الصياغة اللفظية دون التفكير والاقتحام) ويرونه قد حاد كثيراً حين رمى الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر بالضعف والقبح والفساد لأن هذا العصر الذي يمتد من عام ١٧٩٨ إلى عام ١٨٩٢ من أزهى عصور الأدب عندهم اشتهر بمذاهبه الأدبية الجديدة وبتنوع شعرائه وكتابه الذين خرجوا فيما ينظمون ويكتبون عن أساليب القدماء. وإلى القارئ ما يذكره المؤلفان الإنجليزيان (وايت و (كلي عن الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر في كتابهما (الأدب الإنجليزي الحديث. ص١ - ٣: إذا كان من أن نقع على تاريخ يحدد لنا نهاية عصر من عصور الأدب أو بدايته، وكان من النادر أن يتفق مثل ذلك التاريخ مع فسحة الزمان إلى قرون أو عصور أو أجيال، فان القرن التاسع عشر قد أمتاز بأنه كان ممثلاً أحسن تمثيل لدور انتقال بين في الأدب الإنجليزي. نشر (وردثورث) و (كوليردج) (قصائدهما الغنائية) قبل بزوغ فجر القرن

стр. 5347

التاسع عشر بعامين فقط في عام ١٧٩٨، فكان ذلك النشر خدمة عظيمة للفن والأدب وعاملاً من أهم العوامل التي قلبت المذاهب الشعرية الأولى وهدمت النظريات الأدبية القديمة، وكأني بتلك القصائد قد أعلنت نهاية الطريقة الاتباعية في الشعر بإحياء الطريقة الابتداعية إن الروح الرومانتيكية لم تكن حتى أيام (ورد ثورث) و (كوليردج) قد استيقظت والأساليب الشعرية القديمة لم تكن قد نسخت. هذا ما يذكره المؤلفان العالمان عن أهمية عام ١٧٩٨ بالنسبة لتاريخ الأدب الإنجليزي، فلنصغ إلى حديثهما عن وحدة الأدب في القرن التاسع عشر: (فعام ١٧٩٨ إذن يكاد ينفرد في إنه يعين بوضوح ابتداء عصر جديد للأدب، عصر إصلاح وتجديد أطلق الشعر فيه من قيود (الاتباعيين) والقرن التاسع عشر يبدو لنا ذا وحدة تامة كما كان عصر الياصابات ١٦٦٠ - ١٧٩٨ فلم يفقد فيه الشعر الروح الابتداعية. التي أمده بها (ورد ثورث) ومعاصروه، وقد ظلت رواياته النثرية في تقدم مطرد. إن أدب العلم والتاريخ والفلسفة قد امتاز في هذا العصر بطريقته الجديدة التي أدنت مسائله وأوضحتها، والتي اختلفت عن طريقة القرن الثامن عشر اختلاف (دارون) عن (لوك) قد ترى الأجيال المقبلة في مذاهب (ماثيو أرنولد) الاتباعية أو في الطريقة (الابتداعية) الجديدة التي دعا إليها (روسيتي) و (موريس) ما لم نره نحن من خطورة وأهمية، غير أن ما يمكننا قوله الآن هو أنه لم يقم حتى العهد الذي ظهر فيه (ورد ثورث) و (كوليردج) ثورة تهدم الطرق القديمة وتكون جديرة بأن تعتبر فاتحة عصر جديد. لا ينبغي أن نطنب - طبعا - في وحدة أدب القرن التاسع عشر أو بالفروق التي كانت بينه وبين أدب القرن الثامن عشر، إن كل ما ننوي التحدث عنه هنا هو أن نظهر أن الوحدة الأدبية كانت فيه تامة، وأن الفارق الذي يدعونا إلى درس أدبه كأدب عصر خاص كان ظاهراً جلياً. ولقد تظهر فوارق الشعر أكثر وضوحاً في هذا العصر، يرجع ذلك إلى النزاع العنيف الذي قام بين شعراء المدرسة القديمة في القرن الثامن عشر وبين شعراء الطريقة الابتداعية في فجر القرن التاسع عشر؛ أما الروايات النثرية فمن المؤكد أنه لم يدخلها تبدل ظاهر، لأن روائي القرن التاسع عشر كان يرضيهم بوجه عام ان ينشروا فن

стр. 5348

أساتذتهم فحسب - أساتذة القرن الثامن عشر. ولو تتبعنا حقل النقد الأدبي الآن لأمكننا أن نقع على تغير واضح في طرقه وأساليبه وقواعده، وهذا التغير يظهر بارزا جليا منذ اليوم الذي تفتحت فيه عبقرية (كارليل) ودفعت بالنقد في طريق جديدة. كان النقد في الربع الأول من هذا القرن يتفق في أصوله وأساليبه مع نقد القرن الثامن عشر، وكان الناقد هو من يحسن وضع الخلاصات، ويجيد المديح والهجاء، حتى إذا جاء (كارليل) كان أول مبشر بطريقة النقد الحديثة الصحيحة، التي يهمها الشرح والتفسير والإيضاح الأصولي للمبادئ الجديدة.) دور ١٧٩٨ - ١٨٣٢. وخطره. ويقول المؤلفان الفاضلان: مات (اسكوت، وكريب، وبنتام) عام ١٨٣٢ وعاش من بعدهم (ورد ثورث) ثمانية عشر عاماً أيضاً، و (كوليردج ولامب) عامين، و (مور) عشرين، و (سواسي) أحد عشر، و (كامبيل) اثنى عشر، لقد أدى كل واحد من هؤلاء الأعلام رسالته قبل عام ١٨٣٢، أما (كارليل) و (ماكولي)، و (تنسون) و (هود) و (بالوير) و (ليتون) والسيدة (براوننك) من مشاهير الكتاب فلم يكونوا قد نشروا حتى عام ١٨٣٢ سوى خواطر صباهم. وفي عام ١٧٩٨ كان عمر كيتس وشيلي وبيرون يتراوح بين الثالثة والعاشرة، ثم لم يأت عام ١٨٣٢ حتى كان قد مضى على وفاة الثلاثة ثماني سنوات أو أكثر، وهكذا تظهر لنا أهمية الخمسة والثلاثين عاما التي بين ١٧٩٨، ١٨٣٢ من الناحية الفنية الشعرية. وفي الحق أنه ما من عصر من عصور الأدب الإنجليزي حتى عصر الملكة الياصابات يستطيع مناظرة هذا الدور ١٧٩٨ - ١٨٣٢ في سمو التصوير وسرعة الانتاج، فقد بذ ببدائعه الفنية الرائعة عصر الملكة الزاهر. إن في مجرد تعداد كتاب الطبقة الأولى والثانية شيئا من الغرابة والقوة والتأثير، يكفي أن نذكر من الشعراء (ورد ثورث) و (كوليردج) و (بيرون) و (شيلي) و (كيتس) و (لاندور) و (مور) و (ساوس)، ومن الكتاب (اسكوت) و (اوستن) و (هازت) و (ويلسن)، حتى نجعلك تؤمن بعظمة هذا الدور، ثم إليك نتاج عام واحد: في عام ١٨٠٦ ظهرت رواية (ايما) لجان أوستن، و (تشايلد هارولد)، (وحصار كورنث) و (سجين تشيلون) لبيرون، و

стр. 5349

(الفناء القديم) لاسكوت، (وحاجتنا إلى الجحود) لشيلي، وكثير من المؤلفات القيمة. بعد كل ما تقدم ما أحسب أن القارئ يشايع الأستاذ واضح كتاب (التجديد في الأدب الإنجليزي الحديث) في قوله: (إن الأدب الإنجليزي قد اتجه طول مدة القرن التاسع عشر نحو الصياغة اللفظية دون التفكير والاقتحام)، وفي قوله: (ان العصر الفيكتوري ما بين ١٨٣٠ و١٩٠٠ كان عصر خمول في الأخلاق والأدب. . الخ) بل أعتقد أنه يرى الصواب والحكمة في معارضة الأستاذ محمود الخفيف له في رأيه هذا. أما هذا التجديد الذي أشار الأستاذ سلامة موسى إلى ظهوره في الأدب الإنجليزي عام ١٩٠٠ ووافقه عليه الأستاذ محمود فانه في رأي (وايت) و (كلي) لم يوجد حقيقة، وان الشعر في هذا العام وما أعقبه من أعوام (من عام ١٨٩٢ - ١٩١٩) قد سرى إليه الضعف، وجهل أربابه (روبرت بريدج، بلانت، وليام ونسون، ارثر سيمون، حنا دافيد سون، كبلنج، هاردي) الغرض منه، فمالوا إلى زخرف القول وتدبيج اللفظ بأنواع البديع وأوغلوا في ذلك حتى قبحت مبانيهم وسمجت معانيهم. وإلى القارئ ما يذكرانه في كتابهما المشار إليه ص٢١١ - ٢١٢. (يرينا الشعر في هذا الدور ١٨٩٢ - ١٩١٩ ضعفا بينا؛ ليس في صور التعبير وآداب النظم، بل في النجابة واتساع أفق التفكير؛ لقد تجنب فيه معظم الشعراء السجايا النفسية وعواطف الحب وفتنة الجمال، فاكتفوا بمغازلة الوداد العائلي، وقراءة أفكار الرجل من غير أن يتعرضوا لخوالج نفسه؛ كانوا أطفالا في تفكيرهم ونظراتهم، قل أن يخوضوا في البحث والجدل والتفسير، بل كان مجرد (التبليغ) هو كل ما تصبو إليه نفوسهم؛ يطربهم الجمال الطبيعي (الفيزيكي) أو أن يكتشفوا في صورة اصطلح الناس على تقبيحها شيئا يدعونه جمالا حقا؛ تقيدوا بأوزان العروض وعانوا طول الدرس ليتمكنوا من تحسين عباراتهم وتطبيقها على ما يتخيلون من التشابيه والاستعارات؛ هم تلامذة (لورد ثورث) نبذوا مثله الأسلوب الشعري ونظموا معظم منظوماتهم غنائية، إنما كانوا يوقعونها على أوتار خرساء، نعم على أوتار خرساء لأنها تقف بمعزل عن الحياة ومسائلها، ولا تدعونا إلى التفكير في سر الوجود والعدم تفكيراً يجعلنا نرى بعين عقلنا العالم أكثر وضوحا. .). هذا ما رأيت أن أثبته تعقيبا على كلمة الأستاذ محمود الخفيف التي انتقد فيها كتاب (التجديد

стр. 5350

في الأدب الإنجليزي) تأليف الأستاذ سلامة موسى. شرق الأردن بشير الشريقي

стр. 5351

العلوم ٢ - التلفزة في عهدها الأول للأستاذ محمود مختاربكلية العلوم جهاز الاستقبال تحدثت في رسالة سابقة عن جهاز الإرسال للتلفزة. والخطوات التي مرت بها صورة الجسم المتلفز من بدء تحليلها إلى مساحات صغيرة بواسطة القرص المثقب أو حلزون المرايا، ثم إسقاط الأشعة الضوئية المنعكسة من هذه المساحات الصغيرة على التعاقب على خلية كهرضوئية حيث تحولت إلى دفعات كهربائية، ثم تكبيرها فإذاعتها في الأثير. والآن نحن عند جهاز الاستقبال حيث تصل إلينا هذه الدفعات الكهربائية بعد أن التقطها الهوائي وأرسلها إلى الكاشف اللاسلكي وتأخذ عملية استقبال هذه الأمواج حتى إخراج الصورة النهائية ثلاث خطوات أيضاً هي بعينها ما يناظر خطوات الإرسال مأخوذة في ترتيب عكسي. فتبدأ أولى الخطوات بكشف هذه الأمواج وفصلها عن باقي الأمواج اللاسلكية المنتشرة في الأثير وتكبيرها. ثم تليها الخطوة الثانية وهي تحويلها من دفعات كهربائية إلى أخرى ضوئية. ثم تأتي الخطوة الثالثة وهي إعادة تركيب هذه الدفعات الضوئية بجوار بعضها لتخرج صورة الجسم المطلوبة. أما خطوة الكشف والتكبير فهي كنظيرتها في جهاز الإرسال - خطوة التكبير والإذاعة - في المقام الثاني من الأهمية لباحث التلفزة. ويكفي لنا الآن أن نعلم أنها تتم بواسطة دائرة من الصمامات هي بنفسها دائرة أجهزة السمع العادية - ولا داعي للخوض في تركيبها وعملها في مثل هذه العجالة - وكما تؤخذ تلك الأمواج الكهربائية المكبرة في جهاز السمع إلى البوق لتحويلها إلى دفعات صوتية تؤخذ هذه بعد تكبيرها أيضاً إلى المصباح الغازي أو إلى خلية كر لتحويلها إلى دفعات ضوئية، وهذه ثانية خطوات الاستقبال. والمصباح الغازي ولو أن لفظه ليس مطروقا إلا أنه كثيرا ما تقع عليه أبصارنا على واجهات المحلات التجارية الكبيرة في شكل أنابيب ضوئية كهربائية للإعلانات تأخذ ألوانا مختلفة أحمر أو بنفسجيا أو أزرق أو غيرها. هذه الأنابيب الضوئية ما هي إلا شكل تحور

стр. 5352

من المصابيح الغازية المستعملة في التلفزة لتحويل الطاقة الكهربائية إلى أخرى ضوئية. وهي عبارة عن انتفاخ زجاجي في حجم الصمام الكهربائي العادي يحوي بداخله غاز النيون أو الآرجون أو بخار الزئبق تحت ضغوط صغيرة جدا تقرب من بضعة مليمترات. وبه قطبان أحدهما الكاثود، ويكون القطب السالب للمصباح وهو عادة على شكل صفيحة رقيقة من النيكل. والثاني الأنود، ويكون القطب الموجب، ويكون عادة على شكل سلك حلزوني أو قضيب قصير يواجه صفيحة الكاثود. وعندما يوصل الأنود بالطرف الموجب لجهد كهربائي عال - حوالي ١٥٠ إلى ٣٠٠ فولت - ويوصل الكاثود بالطرف السالب لهذا الجهد يتوهج المصباح بأحد هذه الألوان التي نراها في أنابيب الإعلانات تبعا لنوع الغاز الموجود به. وأفضل هذه الغازات هو بخار الزئبق إذ يعطي لوناً بنفسجياً فاتحاً. والسبب في هذا التوهج في المصباح هو انبعاث إلكترونات الكاثود - تحت تأثير فرق جهده عن الأنود - وسيرها بسرعة نحو الأنود، ومصادمتها في طريقها بذرات الغاز المنتشرة في المصباح التي تتذبذب سريعا تحت تأثير الصدمة فتتوهج. وربما عن لسائل أن يقول إننا كان يمكننا أن نحول الطاقة الكهربائية إلى أخرى ضوئية بطريقة المصباح المتوهج البسيط المستعمل في الاضاءة، فما هو إلا جهاز لتحويل طاقة كهربائية إلى أخرى ضوئية. والجواب على ذلك: إن عملية تحويل الطاقات في هذا المصباح نشأت من مرور تيار كهربائي في سلك المصباح ذي المقاومة الكبيرة الذي ترتفع درجة حرارته كلما اشتد التيار عليه حتى يحمى فيتوهج. وبمقارنة هذه النظرية في التوهج بنظرية المصباح الغازي السالفة الذكر نرى أنهما يختلفان تمام الاختلاف. ولكن لم فضلنا هذه على تلك؟ ذلك لأن المصباح الغازي يفوق المصباح المتوهج بحساسيته الشديدة للتغيرات الكهربائية، فلو أمر في كليهما تيار سريع التغير لظهرت إضاءة الأول متذبذبة تبعا لذبذبة التيار، على حين تظهر إضاءة الثاني منتظمة مستمرة، لا يلاحظ فيها أي ذبذبة أو تغير، وهذه طبعا ميزة لاستعمال المصباح المتوهج للإضاءة العادية. ولكنها ليست المطلوبة في التلفزة، بل المطلوب هو المصباح الأكثر حساسية للتغيرات حتى يمكنه أن يترجم ترجمة حرفية ما يصله من دفعات كهربائية سريعة التغير خارجة من جهاز الكشف والتكبير. ويوجد سبب آخر لتفضيل المصابيح الغازية، وهو أن الطاقة الضوئية المنبعثة منها تتناسب تناسبا

стр. 5353

طردياً مع الطاقة الكهربائية الداخلة إليها. وقد يستعاض عن مصباح الغاز بخلية كر، وهذه فكرة حديثة صائبة، يتوقف عملها على خاصية سائل النيتروبنزين في استقطاب الضوء إذا ما وقع تحت تأثير مجال كهربائي. وربما عدت لشرح هذه النظرية في فرصة أخرى. والآن بعد أن حصلنا على دفعات ضوئية متعاقبة تختلف شدة وضعفا باختلاف الدفعات الكهربائية المستقبلة من الأثير والتي كان اختلافها يتبع اختلاف نقط الجسم المتلفز نفسه في ضوئها وظلامها، لم يبق علينا إلا أن نعود فنركبها بنفس الطريقة التي حللناها بها، وذلك بوضع كل نقطة في مكان يناظر المكان الذي انبعثت منه على الجسم المتلفز، وهذه هي خطوة تكوين الصور النهائية. وتتم هذه الخطوة بنفس الجهاز الذي حللها، وهو كما تقدم: إما القرص المثقب أو طبلة المرايا، أو حلزون المرايا. ولأقصر الكلام على القرص المثقب وحده إذ علمنا أن الطبلة أو الحلزون يمكن أن يستبدلا بدون أي تغيير. فيوضع مصباح الغاز أمام القرص تجاه ثقوبه، ويوضع حاجز في الجهة المقابلة له من القرص ليتلقى الصورة ويدار القرص بنفس السرعة التي يدار بها نظيره في جهاز الإرسال - ١٢ , ٥ دورة في الثانية - ويكون دائما في خطوة واحدة معه، ويخرج المصباح الغازي دفعاته الضوئية المتتابعة، والتي تتم كل دفعة منها عن خواص نقطة واحدة من نقط الجسم المتلفز في لحظة من لحظاته. فتقع على القرص الذي هو صورة مضبوطة لقرص الإرسال في حجمه وشكله وعدد ثقوبه وسعتها وسرعته وخطوته، فيعمل هذا على وضع كل نقطة في مكان على الحاجز يناظر تماما مكانها الذي انبعثت منه على الجسم المتلفز، وبذلك تظهر الصورة. غير أن العملية لا تتم بمثل هذه السهولة، غير أن العملية لا تتم بمثل هذه السهولة، فنقطة الصعوبة فيها هي إمكان ضبط سرعة دوران القرص بحيث تساوي تماما سرعة دوران قرص جهاز الإذاعة. وظاهر تماما انه لو اختلفت السرعتان ولو اختلافا بسيطا لحصلنا على خيال لا يدل إلا على سحب غير مفهومة من الضوء والظلام. والطريقة الوحيدة لضبط السرعتين هي إرسال دفعات كهربائية ثابتة التردد من مصدر منفصل آخر لا علاقة

стр. 5354

لها بالجسم المتلفز أو توزيع الضوء أو غيره. بل تتوقف ذبذبتها على سرعة دوران قرص جهاز الإرسال فحسب. وهذه تستقبل عند جهاز الاستقبال بجهاز منفصل أيضاً حيث يكشفها ويكبرها ويسلطها على محرك القرص لتضبط سرعته تبعا لسرعة قرص الإرسال. وهذه طريقة فضلا عن أنها تستلزم جهازي استقبال منفصلين فهي تزيد الإذاعة والاستقبال تعقيدا على تعقيد. فكر (بيرد) في أن يرسل من نفس جهاز الإذاعة بإشارة يكون ترددها لا يتوقف إلا على سرعة دوران القرص، وذلك بأن جعل شعاع الضوء الخارج من ثقب القرص في جهاز الإرسال عند ما ينتهي من رسم خطه الرأسي من الضوء على الجسم المتلفز لا يبدأ شعاع الثقب التالي له إلا بعد وقت قصير، وهكذا بين كل ثقب وآخر يمضي مثل هذا الوقت الذي يسبب دفعة ضوئية مظلمة في الخلية الكهرضوئية ترددها ثابت ويتوقف على سرعة القرص، أي يساوي ٣٠ ١٢. ٥=٣٧٥ ذبذبة في الثانية، لأن بالقرص ثلاثين ثقبا وسرعته ١٢. ٥ دورة في الثانية. هذه الإشارة ترسل وتستقبل مع باقي دفعات الجسم كأنها واحدة منها، ولكن يمكن فصلها بسهولة عنها، لأن ترددها صغير جدا بالنسبة لتردد دفعات الجسم. وعلى ذلك تفصل عند جهاز الكشف الأول وتأخذ طريقا آخر حيث تكبر ثم تسلط على محرك قرص الاستقبال لتنظم سرعته. وقد تتساوى سرعة القرصين تماماً، ولكنا نرى الصورة النهائية مشطورة إلى نصفين وينشأ هذا من اختلاف الخطوة. ومن أمثلة اتحاد السرعة واختلاف الخطوة ما نشاهده إذا لاحظنا صمامي عجلتين متشابهتين في دراجة مثلا أثناء سيرها. كلتا العجلتين تسيران بنفس السرعة، ولكن ذلك لا يستلزم أن يأخذ صماماهما موضعين متشابهين تماما. فهما في هذه الحالة متحدتان في السرعة ومختلفتان في الخطوة. واختلاف الخطوة هذا هو ما يسبب شطر الصورة وأظن ذلك واضحا بقليل من التفكير. وبالرغم من كل هذه المجهودات الجبارة مازال جهاز التفلزة للاستقبال محروما من دخول المنازل. وبالرغم من نجاح التجارب التي عملت عليه حتى الآن نجاحا كافيا، فان الأجهزة مازالت على شئ من التعقيد وصعوبة التداول لشخص عادي. والعالم بطبيعته يرغب في البساطة بقدر الإمكان كما يتمنى أن يتخلص - في منزله على الأقل - من الأجهزة ذات

стр. 5355

المحركات الميكانيكية. فهو يأمل في جهاز للتلفزة له سهولة جهاز السمع في استعماله. فهل يقف العلم دون ذلك؟؟. . . . قريبا سوف يتحقق له ما يريد. فمذبذب أشعة الكاثود على الأبواب والجميع ينتظره. وآمل أن آتى على ما وصل العلم فيه في رسالة قادمة. وقبل أن أختتم هذه اللمحة عن التلفزة أريد أن أنوه ببعض نواح مختلفة تخرج عن مجرد إرسال صور أو أشخاص. أولا: التليتوكي وهي تلفزة أفلام سينمائية ناطقة كما تذاع الاسطوانات الموسيقية. ولنقدر من الآن ما سيهدد دور السينما بانتشار هذه التلفزة. ثانيا: التلفزة في الظلام أو وذلك باستعمال الأشعة تحت الحمراء بدل الضوء العادي. وستكون هذه ساعد البحار الأعظم لخوض البحار المجهولة في ظلام حالك، وكأنه في وضح النهار. كذلك في الحروب سوف تمكن هذه من رؤية حركات العدو وسكناته وهو في ظلام حالك بدون أن يشعر. ثالثا: التلفزة بالألوان الطبيعية، وذلك باستخدام قرص ذي ثلاث لفات من الثقوب مغطاة بثلاث زجاجات شفافة ملونة بالألوان الأحمر والأزرق والأصفر. واستعمال ثلاث خلايا كهرضوئية وثلاثة مصابيح غازية كل منها يعطي أحد الألوان السابقة. رابعا: التلفزة المجسمة أو عرض الصور مجسمة بدل أن تكون في مستوى واحد. خامسا: حاكي التلفزة - وكما يدل عليه أسمه هو جمع ما بين الحاكي) الجرامفون) والمتلفز. وهو إشراك الصور وحركات الأشخاص مع حديثهم وموسيقاهم على اسطوانة واحدة من اسطوانات الحاكي. بحيث برى وتسمع في آن واحد. محمود مختار معيد بكلية العلوم

стр. 5356

القصص من صور الحياة - قصة واقعية ظمأ الروح (مهداة إلى: للأستاذ عبد الحليم عباسي كان فتى خيالي النزعة، أغرته هذه الأفكار السوداوية، فاندفع فيها، لا يرى أن الحياة تتسع لغير هذا الشقاء يعلق بها من مفتتحها إلى حيث الحد بين الدنيا والآخرة، ومضى تعبث الكآبة بناضر شبابه، إلى أن غدا وهو في ميعة العمر. ناحل القد، حائل اللون، رطب الجفن كأنما علق به أثر من أدمع البارحة. . وإذا ما أصغيت إليه وهو يتحدث أسرتك هذه الغنة في صوته، وهذا العمق في أفكاره، ورحت تعجب كيف يستطيع هذا الظل حمل كل هذه الشجون؟. عرفته في بلدة الجمال - الشام - فقامت بيننا صداقة موثقة العقد، متينة الأواصر، يشوبها الإجلال من جانبي، والرثاء من جانبه، فقد كنت في نظره واحداً من هذه الملايين التي تتعثر بآمالها، وتتمرمر بأمانيها، وغبرنا على هذا زمناً إلى أن فرقت بيننا دواعي الحياة، وبقي خالداً في فكري، خالداً في روحي، ومضت سنون لم نتلاق فيها، إلى أن جاءتني منه هذه الرسالة أثبتها للقارئ، ففيها قصة طريفة: يا صديقي: ما كنت أظن أن كلامك يكون جداً وأنت تهزل، فلقد اعترضتني هذه - الجنية - التي شد ما حدثتني عنها، واستطاعت أن تلامس حياتي بعصا سحرها، فتغير منها. . ثم تمر بأناملها الجميلة على أجفاني فأغدو أبصر وأرى أن هذا الوجود ينطوي على أشياء كثيرة جميلة. . . . وتفصيل الخبر أني هبطت هذا البلد، وشدتني إليه ضرورات لا أستطيع الإفلات منها، ومرت الأيام والشهور متشاكلة متشابهة، وقد كنت لا أزال أسدر في كآبتي، وأتخبط في مآتي أشجاني، حتى كان يوم اللقيا بهذه الساحرة، فكأنما بعثت خلقاً جديداً، واستطاعت

стр. 5357

أن تنقي حياتي من كل هذه الأفكار الشائكة. . . فلقد كانت تكبرني بأعوام، وكانت تكبرني بهذه الأفكار نقتها التجارب وأخلصتها من كل خطل، وشاء الدهر الساخر أن يكون بين أبي وزوجها علاقة. . . وزوجها هذا - غفر الله له - ليس له ميزة من علم أو جاه. غير هذا الجاه الرخيص الذي تبعثه المادة، وهو يجمع بعد إلى قبح الجهل، دمامة الشكل، وسمح لي أن أتردد إلى بيته، وراقه أن يجد أن زياراتي تبعث في زوجه روح الغبطة والسرور، فينضر فرعها الذابل، وتدب الحياة في روحها الرازح تحت هذا الألم الحبيس الذي يعج في صدرها. . . وكأنه كان يشعر أن بينه وبينها عدا فارق العمر، تبايناً في الروح والفكر. . وكنت أشعر وأنا أتردد إليها أني أقاد إلى الهاوية، فهذا الصوت الهادئ المتزن، يعيد إليك ذكرى لذة غابرة، وهذه العين غرقى في صفائها تغازل النور، محال أن يقوى على ندائها روح يتعشق الجمال. . . ولقد كنت قادراً على أن أكتمها حبي، وما حاجتي إلى الإفضاء به، وأنا لا أطلب أكثر من أن أجلس إليها ساعات ترفه عن روحي، وتغذي مشاعري، غير أنا في إحدى جلساتنا، وقد تشعب بنا الحديث، وأخذت علينا الغبطة يقظات الإرادة، سمعت صرخات روحي في داخل البدن. . . أنني في حاجة إلى الامتزاج بها، إلى الفناء في ذاتها، وكأنها أحست بما أحسست به فالتحمنا بالنظر. وقالت عينها، لا حاجة إلى الثورة - إني أحبك - فأجابت روحي من عيني - وأنا أحبك - ولكن عينها عادت فقالت إني احتقر ملذات البدن، فلا تطمع بها، فقلت وأنا أحتقرها، لقد مللتها، إن روحي هي الصادية. وفي تلك الجلسة أعلنت لها حبي، وباحت لي بمثله. . . . . ومن ذلك الحين، أصبحت لا أقوى على فراقها، ولا أطيق الابتعاد عنها دقيقة، ولقد تعاظم أو تضاءل الوجود - لا أدري - فأصبحت هي كل شئ فيه، واستقر حبها في أعماقي ناراً، فغدوت بجانبها أحترق. ومرت الأيام مفعمة بالهناءة، فكنا نلتقي كل يوم، لا أرتوي من هذه الكلمات تند عن هذه الشفاه الجميلة، ولاأشبع من النظر إلى هذا المحيا الذي يبعث إليك في كل لمحة فكرة تحمل معاني الرضى عن الحياة. . . وأشهد أن جمالها أدناني كثيراً من حمى الله. . وارتفع بنفسي إلى عالم أندى من عالمنا

стр. 5358

هذا، يرى منه الإنسان مبلغ ما تتردى فيه الخلائق من سخافات، ومبلغ ما تنطوي عليه البشرية من حماقة. وكنا نتخير من الأمكنة أهدأها، ونهرب بسعادتنا بعيدين عن الضوضاء والصخب، وكأنها وهي ترقى القمم، أو تنساب معي إلى الوادي دنيا من الفتنة تتحرك. . على أن هذه التشابيه والصور كانت تجيش بنفسي ولا أجرؤ على إسماعها إياها. . . فهي لا تسمح لي أن أصور تموجات النسائم على غدائرها، ولا كيف تفتضح الموسيقى والشعر، قبالة ضحكتها وبسمتها، ولقد سألتها مرة عن سر هذا الامتعاض، فقالت: ذلك أن الجمال ليس في الشكل، وإنما هو فيما وراءه. . على أن في كلامك غلواً، قلت: نعم ولا، الجمال في ما وراء الأشباح، وليس في كلامي غلواً، وكذا أنت ترين أن جمالك أمثل من أن نتطاول إلى وصفه، فصمتت ثم قالت: دع هذا وخذ في غيره. قلت: فليكن فقد يجر إلى ما أخذنا على أنفسنا العهد بالابتعاد عنه. . . ثم تأخذ الحديث بلباقة وتديره على الوجه الذي تريد، مبتعدة فيه عن كل ما من شأنه أن يستثير فيك هذا الذي يطمع فيه عباد البدن. وهي إذ تحدثك لا تجهد في إقناعك، بل تلقي الفكرة موجزة واضحة، ثم تتركك تتخيل، وتقيس وتقارن، ولك أن توافقها أو تخالفها فهذا ليس بالشيء المهم، وإنما المهم أن تفكر!. شارف العام أن ينتهي، وأنا لا أزال في غمرة حبها أضوي جسماً، وأنمو فكراً وإحساساً، أصبحت شغلي الشاغل، لقد لهوت عن العالم، ونسيت أن به خلائق يعز عليها أن ترى آلافاً تمتزج بالمحبة، وتلتحم بالروح، حتى كان اليوم الذي سحق فيه قلبي، وتحطمت كأس سعادتي، فقد جئتها في عصاراه كالعادة، لنذهب إلى نزهة اتفقنا عليها، فجلست إليها ريثما تنهي عملها، وتصلح من شأنها، ولكني أوجست خيفة، وأنا ألاحظ عليها أثر اضطراب تحاول إخفاءه، ثم رأيتها تتحفز للكلام، وبعد لأى استطاعت أن تجمع شتيت إرادتها فقالت: أصغ إلي. . . . . . . قلت: كلي آذان. . . . . قالت: أو لم تسمع؟. . . لقد أكلتنا الألسنة!. قلت: لا أدري ما تقصدين؟ قالت: ستدري. إن هذه البشرية المتمرغة بالخسة، المتهفتة على الساقط من اللذة، لا ترى من الممكن أن تقوم علاقة بين متحابين، لا تمت إلى هذه الأسباب

стр. 5359

الدنيا، ولا تنبع من هذه المنابع الآسنة التي منها يستقون علاقاتهم. قلت، وقد قام بنفسي أن أداري ألم الصدمة: ليكن هذا فخلهم وصغائرهم، فما تصاحبنا لبذل في الخلق. فوجمت قليلاً، ثم قالت: ليس عن غباوة تتكلم، وعاجلتها دموعها، وقد والله يا صاح رأيت أنواعاً من الدمع، فما رأيت أشجى ولا أبعث للأسى من دموع هذه الحسناء البريئة المظلومة، إنها بهذه القطرات تحاول أن تستنطق العناصر وتستشهدها على طهرها وظلم الإنسان. قلت: هوني عليك أو بلغ الأمر إلى هذا الحد؟!. . . قالت: أجل! ومن حين وأنا أكتمك إياه، وزوجي وأقرباؤه لقد طلبوا مني أن اقطع معك هذه العلاقات، انهم يرونها خطرا على كرامة الأسرة، وغدا يسافر بي إلى بلد ناء كتم عني أسمه وإخاله لن يعود إلا متى رحلت!!. . . . . ودارت بي الأرض الفضاء وصرخت كالمذعور: محال هذا، إنهم يملكون منك الجسد، أما الروح فهو وقف على محبتي، لن أدعهم - وأنا قادر - يحطمون كأس حياتي. . كيف يفصلونك عني؟! أيفرق الروح عن الجسد دون أن يتقوض؟. . . . ثم كانت ساعة افتضح فيها جلدي، فطفقت أبكي، لقد بكيت كثيراً، وما صحوت إلا وهي تضمني، وتبللني بمدمعها، ثم طبعت على فمي قبلة، طبعت على فمها مثلها، هي أنل وآخر قبلة، هي أثمن ما أمتلك من ذكرى. . ومالي أشق عليك، لقد انتزعوها مني كما ينتزع الطفل عن ثدي أمه، لقد ذهبوا بأجمل حياتي، وموئل ذكرياتي. لقد كانوا قساة، فلم يرحموا غرباء جاءوا دنياهم على عجل، ويمضون كما جاءوا. لقد ذهب معها الصبر، فأصبحت هذه الدنيا في نظري كشراك الطائر ضيقة قفراء من كل ما يلهم العزاء. وأنى لي أن أحمل كل هذه الدنيا من الأوصاب، فسقطت مريضاً خائر القوى، ولي هاهنا - بالمستشفى - شهران لا أبل إلا لأنتكس. .

стр. 5360

وقد جاءتني بالأمس منها كلمة هي: (إلى الملتقى. .) إذن فهي تعرف أني بالمستشفى، بدليل أنها كتبت العنوان ورقم الغرفة، فخبرني أين تكون لقيا المرضى. . وأكبر ظني أنها مثلي مريضة. إن الدنيا أضيق من أن تتسع للقيا القلوب الطاهرة. إلى الملتقى. . حيث يتبع الحسن دون رقيب، وحيث تروى القلوب الظامئة إلى الجمال. . . إلى الملتقى. . . إلى الملتقى. . . شرق الأردن عبد الحليم عباسي
следующие страницы →