← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

الشريف الإدريسي يضع اقدم خريطة جغرافية للدنيا القديمة للأستاذ محمد عبد الله ماضي عضو بعثة تخليد ذكرى الإمام محمد عبده بألمانيا ١ - تمهيد: إنني إذا تحدثت عن الخريطة الإدريسية فإنما أتحدث عن مجهود علمي خالد من مجهودات أحد أسلافنا الأمجاد، عن مبرة من مبرات رجل من رجالاتنا في التاريخ، ويدمن الأيادي البيضاء التي أسداها أحد علماء الإسلام وأبناء العرب إلى العلم والعالم يوم كانوا قادة المعرفة وحملة لوائها على وجه البسيطة، ويوم كان الشرق يملي كلمته على الغرب ويقوده إلى مسالك الحياة الحق على ضوء العلم، وفي سبيل الهدى والمعرفة. أتحدث عن اقدم خريطة عالمية جغرافية صادقة عرفها التاريخ ووصلت إلى أيدينا، وأقرب صورة عرفت في تلك العصور السالفة مطابقة لما وصل إليه العلم الحديث ولما نعلمه الآن علم اليقين، تلك هي (خريطة الشريف الإدريسي) التي أظهر في وضعها براعة علمية فائقة، وخلد لنفسه بها ذكرا طيبا حسنا بين العلماء الأمجاد سوف لا يزال يضوع شذاه وينتشر عبيره ما دام للعلم أهل يقدرونه، وما دام هناك من يعرف للعلماء حقوقهم. ولم يكن كتابة (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) إلا شرحا لهذه الخريطة وتعليقا عليها، وهو كتاب ضخم يقع في جزئين كبيري الحجم، وإن كثيرا من علماء البحث في الشرق والغرب وفي مختلف العصور، قد بحثوا بحوثا مستفيضة في هذا الموضوع الشائق، ولقد كان آخر من عنى بذلك من علماء البحث الجديد الأستاذ (كونراد ميللر) أحد العلماء الألمان الإجلاء فانه أخرج الخريطة في ثوب قشيب، وطبعها طبعة ملونة سنة ١٩٢٨ وكتب عنها الفصول الطوال، وعقد الموازنات بينها وبين الخرائط الجغرافية القديمة والحديثة، وأشاد بمنزلتها كأساس قوي متين، ومرجع منظور إليه بعين التجلة والاحترام من مراجع هذا العلم وأسسه. ٢ - من هو الشريف الأدريسي؟

стр. 5392

الإدريسي هو الشريف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريسينتسب إلى بيت الأدارسة الذي حكم مدينة (مالقة) في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي بعد سقوط خلافة قرطبة في بلاد الأندلس. هذا البيت يمت بصلة القرابة إلى الأسرة الأدريسية التي حكمت في مراكش ١٣٥ سنة من ٧٩١ إلى ٩٢٦ م. وهاتان الأسرتان ترجعان معا في نسبهما إلى إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. إدريس هذا افلت من يد العباسيين بعد اشتراكه في ثورة العلويين عليهم في ولاية موسى الهادي، وفر من وجههم إلى بلاد الغرب سنة ٧٨٤ م وهناك أسس مملكة الأدارسة التي ورثها أبناؤه من بعده. بعد أن بسط يده على تلك الجهة التي نزل بها، بعضها بموالاة سكانها له، والبعض الآخر بواسطة الحرب وبعد تحكيم السيف، وما زال الأدارسة هناك يدبرون ويحكمون حتى غلبهم الفاطميون على أمرهم وانتزعوا الملك من يدهم. صاحبنا الإدريسي ولد سنة ١١٠ ببلاد المغرب في (تطوان) على إحدى الروايات أو في (سبتة) كما في الروايات الأخرى حيث هاجر والده وبعض أقاربه في نهاية القرن الحادي عشر، وأين أتم الإدريسي دراسته وتلقى دروسه؟ لم يذكر المؤرخون ذلك. ولكن الأمر كما قال الأستاذ (ميللر) ليس بعير، فان القارئ لوصفه الدقيق الوافي لمدينة (قرطبة) يستطيع أن يستنبط من ذلك أنها كانت مقر دراسته وموطن تخرجه نشأ هذا الرجل وقد حببت إليه الأسفار من صغره، فبدأ أسفاره وهو في السادسة عشرة، وسافر إلى البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، وتغلغل في شمال إفريقية، ودرس خصائص أهل هذه البلاد وعوائدهم. فوق هذا سافر إلى سواحل فرنسا في المحيط الأطلانطي، وإلى سواحل إنكلترا كما حدث في بعض كتاباته، وفي نهاية الأمر دعاه رجار (روجر الثاني النورماني) ملك صقلية إلى الرحلة إليه والنزول عنده في (بالرم) على الرحب والسعة والإقامة ببابه كأحد أفراد الحاشية معززا موفور الكرامة. رجاه ذلك الملك الجليل في هذا بعد أن وصل إلى مسامعه من هو الإدريسي، وبعد أن علم منزلة الأمير العلمية. قبل الإدريسي هذه الدعوة الكريمة وشد رحاله نحو صقلية ليأخذ منزلته في البلاط الملكي، وليحدث هناك الدوي

стр. 5393

الهائل في الأفق العلمي الذي مازلنا إلى الآن نسمع صداه، شجعه على القول هذه الدعوة رغبته في الفرار من وجه أعدائه وأعداء أسرته في البلاد العربية الذين بالغوا في اضطهاده وطلبه، وسعوا جهدهم في النكاية به. رحل الأمير إلى صقلية وأقام بها مدة حياته حتى قبض إلى رحمة ربه سنة ١١٦٦ م. وهكذا كان حظه حظ جده الأول إدريس. كلاهما أستخلص لنفسه الحياة من مخالب الموت، وفر من حظيرة الاضطهاد الضيقة الأنحاء إلى بحبوحة الملك الواسعة الأرجاء. كلاهما شاد بجده وعزمه دولة أدريسية، غير أن دولة جده انقضت وأخنى عليها الدهر، ودولته هو خالدة لا تنقضي. والأمر ليس بغريب. فهذا شأن دولة العلم نصيبها الخلود والبقاء بينما تقضى دولة الملك وتفنى. رحل هذا العالم الجديد والأمير النبيل إلى صقلية وقضى بقية أيامه هناك، قضاها في الأنتاج والعمل المثمر. لم يحدد المؤرخون الوقت الذي رحل فيه الإدريسي إلى صقلية تلبية لدعوة مليكها رجار (روجر الثاني) ولم يذكروا في أي سنة كان هذا. غير أننا نستطيع أن نأخذ برأي الأستاذ (كونراد ميللر) ونستنبط ذلك من الحوادث التاريخية المرتبطة بالموضوع، وعليه فلنا أن نفرض أن ذلك حدث قبل سنة ١١٣٨ م بقليل. فأننا نعلم في تلك السنة عقد (رجار الثاني) العزم على العمل لوضع خريطة جغرافية ووضع كتاب يشتمل على وصف أجزاء المعمورة المعروفة في ذلك الوقت. خذا الأمر الخطير الذي لعب الإدريسي فيه دور البطل. ٣ - صقلية في ذلك العهد وحالة البلاط الملكي في الدم كانت صقلية في ذلك العهد ملتقى العقول المفكرة، ومحط رحال العلماء يأتون إليها من كل فج عميق، وكانت بالرم العاصمة كعبة رجال العلم يسعون إليها من الشمال والجنوب لما عرف عن مليكها رجال الثاني النورماني من محبته للعلم وتقديره للعلماء واحترامه لهم من أي جنسية كانوا، والى أي ملة انتسبوا. فقد كان بلاطه بحق حرم العلم، من دخله من العلماء كان آمناً. هنا التقت الحضارة الإسلامية بالحضارة المسيحية، وتعرف فن الشرق المسلم إلى فن الغرب المسيحي فتآخيا وأخذا يعملان جنباً إلى جنب إخواناً متحابين لمصلحة العلم وفي سبيل خير العالم. هناك ورث النورمانيون حضارة العرب الذين حكموا الجزيرة ٢٤٢ سنة من سنة ٨٣٠ إلى ١٠٧٢ م والذين ورثوا حضارة الروم من قبل. في ذلك الوقت كانت الحروب الصليبية قائمة على قدم وساق، فكان هذا سبباً لوفود كثير من

стр. 5394

رجال دول أوربا ودول العلم المختلفة إلى بالرم. هؤلاء الرجال الذين كانوا للكثير منهم شأن في بلادهم ومعرفة بأحوالهم السياسية والاجتماعية والجغرافية. كان ذلك الوقت هو العصر الذهبي للنورمانيين في صقلية الذي عمت فيه سيادتهم جميع أنحاء الجزيرة، والذي دخلت تحت سلطانهم في خلاله قسم من إيطاليا وشمال أفريقيا. كل هذه العوامل سهلت للإدريسي القيام بمهمته الكبيرة الشأن، ومكنته من أن يجمع إلى معارفه الخاصة وملاحظاته الشخصية التي أكتسبها بأسفاره الطويلة ورحلاته المتعددة، وأن يضم إليها ما جعله يضع خريطته العالمية ويكتب كتابه (نزهة المشتاق) عنها بوجه لم يسبق اليه، حتى كانت هذه الخريطة وذلك الكتاب مرجع المؤلفين الجغرافيين من بعده. ٤ - مؤلفات الإدريسى في المدة التي قضاها في صقلية لم يقتصر عمل الإدريسي في تلك المدة التي قضاها في بلاط الروم على وضع تلك الخريطة، ولكنه ألف غير ذلك أربعة كتب (١) كتاب نزهة المشتاق أو كتاب رجار الذي سبقت الإشارة إليه، والذي أختصر فيما بعدتحت هذا الاسم عينه، ولقد أطلعت على نسخة من هذا المختصر في مكتبة المعهد الشرقي بهامبورج مطبوعة بروما في سنة ١٥٩٢ م ومكتوب على هامشها أن هذا الكتاب أول ما طبع باللغة العربية (٢) كتاب الممالك والمسالك الذي لم يصلنا منه إلا بعض مقتبسات اقتبسها أبو الفدا عند كلامه على الجغرافية العربية. كذلك حدثنا عنه الشاعر أبن بشرون الأندلسي، وحدث أن الإدريسي ألف هذا الكتاب سنة ١١٦١ لنجل رجار الثاني (فلهلم) الذي حكم من سنة ١١٥٤ إلى سنة ١١٦٦ م (٣) كتاب روض الفرج، وهو كتاب جغرافي صغير اكتشفه أحد الباحثين من نحو ثلاثين سنة بمكتبة خاصة في (إستانبول) (٤) كتاب يبحث في وسائل العلاج البسيطة. فوق هذا نقل الأستاذ (ميللر) عن المؤرخين أنه كان شاعرا وأنه لم يصلنا من شعره إلا بعض مقطوعات، ولكنني لم اعثر على شئ من هذه المقطوعات لأعرضه على قراء الرسالة. ٥ - كيف فكر روجر الثاني في وضع هذه الخريطة وكيف عهد إلى الإدريسي بذلك؟ عنى روجر الثاني عناية خاصة بالمسائل الجغرافية واخذ يشتغل بدراسة الكتب الجغرافية

стр. 5395

المختارة الموجودة في ذلك العهد، ولا سيما العربية منها، ولكنه لما لم يجد بعد البحث الطويل ما يطفئ غلته ويقضي به لبانته ويريح ضميره كباحث مجد، لما لم يجد جواباً واضحاً وحلاً موفقاً لما كان يجول بخاطرهم، المشكلات العلمية أخذ يستحضر رجال الخبرة الأجانب الذين وفدوا على مملكته من كل فج ويسألهم بواسطة المترجمين منفردين أو مجتمعين عن مواقع البلدان وحدودها، وعن كل ما يتعلق بها جغرافيا كلا بقدر ما تصل إليه معرفته، وقد كانوا كثيري العدد، فأن توافقت أجوبتهم ولم تتضارب أقوالهم اعتبر إجابتهم صحيحة وأعطاها قيمتها العلمية وقيدها وإلا ردها عليهم ولم يعتبرها، وبعد أكثر من خمس عشرة سنة قضاها بلا إنقطاع مع صاحبة الإدريسي في هذا العمل الخطير والبحث الشائق أستقر الرأي على تقييد ما وصلوا إليه ورسمه في خريطة عالمية كاملة تبين فيها مواقع البلدان والبحار والأنهار والجبال إلى غير ذلك كما وصل إليه البحث وانتهى إليه الاستقرار، فأعطيت القوس باريها، وعهد بهذه المهمة الكبيرة إلى الشريف الإدريسي الذي رسم أصل هذه الخريطة، ثمبعد هذا أراد الملك أن تحفر هذه الخريطة ثانية على لوح من الفضة، فأحضر الصناع المهرة الذين أتموا هذا العمل تحت رعاية الإدريسي ورقابته، وبعد أن جعل الملك مقدار أربعمائة ألف درهم من الفضة كما روى خليل الصفدي تحت تصرف الإدريسي لهذا الغرض اتخذ الإدريسي أقل من ثلث المقدار مائدة مستطيلة يبلغ طولها كما قدر الأستاذ (ميللر) ثلاثة أمتار ونصف متر وارتفاعها مترا ونصف متر تقريبا، ثم حفر عليها بواسطة الصناع المهرة كما قدمنا خريطة بغاية الدقة والإتقان وتمام الموافقة لتلك الخريطة التي رسمها قبل القيام بعملية الحفر، وكان الفراغ من هذا العمل الجليل الشأن في يناير سنة ١١٥٤ م. وكشرح لهذه الخريطة وتعليق عليها ألف الإدريسي كتابه نزهة المشتاق في إختراق الآفاق أو كتاب رجار الذي أشرنا أليه، وإنه لجدير بهذه التسمية بعد أن بذل هذا المليك الجليل تلك العناية الكبيرة، وقدم هذا السعي المحمود خدمة للعلم وحبا فيه، وقد كانت العناية بتآليف هذا الكتاب شبيهة بأختها في وضع الخريطة. فقد اختار رجار الثاني والإدريسي عدة من الرجال الذين بصح الاعتماد عليهم في مثل هذه العظائم وبعثوهم إلى جهات العالم المختلفة ليدرسوا احولا البلدان النائية ويدرسوا أهلها وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويدرسوا حاصلات البلاد وحيواناتها

стр. 5396

وكل ما تنتجه ويعيش فيها إلى غير هذا مما له أهمية جغرافية وما يتعلق ببعض نواحي علم طبقات الشعوب وعلم الاجتماع. أمرهم بان يدرسوا هذا ثم يضعوا تقريراتهم عنه، ولقد حمل هؤلاء الرسل إذنا من الملكالنورماني رجار الثاني ليحضروا معهم كل ما يعدونه غريبا في بابه ذا أهمية جغرافية خاصة من الأمور الخارقة للعادة في باب الطبيعة، بعد أن تم ذلك وعاد أفراد تلك البعثة الاستكشافية من الجهات التي أرسلوا إليها، وقدموا تقاريرهم أجتمع لدى الإدريسي ما مكنه من وضع كتابه نزهة المشتاق. ٦ - كيف كانت صورة الأرض في نظر الإدريسي عند وضع خريطة؟ ولا بد لنا قبل أن نتكلم عن شرح الخريطة وبيان بنائها أن نشرح الصورة الأرضية التي كان يعتقدها الإدريسي عند وضع خريطته. كان الرأي الشائع إلى أواخر العصر المتوسط أن الأرض مسطحة عائمة على وجه الماء. نعم لقد شك بعض علماء اليونان في ذلك وثار عليه أفراد آخرون بعدهم، ولكنه لم يزل رأي الأغلبية حتى نهاية ذلك الوقت. أما رأي الإدريسي يشاركه فيه علماء الجغرافيا الأخصائيون من العرب فقد كان غير ذلك، أعتقد الإدريسي أن الأرض مكورة على شكل بيضة يحيط بها الماء ويتعلق بها بواسطة قوة جاذبية طبيعية، فالماء يغمر نصفها وينحسر عن النصف الآخر مع كون هذا النصف الأخير المنحسر عنه الماء آخذاً شكلاً بيضاوياً منقسماً بواسطة خط الاستواء إلى قسمين متساويين: شمالي وجنوبي، المعمور منها الشمالي فقط. أما الجنوبي فهو خراب غير معمور لشدة الحرارة ولعدم وجود الماء، ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن أبن رشد الطبيب والفيلسوف والفقيه المسلم (١١٢٦ - ١١٩٨) عارض الإدريسي في هذه النقطة، فلقد روى عنه أبن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هجرية) في مقدمته أنه ارتأى النصف الجنوبي من الكرة موافق للنصف الشمالي منها تمام الموافقة في الجو والطبيعة وأنه مأهول بالسكان مثله، وأن النقطة القريبة من خط الاستواء سواء كان شمالا أو جنوبا شديدة الحرارة، ثم تتدرج درجة الحرارة في الانخفاض بقدر بعد المنطقة عنه. ووافق ابن خلدون أبن رشد في اصل نظريته وأيدها بما ساق من الأدلة، إلا انه رأى أن النصف الجنوبي لا سكان فيه كما في

стр. 5397

الشمال، وعلل ذلك بأن معظم القسم الجنوبي الصالح لسكن مغمور بالماء. يتبع محمد عبد الله ماضي

стр. 5398

الصورة والتصور والتصوير للأستاذ الحوماني صاحب مجلة العروبة هنالك في حيز الشعر صورة وتصور وتصوير , ولكل منها نصيب من الجمال في الحياة، ومناط الجمال في كل منها إنما هو الفن إذا صح إطلاق الفن وحده على الشعر كما سترى. فالصورة إحدى ظواهر الطبيعة وهي إما حقيقة أو خيال - والتصور مرور الفكر بهذه الحقائق يتصفح صورها - والتصوير إبراز هذه الصور إلى الخارج بشكل فني، فالتصور إذن هو العلاقة بين الصورة والتصوير وأداته الفكر فقط، وأما التصوير فأداته الفكر واللسان، والصورة يتعاقب عليها فنان: فن المبدع وفن المصور، ويقال للمصور مبدع إذا كانت الصورة من خلقه، وهو يتصفح الحقائق فينتزع منها صورة مركبة نسميها خيالا. فالخيال لا يخلو من رمز يشير لك إلى المبدع الأول مهما افتن الشاعر في صرفك عن لحظة. فالمرأة ظاهرة من ظواهر الفن الطبيعي، وتصويرها إحدى ظواهر الفن الصناعي. فجمال النفس فيها إنما هو جزء من روح مبدعها الأول، وجمال الشعر في تصويرها إنما هو من روح مبدعها الأخير. والتصور الذي هو لحاظ الفكر صور الحقائق يختلف شدة وضعفا باختلاف الفكر الذي هو أداته، فتصور الشاعر جمال الفن في إحدى ظواهر الحياة إنما هو الإحاطة بدقائقها واكتناه السر الذي كانت له، والصورة الفنية إنما تتكون من جليل تحف به دقائق يمتاز بالوصول إليها شاعر الفن من غيره، ومناط الجمال في تصوير الشاعر وقوفه على دقائق لا يتبينها في الصورة الفنية سواه، ففي كل صورة فنية طبيعية كانت أم صناعية من معجزات الفن ما هو ظاهر وما هو خفي. فالشاعر يمتاز من غيره بتصور هذا الخفي ثم لا يكون فنانا حتى يصوره. فالرسام إنما يصور لك المرأة الجميلة حتى كأنك ترى شخصها، والشاعر إنما يصفها لك حتى كأنك تلمس روحها، إنما يصور ذلك ويصف هذا، وكلاهما شاغر فنان، بفضل ما يدركان من خفي ما أبدعه الفن في الصورة الجميلة فيصورانها. من ذلك نصل إلى أن الشاعر لا يفهمه كالشاعر وناقد الفن يجب أن يكون فنانا، ولا تنس أن الشاعر إنما يفهم الشاعر الذي هو دونه أو مساو له، وأما من حلق عليه فلا ينبغي له أن

стр. 5399

يمد بصره إلى أفقه وهو يحاول نقده حتى يكونه، على أن الشاعر لا يجب في النقد أن يكون فنانا، فرب شاعر غير فنان يستطيع بما أوتيه من فكر أوتى دقة التصوير أن ينقد الشاعر الفنان. فالدكتور طه حسين يستطيع أن ينقد أمير الشعراء لا من حيث كونه شاعرا فقط، إذ هو في الفن دون أمير الشعراء، ولكنه في تذوق الفن قد يكون فوقه أو مساويا له، فليس الشعر مرادفا للفن ولا الفن مرادفا له. وقد يكون الشعر فنا كما فد يكون الفن شعرا. والشاعر الفنان يستطيع أن ينقد الشاعر فنانا وغير فنان، فكل من أبدع في التصوير كان في حيزه الإبداع في التصور، وقد يكون في حيز الإبداع في التصور الإبداع في التصوير، وإذا صح لنا أن نطلق على الشعر أنه تصوير الجمال في الحياة صح لنا أن نطلق عليه جمال التصوير، فحيث يكون تصوير الجمال يكون جمال التصوير، وقد يخامر السامع ريب في صحة الأول، وأن الشاعر قد يصور قبيحا في الحياة فلا يخرجه عن كونه شاعرا فيما صور، وجوابه سهل فيما إذا لحظنا ثبوت كون الجمال نسبيا في الحياة وانه لا قبح فيها، وإنما هو جميل كما مر بك في القول على الجمال. وأما إذا اعتمدنا القول في أن الصور الفنية في الحياة ما هو حسن وما هو قبيح لزمنا القول في أن حد الشعر بجمال التصوير أصح، ولزمنا من جهة أخرى نفي الجمال المطلق عن الفن الطبيعي وهو مرآة الفن الصناعي، فلزم الفرق بين فن الطبيعة وفن الإنسان من حيث حده وتعريفه، وهما فن واحد، إلا أن يكون القبح في الصور الفنية عارضا بعد كونها والجمال ذاته فيها فيستقيم إذ ذاك تحديده الثاني. فالطبيعة لم تبدع غير جميل، وما يتراءى لنا قبيحا فلعارض حور مجراه الطبيعي في نفوسنا، أو لسر فيه خفي عنا إدراكه فعز علينا مناط الجمال فيه، وليس الجمال في الصورة أو التصوير مناطا للجمال في التصوير، ولا شئ من جمال التصوير أو قبحه يستلزم جمال الصورة أو قبحها، فأي جمال في صورة الأحدب يستلزمها جمال تصويرها في قول الشاعر: قصرت أخادعه وغاب قذاله … فكأنه مترقب أن يصفعا أو انه قد ذاق أول صفعة … وأحس ثانية لها فتجمعا فاللازم إنما هو جمال التصوير فقط، وجمال التصوير يتحقق في نقل الصورة على أتم

стр. 5400

وجه وبأسلوب جميل، والصورة أعم من أن تكون في الخارج كصورة الأحدب التي مرت بكأو في النفس كما في قوله: أعانقه والنفس بعد مشوقة … أليه وهل بعد العناق تدان؟ وألثم فاه كي تزول حرارتي … فيشتد ما ألقي من الهيمان وما كان مقدار الذي بي من الجوى … ليطفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يطفي غليله … سوى أن ترى الروحان تمتزجان فلم يكن الشاعر ليصف لك في هذا المشهد صورة العناق في الخارج، وإنما يريد أن يصور لك حالة نفسية تعتريه كما تعتري كل عاشق، وهي انفعال النفس بما تجده في قرب من تحب. وبلوغها حدا لا تشعر معه حتى تبلغ النهاية في ثورتها وهي امتزاج الروحين، ولم يكن ليطفئ ثورتها تلاصق الجسدين، ووضع الشفاه على الشفاه وهما طريقها إلى الغاية التي تصبو إليها. على أني لا أرضى عن الشاعر في إنكاره أن وراء العناق تدانيا، فالحب أسمى من أن تناله المادة وهو وليد الروح، ولعل دموع الحب عصارة هذه النفس المتألمة من وراء انفعالها به، فإذا كانت الروح مناط هذا الحب فأنى للجسم أن يطفأ ثورته بالتقبيل أو العناق، والصلة بين المتحابين إنما تتحقق في امتزاج روحيهما، فقد يتلاصقان ولما يزول هنالك بعد بين الروحين، وحجاب كثيف يحول دون امتزاجهما. أفلا يكون إذ ذاك تدان وراء العناق؟ على أن في البيت الأخير وجعله امتزاج الروحين مناط شفاء النفس دليلا على أنهإنما يقصد بقوله (وهل بعد العناق تدان) أن العناق أقصى ما يبلغه الحب في الصلة بين شخصي المتحابين لا أن مطلق التداني مرة وراء الحب قاصر على العناق إذ صرح فيما بعد أن هنالك امتزاجا في الأرواح، وهو أشد ارتباطا في الحب من العناق، وأبلغ تدانيا منه. إذا وصف الشاعر قبيحا فأبدع في تصويره، فقد صور لك جمال الفن فكان صادقا عليه إذ ذاك أنه مصور لجمال الحياة إذ الفن من الحياة، فتصويره تصوير لجمالها أو لناحية من نواحي الجمال فيها. فقد لا تجد أثرا للجمال في كوخ بال قذر يمرح فيه الفأر وتعلو جدره العناكب ويسود أفقه البق، وقد جلس في إحدى زواياه شيخ بالي الطمر وبين يديه سراج ضئيل يقاسي إلى جانبه آلام البؤس. وقد يبدو لك ذلك قبيحا وأنت تشرف عليه أو تلج إليه فتصفر الحياة في عينك ماثله بين جدره. ثم إذا صور لك رسام

стр. 5401

مفننٌ حرك منظره من نفسك بين روعة الفن وجمال التصوير ما يقف بك خاشع الطرف بين يدي الفن وجلاله، وهكذا تراك وأنت تقرؤه في قول الصافي: أكافح البرد في سراج … يكاد من ضعفه يموت في غرفة كلها ثقوب … أو شئت قل كلها بيوت يسكن فيها بلا كراء … فأرُ وبقَُ وعنكبوت فمناط الشعر في ذلك إنما هو جمال التصوير، ولعل الخيال أوفى نصيبا من الحقيقة فيه. ففي قوله (يكاد يموت) و (كلها بيوت) و (بلا كراء) من جمال الفن ما لم تكد تعثر عليه فيما لو جردت الأبيات منها، ولم يكن ليستطيع الصافي أن يصور لك الجمال في البؤس لو لم يكن هو بائساً، ولعل أشعر الناس بالبؤس هو ألصقهم به وأقربهم نفسا منه. إذ البؤس إحدى ظواهر الحياة في الحي، والصورة الفنية إما أن تكون حقيقة محضة أو ملفقة من الحقيقة والخيال، فالأولى تتحقق في نقلها لك كما في الواقع حتى كأنك تراها حقيقة مجردة عن الخيال كما مر بك في تصوير الأحدب في قول أبن الرومي، والثانية نقلها لك وليدة خيال يوهمك وجودها في الخارج كقوله: خلا يدك البيضاء ذمَُ وللندى … على حافتيها مسرح ومقيل حمت غصن المعروف أن يخطئ الجني … وزهر الندى أن يعتريه ذبول لم يشأ أن ينقل صورة الغصن أو صورة المعروف ولا صورة الزهر أو صورة الكرم، وإنما شاء أن ينقل لك صورة لفقها الخيال من كلتا الصورتين عن طريق الاستعارة ومن وراءها التشبيه المطوي كما يحققه علماء البيان. بيروت الحوماني

стр. 5402

٣ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الأبراشي المفتش بوزارة المعارف العناصر الرئيسية التي تتكون منها الشخصية القوية: تكلمنا فيما مضى عن الشخصية وماهيتها، وقلنا أنها قد توهب بالفطرة، وقد تكتسب بالتربية الحق، وبينا أن الناس يختلفون في شخصياتهم كما يختلفون في ذكائهم وميولهم الفطرية، وذكرنا من العناصر الرئيسية المكونة للشخصية القوية ثلاثة عناصر وهي: الجاذبية، والنشاط العقلي، والمشاركة الوجدانية. واليوم نتكلم عن العنصر الرابع وهو الشجاعة فنقول: ربما كانت الشجاعة أهم عنصر من عناصر الشخصية القوية في أوقات الرخاء والشدة على السواء، ولكن ما الشجاعة؟ الشجاعة قوة بها يتمكن الإنسان من السيطرة على قواه مع ضبط نفسه وقت الخطر الذي يهدده، سواء أكان ذلك الخطر حقيقيا أو وهميا. وكما أن الشجاعة فضيلة في الجندي والملاح فكذلك هي فضيلة في غيرهما من بني الإنسان وهي خير مقياس يقاس به الشخص في أوقات الشدة حيث يتطلب الثبات أو الأقدام. وبهذا المقياس يمكن وضع الشخص في مرتبته الخاصة بين الشجعان أو الجبناء وبين العظماء أو العاديين. وقد قيل، وقيل حقا، أن الشجاعة تتوقف على القوة الجسمية والعصبية والعقلية والخلقية التي لدى الإنسان. وأن المدنية الحاضرة قد قللت من الشجاعة يبن الأفراد، فقد صرح أحد النظار السابقين لمدرسة (أيتون) الإنجليزية المشهورة بأنه رأى غلاما قد دخلت في عينه ذبابه، فحاولت أمه وأخواته الثلاث إخراجها بغير جدوى، ولم يكن الأمر بحاجة إلى أكثر من يتحمل الولد الألم دقيقة واحدة، ولكنه لم يتحمل الألم دقيقة - إن كانت هناك آلام. فأخذ في عربة إلى طبيب في مدينة تبعد خمسة أميال عن القرية. كل هذا من أجل شئ يسير كان في استطاعة أي فرد من الأسرة أن يقوم به بسهولة. هذه حكاية عن شبان الأمس وأمهات الأمس بإنجلترا. أما اليوم

стр. 5403

فتجد الأمهات والآباء يغرسون الشجاعة، وخلق الرجولة في نفوسأبنائهم من الصغر، ويعودونهم الصبر، وضبط النفس وكتمان الشعور، وتحمل الألم من الطفولة الأولى. وبهذه الوسيلة يبثون الشجاعة فيهم. ولا يظهر الخلق المتين ولا تبدو الشخصية القوية إلا بهذا النوع من الشجاعة، وهو القدرة على احتمال الآلام. وان من يستطيع أن يحتمل خمس دقائق اكثر من غيره يمكنه أن يفوز بالنجاح والنصر، سواء أكان جنديا أم قائدا، متعلماً أم معلماً، غنياً أم فقيراً. وبالشجاعة يظهر الفرق الكبير بين الشخصية القوية والشخصية الضعيفة. والآن نريد أن نبين مظاهر الشجاعة وأثرها في النجاح في العمل وفي الحياة الاجتماعية فنقول: مظاهر الشجاعة: أولاً: الشجاعة في ضبط النفس، وذلك بأن تقف موقفا طبيعيا بكل شجاعة عند مقابلة الرؤساء أو عند الظهور أمام مجتمع لإلقاء محاضرة أو الاشتراك في مناضرة، أو التعبير عن رأي، أو الدفاع عن مبدأ أو عقيدة، بحيث لا نرتعد أو نضطرب، ونظهر بأحسن مظهرفي حديثنا وإلقائنا ونبرهن بأعمالنا وآرائنا بكل لطف وأدب. وإذا لم يكن لدى الإنسان قدرة على إظهار مقدرته بالعمل وضبط النفس فقد تضيع منه الفرصة الذهبية التي قد لا تصادفه مرة أخرى. وكثيرا ما تضيع الفرصة من الشخص، ثم يندب سؤ حظه، ويشكو الظروف والمقادير، مع انه لم يكن في حاجة إلى أكثر من الشجاعة في انتهاز الفرصة حين سنوحها. ولا سبب يدعو الإنسان إلى الخوف من أبناء جنسه. وقد يكون الخوف مبنيا على وهم لا أساس له. وإذا وثق المتكلم من نفسه، وعرف ما يريد أن يقوله، وعرف كيف يعبر

стр. 5404

عن خواطره، وكيف يبرهن على نظريته بالعقل والمنطق، فأنه يستطيع أن يطمئن إلى نفسه، ويمسك بزمامها، ويقابل من يشاء، ويخاطب من يريد، ما دام متحليا بالأدب، واثقا من نفسه، وكان عقله مرتبا وأفكاره منطقية، بحيث لا يتسرع في ذكر شئ يدل على عقل مضطرب، أو روح قلق، ولا يتظاهر بما ليس فيه. وإذا وفقت مما تريد أن تقوله فهذا وحده كاف لأن تؤثر في نفوس سامعيك، وتنظر إليهم وتقابلهم بكل قلبك وجها لوجه، وتجعل قلبك وروحك في إثبات ما تريد أثباته، أو نفي ما تريد نفيه، فتتكلم بقلبك لا بلسانك. ولا شئ يبرهن على الشجاعة ويخضد شوكتهااكثر من الهلع؛ فحيثما وجد وجد الألم، والقلق النفسي، وتعب الضمير، واضطراب العقل، فتضطرب شخصية الإنسان. ولأن كان الخوف ثمنا ندفعه في سبيل المحافظة على الحياة فالإفراط فيه عيب من العيوب الإنسانية التي يجب تهذيبها، والتي تقضي بأن يفكر الإنسان في الشيء وفي نتائجه. وبجانب المخاوف التي تلحق الشخص في حاضره، وتحيط به من وقت لآخر، مخاوف وهمية يتوهمها، ويتخيل حدوثها في المستقبل، فيقلق باله، ويضطرب فكره، وتضعف شخصيته. وكثيرا ما تكون هذه الأوهام المخيفة المبنية على غير أساس، وندر أن تقع. وكم إغتممنا لتوقع مصائب لم تحدث، ولن تحدث. وتكثر هذه المخاوف عادة لدى الشخصيات الضعيفة. أما ذوو الشخصيات القوية فلا يكثرون من الهموم من غير ما سبب، ولأقل سبب، بل يستقبلون الحياة كما هي، ويواجهونها بما فيها من مسرات وأحزان، وسعادة وشقاء على السواء، يبتسمون بهدؤ حتى في مواطن البكاء، ويصبرون في مواقف البأساء. هؤلاء جديرين بالنجاح في الحياة لشدة ثقتهم بالله. والحياة مملوءة بالحوادث والمصائب، والعجائب والغرائب. ولا يستطيع الإنسان أن يعرف ما ينتظره في الغد من المقادير، وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فيفاجأ الإنسان بأشياء ما كان ينتظرها، كمرض أو فقد مال أو خسارة. فبهذه وبكثير أمثالها من الحوادث تختبر رجولتنا، ويعرف معدن الرجولة فينا، وبالروح التي نقابل فيها هذه الحوادث تظهر شخصيتنا أو تستتر. ولا تظهر الرجال إلا عند الشدائد والمصاعب. وبما أن النجاح في الحياة ليس من السهل فيجب أن يتعلم الإنسان كيف يبتسم في الأيام المظلمة، كما يبتسم عند المسرات في أيام السعادة والهناءة. وينبغي أن يتعود الشجاعة والاحتفاظ بقواه عند الملمات

стр. 5405

حتى يكتسب إعجاب رفقائه وأحترامهم، ويثبت ثبات الطود في مهب الرياح. وليس من الشجاعة أن تكثر من شكوى الحياة والظروف والأيام، فشكوى سوء الحال لن تغير ما حدث، بل تذهب بنظرة العقل، وقوة القلب، وأن الفرق من الخذلان والهزيمة يؤدي إلى الهزيمة، وقوة الأمل في النجاح مع التشجيع والمثابرة تحفظ روح الإنسان وهمته، وتبعث فيه كثيراً من الرجاء في الفوز، وبخاصة إذا عمل بعقله وقلبه ويده، وأن الاعتراف بالنقص فضيلة، والعمل على علاجه شجاعة. فنحن في حاجة إلى الشجاعة التي بها نستطيع مواجهة المخاوف ومقابلتها بكل ثبات وصبر وتفكير حتى نتغلب على مصاعب الحياة، ونقلل من الخوف الذي يهدم الرجولة من أساسها، ويقتل الشخصية في مهدها. وأن أعظم انتصار في الحياة هو الانتصار على النفس بضبطها وكبح جماحها، والتغلب عليها. وليست الشجاعة في أن تنتصر على سبع مفترس فحسب، ولكن الشجاعة في أن تسيطر على نفسك التي بين جنبيك. وأرقى مظاهر الشجاعة الصبر والتحمل عند القدرة. ثانياً: هناك مظهر آخر للشجاعة يتبين في التغلب على الصعاب التي تعترض الإنسان في الحياة، وإصلاح الأخطاء التي تمر بنا سواء أكانت الأخطاء منسوبة إلينا أو منسوبة إلى غيرنا. وهناك كثير من المصاعب التي يمكن التخلص منها بقليل من الشجاعة والحزم والثبات؛ وكثيراً ما يكون الجبن سبباً في الفشل وعدم النجاح في العمل. وكما تكون الشجاعة في الأقدام على الشيء تكون في الأحجام عند تحقيق التهلكة. ولا تقل الشجاعة في الأحجام والتريث

стр. 5406

حينئذ عن الشجاعة في الأقدام. وممن كانوا مثلاً للشجاعة واقتحام المخاطر بين العرب خالد أبن الوليد: ومن أقواله: لقد لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو رمية، ثم هاأنذا أموات على فراشي حتف أنفي، فلا نامت أعين الجبناء. ثالثاً: تظهر الشجاعة في الإجابة وفي إبداء الرأي: ومن الشجاعة أن يجيب الإنسان بكل أمانة وإخلاص عما يسأل، وأن يبدي رأيه بكل صراحة، ويدافع عنه من غير تغيير الحقائق، ومن غير اضطرار إلى الإنكار أو ذكر نصف الحقيقة خوفاً من أن تظهر بنفسه الحقيقة كما هي، وإذا اعترفنا بكل إخلاص أننا فعلنا كذا، ولم نسمع رواية كذا، أو لم نقرأ كتاب كذا، أو أننا لا نحب فلاناً فقد يعجب المستمع العادي، ولكننا لو ذكرنا السبب بطل العجب. وهذا أفضل من تشويه الحقائق بالتغيير والزخرفة وتضليل الغير. وهناك أسئلة شخصية تدل على تطفل السائل، وتدخله في شئون غيره، فمثل هذه الأسئلة يجب أن تحارب برفضالإجابة عنها بكل أدب، عقابا لذلك المتطفل؟ محمد عطية الأبراشي

стр. 5407

فصول مدرسية في الأدب الدرامي ٧ - الرواية المسرحية في الفن والتاريخ بقلم أحمد حسن الزيات تحليل موجز لأشهر المآسي مآسي كورني: سنا موضوعها حلم أغسطس على سنما، وعفوة عنه وعن يائر المؤتمرين به، ومغزاها أنتصار العفو على الأنتقام. وقد وقعت حوادثها في قصر أغسطس بروما عام ٢٣ قبل الميلاد. وأهم أشخاصها: أغسطس أول امبراطور لروم، وسنا حفيد (بمبيه) وزعيم المؤتمرين بالأمبراطور، ومكسيم زعيم ىخر من زعماء المؤامرة، أميلي بنت طورانيوس قتيل أغسطس ظلماً، وأوفورب عتيق مكسيم. الفصل الأول: تناجى اميل نفسها أولاً، ثم تصارح نجيتها ثانياضص بعزمها على الأنتقنم من قاتل أبيها، ولا تجد آلة لأنتقامها إلا سنا حبيبها. فتشترط عليه ألا تقبله زوجاً إلا إذا أنتزع من الأمبراطور السلطان والحياة. فيجتهد سنا في تدبير المؤامرة، ويعود اليها فينبئها باستعداد المؤتمرين للعمل في الغد. ويفجاه المبرطور باستدعائه اليههو وشريكه مكسيم، فترتعد مفاصلهم مخافة أن يكون أمر المؤامرة قد افتضح.

стр. 5408

الفصل الثاني: على أن جزعهم كان سابقاً لأوانهن فأن الأمبراطور ما زال يجهل امرهم. وانما يريد أن يستشير الزعيمين في نزوله عن الملك، فقد سئمه وزهد منه. فيشير عليه مكسيم بترك العرش، ويتوسل اليه سنا بالأحتفاظ به. فان الشعب لا يصلح امره ولا يهنأ إلا إذا كان له سيد. أما حكومة الشعب فهي شر الحكومات. فينزل الأمبراطور على رأي سنا. ما يضمر. فيعلن إليه سنا أن موت الطاغية هو مهر اميلي، وفي نزوله عن الملك إخفاق هذا الأمل! الفصل الثالث: يغار مكسيم من سنا لأنه يحب اميلي ايضاً، ويحاول إحباط زواجهما. ويغريه مولاه (أوفورب) لأن يفشي سر المؤامرة الىأغسطس. ويخز سنا ضميره ويشتد ألمه وندمه كلما دنا الوقت العصيب فيتردد. وتدخل عليه اميلي وهو في تلك الحال فتوقد صدره وتجمع أمره فيذهب، ولكن في نيته أن يقتل نفسه بعد أن يقتل المبراطور. الفصل الرابع: يبلغ أوفور خبر المؤامرة إلى أغسطس من قبل مكسيم، ويوهمه أن سيده القى بنفسه في نهر التبر كراهة للحياة بعد اقتراف جريمتين: جريمة التآمر وجريمة الوشاية. فيدهش الأمبراطور ويناجي نفسه بالأمر نجوى جميلة، ويقلب الرأي فيما يحسن أن يفعل، فتنصحه زوجه بالعفو فأنه أجدر بالقادر، ولكنه يخرج على غير رأي، وتخلفه اميلي على المسرح، ويدخل عليها مكسيبم يتضرع اليها أن تفر معه فتأبى إلا الوفاء لسنا. وتعرف من الواشي الخيانة فتحتقره، ويندم مكسيم على غطاعته مولاه فيعزم على قتله قبل أن يقتل هو. الفصل الخامس: يجمع الأمبراطور رأيه علىأن يمن بالعفو فيدعو إليه سنا ويذكره بنعمه عليه، وطول إحسانه إليه، ويعجب أن يكافئه على حسن صنيعه بقتله. فيحاول سنا أن ينكر، ولكن أغسطس يظهره على أنه يعلم سر المؤامرة. وتدخل حينئذ أميلي فتحمل

стр. 5409

تبعة المؤامرة وتعلن انها تثأر لأبيها. ويبرئها سنا ويقرر انه هو المسئول عن تدبيرها وحده. ويظهر مكسيم فيعترف بخيانته، وتتحرك في قلبأغسطس عواطف الكرم والأريحية فيعفو عنهم جميعاً، وهو يقول: أنا سيد نفسي كما انا سيد العالم! بوليكت موضوعها استشهاد القديس بوليكت من اضطهاد الأمبراطور (ديس)، ومغزاها انتصار الأيمان على الحب. وقد وقعت حوادثها في ميليتين عاصمة أرمينية في قصر فيلكس عام ٢٥٠ للميلاد، واهم أشخاصها فيلكس احد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني وحاكم ارمينية، وبليكت أمير ارمني وزوج ابنة فبلكس، فارس روماني وحظى الأمبراطور، ونيارك أمير أرمني وصديق بوليكت، وبولين بنت فيليكس وزوجة بليكت. الفصل الأول: اعتنق بليكت الدين المسيحي ولكنه لا يجرؤ على الخروج إلى المعمودية، فخافة أن يؤلم زوجته بولين. فقد رأت في النوم رؤيا مروعة اخافتها على حياة زوجها فمنعته من الخروج. ولكن صديقه نيارك يلح عليه فيذهب معه خفية. وفي غيبته تقص بولين على وصيفتها الحلم الذي ازعجها، وتعلن غليها انها أحبت سيفير وهيفي روما، ولكن أباها رفض أن يصادق على زواجه منها، ثم قدمت أرمينية مع أبيها وفي ظنها أن سيفير مات، فتزوجت من بليكت، وفي الليلة البارحة رات فيما يرى النائم أن سيفير منتصر وانه منتقم. ويدخل عليها ابوها فيخبرها بقدوم سيفير وبخطوته عند الأمبراطور، ويخشى أن يعزله من منصبه لترويجه ابنته من غيره، ويطلب إلى غبنته من غيره، ويطلب إلى ابنته أن تحسن أستقباله وتكفكف من غربه. الفصل الثاني: ينزل سيفير في قصر الحاكم، ويعلم بزواج بولين فيملكه الذهول والدهش ويريد أن يراها: فإذا ما لقيها تعترف له بأنها تزوجت من بوليكت نزولاً على حكم ابيها ولكنها احبته منذ تزوجته، وتطلب إلى سيفير الا يراها مرة أخرى وفاء لزوجها فيتركها بعد أن يتمنى لها الخير. ويعود بوليكت من المعمودية فلا يرتاب في حضور سيفير لثقته بزوجه، وتأتيه دعوة إلى حضور القربان الذي يقدمه الحاكم ابتهاجاً بانتصار سيفير، فيذهب إليه مع صديقه نيارك، وفي نيته أن يحطم الأصنام. الفصل الثالث: وبينما يعبث القلق والخوف بقلب بولين إذ تدخل عليها وصيفتها فتخبرها بأن نيارك وبليكت حطما الأوثان على ملأ من الشعب. ويستقل الغضب بفيلكس فيحكم على نيارك بعذاب الموت. ويعلن إلى ابنته أن بليكت إذا لم

стр. 5410

يرعو عن زيغه ويتعظ بمصير صاحبه حل به ما حل به، ثم يريدها على أن تعيده إلى حظيرة الوثنية، وإلا خشى أن يسخط الأمبراطور عليه إذا تساهل في امره. الفصل الرابع: تعلن إلى بوليكت زيارة بولين. فيخشى دموعها اكثر مما يخشى تهديد فيلكس، ويبعث في طلب سيفير. وفي غضون ذلك يعبر عن عواطفه الدينية بقطعة من الشعر الخالد وينبو على حنان زوجته. ثم يطلب لها الهداية، ويرجو سيفير أن يتزوج من بولين، فقد صمم على أن يموت في سبيل عقيدته، ولكن بولين تصرح انها لا تتزوج رجلاًكان سبباص في موت زوجها ولو غير عامد. فيقرر سيفير في نفسه أن يسعى في نجاة خصمه ليكون اهلا لحب بولين. الفصل الخامس: ولكن فيلكس يظن أن سيفير لا يطلب العفو عن خصمه إلا تدبيراً لمكيدة، فهو يخشى أن يرميه عند المبراطور بالتساهل والمحاباة. فيدعو إليه بليكت ويحاول أن يفتنه عن دينه، وتساعده بولين بدموعها فما يرجعان بطائل، ويمشي بليكت إلى الموت مشية الظافر، وتتبعه بولين ثم تعود إلى ابيها بعد أن شهدت زوجها يموت، فتوبخه على وحشيته وتعلن إليه أنها مسيحية، ويهدده كذلك سيفير على عدم أعتداده برأيه وقبوله لشفاعته، فيتنصر فيلكس ايضاص ويستعد للموت. ولكن سيفير يؤثر فيه هذا المشهد فيطلب اليه البقاء في منصبه، ويعده أن يمنع الأمبراطور عن اضطهاد المسيحيين. مآسي حادثة من الحوادث التي أعقبت حرب طروادة وهي سبى أندروماك أرملة هيكطور في أيبريا. وقد وقعت حوادثها في بطرون من مدائن أيبريا في غرفة من قصر بيروس. واهم اشخاصهاأندروماك ارملة هيكطور وسيبية بيروس، وبيروس بن أخيل وملك ايبريا، وأوريست بن أغاممنونن وهرميون بنت هيلين وخطيبة بيروس، وبيلاد صديق أوريستالفصل الأول: بيروس يهوى أندروماك التي سباها بعد سقوط طروادة، وجلبها إلى أيبريا مع ولدها أستياناكس، ويهجر خطيبته هرميون بعد أن شغفها حبا. ويقدم أوريست عاشق هرميون إلى بيروس موفدا من الأغريق يطلب منه تسليم أستياناكس ليقتلوه، فأبى الملك تسليمه، وينبئ أندروماك بالخطر الذي يترصد ولدها، وياخذ على نفسه أن يحميه على شرط أن ترضى به زوجا. ولكن اندروماك ترفض إخلاصا لذكرى زوجها الأول، فيثور الغضب في وجه الملك ويخرج وهو يقول: أن الولد سيكفر عن احتقار الأم. الفصل الثاني: تتلقى هرميون المر من أبيها بالعودة مع الأغريق إذا أبى بيروس أن يسلم

стр. 5411

أستياناكس. فيرفض بيروس ولكن هرميون ترفض أن ترحل لأنها تغار من أندروماك. على انها تلين لألحاح أوريست خطيبها الأول، فيزهوه النصر. ولكن بيروس يحنق على أندروماك لإيبائها، فيعلن إلى أوريست انه يسلم أستياناكس ويتزوج من هرميون. الفصل الثالث: يتحرق أوريست من اليأس، وتطفر هرميون من الفرح، وتتقطع أحشاء اندروماك من الحزن، وتتوسل إلى هرميون أن تنقذ ولدها، فتدفعها هذه بأحتقار، فتذهب إلى بيروس فتجثو بين يديه وتسأله ولدها، فيرضى أن يدفعه إليها إذل قبلت أن تنتظره عند الهيكل، وهناك أما أن تربح التاج، وأما أن تخسر الأبن، فتذهب أندروماك مشردة اللب إلى قبر هكتور تستشير روحه. الفصل الرابع: تستكين اندروماك أبتغاء حياة ولدها وترضى أن تتزوج بمبيد أسرتها على نية أن تنتحر بعد الزفاف، وترغب وصيفتها أن تموت هي أيضا، ولكنها تنصح لها أن تعيش لتنفع أستياناكس، ولتمكن له عند بيروس، ولتحدثه عن أبطال قومه. ويثور ثائر هرميون فتطلب من أوريست أن يقتل بيروس على أن تتزوجه من بعده، فيتردد طويلا ثم يطيع. الفصل الخامس: يذهب أوريست مع الأغريق إلى الهيكل فيقتل الملك ثم يعود، فيقص على هرميون مافعل، فتقابله بالأزدراء وتصفه بالخيانة، ويصيبها الخبال من الحزن واليأس فتطعن نفسها بالخنجر فوق جثة الملك، ويرى أوريست نفسه محاطا بالأشلاء والدماء، فيظل عقله ويفقد صوابه. ويسدل الستار على هذه الفجعة الأليمة.

стр. 5412

أنالي موضوعها حادثة من تا بني أسرائيل وهي موت أتالي وتتويج جواس في القرن الرابع قبل المسيح. وذلك أن أتالي أن اتالي بنت آكاب، وأرملة جوارم ملك يهودا، ذبحت أبناء ولدها أوكزياس جميعا بعد موته ليخلو الطريق لها إلى العرش والسلطان، ولم تدر أن واحدا منهم أخطأه القدر، فأنجته (جوزابيت) عمته وزوج الكاهن الأكبر جواد، وربته هي وبعلها سرا في معبد أورشليم باسم الياسمين حتى جاء يومه فرفعاه على عرش أبيه. وأهم اشخاصها جواس ملك يهودا وأبن أوكزياس، وأتالي أرملة جورام وجدة جواس، وجواد كبير الكهنة، وجوزابيت عمة جواس وزوجة جواد، وزكريا بن جواد، وسالوميت اخت زكريا، وابنير ضابط الملك، وقد وقعت حوادثها في معبد أورشليم في دهليز مسكن الكاهن الأكبر. الفصل الأول: يظل أبنير قائد جيش أتالي مخلصا الدين لله. وفي يوم عيد العنصرة يبكر بالذهاب إلى الهيكل فيلقى هناك جواد، فيفضى إليه يمكنون صدره من الأسف على الماضي، والأسى على الحاضر، والأنكار لما اقترفت أتالي من ظلم، وأحدثت من بدع، ويبدى له ما يساوره من الخوف عليه من سطوتها وبغيها. فيهدئ الكاهن روعه ويجدد أمله، وبعده أن يبوح إليه بسر خطير في الساعة الثالثة من النهار. ثم يصرح لزوجته بانه سيعلن نسب جواس في ذلك اليوم نفسه. وتشدو القيان بتمجيد آلاء الله وإعلاء دينه. الفصل الثاني: تجئ أتالي إلى الهيكل فيغلق الكاهن دونها أبوابه، فتظل في الفناء مع أبنير وماتان، وتقص عليهما أنها رأت حلماً أزعجها وراعها: رأت أن أملها أيزابيل جاءتها في المنام منذرة بحلول كارثة فادحة. ثم ظهر لها بعد ذلك غلام طعنها بخنجرة في أحشائها طعنة قاضية. وما كان أشد عجبها ودهشها حين ترى في الهيكل شبيه الغلام الذي طعنها فينصح لها ماتان أن تقتله. ويشير عليها أبنير أن تدعوه وتسأله، فتأمر به وتستفهمه عن أمره. ولكنه لا يقول أكثر من أنه يحب الله ويبغض الأوثان وأهل الشر ثم يذهب. فيشتد قلقها وفرقها من هذا الجواب وتخرج. فيطهر الكاهن الأكبر الهيكل من أثرها النجس. ثم تجدو القيان بسعادة الأبرار وشقوة الفجار. الفصل الثالث: يفد ماتان من قبل أتالي على كبير الكهنة يطلب منه تسليم الغلام رهينة الصلح بين الملكة وبينه، فيطرده الكاهن طرداً قبيحاً فيذهب مهدداً،

стр. 5413

ويوقض شكوك أتالي فيه. فيشتد الخطر ويفدح الأمر. ولكن جواد يزداد بالله أيماناً وثقه، فيطمئن أمرأته ويتنبأ بسقوط أورشليم وقبيام الكنيسة المسيحية. ثم يأخذ في أسباب التتويج ويحرض اللاوبين على القتال دفاعاً عن الهيكل، وتنشد القيان أناشيد الخوف والرجاء. الفصل الرابع: يعلن الكاهن إلى جواز حقيقة مولده، ويبصره بحقه وواجبه، ويقدمه إلى اللاوبين ولياً لعهد داود، ويأخذ عليهم الأيمان أن يوازروه وينصروه. وما هي الا لحظة حتى يحمل اليه لاوي خبر محاصرة الهيكل بجنود أتالي. فتضطرب جوزابيت جزعاً على جواس، وينظم الكاهن صفوف المدافعين، وتنشد القيلن نشيد الغوث والمعونة من الله. الفصل الخامس: يدخل أبنير الهيكل المحصور سفيراً إلى الكاهن يحمل شروط أتالي الأخيرة وهي تسليم الياسمين، وتقديم الكنز المدفون في الهيكل، فيجيبه الكاهن: لتدخل الملكة فتأخذ ما تشاء بنفسها. ثم ينصب في أثناء ذلك عرشاً لجواس، وتدخل أتالي المكان المقدس يحف بها ثلة صغيرة من الحرس وهي تقول: أين الغلام وأين الكنز؟ فيريها الكاهن جواس على العرش، ويقول لها: هذا كل ما بقى من كنز داود!!! فتحتدم الملكة من الغيظ وتصيح: يا للخيانة!! يا للجند!! ولكن الجنود يأخذهم الفزع فيتمزقون شر ممزق، ويقبض اللاويون على الملكة ويسحبونها خارج الهيكل، ويذيقونها عذاب الموت بما كسبت، ويقول جواد لجواس في كلام طويل: (لا تنس يا ملك اليهود أن للملوك قاضياً جباراً، وللبرئ منتقماً عزيزاً ولليتيم أباً رحيماً.!!) يتنع الزياتحول ١٤ سبتمبر للأستاذ محمد محمود جلال دعوت الله الا أراه القاهرة في الرابع عشر من سبتمبر. وكنت مقيماً بين مزارعي وشواغلي إلى الثاني العشر منه، فجد لي عمل هام يقتضيني سفراً اليها قد يستغرق يومين أو ثلاثة. لست أكره الذكرى، بل أعمل لها، وعقيدتي أن ذكريات المحن كذكريات المنح في نتيجها. لانها تشحد العزائم وتبعد تكرار الأخطاء، وليست ذاكرتي بالضعيفة، وأنما تعذبني في الواقع بشدة أحساسها، ولكنهما خيل إلى أن أعصابي لا تحتمل شنهود العاصمة المحبوبة في ذلك اليوم!!! كبر على أن أشهد المدينة القاهرة الزاهرة التي عاش أهلها في طهارة الأستقرار وعزه، يعيشون منذ ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨١ غارقين في رجس الأحتلال وذله. . . ما كدت أصل القلهرة مساء الثاني عشر من سبتمبر حتى أستعرضت برنامج عملي على أن أعجل منه ما أستطيع وأرجئ منه ما لا يضيره إرجاء. فلما أصبحت

стр. 5414

أسرعت إلى عملي وفرغت منه. في نحو العاشرة صباحاً، وذكرت على التو أن قطاراً يغادر القاهرة إلى بور سعيد في الحادية عشرة، وفي هذا زوال ما أخشى. وازمعت السفر لأعود بأسرتي من المصيف وقد قرب أفتتاح معاهد الدرس، وخيل ألي انيسأتلافى بسفري جواً خانقاً ويوماً من الدهر حانقاً!. . . سيتحقق إذن ما تمنيت على الله، فلا أكون بالقاهرة يوم تشرق شمس جاء أصلها على البلاد بمحنة المحن. فإذا جيش الأحتلال يدخل قلب البلاد، وإذا نائب عن الخديو يلازم الجيش!!. . . وهل شر من احتلال أجنبي يظله اضطراب لا يستقيم معه فكر، ولا يتسق وأياه منطق؟!!. الفكونت ولسلي يرفع لأنجلترا في مصر راية، وسلطان باشا يؤمن تلك الراية باسم الخديوي!. وأين عرابي واين الجيش؟ وفيم كانت الحرب؟ وأي فكرة تنطبع في ذهن البلاد لصورة هي التناقض بذاته فوق ما تحمل من عار؟. والله ما ابتلى شعب بمثل ما أبتلى به شعبنا في ميداني المادة والمعنى، ولولا أن الشعب كان قوياً بدينه وتقاليده، عظيماً بآثار المحن الغابرة في عزائمه، عزيزاص بكرامته، لنالت منه الأحداث أضعاف ما نالت، ولو حلت بغيره لأفنته. جلست في القطار أتسلى بالقراءة، واتفاقاً بدأت بكتاب صغير أشتريته من (كشك) ليفاداس بالمحطة - مؤلفة فرنسي - والكتاب عن حصار (باريس) سنة ١٨٧٠. اخذتاقرأ وفي نفسي أني واجد في وطنية الفرنسيين الهائمين بعاصمتهم وبمجدهم، وفي كفاءة الألمان وحسن تنظيم جيوشهم خير عبرة وتسلية. ولقد اجاد المؤلف في المقدمة، وفي وصف الحالة العامة، ثم إذا به فجاة يتكلم عن باريس في ١٩ سبتمبر، فيصف الطوارئ، وحالة الرأي العام وصعوبة التموين، وضعف خطوط الدفاع!. إذن ما زلنا في شهر سبتمبر! ولا زالت هناك سلسلة من هموم في ثناياه إذا خلفتها في القاهرة ذكرتها عن باريس في محنة مماثلة! وفي المثل: يؤتى الحذر من مأمنه. ما عتمت أن تمثلت بالكلمة الخالدة التي أنتزعتها من فم الرجل الحزين سيدنا كعب بن مالك - خطاب عاهل غسان إليه، فقلت معه رضى الله عنه: (وهذا أيضاً من البلاء) يقول المسيو (سارسي) مؤلف (حصار باريس) بعيد اعلان الجمهورية: (وبينما يشتد ضغط الجيش البروسي وتتوالى انتصاراته وتكتمها الحكومة عن الشعب كنت كثيراً ما تسمع واحداً يقول لرفيقه: (إنهم لن يجرؤا على دخول باريس ما دمنا حصلنا عليها) أي ما دمنا أعلنا الجمهورية فلن يجرؤ البروسيون على فتح باريس). وهكذا تلهى الباريسيون

стр. 5415

بأعلان جمهوريتهم عن الغرض الأساسي وهو حماية باريس من هجوم الأعداء. أو لم نصب بهذا يوم أطلق سراح المرحوم سعد باشا زغلول وصحبه. ويوم ذهب اللورد ملنر يفاوض الوفد، ثم يومأعلن الدستور سنة ١٩٢٤ ففترة ثورتنا وتشتت شملنا؟ كان لأحد أدباء باريس في ذلك العهد غرام بجمع المؤلفات الأدبية ذات الغلاف الأنيق. فأقتنى منها ما يعد ثروة ضخمة رتبها في منزل بجوار باريس. ثم صدق ما كانت تردده الصحف من أستحالة باريس على الهاجمين فمضى في تنسيق تراثه. ثم إذا به بين يوم ولياة يتحقق أن الصباح قد لا يشرق الا مغبراً بخيل العدو. أسرع بما أستطاع حمله، وأوى إلى أول فندق ثم أستراح الراحة الأبدية، فقد وجدوه ميتاً في بكور الصباح. وكان بذلك مشدود الحظ سعيداً. فلم يرسنا بك الأعداء في العاصمة الحبيبة. وإذن لست أول الناس في هذا الشعور الذي أقض مضجعي قبيل ١٤ سبتمبر ولو أني لم أحضى بنصيبه، فلعل الله يريني يوماً ميموناً بالخلاص. اغرق اهلباريس في تحية الحكومة الجديدة بقدر ما أسرفوا في الطعن على الأمبراطورية وما جرت من ويلات، حتى رسخ في ذهن الجمهور أن بروسيا لا تحارب فرنسا، ولكنها تحارب الأمبراطورية. وقد يعجب القارئ إذا علم أن الأمبراطورية التي باتت مثالاً للشقاء في أعين الفرنسيين هي النظام بذاته الذي تأيد بثمانية ملايين من أصوات الناخبين قبل ذلك بشهر. ولقد كان موقف نابليون الثلث شبيهاً بموقف عرابي باشا، ولعل الخير كل الخير كان في أن يموتا في ميدان القتال. ليست العبرة فيما ينفع أنه يرضى الناس بائ الأمر، وأنما العبرة في أن يكون نافعاً وكفى. ولا بد من تعويد النفس أحتمال الكروب في سبيل العقيدة، وثبات العزم على صحيح الرأي. الف الجنرال (تروشي) في عهد الأمبراطورية كتاباً نقد فيه حالة الجيش وخطوط الدفاع من الوجهة الفنية نقداً أغضب الأمبراطور ورجاله ذلك العهد حتى أضروه بسببه. فلما حوصرت باريس وبدا الضعف واضحاً في خطوط التحصين عادت بالشعب ذاكرته إلى الجنرال المؤلف والى كتابه، ووصل الرجل وكتابه إلى الذروة، ولكن الوقت لم يكن يسمح يومئذ بتنفيذ شئ مما أشار به. ولا بد لنا - لأحاطة أخلاقنا بسياج يقيها العثرات - أن نرجع البصر إلى خطوات الماضي، والى عظات من سبقونا من رجالات مصر - فذلك كفيل بحسن التوجيه. شئ من الثبات، وعود إلى أدابنا القومية، وتقاليدنا الشعبية، وشئ من

стр. 5416

الشجاعة الأدبية، لنقول للمخطئ أخطأت، وللمصيب أصبت. جعل الله لنا في الماضي عظة، وفي الحوادث عبرة. وجمع على الحق شتاتنا إنه كريم مجيب. محمد محمود جلالالمحامي من اللزوميات: من أبي العلاء الى الشاعر التونسي محمد الحليوي (أبا العلاء أحقاً أنت في دعة=من الخطوب وفي سلم من الكرب) (الحيلوي) أبا فلان! جزاك الله صالحة … فان وصلك حبلي أطيبُ القُربَ هذا جوابك - لكني أُسِرُّبه … فاشحذ لتسمعنا أذنيك واقترب (قد عشتُ رهن العمى والحبس) منقبضاً … عن رفقة طبيعهم أعدي من الجرب لم أعدُ أنى عددت القوم مذ نضحت … حمقاً جلودهمو صنفاً من القرَبِ وما يضير الورى أن بت مكتفياً … من الطعام بمثل الصَّرْب والصَرَب أغربت عند أناس من غباوتهم … بأننى مِزْت عود النبع والغرَب أمَّا الولاة، فقوم أنت تعرفهم! … يُمنى مخالطُهم بالويل والحَرَب كماسارب منهمو خوفاً وآمننى … في السِّرْب أنى اتخذت الدار كالسَّرّب فدع (أُلُمْبَكَ) أني لست أعرفه، … من لي بذاك، وصحن الدار مضطرَبي وما مررت بقصَّاص فأسمعني … ألا وألفيتنى أمعنت في الهرب فليس يعمر قلب بات يملؤه … بالإفك يصدره عن قلبه الخرب قد عشت ماعشت رهن الحبسين ومن … يعاشر النس باع التمر بالكَرَب فجاء يوماً أبو يحيى وفي يديه … كأس مذاقتها أشهى من الضَّرَب فأسكرتني بلا خمروجدَّبنا … من شربها طرب ناهيك من طرب واذ بعينىَ عادت وهي مبصرة … واذ بذهنَى ذهن الحاذق الدَّرِب نظرت حولي فأبصرت الأُلى سبقوا … على غرار وإذ بالعُجم كالعرب حتى إذا النفس ثابت بعد دهشتها … لاحت مجرّدة من ثوبها التَّرب

стр. 5417

فراعنى انها المرآة منعكساً … نور الحقيقة فيها غيرَ مضطرِب أمانة حملتها النفس قد خفيت … على البصائر لم تدرك من التَّرَب ماكنت مدركها لو لم أمت أبداً … أو كنت مبصرَها أو بالغاً أربى ومن يمت مرة في الدهر واحدة … نال الخلود فما يخشى من الكُرَب من يصقل النفس يكشف عن حقيقتها … ولست تكشفُها بالمنطق الذَّرِب مصطفى العلوي من الأدب الأندلسي التوابع والزوابع بقلم محمد فهمي عبد اللطيف نشأ أبو عامر بن شهيد الاشجعي في الاندلس في قرطبة احدى مدن العلم والادب، وكان هذا الرجل اديبا مغموراً توغل في شعاب البلاغة وطرقها كما يقول ابن خاقان، وله في الادب مجالس معمورة يبث فيها تعاليمه وآراءه، ويالها من تعاليم قيمة، وآراء مبتكرة، ولكنه كان مبتلى بحقد جماعة من معاصريه قصروا عن شأوه فناصبوه الخصومة، فكان وهم كما يقول. وبلّغت أقواما تجيش صدورهم … علىّ وأنى منهم فارغ الصدر أصاخوا الى قولي فأسمعت معجزاً … وغاصوا على سرى فأعياهمو أمري ولكنه لم يلبث أن ضاق صدره بهم، وشغله أمرهم، فاصلاهم ناراً حامية من التهكم المر والتعريض اللاذع، وتفنن في الانتقاص من قدرهم، والحط من شأنهم، وتحداهم بآرائه في النقد والبيان، وازدهى عليهم بقدرته في الشعر والنثر، وساق ذلك كله في قصة خيالية زعم أنها وقعت له في وادي الجن، وان حوادثها جرت بينه وبين شياطين الشعراء والأدباء - هذه القصة هي (التوابع والزوابع) موضوع بحثنا اليوم - وهي رسالة أدبية ممتعة تعد من خير ماخلف في تراثنا الأدبي قوة وجدة وطرافة. ولما كان في التوابع والزوابع شبه من رسالة الغفران، وكان عصر ابن شهيد مندرجاً في عصر المعري، رجح لدى الأدباء ان يكون احد الرجلين ضرب على غرار الآخر، وانساق مع تياره، فاهتموا ببحث الصلة بين الرسالتين، وتلمسوا فضل الأسبقية للسابق من الرجلين، وكان من رأى الدكتور احمد ضيف

стр. 5418

ان ابن شهيد هو الذي احتذى شيخ المعرة وحاكاه، واحتج لذلك بان شهرة ابي العلاء كانت ذائعة في الخافقين، وقد كان اهل الاندلس مولعين بتقليدالمشارقة في آدابهم وأفكارهم بل وفي كل شي؛ ولكن الدكتور زكي مبارك أمعن في البحث والتدقيق، ونظر الى المسألة من جانبين: الجانب الأول التاريخ الذيوضعت فيه التوابع والزوابع وقد استخلصه بالتقريب من قول صاحبها يخاطب جنية (من اخواننا من بلغ الامارة، وانتهى الى الوزارة). وقال: وفي هذا اشارة الى انه وضعها وهو كهل، اي بعد سنة اربعمائة واثنتي عشر للهجرة، واما الجانب الآخر. فهو التاريخ الذي كتبت فيه رسالة الغفران، وقد قال في تحقيقه: إن هذه الرسالة كانت جواباً على رسالة ابن القارح، فاذا علمنا بأن هذا الرجل وضع رسالته بعد أن نيّف على السبعين كما وقع في ثنايا كلامه، واذا علمنا بأنه ول سنة احدى وخمسين وثلثمائة، ثبت لدينا أن رسالة الغفران كتبت حوالي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، أي بعد التوابع والزوابع بنحو عشر سنين، وعلى هذا صار من المرجح أن يكون أبو العلاء هو الذي قلّد ابن شهيد.!! فالدكتور زكي مبارك قد أنصف ابن شهيد حقاً، واستطاع أن يثبت له فضل السبق على صاحبه، ولكنه لم يستطع ان يثبت تهمة التقليد التي رجحها على المعري، وهي تهمة كبيرة لو صحت لكان لها شأن كبير في الأدب، خصوصاً اذا طاوعنا الذين يقولون بأن (دانتي) و (ملتن) - أخذا عن المعري في (الكوميديا الآلهية) و (الفردوس المفقود) والواقع أنه ليس في الرسالتين مايدل على تقليد أو محاكاة؛ نعم إن بينهما شبها في بعض الوجوه، فكل منهما عبارة عن سياحة خيالية إلى عالم آخر، كما أن كل منهما عرضاً لكثير من المشاكل الادبية واللغوية، وزيادة على ذلك فقد اهتم كل من الرجلين بالتهكم بمعاصرين في رسالته؛ ولكن هذا كله تشابه في امور عامة تتوارد فيها الخواطر غالباً، وربما تكون من وقع الحافر كما يقولون. ولو أنك نظرت الى وجه الخلاف بين الرسالتين لرأيته اقوى وادل على تباعد الرجلين واستقلالهما في الفكر والغرض؛ فقد قصد المعري في سياحته الى الفردوس والجحيم في العالم الآخر؛ وذهب ابن شهيد الى وادي الجن في عالم الحياة؛ واختار المعري اشخاص قصته من الرواة والشعراء والملائكة، وارتضاهم ابن شهيد من الشياطين - شياطين الشعراء والأدباء، وعنى المعري بالتعرض لكثير من المسائل الفلسفية والدينية،

стр. 5419

ولم يتعد ابن شهيد القول في البيان والنقد والشعر، وكتب المعري رسالته باسلوب وحشي غريب فلا يستطيع القارئ ان يأتي عليها الا بشق النفس، وقوة الصبر، وبعد الاستعانة بمعاجم اللغة، وساق ابن شهيد قصته فياسلوب عذب رقيق يخلق اللذة في نفس القارئ، ويدفع به الى استيعابها بلا ملل او سآمة؛ ولقد اظهر المعري كثيراً من التباهي بحفظ الغريب والتمكن في قواعد النحو والتصريف، واطال ابن شهيدالقول في الغض من قيمة هذه الامور وتحقير الذين يجعلونها كل همهم؛ ثم بعد هذا كله لاتجد في احدى الرسالتين فكرة اشتملت عليها الأخرى، او رأياً اتفق لكل من الرجلين؛ فلكل منهما فضله في عمله، ولكل منهما شخصيته في رسالته؛ واظن في ذلك مايكفي لدفع تهمة الاخذ والتقليد، سواء اكانت في جانب ابن شهيد كما يقول الدكتور ضيف؛ ام ناحية المعري كما يريد الدكتور زكي مبارك. وحسبي بعد هذا ان افرغ معك للحديث عن التوابع والزوابع، وان استعرض امامك ما احتوته من الاراء والافكار؛ ويقيني انك ستجد فيها كثيرا من الابداع والامتاع، بل سترى شيئاً جديداً يثمره الفكر العربي، وستشهد لصاحبها بالدقة في الوصف، والقوة في التصوير، خصوصاً وصف احوال الشعراء السابقين، وتوصير ميولهم ونفسياتهم، وستعجبك منه روح خفيفة، ونفس مرحة طروب يلذّ لها أن تضحك فتجيد الضحك، ويهمها النادرة الحلوة فتوفق كثيرا الى الحلاوة النارة وبراعة النكتة استهل ابن شهيد رسالته بمقدمةقصيرة اراد ان يبين فيها كيف وقعت له حوادثها، وكيف رحل الى وادي الجن فقال: (كنت في ايام الحداثة احن الى الاداب، واصبوا الى تأليف الكلام، فابتعت الدواوين، وجلست الى الاساتيذ، فنبض في عرق الفهم، ودر لي شريان العلم، ويسير المطالعة من الكتب يؤيدني، إذ صادف شن العلم مني طبقة، ولم أكن كالثلج تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار، اسفاراً؛ وكان لي في اوائل صبوتي هوى اشتد له كلفي، ثم لحقني بعض ملل في اثناء ذلك الليل، فاتفق ان مات من كنت اهواه مدة ذلك الملال، فجزعت، واخذت في رثائه فقلت: تولى الحمام بظبى الحدود … وفاز الردى بالغزال الغرير إلى ان انتهت الى الاعتذار من الملل الذي كان فقلت: وكنت مللتك لاعن قلي … ولا عن فساد ثوى في الضمير

стр. 5420

ثم ارتجع على القول، فاذا انا فارس بباب المجلس، على فرس ادهم قد اتكأ على رمحه، فصاح بي اجز يافتى الأنس، فقتل: لا وأبيك، للكلام احيان، وهذا شأن الانسان؛ فقال قل بعده: كمثل ملال الفتى للنعيم … اذا دام فيه وحال السرور فأثبت اجازته، وقلت: بابي من انت؟ قال: (زهير بن نمير) من أشجع الجن، تصورت لك رغبة في اصطفائك؛ قلت: اهلاً بك ايها الوجه الوضاح، صادفت قلباً اليك مقلوباً، وهوى نحوك محبوباً، وتحادثنا، وتذاكرت معه اخبار الخطباء والشعراء، ومن كان يألفهممن التوابع والزوابع، وقلت له هل من حيلة في لقاء من اتفق منهم؟ قال حتى أستاذن شيخنا، وطار عني، ثم انصرف وقد اذن له فقالجل على متن الأدهم فسرنا عليه؛ وسار بنا كالطير يجتاب الجو فالجو، ويقطع الدوّ فالدو، حتى لمحت ارضاً لا كأرضنا؛ وشارفت جواً لا كجونا، متفرع الشجر، عطر الزهر، فقال: حللت ارض الجن ابا عامر، فبمن تريد ان تبدأ؛ قلت: الخطباء اولى بالتقديم، ولكني الى الشعراء اشوق. . .). وابن شهيد كما ترى يحاول الايجاز في سرد الحوادث، ويود ان ينطلق على طبيعته في ايراد القول، ولكنه لم يوفق كثيراً في هذه المقدمة كما يود، وكما وفق في عرض الرسالة؛ فظهر على أسلوبه مسحة التكلف، ووقعت بعض جملة قلق نابية، كأنه كان يدفع بها إلى غير موضع، ويضعها حيث لا مستقر؛ فمثلاً في قوله: (ويسير المطالعة من الكتب يؤيدني، إذ صادف شن العلم منيطبقة، ولم أكن كالثلج تقتبس منه ناراً، ولا كالحمار يحمل اسفاراً) ثقل يحس به القارئ في اللسان وفي الذوق؛ وزيادة على ذلك فقد اضطرب الرجل في وضع الكلام، واختل به نهج القول. الا تراه يقول في بدء كلامه (كنت في ايام الحداثة احن الى الأداب. . .)، ويسير في الحديث على هذه الكينونة؛ كأنه رحل إلى وادي الجن غض الاهاب، نضر الشباب؛ مع أنه فيما بعد سيشكو الى احدى التوابع مافعلت الايام به!! وسيذكر لها ان من اخوانه من بلغ الامارة. وانتهى الى الوزارة! وفي هذا ما يفيد انه طعن في الكهولة على اقل تقدير ثم تجده يصف صاحبه (زهير بن نمير) بأنهمن اشجع الجن، وكان الاوفق بداهة ان يجعله في الادباء، ما دام القول في الادب والشعر وما دام الحديث عن الادباء والشعراء.

стр. 5421

ولكن هذه هنات هينات. على انها ترجع الى العرض، ولا تمس الجوهر في شيء، وقد تكون هي كل ما في الرسالة من المآخذ؛ ولقد سلك الرجل طريقه بعد ذلك على احسن ما يكون، يجد ويهزل، ويتهكم، ويضحك. ويعالج كثيراً من الآراء العميقة، والافكار القويمة، وهو في كل ذلك طريف خفيف؛ ملء قلمه الفصاحة والبيان، وملء تعابيره البلاغة والايجاز السليم؛ ولقد حدثنا بعد هذه المقدمة أنه لما نزل بوادي الجن، ورغب في البدء بلقاء الشعراء؛ طلب من صاحبه (زهير بن نمير) أن يقدمه الى عيينة بن نوفل شيطان امرئ القيس، فصاح به زهير: يا عيينة بن نوفل، أقسمت عليك بسقط اللوى فحومل ويوم دارة جلجل؛ الا عرضت لنا وسمعت من الانسي، وعرفتنا كيف اجازتك له - يقول ابن شهيد - فظهر لنا فارس على شقراء كأنها تلتهب، فقال حياك الله يا زهير وحيا صاحبك، أهذا هو وحق ابي؟ ثم قال أنشد، قلت: السيد اولى بالانشاد، فتطامح طرفه، واهتز عطفه، وضرب عنان الشقراء، ثم انشد: (سما لك شوق بعد ما كان اقصرا) حتى اكملها. ثم قال انشد، فهممت بالحيصة، ثم اشتدت قوى نفسي وأنشدت: (شجته مغان من سليمى وأدؤر) حتى انتهيت فيها الى قولي: ومن قنة لا يدرك الطرف رأسها … تزل بها ريح الصبا فتحدر تكنفتها والليل قد جاش بحره … وقد جعلت امواجه تتكسر ومن نحت حصنٌ أبيض ذو شقائق … وفي الكفّ من عسّالة الخط أسمر هما صاحباي من لدن كنت يافعاً … مقيلان من جدّ الفتى حين يعثر (للكلام صلة) محمد فهمي عبد اللطيف مِن طرائف الشّعر للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي فجعت الأمة العراقية الكريمة منذ أسبوعين باستشهاد خمسة من طياريها البواسل، سقطت بهم الطيارة على مقربة من مطار الهنيدي، فرثاهم شاعر العراق الكبير بهذه القصيدة (١) خمسة طاروا من عيونالشباب … فوق طيّارة كمثل العقُاب

стр. 5422

أخذت في الجوّ الرفيع تَعالى … ثم خرّت من أوجها كالشهاب إن ذاك الصعود في الجوّ منهم … كان للجد والعُلا والغِلاب صدمٌة في هبوطها أهلكتهم … بعد أن حلّقت بمجرى السحاب لا ترى بعدها على الأرض منهم … غير أشلاءٍ أو دمِ مُنساب انما أوقف المحرّكَ فيها … سببٌ قاهرٌ من الأسباب هلكوا في شرخ الشباب فيا للـ - رزء لّما عرا ويا للمصُاب (٢) فتيةٌ طارت تبتغى المجدّ ذخراً … ولأوطانها تخلّد ذكرا فوق طيّارة بهم في الْـ … جوّ هدّارةٍ فتشبه نسرا كلما استذكرتُ الفجيعةَ أحسـ … تُمن الحزن في فؤادي جمرا ليس عندى ما أستقى منه شعرى … غيرُ عين من الكآبة عَبْرى أنا في الحزن أرسل الشعرَ دمعا … ساخناً ثم أرسل الدمعَ شعرا حسبُ مَن مات عند خدمته أو … طانَه أَنه بها كان بَرّا عاش مَن بَرَّ بالمواطن محمو … داً فان فهو بالحمد أحرى (٣) فتيةٌ صرعى فارقتها الحياة … فبكتها الآباء والأمهات وبكاها العراق حزنا عليها … وبنوه ودجلةٌ والفرات أينما أَلْتَفِتْ أشاهد شحوباً … في وجوه عيونها خَضِلات شّيعتها الى مقابر شتى … عبراتٌ وراءها عبرات إنما المجد لا يموت وان كا … نَ ذووه لحادث قد ماتوا أيها الشعب لا يثّبطك يأسٌ … انما في الموت المُلِمّ حياة أيها النسر ما دهاك وقد كنْ … تَ اذا طرتَ لم يخنك الثبات (٤) هي دنيا كثيرة الإمتاع … وَدَّعوها ولات حين وداع وهو المجد بالمساعي اقتنوه … حبذا المجدُ يُقتنى بالمساعى

стр. 5423

قد أضعناهم خمسةً ليس فيهم … مَن به رِعدةٌ فيها للضياع مشهدٌ للحياةن والموت يُشجى … ما به من تنازع وصِراع لهف نفسي على شباب تردّوا … فنعاهم إلىّ فيالصبح ناع شاع ذاك النعىّ حول الفراتين … فأثِقلْ به على الاسماع جنحت للغروب شمسُ نهارى … ثم منها لم يبق غيرُ شعاع (٥) وقف الموت للأنام رصيدا … كلّ يوم يريد منها شهيدا شطّت الدار بالأحبة عنا … وعسى مَن نأى به ان يُعيدا فتيةٌ كادتها صروفُ الليالي … والليالي من شأنها ان تكيدا أنا لولا شيخوختي ثم دائى … كل يوم نظمتُ فيهم قصيدا حبذا الليل والنهار لو انا … فيهما نستطيع ألاَّ نبيدا فات مَن قد رأى السلامَ رغيبا … أن يرى في الاخطار موتا حميدا (٦) حلّ يودي بخمسةٍ أطهار … قدرٌ نازلٌ من الاقدار بنسور قد حلّقت قبل أن يؤ … ذن ضوءٌ الصباح بالإسفار خطرٌ كله الظلام ولكن … لا تبالى النسور بالأخطار ركبوها طيّارةً لم تخنهم … في تمارينهم وفي التكرار ما دهاها حتى هوتكشهاب … خَرّ من جوّه بلا انذار ثم دارت بهم على نفسها بالرَّ … غم عن كل حيلة الطيّار ثم كان الذي به جرت الأقـ … دار من سقطةٍ لهم وبوار (٧) كلّ يوم تُعطى الحياةُ ضحايا … تبتغى إرضاَء بها للمنايا إن هذا الجيل الذي نحن منه … هو من هاتيك الضحايا بقايا نَبتغى تخفيفَ الرزايا بلهوٍ … نرتضيه فلا تخفّ الرزايا لا أظن الحياةَ تَلقى سلاماً … من بلايا وراءهنَّ بلايا

стр. 5424

ان مَن اعطانا العقولَ اذا ما … شاء ان نردى يستردّ العطايا والذي أنشأ البرايا من البوَ … ر مُعيدٌ الى البوار البرايا كِبَرٌ شفّنى فلم يبق عندى … غير قلبٍ يئنّ تحت الحنايا بغداد جميل صدقي الزهاوي في النقد الألماني النقادة الكبير ليسنغ حياته ومذهبه (١٧٨١ - ١٧٢٩) للأستاذ خليل هنداوي ما عرف الأدب ناقداً كليسنغ جباراً صحيح المقاييس، بليغ التاثير، لا يبني مذهبه على المدرسة القائمة في عصره، وانما يبني مدرسته الجديدة لترتكز عليها مدرسة للأدب جديدة، يوم لم يكن عند الجرمانيين أدب بارز. فحار الناقدون في تفهم هذا الناقد الذي افتتح ادب امة عظيمة بالنقد، وانما عهدهم ان يخلق الادب النقد كما يخلق الاديب الناقد. نشأ ليسنغ ميالافي بدء عهده الى ادب الاوائل، وما كاد يتمكن من هذا الادب حتى تفت لعينيه افق جديد يريد استكشافه، يحث معاصريه على السعي معه حثيثاً ليكون لهم مثل حظه من هذا الاستكشاف، وما اصدق من قال: (كان الادب الالماني قبل ليسنغ مفازة يفتقر السائر المتخبط فيها إلى هادٍ، وهذا الهادي لم يكن إلا إياه) هذا الذي انار المسالك وهدى الادباء الى سبيل في الادب قويمة، يبدى لهم مكامن الابداع ومواطن الخطأ، واسس الادب الجديد على قواعد النقد، وصاغ الشعر مزيجاً من الفن والادب والفلسفة، فكانت نفسه في جميع حالاتها مصابة بطلب المعرفة، هذه المعرفة التي ظن انه لابدّ ملاقيها، فذهب وراءها في احناء الكتب والصحف، وتحرى عنها في مشاهد الوجود. دخل في اول نشأته احد الاديرة يتلقى اللغات القديمة التي كانت لب برامج التعليم القديم، فأبدى من الذكاء والانتباه ما ترك اساتذته في دهشة منه، حتى قال عنه احدهم: (نحن لا

стр. 5425

نستطيع ان نقوم بواجب الشكر لهذا الطالب، فان الدروس التي كان رفاقه يستثقلونها كان يجدها لسولتها كالالهية، انه لجواد يبتغي علوفة مضاعفة). حتى اذا بلغ السابعة عشرة من عمره انكب على علم اللاهوت، ثم تتلمذ للحياة بعد ان انجز تتلمذه للكتب، تلك الكتب التي قال عنها في احدى رسالاته (إنها صنعت مني عالما عارفا ولم تصنع مني انسانا، سأبدا عاجلا بدرس اطواري) فترك علم اللاهوت وعمل على جميع روايته التمثيلية، وقد حثه قريب له اديب على الاختصاص بهذا الفن، الى هذه الحلبة، حتى ظن ان هذا الفتى لن ينصرف بعد اليوم عن الفن الروائي. على ان الضعف ليبرز في هذه القطع التي عرضها، ويغلب على اسلوبها اللون الفرنسي الذي كان يصبغ جميع الاثار الالمانية، وكان مذهبه فيها نفس المذهب المدرسي الذي كان (راسين وكورني وموليير) يبتدعونه ويتبعونه. كأنه كان يؤمن بجمال هذا المذهب ويحمل نفسه على الأخذ به. ولكنه في بعض نظراته يشن الغارة على هذا المذهب، ويطلب الى معاصريه الا يكونوا مقلدين لأذواق غيرهم. وانما الأجدر بهم ان يتفهموا مذاهب غيرهم والا يكونوا مقلدين لها. ونهاهم عن التهافت على ادب امة واحدة كالامة الفرنسية، وهنالك اداب مهملة كأدبها جديرة بالدرس والتمحيص، وفي هذا الصدد قال كلمته المأثورة (اذا اراد الالمان ان يتبعوا مذهباً يلائم طبيعتهم وجبلتهم فليتبعوا الادب الانجليزي الذي هو ادنى لهم من الادب الفرنسي). وقد اشار في اكثر من موضع الى هذه الروح التي شاء ان يغرسها في ادباء عصره. وهو الذي كتب في احدى رسالاته ينتقد المؤلف المسرحي (جوتشيد) ويؤاخذه لاسترساله الى الروح الفرنسية: (يطمع هذا الكتاب في ان يمثل دور المبدع في مسرحنا الجديد، ولكن ما هو هذا المسرح الجديد؟ انه مسرح نصف روحه فرنسية. . . ولعل صاحبنا لا يحفل بهذه الصفات ان لاءمت الروح الالمانية او لا؟ وهو لو انعم النظر في اثارنا القديمة لاوحت اليه ان الادب الانجليزي هو اكثر ملاءمة لروحنا، واننا نتوق الى التامل والتفكر اكثر مما يسمح به الادب الفرنسي لنفسه، وان الادب الذي تتمثل فيه الروعة والعظمة والظلمة هو اكبر سلطانا علينا من ادب الرقة واللوعة والحب، وان البساطة في الادب لتضنينا اكثر من حالاته المركبة المهوشة. . . يجب عليك ايها المؤلف ان تخط لك طريقا يحملك الى

стр. 5426

المسرح الانجليزي. . .) وقد كان انقلابه فجأة الى هذا المذهب وهذا الادب موضع دهشة، اذ تبادر الى اذهان بعض النقاد ان شكسبير وجده هوالذي اثر في ليسنغ، على ان الاسباب الحقيقة التي ساقته الى هذا الادب كانت اعمق من ذلك. فليسنغ بعد ان درس حق الدرس اخلاق الشعب الالماني وجد ان الماساة الحماسية هي التي تبسط تأثيرها في النفوس. وان المأساة المجردة ينبغي لها ان تهبط درجة الى عالم الحقيقة، وان الكوميديا قد تكون ادنى الى الحقيقة، وهي التي تثير ما تثير من ضحك ومن بكاء. وفي النهاية انغمس ليسنغ في التأليف المسرحي. فكان في اول امره يترسم اقدام من تاثر بهم من الاقدمين، وهو خلال ذلك لا يترك الجهاد الا استعداداً لجهاد آخر يفتقر الى عنف كثير وصبر كثير، والغاية التي يتطلبها من وراء ذلك عظيمة، لا الا لمثل هذا النوع من الجلاد، فهو يريد ان يخلق اسلوبا جديداً وتفكيراً جديداً، وما زال يدأب ويجهد حتى وفق الى سعيه بعض التوفيق، وضرب لعصره مثلا عاليا للرواية التي تمثل احسن تمثيل صفات قومه واخلاق قومه. وهو - وان لم يبلغ برواياته القمة التي لا تلين خياشيمها الا للعباقرة فقد كاد. . . ثم طفق ليسنغ يكتب في احدى خلواته مقاطيع من الكتاب الذي خلد اسمه على الدهر في عالم النقد، كتاب] اللاوكون [الذي حشر فيه خلاصة نظراته في التأليف المسرحي. وفيه عالج الشعر وعُني بأسلوبه والوسائل التي ترمي الى إحيائه. وما هو مذهب ليسنغ في الشعر؟ لقد كانت المدرسة الويسرانية تعتقد أن الشعر إن هو إلا تصوير صامت. والشاعر الألماني (فينجيلمن كان يرد أصول الفن مهما تنوعت فروعها إلى مثل عال واحد تنضوي تحته. وهذا المثل هو العظمة المتجلببة بالسكينة. . . وهذا المثل الأعلى مثله كالبحر العميق يبقى هادئاً مهما تقاذفته قواذف الريح. وحاله حال تصاوير اليونان فهي في أحدى ثوراتها وأهوائها الجامحة تظل مالكة لعظمتها ولنفسها، ومثل هذه الروح يمثلها تمثال (اللاوكون) بوجهه وأعضائه المتصلبة في ساهة الألم العنيف. وقد لام هذا الشاعر الألماني شاعر إيطاليا الكبير (فرجيل) لأنه وصف (اللاوكون) بصورة شعرية خالف فيها الصورة التي

стр. 5427

نحتها الحفار. إذ تركه في مقطوعته الشعرية يصيح من الألم صيحات منكرة، ولكن ليسنغ يجابه في كتابه نقد الشاعر الألماني، ويعتقد أن للشعر قواعده الخاصة، وللنحت قواعده الخاصة، ويرى أن في استطاعة الفن الشعري أن يمثل لنا الشيء حتى نحدق به من جوانبه. بينا أن الفن الثاني لا يمثل لنا من هذا الشيء إلا لحظة موقوتة هي كل شيء في هذا الشيء. وبينما نرى الرسم يخضع للهيئة الجامدة التي يتلبس بها نرى الشعر حرا طليقا يحيا بحركته واضطرابه واختلافه. وهكذا لبث هذا الكتاب أثراً ناطقاً للرجل، وقد ترك وراءه صدى بعيدا وتأثيرا ترامى في الأقطار. وهو كما قال فيه (جوته) شاعر الألمان يجب أن تكون فتى أيها الكتاب في أرواحنا وكفى بهذه الكلمات التي يرددها جوته شهادة. وهكذا أراد ليسنغ أن يبني نقده على نظريات ثابتة لا يذهب بها الوهم. فاستمد قانون (أرسطو) يعمل به لتنظيف الأهواء. ومن هذا القانون قد استمد ليسنغ أكثر نظراته التقدية كأنما كان يحاول أن يقتل الحدة والجموح والطيش في الأدب ويترك إلى العقل سبيلاً ينفذ منه ليبقى مالكا على الأهواء في أعنف ثوراتها. وقد شاء ليسنغ أن يغزو حقل الأخلاق دأبه في كل حقل يغزوه، فكتب مقطوعات في الحكمة دلت على سمو نفسه. فهو يعتقد أن قيمة الرجل ليست بالفضيلة التي يحرزها، أو بالفضيلة التي ظن أنه يحوزها، ولكن قيمته تنحصر في الجهود التي يقوم بها في سبيل إحرازها، لأن المجد لا يتوقف على صفة الاحراز، ولكن على العمل للفضيلة التي يكثر به جنودها. ويعتز هو بانتصارها. ويقول أيضاًإذا الله قبض على الفضيلة الكاملة بيده اليمنى ووضع في يده اليسرى التوق الخالد - توق القلب - الى الفضيلة. مازجا معه انخداع الانسان؛ وقال لي: انتخب، فانني إذ ذاك آخذ بيده اليسرى بكل تواضع وأقول. أعطني ياإلهي. . . لأن الفضيلة الكاملة التي وضعتها في يمينك لم تصنع إلا من أجلك وقد ولَّدت عنده هذه الحكمة حكمة دينية أبداها في بعض مقاطيع صغيرة. حيث أبدى أن الوحي الإلهي ليس بواحد ولا بثابت ممتنع عن التغير. ولكنه يتنوع ويتقلب ويتقدم كالإنسانية نفسها. وقد أدرك ليسنغ الذروة العالية في روايته (الحكيم ناتان) اذ أعلن أن الحكيم الحقيقي هو الذي يتروض على الفضيلة ويخضع لأحكام العناية الإلهية الخالدة. لقد فهم رجال الأدب بعض جوانب هذا الرجل العظيم، ولن تظهر عظمته واضحة إلا بعد

стр. 5428

أن يرجعوا الى البذور الفنية التي نثرها في طريقه، وهل كان (جوته) و (هير دار) إلا أول فنن من هذه الشجرة، أورق وأزهر وأثمر، ثم أتى أكله فكان نعم الأكل. العلوم بحث في تاريخ الانسان بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافيا إذا أردنا الكتابة أو البحث في تطور الإنسان على ممر الدهور والأيام، فانما نعني في الحقيقة تاريخ الانسان، تاريخ حياته وجهاده وكيف. . ومتى. . ومن أين أتى بشكله الطبيعي المألوف الذي نراه به اليوم. وكيف تكونت همده القوى العقلية والقدرة على التكلم والتفاهم. من الواضح الجلي أننا إذا حاولنا الكتابة في هذه الحادثات التاريخية القديمة، يجب علينا أن نوجه أبحاثنا وننظر بعيداً الى عصر قديم جداً من العصور، يقع قبل التواريخ المدونة في الكتب بمراحل كبيرة جداً. ونجد لزاماً علينا في هذه الحالة أن نقص عليك أطيب القصص عن عصر لميوجد به رأي يفكر أو يد تسطر لنا ثمرات هذا التفكير. ولقد خيل للعلماء أجمع استحالة تتبعهم وتفهمهم لما حدث في تلك الأحقاب السحيقة، ثم تسطير تلك الحوادث التي حدثت منذ آلاف السنين، لو لم تأت المصادفات ويساعد الحظ الحسن على كشف أستار الماضي الكثيفة. فانه في حوالي سنة ١٨٢٥ قامت بعثة أيرية دنمركية بالبحث عما قد يكون مندثراً في أراضي بلادها من أيلحة أو حلي أو آنية قديمة، ثم وضعت كل ما وجد في متحف كوبنهاجن. وفي سنة ١٨٣٠ حينما ازدادت كمية المحفوظ به فكر مدير قسم الآثار س. ج. تومسون تقسيم المحفوظات الى أقسام ترتب حسب نوع المعدن المصنوعة منه. إلا أنه في ذلك الوقت أتته فكرة طارئة، كانت ذات أثر بين في سير التاريخ الانساني، وذلك أنه ساءل نفسه عما إذا كان من المحتمل أن تكون تلك المحفوظات عنده في المتحف كل منها يمثل عصراً خاصاً من عصور الانسانية، وجاءت الحوادث بعد ذلك لتحقق صدق حدسه الذي خمَّنه، فقد وجدت أشياء أخرى بطريق المصادفة لفريق منعمال البناء عند حفرهم آبار

стр. 5429

منازل كلها من مرافق الإنسان الذي عاش في العصور السالفة، وكان أقربها لسطح الأرض الحديدية والبروتزية فالحجرية. فأخذ علماء الدنمرك حينذاك يعرفون أن الأرض نفسها سجل صامت ثابت يحفظ تاريخاً صحيحاً لأعمال وحياة الإنسان في العصور السالفة، ووجدوا ذلك صحيحاً في كل جهة من جهات بلادهم: في المقابر القديمة، في الآبار وفي شواطيء الأنهار مما يملي عليهم التاريخ الصحيح للانسان القديم. من كل تلك الأشياء وصل تومسن الى نتيجة نهائية، هي أن تاريخ الإنسان القديم مقسم الى ثلاثة عصور: الحجري والبرنزي فالحديدي، وبذا كانت الدنمرك أحدث الجهات في التكوين جيولوجيا، هي أول مكان بحث التاريخ السحيق للانسان على هذا النمط العلمي الجديد. حول العلماء الفرنسيون بعد ذلك طريق كتابتهم لتاريخ الإنسان وجاروا الدنمركيين في طريقتهم، ووجدوا مادة بحثهم الجديد في كهوف مقاطعة وبدأ ادوارد لابيت ومعاونوه البحث فيها حزالي عام ١٨٦٠ فوجد أن معظمها كان مستعملاً قبل ذلك كمساكن أو مقابر في كل عصور التاريخ القديم، وكان من عدم اعتناء السكان الأقدمين بالنظافة وترك كهوفهم مملوءة بالبقايا والأدوات حظ حسن للتاريخ، وكان من تساقط المياه الملحية من سقوف الكهوف خير معوان وخير عامل على حفظ تلك البقايا الانسانية بعيدة عن الضياع أو التلف، وارتفع قاع الكعوف بالعوامل الطبيعية والجيولوجية، فحفظت الأرض بين ثناياها على ارتفاع ينيف على الثلاثين قدماً آثاراً عظيمة الشأن للحياة الانسانية من مدة طريلة من الزمن. ولم يطل الزمنبعد ذلك حتى عرف الفرنسيون أن كهوف بلادهم تحفظ تاريخ الإنسان لمدة أقدم بكثير مما تحفظه مقابر اسكنديناوه أو قدماء المصريين. ولم تكن العصور الامسانية الثلاثة المعروفة لهم سوى عصور حديثة جداً إذا ما قيست بما تنم عليه آثار كهوف فرنسا، ومن بينها الهياكل العظيمة المتحجرة للحيوانات التي كانت تعيش في تلك العصور، كغزال الرنة، والضبع ودب الكهوف. ولقد قسم اللورد ايفبري العصر الحجري إلى قسمين: أسمي أحدهما العصر الحجري الحديث القريب من العصر البرنزي وهو ما وجدت آثاره

стр. 5430

في الدنمرك، وأسمي الآخر العصر الحجري وكلما ازداد الفرنسيون تعمقاً في حفرياتهم ازدادوا يقيناً بصحة ترتيب تلك العصور المختلفة وبتغيرات عديدة قد حدثت للمناخ وقتذاك، وعرفوا أنه لم يكن هناك عصر حجري قديم واحد كما ظن السير ايفبري بل جملة عصور متتابعة متناهية في القدم يمتاز كل عصر منها بميزات مختلفة، أمكن انتزاعها من الآثار التي وجدوها. وزاد يقينهم في هذه النظرية تكرار وتماثل ترتيب الطبقات في كل الكهوف التي بحثوها. وقد وجد علماء الانجليز والألمان والطليان والاسبان بدورهم نفس الظواهر والترتيب الذي وجد في كهوف فرنسا. وهكذا نرى أن الكهوف قد أمدتنا بالمعلومات والحقائق الخاصة بتاريخ الإنسان القديم، وأمكننا تسطير تاريخ دقيق لا عن المدة التي كشفت عنها حفائر الدنمرك فقط، بل عن مدة تتناهى في القدم عن تاريخ قدماء المصريين أو تاريخ بابل القديم. وإنك لتدهش حقاً إذ تعرف أن تلك الحفريات قد كشفت لنا عن ظاهرة ليست غريبة عن عصرنا، وهي مسألة الزي، أو المودة فقد ثبت منها أن مجرد وضع زي خاص لملبس أو زينة في بلد في تلك العصور كان كافياً لانتشاره في العالم القديم أجمع، ولذلك ترى أن أجدادك وأجدادنا الأقدمين كانوا مثلنا عبيداً للزي المتفشي في العصر. ولو أن زيهم كان أثبت قدماً وأطول بقاء من زينا الذي يتغير سريعاً بتغير الفصول والمناسبات. لنر الآن إلى أي حد تعمق البحث في تاريخ الكهوف القديم. من الشكل رقم ١ يرى القاريء قطاعاً رأسياً في كهف مثلى كملت فيه الطبقات والعصور التي وصل العلماء إلى الكشف عنها. ومنه يمكنه أن يلاحظ أن العصور الثلاثة المعروفة (الحديدي والبرونزي والحجري) تقع في أحدث جهات الكهف كشفاً، ومن بعدها عصر سماه العلماء (لأن الحفريات التي دلت على وجوده عملت بالقرب من قرية , في فرنسا) يجيء بعده عصر سموه (نسبة الى كهف في مقاطعة الدردون) يتبعه عصر سمي (نسبة الى جهة بالقرب من ماسون بفرنسا) فعصر أطلق عليه إسم (نسبة إلى قرية في أعلى الجارون) وآخر هذه العصور عصر أطلق عليه إسم نسبة إلى الكهف في مقاطعة داردوني وليس هناك أدنى شك في صحة ترتيب العصور السالفة الذكر، لأن الابحاث التي قام بها
следующие страницы →