Полный текст (65 431 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
هو الترجمة الحرفية لهذا كله، فهو محاولة مرضية في خلق شيء لمستقبل الشباب بجهود الشباب وماله من قليل المال وكثير النشاط. وربما كان حتما لزاما على إخواننا الشبان أن يوجهوا جهودهم في تنفيذ هذا المشروع على الوجه الذي يحقق آمالهم أملا فأملا ليثبت لهم في سجل الأيام أنهم عرفوا واجبهم فأدوه، وآمنوا بحقهم فسعوا إليه.
أما وسائل التنفيذ لهذا المشروع فقد أحسن أو يحسن القائمون به تنظيمها، فلكل خمسة قروش تودع لحساب المشروع (كوبون) مرقوم بالرقم المسلسل، مختوم بالخاتم المسجل، ممضي إمضاء رسمية. وهذه الكوبونات التي يتقاضاها المساهمون في هذا المشروع تودع قيمتها أو أثمانها لحساب المشروع في بنك مصر إيداعاً ليس فيه صرف ولا حل إلا يوم تنعقد الجمعية العمومية للجان المشروع بعد ستة أشهر، فتحصى المجموع عدداً وتقرر ما ينشأ به من صناعة ومن يقوم على الإنشاء من الأعضاء الأخصائيين البارزين. يومئذ تأذن الجمعية لثلاثة من الرؤساء أن ينفقوا على عملية التأسيس بحساب معلوم تحت رقابة مسؤولة.
هذه وسيلة من وسائل النجاح للمشروع يزيد عليها أن القائمين بعملية التوزيع في ذاتها ليسوا فتية غير مسؤولين، إنما هم أعضاء لجان في وزارات الحكومة ومصالحها ومدارسها يشرف عليها رؤساء من أكبر الرؤساء. وهم يشتركون في المسئولية عن كل ما يوزعون حفظاً وضماناً لما يجمعون.
أما المال الذي يجمع فهو مضمون في خزائن بنك مصر، وأما ملكيته فهي لأصحاب خمسات القروش أنفسهم تعود عليهم أرباحه يوم تنشأ الشركة ويكونون فيها مساهمين، وأما نوع الصناعة التي تؤسس بمال المشروع هذا فمتروك أمرها لقيمة رأس المال الذي يمكن جمعه وتوفيره لهذه الغايات كلها التي يسعى إليها المشروع من إنشاء صناعات وطنية إلى فتح أبواب جديدة للرزق. فلجنة المشروع تضع نصب أعينها إذن غرضين: صناعة لا مزاحمة فيها للمواطنين، ومصانع يتطلب العمل فيها أكبر عدد ممكن من أيدي الشباب المواطنين.
إن كل غرض من هذين الغرضين اللذين يسعى إليهما مشروع تعاون الشباب جدير بعطف الأمة وتقديرها، وإذا كان قلب الأمة موزعا في قلوب الشباب فما أحرى هذه القلوب أن
стр. 562
تنصت إلى نداء (تعاون الشباب) ثم تجاوبه بالإقبال والبذل والعمل في سبيل الحرية التي تلمس بالأيدي ويحس بها الأفراد جميعاً.
стр. 563
في الأدب العربي
القصة المصرية
للأستاذ جيب
أستاذ الأدب العربي في مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن
- ٢ -
أول قصة مصرية بالمعنى الحقيقي خرجت إلى الوجود، وهي غفلاء من أسم مؤلفها، فلم تلق أول الأمر إلا اهتماماً قليلاً من جانب المتعلمين، تلك القصة هي (زينب) مناظر وأخلاق ريفية، بقلم فلاح مصري - القاهرة، مطبعة الجريدة عام ١٩١٤. ومؤلفها هو الدكتور محمد حسين هيكل، ولما كان غداة نشرها محامياً صغير السن طموحاً لم يشأ أن يذكر أسمه مخافة أن يقف ذلك عقبة في سبيل عمله.
خرجت (زينب) خروجاً تاماً، في لغتها وأسلوبها وموضوعها وفي الطريقة التي عالجها بها المؤلف عن جميع ما تقدم من الآثار في الأدب العربي. وليس هناك علاقة بينها وبين قصص زيدان التاريخية، وقصص فرح إنطوان، فلقد كتبت كما يتضح من عنوانها لتصوير الحياة الاجتماعية في الريف بسلسلة من الحوادث تدور حول فتاة قروية.
ونستطيع أن نسرد الحكاية في أيجاز، فنقول، أن زينب وهي فتاة قروية جميلة، قوية الإحساس، بعد علاقة بريئة بشاب متعلم يدعى حامد أبن صاحب الأرض في القرية، قد أحبت فتى يقال له إبراهيم، ولكنها تزوجت رغم أنفها وبمشيئة والديها من صاحبه حسن. فحرصت على وفائها وولائها له، ولكنها ظلت على حبها لإبراهيم، ولقد أدى التنازع بين هاتين العاطفتين، عاطفة الحب وعاطفة الإخلاص الزوجي إلى تأثير سيئ في صحتها، ولما علمت بدخول ابر أهيم في الجيش بلغ ذلك من نفسها مبلغاً عظيما حتى أضناها الحزن ثم أودى بحياتها، وبجانب هذه الخطة تقوم حكاية أخرى. وهي تلك العلاقة بين حامد وابنة عمه، وهي فتاة من فتيات المدن، ثم اختفاؤه عندما أخفق مسعاه في التزوج منها.
ويتضح من ذلك أن الخطة على العموم أقل من أن تكفي لملء أربعمائة صفحة، وبالقصة من جهة أخرى عيوب سنعرض لها الآن. وينبغي أن نتذكر أن تلك القصة ليست أول
стр. 564
مجهود لشاب صغير السن فحسب. بل هي كذلك أول مجهود من نوعه في أدب فني، فيجب أن ينظر إليها مع هذا الاعتبار، والواقع أن ما في القصة من تفاصيل تستوجب النقد، يقل شأنه، إذا قارناه بتلك الحقيقة وهي أن هناك مجهودا بذل، وأن تلك القصة تعتبر شيئاً جديداً من نوعه أضيف إلى الأدب العربي.
ويعد بناء هذه القصة ممتعا من الناحيتين الوصفية (والسيكلوجية) وواضح أن القصة إنما قصد بها انتقاد تلك الروح الرجعية التي ما زالت تسيطر على طبقة خاصة من الناس على الرغم من التقدم الحديث، على أن نجاحها في هذا السبيل لم يكن تاما، إذ أن الشخصيات نفسها لم تركب بدرجة كافية، اللهم إلا شخصية حامد، وهي بلا شك تمثل إلى حد كبير شخصية المؤلف نفسه. كذلك نلاحظ أن تصوير الأشخاص والحوادث بطريقة (درامية) جاء ضعيفا بالجملة.
وكانت النتيجة أن تعليقات المؤلف (السيكلوجية) كانت تأتي على لسانه هو بطريقة أقرب إلى طريقة الكتب المدرسية مع استعمال ضمير المتكلمين الجمع. ويظهر تدخل المؤلف بشكل أوضح في مواضع الوصف. ولقد ذكر هيكل بك في مقدمة الطبعة الثانية الظروف التي وضع فيها كتابه، وذلك حين كان يطلب العلم في باريس وجد به الحنين إلى وطنه، فجعل يتمثل في ذهنه جميع مظاهر الحياة القروية، ومجالي الطبيعة في مصر، ويظهر أثر ذلك في كل صفحة من صفحات الكتاب تقريبا، في قطع وصفية مسهبة للمناظر الطبيعية، كالشمس والقمر والنجوم والمحاصيل والجداول والبرك. . . الخ، ولقد يرتفع أسلوبه في ذلك إلى درجة عظيمة من الفخامة والروعة الموسيقية، ولكن طول الوصف مما يسبب السآمة وتشتيت الذهن. ففي كل حادثة وفي كل منظر وصف وتعليق، مما جعل القصة في بعض المواضع تسير متعثرة. أضف إلى هذا أن الكاتب كان يعمد أحيانا إلى قصص استطرادية تافهة، لا تمت بصلة قوية إلى القصة الأصلية، لا لغرض سوى أن يستطيع بواسطتها أن يضيف بعض الفقرات الوصفية، ثم بين الفينة والفينة تظهر بعض جمل مثقلة بالوصف الى درجة تفقد معها مبناها ومادتها.
ولكن يجب ألا ننسى أن هذه الفقرات الوصفية تحمل من المعاني إلى ذهن القارئ المصري أكثر مما تحمل إلى غيره، وإن تأثيرها الفني في نفسه، يعد أحد الأسباب الرئيسية التي
стр. 565
قامت عليها شهرة هذه القصة عند المصريين.
أما ما حوته من المباحث الاجتماعية، فكان أكثر تمشيا مع الخطة، إذ كان من المحتم أن يتلمس المؤلف أسباب المساوئ التي ذكرها وأسباب المأساة النهائية، وأن يرجع ذلك إلى أصله في العادات الاجتماعية. ويغلب على القصة من أولها إلى آخرها التعرض لنقد المساوئ التي أنتجها التمسك بالعادات البالية، ولكن النقد الاجتماعي لم يحشر بالطريقة التي حشرت بها الفقرات الوصفية (والسيكلوجية) ويرجع ذلك إلى أن المؤلف قد أجراه على لسان حامد، وهو شاب متعلم متأثر بأفكار قاسم أمين وغيره من المصلحين الاجتماعيين، على أن المؤلف كان يلجأ هنا أيضاً في بعض الأحيان إلى اصطلاحات الكتب المدرسية.
وكان تنظيم الأسرة وتحرير المرأة هما المحور الذي تدور عليه انتقادات المؤلف الاجتماعية، أضف إلى ذلك بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في مصر، كبعض الحرف البعيدة كل البعد عن حقائق الحياة، مثل حرفة طبيب القرية (الحكيم البلدي) ومشايخ الطرق الذين يتجرون بتضليل العامة وغير ذلك.
أما شعور المؤلف القومي، فكان مضمراً أكثر منه صريحا وإن كان قد أظهره في بعض المواضيع، وبخاصة عند إشارته إلى حقارة الخدمة العسكرية، تحت سيطرة الأجنبي.
أما أسلوب القصة فقد سار الكاتب فيه على الأسلوب الأدبي الحديث مع تهذيبه في أغلب الأحيان في اللفظ والتركيب، ويلاحظ فيه من جهة أثر الاصطلاحات العامية الخاصة بدلتا مصر، ويتضح ذلك في اقتضاب بعض الجمل، وفي طريقة الانتقال وغيرها، كما يلاحظ فيه من جهة أخرى أثر الفرنسية، ويظهر ذلك في طول الجمل والتوائها مع كثرة الجمل الفرعية والمعترضة التي تدخل على الجملة الرئيسية، مثال ذلك الجملة التي تبتدئ بالفقرة الآتية (ومن الظلام روافه) صفحة ٣٧ من الطبعة الأولى و٣٤ في الطبعة الثانية وكذلك الجملة التي تبتدئ بقوله: ولم تكن إلا لحظات. . . ص ٨٩ في الطبعة الأولى و ٧٠ في الثانية.
أما ما يتعلق بتلك المشكلة الصعبة، مشكلة أسلوب الحوار فقد لجأ هيكل بك في شجاعة إلى استعمال اللغة العامية إذا كان الحوار بين الفلاحين، أما إذا كان بين الطبقات المتعلمة فيتركهم يتكلمون اللغة الفصحى.
стр. 566
ويتضح مما قدمنا أن عنصر الخيال في زينب أقل منه في مثيلاتها من القصص الأوربية المتوسطة، وأن ما في القصة من فقرات عقلية ووجدانية (وهي في الواقع العنصر الشخصي فيها) يسمو على الناحية القصصية. ولقد ذكر الكاتب في مقدمة الطبعة الثانية أن القصة فضلا عن مظاهرها الخاصة تأثرت أيضاً بطريقة القصة الفرنسية السيكلوجية الحديثة، ولكنا على الرغم من ذلك (إلا إذا ثبت تماما أن القصة قد جرت في تفاصيلها وأسلوبها وخطتها على نمط القصة الفرنسية) نقول أنه يستحيل علينا أن ننكر على زينب أنها أول قصة مصرية كتبت بقلم مصري للقراء المصريين، وأن شخصياتها وأوضاعها وخطتها قد اشتقت من الحياة المصرية الحاضرة.
لم تلق هذه القصة إلا اهتماما قليلا حينما نشرت في عام ١٩١٤، ولكنها لاقت بعد ذلك نجاحاً كبيراً لما اتسعت دائرة القراء. وكان إعادة طبعها في عام ١٩٢٩ بناء على طلب الجمهور، وقد أدى إلى ذلك عدة عوامل نذكر منها أنها زادت في إحساس الناس بقوميتهم، وأن مؤلفها قد ارتفع صيته في عالم الأدب، وأنها اختيرت موضوعا لأول (فلم سينمائي) أخرج في مصر.
ومن أجل ذلك أصبحت القصة موضع بحث، وكتب في نقدها بعض مقالات كان معظمها مدحا وتقريظا. ومن أحسن ما كتب في هذا الصدد مقالتان طويلتان للمازني في السياسة الأسبوعية بتاريخ ٢٧ أبريل و٤ مايو سنة ١٩٢٩. وحدث أن كتب بعد ذلك كل من هيكل بك ومحمد عبد الله عنان سلسلة مقالات في السياسة الأسبوعية في أوائل عام ١٩٣٠ ذات فائدة كبيرة فيما يتعلق بنشأة القصة في مصر.
يسائل هيكل بك عن أسباب ذلك الضعف وذلك الفقر الغريبين اللذين يمتاز بهما الأدب العربي الحديث في القصة، مع أن المصريين يمتازون بمقدرة طبيعية على سرد القصص. ولقد علل ذلك بعدة أسباب منها: فقدان المقدرة على طول الخيال، والفرق بين لغة الكتابة ولغة التخاطب، وكسل الكتاب المصريين. ولكن ليس في هذه الأسباب ما يمكن اعتباره السبب الحقيقي وإن بدا في الثاني منها بعض الوجاهة. ويذكر هيكل بك بعض الأسباب الفرعية الأخرى ومنها (١) نسبة الأمية الهائلة في مصر، وهي تحول دون أي تقدير حقيقي من جهة، وتكون سببا في قلة العوض المالي من جهة أخرى (٢) عدم التشجيع من
стр. 567
جانب الطبقات العالية والطبقات الغنية، وربما كان السبب في ذلك أن هؤلاء لم يجدوا تشجيعا من جانب المرأة وبهذه المناسبة يشير المؤلف إلى أثر المرأة في فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر والى أهمية تشجيع المرأة للحركة الأدبية في الأدب العربي القديم (٣) الحط من قيمة الأدباء في مصر والتشهير بهم علنا من منافسيهم وممن هم أقل منهم منزلة (٤) انشغال الناس بالمسائل السياسية والاقتصادية وميل الكتّاب إلى الاهتمام بالناحية السياسية أكثر من اهتمامهم بالناحية الأدبية.
ويوافق عنان على تلك الأسباب في الجملة، غير أنه يقول أن ثانيها هو أكثرها خطرا، فإن الوسيلة الحقيقية إلى نمو القصة في مصر تنحصر في مركز المرأة الاجتماعي ويشير عنان إلى أن الدور الذي لعبته المرأة في إنهاض الشعر العربي القديم لم يكن له علاقة بالقصة، لأن أساس القصة إنما يوضع في مجتمع تلعب فيه المرأة دورا خطيرا ويكون المجتمع متأثرا بنفوذها خصوصا في رسم مستوى الخلق والسلوك. وكان من نتيجة فقدان هذا الأثر ضيق مجال الأدب العربي القديم والأدب الأوربي في العصور الوسطى ونقصهما في جمال الشعور والعواطف. ولا يزال هذا الضيق موجودا في الأدب العربي الحديث لأن المستوى الاجتماعي لم يزل كما هو لم يتغير. وتعتبر قصة زينب إحدى الشواذ التي تنهض دليلا على صحة القاعدة، فإن نجاحها إنما يرجع إلى تلك الحرية النسبية التي تتمتع بها المرأة في الحياة الريفية. وعلى ذلك فإن عنانا لا يشارك هيكل بك في تفاؤله، ففي نظره أنه لا يمكن أن تتقدم القصة المصرية ما لم تتحسن تلك الظروف القائمة، ولا يمكن أن تترجم أو تمثل العواطف والأخلاق السائدة في الحياة الاجتماعية. ولا ينتظر أن يكون لها مستقبل في التطور الأدبي الحديث ما دامت الحياة الإسلامية محافظة على تقاليدها الموروثة. ومما قاله في هذا الصدد (استطعنا أن نقطع بأن المجتمع الإسلامي لا يمكن (متى بقي تطوره وتقدمه محصورين في المبادئ الإسلامية الخالدة أو في التقاليد التي كانت أثرا لهذه المبادئ) أن يظفر كتاب القصص العربي يوما بمادة واسعة أو غزيرة كالتي يقدمها المجتمع الغربي إلى كتاب الغرب أو أن يغدو الأثر الذي يفسحه للمرأة ذات يوم وحيا للفن والجمال).
ولقد أدت مقالة عنان إلى رد من جانب هيكل بك يتعرض فيه إلى الناحية (السيكلوجية)
стр. 568
للموضوع، وهي مقالة جديرة بأن تقرأ بمزيد الاهتمام. يقرر الكاتب أن الضعف الحقيقي في القصة القصيرة والقصة الطويلة في مصر إنما يرجع إلى عدم المقدرة على تفهم الحياة والى حاجتنا إلى تربية العواطف، فإن العواطف النبيلة لا يمكن أن تثمر في حياة اجتماعية يقف فيها الشعور عند نقطة تقوم معها الأغراض الجسدية مقام أي عاطفة سامية من عواطف النفس الإنسانية. وإن أي فن لا يكون في الأصل قائما على حب الفنان لناحية من نواحي الحياة لا يمكن مطلقا أن يصل إلى درجة الكمال، وتطور غريزة الحب إلى عاطفة إنسانية سامية يحتاج إلى تدريب طويل شاق وقد لا يكفي لبلوغ ذلك جيل بل عدة أجيال. وحتى فضيلتا الإحسان والعطف يندر وجودهما في مظهرهما الاجتماعي الراقي في مصر. ولم يزل الحب أيضاً قريبا من الغرائز الأولية، ومن النادر أن يعثر المرء في هذه الناحية على مثل من المثل العليا الجميلة. وأخيرا يتلمس الكاتب أسباب نقص التهذيب العاطفي في انعدام وسائل التربية التي تقصد إلى هذا الغرض في المنزل، كما يتلمسها في طرق التعليم القديمة التي تعد أدخل في باب الحرف منها في باب الإنسانية.
ولم يكن من السهل مرور هذه المناقشات دون أن تثير معارضة من جهات مختلفة وسنوضح أحد هذه الانتقادات الشهيرة عند الكلام على قصة المازني (إبراهيم الكاتب) ولقد صدرت تلك المعارضة عن صفوف المثقفين. ومما قاله أحدهم في هذا الصدد. . . . ما هذه المناقشة الطويلة حول القصة؟ لقد سار الأدب العربي بدونها في الماضي ولم ينقص ذلك من قدره، وإن التطلع إلى إيجاد القصة فيه الآن ليعد مثلا جديدا من أمثلة تقليد الأوربيين تقليدا ضارا ينذر بتقوض دعائم الحياة الاجتماعية في الشرق. إن القصة الغربية بما فيها من نقص وتزييف وعدم ملاءمة للتقاليد الاجتماعية في الشرق قد أثرت تأثيرا هداما في حياة مصر الاجتماعية. أفنسعى بعد ذلك وراء هذا الداء الوبيل؟
стр. 569
ابن خلدون في مصر
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- ٣ -
ثم عين المؤرخ في وظيفة أخرى هي مشيخة (نظارة) خانقاه بيبرس، وهي يومئذ أعظم الخوانق أو ملاجئ الصوفية؛ فزادت جرايته، واتسعت موارده. ولكن أمد سكينته لم يطل، فقد نشبت فتنة خطيرة أودت بعرش الظاهر برقوق بطلها ومدبرها الأمير يلبغا الناصري نائب حلب؛ وكانت نظم البلاط القاهري وظروفه وما يضطرم به من الدسائس والخيانات مما يسمح بتكرار هذه الفتن؛ وكان يلبغا الناصري نائب السلطنة من قبل، وزعيم عصبة قوية من الأمراء والفرسان؛ وكان الظاهر برقوق من جملة أمرائه وتابعيه؛ ولكنه استطاع في فتنة سابقة (رمضان سنة ٧٨٤) أن يظفر بالعرش دونه، وأن يجرده من سلطته ونفوذه، وأن يقصيه إلى الشام. ثم سنحت فرصة الخروج ليلبغا، فسار إلى القاهرة في أتباعه وتحول أنصار برقوق عنه، ففر من القلعة، ودخل يلبغا الناصري القاهرة، وأعاد الصالح حاجي السلطان المخلوع إلى العرش، وقبض على برقوق وأرسله سجينا إلى الكرك (جمادى الأولى سنة ٧٩١). ولكن ثورة أخرى نشبت بقيادة أمير آخر يدعى منطاش، فقبض على الناصري، وسار إلى دمشق لمحاربة برقوق الذي استطاع أن يفر من سجنه؛ فهزمه برقوق وعاد إلى القاهرة ظافراً منصوراً، واسترد عرشه في صفر سنة ٩٢، لبضعة أشهر فقط من عزله. ويخصص ابن خلدون في (تعريفه) فصلاً لهذه الحوادث، ويمهد له بشرح فلسفي اجتماعي يتحدث فيه عن نهوض الدولة بقوة العصبية واتساع ملكها، ثم طغيان الحضارة والرفاهة عليها، وخروج الأقوياء منها عليها، وبثهم فيها روحاً جديداً من القوة، وتكرر هذه الظاهرة، ثم يطبق نظريته على دول المماليك المصرية منذ صلاح الدين، ويقص تاريخها باختصار. وهنا يبدو ابن خلدون كما يبدو في مقدمته، ذلك الفيلسوف الاجتماعي الذي يعنى بتعليل الظواهر والكائنات، واستقرائها في حوادث التاريخ.
والظاهر أن ابن خلدون قد عانى من جراء هذه الفتنة، ففقد مناصبه وأرزاقه كلها أو بعضها بسقوط الحزب الذي يتمتع بعطفه ورعايته. فلما عاد الظاهر برقوق إلى العرش ردت إليه. يدل على ذلك قوله في التعليق على عود الظاهر: (ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح
стр. 570
عباده، وطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما أجراه من نعمته).
ولبث ابن خلدون على ذلك أعواما ينقطع للبحث والدرس، وهو يقف بالتعريف بنفسه عند هذه المرحلة، حتى مستهل سنة سبع وتسعين (٧٩٧) في الترجمة المتداولة الملحقة بتاريخه. ولكنه يمضي في هذا التعريف مراحل أخرى، في النسخة المخطوطة التي أتينا على ذكرها؛ ويفصل حوادث حياته حتى مختتم سنة ٨٠٧، أعني قبل وفاته ببضعة أشهر. والنسخة المخطوطة أكثر تفصيلا وإسهاباً حتى فيما تتفق فيه مع النسخة المتداولة من مراحل الترجمة؛ ولهذا آثرنا الرجوع إليها إلى جانب النسخة المتداولة في كل ما هو أوفى وأتم مما تقدم ذكره من المراحل. غير أن النسخة المخطوطة ستكون منذ الآن وحدها مرجعنا فيما سيأتي من تفاصيل حياة المؤرخ حتى وفاته.
ليس في حياة ابن خلدون في هذه الفترة ما يستحق الذكر سوى سعيه إلى عقد الصلات بين البلاط القاهري وسلاطين المغرب ويجمل ابن خلدون ذكر هذه الصلات الملوكية، ويصف المراسلة والمهاداة بين صلاح الدين وبني عبد المؤمن ملوك المغرب؛ وبين الناصر قلاوون وملوك بني مرين؛ ويصف الهدايا المصرية والمغربية؛ ثم يعطف على مساعيه في عقد الصلة بين الملك الظاهر وسلطان تونس؛ وملخصها أنه كتب إلى سلطان تونس بحثه على إهداء ملك مصر، فأرسل إليه هدية من الجياد النادرة، ولكنها غرقت مع السفينة التي كانت تحمل أسرة المؤرخ كما قدمنا. ورد الملك الظاهر بإهداء سلطان تونس؛ ثم بعث سنة تسع وتسعين إلى المغرب ليشتري عدداً من الجياد، فزود ابن خلدون الرسل بالإرشاد والتوصية. ولكنهم عادوا بهدية فخمة كان سلطان تونس قد أعدها وتأخر إرسالها؛ وعدة هدايا أخرى قدمها أمراء المغرب، ومنها خيل مسومة، وعدد وسروج ذهبية. ويصف لنا ابن خلدون يوم تقديم الهدايا وعرضها ثم يقول لنا إنه شعر يومئذ بالفخر وحسن الذكر بما (تناول بين هؤلاء الملوك من السعي في الوصلة الثابتة على الأبد).
لبث ابن خلدون بعيداً عن منصب القضاء زهاء أربعة عشر عاما، يحول بينه وبين توليه، على قوله، ذلك الجناح من البلاط الذي شغب في حقه، وأغرى السلطان بعزله؛ فلما ضعف ذلك الحزب وانقرض رجاله، انتهز السلطان أول فرصة لرده إلى منصبه وكان ذلك في منتصف رمضان سنة إحدى وثمانمائة (مايو سنة ١٣٩٨م) على أثر وفاة ناصر الدين
стр. 571
التنسي قاضي المالكية. وكان ابن خلدون عندئذ بالفيوم يعنى بضم قمح ضيعته التي يستحقها من أوقاف المدرسة (القمحية) فاستدعاه السلطان وولاه القضاء للمرة الثانية. ثم توفي السلطان بعدئذ بقليل؛ في منتصف شوال؛ فخلفه ولده الناصر فرج، وسرى الاضطراب إلى شئون الدولة، واضطرمت الفتن والثورات المحلية حينا. فلما استقرت الأمور نوعاً، استأذن المؤرخ في السفر إلى بيت المقدس، فأذن له؛ وجال ابن خلدون في المدينة المقدسة، يتفقد آثارها الخالدة؛ وشهد المسجد الأقصى، وقبر الخليل، وآثار بيت لحم، ولكنه أبى الدخول إلى كنيسة القيامة (قبر المسيح). يقول لنا (وبناء أمم النصرانية على مكان الصليب بزعمهم، فنكرته نفسي، ونكرت الدخول إليه) ثم عاد من رحلته ووافى ركاب السلطان أثر عوده من الشام في ظاهر مصر، ودخل معه القاهرة في أواخر رمضان سنة ٨٠٢.
وفي المحرم سنة ثلاث عزل ابن خلدون من منصب القضاء للمرة الثانية. وسترى أن هذا العزل كان نتيجة لسعي منظم من خصوم المؤرخ، وأن تكراره كان مظهراً بارزاً لذلك النضال الذي كان يضطرم بينه وبين خصومه داخل البلاد وخارجه. ولم يمض قليل على ذلك حتى جاءت الأنباء بأن تيمورلنك قد انقض بجيوشه على الشام واستولى على مدينة حلب في مناظر هائلة من السفك والتخريب (ربيع الأول سنة ٨٠٣هـ - ١٤٠٠م) ثم اخترق الشام جنوبا إلى دمشق. فروعت مصر لهذه الأنباء، واضطرب البلاط أيما اضطراب، وهرع الناصر فرج بجيوشه لملاقاة الفاتح التتري ورده، واصطحب معه القضاة الأربعة وجماعة من الفقهاء والصوفية ومنهم ابن خلدون. ولا ريب أن المؤرخ لم ترقه هذه المفاجأة التي ذكرته بما عاناه بالمغرب من تلك المهام السلطانية الخطرة؛ بل هو يقول لنا صراحة أنه حاول الاعتراض والتملص، لولا أن غمره يشبك حاجب السلطان (بلين القول، وجزيل الأنعام). ويفرد المؤرخ فصلا لحوادث تلك الحملة، ويمهد له بتعريف عن نشأة التتار والسلاجقة. وكان سفر الحملة في ربيع الثاني سنة ٨٠٣، فوصلت إلى دمشق في جمادى الأولى، ونزل ابن خلدون مع جمهرة الفقهاء والعلماء في المدرسة العادلية، واشتبك جند مصر تواً مع جند الفاتح في معارك محلية ثبت فيها المصريون؛ وبدأت مفاوضات الصلح بين الفريقين. ولكن مؤامرة دبرها نفر من بطانة السلطان لخلعه
стр. 572
اضطرته للعودة سريعاً إلى مصر؛ فترك مصر لمصيرها، وأرتد مسرعاً إلى القاهرة فوصلها في جمادى الآخرة. وعلى أثر ذلك وقع خلاف بين القادة والرؤساء حول تسليم المدينة. وهنا تغلب المؤلف نزعة المغامرة كما تغلبه الأثرة.
فقد خشي أن تقع المدينة في يد الفاتح، فيكون نصيبه الموت أو النكال؛ ورأى أن يعتصم بالجرأة، وأن يغادر جماعة المترددين إلى معسكر الفاتح، فيستأمنه على نفسه ومصيره. ويحدثنا المؤرخ عن ذلك بصراحة، فيقول على ما شجر بين القادة من خلاف (وبلغني الخبر، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج، أو التدلي من السور لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر). وانتهى المؤرخ بإقناع زملائه فأدلوه من السور، وألفى عند الباب جماعة من بطانة تيمورلنك وأبنه شاه ملك الذي عينه لولاية دمشق عند تسليمها فأنظم إليهم، والتمس مقابلة تيمور؛ فساروا به إلى المعسكر أدخل في الحال إلى خيمة الفاتح. ويصف لنا ابن خلدون ذلك اللقاء الشهير في قوله: (ودخلت عليه بخيمة جلوسه، متكئاً على مرفقه، وصحاف الطعام تمر بين يديه تشريها إلى عصب المغل، جلوساً أمام خيمته حلقاً حلقا. فلما دخلت عليه، فانحنيت بالسلام وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه، ومد يده إليّ فقبلها؛ وأشار بالجلوس فجلست حيث إنتهت، ثم استدعا من بطانته الفقيه عبد الجبار بن النعمان من فقهاء الحنفية بخوارزم فأقعده يترجم بيننا).
стр. 573
البيروني أيضاً.
نشرتم في ص٢٠ من الجزء الرابع من الرسالة ترجمة للبيروني حسنة التأليف والمضامين متناولة لكثير من مناحي الرجل العلمية والفنية، ولكنها مغفلة لمنحاه الأدبي المصطلح عليه في عصره، وهذا مما تعنى به الرسالة ويصيب منها هوى فيه، فللبيروني كتاب (شعر أبي تمام) قال ياقوت الحموي: (رأيته بخطه لم يتمه) وكتاب التعلل بإجالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل، وكتاب تاريخ أيام السلطان محمود وأخبار أبيه، وكتاب المسامرة في أخبار خوارزم ذكره ياقوت أيضاً في مادة (خوارزم) وكتاب مختار الأشعار والآثار، قال ياقوت: (وإنما ذكرته أنا هاهنا لأنه كان أديباً أريباً لغوياً وله تصانيف في ذلك) ولم يذكر في الترجمة المذكورة في الرسالة كتابه (تقاسيم الأقاليم)، قال ياقوت (وجدت كتاب تقاسيم الأقاليم تصنيفه وخطه وقد كتبه في هذا العام) وليس هو الذي أشير إليه في الرسالة بما نصه (وعمل قانوناً جغرافياً كان أساساً لأكثر القسموغرافيات المشرقية) وله كتاب (اعتبار مقدار الليل والنهار) وسبب تأليفه أن السلطان محمود الغزني ورد عليه رسول من أقصى بلاد الترك وحدث بين يديه بما شاهد، في ما وراء البحر نحو القطب الجنوبي (كذا) من دور الشمس عليه ظاهرة في كل دورها فوق الأرض بحيث يبطل الليل، فتسارع السلطان على عادته في التشدد في الدين، إلى نسبة الرجل إلى الإلحاد والقرمطة، على كونه بريئاً منهما، فقال أبو نصر أبن مشكان للسلطان (أن هذا لا يذكر ذلك عن رأي يرتئيه ولكن عن مشاهدة يحكيه) وتلا قوله (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا) فسأل السلطان أبا الريحان عن ذلك فأخذ يصفه له على وجه الاختصار ويقرره على طريق الإقناع، وكان السلطان في بعض الأوقات يحسن الإصغاء ويبذل الإنصاف، فقبل ذلك وانقطع الحديث بينه وبينه وقتئذ، وبعد تولي ابنه مسعود للسلطنة انبعثت القضية ائتنافاً وفاوض البيروني يوماً فيها وفي سبب اختلاف مقادير الليل والنهار في الأرض وأحب من أبي الريحان البرهان ليجتزئ به عن العيان، فقال له أبو الريحان (أنت المنفرد اليوم بامتلاك الخافقين، والمستحق بالحقيقة اسم ملك الأرض، فأخلق بهذه المرتبة إيثار الاطلاع على مجاري الأمور وتصاريف أحوال الليل والنهار ومقدارها في عامرها وغامرها) وصنف له ذلك الكتاب المتقدم ذكراً بطريق يبعد عن مواضعات المنجمين وألقابهم ويقرب تصوره من فهم من لم يرتض بهذا العلم ولم يعتده، وكان السلطان قد مهر في العربية فسهل
стр. 574
له وقوفه عليه وأجزل إحسانه إليه، وكذلك صنف كتاباً في (لوازم الحركتين) بأمر هذا السلطان. قال ياقوت (وهو كتاب جليل لا مزيد عليه مقتبس أكثر كلماته عن آيات من كتاب الله وكتابه الآخر المعنون بالدستور الذي صنفه باسم شهاب الدولة أبي الفتح مودود بن السلطان شهيد، مستوف أحاسن المحاسن) وذكر له صاحب روضات الجنات غير ما جيء به في الرسالة كتاب (تسطيح الكرة) وكتاب (الاستيعاب في علم الإسطرلاب) وهو غير (العمل بالإسطرلاب) وكان كبيراً على ما قال مؤلف الروضات، وكتاب (تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن) وكتاب (التفهيم في صناعة التنجيم) بالعربية والفارسية، وكتاب (الأظلال) ورسالة في تهذيب الأقوال ومقالة في استعمال الإسطرلاب الكرى وأخرى في تلافي عوارض الزلة في دلائل القبلة، وكتاب اختصار بطليموس القلوذي، وكتاب الأطوال للفرس، وتاريخ الهند وهو مجلدات، ونفهم من كلام صاحب الروضات أن العلماء اختلفوا في أسمه فترجمه بعضهم في باب (المحمدين) وبعض مع الأحمدين وفعل هو الأمرين، وأن صلاح الدين الصفدي ذكره في تاريخ (الوافي بالوفيات) وذكره صاحب طبقات النحاة ومؤلف رياض العلماء وحمد الله المستوفي الفارسي في نزهة القلوب، وذكره القفطي في ترجمة (بطليموس القلوذي) الذي أسلفنا ذكراً له، قال (وما أعلم أحداً تعرض لتأليف مثل كتابه المعروف بالمجسطي ولا تعاطى معارضته بل تناوله بالشرح والتبيين كالفضل بن أبي حاتم التبريزي وبعضهم بالاختصار والتقريب كمحمد بن جابر البتاني وأبي الريحان البيروني الخوارزمي مصنف كتاب القانون المسعودي ألفه لمسعود بن محمود بن سبكتكين وحذا فيه حذو بطليموس. . .) وذكره شمس الدين الشهرزوري في تاريخ الحكماء فقال (أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني وبيرون مدينة في السند. . .) وقال ياقوت (وهذه النسبة معناها: البراني لأن بيرون بالفارسية معناه: برا، وسألت بعض الفضلاء عن ذلك فزعم أن مقامه بخوارزم كان قليلا وأهل خوارزم يسمون الغريب بهذا الاسم كأنه لما طالت غربته عنهم صار غريباً، وما أظنه يراد به إلا أنه من أهل الرستاق، يعني أنه من برا البلد) وأقول أن التكلف في تخريج نسبته ظاهر، فالشهرزوري اتبع قوله السابق ما صورته (وبيرون التي هي منشأه ومولده بلدة طيبة فيها عجائب وغرائب، ولا غرو فان الدر ساكن الصدف) وقد ألحق في كتابه آثار
стр. 575
الباقية المطبوع في ليبزيج ثبت لكتبه فيه اسم (١١٢) تأليفاً.
بغداد. مصطفى جواد
من طرائف الشعر
شوقية لم تنشر
نظم شاعر الخلود المغفور له شوقي بك هذه القصيدة في منفاه ولم يتمها. فنشرناها للأدب والتاريخ:
وسقيمة الأجفان لا من علة … تحيي العميد بنظرة وتميته
وصلت كتربيها الحديث بضاحك … ضاحٍ كمؤتلف الجمان شتيتُه
قالت تغربت الرجال، فقلت في … ضيم أريد بجانبي فأبيته
قالت نُفيت، فقلت ذلك منزل … وردَته كل يتيمة ووردته
قالت رماك الدهر، قلت فلم أكن … نِكساً ولكن بالأناة رميته
قالت ركبت البحر وهو شدائد … قلت الشدائد مركب عُوِّدته
قالت أخِفت الموت قلت أمُفلت … أنا من حبائله إذا ما خفته؟
لو نلت أسباب السماء لحطني … أجل يحل لحينه موقوته
قالت لقد شَمِتَ الحسود فقلت لو … دام الزمان لشامت لحفلته
قالت كأني بالهجاء قلائداً … سارت، فقلت هممت ثم تركته
أخذتْ به نفسي فقلت لها دعى … ما شاءت الأخلاق لا ما شئته
من راح قال الهُجر أو نطق الخنا … هذا بياني عنهما نُزَّهته
الله علمنيه سمحاً طاهرا … نَزِه الخلال وهكذا علمته
стр. 576
كشافة العراق
للأستاذ محمد الهراوي
هذي العراق وأهلها الغر … تهتز من طرب بهم مصر
أبناء بغداد، وهم شهب … في أفق مصر الأنجم الزُّهر
نزلوا بساحتها، وقد نزلوا … حيث الحشا والقلب والصدر
كشافة شدوا رحالهمو … لا البر يعييهم ولا البحر
ومن السلام عليهمُ بشر … ومن الحمية فيهمُ جمر
عن مصر حيتهم مواسمها … وعن الربيع الطير والزهر
لله بغداد ومصر معاً … فهما الحما والموطن الحر
أختان من رحم ومن نسب … غذى أصولهما الدم الطهر
ولقد توارثتا معاً أدباً … ينبيك عنه النثر والشعر
ولقد تشابهتا فأرضهما … من جنة، والكوثر النهر
والدين وحد بين قومهما … رمياتهم، والمطمح الوعر
ماضيهمو مجد، وحاضرهم … جد، وللمستقبل النصر
стр. 577
من أدب الزنوج
ترجم الأستاذ ايليا أبو ماضي هذه الأنشودة من أناشيد الزنوج في أمريكا واضطهاد البيض اياهم معروف
فوق الجميزة سنجاب … والأرنب تمرح في الحقل
وأنا صيَّاد وثاب … لكن الصيد على مثلي
محظور إذ أني عبد
والديك الأبيض في القُن … يختال كيوسف في الحسن
وأنا أتمنى لو أني … أصطاد الديك ولكني
لا أقدر إذ أني عبد
وفتاتي في تلك الدار … سوداء الطلعة كالقار
سيجيء ويأخذها جاري … يا ويحي من هذا العار
أفلا يكفي أني عبد؟
стр. 578
الهوى والشباب
للأستاذ بشارة الخوري
الهوى والشباب والأمل المن … شود توحَى فتبعث الشعر حيا
والهوى والشباب والأمل المن … شود ضاعت جميعها من يديا
يشرب الكأس ذو الحَجِيِّ ويبقى … لغد في قرارة الكأس شيَّا
لم يكن لي غد فأفرغت كأسي … ثم حطمتها على شفتيا
أيها الخافق المعذب يا قلْ … بي نزحت الدموع من مقلتيا
أفحَتْم عليَّ إرسال دمعي … كلما لاح بارق في مُحَيا؟
يا حبيبي لأجل عينيك ما ألْ … قى وما أوَّلَ الوشاة عليا
أأنا العاشق الوحيد لتُلقي … تبعات الهوى على كتفيا
اسقني من لماك أشهى من الخم … ر ونم ساعة على راحتيا
أنا ميتٌ غدا مع الفجر فاسكب … نغمات الحنان في أذنيا
стр. 579
موطني
لنزيل البرازيل: إلياس فرحات
نازح أقعده وجد مقيم … في الحشا بين خمود واتقاد
كلما افتر له البدر الوسيم … عضه الحزن بأنياب حداد
يذكر العهد القديم … فينادي
أين جنات النعيم … من بلادي
زانها المبدع بالفن الرفيع … منصفا بين الروابي والبطاح
ملقيا من نسج أبكار الربيع … فوق أكتاف الربى أبهى وشاح
حبذا راعي القطيع … في المراح
ينشد اللحن البديع … للصباح
موطني يمتد من بحر المياه … ممعنا شرقا إلى بحر الرمال
بين طوروس وبين التيه تاه … بجمال فائق حد الجمال
ذكره يغري فتاه … بالمعالي
أنا لا أبغي سواه … فهو مالي
стр. 580
في الأدَبِ الشرقي
نظرات في الأدب الفارسي
منذ نشأته إلى إغارة التتار
للدكتور عبد الوهاب عزام
- ٣ -
وأما ألفاظ الشعر ففيها كثير من الألفاظ العربية وعليها طابع عربي في تركيبها، ولكن أثر العربية في الشعر أقل منه في النثر.
وأما قوافيه وأوزانه فلا يمكن تفصيلها في هذا المقال، وحسبنا أن نقول إن الفرس يكثرون من الشعر المزدوج الذي يسمونه المتنوي وهو شعر القصص كلها، وأكثروا كذلك من الدوبيت أو الرباعي، وعندهم ما يسمونه تركيب بند، أو ترجيع بند، وهو قريب من الموشحات العربية، وعندهم الشعر المردف وهو الذي تكرر في آخره كلمة واحدة ويعتبر الروي والقافية ما قبل هذه الكلمة. وجملة القول أنهم لم يسهلوا القوافي العربية وإن اخترعوا ضروبا فيها.
وأما الوزن فجدير بالتدقيق جداً، فان الفرس حاكوا العرب في أوزانهم أول الأمر ولكنهم سرعان ما نبذوا أشهر الأوزان العربية. فالطويل والمديد والبسيط والوافر والكامل، وهي بحور الدائرة الأولى، لم ينظم فيها الفرس إلا جماعة من المتقدمين أرادوا إظهار براعتهم كما يقول شمسي قيس. ونظموا في الرمل والرجز والخفيف والمضارع والمجتث والمتقارب (وهو وزن الشاهنامة) وأولعوا بالهزج ولعاً شديداً حتى جعلوه أصلا فرَّعوا منه أصناف الرباعي وخرجوا به عن أصله العربي.
ويلاحظ أنهم لم يقفوا بالبحور عند المقادير العربية، فالرمل قد يأتي مثمناً والرجز كذلك وما جاءا قط كذلك في شعر العرب، والهزج (مثلا) الذي هو سداسي الأصل عند العرب ومجزوء وجوباً ينظم منه الفرس مثمنا. ثم تصرف الفرس في الزحاف والعلل تصرفاً كثيراً جدا، واشتقوا من الدوائر العربية بحورا أخرى قريبة من البحور الأصلية مثل الغريب والمشاكل والقريب.
стр. 581
وقد أراد بعض المستشرقين أن يعلل الخلاف بين الأوزان العربية والفارسية الخ بما بين طبائع الأمتين من اختلاف.
ويقول شمسي قيس أن سبب نقل الطويل والمديد والبسيط أن أجزاءها غير متناسبة في حركاتها وسكناتها ويطيل في بيان ذلك. ولا يمكن الفصل في هذه المسألة إلا بعد بحث مفصل في أوزان الشعر العربي وعلاقتها بالكلمات العربية، وفي تطور الأوزان العربية في الشعر الفارسي وتبيين ما بين هذا التطور ولغة الفرس من صلة، وبعد بحث طويل شاق لم تتهيأ وسائله.
وأما النثر الفارسي فأثر العربية عليه أبين: الألفاظ العربية فيه أكثر، والتركيب قريب من التركيب العربي، ولكن لا بد من الفرق بين النثر الأدبي - نثر الرسائل والمقامات ونثر الكتب، فأما الأولى فقريبة من الشعر، وأما الثانية فيفرق فيها بين كتب التاريخ التي هي قصص يستعمل فيها الكلام المعتاد غالبا وبين المؤلفات العلمية مثل كتب الفقه والتوحيد والبلاغة والطب وهلم جرا. فهذا الصنف الأخير يكاد يكتب بألفاظ عربية، وتستعار فيه كل الاصطلاحات العربية، فاصطلاحات البلاغة وضروب البديع واصطلاحات العروض أخذت برمتها، وما زادوه فيها اشتقوه من العربية أيضا، ثم المؤلفات كلها علميا وأدبيا يتخللها كثير من المقتبسات العربية، ففي كتب الدين الآيات والأحاديث، وفي كتب الأدب والتاريخ كثير من الأبيات والأمثال والمأثورات، وقد تجد من ذلك أسطرا كثيرة متوالية.
قد عرفنا حال اللغة الفارسية في إيران إجمالاً، وكيف بدأت وكيف تطورت وكيف شاركت في فنون كثيرة. وقد يتردد في نفس القارئ هذا السؤال: ماذا أصاب اللغة العربية في تلك البلاد بعد أن صار لها لغة أدبية خاصة؟ هل استبدت اللغة الفارسية بالآداب ولم يبق للعربية فيها مجال؟ والجواب كلا!!
قد تقلبت الغير باللغتين ولكن يمكن أن يقال أن العربية احتفظت بالسيادة في الأطوار كلها فيما عدا الشعر. فأما أدلة هذا وتفصيله ففي هذه الكلمة الموجزة.
لا ريب أن المؤلفات العربية التي ألفت في بلاد فارس ما بين أول القرن الرابع وغارات التتار أكثر جداً من نظائرها الفارسية، ولكن ينبغي أن نفرق بين الشعر وبين غيره أيضاً فإن الأمر فيهما لا يجري على سنن واحد:
стр. 582
فأما العلماء المؤلفون فلا حرج على باحث أن يقول أنهم كلهم كانوا يعرفون اللغتين، وقد ألف بعضهم فيهما ولكن المؤلفين بالعربية أشهر ذكرا وأعظم أثرا. وحسبنا أن نذكر ابن مسكويه وابن سينا والبيروني والعتبي والغزالي والرازي والزوزني والتبريزي والنسفي والبيضاوي والطوسي.
وأحسن مقياس في هذا أن نعمد إلي جماعة ممن ألفوا باللسانين لنرى أمؤلفاتهم العربية أكثر وأعظم أم الفارسية. ولا أحسب الأمر يحتاج إلى عناء، فيكفينا أن نذكر الغزالي فنحن نعرف مؤلفاته العربية وليس له في الفارسية إلا رسالتان: كيمياء السعادة ونصيحة الملوك، وقد صرح في الأولى أنه ألفها بالفارسية ليفهم العامة. وفخر الدين الرازي له زهاء ٣٣ مؤلفا يعرف منها في الفارسية واحد فقط هو اختيارات علائي، ونصير الدين الطوسي على تأخر زمانه له نحو ٥٠ مؤلفا قليل منها الفارسي. والبيضاوي ألف تفسيره بالعربية ولم يمنح الفارسية إلا كتابا صغير أسماه نظام التواريخ.
وأما الشعر وما يتصل به فلا ريب أن النبوغ كان لشعراء الفرس أو لشعراء الفارسية، فليس فيمن شعروا بالعربية ببلاد الفرس أمثال الفردوسي أو الأنوري أو العنصري، ولكن أكثر العلماء الذين اتخذوا العربية لغة علم كانوا ينظمون شعرا عربيا. وكثير من شعراء الفرس نظموا شعرا عربيا كذلك. وحسبنا أن نعرف أن الثعالبي وهو من رجال القرن الرابع ذكر في الجزء الثالث والجزء الرابع من اليتيمة واحدا وخمسين ومائة من معاصريه الذين نظموا الشعر العربي في أرجاء بلاد الفرس وهم أكثر من كل شعراء الفرس الذين ذكرهم عوفي وهو في القرن السابع.
ومن الشعراء الذين نظموا باللغتين بديع الزمان الهمذاني وأبو الفتح البستي وقد ضاع ديوانه الفارسي، والبديع البلخي الذي مدح أحد الأمراء بشعر ملمع. وعطاء بن يعقوب الكاتب وكان له ديوانان عربي وفارسي، والباخرزي، وابن سينا، والشيخ سعدي. ومن الكتاب رشيد الدين وطواط صاحب حديقة الشعر وله رسالة عربية منشورة في رسائل البلغاء.
لم يكن حال اللغتين سواء في العصور كلها فقد كانت الفارسية منذ ظهرت في صعود بينما كانت العربية في هبوط (وهذا الهبوط كان أبين في الشعر منه في العلم، فالراوندي مؤلف
стр. 583
راحة الصدور ينقل أبياتا عربية بليغة لأحد وزراء السلاجقة ثم يأسف على ذلك الزمن ويقول: أن وزراء زمنه لا يفهمون مثل هذا) وصاحب المعجم من رجال القرن السابع يقول أن شعراء زمانه يعرفون اللغتين ولكنه لما نظم كتابه في العروض بالعربية نقم عليه أدباء فارس حتى قسم الكتاب قسمين المعجم والمعرب.
ذعوني يقول: فان كل مستعرب يعرف الفارسية وليس كل شاعر فارسي يعرف العربية، على أن اللغة الفارسية نفسها لم تكن قد ضبطت قواعدها كقواعد العربية حتى نجد شمسي قيس في القرن السابع يشكو من هذا ويشرح القواعد شرح المستنبط الذي لم يسبق أطوار الترجمة.
والخلاصة أن العربية فيما عدا الشعر حلت مكانة فوق الفارسية حتى غارات التتار التي عصفت بالحضارة الإسلامية وأصابت العلوم والآداب بضربات لم تفق منها حتى اليوم.
والكلام عن اللغتين بعد سقوط بغداد لا يجري على هذا النمط، وعسى أن تتاح فرصة للكلام عن ذلك.
حول الأدب الياباني
كتب إلينا الأديب نادر الكزيري من ندوة المأمون بدمشق يلاحظ على الأستاذ أحمد الشنتناوي أنه لم يشر في آخر مقاله (الأدب الياباني) إلى أنه منقول بالنص عن مقال فرنسي نشر في عدد يناير سنة ١٩٣٣ من مجلة الشهر تحت عنوان (إقليم اليابان الأدبي) ولعل ذلك سهو من الكاتب يتداركه إن شاء.
стр. 584
في الأدَب الغربيّ
في الأدب الروسي
تولستوي
ناحية من نواحي فلسفته
طفل خجول نفور من الناس، لكنه رقيق المشاعر شديد الحس جياش العاطفة. ثم جندي يحارب في سبيل الوطن. مستهتر متهتك مبالغ في الاستهتار. وهو ملحد مغرق في الإلحاد ساخر بالدنيا. ثم هو كهل شديد الإيمان قوي الثقة في الحياة.
وأخيراً تتمخض حياة الروائي الكبير عن شيخ يعتزل ثروته ويترك المدنية بكل زينتها وخداعها ونفاقها ليعمل جنباً إلى جنب مع فلاحيه، وليفيض قلبه حنانا على الإنسانية المعذبة. وليصبح شخصية خالدة على ممر الدهور.
هكذا كان تولستوي وهكذا كانت حياته.
ثم فلسفة قوية مليئة بالحياة هي فلسفة الإيمان والعاطفة، وعاطفة قوية صريحة يدعمها العقل، ويحركها التأمل، ويفيض عليها الإلهام نورا عميقا.
هكذا كانت فلسفة تولستوي.
فلن تجد في فلسفته هذه المشكلات المنطقية، وهذا اللف والدوران وهذا التكلف والتعمل اللذان تجدهما في كثير من الفلسفات. بل لم يحاول تولستوي مرة أن يضع كتابا في الفلسفة أو يجمع آراءه في صوره مرتبة منمقة.
ففلسفته في شتات رواياته التي تتجاوز العشرين. وهي في شتات أشخاص هذه الروايات التي تعبر كل واحدة منها عن ناحية من نواحي المؤلف نفسه: عن شكه أو سخريته، عن إيمانه أو إلحاده.
ولذلك ففلسفته محببة إلى النفس. يقدمها في لون من أشهى الألوان إلى القلب: في صورة قصة أو في صورة ذكريات.
وهو لم يكن يكتب ليرتزق من وراء كتبه كمعظم الروائيين. ولم يكن يكتب ليضحك من الناس أو يسخر منهم كما فعل أناطول فرانس. بل كان يكتب معبراً عن عاطفة قوية أحست
стр. 585
بالحياة، وشكّت في الإله، ثم آمنت به من بعد شك. ثم اعتزت بالحياة من بعد سخرية.
وهو لم يبحث في الإله وصفاته، أو في الروح وطبيعتها، أو في الجسد وعلاقتها بالروح، أو في الزمان والمكان، أو في ترتيب الخلق والموجودات، أو فيما شابه ذلك من أمهات المسائل التي تشغل بال الفلاسفة. بل كانت فلسفته من صنف آخر لا يقل جودة ولا ينقص عظمة ولا عمقا. حاول فيها أن يخفف من الآلام الإنسانية وعذابها، وأن يرشد الفرد والجماعة إلى الطريق السوي. وأن يرسم لهما مثلا أعلى يعملان من أجله. فلسفة بحثت في جميع أمراض الإنسانية فشخصت الداء وبينت مواضع الضعف. ثم أخيرا أرشدت إلى أنواع العلاج.
وقد عالج تولستوي سعادة الفرد وكيف يمكن تحقيقها، ووصف عيوب المجتمع الذي نعيش فيه. وبيّن سخافاته ومتناقضاته والطريق إلى علاج هذه المتناقضات. وبحث في الدين والعلم والفن وأخيرا في كل ما يمس المجتمع الإنساني وما يتصل بأفراد هذا المجتمع بسبب.
وسنحاول في هذه العجالة أن نطلعك على ناحية من نواحي فلسفته. ناحية حاول فيها أن يرسم للفرد مثلا أعلى. وأن ينهج له الطريق إلى السعادة التي ينشدها.
كل منا قد تساءل ما الحياة وما قيمتها؟ ولماذا نحياها هكذا؟ أخلقنا لنشقى أو عشنا لنموت؟
وكل منا مرت به ساعات من السخط على الحياة أو الابتسام لها. لا ندري لماذا نبتسم ولماذا نسخط؟
وكل منا يرغب في سعادة هادئة مطمئنة، سعادة لا يفوز ولم يفز ويظهر أنه لن يفوز بها! ومع ذلك فنحن دائبون في العمل لها. وهي دائبة في البعد عنا.
ومر بخلد تولستوي هذه الشكوك وانتابته هذه الحيرة وجرى وراء السعادة، فأقبل يرتوي من منهل الحياة: يعربد ويتهتك ويتمتع بكل ما حرم ولذ، ونال من الحياة ما لم ينله غيره.
فهو من أشراف الروسيا، له من المجد ما لهم، وله من العبيد ما يزيد على سبعمائة. وهو غني في غير حاجة إلى عمل يرهقه، أو رئيس يخضع له، والطبيعة وإن لم تزوده بوجه جميل، قد أعطته من جمال الروح ورقة العاطفة ما خفف من حدة قبحه، وقلل من بشاعة منظره، وتزوج فأخلصت له زوجته، وتمتع بأشهى ما تصبو إليه نفس من وفاق عائلي
стр. 586
وذرية صالحة.
ماذا يريد بعد هذا من أطايب الحياة ولذات المعيشة؟
على أنه لم يفز بالأمل المنشود. ولم يظفر بالسعادة ولا بظلها، بل كان ينتابه شعور بسخف الحياة وعبثها.
فهي إما ساكنة هادئة، ولكنها مملة جافة. وهي إما مضطربة هائجة، ولكنها مؤلمة قاسية. وهي في كل هذا سخيفة من دون معنى ولا غرض ولا غاية واضحة. أيعتزلها كراهب؟ ولكن أنى له الخبز الذي يملأ بطنه الجائع؟ وما قيمة حياة يعتزلها المرء؟ وأنى للإنسانية أن تعيش إذا قدر لكل فرد أن يعتزل العالم؟ وهل يجد الإنسان في العزلة راحة وهدوءا؟
أيحياها كما حيتها مئات الأجيال من قبله، وكما ستحياها من بعده؟ ولكن هذه سخافة لا تطاق. وما الذي يحمله على أن يتعذب ويتألم ويقاسي ليكون نعجة من نعاج هذا العالم يسمن ليذبح، أو يهزل ليمرض ويموت؟ أيعتقد في حياة أخرى ليست هذه الدنيا إلا مزرعة لها؟ وما يكون إذن معنى الحياة؟ أهي تجربة سخيفة؟ وماذا يمنعنا من اختصار هذه التجربة؟ ولماذا لا نسرع فنأتي على حياة بائسة لندرك أخرى أسعد منها أو أقل منها سخفا.
وأخيراً ما هي السعادة؟ وما الطريق إليها؟ أهي ثروة وضياع وجاه؟ ولكن تولستوي جربها فلم تبدد شكوكه ولم تشبع مطامعه بل أصابه منها ملل قاتل لا يدري كنهه، وسأم مروع زهده فيها.
أهي درس وقراءة واطلاع؟ ولكن تولستوي قرأ وقرأ أحسن ما أنتجه بشر، فلم ترضه هذه القراءة، ولم تضع حدا لشكوكه، وأخيراً ما فائدة الاطلاع والمعرفة والعلم؟
وقف تولستوي من الحياة هذا الموقف، وأخذ يفكر ويجهد نفسه في التفكير لعله يوفق إلى تعريف الحياة. وأخذ يقرأ لعله يصل إلى حل يطمئن إليه أو فلسفة يرضى عنها. ولكنه حاول عبثا وبدا له أخيراً أن الفكر وإعنات الروية لن يجديا شيئا. وتملكه يأس وأخلص فيه. ولكن ما لبث أن أشرق عليه نور جديد: نور الإيمان في الله، ونور الاعتقاد في الحياة وفي عظمتها. نور وهاج قوي يقف أمامه العقل خاشعا، ولا يستطيع العلم المادي بكل جبروته أن يجابهه أو يسخر منه!
أنريد فهما للحياة ولسر وجودنا فيها؟ أنريد فوزا بالسعادة؟ حسن! فلنعمل ما تطلبه منا
стр. 587
الحياة. ولتنفذ مشيئة الله. وما غاية الحياة؟ هي أن نعمل ونجيد ما نعمله. وليكن عملنا في سبيل الغير، ولنضح بأنفسنا في سبيلهم، ولنحبهم كما نحب أنفسنا بل أكثر مما نحبها. ولنتعاون معهم، ولننم جميع قوانا من عقلية وجسمية، ولنحسن استخدامها في خدمة الآخرين: التعاون، الحب، العمل، ثالوث مقدس هو سر الحياة وسر السعادة. ليمتد حبنا إلى جميع أفراد الإنسانية. ولنعمل لإخواننا في البشرية، ولننس أنفسنا فنكون بذلك قد أدينا مهمة الحياة التي خلقنا من أجلها وفي هذا طمأنينة لنا وهدوء.
لقد أسأنا فهم الحياة. وحسبناها مسرحا لقتال دام يفترس فيه القوي الضعيف، ويلتهم فيه الكبير الصغير. ثم اتهمناها بالقسوة وما هي بقاسية بل هي أعز شيء في الوجود.
وبحسبنا السعادة في هذا النضال السمج، وبحسبنا الراحة في هذا القتال العنيف.
بالغنا في الأنانية، أردنا الحياة لنا وحدنا، أردنا مالا وجاها وحبا وبنين لأنفسنا ولأنفسنا وحدها.
والحياة لا تريد منا هذا، فالفرد ذرة لا معنى له في الوجود دون غيره. ذرة من أصغر ذرات العالم، فإذا ما اجتمعت هذه الذرات واتحدت وتعاونت استطاعت أن تصل إلى أقصى سعادتها وهي مستطيعة أن تنال جميع أمانيها، فإذا ما اختلفت وتناحرت وتفرقت أصبحت لا شيء. وهي واقعة في شقاء لا خلاص منه.
لقد ظننا بالحياة شراً، وقد حاولنا أن نجعل من قانون سخيف ندعوه تنازع الحياة وبقاء الأصلح قانونا للحياة. فالأفراد في تنافس، والأمم في تناحر، ومن هذا النزاع الدائم يتولد البؤس واليتم والفقر والآلام، وتتولد الإنسانية عاجزة خادعة ماكرة ضعيفة.
لننس هذه الأحقاد مرة واحدة، ولنتعاون، ولينس الفرد أنه خلق لنفسه، وليجعل غايته خدمة غيره. خدمة أولاده، خدمة أفراد الإنسانية جمعاء، إذن يخف كل شقاء. وتعم السعادة الجميع. سنقول هذا خيال شاعر وأمل فيلسوف.
ولكن تولستوي لا يقول لك ضح بنفسك لأن في التضحية نبلا أو جمالا. وهو لا يقول لك كن خيّرا لأن الجنة للخير والنار للشرير. وهو لا يزعم أن في خدمة الآخرين قياما بواجب لا تستطيع أن تفهم من فرضه عليك. هو يقول لك أحب جارك واعمل لغيرك، لأن هذا هو قانون الحياة، ولأنك لا تملك عنه محيداً، وهو يقول ضح بنفسك لأنك ستضحي بها مرغما
стр. 588
إذا أبيت. هو يقول لك سامح عدوك وأدر له خدك الأيسر إذا أصاب منك خدك الأيمن لأن في الخلاف شقاء لك وله.
وليس في هذا جري وراء خيال أو مثل أعلى يضاف إلى غيره من الأمثلة العليا. ولكن جرب بنفسك. اقتنع بأنك خلقت لغيرك وسترى أي سعادة ستجلبها عليك هذه التجربة، لن يخيفك الموت بعد هذا لأنك سترى فيه إفساحاً للطريق أمام غيرك. لن تعبأ بالآلام تصيبك لأنك سترى فيها تخفيفا لآلام اخوتك من البشر.
أما إذا أبيت هذا، وضننت بنفسك أن تكون ضحية في سبيل الآخرين، فكن أنانيا جشعا وابلغ المجد على أكتاف الناس، واجمع حولك من متاع الدنيا ما تسرقه وما لا تسرقه، ولكنك لن تكون سعيدا. وستظل شقيا بائساً، ولن تشعر براحة ما دام لديك ذرة من ضمير. وستمعن الحياة في السخرية منك، تجعلك آلة لها تنفذ مشيئتها، وستكون ضحية على رغم أنفك، وستعيش خائفا وجلا من الموت أو من خصم قوي، وسيؤنبك ضميرك، ولا يلبث أن يضيع ما أنفقت حياتك من أجله، سيلتهم مالك وجاهك من هو أقوى منك، أو لا تلبث أن تموت، فيتمتع به غيرك، وبذا تكون الحياة قد انتقمت منك شر انتقام.
وليس معنى خدمتك للغير أو تضحيتك بالنفس أن تنسى ذاتك أو تعتبرها كمالاً مهملًا في الوجود. إذ هي شرط من شروط الحياة وشرط هام لا تستطيع الإنسانية أن تتحقق بدونه، ولكنها ليست غاية الحياة، وليس من أجلك وحدك قد كانت الحياة.
وليس معنى هذا أن تكبت غرائزك أو تحمل نفسك ما لا تطيق. بل وجِّه نشاطك إلى ما خلق له. .
في مثل هذه اللغة البسيطة الساذجة القوية يحدثك تولستوي. ولا يضير فلسفة تولستوي أن تبدو شعرية عاطفية إذ هي لا تكاد تخرج عما قالته الأديان. فالمسيحية ومن قبلها اليهودية ومن بعدها الإسلام تبشر بما قاله تولستوي. وكلها حضت على التعاون وقالت أن المؤمنين اخوة وأحب لغيرك ما تحب لنفسك. وكلها رفعت من شأن العمل للآخرين وكلها حضت على الإيثار وكلها أمرت بالتقرب إلى الله وحده وجعلت منه رمزا للوحدة.
لم يأت بجديد. ولكنه أحب أن يثبت أن ما قالته الأديان صحيحا، وأنه عملي، وأنه الطريق الأوحد إلى السعادة الفردية والإنسانية، وأحب فوق هذا أن يبين أن ما قالته الأديان ليس
стр. 589
مثلا أعلى يصعب تحقيقه، بل هو الغاية التي لا محيد عنها، والشيء الذي نعمله كارهين أو راضين.
لقد رأى أن الحياة لا معنى لها في الأفراد مشتتين. بل لا يمكن تصورها إلا في الأفراد مجتمعين متعاونين. وقد رأى أن للحياة غرضا بسيطا هو أن يلتئم الأفراد ويتحدوا، هو أن تجتمع الذرات الإنسانية لتصبح ذرة واحدة كبيرة ترجع إلى خالقها. وفي هذا الاتحاد كل سعادتها.
ولم ير الحياة الدنيا إعداداً لحياة أخرى كما ترى معظم الأديان بل وجد فيها سلسلة لا تنقطع. فليس في موت الأفراد انتهاء للحياة. بل موتهم معناه بقاؤهم في نسلهم، ومعناه حلقة جديدة قد تكون أحسن استعدادا وأكثر تضامنا.
وهو متفائل راض مطمئن على مصير الإنسانية، فهي تسير إلى الوحدة منفذة في ذلك مشيئة خالقها.
وهو يرى أن كل ما فينا أعد لتنفيذ غاية الحياة. ففينا حب الحياة لنستطيع أن نحيا، وفينا حب النشاط والحركة وكره السكون حتى نعمل، وفينا الجانب الحيواني بكل غرائزه لنستطيع أن نعمل، وفينا العقل لنفهم كيف نعمل والى أي غاية نسير، وفينا الضمير ليؤنبنا وليحاربنا إذا ما حاولنا الحياد عن الغاية المرسومة لنا. وفينا غريزة النسل لتخرج ذرية أقوى تستطيع أن تتمم ما تريده الحياة إذا ما ضعفنا أو متنا.
يعد تولستوي الشقاء الذي نشعر به نتيجة طبيعية لمخالفتنا ضمائرنا التي تفهم وحدها الغرض الوحيد من الحياة. وتنبهنا كلما حدنا عن الطريق المستقيم، وهذا الشقاء داع إلى تفكيرنا في أنفسنا. والى شعورنا بالحياة وغرضها.
ويعلل تولستوي الحيرة والقلق اللذين يستوليان على المرء بأنهما نتيجة لإهماله واجبه المقدس في الحياة، وإغفاله العمل، أو لمقته الآخرين وترك معونتهم. وهذه الحيرة نفسها خطوة أولية نحو الشعور بالحياة والتأمل فيها والوصول إلى فهمها.
وهو يرى في العقيدة والإيمان ملجأ حصينا من الشك والتورط فيه. إذ العقيدة النيرة الحية البعيدة عن التعصب، هي التي تدفعك إلى العمل وحب الغير وتجعلك طفلا فرحا سعيدا وهي التي تجعلك هادئا قرير العين بالحياة.
стр. 590
قد تقول أن هذا شيء تعرفه. وأنه لم يأتك بجديد. ولكن تولستوي لم يحاول أن يبهرك بآراء غريبة تضعها بين آلاف الآراء، ولم يحاول أن يتحفك بطريف الأفكار. بل أراد أن يرشدك إلى منهاج السعادة في الحياة وهو منهاج عملي جربه بنفسه فنجح فيه نجاحاً باهراً.
أحب جارك. أحب لكل إنسان ما تحبه لنفسك؛ اعمل لغيرك، ففي كل هذا سعادتك.
لا تقل أن غيرك لا يعمل لهذا، فليس معنى تقصيره أن تقصر أنت، ولا تسأل لماذا تكون أنت الوحيد الذي يختط لنفسه هذا الطريق.
بل اعتقد أن الناس لا بد صائرون إليه، وأن لا مرية في أنهم منتهون إلى اتباعه. فلماذا لا توفر على نفسك شقاء؟ ولماذا تضن على نفسك بالطمأنينة والسعادة؟
ذلك جانب من فلسفة تولستوي. وهناك جانب آخر عالج الرجل فيه المجتمع ومساوئه، وموعدنا به عدد قادم.
شهدي عطية الشافعي. خريج قسم الاجتماع والفلسفة من
الجامعة المصرية
стр. 591
من الأدب الفرنسي
الطبيعة والإنسان
لفيكتور هوجو
شمسُ هذا النهار قد غربت في … أُفْقها خلفَ مكفهرّ السحاب
وغداً تعصفُ الرياح، ويأتي … بعدَ ذاك الظلامُ داجي الإهاب
وَيَلِي الفجرُ بعد ذاك مضيئاً … مُرسِلاً نورَه خلالَ الضباب
فنهار، فليلة - خطواتُ الد … هرِ والدهرُ ممعن في الذهاب
سوف تمضي هذي الدهورُ جميعاً … سوف تمضي معاً لغير مآب
سائراتٍ على جِباهِ الرَّوابي … ووجوهِ البحارِ ذات العُباب
ومياهِ الأنهارِ وهْيَ جَوَارٍ … لامعات مِثل اللجين المذاب
وعلى الغاب وهو يَدْوي بأروا … حِ الأُلى قد قَضَوْا من الأحباب
وستَبقَى وجوه تلك الأواذي … وستبقى جباهُ تلك الهضاب
البوادي الغضونِ لا عنْ مشيب … أو فتورٍ في عنفوان الشباب
وستبقى بواسق الغاب ذات ال … خُضرة المستمرَّة الجلباب
سوف تبقى على الزمان جميعاً … في شباب مجَدّدٍ وتصابى
وستَبقى الأنهارُ تحمل من تل … ك الرُّبَى ما تلقيِ به في العُباب
ذاك، أمَّا أنا فها أنا يَحْني … كلُّّ يوم رأسي ويُوهِن قابي
وقشْعَرِيرةُ البرودة تحت الشم … س أمست تَدِبُّّ في أعصابي
وسأقضي نحبي وَشيكا سريعاً … وسْطَ عيدِ الطبيعةِ المِطْرابِ
وسأمضي، فلا يَضير مُضِيِّ … ذلك الكونَ أو يُحِسُّ غيابي
فخري أبو السعود
стр. 592
من الأدب الإنجليزي
كنار يموت
للدكتور و. ج. لونج
في الصيف الماضي ضربت خيمتي خلف عين ماء وسط الغاية، وكنت كثيرا ما أستلقي بجوارها لا لأشرب، بل لأكون بقربها برهة ألاحظ في هدوء حبيبات سيالها البارد تنسل من ثنايا أرضها السوداء، محوطة بفقاقع راقصة، ثم تضرب في زحمتها الدائمة نباتي السرخس والطحلب المحيطين بشواطئ العين، ومن حين إلى آخر كانت الحيوانات البرية تسمع نداء دعوتها الخافت لمن أحرقه العطش، فتأتي مسرعة مهطعة. ولكنها حينما تراني تتراجع إلى مرقبها من نبات السرخس. حيث تختبئ هناك متسمعة، ولكن الغدير الصغير يستمر في ندائه الخافت، فسرعان ما تخرج من مخبئها معتبرة إياي صديقا لها لطول جلوسي بقرب غديرها.
وفي ذات يوم ذهبت إلى الغدير، فرأيت على غصن شجرة دائمة الخضرة كنارا صغيرا طالما لاحظته من قبل مستريحا بجوار الغدير، أو متنقلا في دعة هادئة فوق الأعشاب السندسية، وخيل إلي أنه ما كان يأتي إلى هنا إلا لشغفه بحب الغدير مثلي، فنادرا ما رأيته يستقي منه، ولكنه كان دائما هناك، لقد كان كهلا وحيدا. وقد أخذ اللون الأغبر يغير على تاجه اللامع السواد، وأخرج له العمر الطويل قشورا كثيرة حول ساقيه، ولم يكن لتبين عليه الرهبة أو تتملكه رعشة الخوف. فكأنما بعث فيه كر الليالي وداعة الحياة، فكان يتحرك مبتعدا في أناة إذا ما اقتربت من مكانه، ولكنه لا يذهب بعيدا، وبلغت به الوداعة أنه كثيرا ما قاربني يظنني لاهيا عنه بتحديقي الدائم في الغدير.
واليوم قد جلس على هذا الغصن المعلق فوق مياه الغدير، في هدوء أكثر من هدوئه الأول، وكان وديعا مستسلما، حتى لم يبد نفوراً حينما مددت يدي أتحسسه، بل اتكأ في سكون ودعة على إصبعي وأسبل عينيه في طمأنينة، ومضت نصف ساعة، وهو في حالته هذه مسرور يهتز مهوما من آن إلى آخر، فاتحا عينيه في فترات، محدقا بها في اتساع، كلما وضعت له على إصبعي نقطة من الماء الذي رواه صغيرا، وصاحبه كبيرا. ولما أقبل المساء وصمتت ألسنة الغابة واستولى عليها سكون موحش، وضعته في رقة ولطف على
стр. 593
الشجرة الفينانة؛ حيث راح في سبات عميق قبل أن أوليه ظهري، وفي الصباح كان موقعه أقرب إلى الغدير الحبيب، وعلى غصن دني من غصنه بالأمس، واستكان مرة أخرى في كنف أصابعي، ورشف في امتنان قطرات الماء من فوق أناملي.
وفي المساء وجدته ناشبا بحذر من جذور شجرته المعهودة، وقد تدلى رأسه إلى أسفل، وعلقت مخالبه بلحاء الجذر علوقاً أبديا، وقد لمس منقاره في خفة ذلك الماء النمير، وقد فتح فكيه قليلا للمرة الأخيرة، وراح في سبات دائم آمن، بجوار الغدير الذي عرفه طوال حياته. وظل بجواره إلى أن لفظ الروح في جنباته؛ بجوار الغدير الذي قبلت مياهه منقاره قبلة الوداع، وحفظت صورته في أعماقها إلى اللحظة الأخيرة.
لقد ذهب هذا الكنار كما يذهب أغلب سكان الغابة في هدوء وفي أمن، بجوار الغدير الذي عاش على حبه، ومات بقربه. وليست قصته إلا مشهدا من فصل الموت في رواية الغابة يتجدد دائما باستمرار: فحين يحس الحيوان بغريزته تدفعه إلى البعد عن رفاقه، يمعن في البعد حتى يصل إلى غدير أحبه، ويرقد هنالك مختفيا في انتظار الراحة القادمة، وحينما يأتيه الموت لا يظنه إلا غفوة تأخذ تعبه معها، ثم يعود بعدها حرا طليقا، وهناك في رقدته الأبدية تخفيه أوراق الأشجار، التي ألفها وألفته؛ عن أعين أصدقائه وأعدائه على السواء. . .
محمد أبو الفتح البشبيشي
стр. 594
العُلوم
القهوة
للدكتور أحمد زكي. أستاذ الكيمياء بكلية العلوم
جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الذبحاني شيخ من أشياخ اليمن عاش في منتصف القرن التاسع الهجري (منتصف القرن الخامس عشر الميلادي) وكان متواليا رياسة الإفتاء بعدن، تعرض عليه الفتاوي فيقر منها ما يراه صوابا ويصحح ما احتاج منها إلى تصحيح. عرض له أمر اقتضى خروجه من عدن إلى بر الأعاجم، وأغلب الظن أنه الحبشة، وعاش في أهله دهراً يشرب معهم شراباً لم تعرفه الأعارب، فلما رجع إلى عدن مرض فتذكر الشراب فأحضر شيئا من ذلك الحب وحمصه وطبخه بالماء كما كان يطبخه الأحباش، فخف عنه المرض وذهب عنه السوء، ووجد فيما وجد من خواصه أنه يذهب بالنعاس والكسل ويكسب البدن خفة ونشاطاً. وكان من أمر الشيخ بعد هذا أنه سلك طريق التصوف فصار هو وغيره من الصوفية يستعينون بهذا الشراب الجديد على السهر وقيام الليل في التعب والأذكار، وأسموه القهوة، ومن ثم انتشر شرب القهوة فشمل الفقهاء والعوام، هؤلاء يستعينون بها على مدارسة العلوم، وأولئك للمثابرة والمجالدة في معالجة الصناعات والفنون. وبلغت القهوة مكة فشربها بعض الأشياخ والقضاة وارتاب فيها أئمة آخرون، أما من شربها فرآها شراباً حلالا طيباً مما أخرجته الأرض بإذن الله، والله يقول (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وأما من أباها فرآها شراباً حراما مسكراً يحصل بشربه ضرر في الأبدان والعقول، وكان لهم في ذلك جدل طويل وحجاج مستفيض انقلب إلى محنة وفتنة، وكثر التعصب لها وعليها من الجانبين، وشاع التقاطع والتدابر بين الفريقين، وبلغ الغضب بنفر من الأتقياء الصالحين البررة الأطهار أن حدثوا عن رسول الله (ص) أنه قال من شرب القهوة يحشر يوم القيامة ووجهه أسود من أسافل أوانيها.
ولم يهل القرن العاشر الهجري حتى ظهرت القهوة في مصر وكان أول ظهورها في الجامع الأزهر برواق اليمن، فكان اليمانيون ومن ساكنهم من أهل الحرمين وبعض العامة يجتمعون للأذكار والمدائح على طريقتهم كل ليلة اثنين وجمعة، فتقدم إليهم القهوة في ناجود كبير من الفخار الأحمر، وكان يغترف منها النقيب بسكرَّجة صغيرة، ويسقيهم الأيمن
стр. 595
فالأيمن، وهم على الذكر عاكفون، وكانت تذهب بالكسل والنعاس عنهم، فكانوا لا ينصرفون حتى يصلوا صلاة الصبح مع الجماعة من غير عناء ولا تكلف. وانتشرت في الناس فاجتمعوا على شرابها في بيوت خاصة بها وفي الأسواق.
ومن هذا العهد ظلت القهوة بين مكة والقاهرة تحلل عاما وتحرم عاما، يناهضها حكام وفقهاء، ويشايعها حكام وفقهاء، تباح فتشرب في الحرم الشريف جهراً، وتمنع فيعزر شاربها ويطاف به في الأسواق، ويكبس العَسَس بيوتها ويخرجون من فيها عل حالة شنيعة، بعضهم في الحديد وبعضهم في الحبال، فيسجنون ويجلدون.
ولا شك أن المعارضين للقهوة كان منهم أناس يخلصون لها الكراهة في ذاتها لما كانوا يرون من أثرها السيئ فيمن أدمنها من عامة الناس، فكثير منهم من تغيرت حواسه وساء عقله وتنكرت هيئته.
ولأنها كانت تباع في أماكن على هيئة الحانات يجتمع فيها الناس من رجال ونساء بالدف والرباب، أو بالشطرنج والمنقلة، وغيرها يلعبونها للميسر، فساء الأتقياء هذا المنظر القبيح، ووقع مشهده من قلوبهم موقع سوء.
وكان من الناس من يدس الخمر في القهوة فزادت كراهتها عند العارفين بذلك.
أما الحكام ممن كرهوا القهوة، فكانت أغلب كراهتهم من اجتماع الناس على تلك الصورة؛ وأوجسوا من هذا التجمهر خيفة. ولما كان حفظ النظام من أوجب واجبات السلطان، ولما كانت الفتنة من عمل الشيطان، كان لا بد من قتلها قبل أوانها، ودرء بوادر السوء قبل استفحالها.
ولعل أقوى من ناصر القهوة في هذا الصراع مشايخ الصوفية في كل البقاع الإسلامية: أحبوا الذات الإلهية وفنوا فيها وتغزلوا وشببوا بها؛ وكأن الغزل لا يحلو إلا بالصهباء، والتشبيب لا يكون إلا مع بنت ألحان، فاتخذوا من القهوة خمرهم، ومن فناجينها كؤوسهم، وذكروها وأكثروا ذكرها في أشعارهم، فقال ابن الفارض (سقتني حميا الحب. . .) وقال آخر من الأولياء الصالحين يصفها:
شرابُ أهل الله فيها الشفا … لطالب الحكمة بين العباد
نطبخها قشراً فتأتي لنا … في نكهة المسك ولون المداد
стр. 596
فيها لنا تبر وفي حانها … صحبةُ أبناء الكرام الجياد
كاللبن الخالص في حِله … ما خرجت عنه سوى بالسواد
وقال آخر:
وقهوة لا غم تُبقي إذا … قابلك الساقي بفنجانها
لا يوجد الغم بحاناتها … قد خضع الغم لسلطانها
بمائل نغسل أكدارنا … ونحرق الهم بنيرانها
يقول من أبصر كانونها … أُفٍّ على الخمر وأدنانها
ولم تكد تستقر القهوة في الشرق العربي حتى تسربت إلى أوربا عن طريق القسطنطينية والبندقية في القرن السابع عشر الميلادي. وأنشئ أول مقهى في إنجلترا عام ١٦٥٢م، ولم تلق القهوة في الغرب ترحاباً خالصاً كله، فقد قامت في وجهها معارضة شديدة على نحو ما عانته في الشرق، ففي ألمانيا كان لا بد لتحميص البن من رخصة يعطيها الحاكم، وفي إنجلترا حاول شارل الثاني أن يحرِّم المقاهي باعتبارها مراكز للقلاقل الثورية والنزعات الحادة السياسية. ولكن القهوة شاعت برغم ذلك ولعبت في الحياة الاجتماعية الأوربية في القرن السابع عشر فالذي يليه دوراً ذا خطر كبير. ومن أوربا انتشرت القهوة في كل بلاد الله، وكانت اليمن مصدر البن الوحيد إلى مختتم القرن السابع عشر، فأصبح بعد ذلك يزرع في بقاع كثيرة من أفريقية الحارة، وفي الهند الغربية، وفي الهند الشرقية، ولا سيما في البرازيل فهي البلد الذي ينتج الآن نحواً من ثلثي محصول العالم، والبن له كالقطن لمصر، وربما كان أشد خطراً.
والبن بذور لثمر شجرة دائمة الاخضرار، قد تطول إلى ستة أمتار والسبعة في منابتها الطبيعية، ولكنها تقصر عن ذلك كثيراً إذا هي زرعت، ولهذا الشجر زهر أبيض ناصع يكتسي به عند ازدهاره، فيكون له رونق وجمال يزيد فيها ما ينفح منه من عطر وطيب، لذتان للعين والأنف لا يطولان، فعمر الزهر بالغ في القصر. إلا أن الشجر يزدهر مرتين وثلاثا وأكثر من ثلاث في العام الواحد. وتطيب الثمرة بعد ازدهارها ببضعة أشهر، فيحدث من ذلك أنك تجد على الشجرة الواحدة ثمرات من ازدهارات متلاحقة، بعضها وليد وبعضها بالغ. والثمرة خضراء وهي فجَّة، فإذا أخذت في النضوج اصفرَّت ثم تستحيل الى لون
стр. 597
أحمر قرمزي شديد. وتجنى الثمرة باليد انتقاء أو تترك حتى تسقط من الشجرة بهزها. وهي بعد ذلك تجفف بفرشها على الأرض في الشمس الحارة، وقد تترك حتى تجف على أغصانها. ثم يزال عن بذور البن القشر فالذي يليه من غشاء شديد اللصوق بالبذور كان لباًّ فجف وانضمر وذلك بالدق الخفيف في الهواوين، أو بضرب البذور بالمطارق. وحتى الفرك باليدين يكفي لتخريجها، وهذه طريقة اليمن وما جاورها من البلاد، ولكن بالبرازيل طرق أحدث من هذه لا تستدعي تجفيف الثمرة بل تدهك بالآلات دهكا فتفصل البذور بذلك عن لب الثمرة الطري.
ثم تحمص البذور على ما هو معروف في اسطوانات دوارة فوق النار فتفقد بذلك مقداراً من وزنها لا يزيد على الخمس، والمفقود ماء وبعض أبخرة تنشأ من تخلل الدهن والسكر الذي بالبذر وشيء من الأصل الفعال بالبن المسمى (بالقهوتين) وحرارة التحميص يجب أن لا تزيد على ٢٠٠ْ درجة مئوية بكثير وإلا فقد البن الكثير من عطره. وإذا انتهى تحميصه وجب الإسراع في تبريده. ثم يطحن بعد ذلك. ويجب أن لا يطحن البن بل ألا يحمص قبل طبخه بزمن طويل فإنه يفقد عطره سريعاً، ويجب كذلك حفظه في أواني مغلقة فإنه شديد الامتصاص للأبخرة والروائح كريهة كانت أو عطرة فيمتص رائحة الجاز والجبن الفاسد. وأهم أغراض التحميص اثنان: أولهما توليد الطيب فيه وتوليد النكهة التي تُشهَّي القهوة إلى النفوس، فالبن الأخضر خال منهما، وثاني الأغراض تهشيش الحب ليسهل دقه، فالأخضر جامد مستعص، والتحميص صناعة لا يَحذِقها إلا القليلون.
ويحتوي البن على مواد كيمياوية عدة منها عطر ودهن، وهو كالشاي يحتوي التنين والقهوتِينَ الذي إن شئت أسميته الكافيين وأن شئت فالشابين، وهو الأصل الفعال في القهوة والشاي كليهما، ومن أجله يُشربان، وهو لا يتغير في القناة الهضمية وإنما يمتص كما هو في الدورة الدموية فيذهب إلى المخ فيكون له الأثر المحمود على نحو ما فصل في مقالة الشاي السالفة: من زيادة في قوة الفكر وإصابة الحكم وامتلاك النفس، ولكن استحالة الأفكار إلى أفعال قد تتعطل به، فيعتري الإنسان ترددُ، وذلك ليقظة العقل الشديدة، ويزيد حس الإنسان بكل ما سر وساء، وهو ينعش الجسم ويزيل التعب عضلياً كان أو نفسيا، ويؤخر النوم ويدر البول. هذه بالطبع فوائد كلها قد تنقلب مضار بزيادة المشروب من القهوة،
стр. 598
فالقهوتين عُقَّار سام يصحب التسمم به تلهف إلى الماء وألم في المعدة والأمعاء، وقيء شديد وإسهال ودوار في الرأس وارتعاد في الأطراف. ويتضح أثر القهوتين من حالة رجل أدخل مستشفى (بلفي) بنيويورك به أعراض شديدة من سوء في الهضم بالغ، وفقر دم متناه، وعجز تام في الحركة، وأزمة في القلب بالغة، وضيق في الصدر شديد. كان هذا الرجل يشرب في اليوم ٣٠ فنجانا من الشاي بلا طعام.
سباع البحر كادت تكسب الحرب
مات في الأسابيع الماضية القبطان الإنجليزي (ودوارد) مات في بلدة (رامزجات) بإنجلترا وله من العمر ٨٢ سنة. وهو الرجل الذي خطر له في مدة الحرب أن يجري تجربة عُدّت في أول الأمر عرضا من تلك الأعراض التي تأتي للإنسان وقد أشتد خياله واحتد وتهيأ لدخول البيمارستانت، ولكنها عدت في آخر الأمر تجربة لو ساعدها الحظ لأنهت الحرب وحقنت الدماء ولو بغلبة فريق على فريق.
تلك التجربة هي رياضة سباع البحر على تتبع الغواصات الألمانية، وهذه السباع تشبه عجول البحر غير أنها أكبر منها، وله عُرف بيِّن وآذان كبيرة وحظ من الذكاء وافر.
بدأ هذا الرجل باستئذان السلطات الحكومية، والسلطات في العادة مرتابة حذرة جامدة محافظة، ولكن خطر الحرب يحرك الجامد ويذهب بالحذر، فأذنت له وحشرت إليه ما في البحر من آساد، فبدأ بدراسة الأصوات التي تصوتها الغواصة في الماء، ثم اجتهد فاخترع آلة تئز مثل أزيزها، وفي بحيرة راض هذه الآساد على إتباع هذا النغم أين سار في الماء، فأصبحت تتبعها أحسن اتباع، وفاقت في دلالتها على اتجاه الغواصة كل الآلات الطبيعية المعروفة، ووضعت على رءوس هذه الحيوانات البحرية كمامات من أسلاك الحديد تمنع أسماك البحر أن تقترب منها خشية أن تسترعي انتباهها فتحيد عن غرضها، ونجحت التجربة نجاحاً باهراً. ولكن. . . عرف الألمان ذلك بطريق الوحي أو الإيحاء فأجروا غواصاتهم مثنى وثلاث ورباع فهوشوا على السباع الآذان، وخيبوا التجربة للقبطان.
стр. 599
القصَص
يوم عصيب في جبل المقطم
للأستاذ محمد الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات
بوزارة المعارف
- ٢ -
(في المقالة الأولى وصف الكاتب كيف ظل هو وصديقه في جبل المقطم حتى اهتديا بعد الغروب إلى واد لهما به معرفة سابقة، وهو وادي دجلة، فاتخذا طريقهما فيه نحو مدخله.)
مضت ساعة على هذه الحال ولم نصل بعد إلى مخرج الوادي، فقال صاحبي ألا من نهاية لهذا الوادي؟ فقلت لم يبق إلا ساعة واحدة، فقال وماذا بعد ذلك؟ قلت إما أن نقصد (طره) ونركب القطار إلى باب اللوق، وأما أن نذهب إلى المنشية عن طريق البساتين ومدافن الإمام الشافعي. فقال أنه يفضل الطريق الأخير، فقلت لا بأس وعلى كل حال فالزمن اللازم لقطع المسافة في الحالتين لا يقل عن ساعتين من مدخل الوادي، فتضجّر صاحبي ونظر إلى ساعته ثم قال. . أننا لن نصل إلى بيوتنا قبل نصف الليل. فلم أجبه بشيء، وبعد سكون طويل عاد وسألني: هل من خوف علينا في هذه الجهات النائية الموحشة من الوحوش أو اللصوص؟ فقلت كن مطمئنا فالله معنا وهو يحمينا. فقال: كيف ذلك وليس معنا ما ندفع به عن أنفسنا غير هذه العصا (مشيرا إلى عصا قصيرة كنت أحملها في يدي) وقبل أن أجيبه عن سؤاله عثرت قدماه بحجر كبير فكاد يسقط، فتألم وتضجر ثم سكت، وغشينا سكون عميق، لا نسمع فيه غير وقع أقدامنا على أرض الوادي الصخرية وصفير الريح في صدوع الصخور وثقوبها.
ولا أطيل القول. فقد كانت الساعة التاسعة عندما وصلنا مدخل الوادي. وما كدنا نتجه نحو بلدة البساتين حتى أمطرتنا السماء مدرارا مرة أخرى، واشتد الظلام حتى لا نرى أمامنا أكثر من نصف المتر، ولكن ذلك لم يمنعنا من الاستمرار في السير والجد فيه، ثم أخذنا نرتقي أول تل في طريقنا وهو يرتفع عن السهل نحو ٥٠ مترا. وحدث هنا أمر كان يقضي علي لولا لطف الله في تلك الليلة الليلاء، فعندما كنا نتسلق التل إلى ظهره صاح بي صاحبي مستنجدا فالتفت فجأة إلى الوراء لأتبين ما حل به، وكنت متشبثا بكلتا يدي بحجر
стр. 600
في جدار التل، فلم أشعر إلا وقد زلقت يداي واختل توازني وأخذ جسمي يتدحرج بعنف إلى الأرض، ولكن قدرت لي السلامة، فصدمني حجر آخر منعني من الهبوط بعد أن أصبت في رأسي وركبتي إصابة بسيطة، ولما استعدت توازني انتصبت واقفا وأنا أكاد لا أصدق بالنجاة، ثم سمعت صاحبي يناديني وقد بلغ ظهر التل، فاتكأت على عصاي وأخذت طريقي إليه وفي رأسي دوار من أثر الصدمة، وعندما أدركته استرحنا قليلا وقد سرى عني بعض الغم، ثم لحظت الريح تهب من الجنوب الغربي فاستغربت ذلك وأدركت السر في وجودنا مكان يبعد عن الغابة المتحجرة الكبرى بنحو ١٢ كيلو مترا جهة الجنوب الغربي مع أن سيرنا منذ الظهر كان في اتجاه الشمال حسب ظني. فلما تغير اتجاه الريح من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي درنا معها في منحنى واسع من غير انتباه. فلما استرحنا قمنا متجهين نحو البساتين فبعد أن قطعنا في التل مسافة طويلة أخذنا ننحدر نحو القرية، وهنا انقشعت السحب وصفا أديم السماء وظهرت النجوم فألقيت نظرة على ما حولي ولشد ما دهشت حين وجدتنا لا نزال نسير أمام مدخل وادي دجلة قاطعين عرض المدخل من الجنوب إلى الشمال؛ فكظمت دهشتي وحيرتي وعدلت اتجاهي مرة أخرى. وعدنا فارتقينا التل مرة أخرى وبعد قليل تبين لي أيضاً أننا لا نزال نسير أمام وادي دجلة. أمر غريب محير لم أر في تعليله إلا شيئا واحدا وهو أن رأسي فقد الاتجاه! فلما صرت إلى هذه الحال أشرت على صاحبي بالجلوس للراحة، فقال ولماذا؟ فقلت له قد ضللنا الطريق مرة أخرى! فما كاد يسمع هذه الكلمة حتى خارت قواه وسقط على الأرض، وأخذت جسمه رعدة شديدة، وأقسم أنه لا يبرح مكانه، ثم استولى عليه النعاس فنام نوما عميقا، فجلست بجانبه وأخذت أفكر في الأمر وأنا حزين بائس، وقام بعقلي أن أعود إلى الوادي ملتمسا لنا ملجأ نأوي إليه حتى الصباح. بيد أني رأيت قبل تنفيذ هذه الفكرة أن أقوم بمحاولة أخيرة، فخلعت سترتي وألبستها عصاي وغرست العصا بالأرض بجانب صاحبي لتكون علما أستدل به عن مكانه عند عودتي، ثم صعدت أعلى قمة بالقرب منا مستكشفا ما حولنا، فأدرت بصري في الجهات الأربع فلمحت جهة الغرب وراء الأفق ضوءا ساطعا ظننته أول وهلة ضوء مصانع شركة الأسمنت بالمعصرة. فهرولت إلى صاحبي أزف إليه هذه البشرى فأيقظته من نومه قائلا لقد أبصرت ضوءا قويا جهة الغرب سوف يهديني
следующие страницы →