Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
خلاله ومبادئه الأخلاقية، وتعويده على الحياة الخشنة العملية، وتدريبه على احتمال المشاق، والاعتماد على النفس، فهي تنشئه من هذه الناحية نشأة إسبارطية حسنة؛ وأما من الوجهة القومية فان لها كل الفضل في جعله جنديا متحمسا من جنود الوطن، فهي تحشده باسم الوطن أولاً وتذكي في نفسه حب الوطن وكل ما يتصل به، تاريخه وماضيه، ومدينته، وربوعه، وخواصه، ثم تبعث إليه حب المثل القومية التي تجيش بها الزعامة السياسية وتدخره لتحقيقها، وتذكي في نفسه العزة القومية إلى أقصى حدودها؛ وتحميه من أخطار المبادئ الشيوعية والثورية الهدامة، أو بعبارة أخرى تتخذه درعا لحمايتها منها. ولا يستطيع منصف أن ينكر ما لهذه التربية الأخلاقية والقومية من المزايا البديعة. على أن هذه الحركات تذهب أحياناً إلى حدود بعيدة، وتركب متن الإغراق في تصوير العواطف والغايات القومية، ففي ألمانيا مثلا تبث الاشتراكية الوطنية في نفوس الشباب نزعة قومية مغرقة تذهب إلى حد الأحقاد الجنسية؛ وشعار الاشتراكية الوطنية (الهتلرية) في هذه الناحية أن الجنس الألماني هو خير الأجناس البشرية، وانه يتفوق عليها جميعا بمواهبه وخواصه، وتستتر الوطنية الاشتراكية وراء التفرقة بين الأجناس الآرية والسامية، وتعلم الشباب والشعب الألماني جميعا أن الجنس الآري (ويجب أن نقرا دائما الجنس الألماني) هو اجدر الأجناس بإنشاء المدنيات، وان الشعوب السامية والآسيوية كلها شعوب هدامة للحضارة يجب أن تستعبد وان تستغل لمصلحة المدنية الآرية والجنس الآري؛ وتنظر الشبيبة الألمانية اليوم إلى جميع أمم العالم من عل وتتوغل في الأحلام المغرقة، وكان من آثار هذه المبادئ المغرقة التي تبثها زعامة محدثة متطرفة لا تتمتع بشي من المواهب الممتازة أن وقعت تلك الحوادث والمناظر الدموية المثيرة في ألمانيا باسم خصومة السامية ومطاردة اليهودية؛ ومن الأسف أن هذه المبادئ المغرقة تهيمن اليوم على الثقافة الألمانية كلها. وقد شهدنا بأنفسنا آثار الفاشستية في إيطاليا واثار الثورة الكمالية في تركيا، فأما في إيطاليا فان الفاشستية تغذي العاطفة القومية بقوة، ولكن في نوع من الرزانة وحسن التوجيه. وقد تحمل الشبيبة الإيطالية بعيدا في كبريائها وأحلامها، بل تذهب أحياناً إلى حد التعصب والخشونة. ولكنها لم تذهب قط إلى تلك الحدود المغرقة التي انتهت إليها الوطنية الاشتراكية في ألمانيا. وتتجه الشبيبة الإيطالية اليوم ببصرها إلى ماضي إيطاليا المجيد،
стр. 5462
إلى مجد روما ومجد القياصرة، فتتصور بعث الدولة الرومانية بكثير من حدودها وأملاكها القديمة، وتتجه أيضا إلى إحياء الفضائل والخلال الرومانية القديمة؛ وهي اليوم افضل مما كانت عليه بكثير من حيث الأخلاق والهمم والثقافة. وأما في تركيا فان العاطفة القومية تبلغ بالشباب حد التعصب الأعمى، ومع أن الشبيبة التركية لا تتمتع بدرجة محترمة من التعليم والثقافة، فإنها مع ذلك شديدةالكبرياء والغطرسة تتصور أنها سيدة الشباب في العالم كله، وأنها على حداثة عهدها بالمدنية الأوربية وضالة ثقافتها تضارع أرقى شباب أوربا ذكاء وثقافة ومدنية، وليس هذا بغريب في بلد يدعي زعماؤه انه هو مهد الحضارات البشرية، وان لغته (أي التركية) هي اصل اللغات البشرية، ويحسبون أن ما اسبغ على تركيا الجمهورية في أعوامها القلائل من قشور المدنية الأوربية يكفي لوضعها إلى جانب اعظم الأمم رقيا وحضارة.
هذا وأما عن حركات الشباب في الأمم الإسلامية والعربية فلا نستطيع أن نبسط القول، ومن الأسف انه لم تنتظم في أممنا الإسلامية والعربية حركات منظمة قوية من الشبيبة. نعم قام الشباب في مصر وفي البلدان العربية بحركات متقطعة، واشتركوا في الحركات القومية، وكان لهم فيها يوم قيامها اكبر الأثر. ولكن هذا العمل القومي لم يكن منظما ولا مستمرا، ولم تدعمه من الناحية الأخرى تلك المزايا القومية والأخلاقية التي ننشدها. ومن الأسف أيضاً أن شباب الشرق يتأثر من آن لآخر بنزعات الشبيبة الأوربية، فيحاول أن يقلدها تقليدا أعمى. مثال ذلك ما أذيع من أن شباب بعض البلدان العربية يحاول أن يقتبس من مبادئ الحركة الهتلرية، مع أن الحركة الهتلرية هي من اشد الحركات الحديثة نزعة إلى الاستعمار، وابلغها عداوة للحرية، واشدها احتقارا للأمم الشرقية؛ فمن الواجب على شبابنا أن يسترشد في حركاته وأمانيه بالظروف المحلية والغايات القومية قبل كل شي، ومن الواجب أن يعمل ولكن في روية واستنارة؛ ومن الواجب أن يسترشد دائما بمحن الوطن وماضيه المجيد في تغذية العاطفة القومية، وأن يكون شعاره العمل الرزين المنظم في سبيل الأماني القومية.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 5463
الناي السحرية
للأستاذ بشير الشريقي المحامي
حين قدم موزار (١٧٥٦ - ١٧٩١) الناي السحرية للجمهور لم تلق ما تستحق من نجاح. ويقال إن مدير الجوقة الموسيقية لأول مرة ظهرت فيها الناي السحرية، وبعد أن هدأت عاصفة التهليل، تسلل إلى موزار وكان يشرف على الإخراج، وقبل يده، فربت موزار على رأسه، لنا أن نذهب من ذلك إلى أن المدير قد فهم ما عنته الموسيقى، وان موزار أدرك أن المدير قد فهمها. كلاهما لم يستطع وضعها في كلمات رواية غنائية وهي في الواقع لم تكن مثبتة في كلمات؛ وما كانت كلمات الرواية الغنائية لتحول دون إدراك المعاني الموسيقية لو لم يتساءل النظارة عن معاني تلك الكلمات. لقد نجحت الناي السحرية بعد موت موزار؛ وسبب هذا النجاح ولا شك أن النظارة لم يعودوا يتساءلون عن معاني كلمات الرواية وأدركوا شيئا من معاني الموسيقى.
كلمات الناي السحرية هي عناوين لموضوعات ضخمة، ونحن نمر خلالها بسرعة إلى موسيقى بابا كينو الواضحة، ولكنا سوف نضيع ذلك الوضوح إن نحن سعينا إليه عن طريق الكلمات أو نشدنا موضوع الرواية في هذه الكلمات. إن حوادث الرواية ليس لها ارتباط بالكلمات بعضها ببعض، كما أن منطق الرواية كله في الموسيقى التي تخلق عالما تقع فيه الحوادث عفوا، عالما تصدر فيه النغمة عن أختها أو تنعكس عنها كما تنعكس قوى الطبيعة أو أفكار الرجل؛ هذا العالم هو الكون كما يراه موزار، والرواية بكاملها هي إيضاح لأيمانه الخاص. وعلى هذا فهي بذاتها عمل ديني وان كانت سليمة مما نجده في الدين من مسائل مبهمة وورع جبان. لقد عاش موزار في هذا العالم أشبه ما يكون بملك همه أن يضحك، ولكن بلا أذى ولا حقد، همه أن يضحك من شقاء بني الإنسان، وشر المصائب ما يضحك. وكان يعطف حتى على الفجار (انهم أطفال خبثاء يمكن لمن عنده سر السحر أن يجعل منه أهل خير وصلاح) وفي الناي السحرية يعمل السحر، انه يعمل في الناي نفسها، وفي قيثار بابا كينو. عند موزار سر الموسيقى، وقد بلغ من جهل العالم بحكمته أن حسبه مجرد شحاذ يعزف بأنغامه في الشوارع؛ وبعد جيل اصبح الناس يذكرونه كلما ذكروا الأنغام، وأصبح الشعب ينظر إليه كما ينظر إلى سوسن الحقل؛ ولا تزال الناي السحرية
стр. 5464
إلى اليوم اكثر من رواية غنائية عادية ذات أنغام وأسلوب بسيط قديم، يمكنك أن تتمتع بها على كل حال إذا لم تقف إزائها موقف المتهيب؛ يمكنك أن تنعم بها كما تنعم (بهملت) تلك الرواية المشجية؛ وهي مثل (هملت) تحوي معاني دقيقة بعيدة، معاني لا تدركها أفهامنا. إن بابا كينو صورة مجازية؛ ولكنها من اعظم الصور في جميع روايات العالم؛ انه كل شخص كما كان (هملت)، وإذا كنا نملك مهارة معرفة أنفسنا وجد فيه كلا منافسه؛ وبكلمة أخرى انه ذلك العامل المستولي علينا والذي نحبه في أنفسنا ونحتقره في الآخرين؛ انه ذلك العامل الذي لا نعترف به للحظه، إلا وهو عامل الخوف والاعتزاز والكذب.
قدم موزار اغانيه لسارسترو وبابا كينو، حتى إذا أخذا في الغناء أحسسنا كانا نشاركهما غناءهما، وأي غناء؟! غناء ليس فوق مقدرة فهمنا ولا سرورنا؛ غناء الملاك الذي تعلم لساننا الأرضي وادخل عليه الإصلاح أقام بذلك سماء على الأرض؛ سماء لا تبعد عنا ولا تصعب علينا؛ سماء من غابة مقفرة نقدر فيها أن نضحك بقدر ما نقدر ان نغني؛ سماء تضحك فيها الملائكة منا وتضحك معنا؛ وفي هذا الفردوس الذي خلقه لنا موزار سرعان ما يتحول جلال الموسيقى إلى هزل، وسرعان ما تعود الموسيقى إلى جلالها، وهذا التبدل يظهر دائما طبيعيا. ذلك هو عقل موزار الذي رماه الشعب بالطيش لسبب واحد هو انه وقد أوجد في سمائه مكانا لكل شي لم يوجد مكانا لمجد سليمان المتبذل، أو للعنف والبشاعة والبلادة، لا يوجد في الفن أبداً ما هو اعمق أو اجمل من أصول موسيقى سارسترو. لقد بلغ من وضوح عقيدة موزار أنها تبدو وكأنها ليست بعقيدة وإنما هي مجرد بهاء، مثلها في ذلك مثل القديسين الحقيقيين الذين يبدو عليهم انهم ليسوا من أهل الصلاح بل من أهل الفتون.
وهنالك من الناس من لا يجد في جمال موزار فنا، وسبب ذلك أن جماله جمال حق. هم يحسبون انه احتال على هذا الجمال احتيالا؛ انهم ينشدون صرير الجهود، وينشدون الأنانية؛ لقد بلغ من نقاء جهوده ومن كثرتها أن حسبوها رخيصة لا ترضي إلا العوام.
يصعب علينا أن نشاهد الناي السحرية تمثل تمثيلا مرضيا على مسرح اليوم، ولكنا برغم ذلك سنسر ولا ريب من أي تمثيل لهذه الرواية التي حوت روح الموسيقى، والتي يمكن للمرء أن يرى منها كيف تكون الناي السحرية؛ لقد بلغ من رقة موسيقاها ورقة أنغامها أنها تقدر أن تجدد موسيقى هذه الأيام المسرحية الغريبة.
стр. 5465
يمكننا أن نصف تامينو وبانينا كما نصف احسن صور في مجمع فني، وان نتخذ كلا منهما مثالا لأبطال الروايات الغنائية وبطلاتها في كل عصر ومصر، بلى قد لا تنتسب ثيابهما لعالم الحقيقة أو الفن، وقد تعرض نماذج مصطنعة ومنمقة، ولكن الموسيقى تلطف من ذلك وتساعد كل شخص على أن يقوم بدوره احسن قيام. من الواضح أن موسيقى الناي السحرية تجلب السرور وتوافق أولئك الذين ينشدونها فإذا بهم كأنهم يقومون بعمل ديني اكثر مما لو كانوا يقومون بعمل مسرحي، وانك اكثر ما تشعر بذلك عند انسجام الأنغام حينما يتراءى لك أن ريح الفردوس تهب على جميع المغنين فيتمايلون لها تمايل الأزهار بالرغم من ثيابهم الكثيفة. ولكن الناي السحرية مفتقرة إلى عالم متجانس في النظر كما هو متجانس في السمع حتى تظهر بمظهر كامل مرض، ولهذا فنحن أحوج ما نكون لفترة إصلاح تتناول كل عاداتنا المسرحية؛ نضرب لذلك مثلا سارسترو، انه يعيش بين مناظر مصرية، على حين إن هذا العالم المصري لا يناسب الموسيقى وهو يعني لدينا أعاجيب القاعة المصرية، ولكن هنالك عالما مفردا يناسب الموسيقى كل المناسبة، عالما تستطيع أن تمر فيه من العبث إلى الجمال مرورا طبيعيا؛ وفيه تكاد تكون جميع الصور متناسبة وواضحة، ذلك العالم هو العالم الصيني كما عرفناه في الفن الصيني حيث يوجد في هذا الفن الخيال الروحي والهزل البهي؛ حيث يوجد في هذا الفن مزيج من طفولة وقداسة يوحي إلى العين ما تحويه موسيقى موزار إلى الأذن؛ وفي الفن الصيني فقط يقدر بابا كينو أن يكون قديسا: في ذلك العالم فقط تعيش روح موزار بضحكتها وحكمتها، وكأنها في بيتها؛ في هذا العالم تساوت الأزهار وجميع الحيوانات في الخطر مع جنس الإنسان، في هذا العالم يظهر الأفعى والثعبان وكأن كلا منهما مصنوع من ورق مقوى؛ في هذا العالم لا يظهر السحر انه مجرد تعاويذ؛ في هذا العالم يمكن للمرء أن يقع على مناظر طبيعية وصور جميلة؛ وفيه لا يكون سارسترو ساحرا مسرحيا بل كاهنا كنسيا.
في الحق إن الفن الصيني هو عالم الناي السحرية حيث تتدلى الأجراس الفضية من كل شجرة مزهرة، وتزدحم الحدائق بالبلابل الساحرة؛ هو عالم الحماسة والتأمل، حيث يجلس الحكيم في السرادق في ضوء القمر، ويبتسم ابتسام عاشق، وحيث يبتسم العشاق كالحكماء. . حيث يوحي كل شي للعين ما توحيه موسيقى موزار للأذن. وفي العالم الصيني يمكننا أن
стр. 5466
نتجنب كل تشدق في الغزل الشهواني اعتاد أن يلفظ به المسرح الحديث؛ كما يمكننا أن نخضع أنانية أوربا الثقيلة للشرق المنكر لذاته.
لقد تمرس موزار بالألم، ولكنه لم ينغمس في؛ انه يعني بجمال العالم اكثر مما يعنى بجمال نفسه؛ عنده أن الشر من عمل الشياطين الذين تقدر الموسيقى على طرد أرواحهم.
لقد كان موزار اورفيوس هذا العالم الذي يستطيع إن نحن أصغينا إليه أن يذلل الحيوانية الكامنة فينا جميعا؛ ومع ذلك فان أقصى وقاره ومنتهى سر جماله إنما هو في رحمته التي وسعت كل شي؛ وهو حين يترحم علينا أو على نفسه لا يأخذه البكاء، بليطلب إلينا أن نجفف دموعنا وان نكون من الصالحين، وان نصغي لنايه السحرية.
وهذا الحنان الذي ينبعث من أصواته خلال الناي السحرية يبعث في الناي السحرية جمالاً وهزة وعجبا، لا يمكن أن تبعثها أية عاطفة إنسانية. سارسترو ليس بساحر، إن هو إلا قسيس، لأن فيه حكمة الرحمة المحببة، ولأنه خصص مكانا في فردوسه لبابا كينو ابن الطبيعة يلهو فيه مع صاحبته بابا كينا. مرت ببابا كينو وهو في فردوس سارسترو الموحش لحظة فكر فيها أن يشنق نفسه، لأنه لم يجد من يشاطره الحب، ولكنه لا يكاد يضع حبل المشنقة على عنقه حتى تسمع في الموسيقى قهقهة تنبئك انه يتململ من حبل المشنقة؛ ولكن سرعان ما تقدم إليه بابا كيناوسرعان ما يعود إلى الفردوس انسه، ويأخذ الاثنان في غناء دورهما في نهاية الرواية.
نحن على يقين بان عدالة الناي السحرية قضت ببراءة ملكة الليل؛ والزنجي البشع وجميع معاونيه؛ لم يعاقب منهم احد؛ لقد شقوا لغير ما سبب؛ فجاءوا نادمين مستغفرين؛ وهكذا تنتصر الناي السحرية على شرورهم وشقاواتهم، فتدق الأجراس الفضية من كل شجرة؛ وتغني البلابل غناء يخلب الألباب، ويبتسم الحكماء والمحبون ابتسامة الأطفال، فتدخل ابتساماتهم دخولا طبيعيا في دين موزار المقدس؛ هذا الدين المهيب الذي تالف فيه الابتسام والعبوس، ولم يتنافرا تنافرهما على الأرض.
بشير الشريقي المحامي
стр. 5467
خيال الشاعر بين الطبع والصنعة
للأستاذ عبد العزيز البشري
لعل من الفضول أن يقول قائل: إن الشاعر يتكئ اكثر ما يتكئ في فنه على الخيال. أما العالم فوجهه كله إلى الحقائق مادية كانت أو معنوية، ذاتية كانت أو نسبية. نعم لقد يكون هذا من فضول الكلام إذا قرر لذاته. ولكنه يرتفع عن هذا الموضع إذا سيق لتوجيه بعض القضايا التي قد تدق على كثير أو على قليل من الإفهام. ولعل الموضوع الذي نعالجه اليوم من هذا الطراز.
وبعد، فإذا كان شعر الشاعر إنما يتكئ اكثر ما يتكئ على الخيال، فاعلم أن هذا الخيال مهما غلا، ومهما حلق وارتفع، ومهما استحدث واخترع، ومهما لون من الألوان وشكل من الأشكال - فانه مستمد في تصرفه جميعه من الحقائق الواقعة. مبتدئ لابد بها، منته لا مفر في الغاية أيليها. فمن الحقائق الواقعة مادته، وهي مستعارة في كل ما سَّوى وفي كل ما صوَّر وشكًّل ولوَّن.
وذلك بان الإنسان مهما رزق من شدة العقل وأوتي من قوة الخيال، لا يستطيع أن يتصور شيئاً لم يقع عليه حسه. وكيف له بهذا والحس وحده هو السبيل لا سبيل غيره إلى إدراك الإنسان، والى إدراك الحيوان. فدنيا الحيوان هي ما يحيط به ويشهده في مضطربة لا اكثر؛ ودنيا الإنسان في الواقع، هي ما يرى وما يسمع، وما يدرك من الحقائق بسائر الحواس الأخرى، وليس يعدو العلم من طريق القراءة حاستي السمع والبصر. بل إن هذا الإنسان نفسه لو قد كفَّ من أول مولده في محبس لما قدَّر أن دنياه شي غير ما هو فيه، وما يتصل من الأسباب بما هو فيه، ولقد يعمد ذهنه إلى التقصي، ولقد يتبسط في القياس، ولقد يذهب في إدراك ما لم يشهد إلى قريب أو إلى بعيد، ولكنه في النهاية لن يقع على جديد لا يتصل بمحيطه، ولا يرتبط بأسبابه.
لك الحق بعد هذا الكلام أن توجه هذا السؤال: إذا كان الخيال لا يمكن أن يعدو الواقع الذي يدركه الحس. فما الفرق بينه وبين الحقيقة؟ أو ما الفرق بين أخيلة الشعراء وبين حقائق العلماء؟
لقد توجه، بادئ الرأي، هذا السؤال، على انك لو فكرت وتدبرت لبان لك الفرق بينهما دون
стр. 5468
جهد في التفكير والتدبير: فالعالم إنما يطلب الحقيقة كما هي، سواء أكان ذلك بأخذها كما قررها مقرروها، أو باستظهارها، أو باستكشافها، أو نحو ذلك من وسائل إصابتها والتهدي إليها. أما الخيال فانه يعمد إلى الحقائق الواقعة فيتناولها بالتأليف والتلفيق، ويأخذها بالتشكيل والتلوين، حتى تستوي له منها صورة توائم في قوتها وروعتها وتناسقها حظ مسويها من قوة التخييل، وجودة الصنعة، ودقة الذوق، والعكس في العكس.
فقد بان لك أن الصورة المتخيلة مهما غلا فيها صاحبها واطرف، ومهماابعد بها عما طالعة الفكر، فإنها مشكلة من حقيقة واقعة، أو ملفقة من حقائق واقعة. ولست أصيب مثلاً لتوضيح هذا الكلام احسن مما أجراه أصحاب المنطق من التمثيل للممكن العقلي (المستحيل الوقوعي) بقيام جبل من الذهب، وتموج بحر من الزئبق. فذلك وان كان غير واقع بالفعل، إلا أنه مما يمكن إيقاعه في الذهن بالتلفيق والتشكيل: فالجبل موجود والذهب موجود. والبحر كائن والزئبق كائن. وكل سعى الخيال في تجلية مثل هذه الصورة هو استعارة هذا المعدن لذلك الجرم، فيكون جبل الذهب، ويكون بحر الزئبق.
كذلك تستطيع أن تفرق بين الشاعر والعالم، بأن الشاعر في الجملة، مُعطٍّ، أما العالم، في الجملة، فاخذ: الشاعر يبتكر ويستحدث بقلب الحقائق، والتلفيقبينهما، وإفراغها في غير صورها، وتلوينها بغير ألوانها. أما العالم فابلغ جهده في تلقي الحقائق. فإذا كان فيها استحداث أو ابتكار فبمجرد الانتفاع بما انكشف له فيها من الآثار، وما جلى عليه من مكنون الأسرار.
ولقد علمت أن الشاعر إنما يتكئ في فنه اكثر ما يتكئ على الخيال، حتى لقد ذهب اكثر النقدة إلى انه ليس شعراً ذلك الكلام الذي يجري في الحقائق المجردة، وان كان مقفى موزوناً. ولقد عرفت اثر الخيال في تلفيق الحقائق وتزييفها، وطبعها على غير صورها الواقعة. لهذا نفى الله تعالى أن يكون كتابة الحكيم شعراً، ونفى أن يكون رسوله الكريم شاعراً: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ). (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، إن هُوَ إلا ذِكرٌ وَقُرْءانٌ مُبينٌ) يرد جل مجده بهذا وبغيره دعوى الكفار من أن القران شعر، على معنى انه من تلفيق الخيال وتزييفه، كما رد دعواهم بأنه سحر، والسحر ما يواري حقائق الأشياء، ويجلوها على صور تتمثل للأوهام بخداع الأسماع والأبصار: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ).
стр. 5469
(يخَيَّلُ إليْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعَى). إنما الكتاب كله حق وصدق ومنطق صحيح (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ). (إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْءانٌ مُبينٌ). وهذا هو الأليق بحجة الرسالة، وآيات الله المُعلِمة على طريق الهدى وعلى طريق الضلالة.
ومن البديه أن الشعراء لا يطلقون أخيلتهم في فنون المعاني لمجرد العبث بقلب الأوضاع، ومسخ الأشكال، والتلفيق بين الحقائق. إنما الغاية أن تجلو عليك هذه الأخيلة صوراً طريفة بديعة لهذا الذي أدركته من الواقع، أو تترجم لك عما يدق عن فهمك من معانيه ومغازيه، او تكمل لك وتبسط بين يديك ما ترى أن الطبيعة قد قصرت فيه وانقبضت دون حبكه وتسويته، ونحو هذا مما يرهف الحس، ويمتع النفس بمطالعة صورة من صور الجمال الفني في أي وضع من أوضاعه، وعلى أي شكل من أشكاله.
ولا شك في أن أبدع هذه الصور وأروعها، وأذكاها للحس، وأجملها موقعاً من النفس، هي أدقها حبكاً، واحكمها سبكاً، حتى إذا طالعتها التبست عليك بالحقيقة، أو إنها لتكاد. وهنا تتفاوت منازل الشعر بتفاوت الشعراء في قوة التخيل، ورهافة الحس، ودقة الصياغة، وبراعة الأداء.
وفي هذا المقام يجمل أن نوضح معنى لعله يحتاج عند الكثير إلى التوضيح. قال المتقدمون: إن أعذب الشعر أكذبه. وهذا كلام صحيح إذا اتجه على أن أعذب الشعر ما كان من نسج الأخيلة لا ما وقع على مجرد تقرير الحقائق الثابتة. ولكننا إذا تحولنا بالنظر إلى ناحية أخرى من نواحي هذا الموضوع لرأينا كذلك أن أعذب الشعر اصدقه: ولسنا نعني بالصدق هنا المطابقة للواقع، على تعريف أصحاب المنطق، وإنما نريد به الصدق في الترجمة عن شعور الشاعر. فأعذب الشعر في الواقع هو الذي ينفض عليك ما يعتلج في نفس الشاعر، وما يتمثل لحسه في إدراكه للأشياء.
ولا يذهب عنك أننا نحن سواد الناس تعرض لنا الأشياء فندركها، في الغالب، كما هي ماثلة لأعياننا أو لأذهاننا. وهذا الإدراك لا يتعدى ظاهر الصور، أما الشاعر، أعنى به من يستحق هذا الاسم، فله نظرة نافذة في مطاوي كثير من الأشياء، تسلكها دقة حسه، وهنا يتقدم خياله السري فيسوي منها صورة جميلة بارعة. فإذا واتته قدرة النظم، فاداها كما
стр. 5470
أدركها، وجلاها كما تمثلت له، خرجت على حظ من الإحسان والإجمال يوائم حظه من قوة الخيال، ودقة الذوق، وحسن الأداء.
والشعر الذي تتوافر له هذه الخلال هو الشعر الذي يروعك، ويصقل حسك، وقد يغمز كبدك، لان الشاعر قد رفعك به إلى نفسه، فأشهدك ما لم تكن تشهد، وكشف لك من دقائق الأشياء عما لم تكن ترى، وبعث عاطفتك فحلقت في عالم الروح كل محلق، وترقرقت في سرحات الجمال كل مترقرق.
وأعود فأقول لك: إن الصورة الشعرية، في هذه الحالة، وان كانت خيالاً في خيال، إلا أنها لقوة موقعها، ودقة صنعها تشبه عندك الصور الواقعة؛ بل لقد تلتبس عليك بالحقائق الثابتة. وكيف لا يكون لها في نفسك هذا الأثر، وهي نفسها قد تمثلت لأدراك الشاعر واضحة سوية، في غير تعسر ولا تعمل، فنفضها في الشعر عليك كما تراءت لذهنه، وتمثلت لحسه.
أرجو أن يكون قد صح عندك الآن إن أعذب الشعر، من هذه الناحية، اصدقه لا أكذبه.
الصناعة الشعرية
ولست أعني بالصناعة هنا إلا صناعة الخيال. فانه إذا كانت الصناعات البديعية، لفظية وغير لفظية، قد ساءت إلى الشعر العربي إساءة بالغة، فان الصنعة الخيالية لقد كانت في الإساءة اشد وابلغ. وتلك أن الشاعر أو من يتصدى لقرض الشعر، على العموم، لا يشعر شيئاً ولا ينفذ حسه إلى شيء. فيبعث خيالة من مجثمه، ويستكرهه استكراها على أن يصنع له صورة شعرية، فيمشى متعثراً هاهنا وهاهنا في الارتصاد لما عسى أن يسنح له من المعاني واقعة حيث وقعت. حتى إذا لاح له شبحها شكها ولو لم يتبين شخصها. ثم جعل يعالجها بالترويض والتذليل، ويضيف إليها ما ظنه من جنسها، أو ما حسبه مما يلابسها. ويطبع من هذه الامشاج صورة شعرية (والسلام)، صورة لا الشاعر أحسها من أول الأمر أو تذوقها، ولا من يقرؤه شعر بالألف لها، أو ذكا حسه بها.
وهذا الخيال المصنوع المتعمل المجهود به ليس من الشعر في كثير، وهذا على ارفق تعبير. بل انه لأشبه بصنعة النجار أو الحداد في بسائط المصنوعات. بل انه كثيراً ما تخرج الصورة الشعرية ملتوية شائهة، تخفي معارف وجهها على ناظمها فكيف بقارئيه؟
стр. 5471
وعلى عيني أن أقول إن شيئاً من هذا يقع في بعض ما نقرؤه من شعر هذه الأيام!.
ودعنا من الحديث الآن حتى نفرغ من شان القديم. وخبرني بعيشك أي شيء هذا الذي ساقه علماء البلاغة شاهداً على حسن التعليل!.
لو لم تكن نيةُ الجوزاء خِدمتَه … لما رأيتَ عليها عِقد منتطق
وقول الآخر في هذا الباب أيضا. ً
لم تحكِ نائِلكَ السحابُ وإنِّما … حُمَّت به فَصبِيها الرُّحضاءُ
اللهم افكان من السائغ في الذوق أو في الخيال أن نظرة الشاعر للجوزاء تحيط بها دقاق النجوم لم تلهمه إلا إنها إنما تمنطقت لتقوم على خدمة ممدوحه؟
وهل كان من السائغ أن نظرة ثاني الشاعرين في السحاب وهي تهمي، لم تشعره إلا أنها غارت من كرم ممدوحه لقصورها عن مجاراته، فأخذتها الحمى، فلم يكن ما تسح به إلا من عرقها!
اللهم اشهد أن هذا وهذا كلام بارد مليخ، وهذا وهذا من الخيال الفسل السخيف!.
وبعد، فهذه فسولة الكلام وسخفه إنما ترجع في قرض الشعر في الجملة، إلى أحد شيئين: إما لان الناظم لا طبع له ولا شاعرية فيه، فهو يتصيد الخيال تصيداً ويصنعه صنعاً، ليجئ بنحو ما يجئ به الشعراء، وأما للرغبة في شدة المبالغة، والإيفاء على الغاية من المديح ونحوه، فيسف الشاعر ويسخف، ويأتي بمثل هذا الهذيان الذي أتى به ذانك الشاعران. إلى أن طبيعة هذه الموضوعات ليس فيها مجال عريض لشعور صحيح، ولا لخيال واضح صريح: والحمد لله الذي عفى على كثير من هذا الأدب في العصر الذي نعيش فيه. والنظر، بعد هذا، كيف يقول زهير بن أبى سلمى في مدح هرم بن سنان ووصف كرمه، وكيف، على انه غلا في ذلك اشد الغلو، أتى لهذا الكرم بصورة قوية مسبوكة سائغة.
قد احدث المبتغون الخير من هرم … والسالكون إلى أبوابه طرقاً
من يلق يوماً على علاته هرما … يلق السماحة منه والندى خلقاً
وذلك لان يوماً ممدوحه كان جواداً حقاً، وانه هو تأثير بشدة جودهحقاً، وهو إلى هذا شاعر فحل، خصب الذهن سري الخيال، فلم يتعمل ولم يتعسف، بل لقد أنتضح شعره بالصورة التي جادت بها شاعر يته فجاءت، على إمعانها في الغلو، سائغة مسبوكة لا نشوز فيها على
стр. 5472
الأذواق. وهذا هو الفرق بين الخيال المطبوع، وبين الخيال المصنوع.
ولقد عرض ذكر الذوق في بعض هذا الحديث. وللذوق محله غير المنكور في الشعر وفي غير الشعر. ولقد كان ينبغي أن نفصل القول فيه بعض التفصيل لولا أن طال بنا الكلام. فلنرجئ هذا إلى مقال آخر.
عبد العزيز البشيري
стр. 5473
بين فن التاريخ وفن الحرب
خالد بن الوليد في حروب الردة
للفريق طه باشا الهاشمي
رئيس أركان حرب الجيش العراقي
(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهاأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)
خالد بن الوليد
يعد خالد بن الوليد من اكبر قادة العرب في عهد الفتوح الأولى، وهو بلا منازع من أفذاذ الرجال الذين حالفهم النصر ووأيدهم الظفر في الممامع والحروب بلا استثناء.
ولم يذكر قط له التاريخ وقعة خسر فيها المعركة وهو قائدها، حتى في معركة موته التي وقعت في السنة الثانية للهجرة في شرقي الأردن بين الطفيلة والكرك، أنقذ خالد المسلمين ببطولته وإقدامه، برغم تفوق الأعداء الأكيد وموت الذين تولوا القيادة على التعاقب عملا بوصايا الرسول. وفي غزوة أُحد كان خالد يقود خيالة قريش فبقى في الميمنة يشاغل ربيئة المسلمين الموفدة لحماية الميسرة بالهجوم عليها من حين إلى آخر، ويراقب سير القتال بين المسلمين وقريش إلى أن رأى ربيئة المسلمين تركت موقعها وسارعت للاشتراك في الغنيمة. فهجم بخيالته ملتفا وراء المسلمين وقاطعا عليهم خط الرجعة، فقلب نصر المسلمين إلى انكسار انتهى إلى انهزام المسلمين وجرح الرسول.
قلنا من الوقائع التي اشترك فيها خالد بن الوليد في عهد إشراكه وإسلامه أن تلك الوقائع جميعا انتهت إلى النصر المبين.
ومما لا شك فيه أن خالدا من اقدر قواد العرب على القيادة. فجدير بالضباط أن يدرسوا حركاته إن في حروب الردة أو في فتح العراق أو فتح سوريه. ومن الواضح انهم سيطلعون على الأسس القويمة التي كان يسير عليها ويرون فيها تنفيذ مبادئ الحرب التي لا تزال مرعيه حتى يومنا هذا.
ولقد قال خالد قبل وفاته انه شهد مائه زحف أو زهاءها، وما في بدنه موضع شبر إلا وفيه
стр. 5474
ضربة أو طعنة. ولا نبالغ إذا قلنا انه خرج من تلك الزحوف بأجمعها غالبا منصورا.
١ - مصادر البحث:
من العسير جدا البحث في أخبار الفتوح الأولى بحثا يمكننا من الاطلاع على الخطط العسكرية والأسباب التي أدت إلى وضعها والنتائج التي أسفرت عنها الحركات. ذلك لان القصاصين أو مدوني السير والمغازي أو مؤرخي الفتوح ليسوا من أبناء الجيل الفاتح، فقد دونوا الأخبار بالسماع أو نقلاً بالإسناد. وقد نراهم غير متفقين في تدوينهم الأخبار على التاريخ والمكان اللذين وقعت فيهما المعركة، ولا على مقدار القوة التي اشتركت فيها، ومن المعارك ما لم يتفق المؤرخون على زمن وقوعها. والحقيقة أن التاريخ العسكري يثبت المعارك التي جرت قبل الميلاد بمقدماتها ونتائجها وتفاصيلها، وقد يستخرج منها الباحث الأسس الحربية دون عناء.
فالمعارك التي نشبت بين الجيش المكدوني بقيادة الاسكندر والجيش الفارسي في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد تم تدوينها بصورة اقرب إلى الصحة من الوقائع التي نحن بصددها.
أما المعارك التي جرت بين الجيوش الرومانية وجيوش الأقوام المهاجرة، والقتال الذي نشب بين القياصرة والقواد المطالبين بالعرش، فأخبارها مفصلة في كتب التاريخ إلى حد أن الباحث فيها لا يرى مشقة في استقصاء الحوادث.
فمعركة (كانية) التي نشبت سنة ٢١٦ قبل الميلاد بين الجيش القرطاجي بقيادة هنبال والجيش الروماني، كانت ولا تزال مثالا ينسج القادة العظام على منواله تعبئة الجيش في ميدان المعركة، وهي بلا منازع معركة نموذجية تتوق نفس كل قائد إلى تقليدها.
والسبب في تدوين أخبار هذه المعارك تدوينا صحيحا مع أنها نشبت قبل الفتوح العربية بعدة قرون، هو أن المؤخرين الذين اثبتوا أخبارها إما أنهم اشتركوا فيها فعلا، وأما انهم قادوها بأنفسهم، وأما انهم عاشوا في زمن وقوعها.
فالقائد زينوفون اليوناني الذي قاد العشرة الآلاف من بلاد بابل إلى اليونان راجعاً بهم إلى بلاده سجل حوادث تلك الرجعة في كتابه (الزحف) (اناباسيس وهذا الكتاب لا يزال مرجعا ثقة للباحثين العسكريين. وكذلك سجل يوليوس قيصر أخبار فتوحه في بلاد جرمانية
стр. 5475
في كتاب (الحروب الغالية).
أما المؤرخون العرب الأولون فلم يدونوا أخبار الغزوات النبوية وحروب الردة والفتوح التي تمت في النصف الأول من القرن الهجري إلا بعد انقضاء جيلين على اقل تقدير.
وأول من جمع الوثائق الباحثة في الغزوات والفتوح الأولى عروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٤ هجرية. فان عروة جمع تلك الوثائق في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان - أي بعد وفاة الرسول بستين سنة، ودونها دون إسناد. ويلى عروة في التدوين ابن اسحق المتوفى سنة ١٥١ هجرية مقتبسا معلوماته من عروة. أما ابن هشام المؤرخ للسير النبوية فاستقى أخباره من ابن اسحق، مع انه توفي بعده بقرن ونصف قرن - أي سنة ٣١٢هـ. ويأتي بعده ابن سعد الواقدي الباحث في حروب الردة والمدون للمفتوح العربية في العراق وفي سورية، وتوفي سنة ٢٣٠هـ، بعد أن عاش ٦٢ سنة. ويليه المؤرخ المشهور الطبري وهو بلا منازع أول مؤرخ عربي اثبت الأخبار التاريخية بطريقة علمية. وتوفي سنة ٣١٠هـ بعد الفتوح العربية الأولى بقرنين ونصف قرن على اقل تقدير.
والحقيقة أن كتاب تاريخ الطبري هو العمدة في استقصاء أخبار الفتوح العربية وهو المرجع الأول والأخير. وهكذا يتضح لك أن رواة الفتوح أو مؤرخيها لم يشتركوا في وقائع الفتوح أو انهم لم يعاصروا أولئك الفاتحين، بل انهم دونوا أخبارها سماعا أو نقلا بعد مرور مدة غير يسيرة على الفتوح. وكان لزاما أن تأتى الأخبار ناقصة ومشوشة ومتناقضة. حتى أمسى الباحث فيها لا يهتدي إلى استنباط بعض الحقائق إلا بشق النفس. والذي يزيد البحث إشكالا كثرة الرواة الذين استند إليهم المؤرخون في تدوين الأخبار. وأنت تراهم يسخون برواية غثها ويبخلون بسميها.
وثمة تناقض بين أخبار الرواة المنتمين إلى الديوان الحجازي والرواة المنتمين إلى الديوان العراقي. وكذلك نجد تناقضا في الروايات التي ينقلها المضري والربيعي واليماني والقيسي، لان كلا من هؤلاء حاول أن ينسب مفخرة الوقعة إلى قبيلته وقد يكون غير مشترك فيها.
٢ - دار الحركات
إن الساحة التي جرت فيها الحركات تمتد من سواحل البحر الأحمر في الحجاز وتنتهي في ارض الدهناء التي تفصل مقاطعة الحسا ومقاطعتي العارض والسدير، وهذه الساحة تتناول
стр. 5476
شمالي الحجاز وجبل شمر وبلاد نجد.
والأرض التي تتكون منها هذه الساحة صحراوية الوصف على العموم، والمياه فيها قليلة، والغابات لا اثر لها فيها، وتتخللها واحات نبتت فيها أشجار النخيل وبعض أشجار الفاكهة. وقد تكونت في المنخفضان التي تتصرف إليها مياه الأمطار بسهولة حيث تكثر الآبار الضحلة، وتقطع الوديان هذه الساحة، وتكاد تبدأ جميعا من هضبة نجد المرتفعة فتجري في جهات مختلفة، ويصب بعضها في البحر الأحمر والبعض الآخر في خليج فارس أو في جهة الربع الخالي. والوديان يابسة على العموم وهي ضيقة ووعرة عند اجتيازها المناطق الجبلية وعريضة سهلة عند مرورها بالبادية.
وينبت في بعض أنحائها شجر الأثل والشوك والطلح وغير ذلك من الأشجار التي تتحمل العطش، وعندما تنزل الأمطار تجري إليها المياه من كل جانب فتغطي الوديان سيول المياه الجارفة الجارية بسرعة، وتصب أما في البحر وأما في الانفدة الرملية.
والجبال في المنطقة التي جرت فيها الحركات قليلة. وهي لا تتعدى سلسلة طويق في نجد تمتد من الشمال إلى الجنوب في جبلين متوازيين، ويشرف الجبل الغربي على الانفدة الغربية بين نجد والحجاز. ويشرف الجبل الشرقي على رمال الدهناء الواقعة بين خليج فارس ونجد. والسلسلة جرداء، لا نبت فيها ولا ماء. وفي القسم الجنوبي من منطقة العارض يفصل وادي حنيفة هذين الجبلين أحدهما عن الآخر، فيجري أولا من الشمال إلى الجنوب بعد أن تصب فيه عدة شعب من الشرق والغرب، وفي جنوبي الرياض يغير مجراه إلى الجنوب الشرقي فيصب في رمال الاحقاف.
وما عدا سلسلة طويق نجد سلسلتين أخريين في منطقة جبل شمر وهما جبل اجا وجبل سلمى، وهما موازيان يفصل أحدهما عن الآخر وادي العش. ويمتد كلا الجبلين من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي. وجبل اجر باتصاله بالجبال المنفردة الواقعة في جنوب غربية يكون سلسلة طويلة تمتد إلى حرة خيبر في الحجاز.
والسلسلتان حجريتان ارتفاعهما من ٥٠. إلى ١٨٠. متر. والجبال المتفرقة التي تتشعب من هاتين السلسلتين تحيط بها الكثبان الرملية. والبادية الواقعة بين الحجاز وسلسلة طويق متكونة من هضبة مرتفعة يتفاوت ارتفاعها من ١٠٠. متر إلى ١٥٠. متر، ويكتنفها بعض
стр. 5477
الروابي الحجرية المنفردة. وهذه الهضبة تنفصل عن هضبة جبل شمر بوادي الرمة الذي يبدأ من حرة خيبر، ويجري من الغرب إلى الشرق، وبعد ان يسقى بآبار منطقة القصيم الغنية يغير جهته إلى الشمال الشرقي إلى أن يصب في ارض السواد بجوار البصرة.
والوادي هنا اخطر الوديان الواقعة في دار الحركات، وهو يفتح خطوط الحركات بين الحجاز ونجد. وعندما تقطع الوديان وشعابها السلاسل الجبلية تكون العقبات المضائق والمنعطفات التي تنساب فيها الطرق.
والساحة مملوءة بالانفدة الرملية، والكثير منها يتجه من الشمال إلى الجنوب، أو من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقى، لذلك تعترض الوديان الطرق الممتدة من الغرب إلى الشرق.
ومن جملة العوارض التي تتصف بها دار الحركات الحرات، وهي الأراضي البركانية التي تكتنفها الحجارة الخامدة. وهذه الحرات واقعة إلى شرقي الحجاز، وأخطرها حرة خيبر الواقعة في شمالي المدينة مسافة بضع مراحل.
والبقاع الأهلة بالسكان في هذه الساحة هي الواحات في بطن الوديان أو في الأرض المنخفضة التي انصرفت إلى بطنها مياه الأمطار، وأخطرها واحة المدينة في وسط وادي الحمض، ثم واحة بريدة وعنيزة في وسط وادي الرمة. وواحات العارض الممتدة على طوار وادي حنيفة، ثم واحات السدير وواحة خبير وواحات جبل شمر.
وتمتد الطرق في الوديان للاستفادة من المياه المتراكمة فيها في زمن الأمطار من الآبار المحفورة على طوارها. وهذه الطرق تبدا من المدينة، ومنها ما يتجه شمالا، فبعد أن يمر بخيبر يمتد إلى وسط جبل شمر سالكا السفوح الجنوبية لسلسلة اجا، ومنها ما يتجه نحو الشمال الشرقي إلى أن يهبط إلى وادي الرمة فيسلكه حتى يصل إلى واحات نجد الغنية. ولا سبيل إلى السير على خارج الطرق لوعورة الأرض وندرة الماء فيها.
يتبع
طه الهاشمي
стр. 5478
٢ - الشريف الإدريسي
يضع اقدم وأصح خريطة جغرافية للدنيا القديمة
للأستاذ محمد عبد الله ماضي
عضو بعثة تخليد الإمام محمد عبدة بألمانيا
٧ - الإدريسي يضع خريطة بناء على نظريته السابقة.
وبناء على نظرية الإدريسي التي شرحناها وضع خريطته العالمية هذه، فهي تمثل القسم المعمور من الكرة الأرضية وهو القسم الشمالي منها كما قدمنا. هذا القسم يشمل القارات الثلاثة: أفريقية الشمالية في الجهة اليمنى العليا (الجنوب الغربي)، أوربا في الجهة اليمنى السفلى (الشمال الغربي) يفصل بينهما بحر الروم (البحر الأبيض المتوسط)، واسيا في النصف الشرقي تشمل جميع الجهة اليسرى. وأمريكا طبعا لم تكن عرفت بعد، وكذلك هذا التقسيم إلى القارات الثلاث لم يكن معروفا لدى العرب على الإطلاق، وإنما كانوا يقسمون الكرة الأرضية إلى الأقاليم السبعة من الجنوب إلى الشمال، ثم كل إقليم إلى عشرة أقسام من الغرب إلى الشرق، وفوق هذا كانوا يقسمونها إلى الدول والممالك التي كانت معروفة في ذلك الوقت.
٨ - الأقاليم السبعة وخطوط العرض.
والأقاليم السبعة كانت عند قدماء اليونان عبارة عن خطوط أفقية تبتدئ من خط الاستواء نحو الشمال وتحدد النقط التي تتم فيها زيادة النهار نصف ساعة على طوله في المنطقة السابقة من جهة الجنوب، ثم استعمل العرب الأقاليم وأرادوا منها المناطق التي تقع بين هذه الخطوط، وتلك المناطق لم تكن متساوية عندهم. أما الإدريسي فانه أراد من الأقاليم السبعة التي قسم خريطته إليها هذهالمناطق التي كانت معروفة عند العرب، ولكنها عنده متساوية المقدار إذا استثنينا الإقليم الأول الذي يمتد إلى درجة ٢٣ شمال خط الاستواء؛ فالأقاليم الستة الباقية يشمل كل منها ست درجات من درجات العرض، وعليه فالإقليم الثاني من ٢٤ - ٢٩، والثالث من ٣٠ - ٣٥ والرابع من ٣٦ - ٤١، والخامس من ٤٢ - ٤٧، والسادس من ٤٨ - ٥٣، والسابع من ٥٤ - ٥٩. ولما كانت نظرية الإدريسي إن
стр. 5479
المسكون من جهة الشمال هو لغاية درجة ٦٣ فقط، لان المنطقة التي تقع بعد ذلك شديدة البرودة ومغمورة بالثلوج فهي غير صالحة للسكنى والعمران. لما كانت هذه نظريته أضاف إلى الإقليم السابع الذي ينتهي بدرجة ٥٩ أربع درجات أخرى من جهة الشمال من ٦٠ - ٦٣ وبذلك يتم الجزء المعمور من الأرض. ومما يذكر للإدريسي بالإعجاب والفخر انه حاول بتقسيمه الأرض إلى الأقاليم السبعة إثبات درجات العرض وتحديدها، وانه افلح في محاولته هذه إلى حد بعيد يجعل علماء الاختصاص في الوقت الحديث يطأطئون الرأس له إعجابا وتقديرا. أبتدأ الإدريسي بإثبات درجات العرض من درجة ٢٨ إلى درجة ٦٣ على التوالي، والدرجات التي أثبتها توافق الدرجات الحقيقية تمام الموافقة في جميع البحار وفي معظم اليابسة حيث توفرت لديه الأسباب أمكنه إجراء المقاييس الصحيحة؛ وفي بعض جهات قليلة من اليابسة حيث لم تتم لديه الأسباب تختلف الدرجات التي أثبتها عن الدرجات الحقيقية اختلافا بسيطا. فمثلا وضع الإدريسي مدينة (كلمار) ببلاد السويد عند درجة ٥٦ , ٣ وهي تقع عند درجة ٥٦ , ٥، وجعل الدانيمرك ابتداء من ٥٤ , ٥ إلى ٥٨ والصحيح أنها من درجة ٥٤ إلى ٥٧ , ٥، وجعل إنكلترا من ٥٢ - ٥٨ بدلا من ٥٠ - ٥٨ , ٥، وهذا طبعا فرق بسيط في جهات قليلة دعا إلى ارتكابه عدم توفر الأسباب كما تقدمنا، ولم تنقصه عناية الإدريسي ودقته. أضاف الإدريسي إلى القسم الشمالي من الكرة الأرضية جزءا بسيطا من القسم الجنوبي إلى درجة ١٦ جنوب خط الاستواء، هذا الجزء الذي تقع فيه منابع النيل، وبين عليه منابع النيل بشكل واضح يدل على مقدار براعته العلمية، ومد الساحل الشرقي لأفريقيا نحو الشرق وجعله حدا للمحيط الهندي من جهة الجنوب، وطبعا لم يلق هذا الجزء عناية الإدريسي لخلوه من السكان وعدم صلاحيته لذلك طبقا لنظريته التي شرحناها. كذلك لم يثبت الإدريسي درجات العرض إلى درجة ٢٨ شمال خط الاستواء، وإنما اكتفى بوضع أرقام بجانب أسماء البلاد التي تقع في هذه المنطقة. ولما كانت هذه الأرقام لا تتطابق مع درجات العرض للبلاد الموضوعة بجوارها وإنما تختلف عنها اختلافا كبيرا فإننا نستطيع أن نفهم السر في أن العلامة الإدريسي لم يثبت هنا درجات العرض متوالية كما فعل بعد تلك المنطقة، بل اكتفى بوضع الأرقام التي وصلت إليه في مواضعها كما اخبر بها.
стр. 5480
٩ - التقسيم الثاني (تقسيم كل من الأقاليم السبعة إلى عشرة
أقسام).
وبعد هذا قسم الإدريسي كلا من الأقاليم السبعة إلى عشرة أقسام متساوية من جهة الغرب إلى جهة الشرق، فالإقليم الأول يبتدئ من القسم الأول غربا إلى العاشر شرقا، والثاني من الحادي عشر إلى العشرين، وهكذا إلى الإقليم السابع الذي يبتدئ بالحادي والستين وينتهي بالسبعين. وعليه فأول الأقسام السبعين يوجد في الجهة العليا من الغرب، وآخرها في الجهة السفلى من الشرق. بحث الأستاذ (ميللر) هذا التقسيم الثاني فتبين له كما ذكر أن الإدريسي لم يرد به إثبات درجات الطول، وان الباحث لخريطته والقارئ لكتابه نزهة المشتاق لا يستطيع اخذ ذلك منهما، فضلا عن أن هذا التقسيم يختلف اختلافا كبيرا عن درجات الطول. لهذا أريد أنا هنا أن افرض أن الإدريسي اتخذ هذا التقسيم الثاني تسهيلا للقيام بالمهمة ورسم الخريطة لا غير.
١٠ - البحار السبعة.
وبعد هذا نريد أن نتكلم على البحار السبعة التي ضمنها الإدريسي خريطته، وهي شي آخر غير البحر المحيط أو بحر الظلمات الذي يحيط بالكرة الأرضية.
(١) البحر الشامي أو الرومي (البحر الأبيض المتوسط) الذي يتفرع من بحر الظلمات الغربي ويمتد نحو الشرق.
(٢) خليج البندقية (بحر الادرياتيك).
(٣) خليج النطاس (البحر الأسود) وهذان يتفرعان من بحر الروم.
(٤) البحر القزويني أو بحر الخزر وهو بحر داخلي غير متصل بالمحيط الأعظم.
(٥) بحر الهند (المحيط الهندي) وهو يحتوي على ثلثمائة جزيرة يستمد ماءه من بحر الظلمات الشرقي.
(٦) البحر الفارسي.
(٧) بحر السويس أو بحر القلزم (البحر الأحمر) وكل من هذين يتفرع من بحر الهند.
١١ - الإدريسي يسير في وصفه للكرة الأرضية بناء على
стр. 5481
التقسيم الثاني.
هذه البحار السبعة تخترق الأقاليم السبعة بحسب مواقعها، ولقد وصفها الإدريسي وصفا مسهبا دقيقا ووصف جزرها والبلاد التي تقع عليها إلى غير ذلك في كتابه نزهة المشتاق عند كلامه على الأقاليم السبعين التي شرحناها في التقسيم الثاني. فانه اتخذ في طريقة وصفه للكرة الأرضية أن أبتدأ بوصف القسم الأول من الإقليم الأول متدرجا نحو الشرق إلى العاشر، ثم عاد إلى القسم الأول من الإقليم الثاني متدرجا إلى العشرين، وهكذا سار في طريقه إلى أن تم الكلام على القسم الأخير من الكرة وهو القسم السبعون، وعند كلامه عن كل قسم منها حدده وبين موقعه، وتكلم عن مدنه وجباله وبحاره وأنهاره وعن كل ما يحتويه من ماء ويابس، وعن الدول التي تشغله وعن سكانه وجنسياتهم وعاداتهم وعما يعيش فيه من حيوان وما ينبت فيه من نبات، مبينا كثيرا من خواص ذلك. طبيعية وطبية إلى آخر ما ضمنه نزهة المشتاق من الشرح المسهب والملاحظات الدقيقة.
١٢ - مصير المائدة الفضية واثر خريطة الإدريسي الذي
تركته في علم الجغرافيا ورسم الخرط.
شرحنا كيف وضع الإدريسي خريطته وكيف ألف شرحها، ولقد تم حفر المائدة الفضية ورسم الخريطة وتأليف الكتاب ونشرهما واختيار الأسماء لهما بأمر رجار الثاني في يناير سنة ١١٥٤ كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وبعد إتمام هذا العمل الجليل بستة أسابيع عاجلت المنية رجار الثاني، ولكن ولله الحمد بعد أن استراح ضميره ووصل إلى حل ما استعصى عليه السنين الطوال، وبعد أن قدم للعالم والعلم على يد الإدريسي خدمة من اجل الخدمات في التاريخ، ولعله يشوق القراء الآن أن يعلموا مصير المائدة الفضية وماذا فعل الله بها وان كان مصيرا يوجب الأسف ويثير العبرة، ففي سنة ١١٦. ميلادية بعد وفاة رجار الثاني بست سنوات وفي عهد ابنه (فلهلم) هاجم الثوار القصر الملكي واقتحموه وكان أشنع أعمالهم التي لم تكن موجهة إلى الأسرة النورمانية فقط، وإنما قد ارتكبت - علم الثوار أو لم يعلموا - ضد العلم والعالم اجمع. كان أشنع هذه الأعمال انهم كسروا هذه المائدة واقتسموها فيما بينهم وما هي حقا إلا ثورة، والثورات لا عقل لها، تم هذا الجرم على
стр. 5482
مرأى ومسمع من الإدريسي الذي بذل مع مليكه من الجهد ما استغرق السنين الطوال وما كلفهما كثيرا من التضحيات، حتى ابرزا عملهما القيم للوجود، والذي كان يستطيع اكثر من غيره أن يقدر قيمة عمله العلمي والفني. لم يبق بعد هذا إلا خريطة الحائط وخريطة الكتاب الموزعة في السبعين قطعة التي هي أقسام الأقاليم السبعين كما ذكرنا. انتشرت هذه الخريطة فيما بعد اشد الانتشار وأعمه، وتركت أثرا واضحا في المؤلفات والخرائط الجغرافية التالية لهذا العصر في الشرق والغرب، وظلت مع شرحها مئات السنين المرجع الوحيد لعلماء الجغرافيا من العرب والافرنج، ومعينهم الذي يستمدون منه معلوماتهم. ولقد ذكر الأستاذ ميللر بعض أسماء المؤلفات التي يظهر فيها اثر خريطة الإدريسي وكتابه بوضوح عند أول نظرة، منها كتاب الجغرافيا لابن زيد المولود بغرناطة سنة ١٢١٤ والمتوفى بتونس سنة ١٢٧٤ ومنها خرائط مارينو زانوتو التي وضعها (بطرس فيسكونتي في سنة ١٣١٨ - ١٣٢٠م. والتي انتشرت في جميع أنحاء أوروبة. إلى آخر ما عدد من أسماء المؤلفين والمؤلفات التي قد يكون لنا أن نكتفي منها بما ذكرنا.
يتبع
محمد عبد الله ماضي
стр. 5483
في الأدب الدرامي
٨ - الرواية المسرحية في الفن والتاريخ
بقلم احمد حسن الزيات
تحليل موجز لأشهر المآسي
(فدر موضوعها أسطورة من أساطير الإغريق في عهد الحروب الطروادية، وأهم أشخاصها تيزيه بن ايجيه ملك أثينا وفدر امرأة تيزيه وبنت مينوس، وهيبوليت بن تيزيه من انتيوب ملكة الامازون، واريسي أميرة من أميرات اثينا، وتيرامين مشير هيبوليت، واونون مرضعة فدر ونجيتها. وقد وقعت حوادثها في تريزين إحدى مدن (بيلوبونيز) وملخصها أن فدر امرأة تيزيه تبوح إلى مرضعتها (اونون) بهواها الدخيل وحبها المضمر لهيبوليت بن زوجها، ويستفيض الخبر في الناس فجأة أن تيزيه قتل في أثناء رحلته، فهتبل هذه الفرصة فدر، وتعلن إلى هيبوليت غرامها، فيقابل إعلانها بالدهش والإباء، ويظل مخلصا لحبيبته ايريس. ثم يعلمون أن الملك حي وانه قدم المدينة، فتياس فدر من هيبوليت، ويتسعر قلبها بالغيرة، ويمضها الندم ووخز الضمير. فتخجل من لقاء الملك وتفر من وجهه، وتظن ان هيبوليت سيفضي إلى أبيه بما كان منها فتترك اونون تؤلف المكيدة له، وتدبر الوقيعة به، فتهمه عند أبيه بمراودة سيدتها عن نفسها فيثور ثائر الملك فينفي ابنه، ويكله إلى غضب (نبتون). ويستيقظ ضمير فدر، فتنفجر باللعنة والعقوبة على مرضعتها الأثيمة، ويرجع تيرامين فيقص على الملك في أسلوب بليغ مؤثر جموح الجوادين بمركبة هيبوليت، وموته تلك الميتة الشنيعة. فيجزع الملك، وتقوم الأدلة على براءة ابنه مما اقترف به، فيتضاعف الحزن ويجل الخطب، فيذهب إلى فدر يسألها جلية الامر، فتعترف له بخيانتها، وقد كانت من قبل قد شربت سما فيفعل في جسمها، ولا تلبث أن تلفظ نفسها على المسرح.
مآسي فولتير
اشهر مآسي فولتير اثنتان وهما: (زيير) وميروب:
(زيير موضوعها ذكرى من ذكريات الحروب الصليبية، وقعت حادثتها لفتاة مسيحية
стр. 5484
أخذها أحد فرسان المسلمين في سبيه منذ طفولتها فرباها أراد أن يتزوج منها، ولكنها عرفت أباها وأخاها وهي على وشك الزفاف فأغرياها بالتنصر، وهذه المأساة مكتوبة على مثال عطيل لشكسبير. أما أهم أشخاصها فهم: اورسمان وهو سوداني من سكان أورشليم وخطيب زيير، ولوزينيان أحد أمراء أورشليم وابنته زيير وابنه نير ستان، وثلاثتهم من أسرى صلاح الدين، وشاتيليون فارس فرنسي، وفاطمة جارية من جواري السوداني، وقد وقعت هذه المأساة في أورشليم.
ففي الفصل الأول:
تبوح زيير لفاطمة بسر زواجها المقبل من السوداني. فتذكرها الجارية أنها مسيحية. وكان نيرستان قبل ذلك قد نال الأذن من مولاه اورسمان ان يذهب إلى فرنسا ليأتي بالفداء له ولعشرة من الأسرى. فيعود ويطلب من اوزسمان فك رقبة زيير وفاطمة وعشرة فرسان من الأسرى. فتفعل هذه الأريحية في نفس الأمير، فيمنحه مائة أسير ليس فيهم زيير ولا لوزينيان.
وفي الفصل الثاني:
تريد زيير أن تقضي نيرستان حق الشكر على مروءته وفضله، فتحمل اورسمان على إطلاق سراح لوزينيان. فيتحرر هذا، ولكنه يعرف ابنته زيير بصليب قد احتفظت به، وابنه نيرستان بأثر جرح فيه. ويأخذه المقيم المقعد من الهم والحزن حين يعلم أن ابنته مسلمة، ولكن زيير ترتمي في أحضان أبيها، وتعده أن تتنصر.
وفي الفصل الثالث:
يلقى نيرستان اخته، وينعى إليها لوزينيان أباها، ويحضها على أن تجعل باعتناق النصرانية. فتوافقه على ذلك، وتقسم له أنها لن تتزوج من اورسمان. ويأتي هذا بعد قليل يطلبها إلى المسجد ليعقد عليها، فتستمهله ريثما تدبر وسيلة للهرب.
وفي الفصل الرابع:
يمهلها اورسمان يوما للاستعداد للزواج. وفي غضون تلك المهلة يرسل نيرستان كتابا إلى أخته، يرشدها فيه إلى طريق الهرب، ويدلها على باب سري تنجو منه، فيقع هذا الكتاب
стр. 5485
في يد اورسمان، فيظن أن نيرستان يزاحمه في حب زيير وهو يحاول الفرار بها. فيعد الوسائل للقبض عليه.
الفصل الخامس:
وفي جنح الليل البهيم تتسلل زيير إلى المكان الذي دلها أخوها عليه، وتناديه فلا يجيبها غير اورسمان بطعنة نجلاء بخنجره، ويسحب نيرستان في المسرح إلى موضع الجثة، فيصيح الأخ المنكود: واأختاه!! فيعرف اورسمان خطأه، ويعتلج في صدره الندم واليأس فينتحر.
يأخذون على هذه القطعة فقدان اللون المحلي منها في دوري زيير واورسمان. فقد يخيل إلى من يسمع تلك العواطف التي اكناها وشرحاها انهما من المختلفين إلى أندية السمر الأوربي في القرن الثامن عشر، فضلا عن انه جعل ذلك الأمير الكريم الحليم الوديع ينتقل فجأة إلى جنون الغضب لرؤيته رسالة لم يتحقق ما فيها.
(ميروب موضوعها استيلاء ايجسط بن ملك مسينا على العرش، ومدارها على انتصار الحب. واهم أشخاصها:
ميروب أرملة كريسفونت ملك نسينا، وولدهما ايجسط، وبوليفونت قاتل الملك، ونرباس خادم كريسفونت الخ. وقد وقعت حوادث هذه المأساة في مسينا.
الفصل الأول:
قبل خمسة عشر عاما من ابتداء المأساة قتل كريسفونت هو وولدان من أولاده في ثورة. أما ايجسط ثالث بنيه فقد أنقذه من المذبحة نرباس خادم أبيه، ونجا به في بلد غريب، وكان القاتل هو بوليفونت؛ ةقد استطاع أن يكتم سر الجريمة خمس عشرة سنة، فيبدأ الفصل بتحريض إحدى الوصيفات ميروب على المطالبة بحقها في العرش، وهي تتربص قدوم ولدها الغائب، ولكن الشعب يصمم على انتخاب ملك، ويفاضل الآن بينهما وبين بوليفونت. ويوهم بوليفونت الشعب انه المنتقم للملك، فيفضلونه وينصبونه عليهم ملكا. ويريد هو أن يجعل تملكه شرعيا فيحاول الاقتران بميروب فترفض وتطالب بحق ولدها، فيرسل طغمة من السفاكين يبحثون عن ايجسط ليقتلوه.
стр. 5486
الفصل الثاني:
وفي أثناء ذلك يقدم إلى المدينة شاب فيتهم بقتل ايجسط ويساق إلى قصر الملك، وتسمع بأمره نيروب فتشفق أن يكون ابنها فترغب في ان تراه وتسأله هي بنفسها، فيجيب الفتى على أسئلتها في طهارة قلب وسلامة ضمير، فتأبى أن تحكم عليه. ومع ذلك تستفيض الإشاعة في الناس ان ايجسط قد قتل، وان قاتله هو ذلك الشاب الغريب. وأقوى الأدلة على حدوث القتل منه أن سلاح القتيل معه، فيستولي الهم واليأس على الملكة.
الفصل الثالث:
تعزم الملكة الرأي على الشاب، وتحرص على أن تقتله بيدها انتقاما لولدها وإطفاء لكبدها. وبينما هي ترفع يدها بالضربة القاضية عليه يقبل نرباس لحسن - الحظ في الوقت المناسب فيمنع الضربة، ويفشي لها سر هذا الغريب، ويخبرها ان القاتل الحقيقي لزوجها هو بوليفونت.
الفصل الرابع:
يدهش بوليفونت ان المتهم لا يزال حيا يرزق، ويرتاب في أمر هذا الغلام، ويرى ميروب مقبلة فيأمر حراسه أن يضربوا الساعة عنق هذا الغريب، فيضيق ذرع ميروب وتعييها الحيلة ويغلبها الجزع، فتصيح بالجند: ويحكم أيها البرابرة، كفوا انه ابني!
الفصل الخامس:
يقبل بوليفونت أن يبقى على الولد إذا رضيت أمه أن تكون له زوجة. ولا ترى الأم بداً من الخضوع لقاتل زوجها إبقاء على ولدها، ويذهب الناس جميعا إلى الهيكل ليحتفلوا بعقد الزواج، ويأخذ الناس فيما هم فيه، ويتقدم ايجسط إلى الهيكل يريد أن يقسم يمين الطاعة للملك، فيأخذ مدية القربان ويطعن بها بوليفونت طعنة نجلاء فيصرعه، ويهتف الشعب بعد تردد قليل لملكه وابن ملكه.
يأخذون على هذه القطعة الرائعة، بعد الإمكان في بعض الحوادث، فيسألون كيف يقتل بوليفونت الملك، ثم يسير سمعه بالناس خمسة عشر عاما بأنه المنتقم له؟ وكيف يتهم الفتى القادم إلى مسينا بقتل ايجسط وهو نفسه ايجسط؟ ولماذا تريد ميروب أن تقتل بيدها هذا
стр. 5487
الغلام؟! والجاذبية مع قوتها لم تسر نامية، فان الخطر الذي حاق بايجسط ساعة أن همت أمه بقتله في ختام الفصل الثالث أقوى من الخطر الذي يهدده في الحل.
وكان في النية أن نختار نماذج من مآسي شكسبير إلا أن ما اخترناه لغيره قد كثر حتى حبسنا طويلا عن الموضوع، فلنكتف بما شاع له في مصر من ملخص ومترجم، ولنأخذه فيما نحن بسبيله.
يتبع
(الزيات)
стр. 5488
٢ - مصطفى كمال سيرة حياته
للكاتب الإنجليزي ارمسترونج
تلخيص وتعليق خنفي غالي
وفي ذلك الحين لم يكن يسمع في موناستير سوى صفير الرصاص ودوي المدافع، ولم يكن يرى فيها سوى جحافل الجيوش المتأهبة لمقاتلة اليونان الذين استولوا على كريد، وكان الجو يضطرب بإشاعة الحرب واقتراب ساعة الخطر على الإمبراطورية، وأخذت نسور أوربا تتأهب للانقضاض على الجثة محاولا كل منها أن يظفر بنصيب الأسد. أما في داخل الإمبراطورية فهناك فقر مدقع، وبؤس ملح، وحكم فاسد، واستبداد خانق، أضحت معه حياة الأتراك حلما مروعا وكابوسا ثقيلا، إذ سلب السلطان عبد الحميد الأتراك أمنهم وحريتهم، فنشر عيونه في كل مكان، وألقى بالأتراك في أعماق السجون. فعم الذعر وساد القلق كل الناس، ونادى الشبان بالإصلاح، واضطرمت النفوس بالثورة، ولا سيما في بلاد البلقان حيث يوجد مستودع البارود على وشك الاشتعال عاجلا أو آجلا وكان الشاب مصطفى قد هضم كل الأفكار الحديثة الشائعة في أوربا في ذلك الحين وتشبع بها فخالطت لحمه ودمه، فكان إذا تأمل حالة وطنه وما يقاسيه من ألوان العسف والإرهاق إلى مرجل قلبه ومني نفسه أن يكون على راس ثورة تقتلع الاستبداد من اساسه، ويكون هو بطلها البارز وسيدها المطاع، وهكذا تتجلى عظمة بطلنا في حساسية نفسه الكبيرة التي تأبى أن يطمئن له بال أو يهدئ له ضمير حتى يتحقق مثله الأعلى وغرضه الأسمى في الحياة.
وفي أيام العطلة كان يذهب إلى سالونيك لزيارة أمه، ولكنه كان ينأى جهد استطاعته عن الحياة المنزلية، وظل الصفاء بينهما حتى تزوجت، أنكر عليها الزواج ولم يرتح إليه وصارحها بهذا، فتشاجرا وحل بينهما بعض الجفاء.
وقد تعلم إبان إقامته في سالونيك مبادئ اللغة الفرنسية بمعونة الرهبان الدومنيكان، فتعرف إلى شاب يكبره قليلا يدعى فتحي كان حييا أنيس المحضر، وكانا يقران معا في شغف شديد أدب روسو وفولتير وبعض الكتاب الفرنسيين كما قرأ كتب استوارت مل وهبز في الاقتصاد، وكان بطلنا لا ينئ عن حث الطلبة على إنقاذ الوطن من استبداد الخليفة ومطامع الدول الأجنبية كما كان يكتب وينظم القصائد النارية متغنيا بجمال الحرية،
стр. 5489
وصاحبه التوفيق في مدرسة موناستير كما صاحبه من قبل في مدرسة سالونيكا، وكتب أساتذته عنه انه (شاب متقد الذكاء عسير النفس تستحيل مخالطته) وبعد أن أتم دراسته أرسل إلى المدرسة الحربية بالأستانة برتبة ملازم ثان، وهناك انغمس في حياة الإثم والفجور من لعب القمار ومخالطة النساء، ولم يعرف عنه انه احب إحداهن ذلك الحب الأفلاطوني النبيل، بل كان يقبل عليهن إقبال النحل على الزهرة يمتص رحيقها ويتركها ذاوية ذابلة، وقد انصرف فجأة عن هذه الحياة واقبل على عمله بجد ونشاط، ووفق فيه توفيقا بالغا يعزى قبل كل شي إلى تعويله على نفسه واعتماده على مجهوده، وقد جاز كل امتحاناته بتفوق باهر، ورقي إلى رتبة كبتن سنة ١٩٠٥، وكان يمزج السياسة بعمله دائما، وقد ألفى نفسه في الاستانه بين ضباط صغار يقاربونه في السن ويضطرمون بالثورة على استبداد الخليفة وتدخل الدول الأجنبية. وكان أساتذتهم بالمدرسة يعطفون عليهم ويتغاضون عما يفعلون، ولكن لا يجرؤون على قيادتهم ومظاهرتهم.
وكان لهؤلاء الضباط بالمدرسة جمعية تدعى جمعية الوطن تلقي الخطب وتذيع النشرات مهاجمه فيها نظام الحكم وأخلاق الموظفين واستبداد الخليفة ورياء رجال الدين، بل لم يخل الدين نفسه من مطاعنها لحيلولته - كما كانوا يعتقدون - دون التقدم والارتقاء، فضلا عن فساد النظم المؤسسة عليه، وقد تعاهد أعضاؤها على تقويض حكومة الخليفة واستبدالها بحكومة دستورية، وإنقاذ الناس من كابوس رجال الدين، وتحرير المرأة من عبوديتها. والواقع أن تركيا في ذلك الحين كانت تحتضر، وما كانت الحياة لتعود إليها إلا إذا لقحت بدم نقي جديد، وقد انخرط الشاب مصطفى في سلك أعضائها، واخذ يكتب في نشرتها مقالات نارية وشعرا ملتهبا، ويلقى في اجتماعاتها خطبا لاذعة، ولكن السلطان عبد الحميد لم تكن لتخفى عليه خافيه، فعلم بأمر الجمعية من جواسيسه المنبثين في كل مكان، وجزع جزعا شديدا إذا رأى فيها نواة عمل سينتهي بثل عرشه. فخاطب أحد أعوانه المدعو إسماعيل حقي، وتحدث هذا بشأنها إلى ناظر المدرسة الحربية بالاستانة، فحرم الناظر عقد اجتماعاتها، ولكن لم يفت هذا في عضد أعضائها الثائرين، فاخذوا يعقدون اجتماعاتها في الخارج، وأضحت إحدى تلك الجمعيات السرية المنتشرة في الأستانة تعمل على هدم الظلم ومحو آثاره.
стр. 5490
وبعد أن جاز مصطفى الامتحان بمدرسة الأستانة أستأجر غرفة لتكون مكتبا للجمعية تطبع فيه نشراتها، وكان الأعضاء يجتمعون في منازل خاصة يأتون إليها خفية يترقبون، وقد ارتاح بطلنا إلى هذه الحياة لتأصل حب المغامرة في نفسه واستقراره في طبعه، واخذ يتعلم أساليب الجمعيات الثورية ونظمها، ولكن عيون عبد الحميد لم تال جهدا في مراقبة هذه الجمعية وتضييق الخناق عليها ليفاجئوا الأعضاء متلبسين بالجريمة، ولم يكن هذا بالعسير عليهم، إذ كان الأعضاء ينقصهم الدراية بأساليب هذه الجمعيات، وان لم تعوزهم الحماسة والشجاعة.
واستطاع أحد الجواسيس أن يتسلل إلى الجمعية ويتصل بها، وازدادت على توالي الأيام ثقة الأعضاء به واعتمادهم عليه، فتمت خديعته لهم وجازت حيلته عليهم؛ وبينما هميقسمون قسم الجمعية في يوم من الأيام إذا برجال البوليس السري يفاجئونهم ويقبضون عليهم، فزج مصطفى وسائر الأعضاء في السجن الأحمر بالاستانة، وكان بطلنا من بينهم مثار الريب والمخاوف، واعتبر في عداد الخطرين على النظم القائمة، فعزل عن زملائه في مكان قصي، وتراءى له المستقبل مظلما قاتما، إذ لو بدا لعبد الحميد انه نظير خطر عليه لاختفى من الحياة كما اختفى أمثاله من قبل كوميض البرق.
وقد راع الأم الحنون مصير ابنها، فأسرعت يحدوها الأمل والخوف لزيارته، فأبوا عليها ذلك ولم يسمحوا لها إلا بإرسال بعض النقود إليه، ومضت على حاله هذه أسابيع نقل بعدها إلى (زنزانة) ضيقة مظلمة قذرة لا ينفذ إليه فيها إلا قبس ضئيل من النور من كوة صغيرة، فاثر هذا السجن الموحش في نفسه ابلغ تأثير، وزاد خلقه غلظة ووحشية.
وفي يوم من الأيام اقتيد من غير إنذار إلى مكتب رجل من رجال العهد القديم ومن أنصار عبد الحميد المقربين هو إسماعيل حقي باشا، فاخذ الرجل يديم النظر في ملامحه، ثم قال له: (لقد أظهرت مقدرة فائقة وكفاءة ممتازة، وأمامك مستقبل باهر ينتظرك في خدمة صاحب الجلالة، ولكنك من جهة أخرى شنت نفسك ولوثت شرفك الحربي، فخالطت أسوأ الخلان، وأخذتم تقامرون وتشربون وتختلفون إلى الأمكنة الموبوءة، أشنع هذا واشد نكراً انك نكثت عهد الإخلاص لمليكك، فزججت بنفسك في موج السياسة، وظاهرت الدعاية الخائنة ضده، وحرضت زملائك على احتذاء مثالك، والاقتداء بك، ولكن جلالة الخليفة قد
стр. 5491
وسعتك رحمته وشملتك رعايته ومغفرته إذ رآك شابا احمق، لعلك قد انقدت لهواك من غير تبصر أو تقدير للعواقب، فاختارك للذهاب مع فرقة الفرسان إلى دمشق، ويتوقف مستقبلك على ما يعلم من مسلكك، ولكن عليك أن نتجنب هذا الحمق وتتوفر على أداء واجباتك الجندية، وخذ لنفسك الحذر فانك لن تحظى بفرصة أخرى)
وفي نفس الليلة رحل في سفينة إلى سوريا بدون أن يسمح له بروية أمه أو أصدقائه، وبلغ بيروت بعد سفر شاق، فامتطى جواده وعبر به جبال لبنان حتى انضم إلى الفرقة في دمشق فوجدها تتأهب للزحف على الدروز المقيمين بجنوب دمشق والذين كانوا دائمي الثورة على الدولة العلمية، وقد كانت هذه الغزوة أول تجربة لنشاطه ولكنها لم تكن ترضى الجندي النظاميإذ كانت بلاد الدروز عبارة عن جبال مجدبة تتقاطع مع وديان ضيقة عميقة لا ماء فيها ولا طريق معبد، وكان الدروز قوما أقوياء الشكيمة صعاب المراس دارسين كل شبر من ارضهم، ومضت الأيام بين الفريقين في كفاح غير مثمر، إذ لم يستطع الأتراك الظفر بأعدائهم، فاحرقوا قراهم ودمروا حقولهم وعادوا القهقرى إلى دمشق لهجوم فصل الشتاء ببرده القارس وجوه المكفهر المظلم، وهناك اخذ بطلنا الثائر يعد العدة لإنشاء فرع لجمعية الوطن، ولم تغير الأيام السود التي قضاها في سجن الأستانة منه شيئا، ولم تضعف نفسه القوية، ولم تلن قناته الصلبة، ولم ترد قلبه الكبير عن غرضه، إذ كان مصطفى ثائرا على كل شيء: على الدين والناس والنظم والتقاليد، ولم يكن لشيء ما في نفسه حرمة أو قداسة، ولكنه كان يجمع إلى حماسة الشباب حذر الشيوخ ونظرهم البعيد، وكان قد هجر الأدب لما وجده مدعاة للشك، مجلبة للتردد موجبا للخطأ لما بين الحكمة النظرية والحكمة العملية من تناقض، واقبل على درس أساليب الثورة ووسائلها، وقد وجد التربة صالحة للبذر. فصغار الضباط مضطرمون بالسخط، ورؤساؤهم يعطفون عليهم ويميلون إليهم، وقد وجد مصطفى من بينهم زميلاً قديما له، فاتخذ منه نصيرا ومعيناً له في عمله، وسرعان ما اشتد ساعد الجمعية وتكاثر عدد أعضائها، واخذ بطلنا يشعر بمكانته وخطره، ولكن سرعان ما فطن إلى خطئه وعاد إلى صوابه، فعلم أن أهل البلاد ليسوا متهيئين لقبول دعوته، وان كان ضباط الحامية التركية متأهبين لتلبيتها وإبرازها إلى حيز العمل.
وقد أرسل إليه أصدقاؤه يخبرونه بان البلقان هي مهد الفتن والقلاقل، وان عليه أن يسعى
стр. 5492
لنقله إلى سالونيك ليضمن نجاح حركته وانتشار دعوته، فاعتزم تنفيذ ما أشاروا به عليه، سواء أجابته الحكومة إلى طلبه أم أبته عليه، وكان صاحب شرطة يافا عضواً بجمعية الوطن، فاتفق معه على كتمان وجهته، وحصل على الجازة بضعة أيام رحل خلالها إلى يافا وأبدل اسمه واتخذ له لباساً مستعاراً، فاستطاع أن يعبر البحر منها إلى أثينا، ثم إلى سالونيك حيث ألفى السخط والقلق يساوران كل النفوس، وهناك اعتكف في منزل أمه، ووجد أن الجو صالحاً لإبلاغ رسالته، إذ كانت سالونيك قلب الحركة ومهد الثورة، فاخذ يتعرف بمعونة أمه وأخته إلى صغار الضباط من زملائه القدماء، وطلب نقله إلى سالونيك ليتسنى له الإشراف على تنفيذ خطته، ولكنه قبل أن يخطو خطوة أخرى صدرت من الأستانة الأوامر بالقبض عليه فعمل حكمدار سالونيك على خلاصه، فنبهه إلى الخطر المحدق به واخبره أن أمر القبض سينفذ بعد يومين، وعليه أن يتأهب للرحيل، فعاد مصطفى بطريق البحر إلى يافا وكانت أوامر القبض عليه قد سبقته اليها، ولكن لحسن طالعه قيض الله له كبير الشرطة في يافا، وكان عضوا بجمعية الوطن، مهد له سبيل الفرار إلى غزة، وأراد أن يحكم الحيلة لتجوز على حكومة الأستانة، فكتب إليها يطلب أن تزوده بتعليمات أوضح وأدق عن مصطفى كمال، ويقول إن ما وصل إليه منها فيه كثير من الخطأ، لان مصطفى كمال كان طوال المدة السابقة مقيما في غزة، ولم يبرحها إلى سالونيك، وصادق على مفيد لطفي الضابط بغزة.
وهنا تظهر حكمة بطلنا ونظره البعيد. فقد رأى انه لو وقع في يد عيون الخليفة مرة اخرى، لما رأى نور الحياة بعد ذلك لحظة واحدة، فاعتزل الحياة العامة زهاء عام، ليزيل ما أحاط به من ريب وشكوك، واقبل على عمله بجد ونشاط، حتى لفت أنظار رؤسائه إليه، فاعجبوا به واثنوا عليه قائلين. انه لا يعنى بغير واجبه، وهو يؤديه على اكمل وجه، وأتم شكل، فأحسنت به حكومة الأستانة الظن، ورجحت أن جواسيس سالونيك قد ظلموه باعتباره في عداد الخطرين، ولكن خيال سالونيك لم يبرح راس بطلنا، وأنى له ذلك وفيها نذير الثورة التي يريد مصطفى أن يكون بطلها الذي يشار إليه بالبنان، وبينما هو غارق في تفكيره وتدبيره إذا به يتسلم أمر النقل إلى سالونيك وهو يكاد أن يكون له من المكذبين.
يتبع
стр. 5493
حنفي غالي
стр. 5494
إلى النهر الغاضب
للأستاذ محمود الخفيف
غضبتَ فسهدتَ أجفانها … وزاد هياجك أحزانها
وقد أنِستْك لطيف الأناة … ضحوك الأسرة ّفتانها
جميل الوفاء شهى الصفاء … عريق السماحة هتانها
وفاؤك عيد يعم البلاد … ويغمر بالخير أركانها
تهز الحقول على جانبيك … ويملأ فيضُك غدرانها
وتذكر مصرُ إذا ما خطرت … وسال نضارُك، سودانها
فأنت لمصر وريد الحياة … ولم تر غيرك شريانها
حليم عليك سماة الجلال … تقابل بالبشر قربانها
وتلقى برفقك في المهرجان … وجوه البلاد وأعيانها
تود الرياض على شاطئيك … لو انك تسمع شكرانها
وتهفو الخمائل شوقا إليك … فتنشر حولك أغضانها
تردد مصر أناشيدها … وتبدأ باسمك ألحانها
ويطربها منك حلو الخرير … فترهف للسمع آذانها
فتلقي إليها حديث القرون … وتحفز للمجد غلمانها
وما نسيت مصر هذا الحديث … ولا صرفت عنه تحنانها
تجهم وجهك بعد الصفاء … وروع باسُك سكانها
لبست الجفاء على غرة … فالم غدرك وجدانها
تركت الكنانة في غمرة … يهدد سيلك بلدانها
كأنك جيش تخطى الحدود … وانذر بالموت قطانها
تقيم السدود على ضفتيك … وتحشد حولك فتيانها
تراقب موجك في حسرة … تجدد للنفس أشجانها
ولم أر مثل جفاء القلوب … تفيأت من قبل رضوانها
ولا كالإساءة من راحة … تعود كفُّك إحسانها
стр. 5495
ترفق بمصر فقد نالها … خطوب تزلزل بنيانها
توالت عليها عجاف السنين … وأعمى التنابذُ رُعيانها
وذاق بنوها بأوطانهم … صنوف العذاب وألوانها
ألم تر كيف دهاها الكساد … وكاد يدمر عمرانها
وكيف توقف فيها النماء … وأخرجت الأرض ديدانها
فأضحى فتاها كسير الجناح … كئيب الملامح خزيانها
وجاس الغريب خلال الديار … قوي المخالب يقظانها
ألم يكف يا نيل هذا الشقاء … فجئت تضاعف خسرانها؟
تحيرت يا نيل ماذا دهاك … وأوحى لنفسك طغيانها
اساءك من مصر هذا السكون … فقمت تحرك شبانها؟
وأوغر صدرك يأسُ البلاد … فجئت تجدد إيمانها؟
ورحت تكذب ظن الدخيل … وتوقظ للجد أعوانها
تحركُ وحدك في أمة … أذل التفرق وحدانها
بلوت بنفسك ماضي البلاد … وأدركت بالأمس سلطانها
وكيف تناهي إليها النبوغ … فراحت تعلم جيرانها
تَلَقى من الوغى شتى الفنون … وترفع في الأرض ميزانها
تدب الحياة على جانبيها … فتشعر بالعز ولدانها
على البر تحشد أجنادها … وفي البحر تنصر ربانها
تذكرت (أحمس) يزجي الصفوف … ويدعو إلى النصر فرسانها
و (رمسيس) يخطر في جنده … فخور المواكب مزدانها
وانست في مصر عهد الرشاد … قد شمل العدل أركانها
تَلَقَّى الرسالة في غبطة … ولو كره الروم إعلانها
تسير إلى الحق منقادة … إليه وتخلع بهتانها
وتمسي من الأمن في جنة … وقد كرهت قبلُ حرمانها
أسفت لحاضرها المستكين … وأنكرت يا نيل خذلانها
стр. 5496
كرهت هدوءك في أمة … أطاعت إلى اللهو شيطانها
فجن جنونك يا ابن السماء … وقمت تنبه وسنانها
ألا فلتقر فقد بايعتك … وسوف تقدم برهانها
ستحذو مثالك في فعلها … وتجعل عهدك قرانها
ستنفض عنها غبار القرون … وتنزع يا نيل أكفانها
محمود الخفيف
стр. 5497
مدينة الأحرار
للأستاذ محمد محمود جلال
الله أكبر (يا جنيف) … فوق الجمال (دم خفيفْ)
طُهِّرت كالجنات من … لغو ومن هم مطيفْ
وخلوت للأحرار إلا … من نسيم أو حفيفْ
يلقى الربيعَ بك المُش … رَّد بعد إعنات الخريفْ
كم صنتِ عزة أنفس … ووقيتها ورد الحتوفْ
فوقفت سداً مانعاً … دون العواصف والصروفْ
فيك التقيت بنخبة … هم عدة الشرق المنيفْ
وغنمت أمتع جلسة … في (بارك لجْرَنجَ) الرفيفْ
يذر الفؤاد مردداً … (الله أكبر ياجنيفْ)
стр. 5498
بين الشهرة والخلود
لأميل لدفيج
تلخيص محمد أمين حسونة
خطر يبالي ذات شتاء أن أمضى شطراً طويلاً منه في منطقة الألب لاستمتع بدفء الجبال، فكان مما استرعى اهتمامي في منطقة التيرول، تلك الكنيسة الفخمة التي اشتهرت منذ القرون الوسطى بأثرية ناقوسها وروعته، فلما مر بخاطري زيارته، صعدت إلى القبة لأشبع العين من فتنته، وهناك تملكتني الدهشة والعجب، إذ كانوا يعلقون صورة (شيللر) إلى جانب صورة القديسين الأبرار، كتذكار لمقطوعته الخالدة (نشيد الناقوس)!
فشللر الكاتب الملحد، عدو الكنيسة والكثلكة، يجعلون منه رمزاً للقداسة والخلود؟ ولكن لا عجب فقد تكون شهرته كشاعر مخلد لذكرى (الناقوس) هي التي حدت بهم إلى رفعه في مثل هذا الموضع الذي يرتكز عليه، وهكذا تكون الشهرة حامية للأغلاط. إننا نذكر جميعاً غلطة (كوك) المعروفة، وكيف دفعته إلى مصاف العظماء، وقذفت باسمه إلى أول قائمة المكتشفين الخالدين، ولو أن لعبته لم تكتشف إلا بعد مرور فترة طويلة!
إذن فالشهرة ليست بمعناها المعروف، هي (العظمة)، وقد لا تهدينا شهرة الرجل إلى تقدير مناحي عظمته في ثوبها الحقيقي، وإلا كان من حقنا أن نفاخر (بشارلي شابلن) عن (برجسون) وان نفضل (مستنجيت) على (مدام كوري). مع أننا كمؤرخين في عنقنا دين تجب تأديته للأجيال المقبلة، ذلك هو تصحيح الأخطاء التي تلابس أولئك الذين يستحوذون على الشهرة عن طريق المخادعة.
وقديماً ذكروا: ألا يجوز البتة إعلان كون الناس سعداء ما داموا أحياء! فإذا جاز لنا أن نحكم بان حياة الإنسان إن هي إلا رواية تمثل مشاهدها، ففي مكنة (فصل خامس) منها أن يطفئ أنوار فصول أربعة تقدمته، وفي ضوء هذه النظرية لا يمكننا الحكم على أعمال الرجال إلا بعد موتهم، ولا أن نخلع عليهم ثوب العظمة وهم أحياء، فمن المحتمل أن يأتي هذا الثوب فضفاضاً عليهم، أو يحدث في أواخر أيامهم ما يدفعهم إلى تشويه هذه الصفحات التي نكون قد ملائناها حمداً وثناء عليهم!
إن سرعة انتشار الأخبار تمكننا من معرفة أي رجل اشتهر في اقل من لمح البصر، فاسم
стр. 5499
(ليندبرج) - قاهر الجو - عرفه في ليلة واحدة خمسمائة مليون شخص من أقاصي منشوريا إلى جنوب استراليا؛ كذلك كان أمر (كوك) حين انتحل لنفسه اكتشاف القطب الشمالي، ولو أن خدعته اكتشفت فيما بعد، ولكن بعد فوات الفرصة، وبعد أن رسخ اسمه في قلب كل إنسان كمكتشف عظيم!
إن الآلة التي تخرج لنا العظماء اليوم غيرها قبل خمسين عاماً مضت، فليس الرجل العسكري هو الذي ينال إعجاب أبناء هذا الجيل، وليس من حقنا تدوين اسمه في ثبت العظماء، كما فعل الاسكندر وقيصر ونابليون، كلا! فالشعوب أصبحت لا تتهافت على معرفة اسم القائد المنتظر في الميدان، لكنهم يتساءلون عن الآلة الجهنمية التي أحرزت التغلب، وخفقت فوق ربوعها بنود النصر. وخذ اسم المارشال هيندنبرج مثلا، فلا يتطرق إلى أذهاننا أن شهرة اسمه راجعة إلى عظمته الحربية وحدها، بل لذلك الاعتقاد السائد في النفوس، وهو اعتباره (أباً للشعب). والإعجاب اليوم لا ينال الجيوش الظافرة في ساحات الوغى، اكثر مما ينال ذلك (الجندي المجهول) الجامع لرفات الانتصار والانكسار.
إن شهرة كبار القواد الذين خاضوا غمار الحرب العظمى، وكان النصر حليفهم في المعارك الكبرى، قد تضاءلت حتى كادت تتلاشى؛ كذلك مال بلسودسكي ومصطفى كمال وموسوليني، فسوف يصبح اسم كل منهم خرافة سائدة في أفواه الأجيال المقبلة.
ومن يحرز الشهرة إذن؟ إن رجال الألعاب الرياضية وأبطال الملاكمة ونجوم السينما هم وحدهم الذين يحرزون الشهرة دون غيرهم. أما الأولون فلأن الجماهير تساهم بقسط وافر في الشهرة التي يحرزونها عن طريق المراهنة في مبارياتهم؛ وأما نجوم السينما فيستولون على الشهرة بفضل الملابس الزاهية وإتقانهم الأدوار التي تتطلب المثل العليا في الحب والتضحية.
ولأنهم جميعاً يشغلون قلوب الجماهير ويستدرون عواطفهم في كل مناسبة، فملامحهم وصورهم وحياتهم الخاصة مطبوعة على صفحة كل قلب بفضل الصحافة المصورة التي تمهد لهم سبل الشهرة والدعاية فكاروزو مثلا اشتهر اكثر من غيره من المغنين السالفين بفضل اختراع (الفونوغراف) الذي خلد صوته.
إن مهمة المؤرخ دقيقة وعسيرة في هذا العصر فيجب ألا يعتمد على الشهرة وحدها في
стр. 5500
جعلها مقياساً للعظمة، وإني باعتباري مؤرخاً لا يحق لي مطلقاً أن اخدع نفسه وقرائي بجعل الشهرة عظمة. إني لا أجد اليوم موسيقياً بعد (مولر)، وأذكر (ليبرمان) في أول قائمة الفنانين العالميين، وأسائلنفسي وقرائي عن (كاتب القرن الحالي) الذي يحق له إحراز هذا اللقب النبيل، والذي له الفضل في تربية ملكة الذوق لجيلنا الحاضر فلا أجد (برنارد شو)، كما كان (فولتير) كاتب القرن الثامن عشر، نعم إن هناك كتاباً يفوقون (شو) سواء في قوة الابتكار أو سلاسة الأسلوب ومتانة التعبير، واذكر منهم: ابتمان، وهمسون، ومان، ودانزيو، وبيراندللو، ورولان، ولويس، ولكن (شو) قد اثر بآرائه ومداعباته واستحواذه على لب القارئ اكثر من سواه.
وإذا خطر لنا أن نتكلم عن السياسة حق لنا أن نعترف بأن رجالها قد احتضروا واختفوا من الأفق سراعا: ويلسن، ولينين، وكليمنصو. أما (لويد جورج) فشيخ رجال السياسة الحاليين وأكثرهم دهاء، و (موسولينى) أخطرهم وأصغرهم سناً، ولكن إذا تحدثنا عنه كسياسي، أيحق لنا أن ننعته بالعظمة؟ كلا! في الحكم للمستقبل. وموسوليني يؤدي الآن دوره على خشبه المسرح، وقد انصبت الأنوار فجأة عليه من كل جانب فاخفت (الرتوش والمكياج) التي تخفي شخصيته الحقيقية، وتظهره أمام الجماهير في ثوبه الخيالي معبودا للشعب؛ انه لا يزال في الفصل الثاني من الرواية التي تمهد القيام بدور البطل فيها، وليس لأحد أن يتكهن إذا كانت الستار سيسدل عن تصفيق واعجاب، او عن استهزاء وسخرية!
وإذا ذكرت سياسي الجيل الحاضر، فإني أتحدث عن (فينزيلوس) اليوناني و (ما زاريك) التشيكي: فالأول سياسي محنك ورجل داهية، والثاني حلم بني وطنه لعشرين عاماً، كما أن زعماء المضطهدين - لسان حال الشعوب المظلومة - قد أحرزوا الإعجاب بمبادئهم الاشتراكية السامية، وضربوا احسن الأمثال لأممهم في التضحية، وأخص بالذكر منهم: (مكسويني) محافظ كورك الذي ذهب ضحية إخلاصه لمبدئه، و (غاندي) نجم الهند - بل الشرق - الوحيد.
أما رجال العلم والصناعة فقد كان الجيل الماضي حافلا بالكثير من شخصياتهم البارزة. أما جيلنا الحاضر فمفتقر إلى طائفة كبيرة منهم، فانه لا يوجد اليوم علماء للآثار القديمة جديرين بإحراز هذا اللقب الذي استخلصه لنفسه شامبليون، ولا مؤرخون يستطيعون ارواء
следующие страницы →