← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

المسرح الانجليزي. . .) وقد كان انقلابه فجأة الى هذا المذهب وهذا الادب موضع دهشة، اذ تبادر الى اذهان بعض النقاد ان شكسبير وجده هوالذي اثر في ليسنغ، على ان الاسباب الحقيقة التي ساقته الى هذا الادب كانت اعمق من ذلك. فليسنغ بعد ان درس حق الدرس اخلاق الشعب الالماني وجد ان الماساة الحماسية هي التي تبسط تأثيرها في النفوس. وان المأساة المجردة ينبغي لها ان تهبط درجة الى عالم الحقيقة، وان الكوميديا قد تكون ادنى الى الحقيقة، وهي التي تثير ما تثير من ضحك ومن بكاء. وفي النهاية انغمس ليسنغ في التأليف المسرحي. فكان في اول امره يترسم اقدام من تاثر بهم من الاقدمين، وهو خلال ذلك لا يترك الجهاد الا استعداداً لجهاد آخر يفتقر الى عنف كثير وصبر كثير، والغاية التي يتطلبها من وراء ذلك عظيمة، لا الا لمثل هذا النوع من الجلاد، فهو يريد ان يخلق اسلوبا جديداً وتفكيراً جديداً، وما زال يدأب ويجهد حتى وفق الى سعيه بعض التوفيق، وضرب لعصره مثلا عاليا للرواية التي تمثل احسن تمثيل صفات قومه واخلاق قومه. وهو - وان لم يبلغ برواياته القمة التي لا تلين خياشيمها الا للعباقرة فقد كاد. . . ثم طفق ليسنغ يكتب في احدى خلواته مقاطيع من الكتاب الذي خلد اسمه على الدهر في عالم النقد، كتاب] اللاوكون [الذي حشر فيه خلاصة نظراته في التأليف المسرحي. وفيه عالج الشعر وعُني بأسلوبه والوسائل التي ترمي الى إحيائه. وما هو مذهب ليسنغ في الشعر؟ لقد كانت المدرسة الويسرانية تعتقد أن الشعر إن هو إلا تصوير صامت. والشاعر الألماني (فينجيلمن كان يرد أصول الفن مهما تنوعت فروعها إلى مثل عال واحد تنضوي تحته. وهذا المثل هو العظمة المتجلببة بالسكينة. . . وهذا المثل الأعلى مثله كالبحر العميق يبقى هادئاً مهما تقاذفته قواذف الريح. وحاله حال تصاوير اليونان فهي في أحدى ثوراتها وأهوائها الجامحة تظل مالكة لعظمتها ولنفسها، ومثل هذه الروح يمثلها تمثال (اللاوكون) بوجهه وأعضائه المتصلبة في ساهة الألم العنيف. وقد لام هذا الشاعر الألماني شاعر إيطاليا الكبير (فرجيل) لأنه وصف (اللاوكون) بصورة شعرية خالف فيها الصورة التي

стр. 5427

نحتها الحفار. إذ تركه في مقطوعته الشعرية يصيح من الألم صيحات منكرة، ولكن ليسنغ يجابه في كتابه نقد الشاعر الألماني، ويعتقد أن للشعر قواعده الخاصة، وللنحت قواعده الخاصة، ويرى أن في استطاعة الفن الشعري أن يمثل لنا الشيء حتى نحدق به من جوانبه. بينا أن الفن الثاني لا يمثل لنا من هذا الشيء إلا لحظة موقوتة هي كل شيء في هذا الشيء. وبينما نرى الرسم يخضع للهيئة الجامدة التي يتلبس بها نرى الشعر حرا طليقا يحيا بحركته واضطرابه واختلافه. وهكذا لبث هذا الكتاب أثراً ناطقاً للرجل، وقد ترك وراءه صدى بعيدا وتأثيرا ترامى في الأقطار. وهو كما قال فيه (جوته) شاعر الألمان يجب أن تكون فتى أيها الكتاب في أرواحنا وكفى بهذه الكلمات التي يرددها جوته شهادة. وهكذا أراد ليسنغ أن يبني نقده على نظريات ثابتة لا يذهب بها الوهم. فاستمد قانون (أرسطو) يعمل به لتنظيف الأهواء. ومن هذا القانون قد استمد ليسنغ أكثر نظراته التقدية كأنما كان يحاول أن يقتل الحدة والجموح والطيش في الأدب ويترك إلى العقل سبيلاً ينفذ منه ليبقى مالكا على الأهواء في أعنف ثوراتها. وقد شاء ليسنغ أن يغزو حقل الأخلاق دأبه في كل حقل يغزوه، فكتب مقطوعات في الحكمة دلت على سمو نفسه. فهو يعتقد أن قيمة الرجل ليست بالفضيلة التي يحرزها، أو بالفضيلة التي ظن أنه يحوزها، ولكن قيمته تنحصر في الجهود التي يقوم بها في سبيل إحرازها، لأن المجد لا يتوقف على صفة الاحراز، ولكن على العمل للفضيلة التي يكثر به جنودها. ويعتز هو بانتصارها. ويقول أيضاًإذا الله قبض على الفضيلة الكاملة بيده اليمنى ووضع في يده اليسرى التوق الخالد - توق القلب - الى الفضيلة. مازجا معه انخداع الانسان؛ وقال لي: انتخب، فانني إذ ذاك آخذ بيده اليسرى بكل تواضع وأقول. أعطني ياإلهي. . . لأن الفضيلة الكاملة التي وضعتها في يمينك لم تصنع إلا من أجلك وقد ولَّدت عنده هذه الحكمة حكمة دينية أبداها في بعض مقاطيع صغيرة. حيث أبدى أن الوحي الإلهي ليس بواحد ولا بثابت ممتنع عن التغير. ولكنه يتنوع ويتقلب ويتقدم كالإنسانية نفسها. وقد أدرك ليسنغ الذروة العالية في روايته (الحكيم ناتان) اذ أعلن أن الحكيم الحقيقي هو الذي يتروض على الفضيلة ويخضع لأحكام العناية الإلهية الخالدة. لقد فهم رجال الأدب بعض جوانب هذا الرجل العظيم، ولن تظهر عظمته واضحة إلا بعد

стр. 5428

أن يرجعوا الى البذور الفنية التي نثرها في طريقه، وهل كان (جوته) و (هير دار) إلا أول فنن من هذه الشجرة، أورق وأزهر وأثمر، ثم أتى أكله فكان نعم الأكل. العلوم بحث في تاريخ الانسان بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافيا إذا أردنا الكتابة أو البحث في تطور الإنسان على ممر الدهور والأيام، فانما نعني في الحقيقة تاريخ الانسان، تاريخ حياته وجهاده وكيف. . ومتى. . ومن أين أتى بشكله الطبيعي المألوف الذي نراه به اليوم. وكيف تكونت همده القوى العقلية والقدرة على التكلم والتفاهم. من الواضح الجلي أننا إذا حاولنا الكتابة في هذه الحادثات التاريخية القديمة، يجب علينا أن نوجه أبحاثنا وننظر بعيداً الى عصر قديم جداً من العصور، يقع قبل التواريخ المدونة في الكتب بمراحل كبيرة جداً. ونجد لزاماً علينا في هذه الحالة أن نقص عليك أطيب القصص عن عصر لميوجد به رأي يفكر أو يد تسطر لنا ثمرات هذا التفكير. ولقد خيل للعلماء أجمع استحالة تتبعهم وتفهمهم لما حدث في تلك الأحقاب السحيقة، ثم تسطير تلك الحوادث التي حدثت منذ آلاف السنين، لو لم تأت المصادفات ويساعد الحظ الحسن على كشف أستار الماضي الكثيفة. فانه في حوالي سنة ١٨٢٥ قامت بعثة أيرية دنمركية بالبحث عما قد يكون مندثراً في أراضي بلادها من أيلحة أو حلي أو آنية قديمة، ثم وضعت كل ما وجد في متحف كوبنهاجن. وفي سنة ١٨٣٠ حينما ازدادت كمية المحفوظ به فكر مدير قسم الآثار س. ج. تومسون تقسيم المحفوظات الى أقسام ترتب حسب نوع المعدن المصنوعة منه. إلا أنه في ذلك الوقت أتته فكرة طارئة، كانت ذات أثر بين في سير التاريخ الانساني، وذلك أنه ساءل نفسه عما إذا كان من المحتمل أن تكون تلك المحفوظات عنده في المتحف كل منها يمثل عصراً خاصاً من عصور الانسانية، وجاءت الحوادث بعد ذلك لتحقق صدق حدسه الذي خمَّنه، فقد وجدت أشياء أخرى بطريق المصادفة لفريق منعمال البناء عند حفرهم آبار

стр. 5429

منازل كلها من مرافق الإنسان الذي عاش في العصور السالفة، وكان أقربها لسطح الأرض الحديدية والبروتزية فالحجرية. فأخذ علماء الدنمرك حينذاك يعرفون أن الأرض نفسها سجل صامت ثابت يحفظ تاريخاً صحيحاً لأعمال وحياة الإنسان في العصور السالفة، ووجدوا ذلك صحيحاً في كل جهة من جهات بلادهم: في المقابر القديمة، في الآبار وفي شواطيء الأنهار مما يملي عليهم التاريخ الصحيح للانسان القديم. من كل تلك الأشياء وصل تومسن الى نتيجة نهائية، هي أن تاريخ الإنسان القديم مقسم الى ثلاثة عصور: الحجري والبرنزي فالحديدي، وبذا كانت الدنمرك أحدث الجهات في التكوين جيولوجيا، هي أول مكان بحث التاريخ السحيق للانسان على هذا النمط العلمي الجديد. حول العلماء الفرنسيون بعد ذلك طريق كتابتهم لتاريخ الإنسان وجاروا الدنمركيين في طريقتهم، ووجدوا مادة بحثهم الجديد في كهوف مقاطعة وبدأ ادوارد لابيت ومعاونوه البحث فيها حزالي عام ١٨٦٠ فوجد أن معظمها كان مستعملاً قبل ذلك كمساكن أو مقابر في كل عصور التاريخ القديم، وكان من عدم اعتناء السكان الأقدمين بالنظافة وترك كهوفهم مملوءة بالبقايا والأدوات حظ حسن للتاريخ، وكان من تساقط المياه الملحية من سقوف الكهوف خير معوان وخير عامل على حفظ تلك البقايا الانسانية بعيدة عن الضياع أو التلف، وارتفع قاع الكعوف بالعوامل الطبيعية والجيولوجية، فحفظت الأرض بين ثناياها على ارتفاع ينيف على الثلاثين قدماً آثاراً عظيمة الشأن للحياة الانسانية من مدة طريلة من الزمن. ولم يطل الزمنبعد ذلك حتى عرف الفرنسيون أن كهوف بلادهم تحفظ تاريخ الإنسان لمدة أقدم بكثير مما تحفظه مقابر اسكنديناوه أو قدماء المصريين. ولم تكن العصور الامسانية الثلاثة المعروفة لهم سوى عصور حديثة جداً إذا ما قيست بما تنم عليه آثار كهوف فرنسا، ومن بينها الهياكل العظيمة المتحجرة للحيوانات التي كانت تعيش في تلك العصور، كغزال الرنة، والضبع ودب الكهوف. ولقد قسم اللورد ايفبري العصر الحجري إلى قسمين: أسمي أحدهما العصر الحجري الحديث القريب من العصر البرنزي وهو ما وجدت آثاره

стр. 5430

في الدنمرك، وأسمي الآخر العصر الحجري وكلما ازداد الفرنسيون تعمقاً في حفرياتهم ازدادوا يقيناً بصحة ترتيب تلك العصور المختلفة وبتغيرات عديدة قد حدثت للمناخ وقتذاك، وعرفوا أنه لم يكن هناك عصر حجري قديم واحد كما ظن السير ايفبري بل جملة عصور متتابعة متناهية في القدم يمتاز كل عصر منها بميزات مختلفة، أمكن انتزاعها من الآثار التي وجدوها. وزاد يقينهم في هذه النظرية تكرار وتماثل ترتيب الطبقات في كل الكهوف التي بحثوها. وقد وجد علماء الانجليز والألمان والطليان والاسبان بدورهم نفس الظواهر والترتيب الذي وجد في كهوف فرنسا. وهكذا نرى أن الكهوف قد أمدتنا بالمعلومات والحقائق الخاصة بتاريخ الإنسان القديم، وأمكننا تسطير تاريخ دقيق لا عن المدة التي كشفت عنها حفائر الدنمرك فقط، بل عن مدة تتناهى في القدم عن تاريخ قدماء المصريين أو تاريخ بابل القديم. وإنك لتدهش حقاً إذ تعرف أن تلك الحفريات قد كشفت لنا عن ظاهرة ليست غريبة عن عصرنا، وهي مسألة الزي، أو المودة فقد ثبت منها أن مجرد وضع زي خاص لملبس أو زينة في بلد في تلك العصور كان كافياً لانتشاره في العالم القديم أجمع، ولذلك ترى أن أجدادك وأجدادنا الأقدمين كانوا مثلنا عبيداً للزي المتفشي في العصر. ولو أن زيهم كان أثبت قدماً وأطول بقاء من زينا الذي يتغير سريعاً بتغير الفصول والمناسبات. لنر الآن إلى أي حد تعمق البحث في تاريخ الكهوف القديم. من الشكل رقم ١ يرى القاريء قطاعاً رأسياً في كهف مثلى كملت فيه الطبقات والعصور التي وصل العلماء إلى الكشف عنها. ومنه يمكنه أن يلاحظ أن العصور الثلاثة المعروفة (الحديدي والبرونزي والحجري) تقع في أحدث جهات الكهف كشفاً، ومن بعدها عصر سماه العلماء (لأن الحفريات التي دلت على وجوده عملت بالقرب من قرية , في فرنسا) يجيء بعده عصر سموه (نسبة الى كهف في مقاطعة الدردون) يتبعه عصر سمي (نسبة الى جهة بالقرب من ماسون بفرنسا) فعصر أطلق عليه إسم (نسبة إلى قرية في أعلى الجارون) وآخر هذه العصور عصر أطلق عليه إسم نسبة إلى الكهف في مقاطعة داردوني وليس هناك أدنى شك في صحة ترتيب العصور السالفة الذكر، لأن الابحاث التي قام بها

стр. 5431

العلماء بعد ذلك لم تكشف لنا إلا عن تتابع صورة طبق الأصل لما قد بيناه في هذا المقال. إلا أننا نقف لحظة ونسائل أنفسنا ما هي فترة كل عصر من تلك العصور؟ ومتى بدأ كل عصر منها؟. . ومتى انتهى كل منها؟. إن السنين المذكورة في شكلنا رقم ١ ما هي إلا عدد تقديري تقريبي غير ثابت تمام الثبوت، وربما كشف لنا العلماء حديثا ما يدفعنا إلى تغيير في هاته الأرقام. لكننا مع ذلك نعلم أن فترة الكهوف قد انتهت بانتهاء عصر الجليد. ولقد استطاع علماء السويد وعلى الأخص البارون دي جير أن يضعوا لنا تقديرا معقولا انتزعوه من آثار عصر الجليد وعرفنا منهم أن عصر الجليد قد بدأ في السويد من مدة ١٢٠٠٠ سنة مضت تقريبا. ونحن إذا قدرنا أن حياة الإنسان في الكهوف قد انتهت من مدة ١٠٠٠٠ سنة أو ٨٠٠٠ قبل الميلاد لأمكننا أن نقرر لأقدم عصر من عصور الكهوف تقديرا غير مبالغ فيه وهو ٤٢٠٠٠ سنة. ولكي تعلم أيها القاريء أن أقدم عصر من عصور الكهوف هو أهم عصر في هذه العصور جميعا، يكفي أن نخبرك أنه بين طبقات الأرض في هذا العصر قد وجدت بقايا عظام متحجرة لعنصر من عناصر المخلوقات يختلف اختلافا عظيما جدا يبعده عن الصورة التي كان عليها أقدم الأجناس البشرية المعروفة. هذا النوع أو الجنس يعرف باسم انسان النيادرانتال ويمتاز هذا النوع بفرطحة الجمجمة وبروز عظام محاجر العين. كان رجاله ونساؤه ذوي قامات محدودبة يعتمدون كما تعتمد القردة على أيديهم في المشي. وقد بدأ هذا النوع من أنواع الإنسان القديم يظهر واضحا جليا بآثاره ومخلفاته في أواخر أقدم عصر من العصور التي ذكرناها مستر يان. ومن الآثار والمخلفات التي وجدت في الكهوف القديمة في جميع أنحاء العالم أمكن تتبع حياة الإنسان لمدة تنيف عن ٤٠٠٠٠ سنة في وقت كانت فيه أوروبا مسكونة بعنصر من العناصر الانسانية يختلف اختلافا بينا عن العنصر الذي نحن منه. عنصر أطلقنا عليه كما سلف وثبت أن أوربا كان سيكنها في العصر القديم الذي أطلقنا عليه اسم عنصر من الإنسان النياندرتال. وبرغم أن الإنسان الذي وجدت آثاره كان فطريا أقرب في حياته الى الحيوانية فانه كان

стр. 5432

رجلا أو إنسانا بكل ما في جسمه من صفات وما في عقله من خواص وتفكير. وما دمنا نرمي الى الوصول لفجر الانسانية ومعرفة تاريخ النشأة البشرية فانه يجب علينا أن نتخذ لنا طريقا آخر يساعدنا على تفهم ما نريد ومعرفة ما نرمي اليه. هذا الطريق هو البحث في الأنهار والمجاري المائية. وإن البحث والتنقيب اللذين قام الناس بهما فيها، دلا على أن هناك آثارا ومخلفات قديمة تحفظها الأنهار والمجاري في قاعها وشواطئها ومدرجاتها، وكأنها تقدر مجهود الإنسان لحفظ كيانه، فعملت على حفظ آثاره وتخليد ذكره تنويهاً منها بعظمته وقوته. ولنا في مدرجات نهر التيمس اكبر دليل على ذلك. ولقد ساعدت عملية الردم والتكوين التي تقوم بها الأنهار بما تحمله من غرين وغيره اثناء طريقها على حفظ اثار الانسانية، حتى جاء بورشيه دي بيرث فوجد في بلده ابفيل صخورا نارية (كان الناس وقتذاك يعقتدون انها من مخلفات الصواعق) اعتقد انها من عمل الإنسان ووجد بها اثرا من فن الانسان، واعتقد ان الإنسان قد استعملها قديما كـ (بلطات) يقطع بها الاشجار وغيرها، او يدافع بها عن نفسه وقت الخطر. كذلك وجد في نفس الجهة عظاما متحجرة لحيوانات قديمة منقرضة، وهنا نظر اليه الناس كنظرتهم الى من بعقله مس من الشيطان، لأن العظام التي كشف عنها ترجع الى عصر وهو عصر اعتقدوا ان الإنسان لم يوجد فيه. فكيف بهذا الرجل يقول ان الصخور التي وجدها من قطع وتشكيل من لم يكن قد وجد بعد؟ يتبع نعيم علي راغب من الأدب التركي المعلمة الصغيرة ترجمة الآنسة الفاضلة (فتاة العرب) ركبت عربة الترام ولم يكن فيها غير السائق الذي كان مغمضاً عينيه يستريح قليلاً من عناء أربع عشرة ساعة، أما بائع التذاكر فكان جالساُ في المكان المعد للسيدات يقرأ جريدته على ذلك الضوء الشاحب الهزيل الذي كان ينفذ من زجاج ذلك المصباح الأغبر، وليس يعلم إلا الله كم مرة أخرجها من جيبه وأعادها أليهوكأن دخولي إلى تلك العربة وهي آخر

стр. 5433

العربات في ذلك الوقت من تلك الليلة الشاتية نفخ فيها حياة بعد أن كاد يقتلها الإعياء، فقد من نومه وفتح عينيه المغمضتين، وأبعد بائع التذاكر الصحيفة عن وجهه وصعد بصره في كأنه يقول: وهل بقي من راكب بعد أن مضى الهزيع الأول من هذا الليل الممطر؟. ثم قام الاثنان ونظرا إلى الخارج كأنهما يريدان أن يريا المطر الذي كان يسفع زجاج العربة بشدة، وعاد في الحال كل إلى مكانه لأن وقت الحركة لم يحن بعد، فأغمض السائق عينيه، ورفع بائع التذاكر جريدته إلى وجهه وأخذ يقرأ. جلست وفي نفسي أن انتظاري سيطول، لقد كان منتظر العربة مؤلماً جداً، كانت أطرافها ملوثة بالطين، وكان زجاجها مستوراً بطبقة من مياه الأمطار التي كانت تسيل عليها، وكان نورها ضئيلاً، وهي واقفة تحت سيل الأمطار الذي لم ينقطع منذ ساعات وقفة حزن وملل تنتظر الوقت لتسير. كم كان مؤلماً منظر الخيل وهي تنتظر بفارغ الصبر العودة في تلك الساعة إلى اصطبلها الدافئ، ومنظر السائق الذي هد ّ التعب جسمه وغلبه النعاس فلا يكاد يرفع رأسه، ومنظر بائع التذاكر الذي كان يود النزوح ولو بخياله عن خط الترام الذي هو كل ما تراه عينه في كل يوم منذ الصباح حتى المساء، فهو يتلهى بالنظر إلى جريدته كلما سنحت له الفرصة. . كنت وأنا أنظر إلى المياه التي كانت تسح من مظلتي التي ابتلت من المطر الغزير فتؤلف دوائر، أقول في نفسي: (أن هذه العربة التي كادت قطعها تنفصل عن بعضها لكثرة ما حملت من الناس لأراحتهم، وهذين الحيوانين اللذين أكل عليهما الدهر وشرب، وهذين الرجلين البائسين، وهذا الخط الحديدي الذي يفسح لنفسه الطريق بين الأوحال من (الجسر) حتى (جنبرلي طائش). كل هؤلاء مكلفون في هذا الليل المدلهم بحملي وحدي بأجرة لا تزيد على قرش واحد). دق الجرس فجأة ففتح السائق عينيه ونهض يتمطى، ونظر آلي ما حوله حيران كأنه يعجب من وجود عمل يجب القيام به في ذلك الوقت من الليل لإتمام عمل النهار. ففرك يديه وسار. فتنح الباب فهجمت منه موجة هوائية باردة، ثم خرج وأغلقه خلفه وبقي وحده معرضاً لموجات الهواء التي كانت تلطم عربة الترام.

стр. 5434

انتفضت تلك العربة الكبيرة الثقيلة وتمطت واهتزت كأنها هي أيضاً كانت نائمة. وتحركت بحركة مزعجة، وأرسلت أصواتاً كأنها شكوى عميقة يثيرها اضطراب دائم، ثم سارت وهي تحمل مع اضطراب ألواحها الزجاجية جسمين مضطربين وهما بائع التذاكر وزبونها الوحيد. تقدم بائع التذاكر من الراكب الوحيد وسلمه تذكرته وأستلم نقوده من غير ان ينبسا ببنت شفة، ثم عاد بائع التذاكر إلى جريدته يقرؤها، وعاد الراكب إلى ما أجتمع تحت مظلته من المياه ينظر أليها. في تلك الأثناء كثر اهتزاز العربة. وأخرجت أصواتاً مزعجة كأن أسنان تلك العربة. ذلك المخلوق البطيء، تعض الخط الحديدي بشدة. مظهرة ألمها واستياءها، وصلنا إلى (سركه جي) فلم ير بائع التذاكر حاجة إلى وقوف العربة، وهي آخر العربات حركة، لوثوقه أنه لا يوجد راكب في مثل هذا الظلام البهيم، فصفر معلناً الحركة، ولكن السائق صاح قائلاً: - راكب! وقفت العربة فقلت في نفسي (شيء مؤلم! كم كنت مستريحاً وحدي!) ثم فتح الباب فما كدت أبصر الداخل حتى تغير رأيي، فقد كان الراكب الجديد فتاة شابة قد ابتلت ثيابها من المطر لأنه كان ينزل عليها فلا ترده عنها مظلتا الصغيرة، كانت صفراء الوجه من البرد، وكانت شفتاها متقلصتين وأسنانها مصطكة، وعليها ثوب أبيض فوقه معطف بني اللون لا يشك الناظر أليه في أن ذلك الشتاء لم يكن أول شتاء مر عليه. فجعلت بهذه الهيئة الفقيرة المؤلمة في الجهة المقابلة لي، وفي الحال مدت يدها الجامدة من البرد في قفازها الذي امتدت منه أطراف أصابعها والمحيط بأسلاك بيضاء، إلى جيب معطفها لتخرج منه حقيبة النقود، فأخرجت منديلاً أبيض ثم حقيبة تقادم عهدها وحال لونها لكثرة الاستعمال وتمزقت جوانبها، فأخذت تعالجها لتفتحها فلم تقدر كأن قفلها قد تعطل. فعالجتها المسكينة كثيراً، والحقيبة مصرة على ألا تنفتح، وبائع التذاكر واقف أمامها يهتز ذات اليمين وذات الشمال من حركة التزام وجريدته تحت إبطه، ينتظر النقود منها، لقد ملك النظر إلى الماء المتجمع أمامي من المظلة فرفعت رأسي أخذت أنظر أليها نظري إلى شيء جديد كانت هي على ما يظهر من حالها متألمة من عدم تمكنها من فتح الحقيبة بسرعة لأنها كانت تعالجها كمن يود

стр. 5435

كسرها، وأخيراً فتحت الحقيبة فأدخلت إصبعها فيها وأخذت تطوف يهما في جوانبها على ضوء العربة الضئيل. لقد شعرت وأنا في مكان أن الحقيبة لا تحوى أشياء كثيرة يحتاج المرء معها إلى كثرة البحث والتنقيب. أدخلت يدها وهي في القفاز الممزق حتى غابت في الحقيبة وأخذت تبحث عن شيء صغير مختبئ هناك. بعد بحث طويل بين أصابعها شيء صغير وهي تخرجه من الحقيبة فناولته إلى بائع التذاكر الذي لم يشأ أن يقطع لها التذكرة قبل أن يستلم النقود. . . . فتنفست الصعداء كأنها خرجت من مهمة صعبة وتمكنت من مقعدها كل التمكن. ثم رفعت عينها اللتين لم أستطع أن اعرف لونها تماماً. لقد كانت تارة تنظر والعربة سائرة إلى قطع الجلود المتدلية من المسامير التي في سقف العربة، وآونة إلى المطر الذي يسمح من زاوية العربة، ثم إلى ما فوق رأسها لتعلم أين مكانها منه، وطوراً تقارب بين جفنيها وتتأمل في ضوء المصباح الضئيل، إلا أنها ضجرت من كل هذه الأشياء وسئمتها، فمسحت بظهر يدها زجاج العربة المبتل ونظرت إلى الشارع، لترى أقرب مكان نزولها أم لا يزال بعيداً؟ إلا أنها لم تر غير أشعة المصابيح الضئيلة التي تشع من الحوانيت القليلة في هذه الليلة الباردة فترقص أشعتها فوق الطين المتراكم في الشوارع. وأخيراً نظرت إلى نظرة عجلي كأنني آخر ما يمكن أن يعرض على نظرها من الأشياء التي حولها. ولكنها وجدتني كبقية الأشياء التي استعرضتها أمام ناظريها ولم تجد فيها ما يوجب العناية، فاعترضت عني واستندت على مسند المقعد، ومدت رجليها وفيهما حذاءان عتيقان قد زر أحدهما وتمزقت عروة الثاني ولكنهما كانا جميلين، ووضعت إحدى رجليهما على الأخرى، ثم أصلحت قبعتها أسندت رأسها إلى ما خلفها وأخذت تنتظر. هل كانت جميلة؟ لا أدري! ولكنها مع ذلك كانت مركبة من أعضاء صغيرة، حتى ليخيل للناظر إليها أن رجلاً من المولعين بالأشياء الدقيقة قد صاغها هذه الصياغة وركبها هذا التركيب، فهي مليحة بعينها الصغيرتين، وفمها الرقيق، وأنفها الدقيق، ووجهها المخروط، ولم يكن في ذلك الجسم المركب من تلك الاعضاء الصغيرة طويل غير قامتها، فقد كان

стр. 5436

طولها لا يتفق وصغر أعضائها، ولكنها مع ذلك لم تكن خالية من الملاحة. لقد كنت أشعر بشيء غريب لوجودي في تلك الليلة الشاتية في تلك العربة بجانب تلك الفتاة منفردين، كنت أشعر بلذة غامضة كالتي يتوهمها الإنسان عند قراءة شعر لا يفهم معناه. وفي تلك الأثناء رفعت رأسها بسرعة ومسحت زجاج النافذة ونظرت طويلاً نظرة تدل على ضجرها من التأخر. وكنا في ذلك الوقت نسير في محلة (جيفته حاووضلر) وكنت أقول في نفسي (أين تذهب هذه الفتاة في مثل هذا الوقت في مثل هذه الحالة الجوية؟). ثم ارتدت مسرعة عن النافذة، وانحنت قليلاً كأنها تريد أن تكلم بائع التذاكر الذي كان مغطياً وجهه بجريدته يغالب النوم ويغالبه، ولكنها لم تجرؤ أن تكلمه فنظرت إلى نظرة تدل دلالة واضحة على أنها تريد أن تسألني عن شيء، فنظرت إليها نظرة أسألها فيها عما تريد، إلا أنها بصورة من الصور لم تجد قدرة على الكلام فسكتت، ونهضت على رجليها ونظرت ثانية من النافذة، وفي هذه المرة ارتدت مصفرة فقلت لها: - قالت بصوت رقيق يشبه جسمها الصغير بلهجة تدل على الحشمة والوقار: - عفواً يا سيدي، فهل (الجسر) بعيد عنا؟ - فقلت: - الجسر؟ أنتِ مخطئة أبتها الآنسة، إن هذه العربة تسير بنا إلى (آق سراي) - فنظرت إلى وجهي نظرة جامدة كأنها لم تفهم شيئاً، وبعد أن وقفت مدة على هذه الصورة لا تجد في نفسها قوة على الاستيضاح قالت: - إذن نحن الآن لا نسير نحو (الجسر)؟ - لفظت جملتها هذه بصورة تدل على فزع شديد علمت منه أنها ارتكبت خطأ، فداخلتني عليها شفقة وقلت: - أنا آسف جداً يا آنسة، أنت تريدين الذهاب إلى (الجسر) إلا أنك ركبت عربة تسير عنه لا إليه، وقد أوقعك في هذا الخطأ ظلام الليل ودهشة المطر. - كانت تسمع كلامي والبكاء يكاد يغلبها على عينها وتقول بصوت مسموع: لقد تاخرت كثيراً. ثم قالت بصوت يخالطه شيء من الأمل: - إذن سأعود أدراجي من أول موقف.

стр. 5437

- لقد وصلنا إلى موقف (صالقم سكود) فقلت لها: - إنك مضطرة إلى الرجوع راجلة، فهذه آخر عربة ولا أظن أنك تجدين عربة في هذا المطر. - فلما سمعت ذلك اضطربت اضطراباً عظيماً، وفي ذلك الوقت استيقظ بائع التذاكر واقترب منا يشاركنا في الحديث، ثم قال مبرثاً نفسه من التبعة: - لماذا لم تذكري لنا المحل الذي تريدين أن تذهبي اليه؟. فلم تجد تلك المسكينة حاجة إلى الجواب، فنظرت إلي نظرة حائرة تطلب بها المد والمعونة، وقالت: - لطفاً يا إلهي، في مثل هذه الساعة، في مثل هذا المطر، وفي مثل هذه الأزقةالمظلمة الخالية كيف أستطيع السير وحدي؟. - لم أجد حاجة لا تخاذ قرار بعد ذلك في هذا الشأن، فقلت لها - أيتها الآنسة، هل لك أن تقبلي مرافقتي حتى الجسر؟. - فنظرت إليه بدهشة وصاحت: - كيف ذلك يا سيدي؟ كيف تعود لأجلي في هذا الهواء؟ - وكيف أستطيع أن أقبل هذه النصيحة؟. . - على أنه لم يكن أحسن من هذا الحل، لأن السائق كان بفارغ الصبر ينتظر الحركة، وبائع التذاكر ينتظر أن نعطى نتيجة حاسمة فقلت لها مصراً: - أنت لا تقدرين على العودة منفردة في مثل هذا الوقت، ومن هذا المكان، مع أني أتمكن من أن أركب عربة وأعود من الجسر، وذلك يسير علي. - فنظرت إلي عند ذلك نظرة فاحصة، وبتلك النظرة علمت صفاء نيتي وصدق عزمي فأظهرت الاطمئنان وقبلت مرافقتي قائلة: - سمعاً وطاعة يا سيدي، لقد أظهرت إنسانية نبيلة وعطفاً كريماً، وأنا أقبلها مع الشكر. - فتح بائع التذاكر الباب ليشرح للسائق القصة، فنزلنا نحن من الباب الثاني، وتحركت العربة في الظلام كأنها خيال ذو عينين صفراويتين؛ كان المطر إذ ذاك إلا أنه كان متوالياً، ففتحت الفتاة مظلتها، فلما تأملتها وجدتها ممزقة الأطراف، وفتحت أنا أيضاً مظلتي وأخذنا نمشي متكاتفين بقدر ما تسمح لنا المظلتان. كانت في ذلك الظلام الدامس قي تلك الشوارع

стр. 5438

الخالية تشعر أنها محتاجة إلى الاقتراب مني بدافع غريب مجهول المصدر يدفعها إلى ذلك، وكنت أنا أشعر بلذة منشؤها حمايتي لفتاة في مثل هذا الوقت. على تلك الحال كنا نمشي صامتين لا نتكلم، وكانت توسع خطاها لئلا تضطرني إلى المشي البطيء. - كنت وأنا في الترام في شك من جمال هذه الفتاة ذات القامة الهيفاء، ولكنها الانفي الظلام كانت تتراءى لي جميلة. - إن هذه المصادفة غربية جداً، وأظن أن تلك الفتاة التي رأيتها لأول مرة في حياتي وبسطت عليها ظل حمايتي لو كانت غير جميلة لكانت اللذة التي أشعر بها الان ناقصةكنت أقول وأنا سائر بجانبها يا لجمال عينيها الصغيرتين. (البقية في العدد القادم) نزيلة بعلبك (فتاة الفرات) تاريخ العالم القديم تأليف الأستاذ عبد الفتاح السرنجاوي للأستاذ المؤلف شغف كبير بالتاريخ القديم، فهو ما ينفك يقلب صفحاته، ويطيل النظر في أدق موضوعاته، حتى صار لهذا العلم المحل الأول من اهتمامه في درسه وفي أوقات فراغه، ولقد قام بتدريسه سنين متوالية في المعاهد الدينية، وعرف ما يوافق طباع الطلاب منه، ووقف على الاسباب التي تحبب إليهم موضوعاته، أو التي تنفرهم منها. وكانت ثمرة هذه الخبرة هذا الكتاب الذي أحداثك عنه، وهو في طبعته الرابعة هذه على خير ما تصدر به الكتب دقة طبع وسلامة ذوق. أما عن موضوعاته فهو وفق المنهج الاخير لوزارة المعارف والمعاهد الدينية، يشمل تاريخ قدماء المصريين والإغريق والرومان على أن أهم ما في الكتاب هو تلك الطريقة الفريدة التي أتبعها الأستاذ في كتابة التاريخ، فلقد نبذ تلك الطرق التي تقتصر على سرد المعلومات الجافة يقصد بها استيفاء المنهج المقرر، ونفذ بخبرته إلى صميم الموضوع، فأهتم بالحياة الاجتماعية ومظاهرها في تلك العصور القديمة، إلى جانب اهتمامه بتفاصيل المنهج، كل ذلك في عبارة طلية متينة، مما جعل كتابة جم الفائدة، خفيف المحمل، أضف إلى ذلك ما يحتوي عليه ذلك الكتاب الفذ من الصور والخرائط، وكلها موضوع لغرض إيضاحي في تدبير حصيف وترتيب محكم مما لا نجد مثيلَا له في غيره من الكتب، ولاشك هذه خير

стр. 5439

طريقة تحبب الى الاطفال دراسة التاريخ والاستزادة منه. لئن كان أثر المؤلف مرآة نفسه، فإن كتاب الاستاذ السرنجاوي خير شاهد على ذلك، فإنك تلمس فيه هدوء طبعه، وقوة منطقه وعذوبة روحه وسلامة لفظه، واني لأتقدم الى الاستاذ بالثناء على بذل من جهد، وبصادق التهنئة على ما صادف عمله من نجاح. الخفيف الرائد في تاريخ الأدب العربي ونصوصه ومتن اللغة. هذا كتاب جديد في تاريخ الأدب العربي أخرجه في هذه الايام صديقاي الفاضلان الاستاذ عبده زيادة عبده المدرس بمدرسة الخديوي اسماعيل الثانوية الملكية، والاستاذ محمد السيد عامر المدرس بمدرسة بنبا قادن الثانوية الملكية، وهو يتألف من جزأين أولهما في منهاج تاريخ الأدب الاخير للسنة الثالثة للمدارس الثانوية ومدارس المعلمين والمعلمات، وثانيهما في منهاج تاريخ الأدب الأخير للسنة الرابعة للمدارس الثانوية. وقد ألف في منهاج الأدب للسنتين الثانويتين كتب غير كتاب الأستاذين، ولكنه جاء آخرها فتداركا به ما فاتها وامتاز عليها بأمور كثيرة، وقد قال الاستاذان في ذلك: (ولسنا ننكر أن للكتاب أنداداً، غير أن بعضها على قيمته جاوز المنهج الجديد فعاد كتاباُ للمتأدبين، لا لطلاب يتقدمون الى الامتحان في موضوع بعينه، وبعضها جاء مقصوراً على فن واحد من فنون كتابنا هذا، وبعضها علا أسلوبه ودقت إشاراته على الناشئين حتى ما يستطيعون في غير عناء أن يدركوا ما يريد. وقد عنيا في هذا الكتاب أن يعالجا مسائل الأدب بذكر المقدمات في شيء من البسط ليخلصا الى مسائلة واضحة معقولة، وأن يحللا نصوصه الأدبية من جميع نواحيها لغة ومعنى وأعراباً وبلاغة الا أن يتركا لقدر التلاميذ بعض الأبيات والجمل ليحاولوا شرحها على مثال ما فعلاً ولا يهملوا مداركهم فتنشأ لا تبنى الا على مثال. وقد سار الاستاذان على هذه الخطة القويمة التي خطاها بأنفسهما في كتابهما بما نعهده فيهما من علم واسع وانشاء مهذب وترتيب محكم، فيسرا لطلاب هاتين السنتين منهاجيهما الأدبي تيسيراً، وأصبحت طلبتهم منهما فيه سهلة المنال دانية القطوف، فنحمد للاستاذين ما بذلاه

стр. 5440

من جهد نقدره لهما، وتترك من أجله بعض أمور نخالفهما فيها وقد تابعا فيها غيرنا، ولكل وجهة هو موليها. عبد المتعال الصعيدي رواية ابنة الشمس تأليف فرنسيس شفتشي نالت هذه القصة التمثيلية جائزة وزارة المعارف العمومية في مباراة سنة ١٩٣٢، ولقد قرأتها دون أن يكون لهذا الاعتبار تأثيراً في نفسي فألفيتها قصة ممتعة طريفة، جديرة بما نالت من حظوة واستحسان فلقد نجح المؤلف نجاحاً عظيماً في تصوير المجتمع المصري في عهد الملك رعمسيس الثاني، كهانة وسحراً وطباً وعرافة وسياسة، كما أنه قد نجح في تصوير بعض العواطف الإنسانية تصويراً بارعاً كالشفقة والحب والشك والطمع والحسد والاخلاص والخيانة وغيرها. كذلك أحسن المؤلف تصوير أشخاصه ففنه في هذه الناحية قوي. ولقد استمر على فطنته ويقظته في ما يتعلق بصفات أشخاصه حتى آخر القصة. بيدي أني أرى في القصة بعض المآخذ. لابد لي اذا توخيت الإنصاف من مصارحة المؤلف الفاضل بها وأول هذه المآخذ أن عقدة القصة مبهمة. فقد حاولت أن انتخب من بين حوادثها حادثة أعتبرها الرئيسة فلم اوفق الى ذلك. فهنا بنت أنات تحب بنطاؤر. وهناك نيفرت تحب سينا. وهذا بعاكر قائد الطليعة يريد أن يكيد للملك. نعم إن هذه الحوادث لاتعدم رابطاً يربطها، غير أنها روابط سطحية وليست روابط البسط أو حل العقدة التي تتشعب منها القصة مما كاد يخلي القصة من التطور ويفقد القارئ الانتظار. فكل منظر يكاد يكون مستقلاً، هذا إلى أن المؤلف قد جعل خاتمة المأساة متوقفة على نصيب رمسيس في الحرب، وهذا معروف للقارئ، فكأن القارئ يعرف ما سيؤول اليه أمر العصاة ومدبري الثورة، وهذا ما يقضي على استمتاعه قبل نهاية القصة، ولو أن المؤلف علق انتهاء القصة على حادثة غير هذه لاحتفظ بروعتها حتى النهاية. كذلك نجد في القصة عدة مواقف قوية، ولكن المؤلف أضعفها بفتور العبارة أحياناً وبسذاجة الحوار أحياناً أخرى، أو بارسال الحوادث على غير ما يتفق مع الموقف وما ينتظره القارئ في ذهنه. هذا الى أنه في بعض المواقف أورد حوادث ما كان يتصور وقوعها بمثل

стр. 5441

هاتيك السهولة كرجوع بنطاؤر عن فلسفته بتلك السرعة وانقياده الى بنت أنات كأنما كانا يتباحثان في موضوع تافه. وكتصريح بنطاؤر بحبه الى صديقه نبشت دون تردد أو تحفظ. وكسرعة انتقال وردة من الألم الشديد الى الهدوء لدنو لقاء الأميرة. . الخ. ولقد كان المؤلف يحاول تغطية هذه العيوب بحوار على لسان الأشخاص. ولكنه في رأيي كان يكشفها بذلك. ولم يعجبني من المؤلف الجمع بين التأليف والتمثيل في كتابته فكان يشير كثيراً الى ما ينبغي أن يحدث على المسرح وأظن ذلك من عمل المدير الفني. ولقد قدم لكتابه بتحليل ضاف إذا قرأته عرفت القصة كلها فلن تعجب بها إلا على المسرح. ولكن هذه المآخذ على تنوعها لاتذهب ببهاء القصة، ولاتنقصها قدرها، ولاتضيع طرافتها، ورجائي الى المؤلف الفاضل أن يثابر على التأليف للمسرح، فعنده استعداد عظيم وملكة قوية تضمن له التبريز في هذا المضمار. الخفيف

стр. 5442

العدد ٦٥ - بتاريخ: ٠١ - ١٠ - ١٩٣٤

стр. 5443

الأزمة والغلاء! مضت أربعة اعوام، وريح الأزمة الاقتصادية العالمية تهب على مصر بقوة، تضاعفها وتذكيها الظروف المحلية، وملايين الزراع والفلاحين يرون جهودهم وآمالهم تذهب هباء، ومحاصيلهم تباع بأبخس الاثمان، والدين يرهقهم، والحاجة تنذرهم بشرالعواقب، وباقي الطبقات تشاطرهم هذا البؤس الاقتصادي. ولما كانت الحياة الاقتصادية كلها متصلة النواحي، وكان الإنتاج والاستهلاك مرتبطين أشد الارتباط، فقد اضطر الناس إلى الاقتصاد بحكم الضرورة والنزول على أحكام الأزمة؛ وكان في هبوط نفقات العيش بعض التنفس، ولا سيما للطبقات الفقيرة، ولكن الضيق لبث مع ذلك يرهق كل الطبقات. وإذا كانت الأزمات الاقتصادية محنا شعبية عامة تعانيها جميع الطبقات، فإنها تغدو في كثير من الأحيان ميداناً لنشاط بعض المستغلين الذين لا ذمة لهم، والذين لا تزدهر ثرواتهم إلا في أيام المحنة والضيق. وكذلك وقع خلل الأزمة الأخيرة، فقد ظهر المستغلون في الميدان، فظهر المصطنع في حاجات العيش الضرورية، وهي التي تشتري من المزارع والفلاح بأبخس الأثمان، وصرخ الناس غير مرة، ولكن ماذا يجدي الصراخ والحكومة لا تعنى بأمر المستغلين والمضاربين؟ واشتدت وطأة الغلاء منذ أسابيع، وظهرت بنوع خاص في أثمان الخبز - قوت الشعب - واللحم، والزبد، وغيرها من ضرورات العيش، وضج الناس ولا سيما الطبقات الفقيرة من هذا العنت الذي لا تبرره ظروف الأزمة، ولا يتناسب مع نتائجها، واتجهوا ببصرهم إلى الحكومة لكي تتدخل لحمايتهم وإنقاذهم من شره المضاربين والمستغلين. خصوصاً وأن هذا الارتفاع الطارئ في أثمان الحبوب، وهو الذي ترتبت عليه هذه الموجة من الغلاء، لم يرتفع إلا بعد أن خرج معظم المحصول من يد المزارع والفلاح، فلن يفيد منه سوى القليل. فماذا فعلت الحكومة؟ قررت أن تشتري ربع مليون أردب من القمح الأسترالي لتستدرك - على ما صرح به رئيس الوزراء - النقص في المحصول المحلي، ولتنذر بذلك الضاربين والمستغلين بأنها سوف تضرب على يدهم إذا لم يقفوا عند حد الاعتدال. ومن حق الشعب أن يتطلع في مثل هذا المأزق إلى حكومته، والحكومات في جميع الأمم المتمدينة تضطلع بمهمة محاربة الغلاء المصطنع أو الحقيقي، وتسن لذلك القوانين الرادعة إذا اقتضى الأمر، وكثير من الحكومات والبلديات يتولى الإشراف على تموين الشعب،

стр. 5444

فيحدد وزن الخبز ونوعه وأثمانه، ويتخذ غير ذلك من الإجراءات الكفيلة بالضرب على أيدي المحتكرين والمستغلين؛ وإذا فليس علينا لوم إذا نحن تطلعنا إلى الحكومة لتتخذ ما يجب من الوسائل لحماية المستهلكين ومكافحة الغلاء، ولحفظ التوازن المعقول بين ما يجنيه المزارع من محصوله، وما يقتضيه التاجر من المستهلك ثمناً لوساطته. وليس من وسائل الحماية الناجعة أن تستورد الحكومة مقداراً محدوداً من القمح الأجنبي على نحو ما قررت، ولكن الوسيلة الأولى هي أن تخفض الرسوم الجمركية على الحبوب الأجنبية، وهى التي رفعت في وقت كانت فيه وفرة المحصول المحلي تبعث إلى هبوطالأثمان هبوطاً شديداً. لتتخذ الحكومة هذه الخطوة وغيرها مما تراه ضرورياً لدرء كارثة جديدة تنذر ملايين الفقراء بالجوع، ولا يستفيد منها سوى قلة من المحتكرين والوسطاء، على أن هنالك عاملاً آخر لم يتوفر لدينا بعد، ذلك هو المقاومة الشعبية، فمن الواجب أن نعود أنفسنا هذه المقاومة التي لابد منها في مثل هذه الظروف. ولو أن الجمهور يعني بالحرص على حقوقه الشعبية، لكانت المقاومة الفردية والشعبية في مثل هذه الأحوال خير وسيلة للحماية. ولو عني كل فرد بأن يقتصد حيثما وجب الاقتصاد، وأن يحرم نفسه بعض الكماليات وقت الضرورة، وأن يجرب جميع الوسائل الممكنة لمقاومة طغيان المحتكر، وإنقاص منسوب الاستهلاك، لكانت حاجته إلى حماية الحكومة في مثل هذه الظروف اقل بكثير مما نشهد اليوم، إذ لا حول لجمهورنا ولا قوة إلا أن تنجده الحكومة، وإذا أجابته فإنها لا تستطيع أن تذهب معه دائما إلى حيث يريد وهذا ظرف يستطيع الجمهور فيه أن يبدي إلى جانب ما يمكن أن تقوم به الحكومة شيئاً من المقاومة الفردية الحكيمة، فإذا استطاع أن يفعل فانه يبرهن على حيويته، وعلى أنه حريص على حقوقه، وأنه لا يذعن لنير المؤتمرين به من رهط المستغلين والمستفيدين الذين يعملون على سلبه دون أفة، ويبرهن أخيراً على أنه ليس عالة مطلقة على حكومته في جميع شئونه ومرافقه.

стр. 5445

عدو الديمقراطية للأستاذ احمد أمين لندع الديمقراطية السياسية، فلها نظرياتها ولها رجالها، ولها نزاعها الحار بين دعاتها وأعدائها. ولنتكلم في الديمقراطية الاجتماعية وأعدائها - فاكبر مظاهر الديمقراطية الاجتماعية الاشتراك في مرافق الحياة من غير أن تتميز طبقة من طبقة، فإذا رأيت في القطار درجة أولى وثانية وثالثة فهذا مظهر أرستقراطي، وإذا رأيت ذلك في عربات الترام والسيارات العامة والسينما والتمثيل فهذا مظهر من مظاهر الأرستقراطية، وإذا رأيت أحياء يعنى فيها بالكنس والرش والنور وأحياء لا يعنى فيها هذه العناية. فهذا مظهر من مظاهر الأرستقراطية، وإذا رأيت في المآتم والأفراح كراسي ضخمة مذهبة، وأخرى عادية ساذجة، وقوما يستقبلهم آل الميت وال العرس بالحفاوة فيجلسونهم في الصدر، وآخرين يستقبلون في غير حفاوة فيجلسون في الذيل فهذا أيضاً مظهر من مظاهر الأرستقراطية - وإذا رأيت في قاعات المحاضرات أماكن حجزت لكبار المدعوين، وأخرى حقاً مشاعاً للدهماء. فهذا كذلك مظهر من مظاهر الأرستقراطية وإذا رأيت الحجاب على الأبواب يفتحونها لمن نزل من سيارة، ويغلقونها في وجه ذي الجلباب الأزرق. فذلك نوع من الأرستقراطية. وإذا رأيت مقهى إفرنجيا فيه فنجان القهوة بخمسة قروش أو تزيد. ومقهى بلديا فيه فنجان القهوة بخمسة مليمات أو تنقص، فهذا مظهر من مظاهر الأرستقراطية، ولا استرسل في ذلك، فلعلك - يا صاحبي - فهمت مظاهر الأرستقراطية والديمقراطية، وعلمت انك في كل خطوة تخطوها ترى هذه المظاهر في أشكالها المختلفة، وألوانها المتعددة. وهناك دعاة يدعون إلى هذه الديمقراطية الاجتماعية، كما أن هناك دعاة يدعون إلى الديمقراطية السياسية، ولهم على ذلك حجج وبراهين. ولكن لعل أعدى أعدا الديمقراطية واهم طعنة توجه إلى دعاتها، وأقوى حجة يتسلح بها دعاة الأرستقراطية شئ واحد هو (الوساخة) أو (القذارة) أو ما شئت فسمه. فاكثر تصرفات الأرستقراطيين وأشباههم، عذرهم فيها طلب النظافة والترفع عن الوساخة.

стр. 5446

قد يركب راكب الدرجة الأولى في القطار أو الترام أو السيارات طلبا للوجاهة وخشية أن يراه الناس بين جمهور الفقراء أو نحو ذلك نحو ذلك من أعذار كلها سخيفة، ولكن عذراً واحدا يصح أن يقام له وزن، وهو وساخة ركاب الدرجة الثالثة والخوف من أذاهم ومن عدواهم. وقد يتطلب بعض الناس أغلى مطعم وأغلى مقهى حبا في الظهور ورغبة في الجاه، وطلبا لمخالطة العظماء، ولكن العذر الصحيح انه ينشد النظافة في هذا المطعم وهذا المقهى، ويفر من قذارة المطاعم الرخيصة والمقاهي الرخيصة. فلوعني الناس بالنظافة، وكان من لبس لبس نظيفا، ومن فتح مطعما أو مقهى عنى بنظافته، وكان الفرق بين لبس الغنى والفقير ليس فرقا في الكيف، فالكل نظيف، وإنما هو فرق في النوع والكم، لانهارت الأرستقراطية الاجتماعية في كثير من نواحيها، ولما تقززت أوساط الناس وخيارهم من أن يخالطوا الفقراء في مأكلهم ومشربهم ومركبهم، ولسلحوا الديمقراطية بسلاح قوي متين، ولهذا ترى الأمم التي عنيت بالنظافة والتزمتما في صغيرها وكبيرها، وفي فقرها وغناها قد أفسحت الطريق أمام محبي المساواة ودعاة الديمقراطية. وتراهم وقد قضوا على اختلاف الدرجات في السيارات العامة، وقل منهم من يركب الدرجة الأولى في القطار، وقل من يتطلب أفخم مطعم وأغلى مقهى، علماً منهم بأن الكل نظيف والكل مريح، وأن الذين يركبون بجوارهم أو يجلسون بجانبهم لا يؤذونهم بمنظرهم ولا برائحتهم ولا بأي شيء فيهم، إنما تتميز هذه الطبقات بوضوح وجلاء، في مرافق الحياة الاجتماعية حيث تفشو القذارة. إن عقلاء الناس يحتملون الديمقراطية الاجتماعية بل يعشقونها، ولكن إذا وصل الأمر إلى احتمال عدوى مرض، أو آلمت أنوفهم رائحة كريهة، أو آلم عيونهم منظر بغيض، سهل عليهم بيع الديمقراطية للأرستقراطية. لو جرى الأمر على المعقول لكان المسلم من انظف الناس في العالم، فقد ربطت صلواته الخمس بالوضوء، وفرض عليه الاستحمام في أو قات، وكان أول باب من أبواب فقهه باب الطهارة. واغتبط إذ اسمع وصف (ابن سعيد) لمسلمي الأندلس فيقول: (انهم أشد خلق الله اعتناء

стр. 5447

بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائماً، ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها). ويؤلمني اشد الأم ما ذكره أبن سعيد نفسه، وقد زار القاهرة، وركب منها حماراً إلى الفسطاط يقول (فأثار الحمار من الغبار الأسود ما أعمى عيني، ودنس ثيابي، وعانيت ما كرهت، وقلت: لقيت بمصر اشد البوار … ركوب الحمار وكحل الغبار أِلمَ من منظر الفسطاط، وقال انه رأى شوارعها غير مستقيمة، ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، ورأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو، والناس يأكلون فيه، ورأى في زوايا المسجد العنكبوت، قد عظمة نسجه في السقوف والأركان والحيطان ورأى حيطانه مكتوباً عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتابة فقراء العامة الخ. . . آلمني هذا الوصف لمصر، ولو زارها اليوم لما عثر بحماره، ولأقلته سيارة فخمة من باب زويلة إلى الفسطاط في أرض معبدة ممهدة، لا تثير غباراً ولا تدنس ثياباً، ولرأى مسجد عمرو نظيفاً، لا يأكل فيه أكل، ولا يكتب على حيطانه كاتب. ولكن هل كان يعدل عن حكمه القاسي في مقارنته بين أهل مصر وأهل الأندلس في النظافة؟ ذلك ما أشك فيه كل الشك. لست ادري لمَ لمْ يلتفت الدعاة إلى هذا الأمر في الأمة، فيدعون ويلحون في الدعوة إلى النظافة، ويضعون الخطط الدقيقة لها، فأنها خير وسيلة للتقريب بين طبقات الأمة، فلا يأنف بعد مثقف أن يجلس مع غير المثقفين، ولا متعلم أن يجالس غير المتعلمين، وفي هذا الاختلاط نشر للثقافة، ودعوة للآداب العامة، وغلبة للعنصر المهذب. يظن الناس أن النظافة غالية، وأنها مرتبطة بالغنى، وهذا خطأ بين، فكم من غني قذر، ومن فقير نظيف، والأمر يتوقف على تعويد النظافة أكثر مما يتوقف على المال، فليست النظافة أن تلبس أغلى اللباس، وأن تأكل أفخم الطعام، وانما النظافة أن تلبس نظيفاً ولو كان أحقر الثياب، وأن تأكل نظيفاً ولو أحقر الطعام.

стр. 5448

هذه بديهيات أولية، ولكنا مع الأسف مضطرون أن نقولها. لعل الأمر في العلماء والأدباء على نحو ما بينا في الماديات، فالذي يفرق بين عالم أرستقراطي وعالم ديمقراطي، وأديب أرستقراطي وأديب ديمقراطي، هو نظافة آراء الأولين وأفكارهم وأسلوبهم، وعكس ذلك في الآخرين - ولو التزم كل العلماء والأدباء نظافة نظرياتهم، ونظافة كتابتهم مهما اختلفت في النوع والقيمة لانهارت الأرستقراطية العلمية والأدبية أيضاً، ولكان الكل سواء. أحمد أمين

стр. 5449

كلمة وكليمة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي نحن من التنظير بين المدنيتين الأوربية والإسلامية، كأننا بازاء جوادين أحدهما مخلى له الطريق إلى غايته، والأخر يُضرب وجهُه مرةً ويصرف بالعوائق مرة؛ ومع ذلك يقابل بينهما في السابق! لو حكم الشرق أوربا لظهر جوادها حماراً أربعة آلاف كلمة في الثرثرة، اقل من أربع كلمات في الحكمة لا تغضب من حماقة امرأة تحبها، ولا تغضبي من حماقة رجل تحبينه، وإلا فأين تدسُ الحياةُ سُمها إلا في ألذ أطعمتها؟ يموت الحيُ شيئاً فشيئاً؛ وحين لا يبقى فيه ما يموت، يقال مات. . . قضت الحياة أن يكون النصر لمن يحتمل الضربات لا لمن يضربها. غلَبَ رجل على امرأة كانت تهواه وجعل يباهي بما صنع، فقلت له: يا هذا إن من السخرية أن تزعم انك تعبت في فتح باب مفتوح. . . حق الإرادة؛ هي في الذكور مذ كرة، وفي الإناث مؤنثة؛ فعند ما يغلب سحر الحقيقة التي في الرجل على الحقيقة التي في المرأة تلتمس المرأة إرادتها لتعوذ بها فلا تجدها إلا صورة. . فإذا امتنعت كانت في صورة امتناع على استجابة، وإذا غضبت كانت في صورة غضب على رضى. ولهذا ما يكره بعضهن الحجاب فانه يذكرهن تأنيث الإرادة ويُبعدهن ويحذًِرهن؛ ويا شؤمَ من إذا نجت من ذلك الخطر نجت كارهة. . هناك حب يسمو ولا يزال يسمو؛ إذ يكون المحبوب فيه مع المحب كالتًرجمان مع السائح؛ ذلك حب بعض الشعراء لبعض الأجسام المترجمة. تكون الأمانيُّ مرةً كَسْبُ أفكارنا ومرة لصوصية أفكارنا!. . . ينفُر الإنسان من الكلمة التي تحكمه، ولكنه في الحب لا يبحث إلا عن الكلمة التي تحكمه. من خُلقَ بطلاً فل عجب أن توجِد له الأقدار دائماً من كل ما حوله مادة حرب، مائةٌ من مائةٌ في التوكل على الله تكون مائةً من مائة في النجاح؛ ولكن تسعة وتسعين من المائة في التوكل لا تكون إلا خيبة محققة. هل أستطيع أيتها الجميلة السوداء أن أقول في وصف خديك انهما في حمرة الورد؟ فلماذا

стр. 5450

تغضبين إذا قلت انهما في التماع الزيتون الأسود. .؟ وأنت أيتها الحسناء المتكبرة السخيفة! لماذا تغضبين إذا رأيت في قلبك الزيتون ولم أر الورد؟ في بعض أحوال الحب، تكون العواطف المحبة لك في الباطن هي المعادية لك في الظاهر. لا يسعد أحد بشعور غيره؛ وطبيعي أن يكون هذا هو الذي يجعل السعادة ممكنة في الناس؛ ولكن العجيب انه هو الذي يجعلها غير ممكنة، إذ لا يريد كل إنسان لنفسه إلا شعور غيره. الناس يزاحمون في الدنيا لأجسامهم، فأما بؤس وأما سعادة، والحكماء والمحبون يزاحمون لأرواحهم، فأما بؤسان وأما سعادتان ما أظرفها كانت وابلغها حين قالت لي: ألا تنظر ثانياً فتفهم ثالثاً. .؟ يخيل إلى والله أن قلب المرأة امرأة معها؛ فأما أن تأخذها نكبتين أو معونتين. فلسفتي أن الكبرياء على المتكبرين هو أعلى التواضع. مصادفة التعس حظاً تحتاج في اتفاقها إلى مصادفة تجئ بها تستطيع أن تقول في كل نابغة عظيم: انه أذكى البلداء. . فان كذبك الناس لم يكذبك هو. المودًَة القوية تتحمل العتاب والمحاسبة لتثبت أنها قوية الحب يُخرج من نفسك شخصا غيرك، والبغض يخرج من هذا الشخص غيره. فتحب بنفسين وتبغض بثلاث. إن رضى المحب قال في الحبيب احسن ما يعرف، وما لا يعرف؛ وان غضب قال فيه أسوأ ما يعرف، وما لا يعرف، وما لا يمكن أن يعرف إذا رأيت كبراء قوم همُهم عيشهم؛ فاعلم أنها أمة مأكولة. فلو شهرت السيف الماضي لقاتل بروح مِلعقة. . ولو رعدت بالأسطول الجبار لصلصل كآنية المطبخ. . . لم تعد التربية في كل أمة تربية للناس ولكن للمطامع؛ فما يكبر جيل إلا كبرت معه الحرب. . . يراد من التجمل الصناعي حين تبالغ فيه المرأة أن يخف فيثقل؛ ويراد من الجمال الطبيعي أن يخف فيزداد خفة. . . من النساء من إذا رايتها حسبت روحها زجاجة ملئت عطراً؛ ومنهن من إذا رايتها حسبت

стр. 5451

روحها ملئت زيت خروع. . . أول فلسفة الشريعة في الزواج انه حصرُ المعاني البهيمية من كل رجل وامرأة في الرجل والمرأة بذاتيهما. فاخر فلسفة الشريعة في الزواج انه إذا عم وانتظم تراجعت بهيمية العالم فصغرت وصغرت حتى تكون كأنها في اثنين فقط. . . إذا سألت السياسي الداهية فسكت عن الجواب فقد قال لك قولا من لا يملك على الأرض شيئاً يملك على الأقل أن يفرح وان يحزن. . . مات واصبح كأن لم يوجد، ومع ذلك فقد وجد، ومع ذلك فكأن لم يوجد. إن خرج من هذا التركيب المنطقي معنى يثبت في الفهم، كان للحياة في الفهم معنى ثابت. . . أيا غاضباً من صر وف القضا … بنفسك تَعْنُفُ لا بالقدَرْ ويا ضارباً صخرةً بالعَصَا … ضربت العصا أم ضربت الحجر؟ طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5452

صفحة من التاريخ روح مصر للأستاذ محمد فريد أبو حديد دع من شاء يتغنى بفرنسا وما في فرنسا، ودع من شاء يتغنى بإنجلترة وما في انجلترة؛ دع هؤلاء جميعا يعنفون مصر وما في مصر وينكرون ماضيها، فما نحن منهم في شئ. وليس في الأمر علينا من مضاضة إلا ألم الساعة نشعر به كلما وقعت أعيننا عفوا أو قصدا على كلمة لبعض هؤلاء؛ حتى إذا مرت الساعة لم يبق من اثر لكلمتهم إلا كما يبقى من اثر قول الولد العاق في نفوس أهله، فان الحب يغلب الكراهة، وسعة صدر الوالد لا يدوم معها الغل ولا تبقى عليها الحفيظة. ثم لن تكون إلا أعوام فتنضج العقول الفجة، ويتسع الأفق الضيق، ويغزر المحيط الضحل، فيعود هؤلاء جميعاً إلى تقديس مصر ومعرفة روحها، وإعطائها ما يجب لها من الإجلال. وأما نحن فما بنا ولله الحمد غير مصر وحب مصر، والإعجاب بها والإشفاق عليها: نعجب بما فيها من جليل، ونشفق على ما بها من عليل أو ضعيف. ليس في القلب نحوها موضع لغير عاطفتي الحب والإشفاق. هذه كلمة نفرج بها عن النفس مما تحسه، إذ كثر في هذه الأيام حديث الزراية بمصر من قوم لا نجد في نفوسنا ميلاً إلا للدعاء لهم بالتوفيق إلى ما هو خير من ذلك واكرم. ولنعد إلى الماضي نقلب فيه صفحة من صفحات تاريخ مصر، لنرى أن روحها كان أبداً روح الكريم الأبي، ولو علا تلك الصفحة صدا القدم، أو غشاء الوهم. لا حاجة بنا إلى أن نعود إلى أيام الفراعنة، أو إلى أيام مجد الدول الإسلامية التي كان فيها لمصر ذلك الروح المتوثب القوي، بل نعود إلى أيام القرن الثامن عشر الذي يصفه بعض المؤرخين بالظلمة والانحطاط، ولم يتورعوا أن يتهموه بأقسى التهم وأشنعها، وتعدوا فيه الوصف الشنيع إلى السب المقذع حتى في التسمية، فلا يعرفونه إلا باسم (عصر المماليك) كأننا بهم يعيرون حكامه بأنهم كانوا في أول أمرهم يشترون بالمال. وأنا إذا عدنا إلى ذلك العصر لم نجدروح مصر خفيا، بل نراه واضحا مجلواً على عهده من الكرم والأباء: لئن كان حكام مصر الأسبقون يشترون فيأول حياتهم بالمال، فقد كانوا رجالأ طالما ذادوا عن

стр. 5453

حوض مصر، وحملوا ذمارها. ولقد كانوا يفاخرون بمصريتهم ويعتزون بها، ويسمون أنفسهم منتسبين إليها، فكانوا يعرفون أنفسهم باسم (الأمراء المصريون) وما أجدرنا نحن اليوم أن نسميهم بذلك الاسم ونتجنب تلك منذ أيام إبراهيم ورضوان، ومن جاء بعدهما مثل علي بك الكبير ومحمد بك أبى الذهب. وشهد أهل مصر في أيام هذين الحاكمين الضعيفين تغيرا في نظام الحكم ونمط السياسة، وأخذت شوكة الدولة تتجه نحو جوانب الناس تخزهم وتؤذيهم وتفسد عليهم أحوال حياتهم، وما كان عهدهم بشوكة الدولة أن تكون أداة أذى لهم. فان الأمراء المصريين كانوا منذ القدم إذا تشاحنوا كان تشاحنهم فيما بينهم، وإذا اعتدى بعضهم فإنما كان يعتدي على بعض، وإذا غصبوا مالا أو سفكوا دما فإنما كان الحزب الغالب منهم يغصب مال الحزب المغلوب، ويسفك المنتصرون منهم دماء اتباع الحزب المخذول. وقديما تشاحن الأحزاب على الحكم وتنافسوا على السلطة، وما كان بأهل مصر باس من ذلك، إذ كانوا في كل هذه الحركات بمعزل عن الأذى. دماؤهم محفوظة، وأموالهم محرمة، وأعراضهم مقدسة؛ وأما منذ تولى أمر الحكم إبراهيم ومراد، فقد تغيرت الحال، وخرقت الحدود، وإذا بجنود الدولة تعسف بالناس، وتنتهك حرماتهم، فلم يرضهم ذلك، بل احتجوا وشكوا، ثم تحركوا واضطربوا، وكان اضطرابهم ذلك، قبل أن يتحرك شعب فرنسا في ثورته الكبرى بنحو أربع سنوات. قال صاحب (عجائب الآثار) في حوادث سنة مائتين وألف للهجرة: أي في سنة ألف وسبع مائة وخمسة التسمية الجائرة التي رددها من قبل أعداء مصر ظلماً منهم وعدوانا. فقد ألصقت بهم هذه التسمية منذ أطلقها عليهم فرنجة الحملة الفرنسية الذين جاءوا إلى مصر لينزعوها من أيديهم ويحلوا محلهم في حكم البلاد، فكانوا يحاولون في كل مناسبة أن يشهروا بهم ويحملوا عليهم، بغية أن يفسدوا عليهم قلوب أهل مصر. ولهذا حبب إليهم أن يسموهم باسم (المماليك) وان ينعتوهم بأشنع النعوت، ويتهموه بأبشع التهم. أما نحن فما أحرانا أن ننظر لأنفسنا بأعين مجردة عن الهوى، وان ننظر إلى صفحة تاريخهم بغير حقد ولا كراهة، فما كانوا بأهل لذلك، وما كان حكمهم إلا كسائر حكم الدول التي تعاقبت على مصر في مختلف العصور. فلقد تعاقب في عهدهم حكم العدل والظلم، وأختلف في زمانهم زهو النصر، وذلة القهر - وأي عصر في التاريخ قد خلا من مثل هذا

стр. 5454

التقلب والاختلاف؟ وكان شعب مصر في مدتهم يزن الدولة، فيرى ما فيها من حسنة وسيئة، فإذا رأى الحسنة غالبة، غفره السيئة في سبيلها، وهو في ذلك مثل سائر الشعوب المتمدينة المستقرة، لا تستخفهالحوادث إلى العنف ضناً بالسلام والطمأنينة، غير أن ذلك الشعب الوديع كان يرى أحيانا من الحكام من لا يستحق عطفه ولا إجلاله، فكان عند ذلك يرفض الاعتداء بإباء العازم على عدم الاستكانة. وما اكثر الآيات الدالة على هذا لمن أراد النظر لنفسه، ومن لم يتلق وحيه عن أساطير الكارهين الكاشحين. ولي أمر الحكم في مصر في أواخر القرن الثامن عشر أميران من اضعف من ولي أمر الحكم فيها، وهما مراد وابراهيم. فكان حكمهما في مصر أشبه شئ بالمرض يعتري جسم الشاب الناشئ؛ وتهدم في أيامهما ما بناه أكابر الأمراء السالفين قبلهم وثمانين للميلاد ما يأتي: (وفي صبيحة (يوم الجمعة) ثارت جماعة من أهالي الحسينية بسبب ما حصل في أمسه من حسين بك (تابع مراد بك) وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول. والتف عليهم جماعة من أوباش العامة والجعيدية، وبأيديهم نبابيت ومساوق، وذهبوا إلى الشيخ الدردير، فونسهم وساعدهم بالكلام وقال لهم: أنا معكم، فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه، وصعد منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة، وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: (في غد نجمع أهالي الأطراف والحاران وبولاق مصر القديمة، واركب معهم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم) فلما كان بعد المغرب حضر سليم اغا مستحفظان، ومحمد كتخدا ارنؤد الجلفي كتخدا إبراهيم بك وجلسوا في الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه، وخافوا من تضاعف الحالة، وقالوا للشيخ: (أ. كتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون) واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا، وركب الشيخ في صبحها إلى إبراهيمبك أرسل إلى حسين بك فأحضره بالمجلس وكلمه في ذلك. .) ولم يقف الأمر عند حدود القاهرة، بل اشترك أهل الأقاليم في ذلك، فلم تمض السنة نفسها حتى تحركت مدينة طنطا في أيام مولد وليها المشهور السيد البدوي، وكان الشيخ الدردير على راس الحركة هذه المرة أيضاً.

стр. 5455

قال صاحب تاريخ (عجائب الآثار): (فذهبوا (أي أهل طنطا) إلى الشيخ الدردير، وكان هناك بقصد الزيارة، وشكوا إليه ما حل بهم، فأمر الشيخ بعض اتباعه بالذهاب إلى (الكاشف الظالم) فامتنع الجماعة من مخاطبة ذلك الكاشف، فركب الشيخ بنفسه وتبعه جماعة كثيرة من العامة، فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر إليه والشيخ راكب على بغلته، فكلمه ووبخه وقال له: (انتم ما تخافون من الله) ففي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامة الناس وضربه بنبوت، فلما عاين خدامه ضرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهم، وقبضوا على السيد احمد الضاني تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت، وهاجت الناس على بعضهم، ووقع النهب في الخيم وفي البلد، فنهبت عدة دكاكين، وأسرع الشيخ بالرجوع إلى محله. . . ثم حضر كاشف المنوفية وهو من جماعة إبراهيم بك الكبير وحضر إلى كاشف الغربية وأخذوا وحضر به إلى الشيخ، واخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا بالأمان. . . ولما رجع الشيخ الدردير إلى منزله حضر إليه إبراهيم بك الوالي واخذ بخاطره أيضاً، وكذلك إبراهيم بك الكبير، وكتخدا الجاويشية.) غير أن الحوادث السياسية التي وقعت في ذلك الوقت حالت دون استمرار سعى أهل مصر نحو إصلاح نظام الحكم بأنفسهم، وذلك أن السلطان أرسل عند ذلك جيشاً لمعاقبة المفسدين في زعمه. فانخدع أهل مصر وتركوا ما كانوا فيه من مسعى ظناً منهم أن السلطان كفيل لهم بإزالة المظالم وإصلاح الأمور. وبقى جيش السلطان في مصر قليلاً، ثم دعته الدواعي إلى مغادرة البلاد فعاد الأمر إلى ما كان عليه من عبث مراد واتباعه، وعاد الناس يفكرون في الدفاع عن أنفسهم والتحرك لإزالة العسف، وأضحت مصر والجو فيها مكفهر، والقلوب غير مستقرة، والشعب متحفز، وأهل الدولة في وجل وترقب. قال صاحب (عجائب الآثار) في وصف هذه الأيام: (وركب إبراهيم بك الكبير في ذلك اليوم وذهب إلى الشيخ البكري وعيد عليه، ثم إلى الشيخ العروسي، والشيخ الدردير، وصار يحكي لهم، وتصاغر في نفسه جداً، وأوصاهم على المحافظة وكف الرعية عن أمر يحدثونه أو قومة أو حركة في مثل هذا الوقت، فانه كان يخاف جداً.)

стр. 5456

ثم أراد الله مرة أخرى أن يحول دون تمام تلك النهضة، إذ لم تلبث البلاد أن شهدت طلائع الحملة الفرنسية، فكان في تلك الحملة المشئومة آخر قضاء على حركة مصر في القرن الثامن عشر. أمن الحق أن يقول قائل مع هذا إن أهل مصر ظلوا منذ القدم على الاستكانة والخضوع للمظالم؟ محمد فريد أبو حديد

стр. 5457

حركات الشباب خواصها وأثرها في بناء أوربا الجديد للأستاذ محمد عبد الله عنان من أهم الظواهر التي يمتاز بها المجتمع الأوربي الجديد، أن الشباب يقوم في بنائه وتوجيهه بأعظم قسط؛ وقد هلكت زهرة الشباب الأوربي القديم في الحرب، وخلفها شباب جديد حائر يتخبط في غمار المتاعب والأزمات العديدة التي خلفتها الحرب؛ ولكن الحركات والانقلابات السياسية العنيفة التي تمخض عنها العهد الجديد أفسحت للشباب مجالاً كبيراً للعمل، وأسبغت عليه كثيراً من النفوذ والسلطان، وخصته في بناء الدولة الجديدة والمجتمع الجديد بأعظم قسط. ويلاحظ أن هذا التطور قد بدأ في أواخر الحرب ذاتها؛ حيث قامت الثورة البلشفية في روسيا وحطمت صرح المجتمع القديم كله، ولبثت منذ قيامها تعمل بجد ومثابرة على خلق جيل جديد وشباب جديد يضطرم بالمبادئ والمثل الجديدة ويكون لها في المستقبل عماداً وسياجاً، ثم قامت الثورة الفاشستية في إيطاليا بعد نهاية الحرب بأعوام قلائل، وأدركت ما للشباب من أهمية في بناء المستقبل، فأقبلت عليه واجتهدت في حشده وتنظيمه وتدريبه، وطبعته بطابعها القوي فاصبح من طلائعها وجندها المخلصين؛ وأخيراً قامت الثورة الوطنية الاشتراكية في ألمانيا (الثورة الهتلرية) وكان قوامها منذ البداية ذلك الشباب البائس الذي دفعته خيبة الأمل إلى أحضان التطرف والى لواء أولئك الذين يعدونه بالعمل ورفاهة العيش في ظل دولة جديدة يكون الشباب فيها كل شيء؛ ويستأثر بكل شيء، وفي تركيا الكمالية يشغل الشباب في المجتمع التركي الجديد اعظم مكانة، ويعلق عليه زعماء الثورة الكمالية اعظم الآمال، وقد حذت الثورة التركية حذو الثورة البلشفية والثورة الفاشستية في حشد الشباب وتدريبه وطبعه بالمبادئ والمثل الجديدة، وفي معظم الأمم الأوربية الأخرى مثل إسبانيا وفرنسا وبولونيا يجتمع الشباب حول المثل الجديدة، ويحاول أن يشق طريقه إلى بناء دولة جديدة ومجتمع جديد يكون له فيهما ما يطمح إليه من السلطان والنفوذ. وحتى في إنكلترا التي عرف شعبها بالروية والاتزان إزاء الآراء والتطورات الجديدة يبدي الشباب الإنكليزي ميلاً كبيراً إلى التطور، ولا يأبى تأييد الشيوعية والفاشستية إلى حد ما.

стр. 5458

ونلاحظ أيضاً أن الشباب اشد ما يكون تطوراً ونفوذاً في بناء الدولة الجديدة والمجتمع الجديد في ظل حركات الطغيان، كالبلشفية والفاشستية والوطنية الاشتراكية الألمانية. ذلك أن هذه النظم الطاغية تقوم على القوة والعنف وتحتاج أولاً إلى السواعد الفتية توازنها وتحقق لها ما شاءت من ضروب العنف والإرهاب، فإذا ما استقرت بفضل هذه السواعد القوية والأذهان الملتهبة الطامحة، اضطرت أن تفسح لها مجال النشاط والعمل تحت إشرافها ووحيها، وان توليها من النفوذ والمكانة ما يحقق بعض أطماعها، على أنها لأتقنع بحشد الشباب الناضج المكتمل، لأنها لا تأمن تطوره وانقلابه، فتعمد إلى الشباب الفتى تبث إليه تعاليمها، وتدربه على أساليبها؛ ولا تفر الأحداث والأطفال، لأنها ترى فيهم أجيالاً متعاقبة من الشباب الذي ترى أن تخلد زعامتها على يده؛ ولذلك نراها تخضع نظم التعليم والتربية لصولتها، وتطارد حرية التفكير والرأي بكل ما وسعت من ضروب العنف والشدة حتى لا تفضح مثلها ووسائلها، وحتى لا يلقى الشباب الذي تستعبده وتذله لغاياتها من النور والضياء ما يهديه إلى الحقيقة ويدفعه إلى تحطيم ذلك النير الوحشي الذي تضعه في أعناقه. وتلجأ هذه الحكومات الطاغية دائما إلى حشد الشباب في جماعات شبه عسكرية، تحت أسماء وصفات مختلفة، وتعنى عناية خاصة بتنمية الميول العسكرية والرياضية في نفسه، لتعوده أولاً على الطاعة العمياء، ثم لتحكم قيادته وتوجيهه بواسطة رياسة متدرجة مباشرة؛ وقد استطاعت الفاشستية الإيطالية أن تحشد حولها بهذه الوسيلة ملايين الشباب والأحداث، وحذت حذوها الوطنية الاشتراكية في ألمانيا فجندت الملايين باسم فرق الهجوم والحرس الأسمر، وجيش العمل، والشباب الهتلري وغيرها. ويتخذ الطغيان، الوطنية والغايات القومية ستارا لهذه الحركات؛ وقد يحقق بالفعل كثيرا من الغايات القومية المحلية أو القريبة المدى، ولكنه يعمل دائما بروح حزبي عميق، ويؤثر المبادئ والغايات الحزبية على غيرها، ويخضع الدولة لسلطان الحزبية، كما فعلت الفاشستية في إيطاليا والهتلرية في ألمانيا. وتثير حركات الشباب اليوم في أوربا كثيرا من الاهتمام، ولا سيما بعد أن أصبحت عماد انقلابات خطيرة في نظم القارة ومجتمعاتها القديمة، وأضحت عاملا قويا في حياة أوربا السياسية. هل توجد بين حركات الشباب في مختلف البلدان خواص مشتركة؟ وما هي هذه

стр. 5459

الخواص المميزة وما علاقتها بالتطور الاجتماعي والسياسي في كل بلد؟ وهل تحفز الشباب في جميع البلدان آمال وغايات مشتركة؟ هذه الأسئلة وما إليها تثير كثيرا من البحث والجدل. وقد ظهرت في الأعوام الأخيرة عدة كتب ومباحث هامة بأقلام جماعة من كبار الباحثين والساسة عن حركات الشباب الأوربية وخواصها وآثارها، ومن اشهر هذه الدراسات وأحدثها كتاب بقلم الكاتب الفرنسي ايليا ايرنبور عنوانه (اليوم الثاني من أيام الخلق) وفيه يدرس حركات الشباب في روسيا السوفيتية، ويستعرض خواصها وتطوراتها بطريقةروائية، وفي رأيه إن الشباب الروسي إنما هو شعب جديد، يفيض بمادة جديدة تستنفد اليوم في مرحلة التوطيد الاشتراكي، كل قواه بملء الحرية؛ وان الماركسية (الشيوعية) قد انسابت إلى دمه، واصبح يتذوق الأوضاع التي تقررها، وأنها قد أسبغت عليه بالأخص صفتين: الأولى عاطفة التضامن البشري الذي دعا إليه من قبل سولوسييف، وتولستوي، ودستويفسكي؛ والثانية هي الثقة التي لا حد لها بالعقل والمنطق وما يترتب عليهما من الطموح المستمر إلى النور، واستعمال القوة المفكرة، ونبذ الخرافات القديمة. ومن هذه الدراسات أيضاً كتاب الدكتور جريندل عن حركات الشباب الألماني وعنوانه: (رسالة الجيل الفتي) وقد ظهر قبل قيام الطغيان الهتلري في ألمانيا، ولكنه لا يزال مرجعا في موضوعه. ويصف الدكتور جريندل الشباب الألماني بأنه (وطني) يخاصم الشيوعية اشد الخصومة، وانه يطمح إلى إقامة (اشتراكية ألمانية) تضع حدا لمساوئ النظام الرأسمالي وتقضي على الشيوعية أتم قضاء، وتوفق بين مصالح جميع الطبقات والأفراد. ويمتاز الشباب الألماني بصفة خاصة، هي انه يعتبر نفسه ذا قيمة في نفسه، ولا يكتفي بان يعتبر ذخر المستقبل كما هو الشان في معظم الامم؛ فليس الشباب في نظره حالة نضوج ينتهي عملها بعد حين، ولكنها حالة نضوج تام تترك ورائها كل الأجيال السالفة والقادمة، وهي ذات قيمة في نفسها تتمتع بأعظم الخلال؛ وإذا كان الشباب يتكون في الأمم الأخرى على مثل الرجل الناضج، فانه يرى في ألمانيا أنه أتم نضوجاً وأوفر قيمة من الرجل الكامل. وليس أدل على ذلك من (حركة الشباب) الألمانية الشهيرة التي استطاعت أن تنشئ ثقافة شباب حق لها كل مميزاتها، ولها مثلها الأعلى الخاص؛ ومن المعروف أن الطموح الألماني إلى المثل الأعلى، الذي غدا منذ الفيلسوف (كانت) ظاهرة الحياة العقلية الألمانية،

стр. 5460

هو مصدر هذه النزعة التي تدفع الشباب الألماني إلى الأمام، فهو يتقدم في سبيله لا يقعده شيً من الاعتبارات العملية التي تسحق الرجل الناضج، وهو لا يعبأ بالمصاعب الخارجية، بل يتحرى الغايات البعيدة دون النظر إلى الحقائق، وهذا الطموح الحر إلى المثل الأعلى هو الذي خلق الشباب الألماني. هذا عن الدراسة الخاصة لحركات الشباب، وقد صدرت كتب وبحوث عديدة عن الفاشستية وأثرها في تكوين الشباب الإيطالي. وهناك بحوث عامة عن حركات الشباب الأوربي، منها كتاب لرنيه دبوي والكساندر مرك عنوانه (أوربا الفتاة) وكتاب لارنوداندييه عنوانه (الثورة المحتومة) وكلها تدور حول تنظيم أوربا الجديد من الوجهتين السياسية والاجتماعية، وحول تطور المجتمع الأوربي القديم، وفشل الديمقراطية في حشد الشباب، وخصومة الشباب للنظم الرأسمالية والشيوعية معا. وسر هذه النزعة نحو النظم الاقتصادية القائمة، هو أن معظم شباب ما بعد الحرب من اسر فقيرة ومتوسطة؛ وهو يشعر بأنه ضحية إغراق النظم الرأسمالية في استثمار الطبقات العاملة، ويشهد من جهة أخرى أخطار الشيوعية ووسائلها المخربة، فهو يرغب عن النظامين، ويطمح إلى نوع من الاشتراكية المعتدلة؛ وأحياناً يرى مثله الأعلى في الفاشستية، وأحياناً في الاشتراكية الوطنية؛ غير أن الفاشستية والاشتراكية الوطنية لم تتمخضا بعد عن مثل هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي ينشده الشباب. ومن الغريب أن هذه الحركات الطاغية قد استطاعت أن تستعبد هذا الشباب الطموح المتوثب وأحيانا بالوعود الخلابة، أحياناً بالمنح المتواضعة في ميدان الكسب والعمل، ولكنها تعمد بنوع خاص إلى كسبه بالملق، فتصوره دائما بأنه كل شي في حياة البلاد، وانه صاحب السلطان المطلق في شئونها، وتمنحه من اجل ذلك بعض المناصب الرئيسية، ثم تسيره من ورائها وفق مشيتها، مصوره إياه بأنه هو الذي يقود نفسه بنفسه، على يد زعمائه الشبان. ومن الحق أن نقول إن هذه الحركات الطاغية - الفاشستية والوطنية الاشتراكية والكمالية - كان لها مع ذلك في تكوين الشباب من بعض النواحي الخلقية والقومية آثار حسنة، تدعو أحياناً إلى الإعجاب، فهي فضلا عن العناية بتكوينه من الوجهة الرياضية والعسكرية، والسهر بذلك على رعايته الجسمية والصحية، تعني عناية خاصة بصقل رجولته وتقوية

стр. 5461

خلاله ومبادئه الأخلاقية، وتعويده على الحياة الخشنة العملية، وتدريبه على احتمال المشاق، والاعتماد على النفس، فهي تنشئه من هذه الناحية نشأة إسبارطية حسنة؛ وأما من الوجهة القومية فان لها كل الفضل في جعله جنديا متحمسا من جنود الوطن، فهي تحشده باسم الوطن أولاً وتذكي في نفسه حب الوطن وكل ما يتصل به، تاريخه وماضيه، ومدينته، وربوعه، وخواصه، ثم تبعث إليه حب المثل القومية التي تجيش بها الزعامة السياسية وتدخره لتحقيقها، وتذكي في نفسه العزة القومية إلى أقصى حدودها؛ وتحميه من أخطار المبادئ الشيوعية والثورية الهدامة، أو بعبارة أخرى تتخذه درعا لحمايتها منها. ولا يستطيع منصف أن ينكر ما لهذه التربية الأخلاقية والقومية من المزايا البديعة. على أن هذه الحركات تذهب أحياناً إلى حدود بعيدة، وتركب متن الإغراق في تصوير العواطف والغايات القومية، ففي ألمانيا مثلا تبث الاشتراكية الوطنية في نفوس الشباب نزعة قومية مغرقة تذهب إلى حد الأحقاد الجنسية؛ وشعار الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) في هذه الناحية أن الجنس الألماني هو خير الأجناس البشرية، وانه يتفوق عليها جميعا بمواهبه وخواصه، وتستتر الوطنية الاشتراكية وراء التفرقة بين الأجناس الآرية والسامية، وتعلم الشباب والشعب الألماني جميعا أن الجنس الآري (ويجب أن نقرا دائما الجنس الألماني) هو اجدر الأجناس بإنشاء المدنيات، وان الشعوب السامية والآسيوية كلها شعوب هدامة للحضارة يجب أن تستعبد وان تستغل لمصلحة المدنية الآرية والجنس الآري؛ وتنظر الشبيبة الألمانية اليوم إلى جميع أمم العالم من عل وتتوغل في الأحلام المغرقة، وكان من آثار هذه المبادئ المغرقة التي تبثها زعامة محدثة متطرفة لا تتمتع بشي من المواهب الممتازة أن وقعت تلك الحوادث والمناظر الدموية المثيرة في ألمانيا باسم خصومة السامية ومطاردة اليهودية؛ ومن الأسف أن هذه المبادئ المغرقة تهيمن اليوم على الثقافة الألمانية كلها. وقد شهدنا بأنفسنا آثار الفاشستية في إيطاليا واثار الثورة الكمالية في تركيا، فأما في إيطاليا فان الفاشستية تغذي العاطفة القومية بقوة، ولكن في نوع من الرزانة وحسن التوجيه. وقد تحمل الشبيبة الإيطالية بعيدا في كبريائها وأحلامها، بل تذهب أحياناً إلى حد التعصب والخشونة. ولكنها لم تذهب قط إلى تلك الحدود المغرقة التي انتهت إليها الوطنية الاشتراكية في ألمانيا. وتتجه الشبيبة الإيطالية اليوم ببصرها إلى ماضي إيطاليا المجيد،

стр. 5462

إلى مجد روما ومجد القياصرة، فتتصور بعث الدولة الرومانية بكثير من حدودها وأملاكها القديمة، وتتجه أيضا إلى إحياء الفضائل والخلال الرومانية القديمة؛ وهي اليوم افضل مما كانت عليه بكثير من حيث الأخلاق والهمم والثقافة. وأما في تركيا فان العاطفة القومية تبلغ بالشباب حد التعصب الأعمى، ومع أن الشبيبة التركية لا تتمتع بدرجة محترمة من التعليم والثقافة، فإنها مع ذلك شديدةالكبرياء والغطرسة تتصور أنها سيدة الشباب في العالم كله، وأنها على حداثة عهدها بالمدنية الأوربية وضالة ثقافتها تضارع أرقى شباب أوربا ذكاء وثقافة ومدنية، وليس هذا بغريب في بلد يدعي زعماؤه انه هو مهد الحضارات البشرية، وان لغته (أي التركية) هي اصل اللغات البشرية، ويحسبون أن ما اسبغ على تركيا الجمهورية في أعوامها القلائل من قشور المدنية الأوربية يكفي لوضعها إلى جانب اعظم الأمم رقيا وحضارة. هذا وأما عن حركات الشباب في الأمم الإسلامية والعربية فلا نستطيع أن نبسط القول، ومن الأسف انه لم تنتظم في أممنا الإسلامية والعربية حركات منظمة قوية من الشبيبة. نعم قام الشباب في مصر وفي البلدان العربية بحركات متقطعة، واشتركوا في الحركات القومية، وكان لهم فيها يوم قيامها اكبر الأثر. ولكن هذا العمل القومي لم يكن منظما ولا مستمرا، ولم تدعمه من الناحية الأخرى تلك المزايا القومية والأخلاقية التي ننشدها. ومن الأسف أيضاً أن شباب الشرق يتأثر من آن لآخر بنزعات الشبيبة الأوربية، فيحاول أن يقلدها تقليدا أعمى. مثال ذلك ما أذيع من أن شباب بعض البلدان العربية يحاول أن يقتبس من مبادئ الحركة الهتلرية، مع أن الحركة الهتلرية هي من اشد الحركات الحديثة نزعة إلى الاستعمار، وابلغها عداوة للحرية، واشدها احتقارا للأمم الشرقية؛ فمن الواجب على شبابنا أن يسترشد في حركاته وأمانيه بالظروف المحلية والغايات القومية قبل كل شي، ومن الواجب أن يعمل ولكن في روية واستنارة؛ ومن الواجب أن يسترشد دائما بمحن الوطن وماضيه المجيد في تغذية العاطفة القومية، وأن يكون شعاره العمل الرزين المنظم في سبيل الأماني القومية. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5463

الناي السحرية للأستاذ بشير الشريقي المحامي حين قدم موزار (١٧٥٦ - ١٧٩١) الناي السحرية للجمهور لم تلق ما تستحق من نجاح. ويقال إن مدير الجوقة الموسيقية لأول مرة ظهرت فيها الناي السحرية، وبعد أن هدأت عاصفة التهليل، تسلل إلى موزار وكان يشرف على الإخراج، وقبل يده، فربت موزار على رأسه، لنا أن نذهب من ذلك إلى أن المدير قد فهم ما عنته الموسيقى، وان موزار أدرك أن المدير قد فهمها. كلاهما لم يستطع وضعها في كلمات رواية غنائية وهي في الواقع لم تكن مثبتة في كلمات؛ وما كانت كلمات الرواية الغنائية لتحول دون إدراك المعاني الموسيقية لو لم يتساءل النظارة عن معاني تلك الكلمات. لقد نجحت الناي السحرية بعد موت موزار؛ وسبب هذا النجاح ولا شك أن النظارة لم يعودوا يتساءلون عن معاني كلمات الرواية وأدركوا شيئا من معاني الموسيقى. كلمات الناي السحرية هي عناوين لموضوعات ضخمة، ونحن نمر خلالها بسرعة إلى موسيقى بابا كينو الواضحة، ولكنا سوف نضيع ذلك الوضوح إن نحن سعينا إليه عن طريق الكلمات أو نشدنا موضوع الرواية في هذه الكلمات. إن حوادث الرواية ليس لها ارتباط بالكلمات بعضها ببعض، كما أن منطق الرواية كله في الموسيقى التي تخلق عالما تقع فيه الحوادث عفوا، عالما تصدر فيه النغمة عن أختها أو تنعكس عنها كما تنعكس قوى الطبيعة أو أفكار الرجل؛ هذا العالم هو الكون كما يراه موزار، والرواية بكاملها هي إيضاح لأيمانه الخاص. وعلى هذا فهي بذاتها عمل ديني وان كانت سليمة مما نجده في الدين من مسائل مبهمة وورع جبان. لقد عاش موزار في هذا العالم أشبه ما يكون بملك همه أن يضحك، ولكن بلا أذى ولا حقد، همه أن يضحك من شقاء بني الإنسان، وشر المصائب ما يضحك. وكان يعطف حتى على الفجار (انهم أطفال خبثاء يمكن لمن عنده سر السحر أن يجعل منه أهل خير وصلاح) وفي الناي السحرية يعمل السحر، انه يعمل في الناي نفسها، وفي قيثار بابا كينو. عند موزار سر الموسيقى، وقد بلغ من جهل العالم بحكمته أن حسبه مجرد شحاذ يعزف بأنغامه في الشوارع؛ وبعد جيل اصبح الناس يذكرونه كلما ذكروا الأنغام، وأصبح الشعب ينظر إليه كما ينظر إلى سوسن الحقل؛ ولا تزال الناي السحرية

стр. 5464

إلى اليوم اكثر من رواية غنائية عادية ذات أنغام وأسلوب بسيط قديم، يمكنك أن تتمتع بها على كل حال إذا لم تقف إزائها موقف المتهيب؛ يمكنك أن تنعم بها كما تنعم (بهملت) تلك الرواية المشجية؛ وهي مثل (هملت) تحوي معاني دقيقة بعيدة، معاني لا تدركها أفهامنا. إن بابا كينو صورة مجازية؛ ولكنها من اعظم الصور في جميع روايات العالم؛ انه كل شخص كما كان (هملت)، وإذا كنا نملك مهارة معرفة أنفسنا وجد فيه كلا منافسه؛ وبكلمة أخرى انه ذلك العامل المستولي علينا والذي نحبه في أنفسنا ونحتقره في الآخرين؛ انه ذلك العامل الذي لا نعترف به للحظه، إلا وهو عامل الخوف والاعتزاز والكذب. قدم موزار اغانيه لسارسترو وبابا كينو، حتى إذا أخذا في الغناء أحسسنا كانا نشاركهما غناءهما، وأي غناء؟! غناء ليس فوق مقدرة فهمنا ولا سرورنا؛ غناء الملاك الذي تعلم لساننا الأرضي وادخل عليه الإصلاح أقام بذلك سماء على الأرض؛ سماء لا تبعد عنا ولا تصعب علينا؛ سماء من غابة مقفرة نقدر فيها أن نضحك بقدر ما نقدر ان نغني؛ سماء تضحك فيها الملائكة منا وتضحك معنا؛ وفي هذا الفردوس الذي خلقه لنا موزار سرعان ما يتحول جلال الموسيقى إلى هزل، وسرعان ما تعود الموسيقى إلى جلالها، وهذا التبدل يظهر دائما طبيعيا. ذلك هو عقل موزار الذي رماه الشعب بالطيش لسبب واحد هو انه وقد أوجد في سمائه مكانا لكل شي لم يوجد مكانا لمجد سليمان المتبذل، أو للعنف والبشاعة والبلادة، لا يوجد في الفن أبداً ما هو اعمق أو اجمل من أصول موسيقى سارسترو. لقد بلغ من وضوح عقيدة موزار أنها تبدو وكأنها ليست بعقيدة وإنما هي مجرد بهاء، مثلها في ذلك مثل القديسين الحقيقيين الذين يبدو عليهم انهم ليسوا من أهل الصلاح بل من أهل الفتون. وهنالك من الناس من لا يجد في جمال موزار فنا، وسبب ذلك أن جماله جمال حق. هم يحسبون انه احتال على هذا الجمال احتيالا؛ انهم ينشدون صرير الجهود، وينشدون الأنانية؛ لقد بلغ من نقاء جهوده ومن كثرتها أن حسبوها رخيصة لا ترضي إلا العوام. يصعب علينا أن نشاهد الناي السحرية تمثل تمثيلا مرضيا على مسرح اليوم، ولكنا برغم ذلك سنسر ولا ريب من أي تمثيل لهذه الرواية التي حوت روح الموسيقى، والتي يمكن للمرء أن يرى منها كيف تكون الناي السحرية؛ لقد بلغ من رقة موسيقاها ورقة أنغامها أنها تقدر أن تجدد موسيقى هذه الأيام المسرحية الغريبة.

стр. 5465

يمكننا أن نصف تامينو وبانينا كما نصف احسن صور في مجمع فني، وان نتخذ كلا منهما مثالا لأبطال الروايات الغنائية وبطلاتها في كل عصر ومصر، بلى قد لا تنتسب ثيابهما لعالم الحقيقة أو الفن، وقد تعرض نماذج مصطنعة ومنمقة، ولكن الموسيقى تلطف من ذلك وتساعد كل شخص على أن يقوم بدوره احسن قيام. من الواضح أن موسيقى الناي السحرية تجلب السرور وتوافق أولئك الذين ينشدونها فإذا بهم كأنهم يقومون بعمل ديني اكثر مما لو كانوا يقومون بعمل مسرحي، وانك اكثر ما تشعر بذلك عند انسجام الأنغام حينما يتراءى لك أن ريح الفردوس تهب على جميع المغنين فيتمايلون لها تمايل الأزهار بالرغم من ثيابهم الكثيفة. ولكن الناي السحرية مفتقرة إلى عالم متجانس في النظر كما هو متجانس في السمع حتى تظهر بمظهر كامل مرض، ولهذا فنحن أحوج ما نكون لفترة إصلاح تتناول كل عاداتنا المسرحية؛ نضرب لذلك مثلا سارسترو، انه يعيش بين مناظر مصرية، على حين إن هذا العالم المصري لا يناسب الموسيقى وهو يعني لدينا أعاجيب القاعة المصرية، ولكن هنالك عالما مفردا يناسب الموسيقى كل المناسبة، عالما تستطيع أن تمر فيه من العبث إلى الجمال مرورا طبيعيا؛ وفيه تكاد تكون جميع الصور متناسبة وواضحة، ذلك العالم هو العالم الصيني كما عرفناه في الفن الصيني حيث يوجد في هذا الفن الخيال الروحي والهزل البهي؛ حيث يوجد في هذا الفن مزيج من طفولة وقداسة يوحي إلى العين ما تحويه موسيقى موزار إلى الأذن؛ وفي الفن الصيني فقط يقدر بابا كينو أن يكون قديسا: في ذلك العالم فقط تعيش روح موزار بضحكتها وحكمتها، وكأنها في بيتها؛ في هذا العالم تساوت الأزهار وجميع الحيوانات في الخطر مع جنس الإنسان، في هذا العالم يظهر الأفعى والثعبان وكأن كلا منهما مصنوع من ورق مقوى؛ في هذا العالم لا يظهر السحر انه مجرد تعاويذ؛ في هذا العالم يمكن للمرء أن يقع على مناظر طبيعية وصور جميلة؛ وفيه لا يكون سارسترو ساحرا مسرحيا بل كاهنا كنسيا. في الحق إن الفن الصيني هو عالم الناي السحرية حيث تتدلى الأجراس الفضية من كل شجرة مزهرة، وتزدحم الحدائق بالبلابل الساحرة؛ هو عالم الحماسة والتأمل، حيث يجلس الحكيم في السرادق في ضوء القمر، ويبتسم ابتسام عاشق، وحيث يبتسم العشاق كالحكماء. . حيث يوحي كل شي للعين ما توحيه موسيقى موزار للأذن. وفي العالم الصيني يمكننا أن
следующие страницы →