Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
كرهت هدوءك في أمة … أطاعت إلى اللهو شيطانها
فجن جنونك يا ابن السماء … وقمت تنبه وسنانها
ألا فلتقر فقد بايعتك … وسوف تقدم برهانها
ستحذو مثالك في فعلها … وتجعل عهدك قرانها
ستنفض عنها غبار القرون … وتنزع يا نيل أكفانها
محمود الخفيف
стр. 5497
مدينة الأحرار
للأستاذ محمد محمود جلال
الله أكبر (يا جنيف) … فوق الجمال (دم خفيفْ)
طُهِّرت كالجنات من … لغو ومن هم مطيفْ
وخلوت للأحرار إلا … من نسيم أو حفيفْ
يلقى الربيعَ بك المُش … رَّد بعد إعنات الخريفْ
كم صنتِ عزة أنفس … ووقيتها ورد الحتوفْ
فوقفت سداً مانعاً … دون العواصف والصروفْ
فيك التقيت بنخبة … هم عدة الشرق المنيفْ
وغنمت أمتع جلسة … في (بارك لجْرَنجَ) الرفيفْ
يذر الفؤاد مردداً … (الله أكبر ياجنيفْ)
стр. 5498
بين الشهرة والخلود
لأميل لدفيج
تلخيص محمد أمين حسونة
خطر يبالي ذات شتاء أن أمضى شطراً طويلاً منه في منطقة الألب لاستمتع بدفء الجبال، فكان مما استرعى اهتمامي في منطقة التيرول، تلك الكنيسة الفخمة التي اشتهرت منذ القرون الوسطى بأثرية ناقوسها وروعته، فلما مر بخاطري زيارته، صعدت إلى القبة لأشبع العين من فتنته، وهناك تملكتني الدهشة والعجب، إذ كانوا يعلقون صورة (شيللر) إلى جانب صورة القديسين الأبرار، كتذكار لمقطوعته الخالدة (نشيد الناقوس)!
فشللر الكاتب الملحد، عدو الكنيسة والكثلكة، يجعلون منه رمزاً للقداسة والخلود؟ ولكن لا عجب فقد تكون شهرته كشاعر مخلد لذكرى (الناقوس) هي التي حدت بهم إلى رفعه في مثل هذا الموضع الذي يرتكز عليه، وهكذا تكون الشهرة حامية للأغلاط. إننا نذكر جميعاً غلطة (كوك) المعروفة، وكيف دفعته إلى مصاف العظماء، وقذفت باسمه إلى أول قائمة المكتشفين الخالدين، ولو أن لعبته لم تكتشف إلا بعد مرور فترة طويلة!
إذن فالشهرة ليست بمعناها المعروف، هي (العظمة)، وقد لا تهدينا شهرة الرجل إلى تقدير مناحي عظمته في ثوبها الحقيقي، وإلا كان من حقنا أن نفاخر (بشارلي شابلن) عن (برجسون) وان نفضل (مستنجيت) على (مدام كوري). مع أننا كمؤرخين في عنقنا دين تجب تأديته للأجيال المقبلة، ذلك هو تصحيح الأخطاء التي تلابس أولئك الذين يستحوذون على الشهرة عن طريق المخادعة.
وقديماً ذكروا: ألا يجوز البتة إعلان كون الناس سعداء ما داموا أحياء! فإذا جاز لنا أن نحكم بان حياة الإنسان إن هي إلا رواية تمثل مشاهدها، ففي مكنة (فصل خامس) منها أن يطفئ أنوار فصول أربعة تقدمته، وفي ضوء هذه النظرية لا يمكننا الحكم على أعمال الرجال إلا بعد موتهم، ولا أن نخلع عليهم ثوب العظمة وهم أحياء، فمن المحتمل أن يأتي هذا الثوب فضفاضاً عليهم، أو يحدث في أواخر أيامهم ما يدفعهم إلى تشويه هذه الصفحات التي نكون قد ملائناها حمداً وثناء عليهم!
إن سرعة انتشار الأخبار تمكننا من معرفة أي رجل اشتهر في اقل من لمح البصر، فاسم
стр. 5499
(ليندبرج) - قاهر الجو - عرفه في ليلة واحدة خمسمائة مليون شخص من أقاصي منشوريا إلى جنوب استراليا؛ كذلك كان أمر (كوك) حين انتحل لنفسه اكتشاف القطب الشمالي، ولو أن خدعته اكتشفت فيما بعد، ولكن بعد فوات الفرصة، وبعد أن رسخ اسمه في قلب كل إنسان كمكتشف عظيم!
إن الآلة التي تخرج لنا العظماء اليوم غيرها قبل خمسين عاماً مضت، فليس الرجل العسكري هو الذي ينال إعجاب أبناء هذا الجيل، وليس من حقنا تدوين اسمه في ثبت العظماء، كما فعل الاسكندر وقيصر ونابليون، كلا! فالشعوب أصبحت لا تتهافت على معرفة اسم القائد المنتظر في الميدان، لكنهم يتساءلون عن الآلة الجهنمية التي أحرزت التغلب، وخفقت فوق ربوعها بنود النصر. وخذ اسم المارشال هيندنبرج مثلا، فلا يتطرق إلى أذهاننا أن شهرة اسمه راجعة إلى عظمته الحربية وحدها، بل لذلك الاعتقاد السائد في النفوس، وهو اعتباره (أباً للشعب). والإعجاب اليوم لا ينال الجيوش الظافرة في ساحات الوغى، اكثر مما ينال ذلك (الجندي المجهول) الجامع لرفات الانتصار والانكسار.
إن شهرة كبار القواد الذين خاضوا غمار الحرب العظمى، وكان النصر حليفهم في المعارك الكبرى، قد تضاءلت حتى كادت تتلاشى؛ كذلك مال بلسودسكي ومصطفى كمال وموسوليني، فسوف يصبح اسم كل منهم خرافة سائدة في أفواه الأجيال المقبلة.
ومن يحرز الشهرة إذن؟ إن رجال الألعاب الرياضية وأبطال الملاكمة ونجوم السينما هم وحدهم الذين يحرزون الشهرة دون غيرهم. أما الأولون فلأن الجماهير تساهم بقسط وافر في الشهرة التي يحرزونها عن طريق المراهنة في مبارياتهم؛ وأما نجوم السينما فيستولون على الشهرة بفضل الملابس الزاهية وإتقانهم الأدوار التي تتطلب المثل العليا في الحب والتضحية.
ولأنهم جميعاً يشغلون قلوب الجماهير ويستدرون عواطفهم في كل مناسبة، فملامحهم وصورهم وحياتهم الخاصة مطبوعة على صفحة كل قلب بفضل الصحافة المصورة التي تمهد لهم سبل الشهرة والدعاية فكاروزو مثلا اشتهر اكثر من غيره من المغنين السالفين بفضل اختراع (الفونوغراف) الذي خلد صوته.
إن مهمة المؤرخ دقيقة وعسيرة في هذا العصر فيجب ألا يعتمد على الشهرة وحدها في
стр. 5500
جعلها مقياساً للعظمة، وإني باعتباري مؤرخاً لا يحق لي مطلقاً أن اخدع نفسه وقرائي بجعل الشهرة عظمة. إني لا أجد اليوم موسيقياً بعد (مولر)، وأذكر (ليبرمان) في أول قائمة الفنانين العالميين، وأسائلنفسي وقرائي عن (كاتب القرن الحالي) الذي يحق له إحراز هذا اللقب النبيل، والذي له الفضل في تربية ملكة الذوق لجيلنا الحاضر فلا أجد (برنارد شو)، كما كان (فولتير) كاتب القرن الثامن عشر، نعم إن هناك كتاباً يفوقون (شو) سواء في قوة الابتكار أو سلاسة الأسلوب ومتانة التعبير، واذكر منهم: ابتمان، وهمسون، ومان، ودانزيو، وبيراندللو، ورولان، ولويس، ولكن (شو) قد اثر بآرائه ومداعباته واستحواذه على لب القارئ اكثر من سواه.
وإذا خطر لنا أن نتكلم عن السياسة حق لنا أن نعترف بأن رجالها قد احتضروا واختفوا من الأفق سراعا: ويلسن، ولينين، وكليمنصو. أما (لويد جورج) فشيخ رجال السياسة الحاليين وأكثرهم دهاء، و (موسولينى) أخطرهم وأصغرهم سناً، ولكن إذا تحدثنا عنه كسياسي، أيحق لنا أن ننعته بالعظمة؟ كلا! في الحكم للمستقبل. وموسوليني يؤدي الآن دوره على خشبه المسرح، وقد انصبت الأنوار فجأة عليه من كل جانب فاخفت (الرتوش والمكياج) التي تخفي شخصيته الحقيقية، وتظهره أمام الجماهير في ثوبه الخيالي معبودا للشعب؛ انه لا يزال في الفصل الثاني من الرواية التي تمهد القيام بدور البطل فيها، وليس لأحد أن يتكهن إذا كانت الستار سيسدل عن تصفيق واعجاب، او عن استهزاء وسخرية!
وإذا ذكرت سياسي الجيل الحاضر، فإني أتحدث عن (فينزيلوس) اليوناني و (ما زاريك) التشيكي: فالأول سياسي محنك ورجل داهية، والثاني حلم بني وطنه لعشرين عاماً، كما أن زعماء المضطهدين - لسان حال الشعوب المظلومة - قد أحرزوا الإعجاب بمبادئهم الاشتراكية السامية، وضربوا احسن الأمثال لأممهم في التضحية، وأخص بالذكر منهم: (مكسويني) محافظ كورك الذي ذهب ضحية إخلاصه لمبدئه، و (غاندي) نجم الهند - بل الشرق - الوحيد.
أما رجال العلم والصناعة فقد كان الجيل الماضي حافلا بالكثير من شخصياتهم البارزة. أما جيلنا الحاضر فمفتقر إلى طائفة كبيرة منهم، فانه لا يوجد اليوم علماء للآثار القديمة جديرين بإحراز هذا اللقب الذي استخلصه لنفسه شامبليون، ولا مؤرخون يستطيعون ارواء
стр. 5501
ظمأ المتعطشين إلى نظريات حديثة، ولا علماء في الاقتصاد والتشريع والفلك كعلماء القرن الماضي من الإنجليز أو الألمان.
إن عالمنا اليوم لا عمل له سوى الجمع بالنسبة للماضي، والتمهيد بالنسبة للمستقبل، ومع كل فهناك شخصيات برزت في بعض الصناعات التي كان العالم في اشد الافتقار إليها. فبركلند، وايد النرويجيان انتشلا شعوباً من المجاعات بإقدامهما على استخراج النتروجين من الهواء؛ و (هابر، وارنست، وارينوس) أول من أحدثوا نظريات جديدة بشان السوائل، كذلك (بور) الدنمركي و (بلانك) الألماني، والى جانبهما تأخذ (مدام كوري) مكانتها العلمية كامرأة واصلت البحث والدرس بعد موت بعلها بعشرين عاما.
أما علماء النفس فعلى رأسهم (فرويد) الذي أيقظت نظرياته الحديثة شعور ألوف المثقفين في العالم؛ ويجئ دور (اينشتين) شيخ علماء الحكمة الطبيعية الذي زحزحت نظرياته الرياضية الكثير من الاعتقادات العلمية التي كانت سائدة في أذهان علماء الأجيال الغابرة.
وهناك (مركوني) الإيطالي و (اركو)، والى جانبهما (اخوان رايت) و (فورد) والى جانبهم أبطال الصناعة الذين لهم الفضل في ابتكار اللاسلكي وبناء الجسور وحفر الترع وتشييد المنشآت الهندسية الحديثة كمحطات الكهرباء والخزانات والمصارف وناطحات السحاب.
ولكن أين هم هؤلاء الأبطال؟ من هم أساتذة الصناعة والفن اليوم؟ من يعرف منشئ جسر اليشون أو ارث الخامس أو خزان أسوان؟ من الصعب أن نعرف أسماء كل هؤلاء الأبطال، لان أعمال الشركات خيمت على جهود الأفراد، وجهود الأبطال قد اندمجت في أعمال الشركات. وعندما تنحدر الشمس إلى المغيب ونجد مكانها الأنوار الكهربائية المتلألئة، لمن نتوجه بالحمد على كل هذا؟ لمن الفضل في سر الاتصال بين الأمم بأسلاك التلغراف وفي نقل الرسم والصوت من مكان قصي فوق ثلوج سيبيريا إلى عبيد الكونغو مثلا؟ إن أحدا لم يستطع تذليل العلم وتسخيره في أغراض المجتمع وأفادته كما استطاع ذلك خالد الذكر (اديسون).
وهكذا نأتي في النهاية لنشيد بذكر اكبر عالم نظري إلى اعظم مخترع عملي، أولهما ألماني وهو عقل العالم الذي يميز به حقيقة الاشياء، وثانيهما أمريكي وهو عين العالم التي ترى بها الضوء، كلاهما نشأ فقيرا معدما، ليس مدينا لأحد ألا لعبقريته ونبوغه، هما (ايمانيس)
стр. 5502
الذي وهب الثقافة وحرية الفكر للعالم، و (بروميسثيس) الذي اختطف النور من الآلهة ليهديه إلى البشرية هما:
انيشتين واديسون.
محمد أمين حسون
стр. 5503
العلوم
٢ - بحث في اصل الإنسان
بقلم نعيم علي راغب
دبلوم عال في الجغرافية
استمر (بوشيه) برغم كل معارضة قامت في وجهه، ولم يتطرق إليه خمول أو تهاون، فنشر في عام ١٨٤٧ كتابا عن اكتشافاته قوبل بالاستنكار، ونظر إليه الناس نظرتهم إلى مجنون. وظل على هذا الحال حتى أتى بعض العلماء الإنجليز يساعدونه عام ١٨٥٨ فاختبروا صخوره وفحصوا ما وجده من عظام متحجرة، وظلوا يجادلونه ويجادلهم حتى اعترفوا وجاهروا - بعد التثبت والاقتناع - أن هذه الصخور من عمل الإنسان وتشكيله. وهكذا ثبت أن الإنسان كان موجودا في وادي نهر السدم بفرنسا عندما كان المدرج الموجود الآن على ارتفاع ١٠. قدم مكونا مجرى النهر في ذلك الوقت حيث كانت تعيش أنواع غريبة من الحيوانات؛ وبذا يفتتح العالم أول باب لتاريخ حياة الإنسان في المدرجات.
وعندما عاد العلماء الإنجليز إلى بلادهم وجدوا في مدرجات نهر التيمس نفس الصخور النارية او وعظاما متحجرة تماثل تمام التماثل تلك العظام التي وجدت في نهر السدم. وبذلك بدأ باستخدام حفريات الأنهار لمعرفة تاريخ الإنسان القديم منذ مائة عام تقريبا، ولكنها لم تتحول إلى فن صحيح ذي قواعد إلا في السنوات الأخيرة.
سبق لنا أن تتبعنا تاريخ الإنسان القديم مما وجده الباحثون في الكهوف، وسنحاول الآن أن نرى ما قد تكشف لنا عنه هذه المدرجات. وفي الشكل (٢) ترى مثلا عاليا لتتابع المدرجات، ومن الطبقات السطحية للمدرجات السفلى نجد شواهد الكهوف نفسها ونفس الأدوات الحجرية عينها، بل وهياكل أنواع الحيوانات البائدة والعنصر الإنساني الذي كان سائدا في ذلك الوقت. تأتى بعد ذلك مدرجات احدث من الأولى تكونت في عصور متتابعة هي: سولتريان واورجنتيان وماجدالينان وموستريان وهو العصر الذي يقع قبل عصر الجليد مباشرة، وبدا نصل إلى عصر غمرت فيه الثلوج القارة الأوربية، وفي هذه الفترة يقع عصر أطلق علية اسم اشيوليان ومن عصر الموستريان حتى الآن تقع فترة يبلغ
стр. 5504
طولها ٤. ألف سنة. وليس هناك أدنى شك في انه كلما اتسع أفق العلم أمامنا وازدادت الأبحاث أمكننا تقسيم فترات ما قبل التاريخ إلى حلقات متتابعة - وفي هذه الفترة نجد أنواعا من فؤوس - صنعت من الصخر الناري، عليها اثر الصنع بل والاستعمال. وإذا أنعمنا النظر في المدرجات عدنا إلى البقايا القديمة للعصر المسمى شيليان وهو السابق المسمى اشيليان امتياز بزيادة دفء جوه عن جو العصر الجليدي. وفؤوس هذا العصر كبيرة نوعا ما عن فؤوس عصر الاشيليان. ونحن إذا قدرنا لها مدة ليسفيها مبالغة وهي ٤. ألف سنة، فإننا نصل إلى فترة من فترات تطور الإنسان تبعد عنا بنحو ١٢. ألف سنة. ويأتي قبل عصر الشيليان عصر لا يسعنا لجهلنا به إلا أن نسميه ما قبل عصر الشيليان - وقد وجدت اثار تدل عليه على عمق ١٠. قدم في مدرجات نهر التيمس بإنجلترا، ومن هذه الفترة نصل إلى بدء عصر البلشتوسين
ولهذا العصر أهمية خاصة عند الباحث في تطور الانسان، اذ انه في فجر هذا العصر أخذت الحيوانات شكلها الحالي، وتطور الإنسان تطوره الأخير الذي جعل له من الخصائص ما يمتاز به اليوم من سائر المخلوقات. وبابتداء هذا العصر يمكن القول بان العالم الحي اخذ شكلا جديدا من مظاهر التطور الحديث، ولذلك فان علماء الحيوان يضعونه في المرتبة الأولى من فترة حديثة لتاريخ الإنسان أطلقوا عليها اسم كواترناري ولسنا نعرف متى بدأت هذه الفترة، ولو أن بعض العلماء قدر لها مليون سنة، إلا أننا لا نبالغ في التقدير إذا قلنا إن هذه الفترة بدأت من ٢٠٠ ألف سنة.
ولحسن حظ التاريخ الحديث أن يصنع الإنسان الأول أدواته وأسلحته من الصخر الناري، لأنه قد مكننا من معرفة التاريخ وتتبع حركاته وأدواره حتى عصر البليستوسين بتتبع الآثار التي تركها لنا في أدواته وحاجاته. وقد وجد الباحثون القواعد التي قطعت وشكلت عليها الأدوات الصخرية، بل وجدوا عظاما من بقايا من قام بصنعها. إلا انه برغم الأبحاث المتتابعة لم يوجد إلا بقايا قردين ممن سكن أوربا في فترة البريشيليان: أحدهما سمي إنسان هيدلبرج، وكل ما وجد منه فكه الأسفل. وقد وجد في اسفل واد من أودية نهر الرين القديم مع عظام متحجرة من عظام نوع من الحيوان كان عائشا في أوربا في الفترة الأولى من عصر البليستوسين، وكان معاصراً لإنسان هيدلبرج. ولقد لوحظ أن الفك خشن كبير
стр. 5505
واصلب من أي فك لأي عنصر من العناصر المعروفة؛ أما نظام أسنانه فانه يماثل تمام التماثل نظام أسنان القردة، إلا أن الأنياب الحادة البارزة في قرد الانسترويد قد انخفضت واستوت هنا مع باقي أسنان الفك عند إنسان هيدلبرج.
وأما القرد الآخر الذي كشف عنه ومر ذكره بك، فقد عرفنا عنه معلومات تزيد كثيرا عما نعرفه عن إنسان هيدلبرج، كان يسكن أوربا في عصر ما قبل الشيليان - وقد وجدت بقايا من عظامه المتحجرة في جهة بلتداون بإنجلترا، ولذلك سمى باسمها إنسان بلتداون ولنا من البراهين القوية ما يثبت ان هذه الجهة اقدم بكثير من الجهة التي وجد بها فك إنسان هيدلبرج. ولذلك فإننا نرجح ان يكون الحلقة الإنسانية التي سبقت إنسان هيدلبرج بما فيها من تطور. ويرجع فضل الكشف عن هذا الإنسان إلى الأستاذ شارلس داوسون الذي كان محاميا في ليوس ثم تفرغ لدراسة جيولوجية منطقة حيث وجد هذا الإنسان.
في عام ١٩٠٨ قبل أن يموت ذلك الأستاذ مأسوفا عليه ممن قدر قيمة شفه ممر على طريق جديد قد رصف بنوع من الصخور النارية التي لم يكن قد رآها من قبل، ولكنه كان يعرف إن هذا النوع كان يستعمله الإنسان القديم في صنع أسلحته وأدواته، ولذلك اخذ يستعلم عن مصدر ذلك الصخر حتى علم انه يستورد من منخفض في وسط مزرعة على حدود ولما كان يتردد كثيرا على هذه الجهة فانه عقد أواصر الصداقة مع عمالها، وبمساعدتهم حصل بعد سنوات قلائل على لوح سميك من العظم اشتبه في أن يكون جزءا من جمجمة إنسان قديم. ولكنه لم يتمكن من الحصول على باقي الجمجمة إلا حوالي سنة ١٩١١.
ثم قام بعد ذلك هو والسير ارثر سميث وودوارد بالحفر في هذه المنطقة، فوجدا بقايا أخرى من هيكل الرجل الذي وجدت جمجمته، ووجدا أيضاً هياكل متحجرة لحيوانات قديمة بائدة، وبقايا أدوات وأسلحة غالبها ينتسب إلى عصر ما قبل شيليان - ومنها ما يمت إلى عصر اقدم من ذلك وهو عصر
وأمكن بعد ذلك معرفة حجم الجمجمة وشكلها، وتخيل شكل لها قبل التحلل والتكسير، ثم بواسطة صب عجينه من المصيص داخلها أمكن معرفة حجم وشكل المخ الذي كان يسير سكان العالم الأول خلال صعاب الحياة. وقد لوحظ أن حجم مخ البلتداون يرتفع عن المستوى المقدر للأجناس المنحطة من العناصر الإنسانية، إلا انه من جهة أخرى يبتعد كل
стр. 5506
البعد من مميزات الجنس الحديث.
أما تلافيف المخ فقد لوحظ أن هناك شبها كبيرا بينها وبين الإنسان بعكس إنسان النياندرتال الذي يشبه مخه مخ القرد. مع أن تكوين وجه إنسان البلتدون يقربه كثيرا من القردة.
وأما نصف الفك فهو عجيب حقا، لأنه قد وجد انه وتركيب السنان فيه يمتان إلى القردة تماما، وان شكل الأنياب عنده لا يختلف عن شكلها أبداً عند صغار القردة. وهذا الفك يشبه تمام الشبه فك الشمبانزي مع انه في إنسان هيدلبرج برغم كبر حجمه كبرا غير متناسب مع الإنسان الحديث، لا يختلف في شي كثير عن فك الإنسان العادي المعروف لدينا جميعا.
وبذلك نرى أن إنسان البلتدون يصل بنا إلى درجة أو عصر لم يكن قد تغير فيه شكل رأسه أو أسنانه عن شكلها عند القردة إلا قليلا، وبمعنى آخر أن التطور والارتقاء قد حدثا عنده في المخ وقوى التفكير، قبل أن يحدث في شكله العام وعلى الأخص شكل وجهه بفكه وأسنانه.
ونحن إذا خامرنا الظن أو الشك في نشأة النوع الإنساني، وجال بنا الحدس انه قد انحدر من عنصر أولي منحط يشبه القردة إن لم يكن منها بالذات، فانه يلزمنا أو يلزم من يقول بذلك البرهنة على صحة هذا الظن أو ذاك القول.
ولذلك نظن ظنا كافيا أن نقول تدليلا على صحة ذلك أن العلماء حينما كانوا يبحثون عن اصل الإنسان الجيولوجي قد وجدوا انه في منطقة بإنجلترا كان يعيش عنصر إنساني قديم جدا جمع في جسمه وعقله صنعة الإنسان المعروف، وفي وجهه وفكه شكل القردة وصنعتها.
وربما اعترض معترض علينا في ذلك بأنه ربما كان يسكن هذه المنطقة من إنجلترا نوع منحط من الإنسان وعنصر راق من القردة أو الشمبانزي، وان الجمجمة التي بنيت عليها الأبحاث، وجاءت هذه النظرية نتيجة لها، لم تكن جمجمة قرد واحد، بل مجموعة أو خليط من جمجمة إنسان وجمجمة قرد انحلتا واختلطا بعد التحلل!.
إلا لن ذلك الاعتراض يمكن الرد عليه بقولنا إن الأجزاء التي تجمعت وتكاملت أجزاؤها مكونة جمجمة كاملة تتكامل أجزاؤها تمام التكامل، وتتفق كلها في المقاييس المقدرة لها، كما أنها من نوع قد تحجر في وقت واحد، وهذا كله لا يمكن القول بأنه وليد المصادفة، وبذا
стр. 5507
يثبت أن الجمجمة هي لفرد واحد هو إنسان البلتداون. وقد بلغ اهتمام السير ارثر سميث وودوارد بهذا العنصر الإنساني الجديد الشبيه بالقردة مبلغا كبيرا حتى انه اعتبره عنصرا إنسانياً لم يكن معروفا قبل اكتشاف بقاياه في وأطلق عليه اسم الإنسان الأول أو
يتبع
نعيم علي راغب
دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافية
стр. 5508
القصص
من الأدب التركي
المعلمة الصغيرة
ترجمة الآنسة الفاضلة (فتاة الفرات)
تتمة ما نشر في العدد الماضي
لم تكلمني حتى وصلنا إلى (سركه جي) حيث موقف الترام هناك فقالت:
هنا كنت انتظر يا سيدي، وفي كل يوم كنت اركب الترام هنا، ولا ادري كيف أخطأت في هذه الليلة وركبت الترام الذاهب عن (الجسر) لا اليه؟ ولا ادري كيف لم انتبه لذلك؟ كان السبب كما قلت يا سيدي الظلام الحالك والمطر الكثير الذي ادهشني، لو تدري يا سيدي كم انتظرت هنا تحت سيول الأمطار معرضة للهواء الذي يعصف بشدة، وكم لقيت من الانتظار، لقد ظننت أن غشاء اسود قد ستر عيني، لا اقدر أن اصف لك اضطرابي حينما علمت منك أنها آخر عربة تسير في الليل، آه لقد تأخرت كثيرا. - لقد كانت كأنها في حمية عن الكلام ثم تركتها فذهبت فيه مذهبا بعيدا وقالت:
- غريب جدا أن المصادفات في بعض الأحيان تظهر للمرء عجائبها وغرائبها كأنها تسخر منه، لقد فاتني القطار أيضا في (مقرى كوى) لذلك تأخرت حتى ذلك الوقت لأني انتظرت هناك طويلا، ولم يكن يخطر لي على بال أنى هنا سأركب في آخر عربة تسير في الليل وفي غير الجهة التي اقصدها.
فسألتها:
- إذن أنت آتية من مقرى كوي؟
أخذت الكلفة ترتفع بيننا شيئا فشيئا لان وجودي بجانبها طول المسافة التي قطعناها أظهرها على حسن نيتي وجعل لي في قلب هذه الفتاة الشابة موقعا حسنا فأجابتني على سؤالي جواباً طويلا مفصلا، قالت:
اجل يا سيدي إني اذهب مرتين في الأسبوع إلى (مقرى كوي) لإعطاء درس خصوصي هناك لإحدى السيدات، اه يا سيدي! إن حياتي شقية جدا، محتم علي أن اشتغل من الصباح
стр. 5509
حتى المساء في جميع أنحاء هذا البلد الكبير، تصور المسافات التي اقطعها كل يوم: ذهبت اليوم صباحا إلى (طرابية) وعدت منها إلى (مقرى كوي) وأنت تعلم تباعد هذه المسافات وتنائي بعضها عن بعض. على هذه الصورة يجب أن اشتغل في أربعة أطراف البلد؛ فإذا كان الصيف احتملت كل ذلك، لان النهار طويل أتمكن فيه من تأدية دروسي من غير كبير مشقة ولا عناء، أما في الشتاء فالمشقة فوق الطاقة وخاصة في مثل هذه الأيام عند شدة النوء وكلب الشتاء، لقد غلبني اليوم البكاء اكثر من مرة، ولا أتذكر أني تأخرت مثل هذه الليلة، وما الذي أقوله الآن في البيت لوالدي؟
وهنا انقطعت عن الكلام ولم تجسر على إتمام جملتها، لأنها فجأة شعرت بخجل من سردها تاريخ حياتها، ولما لم تجد في نفسها القوة على إتمام كلامها غيرت مجرى الكلام وقالت وهي تنفض ذراعها المبتلة من المطر.
- لقد ابتلت ثيابي.
فقلت لها:
- إن مظلتك صغيرة فاطويها وخذي مظلتي فهي تحفظك من المطر.
ولكنها لم تقبل وقالت:
- أشكرك يا سيدي! لا أود أن تبتل ثيابك اكثر مما ابتلت، ألا يكفي ما تحملت حتى الآن من اجلي؟
أردت أن أعود بها إلى الحديث عن حياتها فقلت لها.
- إذن لك والد فقط يا آنسة؟
- نعم يا سيدي. ثم قالت:
- أضننا قد بلغنا الجسر؟
وسكتت كأنها لا تريد أن تبحث عن شيء أبدا، ولكنها لم تتمكن من ذلك لأنها كانت في حاجة إلى أن تتكلم عن نفسها وان تحدثني عن حياتها، اجل! بحاجة شديدة إلى ذلك، فقالت:
- فقدت والدتي منذ سنتين، ومنذ ذلك الوقت اضطررت إلى العمل الكثير. كانت والدتي في حياتها هي التي تشتغل لنا، فلما ماتت ورثت تلك الوظيفة عنها وانتقلت إلى بمرارتها والمها.
стр. 5510
هل لك والدة يا سيدي؟
فأشرت لها برأسي أن نعم، على أنها ما كانت تنتظر مني جواباً، لأن سؤالها هذاكان مقدمة لما تريد أن تحدثني به فقالت:
- إن اكبر تغيير يطرأ على حياة المرء يبتدي من تاريخ وفاة امه، لقد كنت حتى وفاتها اجهل الحياة وما فيها، كنت في مدرسة داخلية لا اعرف من الحياة إلا قدر ما يقع عليه نظري بين جدرانها السامقة، لا اعرف شيئا ولا اعرف أحدا ابدا، فلما توفيت والدتي واضطررت إلى ترك المدرسة والبقاء في البيت علمت أنني اجهل كل شي حتى أبى، أما الآن فقد عرفت الحياة جيدا، واختبرت أبناء آدم ظواهرهم وبواطنهم. لقد علمت كل ذلك، ولم يكد يمضي على دخولي في معترك الحياة اكثر من شهر. ولكن من المؤلم جدا أن يقف المرء على تلك الحقائق دفعة واحدة لان أعصابه تتزلزل بتلك الصدمة. لقد وصلنا إلى (الجسر) يا سيدي. أشكرك شكرا جزيلا، وهذه عربة هنا تقلني إلى البيت.
وهنا تهيأت لوداعي، ولكني رأيت أن المصادفات قد وقفتني على قصة حياة مؤلمة، فكنت أفكر في وسيلة أمد بها مرافقة تلك الفتاة حتى البيت، فقلت لها.
كلا أيتها الآنسة، إني سأرافقك حتى الجانب الآخر من (الجسر) لأني عدلت عن الرجوع إلى بيتي في مثل هذه الساعة وسأبيت بفندق هناك، فلم تعارضني بل اكتفت بتلك الإيضاحات وسرنا نقطع (الجسر) ونحن ساكتان.
كنا نمشي معا على أحد جانبي الطريق، وكنا نلاقي مشقة شديدة في إمساك مظلتينا بسبب ذلك الهواء الشديد البليل الذي كان يعصف من أحد جانبينا فيبلل ذلك الجانب. وفي تلك الأثناء أدارت نظرها فيما حولها وقالت:
- نعم إن بقاء الفتاة الشابة كل حياتها محرومة من عطف الوالدة وحنانها مصيبة ليست تضارعها مصيبة.
ثم استأنفت كلامها فقالت:
هل تدري يا سيدي ما الذي يقلق فكري اكثر من كل شي بعد هذا التأخر؟
كانت مضطربة تماما واضطرابها يزداد شيئا فشيئا، كانت تشعر أنها في حاجة إلى أن تقص على الرجل الذي لا تعرفه ولا يعرفها الناحية التي خفيت من نواحي حياتها.
стр. 5511
فسألها بسكون قائلا:
- ما هو أيتها الآنسة ذلك الذي يقلقك؟
قالت والدي!. ثم سكتت قليلا ثم قالت:
- أراني لا اقدر أن اصف لك والدي وصفا دقيقا، لا ادري كيف تنظر إلى فتاة تشكو إليك من والدها لأول مرة رأيتها فيها، ولكنك بمرافقتك لي حتى هذا المكان اثبت لي طيبة قلبك وصفاء نيتك، وانك بحسن تلك النية وبصفاء ذلك القلب ستدرك سلامة الأسباب التي ساقتني إلى تلك الشكاية، أليس كذلك يا سيدي؟.
كان الهواء يعصف بشدة، فلم نقدر أن نضبط مظلتينا ونقاوم الهواء الشديد فأغلقناهما وأخذنا نمشي غير مبالين بالمطر القليل الذي ينزل، بل خففنا السير لندرك وقتا كافيا للتكلم معا، وقد اقترب كلانا من الاخر، وكنا نسير متلاصقين بقلبينا وجسمينا كأننا قد تعارفنا منذ سنين لا منذ دقائق.
كانت هي في حاجة إلى أن تشكو إلى همومها، اجل! كانت في حاجة شديدة جدا إلى أن تنشر كل ما خفي من نواحي حياتها، وتبسطه أمام ذلك الرجل الذي ربما كان اجتماعها به مصادفة واتفاقا أول اجتماع وآخره، فقالت.
- اعلم يا سيدي أنى الليلة ككل ليلة ساجد والدي سكران طافحا، وحينما يراني يستقبلني بكلمات الشتم والتحقير، وفي بعض الأحيان. . . ولم تتم جملتها كأنها رأت أنها قد اعترفت لي بأكثر مما يجب، لذلك قطعت كلامها بسرعة وأتمت جملتها التي شرعت فيها بصورة أخرى، فقالت:
- لا أذكر أن والدي عمل يوما ما عملا مثمرا يعود عليه وعلينا بربح؛ كان في شبابه صاحب مقهى صغير في (بك اوغلى)، وكان يأتي بمغنيات في الشتاء إلى قهوته، وكانت والدتي إحدى أولئك المغنيات، اشتغلت عنده ثم تزوجها، وقد علمت هذه التفصيلات واحدة بعد أخرى مصادفة واتفاقا، ولا ادري كيف تم الاتفاق بين أبى وامي على الزواج الذي كنت ثمرته، ولكن ظهوري في الحياة كان سببا لأمراض كثيرة أصابت والدتي ومصائب أخرى اضطرتها إلى ترك العمل وأرغمت والدي على ترك المقهى. كانت والدتي موسيقية بارعة، فبعد أن تركت المسرح صارت معلمة تعطي النساء دروسا في الموسيقى؛ وأنا
стр. 5512
اعرف والدتي وهي معلمة فقط، لم تكن تملك دقيقة من دقائق حياتها، بل كلها كانت رهن التعب والشقاء والتعليم والكدح في سبيل القوت، حتى اضطرت إلى وضعي في مدرسة داخلية، اخرج منها في الأسبوع مرة إلى البيت، أقول (البيت) وأنت تدرك بثاقب فكرك ما هو هذا البيت. كنا نسكن في غرفتين في الطابق الرابع من بناء كبير عال. كنت إذا جئتهما في يوم عطلة أو في يوم جمعة وجدتهما بعيدين عن الحياة العائلية كل البعد، فاهرب منهما إلى المدرسة. وكيف يكون البيت إذا كان لا يطبخ فيه الطعام، ولا تغسل فيه ثياب، ولا يعمل فيه شي مما يعمل في البيوت؟ كانت والدتي تشتغل بلا انقطاع لتحصيل القوت، وكان والدي بلا انقطاع يشرب الخمر، فهذان المخلوقان وان كانا متقاربين جسما يعيشان تحت سقف واحد، فقد كانا متباعدين كل البعد معني، وكنت أنا في سرور لأنني بعيدة عنهما، حتى أنى لم اكن أجد لهما في قلبي مكانا. استدعتني يوما مديرة المدرسة إليها وأخبرتني بوفاة والدتي ثم قالت: (ان المرء تصيبه في حياته مصائب جمة، فيجب أن يتلقاها بكل ثبات وصبر)، لم أجد في ذلك الوقت وفاة والدتي مصيبة كبيرة كما قالت المديرة، ولكني أصبحت احب والدتي بعد وفاتها، آه لو تعلم كم احبها الآن. . . . كم احبها!
سكتت هنا قليلا، وقد شعرت أن صدرها يعلو وينخفض من حسرة كامنة في أعماق قلبها، ثم قالت:
- منذ ذاك الوقت أصبحت الحياة على أضيق من سم الخياط. أخرجني والدي من المدرسة، واخذ يسوقني من مكان إلى مكان. اجل! اخذ يسوق فتاة في السادسة عشر من عمرها، لا تعرف من الحياة إلا ما رأته من نافذة المدرسة، إلى الأماكن التي كانت والدتها تعطي دروسا فيها لتقوم مقام أمها في تحصيل اللقمة! منذ ذاك الحين انتقلت إلى وظيفة السعي وراء كسب القوت. وأنا الآن أسعى بكل قواي وأعطي دروسا، وكل يوم اقطع مسافات شاسعة متعبة، فمن (طرابية) إلى (مغري كوي)، ومن (اسكدار) إلى (بك اوغلي)، ولكني لا ادري لماذا اشتغل هذا الشغل؟ ولماذا اسعي كل هذا السعي؟. . انهم يقولون لي (اشتغلي) وأنا اصدع بالأمر!. .
كنا على وشك الوصول إلى آخر (الجسر) فتراءت لنا أضواء (غلطة)، فرأيت من الواجب أن أقول لتلك الفتاة المسكينة كلمتين اسليها بهما، فقلت لها:
стр. 5513
- لا تجزعي يا انسة، اصبري وتجلدي، فالصبر أقوى من يعتمد عليه المرء في طريق الحياة. فهزت رأسها الصغير وقالت:
- الصبر يا سيدي؟ إن الإنسان أوجد لنفسه كلمات خداعه يخدع نفسه بها ليتحمل مصائب الحياة. وازداد اضطرابها فقالت:
هل تعلم يا سيدي ماذا ينتظرني في البيت بعد كل هذه الأتعاب وهذه المشقات من الصباح حتى هذا الوقت المتأخر من الليل؟ إن والدي في مثل هذه الساعة يعود من الحانة يرسم في مشيته لام الف، فإذا دخل المنزل جلس في غرفته يتم ما فاته في الحانة انتظارا لي، وهو قد جعل لنفسه في البيت حانة صغيرة، فغرفته مملوءة بالزجاجات الفارغة والأقداح المكسورة والصحون القذرة، لو رأيت كل ذلك لدهشت، كثيرا ما سعيت لتكون غرفته نظيفة ولكني لم افلح، فعدلت عن ذلك الآن وصرفت همتي إلى ترتيب غرفتي الخاصة وتنظيفها، لله تلك الغرفة الصغيرة! انه صغيرة إلا أنني أجد فيها راحة كبيرة، انزوي فيها بعد عودتي من العمل ليلا وبعد أن اخذ قسطي من كلمات التحقير والشتم التي يستقبلني بها أبى إرضاء لنفسه وكسرا لحدته، هناك في غرفتي فقط افهم معنى الراحة وأفسح المجال لدموع عيني أن تسيل فأجد السعادة في ذلك البكاء، اغسل به قسما مما تراكم على قلبي من الهم والبؤس.
تقول المسكينة (فأجد السعادة)، حتى هذه الفتاة البائسة ترى أن في البكاء سعادة، وفي هذه اللحظة لو لم اخش أن ترتاب بي لأمسكت يدها وشددت عليها بكل قوتي مظهرا ما في قلبي من الرحمة لها والإشفاق عليها.
فقالت بعد صمت قصير:
- أنا على يقين أنني هذه الليلة لن اقدر على تهدئته، آه ليت شعري ما الذي سيكون لي منه؟
فقلت لها:
- ولكنك أيتها الآنسة تشتغلين لأجل والدك، أفلا يدرك تلك الحقيقة فيشكرك عليها؟
وقفت عن السير في الحال ورفعت وجهها إلى ونظرت في وجهي ولم تقل شيئا، إلا أنني أدركت في الحال مغزى نظرتها هذه وما تقصده منها، كانت تريد أن تقول بها لمخاطبها
стр. 5514
الذي يدعي انه خبير بالحياة (أنت غر قليل التجربة) ثم خطر ببالي خاطر فجائي فقلت لها:
- أيتها الآنسة: إذا كانت مرافقتي لك حتى البيت وإعطائي الإيضاحات اللازمة لوالدك يفيدانك شيئا فاسمحي لي أن أرافقك حتى منزلك. فرددت قليلا ثم فكرت مليا وقالت - واكثر ظنها أن ذهابي معها سيخلصها من تحقير أبيها ويقلل من حدته -: - نعم يا سيدي اقبل لطفك هذا.
ثم أضافت إلى جملتها هذه قائلة:
- لقد اثر البرد في جسمك فهل لك في قدح من الشاي أقدمه إليك إذا انتهينا إلى البيت؟
ارتفعت الكلفة بيننا وأصبحنا صديقين. كنا في ذلك الحين نتجه نحو (غلطه قوله سي) فقالت:
أتراني لو لم تكن معي كنت اجسر على المرور وحدي من هذه الاماكن؟ ثم وقفت فجأة أمام دار كبيرة وقالت (هنا)
دخلنا إلى صحن الدار المفروش بأحجار المرمر ثم أخذنا نصعد الدرج الحلزوني، لا ادري كم صعدنا، ولكني شعرت بدوار في رأسي وضعفت رجلاي عن حملي لأننا كلما انتهينا من طابق وقفنا قليلا نستعيد قوانا للصعود إلى الطابق الذي فوقه. وقفت أخيرا وأنا أتتنفس بقوة، فقالت ضاحكة: لم يبقى درج نصعده!
فدخلنا في دهليز صغير فيه ضوء ضئيل ووقفنا أمام باب، فنظرت إلى وجهي ولم تجسر أن تطرق الباب فطرقته بظهر يدي فلم يجبني أحد؛ طرقته مرة ثانية فسمعت صوتا يشبه صوت حيوان وحشي، ثم سمعت وقع أقدام تخطو رويدا رويدا خطوات غير منتظمة، وشعرت باقتراب أنفاسه منا، وأخيراً فتح لنا الباب وعاد من غير أن ينظر إلى ما ورائه وفي قلبه من الغضب والسخط عواطف يخشى بأسها.
دخلنا في ممر ضيق ووقفنا أمام غرفتين متقابلتين إحداهما مفتوحة فدخلناها وعلمنا أن الرجل لم يتبين أننا شخصان إلا بعد دخولنا غرفته، فنظر إلي متحيرا بعينيه المحمرتين من تأثير الكحول فقلت له: إن ابنتك اليوم قد وقعت في خطأ.
كان عند كل كلمة القيها عليه في شرح موقف الفتاة وحالها ترتسم على وجهه المغطى بسحابه من البلاهة منشأها ذلك الإدمان ابتسامة خفيفة وترتخي أعصابه وتنحل
стр. 5515
كنت وأنا اسرد له القصة، انظر إلى تلك السحنة البلهاء تارة، والى غرفته أخرى. كان غائر العينين بارز عظام الخدين قد رجل شعره بدهن اللوز ليلمع، وعلى وجهه مسحة شباب ميت قد أقامت ذلك الهرم المتصابي بقوة العلاج الذي كان يستعمله.
وكانت الغرفة قذرة ما تحويه هذه الكلمة من معنى، وكان كل ما فيها عبارة عن كراسي عتيقة مكسرة، ومنضدة صغيرة كمناضد المقاهي عليها مشمع اسود اللون، وزجاجات خمر ونبيذ فارغات، وصحون قذرة، ومصباح قد طار من زجاجة قطعة فجعل مكانها ورقة سيجارة وينشر ضياء ضئيلا كأنه أنين باك موجع، وفيها فراش إن صح أن يسمي مثله فراشا، حولت نظري المتألم عن كل هذه الأشياء وقلت له:
- لقد جئت بالآنسة إلى هنا وهاأنذا أسلمها إليك.
فلما سمع مني تلك الكلمة ظهر ما لم يكن في الحسبان: ذلك أن والد تلك الفتاة المسكينة السكير البغيض الذي أبتدأ حياته أجيرا في أماكن الريب في (غلطه) أمضى قسما منهما في مرقص أنشأه بنفسه، تقدم مني مشيرا إلى فتاته الطاهرة التي كانت تنتظر النتيجة، وقد تجلت عليه تماما إمارات البلة وقال:
- لقد ظهرت الحقيقة أيها السيد. . .
- ثم اقترب مني وقال وهو ينظر إلى نظرة مرتاب:
- يظهر أن الآنسة قد وقعت من نفسك. . .
فأدركت سوء نية ذلك الرجل. كم كانت يدي في تلك الدقيقة تود أن تصفع ذلك السكير! حولت نظري إلى ابنته فوجدت وجهها قد علاه الاحمرار، لأنها أدركت غاية والدها.
لله أنت أيتها المعلمة الصغيرة! أيتها المخلوقة التي تشتغلين من الصباح حتى المساء لإشباعوالدك، هل أنت حقا ابنة ذلك الرجل؟!
حولت وجهها عني فلم اشك أنها في تلك الدقيقة كانت تود لألمها من تلك المهانة التي لحقها في عصمتها وعفتها، والجرح الذي أصابها في كرامتها، أن تهرب من بين يدي وتذهب إلى حيث لا أراها فتبكي. . . وتبكي. . .
لم اجبه بشي ما، إن الرجل كان لا يزال ينظر إلى نظرة المرتاب، فأدركت أن من الواجب البعد عن ذلك المكان. وكأنه أدرك ما دار في خلدي، فعرض علي مستهزئا كأسا من
стр. 5516
(الكونياك) فقلت:
- شكرا. ليس لدي من الوقت ما يتسع لذلك.
وسرت نحو الباب، فظهرت من الفتاة حركة تدل على أنها تود أن تخرج معي حتى الباب تودعني. لكنها لم تجسر على ذلك في بادئ الأمر، ثم أقدمت عليه وسارت ورائي. بقى والدها في غرفته يضحك ضحكا عاليا كأنه يعلن به ما قاله أولا: (يظهر أن الآنسة وقعت من نفسك!!)
تبعتني الفتاة حتى باب الدار وقلت بصوت وتخنقه العبرات:
- سيدي. . .
ثم اضطربت ولم تستطع أن تتم جملتها.
حينذاك أخذت يدها وهي في القفاز بكلتا يدي، وشددت عليها مظهرا ألمي على تلك الزهرة الناضرة التي نبتت في ذلك المكان الملوث، وحكم عليها أن تعيش فيه عيشة حقارة ومهانة وقلت لها:
- أيتها الآنسة: اكرر لك جملتي السابقة وأقول. إن الصبر أقوى ما يعتمد عليه المرء في طريق الحياة. لا أظن أننا نلتقي مرة أخرى، ولكن كوني على ثقة أنني دائما سأتمنى لك من صميم قلبي السعادة والهناء.
فانحدرت من عينيهادمعتان كبيرتان وسالتا على خديها ثم استقرتا على صدرها، أعلنت بهما شكرها لي.
ففررت من ذلك المحل، وكنت وأنا انزل الدرج أقول في نفسي:
(لقد وعدتها أن أتمنى لها دائما السعادة، ولكن أين منها السعادة؟!).
لعمري لو رايتها حين يبدي الربيع نواره، وينثر على بسط الزبرجد أزهاره، على عربة من تلك العربات الضخمة، التي يركبها صائدات القلوب وسالبات الجيوب وهي متجهة نحو (شيشلي) حيث تموت الفضيلة، وتحيا الرذيلة، تسلم على أحبابها بابتسامات غريبة وإشارات مريبة، لم اعجب لذلك بعد الذي رأيت من حالها مع أبيها.
ما أتعس تلك الفتاة الصغيرة! إنها بين شقاء ين: شقاء الحاضر بابيها المختبل، وشقاء المستقبل بشرفها المبتذل.
стр. 5517
نزيلة بعلبك
فتاة الفرات
стр. 5518
العدد ٦٦ - بتاريخ: ٠٨ - ١٠ - ١٩٣٤
стр. 5519
نهضتنا الاقتصادية
بمناسبة النمو العجيب في شركة مصر للغزل والنسيج
نهضتنا الاقتصادية هي وحدها الدليل الناهض على نضوج شعبنا المظلوم. لأنها نَسقَ من الضرورة والقدرة على النظام والثقة قائم بذاته لا يقوم على الهوى، ولا ينتظم على الطيش، ولا يصبر على الفساد، ولا يتقدم على العجز، ولا يبلغ شيئاً وراء الزعامة الرخوة. فبينما نجد النهضة السياسية تنتكس فترجع إلى الموت، والحالة الأخلاقية تنحل فتعود إلى المهانة، والحركة الأدبية تضطرب فتنقلب إلى الفوضى، وحمية الشباب تنكسر فترتد إلى الفتور، نجد هذا الركن القوي الذي يقوم على بنك مصر وشركاته يثبت أصله في الأرض، ويسمو فروعه في السماء، ويمسك هذا الوطن المنكود في مهب الأزمات ومضطرب الكوارث. واطراد النجاح في هذا العمل الشعبي الخالص مبعثه إخلاص القادة، وثقة الأمة، وضمان من الله يسميه الدين إيمانا، والخلق ثباتاً، والعلم كفاية، ونسميه نحن: طلعت حرب.
إن هذا اللحن الذي يتألف من صريف الأموال المصرية في (البنك)، وهدير البواخر المصرية في البحر، وأزيز الطوائر المصرية في الجو، ودوي المصانع المصرية في (المحلة)، لهو النشيد القومي القوي الذي يعلن استقلال البلاد، ويملأ مسامع الأجانب، وينبه مطامع الشعوب إلى أن هنا أمة حية لها ماض تستهديه، ووطن تستغله، وغرض تسعى إليه؛ وأن هذا التوسع المطمئن الحازم في شركة مصر للغزل والنسج في الوقت الذي تُتَّهم فيه كفاية البلد، وتطير الشائعات السود في جو السياسة، تصحيح للإفهام الأجنبية التي تحاول استنتاج الحقيقة المصرية من أخطاء جماعة.
كان نجاح شركات (بنك مصر) نجاحاً حقيقياً طبيعياً يطَّرد اطراد الزمن من غير بطئ ولا طفرة. ولكن نجاح هذه الشركة - شركة مصر للغزل والنسج - وهي كأخواتها مصرية الرجال والأموال والعمال والمادة، جاوز حدود الظن، وفات معاقد الأمل؛ فقد أنشئت منذ ثلاث سنوات وعدد أنوالها ٤٤٨ نولاً فأصبح اليوم أربعة آلاف، وعدد مغازلها اثنا عشر ألف مغزل فبلغ هذا العام خمسين ألفاً، وعدد عمالها ستة آلاف فأصبح مع هذا التوسع ثمانية عشر ألفاً، وكانت مصانعها تنشأ بادئ الأمر على قدر الحاجة، فبسطها النجاح السريع، والفرص المواتية، والإدارة الرشيدة، حتى بلغت مساحة الأرض التي تقوم عليها اليوم مائة فدان؛ وكان عملها مقصوراً على غزل القطن المصري ونسجه، فصنعت الآن
стр. 5520
(الدوبارة، والفانلات، والجوارب، وبكر الخيط، والقطن الطبي). فأصبحت بهذا النمو العجيب في هذا الوقت القريب من أكبر المصانع العالمية.
عمل جسيم من أعمال الإدارة والفن، غزت به هذه الشركة ميادين الاقتصاد في البلاد، وفتحت الطرق الموصدة أمام الرءوس المصرية، والأيدي المصرية، لتفكر بنفسها، وتعمل لنفسها، وتنسج من القطن المصري الجميل، مجد الكنانة واستقلال النيل.
هذه هي الوطنية المثمرة بوسيلتها وغايتها. فأما ثمرة وسيلتها فتوظيف الأموال المصرية في أضمن مكان وأرج مورد، وتخفيف العطلة باستخدام هذا الجيش الكثيف من العمال وما يتبعه من مرشدين ومهندسين وكتبة، واستهلاك مقدار من القطن المصري قد يربو على خمسمائة ألف قنطار، ثم نشر الثقافة الآلية الحديثة في هذه الصناعة بمن ترسله من البعوث إلى أوربا، ومن تدربه من الأحداث في المصانع. وأما ثمرة غايتها فدفع هذا الاحتلال الاقتصادي الذي أفقر البلاد وأذل الشعب، وحبس أموالنا في بلادنا حتى لا تخرج ذهباً من أيدينا لترجع حديداً في أرجلنا، وإنماء العزة القومية بشعور المصري انه يلبس من زرعه ومن صنعه، وترفيه الحياة المصرية بكثرة الإنتاج ووفرة المكسب وتوزيع الثروة، ثم تمكين النفوذ المصري في الأسواق الشرقية والأقطار العربية، وذلك مجد ورثناه ثم حرمناه منذ طويل.
قَدَرت الأمة الرشيدة غاية هذه الشركة، وعقد آمالها بمستقبلها، وأخلدت بثقتها إلى رجالها، فلم تضن عليها بالعطف والمساهمة. وآية ذلك أنها أصدرت منذ ثلاثة شهور ١٧٥٠٠ سند بثلاثمائة وخمسين ألف جنيه بفائدة ٥ % فبينت كلها على رغم هذه الأزمة! وهاهي ذي تريد اليوم أن تطرح للاكتتاب العام خمسة وسبعين ألف سهم اقتضاها نمو المشروع، واتساع العمل، والتقدير الدقيق لحاجة البلاد، وضرورة التصدير، وضمان المستقبل. ولا ريب أن الأمة التي تئن أنين الأسير المُعاني من الاحتلال والاستغلال والامتيازات، لا تني عن تعضيد هذه الشركة وأخواتها بالأموال والآمال. بعد ما علمت بدلائل التجربة وشواهد الواقع أنها أنجح الوسائل وأقصر الطرق لإدراك الاستقلال الصحيح.
стр. 5521
أرملة حكومة. . .
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
(أرملة الحكومة) فيما تواضعنا علينا بيننا وبين قرائنا هو الرجل العَزَب، يكون مُطِيقاً للزواج قادراً عليه ولا يتزوج؛ بل يركب رأسه في الحياة، ويذهب يُمَوِّهُ على نفسه كذبا وتدليساً، وينتحل لها المعاذيرَ الواهية، ويَمْتَلِق العللَ الباطلة، يحاول أن يُلْحق نفسه بمرتبة الرجل المتزوج من حيث يَحُطُّ الرجلَ المتزوجَ إلى مرتبته هو؛ ويضيف شؤَمه على النساء إلى هؤلاء النساء المسكينات، يزيدهن على نفسه شرَّ نفسه؛ ويرميهنّ بالسوء وهو السوءُ عليهن، ويَتَنَقَّصهُنّ ومنه جاء النقص، ويَعِيبهُنّ وهو أكبر العيب؛ لا يتذكر إلا الذي له، ولا يتناسى إلا الذي عليه، كأنما انقلبت أوضاع الدنيا، وتبدلت رسومُ الحياة، فزالت الرجولة بتبعاتها عن الرجل إلى المرأة، وانفصلت الأنوثة بحقوقها، فوجب أن تَحمل تلك ما كان يحمل هذا، فتُقْدِمَ ويَقَرَّ وادعاً، وتتعتب ويستريح، وتعاني الهمومَ السامية في الحياة الاجتماعية، ويعانَى المخنَّثُ ابتساماِته ودموَعه، متّكئا ًفي مجلسه النّسيميّ تحتَ جناح المِرْوحة. . . فأما المرأة فتشرِف على هَلَكَتِها، وتخاِطرُ بحاضرها ومستقبلها، وأما هو فيبقى من ثيابه في مثل الخِدْر الَمصُوِن. . .!
(أرملة الحكومة) هو ذلك الشاب الزائف المُبهْرَج، يُحْسبُ في الرجال كذبا وزوراً، إذ لا تكمل الرجولةُ بتكوينها حتى تكمل بمعاني تكوينها، وأخصّ هذه المعاني إنشاءُ الأسرة والقيامُ عليها، أيْ مغامرةُ الرجال في زمنه الاجتماعيّ ووجودِه القوميّ، فلا يعيش غريباً وهو معدود فيه؛ ولا طُفَيْليّا فيه وهو كالمنفيَّ منه، ولا يكونَ مَظْهراً لقوة الجنس القوي هاربةً هروب الجبن من حَمْل ضَعف الجنس الآخر المحتمي بها، ولا لمروءة العشير مُتَبرِّئةً تَبَرُّؤَ النذالة من مؤازرة العشير الآخر المحتاج إليها؛ ولا يرضى لنفسه أن يكون هو والذل يعملان في نساء أمته عملاً واحداً، وأن يصبح هو والكساد لا يأتي منهما إلا اثُرٌ متشابه، وأن يبيت هو والفناء في ظلمةٍ واحدة كظلمات القبر، تنتقل الأجداثَ إلى الدور، فتجعل البيت الذي كان يقتضيه الوطنُ أن يكون فيه أبٌ وأمٌ وأطفال - بيتاً خاوياً كأنما ثكل الأم والأطفال، وبقيت فيه البقية من هذا الرجلِ العَزَبِ الميت أكثرُ تاريخه. . .!
لقد رأيت بعينيّ أداةَ العزب وأثاثه المبعثر في بيته، كأنما يقصّ عليه كلُّ ذلك قصةّ شؤمه
стр. 5522
ووحدته، وكأنما يقول له الفَرْش والنَّجْدُ والطراز: (بعني يا رجل وردَّني إلى السوق؛ فأني هنالك أطمع أن يكون مصيري إلى أب وأم وأولاد، أجدُ بهم فرحةَ وجودي، وأصيب من معاشرتهم بعض ثوابي، وأبلى تحت أيديهم وأرجلهم فأكون قد عملت عملاً إنسانياً. أما عندك فأنت خشبة مع الخشب، وأنتِ خِرقة بين الخِرق. واسمع الكرسّي إنه يقول: أفّ. وأصغِ إلى فراشك انه يقول: تفّ. . .)
شهد العزبُ وربِّ الكعبة على نفسه أنه مُبْتَلىً بالعافية، مستعبدٌ بالحرية، مجنون بالعقل، مغلوب بالقوة، شقي بالسعادة. وشهدتْ الحياة عليه ورب البيت أنه في الرجولة قاطع طريق يقطع تاريخها ولا يؤِّمنُه، ويسرق لذاتها، ولا يكسبها، ويخرج على شَرْعِها ولا يدخل فيه، ويعصي واجباتها ولا ينقاد لها. وشهد الوطن - والله - عليه أنه مخلوق فارغ كالواغل على الدنيا؛ إن كان نعمةً بصلاحه، انتهتْ النعمةُ في نفسها لا تمتد؛ وأن كان بفساده مصيبةً امتدتْ في غيرها لا تنقطع. وأنه شحّاذ الحياة أحسن به الأجداد نسلاً باقياً، ولا يُحْسن هو بنسل يبقى، وأنه في بلاده كالأجنبي، مهبطة على منفعةٍ وعيشٍ لا غيرِهما، ثم يموت وجوُد الأجنبي بالنَّقْلةِ إلى وطنه، ويموت وجودُ العزب بالانتقال إلى ربه، فيستويان جميعاً في انقطاع الأثر الوطنيّ، ويتفقان جميعاً في انتهاب الحياة الوطنية، وأن كليهما خرج من الوطن أبْتر لا عَقِب له، ويذهبان معاً في لحج النسيان: أحدهما على باخرة، والآخر على النعش!
جاءني بالأمس (أرملة حكومة) وهو مهندس موظف. ومعنى الهندسة الدقة البالغة في الرقْم والخط والنقطة وما احتمل التدقيق؛ ثم الحذُر البالغ أن يختلّ شيء أو ينحرف، أو يتقاصر أو يطول، أو يزيد أو ينقص، أو يدخله السهو، أو يقع فيه الخطأ؛ إذ كان الحاضر في العمل الهندسيّ وإنما هو للعاقبة، وكان الخيال للحقيقة؛ وكان اُلخرْق هنا لا يقبل الرُّقعة. ومتى فَصلت الأرقام الهندسية من الورق إلى البناء مات الجمع والطرق والضرب والقسمة، ورجع الحساب حينئذ وهو حساب عقل المهندس؛ فأما عقل دقيق منتظم، أو عقل مأفون مختلّ.
بَيّد أن المهندس - على ما ظهر لي - قد خَلَتْ حياته من الهندسة. . . وانتهى فيها من التحريف المضحك - حتى فيما لا يخطئ الصغار فيه - إلى مثل التحريف الذي قالوا إنه
стр. 5523
وقع في الآية الكريمة (إياك نعبد وإياك نستعين). فقد رَوَوا أن إمام قرية من القرى في الزمن القديم كان يخطب أهل قريته ويصلي بهم في مسجدها، فنزل به ضيف من العلماء فقال له الخطيب: إن لي مسائل في الدين لم يتوجّه لي وجهُ الحق فيها، ولا أزال متحّير الرأي، وكنت من زمن أتمنى أن ألقى بها الأئمة فأريد أن أسألك عنها. قال العالم: سَلْ ما أحببت.
قال الخطيب: أشْكَلَ عليَّ في القرآن بعضُ مواضع، منها في سورة الحمد (إياك نعبد وإياك). . . أيّ شيء بعده. (تسعين، أو سبعين). . .؟ أشكَلَتْ عليَّ هذه فأنا أقرأها: تسعين. أخذاً بالاحتياط. . .!
كذلك مهندسنا فيما أشكل عليه من حسابه للحياة، فهو عَزَب أخذاً بالاحتياط. قال وهو يحاورني: -
كيف تُكَلّفني الزواج وتُكرِهني عليه، وتَعنِّفني على العزوبة وتعيبني بها؛ وإنما أنت كالذي يقول: دع الممكن وخذ المستحيل. إن استحالة الزواج هي جعلتْني عَزَباً، والعزوبة هي جعلتني فاسداً، وفي هذا الجو الفاسد من حياة الشباب إما أن تكسد الفتاة، وإما أن تتصل بها العَدْوَى. والعزب لا يأبى أن يقال فيه إنه للنساء طاعون أحمر أو هواء أصفر، فهو والله مع ذلك موت أسود وبلاء أزرق.
قلت: لقد هوَّلت عليّ؛ فما مستحيُلك ياهذا، ولِمَ استحال عليك ما أمكن غيرَك، وكيف بلغت مصر خمسة عشر مليوناً؟ أمِنْ غير آباء خُلِقوا، أم زُرِعوا زرعاً في أرض الحكومة؟ أسمع - ويحك - ألا يكون الرجال قد أقبلوا وتراجَعْت، وتجلدوا وتوَّجعْت، أو أقْدَموا وخنسْت، واسترجلوا وتأنَّثْت؟
قال: ليس شيء من هذا.
قلت: فان المسألة هي كيف ترى الفكرة، لا الفكرةُ نفسها، فما حملك على العزوبة وأنت موظف وظيفتك كذا وكذا ديناراً، وأنت مهندس يصدق عليك ما قالوه في الرجل المجدود: لو عَمِد إلى حَجرٍ لانفلق له عن رزق.
قال: أليس مستحيلاً ثُمّ مستحيلاً أن يجمع مثِلي يده على مائة جنيه يدفعها مهراً؛ وما طرقت - علم الله - بابا إلا استقبلوني بما معناه: هل أنت معجزة مالية، هل أنت مائة جنيه؟
стр. 5524
قلت: فان عملك في الحكومة يُغِلّ عليك في السنة مائة وثمانين ديناراً فِلمَ لا تعيش سنة واحدة بثمانين فتقع المعجزة؟
قال: (بكل أسف) لا يستطيع الرجل العزب أن يدخر أبداً؛ فهو في كل شيء مبدَّد ضائع متفرق.
قلت: فهذه شهادتك على نفسك بالسفه والخرق والتبذير؛ تنفق ما يكفي عدداً وتضيق بواحدة، وماذا يرتئي مثلك في الحياة؟ أعند نفسه وفي يقينه أن يتأبّد فيبقى عزباً فهو ينفق ما جمع في شهوات حياته، ويتوّسع فيها ضروباً وألواناً، ليكون وهو فرد كأنه وهو في إنفاقه جماعة، كل منهم في موضع رذيلة أو مكان لهو؛ وكأن منه رجالاً هو كاسبهم وعائلهم، ينفق على هذا في القهوة، وعلى هذا في الحانة، وعلى ذلك في الملاهي، وعلى الرابع في المواخير، وعلى الخامس في المستشفى. . .؟ إن كان هذا هو أصل الرأي عند العزب، فالعزب سفيه مجرم، وهو إنسان خرب من كل جهة إنسانية، وهو في الحقيقة ليس المتّسِعَ لنفقات خمسة، بل كأنه قاتل خمس من أبناء وطنه؛ إذ كان بهذا مطيقاً أن يكون أبا ينفق على أبنائه، لا سفيهاً ينفق على شياطينه.
فان كان قد بنى رأيه على أن يتعزّب مدة ثم يتأهل، فهذا أحرى أن يعينه على حسن التدبير، وهو مَضْراةٌ له على شهوة الجمع والادخار؛ إذ يكون عند نفسه كأنما يكدح لعياله وهو في سعة منهم بعدُ، وهم لا يزالون في صُلبه على الحال التي لا يسألونه فيها شيئاً إلا أخلاقاً طيبة وهمماً وعزائم يرثونها من دمه فتجيء معهم إلى الدنيا متى جاءوا.
إنما العزب أحد رجلين: رجلٍ قد خرج على وطنه وقومه وفضائلِ الإنسانية، قاعدته: جُرَّ الحبل ما انجرَّ لك. وهذا داعر فاسق، مبذر متلافٌ إن كان من المياسير؛ أو مُرِيب دنيء حقير النفس إن كان من غيرهم - ورجلٍ غير ذلك، فهو وثاق الضرورة إلى أن تُطْلِقَه الأسباب، ومن ثم فهو يعمل أبداً للأسباب التي تُطْلقه، ويعرف أنه وإن لم يكن آهلاً فلا تزال ذمته في حق زوجة سيعولها، وفي حقوق أطفال يأبوهم، وواجبات وطن يخدمه بإنشاء هذه الناحية الصغيرة من وجوده، والقيام على سياستها، والنهوض بأعبائها. فانظر ويحك أيّ الرجلين أنت؟
قال: فتريدني أن أقامر بتعب سنة وأنا بعد ذلك وما يُقْدِرُ لي، وقد أشتري بتعب سنة من
стр. 5525
العمر تعب العمر كلّهِ؟
قلت: فهذه هي خسّة الفرديّة ودناءتُها الوحشية في جنايتها على أهلها، وسوءِ أثرها في طباعهم وعزائمهم؛ فهي فرديّة تضرب فيهم العاطفةَ الاجتماعية ضرْب التلف، وتبتليهم بالخوف من التبعات حتى ليتوهم أحدهم أنه إن تزوج لم يدخل على امرأة، ولكن على معركة. وهي تصيبهم بالقسوة والغلظة؛ فما دام الواحد منهم واحداً لنفسه، فهو في تصريف حكم الأثرة، وفي قانون الفتنة بأهواء النفس ومنافعها؛ كأنما يعامله الناس رجلاً كلُّه مَعِدَة، أو هو فيهم قوة هضم ليس غير.
قال: ولكن الزواج عندنا حظّ مخبوء (لوتريّة) والنساء كأوراق السحب، منهن ورقة هي التوفيق والغنى بين آلاف هن الفقر والخيبة المحقّقة.
قلت: هل اعتدت أن تتكلم وأنت نائم؟ فلعلك الآن في نومة عقل، أولا فأنت الآن في غفلة عقل.
إن هذا المسكين الذي يمسح الأحذية ويشتري من تلك الأوراق لا يخلو منها - يعلم علماً أكثر من اليقين أن عيشه هو من مسح الأحذية لا من الأخيلة التي في هذه الأوراق؛ فهو لا يعتدّ بها في كبير أمرِ ولا صغيرِه، وما يُنزِلها في حساب رغيفه وثوبه إلا يوم يُخالطُ في عقله فيتنزّه أن يمسح أحذية الناس، ويرى أن عظيماً مثله لا يمسح إلا أحذية الملائكة. . .
أنت يا هذا مهندس، ولك بعض الشأن وبعض المنزلة، فَهَبْك ارتأيت أنه لا يحسن بك أو لا يَحْسُنُ لك إلا أن تتزوج بنت ملك من الملوك، فهذه وحدها هي عندك (النمرة الرابحة) وسائر النساء فقر وخيبة ما دام الأمر رأيك وهواك؛ غير أنك إذا عَرضْت لتلك (النمرة الرابحة) لم تعرفك هي إلا صعلوكاً في الصعاليك وأحمق بين الحمقى.
إن تلك الأوراق تُصْنع صنعتَها على أن تكون جملتُها خاسرة إلا عدداً قليلا منها؛ فإذا تعاطيتَ شراءها فأنت على هذا الأصل تأخذها، وبهذا الشرط تبذل فيها؛ وما تمتري أنت ولا غيرك أن القاعدة هاهنا هي الخيبة، وشذوذها هو الربح؛ وليس في الاحتمال غير ذلك؛ ومن ثمّ فقد بريء إليك الحظُّ إن لم يصبك شيءٌ منه، وأين هذا وأين النساء، وما منهن واحد إلا وفيها منفعة تكثر أو تقل، بل الرجال للنساء هم أوراق السحب في اعتبارات كثيرة، مادامت طبيعة اتصالهما تجعل المرأة هي في قوانين الرجل أكثر مما تجعل الرجلَ
стр. 5526
في قوانينها. وهل ضاعت امرأة إلا من غفلة رجل أو قسوته أو فسولته أو فجوره؟
قال المهندس: فإني أعلم الآن - وكنت أعلم - أن لا صلاح لي إلا بالزواج، وان طريقي إلى الزوجة هو كذلك طريقي إلى فضيلتي والى عقلي. وتالله ما شيءٌ أسوأ عند العزب ولا أكره إليه من بقائه عزباً غير أنه يكابر في المماراة كلما تحاقرت إليه نفسه، وكلما رأي أن له حالاً ينفرد بها في سخط الله وسخط الإنسانية. ولا مَكْذِبة، فقد والله أنفقتُ في رذائلي ما يجتمع منه مهر زوجةَ سريّة تشتطّ في المهر وتغلو في الطلب؛ ولكن كيف بي الآن وما جبَرني من قبلُ إصلاحٌ، ولا أعانني اقتصاد، ومن لي بفتاة من طبقتي بمهر لا أتحمل منه رهَقاً، ولا تتقاصر معه أموري، ولا تختل معيشتي؟
قلت: فإذا لم يحملك الحمار من القاهرة إلى الاسكندرية؛ فانه يحملك إلى قليوب أو طوخ. وفي النساء إسكندرية، وفيهن شبرا، وقليوب، وطوخ، وما قرب وبَعد؛ وما رخص وغلا.
قال: ولكن بلدي إسكندرية. . .
قلت: ولكنك لا تملك إلا حماراً. . . وللمرأة من كل طبقة سِعْرها في هذا الاجتماع الفاسد؛ ولو تعاون الناس وصلحوا وأدركوا الحقيقة كما هي، لَمَا رأينا الزواج من فقر المهور كأنما يركب سلحفاة يمشي بها. . . ونحن في عصر القطار والطيارة، وقد كان هذا الزواج على عهد أجدادنا في عصر الحمار والجمل - كأنه وحدة من السرعة في طيارة أو قطار.
حين يفسد الناس لا يكون الاعتبار فيهم إلا بالمال؛ إذ تنزل قيمتهم الإنسانية ويبقى المال وحده هو الصالح الذي لا تتغير قيمته. فإذا صلحوا كان الاعتبار فيهم بأخلاقهم ونفوسهم؛ إذ تنحطَّ قيمة المال في الاعتبار، فلا يغلب على الأخلاق ولا يسخرها. والى هذا أشار النبي ﷺ في قوله لطالب الزواج: (التمس ولو خاتماً من حديد.) يريد بذلك نَفى المادَّية عن الزواج، وإحياء الروحية فيه، وإقرارَه في معانيه الاجتماعية الدقيقة. وكأنما يقول: إن كفاية الرجل في أشياء أن يكن منها المال فهو أقلها وآخرها، حتى إن الأخسّ الأقلّ فيه ليُجْزئ منه كخاتم الحديد؛ إذ الرجل هو الرجولة بعظمتها وجلالها وقوّتها وطباعها، ولن يُجْزِئ منه الأقلُّ ولا الأخسّ مع المال، وإن ملء الأرض ذهباً لا يُكَمّل للمرأةِ رجلاً ناقصاً؛ وهل تُتِمُّ الأسنان الذهبيةُ اللامعة يحملها الرجل الهرم في فمه شيئاً مما ذهب منه؟ وما عسى أن تصنعِ قُواطعُ الذهب الخالص وطواحُنه لهذا المسكين بعد أن نطق
стр. 5527
تحَاتُّ أسنانه العظميَّة وتناثُرُها أنه رجل حلَّ البَلى في عظامه. . .؟
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5528
عصبة الأمم والأمم الشرقية
لمناسبة انضمام أفغانستان إليها
للأستاذ محمد عبد الله عنان
انتظمت في سلك عصبة الأمم دولة شرقية جديدة هي أفغانستان، وكان قبولها في العصبة بإجماع الآراء تقريباً، ولم يبق خارج العصبة من أمم الشرق الأدنى والأوسط بعد دخول تركيا وأفغانستان سوى مصر وسوريا والمملكة السعودية واليمن. ولعلائق الأمم الشرقية بعصبة الأمم وموقفها منها تاريخ خاص، يصح أن نستعرضه بهذه المناسبة. وقد بدأت هذه العلائق منذ مولد العصبة ذاتها، وكانت العصبة يومئذ إحدى نفثات ذلك الإنجيل الجديد الذي بشر به توماس ودرو ولسون أعظم ذهن هائم في التاريخ المعاصر، والذي انهارت مبادئه ووعوده في فرساي مهد تطبيقه. كان إنجيل الصلح بين الأمم المتحاربة على قواعد التسامح والعدالة، وإنجيل السلام والتفاهم، وإنجيل الحريات الدولية والاعتراف بحقوق الشعوب في تقرير مصايرها، فاستحال في فرساي، وفي نصوص معاهدة الصلح، إلى بركان من الشهوات القوية، ومزقت باسمه شعوب، وأرهقت أخرى، ومنحت الحرية لشعوب، وسلبت أخرى حرياتها، وفرضت عليها العبودية بأسماء وصور جديدة. وكان المفروض أن عصبة الأمم ستغدو عصبة دولية إنسانية تجمع الأمم على احترام السلام والمثل الإنسانية الخالدة، ولكنها جاءت منذ مولدها نفثة من تلك الروح التي أملت معاهد الصلح؛ روح الظفر والأثرة؛ وكان موقفها من الأمم الشرقية بالأخص مناقضاً لجميع العهود التي قطعت، والمبادئ التي قررت.
كانت اليابان والصين والهند وسيام والحجاز هي الأمم الشرقية التي وقعت على ميثاق عصبة الأمم ومعاهدة الصلح (وميثاق العصبة هو القسم الأول من المعاهدة) منذ وضعهما في يونيه سنة ١٩١٩، وبذلك غدت أعضاء في العصبة منذ إنشائها، وقد أبى الوفد الصيني أن يوقع معاهدة الصلح احتجاجاً على بعض نصوصها التي تمنح الانتداب لليابان على بعض الأراضي الصينية التي كانت بيد ألمانيا، ولكن الصين اعتبرت عضواً في العصبة لأنها وافقت على الميثاق. أما الحجاز فقد كانت يومئذ هي المملكة العربية الجديدة التي أنشأها الإنكليز للحسين بن علي، والتي انهارت قبل أعوام قلائل. وكانت فارس من الأمم
стр. 5529
التي دعيت إلى دخول العصبة منذ إنشائها، وقد انضمت إليها غير بعيد، وإما تركيا فقد كانت من أمم الأعداء، وكان مقضياً عليها بالتمزيق والإعدام، وكانت أفغانستان تخوض يومئذ حرب الحرية مع الإنكليز. وأما العراق وسوريا وفلسطين، فقد كانت من ضحايا الانتداب الذي ابتدع لتوزيع أسلاب الدولة العثمانية الذاهبة على الحلفاء. وكانت مصر ضحية الحماية الإنكليزية التي أعلنت عليها قسراً أيام الحرب، وكانت تضطرم بثورتها التحريرية التي انتهت بعد ذلك بعامين بإلغاء إنكلترا للحماية وإعلان استقلال مصر من الوجهة النظرية. والواقع أنه لم يكن للشرق في العصبة عند قيامها سوى صوت قوي واحد هو صوت اليابان. ولكن اليابان كانت من دول الحلفاء، وكان دخولها في العصبة لتأييد نفس المبادئ وتحقيق نفس الغايات التي تؤيد وتعمل على تحقيقها الدول الغربية، وكان لها نصيبها من أسلاب الحرب، ولم تكن في سياستها الاستعمارية أقل شرهاً من إنكلترا أو فرنسا. وأما الصين فقد كانت تتخبط في غمار الحرب الأهلية، وكان تمثيلها في العصبة على يد وحدة صغيرة فيها هي جمهورية كنتون الناشئة. وأما الهند فقد دخلت باعتبارها من الأملاك البريطانية لتشد إلى جانب استراليا وكندا وجنوب أفريقية أزر بريطانيا العظمى في سياستها ومشاريعها داخل العصبة. ودستور العصبة يجيز دخول الأملاك المستقلة والمستعمرات الحرة. وأما الحجاز فلم تكن لها يومئذ أية أهمية سياسية أو دولية، ولم يكن مثولها في مؤتمر الصلح، ودخولها في العصبة إلا ضرباً من المجاملة النظرية.
كانت عصبة الأمم منذ قيامها إذاً هيئة غربية في روحها وفي جوهرها، ولم تكن تمثل من الوجهة العملية شيئاً من المبادئ الرنانة التي أعلنها الرئيس ولسون في ختام الحروب، والتي أريد أن تكون قاعدة لعقد الصلح الحر بين الأمم المتحاربة وقيام عصبة حرة من الأمم تعمل على تخليد مبادئ الحرية والعدالة والوئام فيما بينها، ومع ذلك فقد بعثت مبادئ الرئيس ولسون المتعلقة بحريات الأمم ومصير الشعوب في بعض الأمم المغلوبة شيئاً من الأمل، وكان مفروضاً أن ذلك الهيكل الجديد الذي أقيم ليعاون في تطبيق هذه المبادئ الخالدة - أعني عصبة الأمم - سيكون بالفعل سنداً للأمم الشرقية في جهادها في سبيل الحرية والاستقلال، ولكن ذلك الأمل كان وهماً، وجاءت عصبة الأمم بالعكس لتقر من المبادئ والأساليب إزاء بعض الأمم الشرقية ما يخالف كل عدالة وكل حق وكل عهد
стр. 5530
مقطوع. ونذكر بهذه المناسبة أن الوفد المصري برئاسة المغفور له سعد زغلول باشا كان يوم وضع معاهد الصلح في باريس يعمل في سبيل القضية المصرية، وقد احتج عبثاً على نصوص معاهد الصلح التي تمس مصر، والتي تقر حماية إنكلترا المفروضة عليها رغم إرادتها؛ ونذكر أيضاً أن سعد باشا أرسل إلى الرئيس ولسون يرجوه باسم مبادئه مقابلة يبسط له فيها ظروف القضية المصرية، فلم يجبه الرئيس ولسون إلى هذا الرجاء. وكانت أول خطوة عملية اتخذتها عصبة الأمم لتأييد الاعتداء الواقع على الأمم العربية هو أنها أقرت نظام الانتداب الذي وضعه الحلفاء لتقسيم البلاد العربية وحكمها رغم العهود الصريحة التي قطعت خلال الحرب بمعاهدات ووثائق رسمية، فأقرت الانتداب على سوريا لفرنسا؛ وأقرت انتداب إنكلترا على فلسطين وشرق الأردن والعراق. وأقرت عهد بلفور وما ترتب عليه من إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين؛ ولم تحاول العصبة أن تتدخل يوم قسم الحلفاء تركيا إلى مناطق ودفعوا اليونان لاحتلال أزميرا والتوغل في قلب الأناضول؛ ولما وقع الخلاف بين تركيا وإنكلترا على مسألة الموصل واتفقنا على رفع الأمر إلى عصبة الأمم، كان موقف العصبة مريباً ظاهر التحيز؛ وكثيراً ما حاولت الأمم العربية أن تتقدم إلى العصبة بالشكوى من نظام الانتداب وما يرتكب في ظله من ضروب الجور والتعسف، فلم تفز منها بالإصغاء قط؛ ولم تكن لجنة الانتدابات الدائمة بالعصبة إلا سيف المستعمر الشرعي مصلتاً على رقاب الأمم الواقعة تحت الانتداب.
هكذا كان موقف عصبة الأمم الشرقية المغلوبة منذ البداية. وقد أثبتت العصبة خلال أعوامها الأربع عشرة أنها غير أهل لتحقيق شيء من المبادئ والمهام العظيمة، التي عهد إليها بالعمل على تحقيقها. وأسطع مثل لذلك موقفها إزاء مسألة تخفيض السلاح، وعجزها المطبق عن أن تحقق شيئاً في هذا السبيل، لأن تحقيقه لا يروق للدول المسيطرة على مجلس العصبة؛ وأسطع مثل لوقوع العصبة تحت نفوذ الدول القوية ووحي النزعة الاستعمارية، موقفها في مسألة منشوريا، التي ثارت منذ ثلاث أعوام بين اليابان والصين، وكلتاهما من أعضاء العصبة؛ فقد استغاثت الصين بالعصبة حين غزو اليابان لمنشوريا، فلبثت العصبة بين التردد والتمهل حتى تم استيلاء اليابان على منشوريا ولم تستطيع أن تتخذ أي إجراء حاسم تنوه فيه باعتداء اليابان على الأراضي الصينية، مع أنه قد نص في
стр. 5531
ميثاق العصبة على عدة عقوبات تأديبية واقتصادية يتقرر اتخاذها ضد الدولة المعتدية في مثل هذه الظروف. ولم ترض اليابان عن هذا التدخل رغم عقمه. فانسحبت من العصبة لتكون مطلقة اليدين في تنفيذ سياستها الاستعمارية. وقد كان فشل العصبة في مسألة منشوريا ذروة ضعفها وانحلال هيبتها، فعملت الدول الغربية التي تستتر في العمل وراء العصبة على تدارك هذا الضعف، بحمل روسيا السوفيتية على الالتحاق بعصبة الأمم، ولبت روسيا هذه الدعوة، والتحقت بالعصبة بعد أن كانت تخاصمها وتعتبرها من أدوات الاستعمار المستترة حسبما فصلنا في فصل سابق في (الرسالة). وأرادت الدول الغربية من جهة أخرى أن تقوي المظهر الشرقي لعصبة الأمم، فسعت لدى تركيا حتى التحقت بالعصبة، وكان التحاقها بها نتيجة مباشرة لانضمام روسيا إليها، لأن السياسة التركية الخارجية تسير مع السياسة البلشفية الخارجية جنباً إلى جنب، ولأن موقف الخصومة الذي اتخذته تركيا نحو العصبة من قبل لم يكن إلا مجاراة لسياسة حليفتها موسكو. ثم كان دخول أفغانستان أخيراً نتيجة أيضاً لنفس السياسة؛ وأفغانستان تتأثر بنصائح موسكو، وهي مدينة باستقلالها الأخير إلى معاونة موسكو ومؤازرتها، وهي تتأثر أيضاً بنصائح إنجلترا، وإنجلترا يهمها تقوية المظهر الشرقي لعصبة الأمم؛ ولذلك رأينا أغاخان مندوب الهند وأحد أبواق السياسة الإنكليزية يقول في خطابه الذي ألقاه لمناسبة انضمام أفغانستان: إن أخطار الطابع الغربي للعصبة كانت واضحة، وكانت دائما تغشى صبغتها العالمية، فدخول أفغانستان يقوي طابعها العالمي، ويزيدها قوة في القيام بمهمتها.
هذا ويجب ألا ننسى أن العراق أيضاً عضو في عصبة الأمم، وقد دخلت العصبة منذ نحو عامين، وكان دخولها نتيجة لعقد المعاهدة العراقية الإنكليزية التي نالت بها العراق استقلالها الذاتي (سنة ١٩٣٠) وخروجها بذلك من ربقة الانتداب الذي كان مفروضاً عليها من قبل عصبة الأمم لمصلحة إنكلترا. ويجب ألا ننسى أن دخول العراق في العصبة كان مقروناً من جانب العصبة بمظاهرة تؤكد صبغة الغربية والاستعمارية معاً، فقد وضعت العصبة لقبول العراق شروطاً تلفت النظر بتحاملها وشدتها، ولاسيما فيما يتعلق بحماية الأقليات الدينية والجنسية، وحرية البعثات التبشيرية في القيام بأعمالها، وتقرير الحق لكل دولة أن تشكو العراق إلى العصبة إذا رأت أنها قصرت في تنفيذ تعهداتها.
стр. 5532
ولم تنضم المملكة السعودية (نجد والحجاز) بعد إلى عصبة الأمم، وليس في سياستها ما يدل على أنها تنوي أن تسعى إلى هذا الانضمام في القريب العاجل، غير أنه يلاحظ أن المملكة السعودية معترف بها من جميع الدول الكبرى التي تسيطر على مجلس العصبة، وأن علائقها بهذه الدول ولاسيما إنكلترا حسنة؛ وقد يكون في الحوادث الأخيرة التي انتهت بدخول تركيا وأفغانستان في العصبة ما يحمل المملكة السعودية على التفكير في السعي إلى الانضمام إلى العصبة، إما اليمن فليست لها سياسة خارجية منظمة معروفة، ومن الصعب أن يعرف موقفها في هذا الشأن، وإن كان المرجح أن الإمام لا يعلق على مثل هذا الانضمام أية أهمية. أما سوريا فهي لازالت ترزح تحت الانتداب الفرنسي، ومن المعروف أن السياسة الفرنسية تنوي متى استطاعت أن تعقد المعاهدة المنشودة مع سوريا، أن تحذو فيها حذو المعاهدة الإنكليزية العراقية من حيث العمل على التحاق سوريا بعصبة الأمم.
بقيت كلمة عن مصر وعن موقفها من العصبة، فأما عن حق مصر في الدخول في عصبة الأمم فليس عليه غبار من الوجهة الدولية، أولاً لأن مصر قد نالت استقلالها من الوجهة الدولية بتصريح فبراير سنة ١٩٢٢، وهي طبقاً لهذا التصريح دولة مستقلة ذات سيادة، وثانياً لأنه لا يوجد في ميثاق العصبة ما يمنع دولة في ظروف مصر السياسية من الانضمام إليها، فالفقرة الثانية من المادة الأولى من الميثاق تنص على أنه يحق لكل (دولة أو ملك مستقبل (دومنيون) أو مستعمرة حرة في حكم نفسها أن تغدو عضواً في العصبة إذا وافق على انضمامها ثلثا أعضاء الجمعية العامة)، ومصر ليست ملكا مستقلا ولا مستعمرة، بل هي من حيث المركز الدولي دولة مستقلة ذات سيادة، وقد سلمت السياسة البريطانية لمصر بهذا الحق في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة ١٩٢٩، فنص فيه في المادة الثالثة على ما يأتي (إن مصر رغبة منها في أن تصبح عضواً بجمعية الأمم، ستقدم طلباً للانضمام إلى تلك الجمعية، طبقاً للشروط التي تنص عليها المادة الأولى من عهد الجمعية، وتتعهد حكومة جلالة الملك البريطانية بتأييد هذا الطلب) ونص في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة ١٩٣٠ على ما يأتي (بما أن مصر تنوى أن تكون عضواً في جمعية الأمم فان صاحب الجلالة البريطانية يعترف بحقها كدولة مستقلة ذات سيادة في أن تصبح عضواً في جمعية الأمم عندما تقوم بالشروط التي نص عليها في
стр. 5533
عهد الجمعية).
ولكن هل تفيد مصر من الانضمام إلى عصبة جنيف سواء في الحال أو الاستقبال؟ لسنا ممن يعتقد ذلك. إن تاريخ عصبة الأمم إزاء الأمم الشرقية والأمم الضعيفة حسبما بسطناه لا يدلي بأن العصبة تأخذ بمبادئ المساواة والعدالة الدولية بين مختلف الأمم؛ والعصبة سواء بنشأتها أو القوى المهيمنة عليها، أو الغايات التي تعمل لها، تنم عن روح غربية عميقة، وربما نمت أيضاً عن روح نصرانية كما ظهر من موقفها نحو العراق فيما اشترطته عليها ثمناً لانضمامها إليها. ولن يكون شأن المثول في العصبة في ظروفنا الحاضرة إلا كشأن التمثيل السياسية الذي يكبد مصر مئات الألوف دون أن تجني من ورائه مزايا عملية يعتد بها. وحتى لو سويت المسائل المعلقة بين مصر وإنكلترا وعقدت المعاهدة المصرية الإنكليزية المنشودة، وتأكد استقلال مصر من الناحية العملية، فأنا لا نجد ما يحمل مصر على السعي إلى الالتحاق بعصبة جنيف. ومن الخطأ أن يتصور البعض أن المثول في العصبة من مظاهر الاستقلال، فان بين أعضاء العصبة مستعمرات وأملاكاً مستقلة طبقاً لما ينص عليه ميثاقها.
لقد تمزق الحجاب أخيراً عن ذلك الرياء الدولي الذي استمر زهاء خمسة عشر عاماً، والذي لبث حيناً يحتضن الدعوى إلى السلام وتفاهم الأمم، ويعقد المواثيق للتحكيم وتحريم الحرب؛ وعادت أوربا القديمة إلى سياستها القومية القديمة، عمادها القوة والعنف، وغايتها افتراس الأمم الضعيفة؛ وما عصبة الأمم إلا عرين الأمم المفترسة قبل كل شيء، ولا خير لأمة ضعيفة أن تقر الذئاب على ريائها، ولا خير لها بالأخص في أن تندمج معها في صعيد واحد.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 5534
٤ - الشخصية
للأستاذ محمد عطية الابراشي المفتش بوزارة المعارف
العناصر الرئيسية التي تتكون منها الشخصية القوية: -
تكلمنا فيما مضى عن الجاذبية، والنشاط العقلي، والمشاركة الوجدانية، والشجاعة، من العناصر الرئيسية المكونة للشخصية القوية. والآن نتكلم عن بعض العناصر الأخرى المقوية للشخصية كالحكمة، والتفاؤل، والتواضع، ومظهر الإنسان وقوامه، وقوة البيان وأثرها في الشخصية فنقول.
الحكمة:
إن شخصية الإنسان لا تكون متينة إلا إذا زانتها الحكمة والعلم والحزم، ووضع الأشياء في مواضعها، وقدرها حق قدرها. والرجل الحكيم هو السديد الرأي، البعيد النظر، الحسن التقدير، الذي يعرف الحق فيتمسك به، ويفعل ما يجب أن يفعل، ويترك ما ينبغي أن يترك، ويقول ما يجب أن يقال، يرى الفرصة فينتهزها، ويشعر بالطريق المستقيم فيسلكه، يحس بنتيجة الشيء حتى قبل حدوثها، ويعامل غيره بما يحب أن يعامل به، ويحكم على غيره بما يود أن يحكم به عليه، يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وإذا حكم على غيره كان حكمه بعيداً عن الأهواء والأغراض، تتمثل فيه النزاهة والعدالة. كل هذه الصفات نتيجة الحكمة وحسن التقدير. والحكمة صفة أساسية في تكوين الشخصية السامية. أما إذا انتفت الحكمة فان الإنسان يكون واهن الرأي، مضطرب البصيرة، سيئ الحظ، عاثر الجد، ضعيف الشخصية، يعجز عن تقدير الأشياء، ويفعل ما يجب ألا يفعل، ويهمل أموراً تجبُ العناية بها، ويهتم بأشياء لا قيمة لها، يحب ما ينبغي أن يكره، ويكره ما ينبغي أن يحب، فيصبح ضحية لوجداناته وأقواله وأفعاله، ويصير مكروهاً لدى من يعرفونه.
ومن الحكمة أن نجتهد في إرضاء الناس - وإن كان إرضاؤهم جميعاً غاية لا تدرك - من غير أن نضحي بمبدأ من مبادئنا، أو مظهر من مظاهر رجولتنا حتى نمتلك قلوبهم، وهذا دليل على وجود الشخصية القوية الجذابة.
وكثيراً ما تفسد الحكمة وتشوه بالفخر، أو التكبر، أو الحقد، أو الغيرة، أو الغش. فينبغي أن
стр. 5535
يهذب الإنسان نفسه، ويترك الفخر جانباً ولا يتكبر أو يحقد على غيره، ولا يغش أحداً أو يضله، حتى تكون علاقته بغيره حسنة وتكون شخصيته محبوبة لدى من يتصلون به أو يعرفونه.
التفاؤل:
من العناصر التي لا تقل أهمية في تكوين الشخصية الممدوحة: التفاؤل والتيمن والنظر إلى الأشياء بمنظر الفأل الحسن؛ ويمن الطالع، لا بمنظار التشاؤم والتطير، ذلك المنظار الأسود، منظار الشؤم والطِّيَرَة. فقد كان النبي ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة. ولا نقصد بالتفاؤل أن نغمض أعيننا عن الحقائق نتائج الأمور، بل نقصد أن نعتاد في تفكيرنا النظر إلى الأشياء بعين الأمل والرحمة، لا بعين اليأس والقنوط، وننظر إليها في نور الأمل لا في ظلام اليأس، من الناحية المضيئة من الطريق، لا من الناحية المظلمة الحالكة. والمتفائل يرضى بالماضي خيره وشره ويثق بالمستقبل، ثم يؤدي الواجب ويترك النتيجة لله . وتعتبر هذه العادة العقلية - عادة التفاؤل - من الأمور الجوهرية في تقوية الشخصية. وكثيراً ما ينشأ التفاؤل عن نشاط الشخص وقوته العقلية والعصبية، وعن نوع الأفكار التي يسمح لها بالدخول إلى العقل، وإذا تعود الإنسان أن يزود نفسه بالأفكار الصحية السارة فانه لا يتجنب التشاؤم والحزن فحسب، بل قد يطل من نوافذ على الناحية السارة المضيئة من الحياة.
وينشأ التشاؤم عن ضعف النشاط وضعف القوة العصبية، وهو الرقابة العقلية في الإنسان؛ فيسمح لنفسه بأن تسبح في جو مظلم من الأوهام حتى يصبح عقله متلبداً بغيوم لا حقيقة لها، ودخان لا أصل له، هي الغيوم التطير ودخان التشاؤم. وإن ضبط النفس والنظر إلى الناحية السعيدة دائماً مما يزيل عن أولئك المتشائمين وهؤلاء المتطيرين هذه الهموم والأحزان التي تسيطر على نفوسهم. وإذا كان التفاؤل موقظاً للعقل، ومدعاة للنشاط وباعثاً على الإقدام، ومحرراً للإنسان، ومنشطاً لجميع قواه العقلية، فالتشاؤم سبب في الخمول والكسل وكثرة التردد والفشل والشقاء والضعف لا في التفكير فحسب، بل في الشخصية أيضاً.
فالشخصية الحية القوية ينبغي أن تتمسك بالتفاؤل، وتلتزم الناحية السارة، يقودها الأمل،
следующие страницы →