← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

القصص من صور الحياة - قصة واقعية ظمأ الروح (مهداة إلى: للأستاذ عبد الحليم عباسي كان فتى خيالي النزعة، أغرته هذه الأفكار السوداوية، فاندفع فيها، لا يرى أن الحياة تتسع لغير هذا الشقاء يعلق بها من مفتتحها إلى حيث الحد بين الدنيا والآخرة، ومضى تعبث الكآبة بناضر شبابه، إلى أن غدا وهو في ميعة العمر. ناحل القد، حائل اللون، رطب الجفن كأنما علق به أثر من أدمع البارحة. . وإذا ما أصغيت إليه وهو يتحدث أسرتك هذه الغنة في صوته، وهذا العمق في أفكاره، ورحت تعجب كيف يستطيع هذا الظل حمل كل هذه الشجون؟. عرفته في بلدة الجمال - الشام - فقامت بيننا صداقة موثقة العقد، متينة الأواصر، يشوبها الإجلال من جانبي، والرثاء من جانبه، فقد كنت في نظره واحداً من هذه الملايين التي تتعثر بآمالها، وتتمرمر بأمانيها، وغبرنا على هذا زمناً إلى أن فرقت بيننا دواعي الحياة، وبقي خالداً في فكري، خالداً في روحي، ومضت سنون لم نتلاق فيها، إلى أن جاءتني منه هذه الرسالة أثبتها للقارئ، ففيها قصة طريفة: يا صديقي: ما كنت أظن أن كلامك يكون جداً وأنت تهزل، فلقد اعترضتني هذه - الجنية - التي شد ما حدثتني عنها، واستطاعت أن تلامس حياتي بعصا سحرها، فتغير منها. . ثم تمر بأناملها الجميلة على أجفاني فأغدو أبصر وأرى أن هذا الوجود ينطوي على أشياء كثيرة جميلة. . . . وتفصيل الخبر أني هبطت هذا البلد، وشدتني إليه ضرورات لا أستطيع الإفلات منها، ومرت الأيام والشهور متشاكلة متشابهة، وقد كنت لا أزال أسدر في كآبتي، وأتخبط في مآتي أشجاني، حتى كان يوم اللقيا بهذه الساحرة، فكأنما بعثت خلقاً جديداً، واستطاعت

стр. 5357

أن تنقي حياتي من كل هذه الأفكار الشائكة. . . فلقد كانت تكبرني بأعوام، وكانت تكبرني بهذه الأفكار نقتها التجارب وأخلصتها من كل خطل، وشاء الدهر الساخر أن يكون بين أبي وزوجها علاقة. . . وزوجها هذا - غفر الله له - ليس له ميزة من علم أو جاه. غير هذا الجاه الرخيص الذي تبعثه المادة، وهو يجمع بعد إلى قبح الجهل، دمامة الشكل، وسمح لي أن أتردد إلى بيته، وراقه أن يجد أن زياراتي تبعث في زوجه روح الغبطة والسرور، فينضر فرعها الذابل، وتدب الحياة في روحها الرازح تحت هذا الألم الحبيس الذي يعج في صدرها. . . وكأنه كان يشعر أن بينه وبينها عدا فارق العمر، تبايناً في الروح والفكر. . وكنت أشعر وأنا أتردد إليها أني أقاد إلى الهاوية، فهذا الصوت الهادئ المتزن، يعيد إليك ذكرى لذة غابرة، وهذه العين غرقى في صفائها تغازل النور، محال أن يقوى على ندائها روح يتعشق الجمال. . . ولقد كنت قادراً على أن أكتمها حبي، وما حاجتي إلى الإفضاء به، وأنا لا أطلب أكثر من أن أجلس إليها ساعات ترفه عن روحي، وتغذي مشاعري، غير أنا في إحدى جلساتنا، وقد تشعب بنا الحديث، وأخذت علينا الغبطة يقظات الإرادة، سمعت صرخات روحي في داخل البدن. . . أنني في حاجة إلى الامتزاج بها، إلى الفناء في ذاتها، وكأنها أحست بما أحسست به فالتحمنا بالنظر. وقالت عينها، لا حاجة إلى الثورة - إني أحبك - فأجابت روحي من عيني - وأنا أحبك - ولكن عينها عادت فقالت إني احتقر ملذات البدن، فلا تطمع بها، فقلت وأنا أحتقرها، لقد مللتها، إن روحي هي الصادية. وفي تلك الجلسة أعلنت لها حبي، وباحت لي بمثله. . . . . ومن ذلك الحين، أصبحت لا أقوى على فراقها، ولا أطيق الابتعاد عنها دقيقة، ولقد تعاظم أو تضاءل الوجود - لا أدري - فأصبحت هي كل شئ فيه، واستقر حبها في أعماقي ناراً، فغدوت بجانبها أحترق. ومرت الأيام مفعمة بالهناءة، فكنا نلتقي كل يوم، لا أرتوي من هذه الكلمات تند عن هذه الشفاه الجميلة، ولاأشبع من النظر إلى هذا المحيا الذي يبعث إليك في كل لمحة فكرة تحمل معاني الرضى عن الحياة. . . وأشهد أن جمالها أدناني كثيراً من حمى الله. . وارتفع بنفسي إلى عالم أندى من عالمنا

стр. 5358

هذا، يرى منه الإنسان مبلغ ما تتردى فيه الخلائق من سخافات، ومبلغ ما تنطوي عليه البشرية من حماقة. وكنا نتخير من الأمكنة أهدأها، ونهرب بسعادتنا بعيدين عن الضوضاء والصخب، وكأنها وهي ترقى القمم، أو تنساب معي إلى الوادي دنيا من الفتنة تتحرك. . على أن هذه التشابيه والصور كانت تجيش بنفسي ولا أجرؤ على إسماعها إياها. . . فهي لا تسمح لي أن أصور تموجات النسائم على غدائرها، ولا كيف تفتضح الموسيقى والشعر، قبالة ضحكتها وبسمتها، ولقد سألتها مرة عن سر هذا الامتعاض، فقالت: ذلك أن الجمال ليس في الشكل، وإنما هو فيما وراءه. . على أن في كلامك غلواً، قلت: نعم ولا، الجمال في ما وراء الأشباح، وليس في كلامي غلواً، وكذا أنت ترين أن جمالك أمثل من أن نتطاول إلى وصفه، فصمتت ثم قالت: دع هذا وخذ في غيره. قلت: فليكن فقد يجر إلى ما أخذنا على أنفسنا العهد بالابتعاد عنه. . . ثم تأخذ الحديث بلباقة وتديره على الوجه الذي تريد، مبتعدة فيه عن كل ما من شأنه أن يستثير فيك هذا الذي يطمع فيه عباد البدن. وهي إذ تحدثك لا تجهد في إقناعك، بل تلقي الفكرة موجزة واضحة، ثم تتركك تتخيل، وتقيس وتقارن، ولك أن توافقها أو تخالفها فهذا ليس بالشيء المهم، وإنما المهم أن تفكر!. شارف العام أن ينتهي، وأنا لا أزال في غمرة حبها أضوي جسماً، وأنمو فكراً وإحساساً، أصبحت شغلي الشاغل، لقد لهوت عن العالم، ونسيت أن به خلائق يعز عليها أن ترى آلافاً تمتزج بالمحبة، وتلتحم بالروح، حتى كان اليوم الذي سحق فيه قلبي، وتحطمت كأس سعادتي، فقد جئتها في عصاراه كالعادة، لنذهب إلى نزهة اتفقنا عليها، فجلست إليها ريثما تنهي عملها، وتصلح من شأنها، ولكني أوجست خيفة، وأنا ألاحظ عليها أثر اضطراب تحاول إخفاءه، ثم رأيتها تتحفز للكلام، وبعد لأى استطاعت أن تجمع شتيت إرادتها فقالت: أصغ إلي. . . . . . . قلت: كلي آذان. . . . . قالت: أو لم تسمع؟. . . لقد أكلتنا الألسنة!. قلت: لا أدري ما تقصدين؟ قالت: ستدري. إن هذه البشرية المتمرغة بالخسة، المتهفتة على الساقط من اللذة، لا ترى من الممكن أن تقوم علاقة بين متحابين، لا تمت إلى هذه الأسباب

стр. 5359

الدنيا، ولا تنبع من هذه المنابع الآسنة التي منها يستقون علاقاتهم. قلت، وقد قام بنفسي أن أداري ألم الصدمة: ليكن هذا فخلهم وصغائرهم، فما تصاحبنا لبذل في الخلق. فوجمت قليلاً، ثم قالت: ليس عن غباوة تتكلم، وعاجلتها دموعها، وقد والله يا صاح رأيت أنواعاً من الدمع، فما رأيت أشجى ولا أبعث للأسى من دموع هذه الحسناء البريئة المظلومة، إنها بهذه القطرات تحاول أن تستنطق العناصر وتستشهدها على طهرها وظلم الإنسان. قلت: هوني عليك أو بلغ الأمر إلى هذا الحد؟!. . . قالت: أجل! ومن حين وأنا أكتمك إياه، وزوجي وأقرباؤه لقد طلبوا مني أن اقطع معك هذه العلاقات، انهم يرونها خطرا على كرامة الأسرة، وغدا يسافر بي إلى بلد ناء كتم عني أسمه وإخاله لن يعود إلا متى رحلت!!. . . . . ودارت بي الأرض الفضاء وصرخت كالمذعور: محال هذا، إنهم يملكون منك الجسد، أما الروح فهو وقف على محبتي، لن أدعهم - وأنا قادر - يحطمون كأس حياتي. . كيف يفصلونك عني؟! أيفرق الروح عن الجسد دون أن يتقوض؟. . . . ثم كانت ساعة افتضح فيها جلدي، فطفقت أبكي، لقد بكيت كثيراً، وما صحوت إلا وهي تضمني، وتبللني بمدمعها، ثم طبعت على فمي قبلة، طبعت على فمها مثلها، هي أنل وآخر قبلة، هي أثمن ما أمتلك من ذكرى. . ومالي أشق عليك، لقد انتزعوها مني كما ينتزع الطفل عن ثدي أمه، لقد ذهبوا بأجمل حياتي، وموئل ذكرياتي. لقد كانوا قساة، فلم يرحموا غرباء جاءوا دنياهم على عجل، ويمضون كما جاءوا. لقد ذهب معها الصبر، فأصبحت هذه الدنيا في نظري كشراك الطائر ضيقة قفراء من كل ما يلهم العزاء. وأنى لي أن أحمل كل هذه الدنيا من الأوصاب، فسقطت مريضاً خائر القوى، ولي هاهنا - بالمستشفى - شهران لا أبل إلا لأنتكس. .

стр. 5360

وقد جاءتني بالأمس منها كلمة هي: (إلى الملتقى. .) إذن فهي تعرف أني بالمستشفى، بدليل أنها كتبت العنوان ورقم الغرفة، فخبرني أين تكون لقيا المرضى. . وأكبر ظني أنها مثلي مريضة. إن الدنيا أضيق من أن تتسع للقيا القلوب الطاهرة. إلى الملتقى. . حيث يتبع الحسن دون رقيب، وحيث تروى القلوب الظامئة إلى الجمال. . . إلى الملتقى. . . إلى الملتقى. . . شرق الأردن عبد الحليم عباسي

стр. 5361

الكتب القيثارة السارية لطاهر محمد أبو فاشا قرأت ديوان هذا الشاعر الشاب فأعجبني منه تنوع موضوعاته وراقني هذا النشاط الذي يبدو في قصائده، وهذه الحركة التي تنتقل به من الوصف إلى نقد بعض مظاهر الاجتماع. بيد أني أصارح شاعرنا بأنه قليل العناية بتهذيب شعره وإحكام قوافيه، فإن في قصائده بعض العيوب اللفظية وبعض المجازات والأخيلة التي لا يستسيغها الذوق، كما أني ألاحظ على الشاعر الفاضل أنه شغوف بالتلاعب بالألفاظ، يتدفق في غير روية، وعهدي به سليم الذوق سريع إلى معرفة مواضع الجمال فيما يقرأ من الآثار الأدبية، وليت شعري كيف تنسب مثل هذه الأبيات إلى من كانت هذه صفاته إلا أن يكون أساس ذلك الإهمال. أنظر إليه يقول: وأني قد دعوت وبح صوتي … وأنك لا ترق ولا تجيب وانظر إلى قوله: اهدمي مهجتي بصبرك هدما … واسألي الحب في الفؤاد المهدم وإلى قوله: أنا بين هاتيك الحمام حمامة … تصف الشعور بشعرها الرنان المرء يقتله الشعور وربما … هز الشعور الميت في الأكفان وانظر إلى قصيدته في ملكة الجمال عند سفح أبي الهول: يكاد أبو الهول لولا الجلال … يعربد مما رأى حوله وكم سبع قد من صخرة … يحب الجمال ويصبو له وأوهمها أنه كالجماد - لتأمنه فتطيل الوقوف ولولا مخافته أن تخاف … لقام يدق لها بالدفوف إلى غير ذلك من الأخيلة التي نحب أن يخلص منها شعر طاهر إن شاء الله. الخفيف

стр. 5362

همام قصة تمثيلية شعرية لعلي أحمد باكثير ناظم هذه الأقصوصة أديب حضرمي تعجبك فيه براعة نظمه وعربية ديباجته، ويحمل بين جنبيه قلباً يخفق للعروبة التي خالطت دماءه كما يتبين لك ذلك من مقدمته النثرية التي يقول فيها (والشعب الحضرمي شعب عربي صميم تجري في عروقه دماء قريش وهمدان وحمير وكندة ومذحج) وتدور القصة حول محور واحد، ألا وهو حفلات الزواج في عاصمة الأحقاف. . . والناظم ممن يتشيعون لتعليم البنت فيقول على لسان همام (ص٥) صار فرضاً عليك أن تنشري هـ … ذا الهدى في جماعة النسوان فهدى الشعب من هدى أمهات … الشعب في كل موطن وزمان ويقول في موضع آخر في هذا الموضوع نفسه على لسان فتاة: فيم غادرتم البنات علىجَهْـ - ل وقمتم تعلمونّ البنينا كيف نستطيع بالجهالة يوماً … أن نؤدي أمانة الله فينا والناظم يجيد الوصف ويحسن التصوير مما يدل على ذوق محمود، ومقدرة قوية في رسم ما تقع عليه عيناه، فيقول مصوراً الشاي في الكأس: لولا انتصاف الكأس خيل أنها … في كف ساقيها تقوم بذاتها ويسوؤه أن يرى الألاعيب والمهازل تمثل في وطنه تحت ستار الدين وهو برىء من تلك الأفاضيح الساقطة، ويهزأ برجال الدين الذين يدعون أنهم يذودون عن حياضه، ويدافعون عن بيضته وهم أبعد الناس عنه، فيسخر بهم قائلاً: ولي الله ذو الحب … وة والأردية الخضر وذو المسواك في العمة … قد أربى على الشبر ورب المسبحة الغارق … في التسبيح والذكر بها يذكر في الناس … ولا يذكر في السر والأقصوصة على هذا المثال البديع من النظم التقليدي، وهي في أسلوبها وفنها أروع منها في روحها ومعناها، وهناك هفوات كنا نود أن يترفع عنها الناظم كما في قوله: يوه ما أجملها من فتاة … يوه ما أصلحها لهمام؟

стр. 5363

صلوات الله تغمر طه … وحماها الله من عين رام ومثل المبالغة الممجوجة في قوله يصور الحب: ولقد لقيت به دواهي لو … رُعْنَ الجبال تركنها تربا ومن حسن الحظ أن مثل هذه الأبيات قليل، ولا يشين أقصوصته مثل هذا المغمز، وإنا لنهنئه على ذلك خاصة وهو ما زال في غضارة الصبا وميعة العمر. م

стр. 5364

تربية الطفل للدكتور شخاشيري وهذا الكتاب أيضاً من الكتب التي نتناولها في غبطة وإعجاب، فما أحوجنا في حياتنا الاجتماعية إلى مثل هاتيك الكتب القيمة التي تبحث في الصحة وعلى الأخص ما يتعلق منها بالطفل. والكتاب الذي أحدثك عنه قد سار على نهج فريد، فهو سلسلة أحاديث موضوعة على طريق الحوار بين طبيب وإحدى الأمهات، ويتناول كل حديث ناحية من نواحي حياة الطفل كتغذيته ونظافته وخصائص الأطعمة الصالحة له، وما يطرأ عليه من الأمراض. . . . . الخ مما جعل الكتاب سهل المأخذ بعيد المرمى، خفيف المحمل، هذا إلى علم واسع وتفاصيل دقيقة ما أجدر الأمهات والآباء أن يستوعبوها لخير أطفالهم، ولقد أضاف الدكتور الفاضل إلى الكتاب نص محاضرته التي ألقاها في دار جمعية الحشرات الملكية في مؤتمر المجمع المصري للثقافة العلمية وموضوعها التأمين على صحة الطفل، كما أختتم الكتاب ببعض الآراء القيمة في موضوع الطفولة لثلاث من فضليات المربيات، وإنا لنشكر للدكتور الفاضل عمله الإنساني وإخلاصه الذي يتجلى في كتابه للطفل ووالديه. الخفيف

стр. 5365

أدولف هتلر زعيم الاشتراكية الوطنية مع بيان المسألة اليهودية تأليف أحمد محمود الساداتي بدار الكتب كتاب يقع في نحو مائة وستين صفحة من القطع المتوسط جيد الطبع، متين الورق، وضعه مؤلفه الفاضل ليشرح به حركة من أهم الحركات التي تشغل بال العالم الآن، وإنه ليسرنا أن يكون بين إنتاجنا الأدبي ما يشهد باهتمامنا بتلك الحركات الشعبية التي تخرج عنها المطابع في الغرب مئات الكتب، وإن هذا الكتاب الذي أحدثك عنه ليزيد في اغتباطنا أنه بحث منظم واف بالغرض تقرؤه فتقف على الأحوال السائدة في ألمانيا اليوم وموقف حركتها الوطنية من العالم، ولقد أحسن المؤلف جدا بما أورده من مقدمات تاريخية عن ألمانيا منذ عهد تأسيس الإمبراطورية إلى الحرب العالمية، ثم بما قام به من شرح المسألة اليهودية، وشرح النازية وبرنامجها وروحها والشيوعية في ألمانيا وموقف النازية منها إلى غير ذلك من الأبحاث الوافية، وليس ثمة ما يؤخذ على المؤلف الأديب سوى تحمسه لهتلر تحمساً ظاهراً، كاد أن يفقده في بعض المواضع اتزان المؤرخ وإنصافه، وفيما عدا ذلك فالكتاب يشهد بمجهود محمود، وهمة مشكورة. . محمود

стр. 5366

ديوان صالح جودت أتممت قراءة هذا الديوان لشاعرنا الشاب، فأحسست بروح لطيفة ونبرات ساحرة هادئة تظن في أذني، وأشهد لقد أعجبتني موسيقاه وصفاء ديباجته، ولكني عدت فنظرت في بعض القصائد نظرة تمحيص وتعقيب فوقعت عيني على بعض الأخطاء اللغوية وصدمتني بعض القوافي، ولو أن شاعرنا قد عني بنظمه أكثر من ذلك لكان لقصائده شأن غير هذا الشأن، ففيها روح وفيها شاعرية لا يمكنك أن تنكرهما عليه، بل إن شاعريته لتستميلك حتى ولو لم تكن ممن يقبلون على الشعر، هذا وإني لأنكر عليه وأعاتبه في شدة على تلك النزعة الطائشة التي جعلته وهو ذلك العصفور الغريد الوديع يضطرب في أجواء خانقة ويتعثر في أشواك موبقة، ما كان أغناه عنها، فإنه في الحقيقة لم يرجع بطائل ولم يفد شيئاً، ولعله كان في نزعته تلك متأثراً بقراءته أو مقلداً لغيره، فانك لا تجد في تلك القصائد التي جرته إليها المغالاة، تلك الروح العذبة الرقيقة، ولا تلك النغمة الهادئة الساحرة، التي تجدها في باقي قصائده. والخلاصة أن شعر صالح جودت كالذهب، ولكنه (خام) لابد أن يستخلص مما يعلق به من الأوشاب. الخفيف المرافعات والتوثيقات الشرعية عني فضيلة الأستاذ الشيخ علي قراعة رئيس محكمة الزقازيق الابتدائية الشرعية بوضع (كتاب الأصول القضائية في المرافعات الشرعية - وكتاب مذكرة التوثيقات الشرعية) استوعب في الأول طرق القضاء وقواعد المرافعات الشرعية، وفي الثاني كل ما يلزم الموثق والموثقين في كتابة الإشهادات المنوعة وصور الدعاوي الشرعية، والوثائق المختلفة، مما لا يستغني عنه موظفو المحاكم الشرعية، وطلاب الحقوق، وأقسام التخصص في القضاء الشرعي، ويكون مرجعاً للقضاة والمحامين ومدرسي القانون والشريعة، ويطلبان من المكاتب الشهيرة.

стр. 5367

العدد ٦٤ - بتاريخ: ٢٤ - ٠٩ - ١٩٣٤

стр. 5368

طغيان النيل على الشاطئ الغريق. . . هكذا الطغيان يا نيل يجعل مصدر الحياة مورد هلكة، ومنبع الخيرات مغيض بركه، وأصل العمارة غاية دمار وخسر!! هذه شواطئك الخضر يا نيل كانت بالأمس تتنفس بالنعيم، وتتدفق بالخير، وتترقرق بالجمال، فأصبحت اليوم تختنق بالأخطار، وتلتطم بالمخاوف، وتهدد الحقول الغنية الخصيبة بالفاقة والجدب، وهذه مدنك البيض وقراك السمر كانت تتفيأ على ضفافك ظلال الخفض، وترمق من خلال النخل أمواجك المرسلة المسلسلة، وهي تقع بين القصب الألف ألحان الثراء والغبطة فتعز بك وتقدس لك، فأصبحت تحشد في وجهك الجنود، وتقيم بينها وبينك السدود، وتضرع إلى الله أن يصرف عنها طغيانك وجورك! وهؤلاء أبناؤك الوادعون كانوا يتعهدون بالعمل الدائب غرسك الزكي وثمرك الغالي، فيدفعون الحشرات عن القطن، ويدرؤون الطفيليات عن الذرة، ويسلسلون في الحقول نضارك الذائب، ويستقبلون بالشوق الأمل موسمك الآئب، فأصبحوا هم من هولك قائمون على رجل، لا يستقر لهم جنان من الروع، ولا يطمئن بهم مجلس من الجزع، ثم أمسوا وهم محشودون بقوة السلطان على جانبيك، من أسوان إلى مصبيك، يدافعونك مدافعة العدو، ويكافحونك مكافحة الوباء، ويكابدون في صد غارتك الجهد والجوع و (السخرة)! ذلك والقرويات ينتظرن بالقلق الجازع الغرق المخشي، ويرصدن الأهبة للهجرة المتوقعة، فهن يجمعن المتاع، ويشددن الغرائر، ويلقين النظر الحزين على القطن المكتهل على اعواده، والذرة الناشئ على سوقه!. وهكذا الطغيان يا نيل السكينة في القلب، ويفزع العدالة في الدولة، ويجعل سلام الأرض وسلامة الناس لمشيئة فرد!! وقفت منذ أيام على شاطئ من شطئانك المنكوبة، أرسل طرفي الساهم في تيارك الجارف، وداراتك المدومة، ولحجك الفائرة، ثم أرده إلى السواحل الغصانة والمزارع الغرقى، وفكري بين هنا وهناك يستقبل الذكريات القديمة، ويستخرج المشابهات الأليمة. فذكرت بهذا المنظر المحزن ترة بيني وبينك موروثة! فقد طغيت في عام ١٨٧٨ على قريتي الصغيرة، فاحتملتها هي ومئات من أمثالها كما يحتمل السيل الدافع أكوام الهشيم! وكان قومي قد سمعوا بانفجارك على مقربه من

стр. 5369

سمنود، وبيننا وبينها عشرات من الأميال، ولكن ماءك الطاغي نحر هذا المفيض حتى انحدر فيه مجراك كله، فلم يكن بين السماع والرؤية إلا ريثما جزموا المتاع وشدوا المطايا، ثم أدركهم فيضانك قبل الرحيل، فتركوا الأرزاق وطلبوا النجاة. فحمل الكبار الصغار، والطوال القصار، والنساء الأطفال، ومضوا يتحسسون الطرق وتحت الماء، ويتلمسون المصاعد فوق الارض، حتى بلغوا - وما كادوا يبلغون - ساحل نهر (شبين)، وهو على بضع دقائق من القرية، وهنالك وقف المهاجرون على الشاطئ العالي بين البحرين، يودعون بالنظر العبران قريتهم الهالكة، والماء يغيب الدور ويبتلع الشجر، حتى لم يبق ظاهرا منها الا شرفات بيت الله، وغرفات بيت العمدة. ثم تمزقوا في البلاد يطلبون المأوى عند ذوي القربى أو عند أولي المودة، حتى أنحسر الماء فعادوا، واستأنفوا عمارة القرية فعادت ثم لا يزالون يؤرخون الحوادث بهذه (الغرفة)، ويهولون في أحداث تلك الهجرة، ويستعدون كل عام لطغيان النهر، قبل أن يئون أوانه بشهر! وهكذا الطغيان يا نيل يفرق الآلاف، ويشتت الوحدة، ويوهن بين الأوداء أسباب المودة! يطغى الحكم كما طغيت يا نيل فيجرف السدود، ويتعدى الحدود، ويتخطى الحواجز. ثم يدور بالتجسس، ويفور بالإرهاب، ويقذف بالتهم، ويسخر قوى الدولة وموارد الأمة ومرافق الناس لسلطان أمره وطماح نفسه ونفاذ حكمه. وأصل الطاغية كان مثلك يا نيل فياض اليد فقدسه الناس، جارف التيار فاتبعه الشعب، ثم ناصرته شهوته الخاصة، وساعدته غفلة العامة، فرد أهواء النفوس إلى هواه، وشورى العقول إلى رأيه، وحدود القوانين إلى أرادته، وسطوة الجماعة إلى يده، ثم تفيض هذه القوى المتجمعة عن طاقة الفرد فيطغى، ويزيد السلطان المفرط على غرور الإنسان فيتأله، ويومئذ لا تسأل عن حدود الله كيف تطمس، ولا عن رسوم العدل كيف تدرس، ولا عن حقوق الناس كيف تسفه، ولا عن نظام الأمر كيف يتبدد، ولا عن جموح الأثرة كيف يبغى ويتحكم. وهكذا الطغيان يا نيل يعطل منابع الخير، ويبدل طبائع الفطرة، ويقتل مواهب العقل، ويغمر بالظلام آثار العلم ودلائل العقل وشواهد الكفاية. ويطغى الأدب كما طغيت يا نيل فلا يكترث للقواعد، ولا يعوج بالأصول، ولا يحفل بالمنطق، ولا يأبه للخلق، ثم يرغي بالبذاء، ويزيد بالهراء، ويطفح باللغو. وكان الأدب

стр. 5370

الطاغي مثلك يا نيل عذب الشمائل، سهل الشريعة، فروى الناس من نبعه، وبردت أكبادهم على نداه. ثم أنتكس المجتمع، وانقلبت الأوضاع، وفسدت المقاييس، استفاضت الدعوى، وتبجح الغرور، وأستبهم الأمر، فرأى سلاطة اللسان أجدى عليه من براعة الذهن، والتواء الفكر أنفع له من سلامة القياس، ولؤم الوقيعة أشد لسلطانه من كرم النفس، وشهوة الجدل أقرب إلى قلبه من حب الحقيقة. وفي العهود التي تسطو فيها اليد ويستخذى القانون، يسلط فيها اللسان ويستكين المنطق! ثم يمكن لمثل هذا الطغيان تكرم الأدباء عن مقام المسافهة، ضنا بأخلاقهم على الغمز، وبإحساسهم على المضاضة وفي التاريخ السياسي والأدبي يا نيل أمثال وأشباه! ولكنها تنحسر كلها عن جوهر الحق، ومحض الخير، ولباب الجمال، كما تنحسر أنت عن هذه السواحل والجزر والقرى، بحكم الطبيعة ومشيئة الله! أحمد حسن الزيات

стр. 5371

أستنوق الجمل. . . للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال الشاب: لا قبل لي بهذا التعب المعنى الذي يسمونه (الزواج) فما هو إلا بيت ثقله على شيئين: على الأرض، وعلى نفسي، وامرأة همها في موضوعين: في دارها، وفي قلبي، وما هو إلا أطفال يلزموني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا أملك إلا يدين أثنتين، وأتحمل فيهم رهقا شديدا كأنما أبنيهم بأيامي، وأجمع هموم رؤوسهم كلها في رأس واحد هو رأسي أنا، يولد كل منهم بمعدة تهضم لتوها وساعتها، ثم لا شئ معها من يد أو رجل أو عقل ألا هو عاجز لا يستقل، متخاذل لا يطيق ولا يقدر. قال: وإذا كان أول الزواج أي عسله وحلواه أنه امرأة تذهب عزوبتي - فأنا وأمثالي ما نزال في عسل وحلوى، ولكل وقت زواج، ولكل عصر أفكار، وما أسخف الليالي إذا هي ترادفت على ضرب واحد من أحلامها، فهذا يجعل النوم حكماً بالسجن عشر سنوات. . .! قال: وإذا أردت أن تستكشف القصة فأعلم أننا نحن العزاب قوم كرجال الفن، رذيلهم فنية، وفضيلهم فنية، فتلك وهذه بسبيل، وكل شئ في الفن هو لموضعه منه لا من غيره، فإذا قلت: هذا خال من الفضيلة عار من الأدب، وعبت الفن لذلك - فما هو إلا كعيبك وجه المرأة الجميلة لأنه خال من لحية. .! هات الظلام سواده، فانه لون كالنور وإشراقه، لا بد من كليهما، إذ المعنى الفني في تناسب الأشياء لا في الأشياء ذاتها، ويد الفني كيد الغني، هذه لا يقع فيها الذهب إلا ليتعدد ثم يتعدد، وتلك لا تقع فيها المرأة إلا لتتعدد ثم تتعدد، وفي كل دينار قوة جديدة، وفي كل امرأة فن جديد. قال: ومذهبنا في الحياة أن نستمع بها ضروبا وأفانين، من أطلق أنواعاً لم يقتصر على نوعين، ومن قدر على نوعين يرض الواحد، ولو أن زوجة كانت من أشعة الكواكب أو من قطرات الندى لثقل منها على حياتنا ما يثقل من الحديد والصوان، إذ هي لا تلد أشعة الكواكب ولا قطرات ندى، وحسب الجسد برأس واحد حملاً. قال: ومن الذي تعرض عليه الحياة سلامها وتحياتها وأشواقها في مثل رسالة غرام ثم يدع هذا ويسألها غضبها وخصامها ولجاجتها في مثل قضية من قضايا المحاكم، كل ورقة فيها تلد ورقة. .!

стр. 5372

ثم قال الشاب: لا تحسبن أن المرأة هي السافرة عندنا، ولكن اللذة هي السافرة، وما أحكم الشرع! أقول لك وأنا محام يقرر الحقيقة: - ما أحكم الشرع الذي لم يرخص في كشف وجه المرأة الا لضرورة، فأن الواقع في الحياة أن هذا الكشف كثيرا ما يكون كنقب اللص على ما وراء النقب، وإذا كسر ما فوق القفل من الخزانة المكتز فيها الذهب والجوهر فالباب الحديد كله سخرية وهزؤ من بعد. .! هذه عقلية شاب محام طوى عقله على الكتب القانونية وطوى قلبه على مثلها من غير القانونية. وليس يمترى أحد في أنها عقلية السواد من شبابنا المثقف الذي لبس الجلد الأوربي. ومن البلاء على هذا الشرق أنه ما برح يناهض المستعمرين ويواثبهم غافلا عن معانيهم الاستعمارية التي تناهضه وتواثبه، جاهلا أن أوربا تستعمر بالمذاهب العلمية كما تستعمر بالوسائل الحربية، وتسوق الأسطول والجيش، والكتاب والأستاذ، واللذة والاستمتاع، والمرأة والحب. ولو أن عدوا رماك بالنار فاستطارت في ثيابك أو متاعك لما دخلك الشك أن عدوك هو النار حتى تفرغ من أمرها. فكيف لعمري غفل الشرقيون عن أخلاق نارية حمراء يأكلهم بها المستعمرون أكلا كأنما ينضجونهم عليها ليكونوا اسهل مساغاً، وألين أخذاً، وأسرع في الهضم. لم افهم انا من كلام صاحبنا الشاب ومعانيه الا أن أوربا في أغصابه، وأما مصر ونساؤها ورجالها فعلى طرف لسانه لا تكون إلا صيحة، وليس بينه وبينها في الحياة عمل إلا من ناحية لذته بها، لا من ناحية فائدتها منه. وتلك المعاني كلها مشتق بعضها من بعض، ومرجعها إلى اصل واحد، كالأمراض التي يبتلي الجسم يمهد شئ منها لشيء، ما دامت طبيعة هذا الجسم زائفة أو مختلة، أو متراجعة إلى الضعف، أو ذاهبة إلى الموت. وأولئك شبان وقف بهم الشباب موقف بلاده، فلا يخطر إلى الرجوله، ولا يكمل بنموه الاجتماعي كما يكمل الجل الوطني، فمن ثم يكون خواراً لا يستطيع أن يحمل أثقالا مع أثقاله ويستوطئ العجز والخمول فلا يكون إلا قاعد الهمة رخو العزيمة، قد استنام إلى أسباب عجزه وتخاذله، ولا يكون في بعض الاعتبار إلا كالمريض يعيش بمرضه حميلة على ذويه ضجعة لا يمشي، ثومه لا ينتهض، مستريحاً لا يعمل.

стр. 5373

وبهذه المكسلة الاجتماعية في الشبان يبدأ الشعب يتحول من داخله فينصرف عن فضائله ويتخذ في مكانها فضائل استعارة يقلد فيها قوما غير قومه، ويجلبها لبيئة غير بيئته، ويقسرها على أن تصلح له وهي فساد، ويكرهها على أن تنفعه وهي ضرر، وتلك حالة يغامر فيها الشعب بكيانه فلا تلبث أن تصدعه وتفرقه، ولو أن في السحاب مطراً وغيثاً لما كان له في كل ساعة لون مصبوغ، ولو أن في الشباب دينا لما صبغته تلك الاخلاق الفاسدة، وما ذهاب الحارس عن مكان إلا دعوة للصوص اليه، وهل كان الدين إلا واجبات وتبعات وقيوداً يراد من جميعها إعداد الإنسان لأمثالها في الأجتماع، حتى يقر في إنسانيته الصحيحة على النحو الذي يصلح له منفرداً ويصلح له مجتمعاً؟ فليست الزوجة وحدها هي التي خيرت الشاب بل خسره معها الوطن والدين والفضيلة جميعاً، وبهذا أنعكس وضعه من الجماعة، فوجب في رأيه أن تسخر الجماعة له وان يستقل هو بنفسه. وبهذا العكس وهذا السقوط وهذا الاستمتاع الذي يجد سعادته في نفسه اصبح أولئك الشبان كأنما حقهم على المجتمع أن يقدم لهم بغايا لا زوجات. . . . بغايا حتى من الزوجات. . . .! قبح الله عصراً يجهل الشاب فيه أن الرجل والمرأة في الوطن كلمتان تفسر الإنساني إحداهما بالأخرى تفسيرا إنسانيا دينيا بالواجبات والقيود والأحمال، لا بالأهواء والشهوات والانطلاق، كما تفسر الحيوانية الذكر والأنثى. والنفس الدنيئة أو المنحطة في أخلاقها ومنازعها من الحياة لا تكون إلا دنيئة أو منحطة في أحلامها وأخيلتها الروحية، دنيئة كذلك في طاعتها إن قضت عليها الحياة بموضع الخضوع، دنيئة في حكمها إن قضت لها الحياة بمنزلة من السلطة. ولو تنبهت الحكومة لطردت من عملها كل موظف غير متأهل، فأنها إنما تستعمل شراً لا رجلاً يمنع الشر، وكل شاب تلك حاله هو حادثة ترتدف الحوادث وتستلزمها، وما يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه. ليس للزواج معنى إلا إقرار طبيعة الرجل وطبيعة المرأة في طبيعة ثالثة تقوم بالاثنتين معاً، وهي طبيعة الشعب. فمن سقوط النفس ولؤمها ودناءتها أن يفر الشاب القوي من تبعة الرجولة، فلا يحمل ما حمل أبوه من واجبات الإنسانية، ولا يقيم لوطنه جانبا من بناء

стр. 5374

الحياة في نفسه وزوجه وولده، بل يذهب يجعل حظ نفسه فوق نفسه وفوق الإنسانية والفضيلة والوطن جميعا، ولا يعرف أن انفلاته من واجبات الزواج هو إضعاف في طبيعته لمعنى الإخلاص الثابت، والصبر الدائب، والعطف الجميل في أي أسبابها عرضت. ومن ُفسولة الطبع ولؤمه ودناءته أن يهرب هذا الجندي من ميدانه الذي فرضت عليه الطبيعة الفاضلة أن يجاهد فيه لأداء واجبه الطبيعي متعللا لفراره المخزي بمشقة هذا الواجب وما عسى أن يعاني فيه كما يحتج الجبان بخوف الهلاك وعناء الحرب. ومن سقوط النفس أن يرضي الشبان كساد الفتيات وبوارهن على الوطن، وأن يتواطئوا على نبذ هذه الأحمال وإلقائها في طرق الحياة وتركها لمقاديرها المجهولة كأنهم أصلحهم الله لا يعلمون أن ذلك يضيع بأخواتهم الفتيات، ويضيع بوطنهم في أمهات الجيل المقبل، ويضيع بالفضيلة في تركهم حمايتها وتخليهم عن حمل واجباتها وهمومها السامية. إن الجمل إذا أستنوق تخنث ولان وخضع، ولكنه يحمل، وهؤلاء إذا استنوقوا تخنثوا ولانوا وأبوا أن يحملوا. ومن سقوط النفس في الرجل النكس العاجز المقصر أن يحتج لعزوبته بعلمه وجهل الفتيات، أو تمدنه وزعمه أنهن لم يبلغن مبلغ الأوربية، ولا يدري هذا المنحط النفس أن الزواج في معناه الإنساني الاجتماعي هو الشكل الآخر للاقتراع العسكري، كلاهما واجب حتم لا يعتذر منه إلا بأعذار معينة، وما عداها فجبن وسقوط وإنخذال ولعنة على الرجولة. ومن سقوط النفس أن يغنى الشباب عن الزواج لفجوره فيقره ويمكن له، وكأنه لا يعلم أنه بذلك يحطم نفسين، ويحدث جريمتين، ويجعل نفسه إلى الدنيا لعنتين. ومن سقوط النفس أن يغتر الشاب فتاة حتى إذا وافق غرتها مكر بها وتركها بعد أن يلبسها عارها الأبدي، فما يحمل هذا الشاب إلا نفس لص خبيث فاتك، هو أبداً عند من يسرقهم في باب الخسائر والنكبات، لا في الربح والمكسب، وعند المجتمع في باب الفساد والشر، لا في باب المصلحة والخير، وعند نفسه في باب العمل والشرف. فسقوط النفس وانحطاطها هو وحده نكبة الزواج في اصلها وفروعها الكثيرة التي منها المغالاة والشطط في المهور، ومنها بحث الشاب عن الزوجة الغنية وإهمال ذات الدين

стр. 5375

والأصل الكريم لفقرها، ومنها ابتغاء الزوجة رجلاً ذا جاه أو ثراء عزوفها عن الفاضل ذي الكفاف أو اليسير على عنىً في رجولته وفضائله، كأنما هو زواج الدينار بالسبيكة، والسبيكة بالدينار، وكأن الطبيعة قد ابتلت هي أيضاً بالسقوط، فأصبحت تعتبر الغني والفقير، فتجعل في دم أولاد الأغنياء روح الذهب واللؤلؤ والماس، وتلقى في دم أولاد الفقراء روح النحاس والخشب والحجارة. . . على حين أن الجميع مستيقنون لا يتدافع اثنان منهم في أن الطبيعة لا تبالي إلا بوراثة الآداب والطباع. وأعظم أسباب هذا السقوط في رأيي هو ضعف التربية الدينية في الجنسين، وخاصة الشبان، ظناً من الناس أن الدين شأن زائد على الحياة، مع أنه هو لا غيره نظام هذه الحياة وقوامها في كل ما يتصل منها بالنفس. وليست المدنية الصحيحة كما يحسب المفتونون هي نوع المعيشة للحياة ومادتها، بل نوع العقيدة بالحياة ومعانيها. وإلى هذا ترى كل مبادئ الإسلام، فأن هذا الدين القوي الإنساني لا يعبأ بزخارف كهذه التي تتلبس بها المدينة الأوربية القائمة على الاستمتاع وفنون اللذات وانطلاق الحرية بين الجنسين، فهذا بعينه هو التحطيم الإنساني الذي ينتهي بهدم تلك المدينة وخرابها، وإنما يعبأ الإسلام بالعقيدة التي تنظم الحياة تنظيماً صحيحاً متساوقاً وافياً بالمنفعة، قائماً بالفضيلة، بعيداً من الخلط والفوضى. ويقابل ضعف التربية الدينية مظهراً آخر هو سبب من أكبر أسباب السقوط، وهو ضعف التربية الاجتماعية في المدرسة، وإلى الدعة والراحة، وفرارها من حمل التبعة (المسئولية) التي هي دائماً أساس كل شخصية قائمة في موضعها الاجتماعي. وبذلك الضعف وذلك السقوط وضعت المرأة البغي العاهرة في الموضع الطبيعي للأم، ونزل الرجل السافل المنحط في المكان الطبيعي للأب، وتحللت قوى الوطن بانحراف عنصرية المعظيمين عن طبيعتهما، وجعلت فضيلة الفتيات المسكينات تتآكل من طول ما أهملت، وأخذ سوس الدم يتركها فضائل نخرة ولا عاصم ولا دافع إلا قوة القانون وسطوته، ما دامت الفضيلة في حكم الناس وتصريفهم قد تركت مكانها للقوانين. وما دامت قوة النفس قد أخلت موضعها للقوة التنفيذية. لقد قتلت روحية الزواج، وهي على كل حال جريمة قتل، فمن القاتل يا صاحبنا المحامي؟

стр. 5376

قال الشاب: هو كل رجل عَزَب قلت: فما عقابه؟ فسكت ولم يرجع إلي جواباً قلت كأني بك قد تأهلت وخلاك ذم. فما عقابه؟ قال: إلى أن تبلغ الحكومة أو أن تعاقب هؤلاء العزاب، فليعاقبهم الشعب بتسميتهم أرامل الحكومة. . وأحدهم: رجل أرملة الحكومة. . . ثم قال: اللهم يسرها ولا تجعلني رجلاً بغلطتين: غلطة في نساء الأمة، وغلطة في ألفاظ اللغة. طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5377

انقلاب عظيم في السياسة الدولية روسيا البلشفية في عصبة الأمم للأستاذ محمد عبد الله عنان تجوز العلائق الدولية في تلك الآونة أعظم انقلاب عرفته منذ الحرب الكبرى، وتستعد عصبة الأمم لإستقبال أعظم حادث عرفته في تاريخها، فمنذ أشهر يجري الحديث بأن روسيا السوفيتية ستدعى إلى الالتحاق بعصبة الأمم. وستغدو عما قريب عضواً فيها، وتتمتع بكرسي دائم في مجلسها. وقد كان ذلك مثار دهشة وريب ممن يعرفون ظروف روسيا السوفيتية، ونزوعها إلى التباعد عن الدول الغربية، وما تقضي به طبيعة ونظمها من مخاصمة الحكومات (الرأسمالية)، ومناوأتها بكل الوسائل الخفية، والعمل على هدمها وهدم النظم التي تحميها، إضرام نار (الثورة العالمية). وقد كان للبلاشفة في عصبة الأمم منذ قيامها رأي يناقض ما يرونه اليوم كل المناقضة، فقد كانت في نظرهم عصابة من الدول الرأسمالية تحركها هذه الدول وتوجهها كيف شاءت، وهيئة إستعمارية منافقة تعمل من وراء ستار لتحقيق غايات الاستعمار الغربي، وأداة لتمكين نير الأمم القوية الغالبة من أعناق الأمم الضعيفة المغلوبة، وكانت الحوادث تؤيد كثيراً من هذه الريب الظنون، فلم تر الأمم الضعيفة ولاسيما الأمم الشرقية شيئاً من الأنصاف على يد عصبة جنيف، بل إبتدعت لها نظام الانتدابات أو الحماية المقنعة لتسبغ على استعبادها صفة مشروعة، ولم تحول مرة أن تحد من مزاعم الدول الاستعمارية أو أطماعها - وهذه الدول هي بعينها التي تسيطر على مجلس العصبة - ولم تجرؤ مرة على أن تصدر في أي المسائل التي طرحت أمامها أي قرار يناقض آراء هذه الدول أو غاياتها، ولازلنا نذكر موقفها من النزاع بين تركيا وإنكلترا على كردستان، والصراع بين الصين واليابان على منشوريا، وخذلانها حينما احتلت إيطاليا كورفو، وتملها فيما اقتضته من العراق شرطاً لالتحاقها بالعصبة، وموقفها من أماني فلسطين وسوريا، ولا زلنا نذكر بالأخص موقفها العقيم من مسألة نزع السلاح وفشلها الذريع في معالجتها، وسواء كانت روسيا السوفيتية مخلصة في رأيها بالنسبة لعصبة الأمم أم كانت تمليه بواعث السياسة فقط، فأن العصبة لم تحقق خلال هذه الأعوام العديدة من حياتها شيئاً مما علق عليها من الآمال في إنصاف الشعوب المظلومة أو تخفيف

стр. 5378

الخصومات القوية أو توطيد دعائم السلام. والآن ماذا حدث؟ لقد تورطت العلائق الدولية خلال الأعوام الأخيرة تطوراً سريعاً مدهشاً، وأخذت روسيا تخصم من خصومتها للدول الغربية شيئاً فشيئاً، وأخذت الدول الغربية في التقرب من حكومة موسكو البلشفية، بعد ما لبثت أعواماً تحاول القضاء عليها، وتحشد لمناوأتها كل ما استطاعت من القوى الخفية والظاهرة، وعاد عهد التوازن الأوربي القديم وعهد المعاهدات السرية والمحالفات السياسية والعسكرية، وغاض ذلك الأفق المصطنع الذي ساد فيه حديث السلام والتضامن الدولي مدى حين. وقد كان من الطبيعي أن يعتبر التحاق روسيا بعصبة الأمم عاملاً في صفاء الأفق الدولي، وتعضيد قضية السلام، لأن تباعدها عن الدول الغربية كان عقبة دائمة في سبيل تقدم التفاهم الدولي واستقرار العلائق الدولية، وعدم اعترافها بالعصبة يعرض جهودها في سبيل السلام للانهيار: هذا على الأقل ما كان يتردد في دوائر جنيف حبط مسعى في سبيل التفاهم أو مجهود في سبيل نزع السلاح. ولكن التحاق روسيا اليوم بعصبة الأمم يدلي بمعان أخرى. وروسيا لم تغير رأيها في العصبة ولا في الدول (الرأسمالية) التي تتكون منها، ولكن روسيا اليوم تعلق على هذا الانضمام آمالاً كبيرة وترى أنه يحقق لها من المصالح ما لم تحققه سياسة القطيعة والعزلة، والسياسة الغربية التي تسعى منذ حين لتحقيق هذا الانضمام تحاول أن تقنعنا بأنه يزيد العصبة قوة ويزيد كلمة أوربا توحيداً، ويقرب أمد التفاهم في مسألة نزع السلاح، ويعاون على استقرار السلم في أوربا، ولكن الحقيقة أن هذه النظرية القديمة قد تطورت اليوم، وما ترشيح روسيا لدخول العصبة إلا نتيجة لسياسة التوازن الأوربي الجديدة التي ظهرت بوادرها قوية منذ قيام الحركة الوطنية الاشتراكية في ألمانيا وظهورها بمظهر المهدد لسلام أوربا، وفشل مفاوضات نزع السلاح وعود فرنسا صراحة إلى السياسة القومية القديمة بحجة الدفاع عن نفسها أمام الخطر الألماني. ومنذ عامين ونحن نشهد نتائج هذا التطور الجديد، في وقوع الجفاء بين ألمانيا وروسيا أولاً، ثم انتهاز فرنسا لهذه الفرصة وتقربها من روسيا، وتفاهم الدولتين على إحياء التحالف الفرنسي الروسي القديم الذي كان قائماً قبل الحرب، ثم مساعي السياسة الفرنسية المتواصلة في جمع كلمة دول أوربا الشرقية حولها في كتلة واحدة تخاصم ألمانيا جميعاً، وحملها حليفاتها دول الاتفاق الصغير على الاعتراف

стр. 5379

بروسيا السوفيتية إلى عصبة جنيف. ولروسيا صلة قديمة بعصبة الأمم وإن لم تكن من أعضائها، فقد اشتركت في لجنة نزع السلاح ومؤتمراته بصفة رسمية منذ سنة ١٩٢٥، وقدمت أليها عدة مشاريع لنزع السلاح كانت جميعها مثار البحث والمناقشة ولكنها رفضت جميعاً، وكانت السياسة الروسية خلال هذه الأعوام تثار على خصومتها لعصبة الأمم وعلى الطعن فيها وفي نزاهة مقاصدها، وتتخذ من فشل مؤتمر نزع السلاح دليلاً على نفاق الدولة الغربية وتمسكها بسياسة الحرب السوفيتية. أما اليوم فأن روسيا لا تأتي التفاهم مع الدول الغربية والاندماج في عصبة جنيف. ووراء هذا التطور الخطير في سياسة البلاشفة عاملان جوهريان: الأول حوادث الشرق الأقصى، والثاني موقف الدول الغربية من روسيا السوفيتية، فأما من الشرق الأقصى حيث تسيطر روسيا على أراض ومصالح عظيمة، فقد نشط الاستعمار الياباني في الأيام الأخيرة نشاطاً عظيماً وأنتزع إقليم منشوريا من الصين، ولم تحفل اليابان باحتجاج الدول الغربية أو تدخل عصبة الأمم، وآثرت أن تنسحب من العصبة لكي تكون مطلقة اليدين في تنفيذ برنامجها الاستعماري، ولم تحجم عن أن تصرح بأنها تعتبر الصين ميدان نشاطها وتوسعها دون غيرها من دول الغرب، وإنها ستقاوم كل محاولة جديدة تقوم بها الدول الغربية لتوسيع نفوذها أو مصالحها في الصين، ولما كانت روسيا تجاوز اليابان في الشرق الأقصى في أكثر من منطقة، فأن هذه السياسة اليابانية الجديدة التي تؤازرها عسكرية قوية تهدد أملاكها ومصالحها أعظم تهديد، وروسيا تريد من أجل ذلك أن تصفي خصومتها مع الدول الغربية لكي تستطيع أن تتفرغ لمقاومة هذا الخطر. وأما عن موقف الدول الغربية إزاء روسيا السوفيتية، فأن هذه الدول قد نبذت خصومتها المطلقة القديمة لروسيا بعد ما اقتنعت بأنه يستحيل عليها أن تسحق الثورة البلشفية، وبعد ما تطورت البلشفية ذاتها وتركت كثيراً من تطرفها القديم وآثرت جانب الاعتدال، أصبحت روسيا تميل إلى العودة إلى حظيرة أوربا القديمة والتفاهم مع الدول الغربية و! عطاء بعض الضمانات السياسية والاقتصادية، وقد كانت السياسة الفرنسية روح هذه التطور كما بينا لأن فرنسا أشد الدول اهتماماً باكتساب تلك القوة العظيمة في شرق أوروبا، لتعود كما كانت قبل الحرب مصدراً للخطر على ألمانيا يزعجها ويشغلها.

стр. 5380

وقد نجحت السياسة الفرنسية في إقناع إنكلترا وإيطاليا بتعضيد التحاق روسيا بالعصبة، وهذه الدول هي التي تسيطر على مجلس العصبة (بعد انسحاب اليابان وألمانيا) وجرت مفاوضات تمهيدية بين فرنسا ومعظم الدول المنضمة إلى العصبة لتوافق على قبول روسيا، واستطاعت أن تحقق الأصوات اللازمة لذلك، ويشترط لقبول الدولة المرشحة أن يؤيد قبولها ثلثا أصوات الجمعية العمومية وإليك ما ورد في ميثاق العصبة بخصوص ذلك. (كل دولة، أو ملك مستقل (دومنيون) أو مستعمرة تحكم نفسها حرة لم يرد أسمها في الملحق (ملحق الدول المنضمة) تستطيع أن تغدو عضواً في العصبة إذا وافق على دخولها ثلثا الجمعية العمومية بشرط أن تقدم الضمانات اللازمة على إخلاص مقاصدها وعلى مراعاة تعهداتها الدولية، وأن تقبل القواعد التي تقررها العصبة بخصوص القوات والتسليحات العسكرية والبحرية والجوية) (المادة الأولى الفقرة الثانية). (تتآلف الجمعية العمومية من ممثل أعضاء العصبة، وتجتمع في أوقات معينة أو في وقت آخر إذا اقتضت الظروف ذلك في مركز العصبة أو في محل آخر يختار لذلك، وتختص الجمعية بالنظر في كل مسألة تدخل في دائرة نشاط العصبة أو تتعلق بسلام العالم، ولا يجوز لأي عضو في العصبة أن يختار لتمثيله في الجمعية أكثر من ثلاثة مندوبين ولا يحق له اكثر من صوت) (المادة الرابعة) وأما عن مجلس العصبة فقد ورد الميثاق ما يأتي: (يتكون المجلس من ممثلي الدول الكبرى المتحالفة والمشتركة، وكذلك من ممثلي أربعة أخر من أعضاء العصبة. وهؤلاء الأربعة تختارهم الجمعية حسب رغبتها وفي الوقت الذي تختاره لذلك. . . ويستطيع المجلس بموافقة أغلبية الجمعية أن يعين أعضاء آخرين من أعضاء العصبة يكون لهم كرسي دائم في المجلس، ويستطيع بنفس الطريقة أن يزيد في عدد أعضاء العصبة الذين تختارهم الجمعية للمثول في المجلس) (المادة الرابعة فقرة أولى وثانية) أوردنا هذه النصوص لنبين الإجراءات اللازمة لالتحاق دولة ما بالعصبة، ثم لنبين أهمية الكرسي الدائم في المجلس، ذلك أن روسيا مرشحة للفوز بكرسي دائم في المجلس إلى جانب باقي الدول العظمى، وقد تمت الإجراءات الخاصة بترشيح روسيا في الجمعية العمومية، وحصلت روسيا على أكثر من ثلثي أصوات الجمعية، ولم يعارض في قبولها

стр. 5381

سوى ثلاث دول أو أربع هي سويسرا وهولندا والأرجنتين وبلجيكا، وعقب ذلك دعوة العصبة لروسيا للانضمام إليها وقبول روسيا لهذه الدعوة، وبذا تمت الإجراءات وغدت روسيا عضواً في عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى في الهيئة التي شد ما خاصمتها وحملت عليها، ومما يلفت النظر أن هذه الإجراءات تجري وروسيا بعيدة عنها لا تحرك ساكناً ولا تصرح بشيء ولا تعلق صحفها بكلمة، ولتفينوف المشرف على الشئون الخارجية الروسية يقيم في أحد مصايف فرنسا الجنوبية. ذلك أن هذه الحركة كلها من صنع فرنسا وهي التي تحمل كل أعبائها وتسهر على تنفيذها، وقد جرت جميع المفاوضات بشأنها وراء الستار مما أدى إلى احتجاج بعض أعضاء العصبة، فقد حمل مستر دي فاليرا ممثل أيرلندة على هذه السرية، ونوه بما فيها من الشذوذ. ولكن كل شيء يسير مع ذلك وفقاً للبرنامج المرسوم. ومن المعروف أن دخول تركيا في العصبة إنما هو نتيجة لدخول روسيا فيها. وقد كانت تركيا تحذو حذو حليفتها الكبيرة في موقفها إزاء العصبة وتنظر إليها بنفس نظرتها، وهي الآن تسير وراءها في سياستها الجديدة. ولهذا التطور الذي انتهى بإقبال روسيا على عصبة الأمم واندماجها في زمرة الدول الغربية مغزى عظيم فيما يتعلق بمصاير روسيا البلشفية ذاتها، فقد كان شعار موسكو منذ ظفر البلشفية في سنة ١٩١٧، خصومة العالم (الرأسمالي) كله، والعمل على إضرام نار الثورة العالمية في سائر جنباته، ولم يقبل البلاشفة في ذلك أي مناقشة أو هوادة، وكانت الشيوعية تتقدم في غزو الدول الصناعية تقدماً حثيثاً، وتؤازرها موسكو بكل ما وسعت. ولكن البلشفية لم تستطع أن تعيش طويلاً بمثلها وغايتها المتطرفة ولم تلبث أن تأثرت بقطيعة العالم ومقاومته، اضطرت أخيراً أن تسلك مسلك الاعتدال سواء في سياستها الداخلية أو الخارجية. ورأى سادة موسكو أن موارد روسيا البلشفية وقواها المادية والمعنوية تتحطم تباعاً أمام ضربات الدول الغربية، وأن روسيا لا تستطيع الحياة إلى الأبد في ظل نظام يؤلب عليها العالم كله، ويحرمها من كل عطف وتعاون، فجنحوا إلى تغيير السياسة القديمة ومدوا يدهم إلى الدول الغربية، ولم تهمل الدول الغربية الانتفاع بهذه الفرصة فمدت يدها إلى روسيا وجذبتها إلى حضيرتها، فالآن نستطيع أن نقول أن البلشفية قد دخلت في دور

стр. 5382

انحلالها، وأنها تنزل شيئاً فشيئاً عن مثلها وغاياتها الثورية المتطرفة، وأن روسيا تعود شيئاً فشيئاً إلى حظيرة الماضي، في ظل نوع من اشتراكية الدولة لا يلبث أن يستقر أو يختفي مع الزمن. وترى الدولة الغربية أن دخول روسيا في العصبة بقوتها كهيئة دولية ويزيد في هيبتها ونفوذها في سير السياسة الأوربية خصوصاً بعد أن غادرتها اليابان ثم ألمانيا. وقد يكون ذلك صحيحاً من الوجهة المحلية، لأن العصبة تتخلص بذلك من خصم قوي كان يشتد في مناوأتها، وتكسب نفوذاً جديداً في مسائل أوروبا الشرقية. ولكن العصبة لا تكسب كثيراً من الوجهة العامة، ذلك لأنها قد خسرت كثيراً من هيبتها ونفوذها خلال الأعوام الأخيرة، ونستطيع أن نقول إنها فقدت نهائياً ثقة العالم كعامل في توطيد السلم العالمي، وأداة من أدوات التفاهم الدولي والعدالة الدولية، وقد اختفت مثل العصبة القديمة بعد تخبط وفشل استمرا منذ قيامها، وبعد أن قدمت الأدلة العملية العديدة على أنها لا تستطيع العمل إلا في الدائرة التي ترسمها الدول المستعمرة المسيطرة على مجلسها وعلى إرادتها. على أنه تترتب على هذا التطور نتيجة هامة هي توطيد دعائم التوازن الأوربي وإقصاء شبح الحرب من أوروبا إلى حين. ذلك أن وقوف روسيا إلى جانب فرنسا ودول الاتفاق الصغير على نحو ما بينا القوى الجبهة الشرقية المعادية لألمانيا، ويحمل ألمانيا على التأمل والتريث، ويزيد من جهة أخرى في طمأنينة فرنسا، وفرنسا وألمانيا هما طرفا الخصومة الأوربية، وعلى موقفها وعلائقهما يتوقف السلام والحرب إلى حد كبير. وهذا التحالف بين فرنسا وروسيا يعود بنا إلى ما قبل الحرب، وهو نتيجة طبيعية للسياسة التقليدية التي سارت عليها روسيا وفرنسا منذ الحرب الفرنسية الألمانية في سنة ١٨٧٠، وأثناء الحرب الكبرى. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5383

هذه المعركة المزمنة بين أدبين! للأستاذ كرم ملحم كرم إنها لمعركة مزمنة حقاً هذه المعركة بين الجديد والقديم. فهي معركة حامية لا تنطفئ لها نار ولا يخبو منها أوار. فالشباب والمشيب يتطاحنان. المتربع في القمة يصارع الواقف في ساحل الحياة، الضاحك للمستقبل، المتقلب في أحضان الربيع، الناعم باخضرار العيش، يقاتل من يحاذر الوقوع في اللجة. الهاتف بملء فيه (الغد لي) يغالب التمسك بأذيال الحياة لئلا يبتلعه الموت! ومعركة القديم والجديد بدأت منذ الأزل وسوف تتصل بالأبد. فأن هذا التطاحن بين الأمس وأبن اليوم حديث كل يوم. هذا التطاحن بين أبن الأمس الخائف على مكانته من التهشيم والتحطيم، وأبن اليوم الراغب في أن يشق لنفسه طريقاً إلى الشمس، القائل للقديم المزمن: (دعني أحتل مقعدك!.)، هذا التنافر أبن عصور ودهور، انبثق يوم انبثاق الكون، وسيرافق الكون في مراحله الطوال لا يزول منه إلا يوم يزول فالشباب يغيظه أن يطأطيء الرأس للمشيب، أن يعترف له أبداً بالسيادة، أن يقف حياله مكتوف اليدين، فيصبح به: (نلت نصيبك من دنياك فلا تحرمني نصيبي!. . .) فيأبى من أدركهم المشيب أن يتزحزحوا من أماكن استقروا فيها بعد جهد ومشقة. ويغضب الشباب وفي أعصابه جمر ونار فيثور وتنشب المعركة. ولا يسلم الفريقان من شظايا القدح والنقد والتعريض. الشيخ العتيق يسخر بثمار عقول الشباب. والرائع في مقتبل العمر يهز بيده المهند الصقيل مهدداً متواعداً، وتتساقط الضحايا في الميادين. ويقول القائلون: (المعركة بين القديم والجديد!. . .) ويخيل إلى بعضهم أن الأدب القديم هو ما جاد به الطاعنون في السن. وأن الأدب الجديد هو ما يتحفهم به كل ناضر العود. على حين أن بين ذوي الأنياب الصفر فئة لا يبلى لها طارف ولا تليد. فالجديد ما تنفث وتكتب وتنظم، كما أن بين الفتيان الأفراخ الزغب الحواصل، فريقاًلا يحسن الابتكار ولا التوليد، فانه لغارق في القديم إلى الأذنين، ويأبى أن يحارب كل من أسن وشاب وشاخ، وبات على قيد خطوة من يومه الأخير! وهذه المعركة لا يصح القول عنها أنها بين أدب قديم وأدب جديد. إن هي إلا بين المشيب والشباب، بين قوم تمتعوا بأطايب جهرهم وأدركوا الشهرة الواسعة والصيت البعيد، وقوم

стр. 5384

يريدون قسمتهم من قرص الحلوى. فهم نهمون شرهون جائعون، يلتمسون الأكلة الشهية يتذوقها، مع، انهم في الخطوات الأولى من عهد الفطام. ومثل هذا النظام ما خلا منه عهد. أما سمعنا جريراً يقول حين سئل في الأخطل: أدركته وله ناب واحد، ولو أدركته وله نابان لأكلني! فالأخطل أكبر من جرير سناً. وقد تحكك به جرير ليدرك المنزلة العليا فأدركها، وهناك من شاء الإقتداء بجرير في التحكك بالطاعنتين في السن. نريد بشار بن برد الشاعر الفحل الضرير. فقد راش بسهامه جريراً. على أن جريراً لم يرد عليه. وكان يقول حين يبلغه طعن بشار: مالنا ولهذا الغلام الخامل الغر نرفع قدره! فقيل لبشار: بم أساء إليك جرير؟ قال: لم تنلني منه إساءة. على أني وددت أن يهجوني. ولو فعل لكنت لأشعر شعراء العرب أجمعين! وغاظ المعري أن يسمع: (هل غادر الشعراء من متردم؟.) فانشد قصيدة من عالي الشعر جاء فيها: وإني وإن كنت الأخير زِمانه … لآت بما لم تستطعه الأوائلُ فالتطاحن بين القديم والجديد ليس ابن يومه. فكل يريد المقام الأول. والشجيرة يؤلمها أن تخيم عليها الشجرة فتسعى إلى امتصاصها كي تذبل وتجف. هي سنة تنازع البقاء. الشاب يدفع الشيخ إلى الهوة ليقوم مقامه، والقوي ينشب أظفاره في الضعيف لتخلو له الساحة. وقد يكون هذا الشيخ من أنصار التجديد. ولكن الشاب لم يطق ظلمه، فحفر له الحفرة ووقف يشهد مصرعه فيها. إذاً من هم أنصار الأدب القديم؟ من هم المتمسكون به والداعون إليه؟ لا جدال في أن الأدب القديم ركن الأدب الجديد. فالأدب الجديد لم ينشأ عفواً، بل تسلق قواعد القديم وشيد عليها قواعده الخاصة يستند إليها ويحيا بها. فالأدب القديم أبوه، على أن الابن وأن يكن تغذى من أبيه فقد أظهر فيما شيد لنفسه من بنيان انه مستقل. فأن حجارة هيكله تختلف في حجمها ولونها وشكلها عن حجارة هيكل المتقدمين. بل هو خالفهم في البناء نفسه. فجعلوا هيكلهم مستطيلاً. فأبى إلا إن يشيد هيكله مستديراً، وبنوه عالي القباب

стр. 5385

فرفعه ناتئاً يشك في الأجواء. بدا هيكله في منظر خشن فتلألأ هيكله لطيف الشكل، مصقول الجدران ترتاح العين لرؤيته وينعم فيه النظر بلا ملال. والأدب الجديد ليس وليد عصر معروف، فكل عصر يحفل بالقديم والجديد، كل عصر يبرز فيه هيكلان يختلفان شكلا ولونا وذوقا. كل عصر يدين بهذين المذهبين ويقوم فيه من يناصر القديم ويظاهر الجديد. وليس نصير القديم من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، فأن بعضهم يقف على الأطلال ويجود بالشائق الرضي. أما انشد داود عمون: هاج أشواقي إلى الدمن … طائرٌ غنى على فنن وداود عمون شاعر ثوى منذ سنوات قلائل في مقره الأخير وقد جاء شعره في الدمن من أرق الشعر، فلا هو بالخشن المبتذل ولا الجاف الغليظ، فالعذوبة وافرة فيه، والقوة محكمة في دباجته العالية. وليس كل من تحدث عن الإبل والنوق بنصير القديم. فالمنخل اليشكري لم يكن من أنصار القديم حين قال: وأحبها وتحبني … ويحب ناقتها بعيري لا، فأن في هذا الشعر لظرفا، وان فيه لإمعاناً في التوكيد على نحو ما جاء في قول أبي نؤاس: إلا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر … ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر إن فيه لرونقاً، فهو بعيد عن التكلف في سبكه ومعناه. وكل شعر جامع للرونق خال من التكلف والغلو الفحاش يطمئن إليه كل جيل، ويرضى عنه الأدب الجديد. فما هو الأدب القديم إذاً؟. . . الأدب القديم هو الحافل بغريب الكلام ووحشي الألفاظ، المثقل بالتقليد، الراكد في معناه ومبناه، فلا ابتكار ولا روعة ولا سهولة ولا ذوق، هو المنسوج على منوال خشن، الضخم الكلمات، الطنان الأجوف القائم على صناعة الألفاظ، المحشو تكلفاً وتعقيداً، البارد لفرط ما لاكته الألسن ومضغته الأفواه. الأدب القديم هو الأدب المطبوع بطابع عصر معلوم، جاءه من يبعثه حياً في عصر لم يخلق له، فإذاً نحن رأينا في شعر أمريء القيس شيئاً جديداً فهناك ما لا يصح قولاً في عصر غير عصر الشاعر الضليل، فقد قيل في زمن يجب إلا يتخطاه إلى زمن آخر، وقد تبدلت العادات وتبدل الناس، والجديد الجديد في شعر امرئ القيس تشابيهه واستعاراته. وهذه التشابيه والاستعارات ملك الشاعر لا

стр. 5386

يجوز لأحد أن يسطو عليها وإلا كان سارقاً. كان أشبه بالضاحك من نفسه ليخدعها وإنما يهين نفسه. فالابتكار في الأدب والاختراع في سائر الفنون. فمن أبتكر في أسلوب الإنشاء مذهباً جديداً بات هذا الأسلوب معروفاً باسمه، ومن جادت قريحته بتشبيه جديد لا يجوز لأي أديب بعده أن يأخذ عنه هذا التشبيه ويتبناه وهو ليس من تواليده، وإلا كان سالخاً ضعيف المخيلة، قاصر اليد. والأديب العربي لا يكون اليوم مبدعاً إذا أتحف الأدب بروايات أشبه بمقامات الهمذاني والحريري، فأن ذلك النسيج من ثمار عصر مضى، وهو مما تستحسن حياكته في أيام الانحطاط لإنهاض اللغة وإذاعة مفرداتها، فتلتقطها الأذهان وتستعين بها الأقلام، أما اليوم فأن أسلوب المقامات لا يحتسيه أبناء العصر ولا يستسيغونه، فقد تبدل أسلوب الإنشاء تبدلاً عظيماً، فمات السجع، ومات التقعر والتحذلق والانصراف إلى الألفاظ دون المعاني، وأضحى الأسلوب الساري كل واضح جلى قريب إلى الذهن والفهم. ولا فرق في هذا الواضح الجلي سواء أنتقل إلينا من الجاهلية أو صدر الإسلام، أو الأعصر العباسية، أو عصر الإنحطاط، أو عصر الانبعاث فأن أتشاء أبن المقفع لا يبلى في أي عهد، ومثله الجاحظ، وأبن الأثير، والأصبهاني، وأبن عبد ربه، وأبن خلدون، مع أن إنشاء أبن خلدون أخذ يتقادم عهده وفيه من التطويل ما فيه. واللغات كلها طافحة بأساليب الإنشاء. وأنها لتحوي من الأساليب الممتعة ما لا تقوى على محوه يد الدهر، ولا تؤثر فيه سنة بقاء الأنسب، فهي صامدة للصروف لا ترث منها القوى ولا ينصل لونها وهي صافية نقية كزرقة السماء. وهذه الأساليب يصح أن نطلق عليها أسم الأدب الجديد، وهي الخالدة، وهي مرجع الطلاب والأدباء، كساها منشئوها المعنى الجميل في المبنى السليم، فأضحت لا تنبو عنها الأذن ولا ينكرها أي جيل، وهو بها قرير ضنين. وما يقال في النثر يقال في الشعر. فالشعر الناضج بالعصير الشهي لا يفنى، على حين أن الشعر اليابس لا تقوم له قائمة في سوى يومه ولو أنشد المتنبي، فأن شعر عمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة، وكثير عزة، وأبن الدمينة، وعباس أبن الأحنف، وأبن زريق، وأبي نؤاس، والشريف الرضي، والبهاء زهير، وأبن المعتز، وأبي الفراس، وشعراء الأندلس في معظمهم، مما أن يصح أن يقال اليوم وينشد، وتقتبس طريقته، ويهتدي بنوره، اللهم إذا تغاضينا عن بعض مناحي هذا الشعر اقتضاه روح العصر، وكثيراً ما يكون هذا الروح

стр. 5387

نائيا عن حضارة العصر الذي يلي. فأن هؤلاء الشعراء جمع منظومهم الرقة والروعة والوضوح، وكل شعر يرتع في هذه الميزات لا يعرف الأنقاض، خصوصا وهو مستمد من العاطفة، والعاطفة لا تموت، فالقلوب تخفق أبدا بها. وكل شعر أوحت به العاطفة وعته الذاكرة، وردده اللسان، وأبتهج به الخاطر، وتناقلته الكتب والأفواه من عهد إلى عهد، وهو الشعر الذي يفرض مشيئته على الأيام والسنين. وللشعراء الهجائين منزلة وشأن لدى الحفاظ والرواة. ويمكن القول أن شعرهم يقوم على العاطفة، أفلا تتبدل هذه العاطفة بما يتبدل به القلب؟. . ألا تخضع لسلطان الهوى؟. . . وشعر الهجاء يثيره الهوى. إذا فهو شعر عاطفي. ولهذا الشعر حظه من البقاء والخلود أن يكن جميلا وفريدا، على طراز ما أتحفنا به الحطيئة والأخطل والفرزدق وجرير وبشار ودعبل وأبن الرومي والمتنبي. فأن شعر الهجاء أقرب إلى الحفظ وأبقى أثرا. فالنفس وهي الأمارة بالسوء تميل إلى الهجاء وترتاح له أكثر منها إلى إحراق البخور وتقبيل الأذيال. ولسنا ندعو بالخلود لكل شعر عاطفي، ولكننا نقول أن شعر العاطفة يملك ميزة الخلود أكثر من أي شعر آخر، ويأتي بعده شعر الوصف، على أن يكون بليغا رشيقا غير مسبوق إليه. ويقبل في الدرجة الثالثة شعر الحكمة إذا أفرط فيه قائله تبرأ منه الشعر. ولا يكتب الخلود لشعر الحكمة إلا إذا قاله من أرغم الدهر على الإصغاء إلى إنشاده وأسمعت كلماته من به صمم، ومع أن المتنبي يسير في طليعة من صاغ هذا الشعر فلا يستطاع الجزم بأن حكمياته تستساغ في كل عصر، فهي من بنات عصرها. وقد ظهر خاتم ذلك العصر فيها. ومن المحال أن يحاول تقليدها أي عصر جديد. وكل من استهواه تقليدها فهو من طبقة المحافظين. لا نكير في أن في هذا الشعر قوة ومناعة وحسن صياغة. ولكن صب الحكمة في الشعر ليس مما يشمله الأدب الجديد. فالأدب الجديد في الشعر عاطفة ووصف. وما جاوز العاطفة والوصف بليد. ويجوز أن تطفو الحكمة في بعض المواقف. الا أن الإغراق فيها يذهب برونق الشعر. ويرصف هذا الشعر فوق أكداس القديم. ومن الواجب على الأدباء والمتأدبين الإكثار من مطالعة أبي تمام والمتنبي وأبي العلاء.

стр. 5388

ففي مطالعة هؤلاء الأئمة ما يساعد على اقتباس العصمة والقوة والفخامة. الا أن التشبه بهم يدل على العقم والعجز عن التوليد، يدل على الانغماس في التقليد، على الغرق في بحيرة ملأى منذ ألف عام. فمن خاض عبابها، أن يبلغ شاطئها الآخر وإذا بلغ هذا الشاطئ فأي فضل هو فضله وقد كان تابعا لا متبوعا، وقد وقف حيث وقف سواه؟. . ولماذا الإقتداء بأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء في شعرهم الضخم الجانح إلى القديم أكثر منه إلى الجديد، وهناك عمر بن أبي ربيعه في قالبه الصحيح العذب الرسيل؟. . . فإن ابن أبي ربيعه أبن كل عصر، على حين أن المتنبي أبن عصر أو عصرين أو ثلاثة. فأن شعر زعيم الغزليين يقال وينشد ويردد اليوم وغدا وبعد غد، ويدغم فيما يقال اليوم وغدا وبعد غد كأنه منه وفيه. فلا يجفوه عصر ولا يعرض عنه أي عهد. بينما المتنبي لا يرحب بأسلوبه كل جيل، وأن يكن ثمة من اعترف به سيد الشعراء. وكيف تسمع عمر بن أبي ربيعة ينشدك أبياته: تقول وليدتي لما رأتني … طربت وكنت قد أقصرت حينا أراك اليوم قد أحدثت أمراً … هاج لك الهوى داء دفينا وكنت زعمت أنك ذو عزاءٍ … إذا ما شئت فارقت القرينا بعينك هل رأيت لها رسولاً … فساقك أم لقيت لها خدينا فقلت شكا إلى أخ محب … كبعض زماننا إذا تعلمينا فقص على ما يلقى بهند … يذكر بعض ما كنا نسينا وذو القلب المحب وإن تعزى … مشوق حين يلقى العاشقينا كيف تسمع هذا الشعر ولا تحسبه من مواليد اليوم، بل من مواليد كل يوم، وهو الوضاء الصافي، الأنيق الرقيق؟. . وهذا أبن الدمينة هلا أضعنا إليه في قوله: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد … فقد زادني مسراك وجداً على وجد أَإن هتفت ورقاء في رونق الضحى … على فنن غض النبات من الرند بكيت كما يبكي الحزين صبابة … وذبت من الشوق المبرَح والصد هلا أصغينا إلى هذا الشعر البهيالقشيب وهو يحدثنا بلغة اليوم وروح اليوم؟. . . .

стр. 5389

قيل كان العباس بن الأحنف إذا سمع هذا الشعر تترنح منه الأعطاف، وكاد لفرط إعجابه به ينصح برأسه العمود. فقد تعتقه أبن الدمينة بلا خمر. وأبو فراس أي عصر لا يفتح له صدره وقصائده من بنات كل عصر: أراك عصي الدمع شيمتك الصبر … أما للهوى نهي عليك ولا أمر وماذا تقول في شعر المنازي يوم فزع إلى الوادي الظليل هرباً من الحر. نزلنا دوحة فحنا علينا … حنوَ المرضعات على الفطيم تروع حصاة حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظم ألا يسير هذا الشعر في ركاب كل عصر؟. والبهاء زهير؟. . . أتنسى البهاء زهيراً؟. . . أنا من تسمع عنه وبَرى … لا تكذب في غرامي خبرا وماذا نطلب في الشعر إلا أن ينهج هذا النهج، إلا أن يصدر عن هذا المورد؟. ماذا نبغي منه إلا أن يبقى أبداً شهي المذاق، إذا رددناه في كل ثانية أطربنا ورجونا أن نستزاد منه، فلا يتنكر له زمن من الأزمان، ولا تشد دونه الأسماع كلما قام للأدب العربي كيان. فالأدب الجديد إذا هو المبتكر، الفريد، السائغ، الرائع الديباجة، الواضح الجلي، الذي يرضى عنه كل عصر، ويهضمه كل جيل، فلا يؤلم السميع بغريب الألفاظ، ولا بالنافر من المعني، ولا بالتكلف والتعقيد. والأدب القديم هو المثقل بالتقليد، المطبوع بطابع عصر خاص لا يعدوه، المنغمس في السجن في نثره، والمتوكئ على الألفاظ والتفلسف في شعره، العويص، الخشن، الوحشي الكلمات والمعاني، هو ما يحتاج إلى القاموس كلما خطر لك أن تجيل الأنظار ومثل هذا الأدب شؤم على اللغة والبيان، إلا أن المحافظين يستمرئونه، بينما أنصار التجديد يشنون عليه الغارة، وينادون إلى استئصاله وهو أدب راكد، والأدب الراكد لا يعيش! وقد طال التطاحن بين الأدبين، وسيطول كلما بقى في الأدب قديم وجديد. وعندنا أن الأدب الجدير بالحياة ما استوفى شروط البيان، وحفل بالمبتكر، وهز النفس، وأرغمك على قراءته والإصغاء إليه، هو ما أطربك كلما رويته ووقفت على بدائعه وآياته. هو ما رمى إلى أبعد مما يرمي إليه مقال في صحيفة سيارة بنشر اليوم ليطوي غداً. . .! بيروت

стр. 5390

كرم ملحم كرم صاحب جريدة (العاصفة)

стр. 5391

الشريف الإدريسي يضع اقدم خريطة جغرافية للدنيا القديمة للأستاذ محمد عبد الله ماضي عضو بعثة تخليد ذكرى الإمام محمد عبده بألمانيا ١ - تمهيد: إنني إذا تحدثت عن الخريطة الإدريسية فإنما أتحدث عن مجهود علمي خالد من مجهودات أحد أسلافنا الأمجاد، عن مبرة من مبرات رجل من رجالاتنا في التاريخ، ويدمن الأيادي البيضاء التي أسداها أحد علماء الإسلام وأبناء العرب إلى العلم والعالم يوم كانوا قادة المعرفة وحملة لوائها على وجه البسيطة، ويوم كان الشرق يملي كلمته على الغرب ويقوده إلى مسالك الحياة الحق على ضوء العلم، وفي سبيل الهدى والمعرفة. أتحدث عن اقدم خريطة عالمية جغرافية صادقة عرفها التاريخ ووصلت إلى أيدينا، وأقرب صورة عرفت في تلك العصور السالفة مطابقة لما وصل إليه العلم الحديث ولما نعلمه الآن علم اليقين، تلك هي (خريطة الشريف الإدريسي) التي أظهر في وضعها براعة علمية فائقة، وخلد لنفسه بها ذكرا طيبا حسنا بين العلماء الأمجاد سوف لا يزال يضوع شذاه وينتشر عبيره ما دام للعلم أهل يقدرونه، وما دام هناك من يعرف للعلماء حقوقهم. ولم يكن كتابة (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) إلا شرحا لهذه الخريطة وتعليقا عليها، وهو كتاب ضخم يقع في جزئين كبيري الحجم، وإن كثيرا من علماء البحث في الشرق والغرب وفي مختلف العصور، قد بحثوا بحوثا مستفيضة في هذا الموضوع الشائق، ولقد كان آخر من عنى بذلك من علماء البحث الجديد الأستاذ (كونراد ميللر) أحد العلماء الألمان الإجلاء فانه أخرج الخريطة في ثوب قشيب، وطبعها طبعة ملونة سنة ١٩٢٨ وكتب عنها الفصول الطوال، وعقد الموازنات بينها وبين الخرائط الجغرافية القديمة والحديثة، وأشاد بمنزلتها كأساس قوي متين، ومرجع منظور إليه بعين التجلة والاحترام من مراجع هذا العلم وأسسه. ٢ - من هو الشريف الأدريسي؟

стр. 5392

الإدريسي هو الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريسينتسب إلى بيت الأدارسة الذي حكم مدينة (مالقة) في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي بعد سقوط خلافة قرطبة في بلاد الأندلس. هذا البيت يمت بصلة القرابة إلى الأسرة الأدريسية التي حكمت في مراكش ١٣٥ سنة من ٧٩١ إلى ٩٢٦ م. وهاتان الأسرتان ترجعان معا في نسبهما إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. إدريس هذا افلت من يد العباسيين بعد اشتراكه في ثورة العلويين عليهم في ولاية موسى الهادي، وفر من وجههم إلى بلاد الغرب سنة ٧٨٤ م وهناك أسس مملكة الأدارسة التي ورثها أبناؤه من بعده. بعد أن بسط يده على تلك الجهة التي نزل بها، بعضها بموالاة سكانها له، والبعض الآخر بواسطة الحرب وبعد تحكيم السيف، وما زال الأدارسة هناك يدبرون ويحكمون حتى غلبهم الفاطميون على أمرهم وانتزعوا الملك من يدهم. صاحبنا الإدريسي ولد سنة ١١٠ ببلاد المغرب في (تطوان) على إحدى الروايات أو في (سبتة) كما في الروايات الأخرى حيث هاجر والده وبعض أقاربه في نهاية القرن الحادي عشر، وأين أتم الإدريسي دراسته وتلقى دروسه؟ لم يذكر المؤرخون ذلك. ولكن الأمر كما قال الأستاذ (ميللر) ليس بعير، فان القارئ لوصفه الدقيق الوافي لمدينة (قرطبة) يستطيع أن يستنبط من ذلك أنها كانت مقر دراسته وموطن تخرجه نشأ هذا الرجل وقد حببت إليه الأسفار من صغره، فبدأ أسفاره وهو في السادسة عشرة، وسافر إلى البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتغلغل في شمال إفريقية، ودرس خصائص أهل هذه البلاد وعوائدهم. فوق هذا سافر إلى سواحل فرنسا في المحيط الأطلانطي، وإلى سواحل إنكلترا كما حدث في بعض كتاباته، وفي نهاية الأمر دعاه رجار (روجر الثاني النورماني) ملك صقلية إلى الرحلة إليه والنزول عنده في (بالرم) على الرحب والسعة والإقامة ببابه كأحد أفراد الحاشية معززا موفور الكرامة. رجاه ذلك الملك الجليل في هذا بعد أن وصل إلى مسامعه من هو الإدريسي، وبعد أن علم منزلة الأمير العلمية. قبل الإدريسي هذه الدعوة الكريمة وشد رحاله نحو صقلية ليأخذ منزلته في البلاط الملكي، وليحدث هناك الدوي

стр. 5393

الهائل في الأفق العلمي الذي مازلنا إلى الآن نسمع صداه، شجعه على القول هذه الدعوة رغبته في الفرار من وجه أعدائه وأعداء أسرته في البلاد العربية الذين بالغوا في اضطهاده وطلبه، وسعوا جهدهم في النكاية به. رحل الأمير إلى صقلية وأقام بها مدة حياته حتى قبض إلى رحمة ربه سنة ١١٦٦ م. وهكذا كان حظه حظ جده الأول إدريس. كلاهما أستخلص لنفسه الحياة من مخالب الموت، وفر من حظيرة الاضطهاد الضيقة الأنحاء إلى بحبوحة الملك الواسعة الأرجاء. كلاهما شاد بجده وعزمه دولة أدريسية، غير أن دولة جده انقضت وأخنى عليها الدهر، ودولته هو خالدة لا تنقضي. والأمر ليس بغريب. فهذا شأن دولة العلم نصيبها الخلود والبقاء بينما تقضى دولة الملك وتفنى. رحل هذا العالم الجديد والأمير النبيل إلى صقلية وقضى بقية أيامه هناك، قضاها في الأنتاج والعمل المثمر. لم يحدد المؤرخون الوقت الذي رحل فيه الإدريسي إلى صقلية تلبية لدعوة مليكها رجار (روجر الثاني) ولم يذكروا في أي سنة كان هذا. غير أننا نستطيع أن نأخذ برأي الأستاذ (كونراد ميللر) ونستنبط ذلك من الحوادث التاريخية المرتبطة بالموضوع، وعليه فلنا أن نفرض أن ذلك حدث قبل سنة ١١٣٨ م بقليل. فأننا نعلم في تلك السنة عقد (رجار الثاني) العزم على العمل لوضع خريطة جغرافية ووضع كتاب يشتمل على وصف أجزاء المعمورة المعروفة في ذلك الوقت. خذا الأمر الخطير الذي لعب الإدريسي فيه دور البطل. ٣ - صقلية في ذلك العهد وحالة البلاط الملكي في الدم كانت صقلية في ذلك العهد ملتقى العقول المفكرة، ومحط رحال العلماء يأتون إليها من كل فج عميق، وكانت بالرم العاصمة كعبة رجال العلم يسعون إليها من الشمال والجنوب لما عرف عن مليكها رجال الثاني النورماني من محبته للعلم وتقديره للعلماء واحترامه لهم من أي جنسية كانوا، والى أي ملة انتسبوا. فقد كان بلاطه بحق حرم العلم، من دخله من العلماء كان آمناً. هنا التقت الحضارة الإسلامية بالحضارة المسيحية، وتعرف فن الشرق المسلم إلى فن الغرب المسيحي فتآخيا وأخذا يعملان جنباً إلى جنب إخواناً متحابين لمصلحة العلم وفي سبيل خير العالم. هناك ورث النورمانيون حضارة العرب الذين حكموا الجزيرة ٢٤٢ سنة من سنة ٨٣٠ إلى ١٠٧٢ م والذين ورثوا حضارة الروم من قبل. في ذلك الوقت كانت الحروب الصليبية قائمة على قدم وساق، فكان هذا سبباً لوفود كثير من

стр. 5394

رجال دول أوربا ودول العلم المختلفة إلى بالرم. هؤلاء الرجال الذين كانوا للكثير منهم شأن في بلادهم ومعرفة بأحوالهم السياسية والاجتماعية والجغرافية. كان ذلك الوقت هو العصر الذهبي للنورمانيين في صقلية الذي عمت فيه سيادتهم جميع أنحاء الجزيرة، والذي دخلت تحت سلطانهم في خلاله قسم من إيطاليا وشمال أفريقيا. كل هذه العوامل سهلت للإدريسي القيام بمهمته الكبيرة الشأن، ومكنته من أن يجمع إلى معارفه الخاصة وملاحظاته الشخصية التي أكتسبها بأسفاره الطويلة ورحلاته المتعددة، وأن يضم إليها ما جعله يضع خريطته العالمية ويكتب كتابه (نزهة المشتاق) عنها بوجه لم يسبق اليه، حتى كانت هذه الخريطة وذلك الكتاب مرجع المؤلفين الجغرافيين من بعده. ٤ - مؤلفات الإدريسى في المدة التي قضاها في صقلية لم يقتصر عمل الإدريسي في تلك المدة التي قضاها في بلاط الروم على وضع تلك الخريطة، ولكنه ألف غير ذلك أربعة كتب (١) كتاب نزهة المشتاق أو كتاب رجار الذي سبقت الإشارة إليه، والذي أختصر فيما بعدتحت هذا الاسم عينه، ولقد أطلعت على نسخة من هذا المختصر في مكتبة المعهد الشرقي بهامبورج مطبوعة بروما في سنة ١٥٩٢ م ومكتوب على هامشها أن هذا الكتاب أول ما طبع باللغة العربية (٢) كتاب الممالك والمسالك الذي لم يصلنا منه إلا بعض مقتبسات اقتبسها أبو الفدا عند كلامه على الجغرافية العربية. كذلك حدثنا عنه الشاعر أبن بشرون الأندلسي، وحدث أن الإدريسي ألف هذا الكتاب سنة ١١٦١ لنجل رجار الثاني (فلهلم) الذي حكم من سنة ١١٥٤ إلى سنة ١١٦٦ م (٣) كتاب روض الفرج، وهو كتاب جغرافي صغير اكتشفه أحد الباحثين من نحو ثلاثين سنة بمكتبة خاصة في (إستانبول) (٤) كتاب يبحث في وسائل العلاج البسيطة. فوق هذا نقل الأستاذ (ميللر) عن المؤرخين أنه كان شاعرا وأنه لم يصلنا من شعره إلا بعض مقطوعات، ولكنني لم اعثر على شئ من هذه المقطوعات لأعرضه على قراء الرسالة. ٥ - كيف فكر روجر الثاني في وضع هذه الخريطة وكيف عهد إلى الإدريسي بذلك؟ عنى روجر الثاني عناية خاصة بالمسائل الجغرافية واخذ يشتغل بدراسة الكتب الجغرافية

стр. 5395

المختارة الموجودة في ذلك العهد، ولا سيما العربية منها، ولكنه لما لم يجد بعد البحث الطويل ما يطفئ غلته ويقضي به لبانته ويريح ضميره كباحث مجد، لما لم يجد جواباً واضحاً وحلاً موفقاً لما كان يجول بخاطرهم، المشكلات العلمية أخذ يستحضر رجال الخبرة الأجانب الذين وفدوا على مملكته من كل فج ويسألهم بواسطة المترجمين منفردين أو مجتمعين عن مواقع البلدان وحدودها، وعن كل ما يتعلق بها جغرافيا كلا بقدر ما تصل إليه معرفته، وقد كانوا كثيري العدد، فأن توافقت أجوبتهم ولم تتضارب أقوالهم اعتبر إجابتهم صحيحة وأعطاها قيمتها العلمية وقيدها وإلا ردها عليهم ولم يعتبرها، وبعد أكثر من خمس عشرة سنة قضاها بلا إنقطاع مع صاحبة الإدريسي في هذا العمل الخطير والبحث الشائق أستقر الرأي على تقييد ما وصلوا إليه ورسمه في خريطة عالمية كاملة تبين فيها مواقع البلدان والبحار والأنهار والجبال إلى غير ذلك كما وصل إليه البحث وانتهى إليه الاستقرار، فأعطيت القوس باريها، وعهد بهذه المهمة الكبيرة إلى الشريف الإدريسي الذي رسم أصل هذه الخريطة، ثمبعد هذا أراد الملك أن تحفر هذه الخريطة ثانية على لوح من الفضة، فأحضر الصناع المهرة الذين أتموا هذا العمل تحت رعاية الإدريسي ورقابته، وبعد أن جعل الملك مقدار أربعمائة ألف درهم من الفضة كما روى خليل الصفدي تحت تصرف الإدريسي لهذا الغرض اتخذ الإدريسي أقل من ثلث المقدار مائدة مستطيلة يبلغ طولها كما قدر الأستاذ (ميللر) ثلاثة أمتار ونصف متر وارتفاعها مترا ونصف متر تقريبا، ثم حفر عليها بواسطة الصناع المهرة كما قدمنا خريطة بغاية الدقة والإتقان وتمام الموافقة لتلك الخريطة التي رسمها قبل القيام بعملية الحفر، وكان الفراغ من هذا العمل الجليل الشأن في يناير سنة ١١٥٤ م. وكشرح لهذه الخريطة وتعليق عليها ألف الإدريسي كتابه نزهة المشتاق في إختراق الآفاق أو كتاب رجار الذي أشرنا أليه، وإنه لجدير بهذه التسمية بعد أن بذل هذا المليك الجليل تلك العناية الكبيرة، وقدم هذا السعي المحمود خدمة للعلم وحبا فيه، وقد كانت العناية بتآليف هذا الكتاب شبيهة بأختها في وضع الخريطة. فقد اختار رجار الثاني والإدريسي عدة من الرجال الذين بصح الاعتماد عليهم في مثل هذه العظائم وبعثوهم إلى جهات العالم المختلفة ليدرسوا احولا البلدان النائية ويدرسوا أهلها وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويدرسوا حاصلات البلاد وحيواناتها
следующие страницы →