← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

ميثاق العصبة على عدة عقوبات تأديبية واقتصادية يتقرر اتخاذها ضد الدولة المعتدية في مثل هذه الظروف. ولم ترض اليابان عن هذا التدخل رغم عقمه. فانسحبت من العصبة لتكون مطلقة اليدين في تنفيذ سياستها الاستعمارية. وقد كان فشل العصبة في مسألة منشوريا ذروة ضعفها وانحلال هيبتها، فعملت الدول الغربية التي تستتر في العمل وراء العصبة على تدارك هذا الضعف، بحمل روسيا السوفيتية على الالتحاق بعصبة الأمم، ولبت روسيا هذه الدعوة، والتحقت بالعصبة بعد أن كانت تخاصمها وتعتبرها من أدوات الاستعمار المستترة حسبما فصلنا في فصل سابق في (الرسالة). وأرادت الدول الغربية من جهة أخرى أن تقوي المظهر الشرقي لعصبة الأمم، فسعت لدى تركيا حتى التحقت بالعصبة، وكان التحاقها بها نتيجة مباشرة لانضمام روسيا إليها، لأن السياسة التركية الخارجية تسير مع السياسة البلشفية الخارجية جنباً إلى جنب، ولأن موقف الخصومة الذي اتخذته تركيا نحو العصبة من قبل لم يكن إلا مجاراة لسياسة حليفتها موسكو. ثم كان دخول أفغانستان أخيراً نتيجة أيضاً لنفس السياسة؛ وأفغانستان تتأثر بنصائح موسكو، وهي مدينة باستقلالها الأخير إلى معاونة موسكو ومؤازرتها، وهي تتأثر أيضاً بنصائح إنجلترا، وإنجلترا يهمها تقوية المظهر الشرقي لعصبة الأمم؛ ولذلك رأينا أغاخان مندوب الهند وأحد أبواق السياسة الإنكليزية يقول في خطابه الذي ألقاه لمناسبة انضمام أفغانستان: إن أخطار الطابع الغربي للعصبة كانت واضحة، وكانت دائما تغشى صبغتها العالمية، فدخول أفغانستان يقوي طابعها العالمي، ويزيدها قوة في القيام بمهمتها. هذا ويجب ألا ننسى أن العراق أيضاً عضو في عصبة الأمم، وقد دخلت العصبة منذ نحو عامين، وكان دخولها نتيجة لعقد المعاهدة العراقية الإنكليزية التي نالت بها العراق استقلالها الذاتي (سنة ١٩٣٠) وخروجها بذلك من ربقة الانتداب الذي كان مفروضاً عليها من قبل عصبة الأمم لمصلحة إنكلترا. ويجب ألا ننسى أن دخول العراق في العصبة كان مقروناً من جانب العصبة بمظاهرة تؤكد صبغة الغربية والاستعمارية معاً، فقد وضعت العصبة لقبول العراق شروطاً تلفت النظر بتحاملها وشدتها، ولاسيما فيما يتعلق بحماية الأقليات الدينية والجنسية، وحرية البعثات التبشيرية في القيام بأعمالها، وتقرير الحق لكل دولة أن تشكو العراق إلى العصبة إذا رأت أنها قصرت في تنفيذ تعهداتها.

стр. 5532

ولم تنضم المملكة السعودية (نجد والحجاز) بعد إلى عصبة الأمم، وليس في سياستها ما يدل على أنها تنوي أن تسعى إلى هذا الانضمام في القريب العاجل، غير أنه يلاحظ أن المملكة السعودية معترف بها من جميع الدول الكبرى التي تسيطر على مجلس العصبة، وأن علائقها بهذه الدول ولاسيما إنكلترا حسنة؛ وقد يكون في الحوادث الأخيرة التي انتهت بدخول تركيا وأفغانستان في العصبة ما يحمل المملكة السعودية على التفكير في السعي إلى الانضمام إلى العصبة، إما اليمن فليست لها سياسة خارجية منظمة معروفة، ومن الصعب أن يعرف موقفها في هذا الشأن، وإن كان المرجح أن الإمام لا يعلق على مثل هذا الانضمام أية أهمية. أما سوريا فهي لازالت ترزح تحت الانتداب الفرنسي، ومن المعروف أن السياسة الفرنسية تنوي متى استطاعت أن تعقد المعاهدة المنشودة مع سوريا، أن تحذو فيها حذو المعاهدة الإنكليزية العراقية من حيث العمل على التحاق سوريا بعصبة الأمم. بقيت كلمة عن مصر وعن موقفها من العصبة، فأما عن حق مصر في الدخول في عصبة الأمم فليس عليه غبار من الوجهة الدولية، أولاً لأن مصر قد نالت استقلالها من الوجهة الدولية بتصريح فبراير سنة ١٩٢٢، وهي طبقاً لهذا التصريح دولة مستقلة ذات سيادة، وثانياً لأنه لا يوجد في ميثاق العصبة ما يمنع دولة في ظروف مصر السياسية من الانضمام إليها، فالفقرة الثانية من المادة الأولى من الميثاق تنص على أنه يحق لكل (دولة أو ملك مستقبل (دومنيون) أو مستعمرة حرة في حكم نفسها أن تغدو عضواً في العصبة إذا وافق على انضمامها ثلثا أعضاء الجمعية العامة)، ومصر ليست ملكا مستقلا ولا مستعمرة، بل هي من حيث المركز الدولي دولة مستقلة ذات سيادة، وقد سلمت السياسة البريطانية لمصر بهذا الحق في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة ١٩٢٩، فنص فيه في المادة الثالثة على ما يأتي (إن مصر رغبة منها في أن تصبح عضواً بجمعية الأمم، ستقدم طلباً للانضمام إلى تلك الجمعية، طبقاً للشروط التي تنص عليها المادة الأولى من عهد الجمعية، وتتعهد حكومة جلالة الملك البريطانية بتأييد هذا الطلب) ونص في مشروع المعاهدة المصرية الإنكليزية الذي وضع سنة ١٩٣٠ على ما يأتي (بما أن مصر تنوى أن تكون عضواً في جمعية الأمم فان صاحب الجلالة البريطانية يعترف بحقها كدولة مستقلة ذات سيادة في أن تصبح عضواً في جمعية الأمم عندما تقوم بالشروط التي نص عليها في

стр. 5533

عهد الجمعية). ولكن هل تفيد مصر من الانضمام إلى عصبة جنيف سواء في الحال أو الاستقبال؟ لسنا ممن يعتقد ذلك. إن تاريخ عصبة الأمم إزاء الأمم الشرقية والأمم الضعيفة حسبما بسطناه لا يدلي بأن العصبة تأخذ بمبادئ المساواة والعدالة الدولية بين مختلف الأمم؛ والعصبة سواء بنشأتها أو القوى المهيمنة عليها، أو الغايات التي تعمل لها، تنم عن روح غربية عميقة، وربما نمت أيضاً عن روح نصرانية كما ظهر من موقفها نحو العراق فيما اشترطته عليها ثمناً لانضمامها إليها. ولن يكون شأن المثول في العصبة في ظروفنا الحاضرة إلا كشأن التمثيل السياسية الذي يكبد مصر مئات الألوف دون أن تجني من ورائه مزايا عملية يعتد بها. وحتى لو سويت المسائل المعلقة بين مصر وإنكلترا وعقدت المعاهدة المصرية الإنكليزية المنشودة، وتأكد استقلال مصر من الناحية العملية، فأنا لا نجد ما يحمل مصر على السعي إلى الالتحاق بعصبة جنيف. ومن الخطأ أن يتصور البعض أن المثول في العصبة من مظاهر الاستقلال، فان بين أعضاء العصبة مستعمرات وأملاكاً مستقلة طبقاً لما ينص عليه ميثاقها. لقد تمزق الحجاب أخيراً عن ذلك الرياء الدولي الذي استمر زهاء خمسة عشر عاماً، والذي لبث حيناً يحتضن الدعوى إلى السلام وتفاهم الأمم، ويعقد المواثيق للتحكيم وتحريم الحرب؛ وعادت أوربا القديمة إلى سياستها القومية القديمة، عمادها القوة والعنف، وغايتها افتراس الأمم الضعيفة؛ وما عصبة الأمم إلا عرين الأمم المفترسة قبل كل شيء، ولا خير لأمة ضعيفة أن تقر الذئاب على ريائها، ولا خير لها بالأخص في أن تندمج معها في صعيد واحد. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5534

٤ - الشخصية للأستاذ محمد عطية الابراشي المفتش بوزارة المعارف العناصر الرئيسية التي تتكون منها الشخصية القوية: - تكلمنا فيما مضى عن الجاذبية، والنشاط العقلي، والمشاركة الوجدانية، والشجاعة، من العناصر الرئيسية المكونة للشخصية القوية. والآن نتكلم عن بعض العناصر الأخرى المقوية للشخصية كالحكمة، والتفاؤل، والتواضع، ومظهر الإنسان وقوامه، وقوة البيان وأثرها في الشخصية فنقول. الحكمة: إن شخصية الإنسان لا تكون متينة إلا إذا زانتها الحكمة والعلم والحزم، ووضع الأشياء في مواضعها، وقدرها حق قدرها. والرجل الحكيم هو السديد الرأي، البعيد النظر، الحسن التقدير، الذي يعرف الحق فيتمسك به، ويفعل ما يجب أن يفعل، ويترك ما ينبغي أن يترك، ويقول ما يجب أن يقال، يرى الفرصة فينتهزها، ويشعر بالطريق المستقيم فيسلكه، يحس بنتيجة الشيء حتى قبل حدوثها، ويعامل غيره بما يحب أن يعامل به، ويحكم على غيره بما يود أن يحكم به عليه، يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وإذا حكم على غيره كان حكمه بعيداً عن الأهواء والأغراض، تتمثل فيه النزاهة والعدالة. كل هذه الصفات نتيجة الحكمة وحسن التقدير. والحكمة صفة أساسية في تكوين الشخصية السامية. أما إذا انتفت الحكمة فان الإنسان يكون واهن الرأي، مضطرب البصيرة، سيئ الحظ، عاثر الجد، ضعيف الشخصية، يعجز عن تقدير الأشياء، ويفعل ما يجب ألا يفعل، ويهمل أموراً تجبُ العناية بها، ويهتم بأشياء لا قيمة لها، يحب ما ينبغي أن يكره، ويكره ما ينبغي أن يحب، فيصبح ضحية لوجداناته وأقواله وأفعاله، ويصير مكروهاً لدى من يعرفونه. ومن الحكمة أن نجتهد في إرضاء الناس - وإن كان إرضاؤهم جميعاً غاية لا تدرك - من غير أن نضحي بمبدأ من مبادئنا، أو مظهر من مظاهر رجولتنا حتى نمتلك قلوبهم، وهذا دليل على وجود الشخصية القوية الجذابة. وكثيراً ما تفسد الحكمة وتشوه بالفخر، أو التكبر، أو الحقد، أو الغيرة، أو الغش. فينبغي أن

стр. 5535

يهذب الإنسان نفسه، ويترك الفخر جانباً ولا يتكبر أو يحقد على غيره، ولا يغش أحداً أو يضله، حتى تكون علاقته بغيره حسنة وتكون شخصيته محبوبة لدى من يتصلون به أو يعرفونه. التفاؤل: من العناصر التي لا تقل أهمية في تكوين الشخصية الممدوحة: التفاؤل والتيمن والنظر إلى الأشياء بمنظر الفأل الحسن؛ ويمن الطالع، لا بمنظار التشاؤم والتطير، ذلك المنظار الأسود، منظار الشؤم والطِّيَرَة. فقد كان النبي ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة. ولا نقصد بالتفاؤل أن نغمض أعيننا عن الحقائق نتائج الأمور، بل نقصد أن نعتاد في تفكيرنا النظر إلى الأشياء بعين الأمل والرحمة، لا بعين اليأس والقنوط، وننظر إليها في نور الأمل لا في ظلام اليأس، من الناحية المضيئة من الطريق، لا من الناحية المظلمة الحالكة. والمتفائل يرضى بالماضي خيره وشره ويثق بالمستقبل، ثم يؤدي الواجب ويترك النتيجة لله . وتعتبر هذه العادة العقلية - عادة التفاؤل - من الأمور الجوهرية في تقوية الشخصية. وكثيراً ما ينشأ التفاؤل عن نشاط الشخص وقوته العقلية والعصبية، وعن نوع الأفكار التي يسمح لها بالدخول إلى العقل، وإذا تعود الإنسان أن يزود نفسه بالأفكار الصحية السارة فانه لا يتجنب التشاؤم والحزن فحسب، بل قد يطل من نوافذ على الناحية السارة المضيئة من الحياة. وينشأ التشاؤم عن ضعف النشاط وضعف القوة العصبية، وهو الرقابة العقلية في الإنسان؛ فيسمح لنفسه بأن تسبح في جو مظلم من الأوهام حتى يصبح عقله متلبداً بغيوم لا حقيقة لها، ودخان لا أصل له، هي الغيوم التطير ودخان التشاؤم. وإن ضبط النفس والنظر إلى الناحية السعيدة دائماً مما يزيل عن أولئك المتشائمين وهؤلاء المتطيرين هذه الهموم والأحزان التي تسيطر على نفوسهم. وإذا كان التفاؤل موقظاً للعقل، ومدعاة للنشاط وباعثاً على الإقدام، ومحرراً للإنسان، ومنشطاً لجميع قواه العقلية، فالتشاؤم سبب في الخمول والكسل وكثرة التردد والفشل والشقاء والضعف لا في التفكير فحسب، بل في الشخصية أيضاً. فالشخصية الحية القوية ينبغي أن تتمسك بالتفاؤل، وتلتزم الناحية السارة، يقودها الأمل،

стр. 5536

ويحييها الرجاء. تفكر في النجاح أكثر من الخيبة، وفي التقدم أكثر من التأخر. وتميل إلى جانب الثقة أكثر من الميل إلى جانب التردد، وتثق بما تقول وما تفعل، ولديها كل علاج وهي منبع النشاط والقوة. قال (روبرت بروننج): (من الحكمة أن ترجح جانب الخير على جانب الشر، واللين على الشدة، والتعقل على الطيش، والأمل على اليأس، والنور على الظلام). التواضع وعدم التصنع: العنصر السادس من عناصر الشخصية التواضع وعدم التصنع، وذلك بأن يكون لدى الإنسان استعداد به يقدر نفسه ومركزه تقديراً يدل على التفكير والحكمة من غير تصنع أو تظاهر بما ليس فيه. فإذا تصنع المرء وادعى صراحة أو ضمناً ما ليس فيه؛ كأن يقدر نفسه فوق قدرها ويعطيها أكثر من حقها، ويتعظم وما هو بالعظيم، ويَدّعى العلم وما هو بالعالم، والثروة وما هو بالثري، والقوة وما هو بالقوي - إذا ادعى شيئاً من هذه الأشياء فقد يتضح أمره لدى الناس، ويتبين جهله أو فقره أو ضعفه على عكس ما ادعى، فيعلمون كذبه، فيحتقرونه ويزدرونه، وينفرون منه ويتباعدون عنه، ويصبح ممقوتاً عندهم جميعاً. وإن مدح الإنسان نفسه ثقيل لا يقبل، وإذا قبل فانه يجب أن يستند إلى حقائق. والأولى أن يترك الإنسان عمله ليدل عليه ويتحدث عنه، بدلاً من أن يتحدث هو عن نفسه. وإن كان المرء جديراً بالمدح فسرعان ما تظهر حقيقته، ويقدر الناس كفايته، ويزنون أعماله، ويعترفون بشخصيته ومقدرته. فالتواضع سبيل النجاح والرفعة، والتصنع سبيل الفشل والذلة. وإننا وإن كنا ضد التصنع والتظاهر لا نمنع أن ننزل أنفسنا منزلتها ونعدها، وحدة من المجموع، لها ماله وعليها ما عليه، ونستحسن أن نترك للغير الحكم لنا أو علينا، وأن نتحلى بالتواضع في غير ضعف أو ذلة. فالتواضع أساس للشخصية المحبوبة الجذابة. وإننا نجتذب غيرنا بقدر ما يحبنا الغير. وإذا كانت الشخصية مظهراً لقوة النفس فهي عدوة الكذب والتضليل. فليس المهم في أن تَدَّعِى كذباً، ولكن المهم في أن تعمل حتى تثبت لنفسك العظمة إن كنت عظيماً.

стр. 5537

مظهر الإنسان وقوامه: لمظهر الإنسان أثر في شخصيته، فالرجل الصحيح الجسم الحسن القامة، قد لا يحتاج في إظهار شخصيته والتأثير في غيره إلى ما يحتاجه الشخص النحيف الجسم، المشوه الخلقة؛ فبينما تجد الأول طبيعياً في معاملته لأنه لا يشعر بنقص خارجي يريد أن يكمله، إذ تجد الثاني محباً للتظاهر، متكلفاً في أقواله وأفعاله، متخذاً كل وسيلة يستطيع أن يظهر بها نفوذه، فيتظاهر بالعلم تارة، ويفخر بحسبه ونسبه تارة أخرى. وقد يتخذ أحياناً وسائل ثعبانية أو ثعلبية، ليظهر بها نفسه أمام من يبغي الظهور بينهم، فيلجأ إلى الوشاية حيناً، وإلى الملق حيناً آخر. وقد يضطر إلى التجمل في جسمه ولبسه، أو المداعبة في حديثه، كل ذلك ليكمل ما فيه من نقص جسمي. فالإنسان حينما يحس بنقص من الناحية الجسمية مثلاً تراه يعمل على أن يسد هذا الفراغ، ويكمل ذلك النقص من الناحية العقلية أو الخلقية حتى يظهر شخصيته للملأ. فسقراط مثلاً شيخ الفلاسفة من اليونان، كان أفطس الأنف، غليظ الشفتين، جاحظ العينين، قبيح المنظر، ولكنه قد وصل بمواهبه العقلية والخلقية الأخرى إلى ذروة المجد. ويكفيه فخراً أنه أستاذ أفلاطون، وأنه أكبر فلاسفة اليونان. والجاحظ كان أديب العلماء، وعالم الأدباء، وما لقب بهذا اللقب الذي كان مبغضاً إليه إلا لأنه كان جاحظ العينين (بارِزهما)، دميم الخلقة، حتى قيل إن الخليفة المتوكل سمع بمنزلته من العلم والفهم، فاستقدمه إليه (بسر من رأى) ليؤدب ولده، فلما رآه استبشع منظره، وصرفه بعشرة آلاف درهم. ولكنه بجانب ذلك كان خفيف الروح، ذكي الفؤاد، واسع الاطلاع، وكان يعد دائرة معارف في الآداب والعلوم واللغة والتاريخ حتى أصبح لقبه - الذي كان يكرهه - دليلاً على التبحر في العلم والآداب، والتفوق في فنون البلاغة والبيان، سئل كيف حالك يا أبا عثمان؟ فقال: (حالي أن الوزير يتكلم برأيي، وينفذ أمري، ويواتر الخليفة الصلات إلىَّ. . .) والتاريخ حافل بكثير من العظماء المشوهة أجسامهم، السامية أرواحهم وعقولهم، فلا حاجة بنا إلى التطويل. وكل ما نريد أن نقوله هو أنه إذا نقص الإنسان من جهة حاول أن يكمل نفسه من جهة أخرى. قوة البيان:

стр. 5538

إن قوة البيان، وفصاحة اللسان، وحسن المنطق والقدرة على التأثير في السامع مع رجاحة العقل، تكسب الإنسان شخصية وتجعل له منزلة بين سامعيه، ولذلك لما أُمر سيدنا موسى ﵇ أن يذهب إلى فرعون، شكا موسى العي في القول، وطلب من الله أن يرسل معه أخاه هرون لفصحاته قائلاً: (وأخي هرون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني) يريد فرعون. وإننا لا نريد بالفصاحة والثرثرة والتشدق والتوعر في الكلام، كما لا نريد بها أن يزيد كلام الإنسان على عقله، بل نريد حسن التعبير عما في النفس، وقوة التأثير في المستمع، والتكلم من غير تهيب أو تخوف بحيث يكون الكلام حلواً رشيقاً، سهلاً عذباً مؤثراً. أما العيّ والحصر واللجلجة، والتمتمة والفأفأة وكثرة التردد في القول، والخجل في أثناء التكلم فتقلل من تأثير الشخص في سامعيه. وإن حُسْن التعبير عما في النفس شرط أساسي لقوة الشخصية، وهو يتطلب العلم بالشيء الذي نريد التكلم عنه؛ لأن أفكارنا إذا عرفت كان من السهل التعبير عنها. وكما يجب أن نعرف ما نريد أن نقول، وما نريد أن نفعل، كذلك يجب أن نحسن القول ونحسن العمل. وما أجمل الكلمة الصائبة في اللحظة المناسبة. وكما ينبغي حسن التكلم والخطاب، كذلك ينبغي حسن الإصغاء والاستماع للغير. وقد تكون لدينا الأفكار السامية ولكننا نحتاج إلى شجاعة في إظهارها حتى ينتفع بها غيرنا. . . محمد عطية الابرشي

стр. 5539

بين فن التاريخ وفن الحرب ٢ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد ٣ - أسباب الحروب: مات رسول الله والإسلام لم يتمكن من قلوب جميع العرب الساكنين في الجزيرة. وادعى بعض الرؤساء النبوة في آخر أيام الرسول، وارتد الكثير من العرب بعد وفاته. والثابت أن الذين تمكن الإسلام من قلوبهم ولم يتزعزع إيمانهم هم المهاجرون والأنصار وقريش وثقيف والقبائل الساكنة بين المسجدين (المدينة ومكة) على ما يذكره الطبري. ولم يكن تأثير الردة في القبائل على نمط واحد، بل كان الأثر يختلف باختلاف العوامل، وهي تتلخص فيما يلي: - (أ) قرب المنطقة التي تسكنها القبيلة من المدينة أو بعدها. (ب) علاقة القبيلة بالمدينة. (ج) قرب عهد القبيلة بالإسلام أو بعده. ولقد ناقش المستشرق الطلياني لئونه كايتاني هذه العوالم في كتابه (تاريخ الإسلام) فصنف العرب من حيث علاقتهم بحروب الردة إلى خمسة أصناف، فوضع في الصنف الأول القبائل التي أسلمت منذ مدة طويلة وخضعت لسلطة المدينة خضوعاً تاماً، وهي القبائل التي تسكن بالقرب من المدينة ومكة وفيما بينهما كجهينة ومزينة وبلي وأشجع وأسلم وهذيل وخزاعة وغيرها. ووضع في الصنف الثاني القبائل التي تعاقدت مع الرسول واشتركت في المدة الأخيرة في حروبه وقد كان فيها على إسلامها أقلية مختلفة تنتهز الفرص للتملص من سلطة المدينة ومن هذه القبائل هوازن وعامر بن صعصعة وطي وسليم وخثعم.

стр. 5540

ووضع في الصنف الثالث القبائل الساكنة على حدود المملكة الإسلامية، فخضعت هذه القبائل سياسياً لسلطة المدينة، ودفعت الصدقات إلى الرسول، وفيها أكثرية تتحين الفرص للرجوع إلى حالتها القديمة. ومن أخطر هذه القبائل بنو أسد وبنو غطفان وبنو تميم الساكنون في مناطق نجد الغنية. ووضع في الصنف الرابع القبائل التي لم تخضع لسلطة المدينة، بل اكتفت بإرسال الوفود إلى الرسول وتظاهرت بالخضوع له. فيها أقلية مسلمة ضئيلة تستند إلى قوة المسلمين في المدينة للاحتفاظ بمنزلتها. ومن أخطر هذه القبائل بنو حنيفة وعبد القيس وأزدعمان وأكثر قبائل حضر موت واليمن. أوفد الرسول إليها عمالاً ليمثلوا الإسلام، وليعلموا المسلمين أمور الدين. أما القبائل التي وضعها في الصنف الخامس فهي القبائل التي لم تسلم وكانت نصرانية أو مشركة. وهي القبائل الساكنة في الشمال كبني كلب وبني تغلب وبني غسان وقضاعة وتنوخ وبني بكر. وبعض القبائل في حضر موت واليمن. ولكني لا أجاري المؤرخ الطلياني في تصنيفه هذا؛ بل من الثابت أن تأثير الإسلام في القبائل العربية كان يختلف باختلاف العوامل التي ذكرناها قبلاً، والواقع أن الرسول لم يمت إلا وقد ظهرت حركة الردة في القبائل، فمنها من طلب إعفاءه من إعطاء الزكاة، ومنها من امتنع من إعطائها، ومنها من قدم رجلاً وأخر أخرى في ذلك فأمسك عن الصدقة، وأخيراً منها من ارتد وطرد عمال الرسول أو قتل المسلمين ومثل بهم. وكان الرسول في حياته قد حرض عماله في اليمن على مقاتلة الأسود العنسي الذي ادعى النبوة واستولى على أكثر مقاطعات اليمن. أما أبو بكر فرد الوفود التي أتت المدينة وطلبت منه أن يعفيها من إعطاء الزكاة، وقال كلمته المشهودة (والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه) ولما وردت الكتب من أمراء الرسول تنبأ أبو بكر بأن الناس ارتدوا عامة وخاصة وأنهم تبسطوا بالتمثيل فحاربهم. ٤ - قوات الفريقين: ١ - أهل الرّدة: إذا استقصينا الأخبار التي رواها الرواة توصلنا إلى النتائج التالية: (أولاً) لم ترتد القبائل الساكنة إلى شرقي مكة وغربها وجنوبها، بل ظلت على الحياد غير

стр. 5541

ميالة إلى أحد الفريقين، وهي قبائل كنانة وأزد وبجيلة وخثعم وعك وأشعر وحكم وغيرها. (ثانياً) تأثر بحوادث الردة القبائل الساكنة إلى شمال شرقي مكة كهوازن وعامر بن صعصعة وجذيلة. أما بنو سليم فقد ارتد الكثير منهم، بيد أن هذه القبائل جميعاً لم تشهر سلاحها في وجه المسلمين. (ثالثاً) أما قبائل طيء فأنها إلى أي جانب تميل ومع ذلك فان قسما قليلاً منها انضم إلى جيش طلحة الأسدي مدة قصيرة. (رابعاً) وأما قبائل قضاعة الساكنة إلى شمالي المدينة فأنها شهرت سلاحها على المسلمين. ومع ذلك لا يصح أن يقال إن هذه القبائل جميعاً ساعدت أهل الردة الذين ثاروا في وسط الجزيرة، بل إن بعضها ظل في منطقته إما على الحياد وإما متردداً لا يحرك ساكناً، وإما أنه طرد العمال الموفدين من المدينة في عهد الرسول. لذلك لا يجوز اعتبار هذه القبائل من القبائل الساكنة في وسط الجزيرة التي حشدت رجالها وأغارت على ضواحي المدينة، أو أنها تأهبت لمنازلة جيش المسلمين. أما القبائل التي اشتركت في حروب الردة فعلاً فأليك بيانها: ١) بنو فزارة وبنو غطفان الساكنون إلى شرقي المدينة على طريق نجد. فقد توافد رؤساء هذه القبائل إلى المدينة وطلبوا من أبي بكر أن يعفيهم من الزكاة. ولما لم يجب طلبهم رجعوا فجمعوا رجالهم وتأهبوا لمباغتة المدينة. ٢) بنو أسد الساكنون على منتصف الطريق التي بين الحجاز ونجد إلى جنوبي جبل شمر. ويزعم الرواة أن طليحة بن خويلد الأسدي ادعى النبوة في حياة الرسول وجمع رجاله في السميراء. ولما توفى الرسول وامتنعت القبائل من إيتاء الزكاة سعي إلى جمع القبائل حوله، واقترح عينية بن حصن الفزاري ترك المنازعات بين بني أسد وبني غطفان وعقد حلف بين بني فزارة وبني غطفان وبني أسد. لبي بنو فزارة هذه الدعوة واتحدوا مع بني أسد، وكذلك البعض من بطون طيء أيضاً انضم إلى طليحة، حتى أن رئيس جديلة بن طي، ثمامة بن أوس، جمع خمسمائة رجل وانضم إلى بني أسد.

стр. 5542

٣) بنو تميم الساكنون في نجد في منطقة القصيم. وتتألف هذه القبيلة من عدة بطون. ولما بلغها نعى الرسول امتنع أكثر بطونها عن أداء الزكاة. وكان الاختلاف قد دب فيما بينها، ولما ظهرت سجاح من شمالي الجزيرة بجموعها من تغلب مدعية النبوة، ودخلت حتى بني تميم لأنها كانت تمت إليهم بنسب، التف حولها بعض من تميم. ويزعم الراوي سيف بن عمر أنها كلفت مالكا بالمسير معها نحو المدينة للهجوم على أبي بكر. وكان البعض من بطون بني تميم لم يرتد فالتجأ إليه المسلمون الهاربون من البطون الأخرى فقاتل سجاحا ومن معها من بني تميم ومنعها من التقدم نحو المدينة. والرواة يزعمون أنه انتصر عليها وعلى حلفائها من بني تميم وألجأها إلى مغادرة ديار بني تميم والذهاب إلى مسيلمة الكذاب. (٤) بنو حنيفة الساكنون في اليمامة. ادعى رئيس هذه القبيلة مسليمة النبوة فآمن بنبوته جميع بني حنيفة. ويظهر أن دعوة الإسلام لم تنتشر فيها وكان معظمها مشركا. فلما ادعى مسليمة النبوة آمنت بنبوته. وهي ولا ريب من أخطر القبائل التي اشتركت في حروب الردة وقاتلت المسلمين قتالاً عنيفا. وذاق المسلمون الأمرين في حروبها. ويزعم الراوي سيف بن عمر أن جيش بني حنيفة المحارب بلغ أربعين ألفاً. ومن العسير معرفة قوات هذه القبائل التي اشتركت في المعارك، والواضح أن قبائل غطفان وفزارة التي حاولت مباغتة المدينة حتى اضطر أبو بكر إلى مقاتلتها كانت دون القبائل شأناً. ولعل القوات التي جهزتها لم تزد على آلفي رجل. أما القوة التي استطاع طليحة أن يجهزها ويقاتل بها جيش المسلمين فكانت تربو على أربعة آلاف مقاتل، وانضم خمسمائة رجل من جديلة طيء وسبعمائة فارس بقيادة رئيس بني فزارة عيينة بن حصن. أما بنو تميم فلو اتفقت بطونها وقابلت جيوش المسلمين لبلغت قوتها زهاء عشرة آلاف مقاتل، غير أنها لم تتفق فيما بينهما، بل حارب بعضها بعضاً، ولما وصل خالد بن الوليد بجيشه إلى ديار بني تميم كانت البطون قد تفرقت. أما بنو حنيفة فكان جيشهم من أقوى الجيوش التي حاربت المسلمين، ومع أن سيفاً يزعم أن قوتهم بلغت أربعين ألفاً، بيد أننا لا نميل إلى اعتقاد صحة روايته، ولعل قوة جيش بني

стр. 5543

حنيفة لم تزيد على خمسة عشر ألف مقاتل. والذي جعل الرواة يبالغون في تقدير جيش بني حنيفة هو وعورة المنطقة التي حارب فيها المسلمون، والحقيقة أن أرض اليمامة أرض وعرة فيها وديان وشعاب وجبال وعقبات وثنايا. والذي زاد في مناعة الأرض القرى المحصنة بالأسوار والحدائق المسورة بالأحجار المكدسة شأن الكثير من قرى العارض والسدير في بلاد نجد. ب. المسلمون: جهز الرسول جيش أسامة قبل وفاته بمدة قليلة وكان يقصد إيفاده إلى الشمال. واجتمع الجيش في الجرف في شمالي المدينة، ولما علم بمرض الرسول أجل حركته. وبعد وفاته أوفده أبو بكر لينفذ الخطة التي رسمها له الرسول في حياته. ونصح بعض الصحابة أبا بكر أن يبقيه لكي يعتز به بعض الإسلام وأراد بعضهم تبديل قائده، بيد أن الخليفة لم يجب طلبهم، ولم يرض أن يبدل ما قرره الرسول. وليس لدينا معلومات موثوق بها عن قوة هذا الجيش، لأن المؤرخين القدماء جريا على عادتهم، بحثوا في قائده والأوامر الصادرة إليه، والغاية المتوخاة من إيفاده وغير ذلك ولم يذكروا مقدار قوته. وإذا تأملنا في سبب إيفاده، ظهر لنا أن قوته يجب أن تكون كافية. وسبق أن جهز الرسول جيشين لهذه الغاية ذاتها وهما: جيش جعفر بن أبي طالب الذي قاتل الروم في البلقاء في وقعة موتة، وكانت قوته ثلاثة آلاف مقاتل، والجيش الذي قاده الرسول بنفسه ليغزو به تبوك، وقد بالغ المؤرخون في قوته، وزعموا أنه بلغ ثلاثين ألفا، أما جيش أسامة، فهو الجيش الثالث، ونعتمد أن قوته يجب ألا تقل عن خمسة آلاف. وكان المهاجرون والأنصار نواة هذا الجيش. فالمهاجرون والأنصار عماد الجيش الإسلامي، وهم كالحرس الذي كان يؤلفه الملوك للاعتزاز به في تنفيذ خططهم، إصلاحية كانت أم حربية واشترك هؤلاء في غزوات الرسول وحروبه من أولها إلى آخرها. وكانوا يؤثرون النبي على أنفسهم في جميع أعمالهم، فكان الإسلام متمكناً من قلوبهم، فلا غرو إذا رأينا الإسلام يقوم على سواعدهم بعد وفاة الرسول، ولعل عددهم كان يتفاوت بين الألف والخمسمائة وبين الألفين لما توفى النبي.

стр. 5544

وكان أكثرهم في جيش أسامة، ماعدا البعض منهم فانه بقي في المدينة مع أبي بكر، أو أوفد في حياة الرسول عاملاً أو معلماً أو مبشراً إلى الأقطار العربية النائية، أو جابياً أو معلماً إلى القبائل العربية القريبة. ويلي المهاجرين والأنصار قريش التي أسلمت بعد فتح مكة وأبلت بلاءً حسناً في الإسلام بعد ذلك. أجل، إنها لبت الدعوة أخيراً وقسراً، إلا أنها اقتنعت أن عز الإسلام من عزها فناصرت الرسول في حياته من أعماق قلبها، حتى أن الرسول بعد فتح مكة رضى أن يظل البعض من قريش مشركاً حتى يفتح الله قلبه، ومع ذلك لم يحجم هذا البعض عن الجهاد معه في غزوة صفين أو في محاصرة الطائف. ولعل القوة التي كانت قريش تستطيع أن تجهزها للقتال زادت على ألفي مقاتل على أقل تقدير. ويلي قريشاً القبائل الساكنة بين الحرمين، مكة والمدينة، وهي التي ناصرت الرسول في دعوته. وقد اشترك بعضها في الغزوات، وجاهدت أخيراً في حروب الرسول. فقربت هذه الحروب بينها وبين المهاجرين والأنصار وربطتهما برباط متين. فلا مندوحة إذن من أن نرى أبا بكر يدعوها إلى الجهاد لما كان جيش أسامة بعيداً عن المدينة، فلبت دعوته راغبة مطيعة، وهذه القبائل هي: أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب وغيرها. ولعل القوة المحاربة في هذه القبائل لم تزد على ثلاث آلاف. وتليها قبيلة بني ثقيف الساكنة بين مكة والطائف وهي خير من أسلم من قبائل الحجاز. واشتهرت بشدة مراسها وصلابة عودها؛ وكانت تعتز بعاصمتها الطائف المسوَّرة. ولم ترتد ثقيف على ما سبق ذكره، بل بقيت متمسكة بالإسلام، وكانت قوتها المحاربة تقدر بأكثر من آلفي مقاتل. هذه خلاصة القوات التي كان الخليفة يعتمد عليها في محاربته أهل الردة. وقد ظهر لك أنها كانت تبلغ عشرة آلاف متى تيسر جمعها. والواضح أن جيش أسامة بن زيد كان مؤلفاً من معظم المهاجرين والأنصار وبعض رجال القبائل. وذلك لما كان أسامة بعيداً عن المدينة إذ أخذت القبائل المرتدة الواقعة إلى شرقي المدينة تهددها. ولعل من الفائدة أن نذكر بهذا الصدد مقدار القوات التي استطاع الرسول أن يجمعها في

стр. 5545

حروبه: كانت قوة المسلمين في غزوة بدر لا تزيد على ثلاثمائة رجل؛ أما في غزوة أحد فكانت زهاء الألف، وفي غزوة الخندق بلغت ثلاثة آلاف. أما في فتح مكة إذ ظهرت سطوة الإسلام، وقويت شوكة المسلمين فكان جيش المسلمين عشرة آلاف، نواته المهاجرون والأنصار، وقوامه رجال القبائل الضاربة إلى شرقي المدينة وشمالها وجنوبها. ويزعم الرواة أن جيش الرسول بلغ ثلاثين ألفاً في غزوة تبوك، كان عشرون ألفاً منه رجالاً وعشرة آلاف فرساناً. أجل إن الموقف العسكري كان ملائماً لمبادرة رجال القبائل إلى الالتفاف حول راية الإسلام للهجوم على بلاد الشام وهي المشهورة بخيراتها، وذلك يجعل جيش المسلمين يصل إلى حده الأقصى، إلا أننا لا نظن أنه بلغ القوة التي ذكرها الرواة، ولعلها بلغت أكثر من خمسة عشر ألفاً. ولما امتنعت القبائل العربية عن أداء الزكاة وارتد البعض منها لم يكن في وسع الخليفة أن يجمع كل القوات التي يستطيع أن يعتمد عليها على ما سبق بيانه. لأن جيش أسامة كان في الشمال، وفيه نخبة الجنود المجاهدين. أما قريش وثقيف فكانتا بعيدتين عن دار الحركات، لذلك دعا أبو بكر القبائل الضاربة بين المدينة ومكة أولاً؛ ولما رجع جيش أسامة استنجد به. ثم أخذ رجال قريش وبعض ثقيف ينضمون إلى الحملات. ومن الثابت أن قوة المسلمين كانت جد ضعيفة لما تأهب بنو غطفان وفزارة للهجوم على المدينة، ولعلها لم تجاوز بضع مئات. (يتبع) طه الهاشمي

стр. 5546

من مشاهداتي في أوربا: معجزات طبيب للأستاذ عبد الحميد فهمي مطر في بطن واد من وديان بلاد النمسا بين التلال والسهول المكسوة بالأشجار الباسقة والخضرة الضاربة، قرية صغيرة كانت قبل خمس سنوات مجهولة لا يطرقها طارق، ولا يذكر اسمها ذاكر. ولكنها أصبحت منذ سنة ١٩٢٩ محط الرحال، ومهبط الآمال، تعرفها شعوب الأرض قاطبة، ويحج إليها المريض الأوربي إنجليزياً كان أو ألمانياً أو إيطالياً أو تركياً أو مجرياً كما يحج إليها مرضى القارات الأخرى أمريكا واستراليا وآسيا وأفريقيا، تلك هي قرية جالزباخ الصغيرة التي تبعد عن فينا أربع ساعات في القطار، وتعلو عن سطح البحر بنحو٣٠٠ متر تقريباً. عرفت تلك القرية منذ أنشأ فيها (فالنتين تسايلايس) رجل المعجزات والعجائب كما يسميه أفراد تلك الشعوب، مصحته العظيمة التي كلفته نحو الأربعين ألفاً من الجنيهات. وإذا كان تسايلايس استطاع بمهارته وقدرته ومخترعاته أن يعالج بالألكتروراديوم الأعمى فيبصر، والأخرس فينطق، والمقعد فيمشي، والأشل فيبرأ، وغير ذلك من المرضى فيشفون، فقد حق لتلك الشعوب أن تطلق عليه اسم الساحر أو طبيب المعجزات والعجائب. ولقد مكنت لي الظروف صيف هذا العام أن أتعرف إلى الكثيرين في تلك المصحة من المرضى النازحين إليها من مختلف شعوب الأرض، بعضهم لعلاج العمى، وبعضهم لعلاج الشلل، وبعضهم لعلاج الربو، وهكذا من شتى المرضى بالعاهات المختلفة، ورأيت فيهم جميعاً روحاً غريبة هي روح الثقة بالشفاء على يدي هذا الرجل إن عاجلاً أو آجلاً، كل حسب شدة المرض عنده. وقد تحدثت هنالك إلى رجل نمساوي كان أعمى وأبصر، فعلمت منه أنه مستمر في العلاج بالألكتروراديوم لتحسين قوة نظره، وهو يتطوع أبداً لقيادة العميان وأخذهم في صف واحد ممسكاً كل واحد منه بقميص الآخر من الخلف في دخولهم إلى حجرة العلاج وخروجهم منها. كما أني تحدثت مع فتى إنجليزي، وآخر ألماني، كان كل منهما أشل لا يستطيع أن يحرك نصفه الأيسر، وبعد العلاج مرتين أو ثلاث مرات أصبح كل منهما قادراً على المشي بعرج بسيط، وكلاهما يأمل في الشفاء التام بعد تكرار

стр. 5547

العلاج مرة أخرى أو مرتين، وهناك فوق هؤلاء وهؤلاء عشرات من الشيوخ الذين يحجون إلى مصحة هذا الساحر لاسترجاع شبابهم واستعادة قوتهم. وقد قابلت هناك من المصريين عبد الرحمن فهمي بك السكرتير السابق للوفد المصري، وقد ذكر لي أنه كان يعالج عينيه مما يسمى بالذباب الطائر، وأنه قد برئ منه، وأن هذه سابع مرة يحج فيها إلى تلك المصحة لأنه يشعر بعد كل مرة أن الشباب والقوة يتدفقان في جسمه، وقد حدثني كثيراً عما رأى من معجزات تسايلايس، وكان مما ذكره أنه رأى اخرس علاجه هذا الرجل بطريقته الشاذة العجيبة حتى أنطقه. ورأيت هناك أيضاً من المصريين أحمد حجازي بك عضو مجلس النواب السابق وأسرته لأول مرة له، ليعالج نفسه من الربو، وليعالج كريمته التي عجز نطس الأطباء في أوربا عن شفائها، وهو وإن لم تطل مدة إقامته هناك إلا أنه ذكر لي أنه استفاد فائدة محسوسة من العلاج، وأنه لابد أن يعود في العام المقبل مع كريمته ليستأنف علاجها مدة حتى تشفى على اعتقاده نهائياً. أما أنا وصديقي الأستاذ علم الدين القوصي فقد جمعتنا ظروف المرض العصبي الذي عجز أطباء مصر عن علاجه، فقصدنا لأول مرة تلك المصحة حسب نصيحة الدكتور يوسف قابيل مأمور القنصلية المصرية بفينا، والذي نسجل له على صفحات الرسالة جزيل شكرنا على ما لقيناه منه من مساعدة ونصيحة. قصدناها فعالجنا الساحر النمساوي ثلاثة أسابيع بالألكتروراديوم، فأحس كل منا بالتحسن الكبير في صحته، وعدنا شاكرين الله سبحانه على اهتدائنا لهذا الطبيب. وقد حصلت على إحصاء رسمي عن آلاف المرضى الذين عولجوا في تلك المصحة في خمس سنين من سنة ١٩٢٩ إلى سنة ١٩٣٣ فكان كالآتي. سنة ١٩٢٩: ١٠١٠٠مريض، سنة ١٩٣٠: ١٦٣٥٤مريضاً، سنة ١٩٣١: ١٠١٥٥مريضاً، سنة ١٩٣٢: ١٢٠٩٢مريضاً، سنة ١٩٣٣: ٧٦٧٠مريضاً، وكان عدد المرضى في شهور سنة ١٩٣٤ كالآتي. يناير ٣٦٤، فبراير ٣٠٤، مارس ٤١٦، أبريل ٦٠٢، مايو ٦٠٤، يونيه ٧٢٥، يوليه ٨٨٣. والذي يتتبع هذا الإحصاء يرى تناقصاً في العدد في سنتي ١٩٣٣، ١٩٣٤ ويرجع السر في ذلك إلى إقفال الحدود النمساوية الألمانية، فقد قررت حكومة ألمانية في يونيه سنة

стр. 5548

١٩٣٣ على كل ألماني يرغب في اجتياز الحدود النمساوية أن يدفع ألف مارك، أي نحو ٧٥ جنيهاً، فكان هذا سبباً في صد تيار الألمان الذي كان يتدفق قبل ذلك إلى جالزباخ، ويكفي للدلالة على ذلك أن تعلم أن عدد الأجانب الذين هبطوا تلك القرية أخذ في التناقص من ٧٤ % من جميع المرضى في سنة ١٩٢٩ إلى ٥٥ % في سنة ١٩٣٣ إلى ٤٧ % فقط في شهور سنة ١٩٣٤. أما تسايلايس ومصحته وطريقته في العلاج فقد أثارت ضجة عظيمة في الجرائد الأوربية عامة والنمساوية والألمانية خاصة بين سنتي ١٩٢٩، ١٩٣١، وقد اطلعت على بعض المقالات التي نشرت في الجرائد الإنجليزية تحت عناوين مختلفة، منها مقالة في (الديلي ميل) بتأريخ ١٧ ١٢ ١٩٣٠ تحت عنوان (عمليات بالآلة الكهربائية) أطرت فيها استخدام الكهرباء بدل المشرط في العمليات الجراحية، ومقالة أخرى طويلة في تحت عنوان (معجزات النمساوي صاحب العصى السحرية) وغيرها مما لا يتسع المقام لتفصيله. وسنأتي فيما بعد على طرف من أخبار انتصاره على أساتذة الطب في النمسا وألمانيا، كما سنذكر شيئاً عن الطرق التي يستخدمها في العلاج والأمراض التي يعالجها. عبد الحميد فهمي مطر

стр. 5549

٣ - الشريف الأدريسي يضع أقدم وأصح خريطة جغرافية للدنيا القديمة للأستاذ محمد عبد الله ماضي عضو بعثة تخليد ذكرى الإمام محمد عبدة بألمانيا تتمة ١٣ - الأستاذ كونراد ميللر يُعنى عناية خاصة بدرس خريطة الإدريسي وطبعها طبعة ملونة لأول مرة. لم تخف قيمة هذه الخريطة العلمية والفنية على علماء الجغرافيا المستشرقين، فالكثير منهم قد اشتغل بدراستها في مختلف العصور، وكلنهم شغلوا أنفسهم بنواحي خاصة منها، ولم يجر واحد منهم بحثا شاملا مستقصيا مع اعترافهم جميعا بمنزلتها وتقديرهم لها. ومازالوا على طريقتهم هذه ولم يخرجوا عنها إلى أن أتى الأستاذ كونراد ميللر فأجرى عن هذه الخريطة البحوث المستفيضة وكتب عنها الفصول الطوال التي استغرقت أعداداً كاملة من مجموعته العربية تلك المجموعة التي ضمنها أبحاثه في الجغرافية العربية، ثم توج هذا العمل الجليل الذي نشكره عليه ونقدره له بطبع الخريطة سنة ١٩٢٨ لأول مرة طبعة ملونة. أبرزها في تلك الحلة الفاخرة المتناسبة الأجزاء، فدل على المدن بدوائر ملونة باللون المذهب، ورسم الأنهار والبحيرات بلون أخضر فاتح، والجبال بألوان مختلفة أحمر

стр. 5550

وأصفر وبنفسجي إلى جانب بعضها، كل هذا فوق أرضية فاتحة اللون تدع نفسها متميزة بوضوح عن لون البحار المدلون عليه باللون الأزرق السماوي المموج بخطوط رفيعة بيضاء، كما أنها تساعد على تحديد المسالك بعضا عن بعض بسهولة. ولقد كتب أسماءها بحروف لاتينية مميزاً الأقاليم السبعة بخطوط رفيعة حمراء وجعل طولها مترين وارتفاعها متراً تقريباً. وبهذا تكون مساحتها ٤٧ مساحتها الأصلية التي قدمنا أنها كانت بطول ثلاثة أمتار ونصف متر، وارتفاع متر ونصف متر تقريباً. وهذا وقد يظن أن المساحة الأصلية كانت كبيرة بشكل زائد على اللزوم، ولكن سوف يتلاشى هذا الظن إذا علمنا أنها تتضمن من أسماء المدن فقط التي كانت مائجة بالعمران في ذلك العصر ٢٠٦٤ اسماً: (٣٦٥) بأفريقيا، (٧٤٠) بأوربا، (٩٥٩) بآسيا، ويوجد بين هذه الأسماء كل أسماء المدن الشهيرة المهمة في ذلك الوقت. قبل هذه الطبعة لم تكن الخريطة موجودة بشكل تام مشتبكة الأجزاء بعد فقدان الأصل للخريطة الحائطية، وإنما كانت موجودة في قطع متفرقة داخل كتاب نزهة المشتاق أو مستقلة بذاتها. ومجموع هذه القطع الموجودة إلى الآن منها يبلغ ٢٥٥ قطعة كما ذكر الأستاذ ميللر، توجد بمكاتب باريس وأكسفورد وأستانبول وليبننجراد والقاهرة؛ وكانت هذه القطع من الأصل الذي طبع عنه الأستاذ ميللر تلك الطبعة التي بين أيدينا.

стр. 5551

وهناك خريطة أخرى تدعى الخريطة الإدريسية الصغيرة طبعها الأستاذ ميللر كذلك في مجموعته، وهي ليست لصاحبنا الإدريسي وإنما هي لابنه محمد وضعها سنة ١١٩٢، واسمها روض الفرج. ولقد وجدها بعض الباحثين كذلك في أستانبول في ٧٣ قطعة، وإذا وازنا بينها وبين خريطة والده فأننا نجده قد أخذها صورة طبق الأصل عنها بشيء يسير من التغيير، ومع هذا فقد فاتته عناية والده في الرسم. ١٤ - خريطة الشريف الإدريسي اقدم خريطة عالمية يعرفها التاريخ. موازنات بينها وبين بعض الخرائط وباق مميزاتها. بقى أن نذكر مع الفخر والإعجاب أن الخريطة الإدريسية أقدم خريطة عالمية صحيحة كبيرة مفصلة وموضوعة بغاية الضبط والإتقان والوضوح عرفها التاريخ إلى الآن. نعم لقد وصل إلى أيدي علماء الجغرافيا خريطة من عهد قياصرة الروم لها من العمر ضعف ما للخريطة الأدريسية وهي خريطة (بويتنجر) التي وضعت في عام ٣٦٥ بعد الميلاد، ولكنها ليست خريطة عالمية للدنيا القديمة كخريطة الإدريسي، وإنما هي خريطة لبيان طرق المواصلات فقط، فضلا عن أن المدن والمحطات التي ذكرتها أصبحت كلها أنقاضاً لا يعرف لها أثر، فالناظر إلى هذه الخريطة وإنما يستطيع أن يتصور موضعها بالتقريب. وإما خريطة الإدريسي فهي فوق كونها عالمية تمثل الدنيا القديمة، وبالرغم من أنها تبلغ من العمر نحو ثمانمائة سنة فكل المواضع التي ذكرتها يستطيع الباحث أن يعثر عليها ويتثبت منها إلى الآن، ومازال أغلبها يعرف بنفس الأسماء التي ذكرها الإدريسي إلى يومنا هذا. نحن لم نرث من العصر القديم خرائط جغرافية عالمية وإن كان قدماء اليونان قد وضعوا خرائط من هذا النوع مبنية على طريقة فلكية متقنة، وأشهرها خريطة الدنيا لبطليموس التي تزيد على خريطة الإدريسي بألف سنة في القدم، ولكنها ليست خريطة للدنيا بالمعنى الذي نعرفه ولا على منهج خريطة الإدريسي تبين الممالك ومواقعها إلى آخر ذلك، وإنما هي خريطة للدنيا بمعنى أنها تعطي نظرة عامة فقط في الدنيا القديمة وتبلغ مساحتها ٣٥ سنتيمتراً في ٥٢ سنتيمتراً. هذه الصورة التي أعطتها خريطة بطليموس ظلت معتبرة في بلاد الشرق والغرب إلى آخر العصر المتوسط. ولقد اخذ الإدريسي حدودها

стр. 5552

واستعان بها عند وضع خريطته، ولكن من حسن الحظ كما عبر الأستاذ ميللمر أن الإدريسي قطع النظر بالكلية عما احتوته خريطة بطليموس بعد الصورة والتحديدات العامة تنفيذا لأمر رجار الثاني، نقول من حسن الحظ لأن الأسماء التي ذكرها بطليموس في خريطته على كثرتها غير مطابقة للواقع بأكثر من ١ % مع التسامح في هذا النسبة، وكذلك درجات العرض والطول المثبتة في خريطة بطليموس تختلف عن الحقيقة بمئات من الأميال، لهذا كان من الحكمة والسداد قطع النظر عما أثبت في تلك الخريطة بالكلية، وكذلك فعل الإدريسي ووصل بمجوده المستقل إلى أن يعطينا صورة صحيحة مطابقة للعصر الذي عاش فيه بما لا ينتظر خيراً منه. الأمر الذي جعل لتقسيمات الممالك في الخريطة الإدريسية وللتقسيمات السياسية على الإطلاق قيمة علمية فائقة. نعم أظهر بطليموس مقدرة العالم الفلكي عند وضعه لخريطته في الوقت الذي أثبت فيه درجات العرض والطول بناء على حساباته العلمية المبنية على القواعد بمقدار لم يصل إليه الإدريسي، ولكن هذا لا يغنيه شيئاً بجانب عدم التحري للحقيقة. وعند الموازنة بين خريطته وبين خريطة الإدريسي نجد أن بطليموس اثبت خطوط العرض والطول معاً ولكنها تختلف عن الواقع بشكل غير مقبول. أما الإدريسي فأنه اثبت درجات العرض فقط ولكن بعد قياسات صحيحة، فهي مطابقة للحقيقة بمقدار يدعو المقدر للخريطة الإدريسية علمياً إلى أن ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال. وأما خطوط الطول فقد ترك إثباتها الإدريسي عن قصد، إذ تبين له أن مقادير المقاييس التي وصلت إليه غير صحيحة، ولأنه لم يتيسر له بعد هذا إجراء قياسات أرضية لبيان درجات الطول وقياس الكرة السماوية، وإن كان في الاستطاعة فانه لا يعطي نتيجة مقطوعاً بها. هناك خريطتان أخريان (١) خريطة نسبة للدير الذي وجدت فيه بمدينة هانوفر من أعمال ألمانيا. (٢) خريطة التي وجدت بإحدى كنائس هرفورد بإنجلترا. وهاتان الخريطتان بالرغم من أنهما وضعتا بعد الخريطة الإدريسية بمائة سنة فلم تكونا عملاً علمياً، وإنما كانتا عبارة عن تخطيطات زخرفية كما عبر الأستاذ ميللر، تمثلان شيئاً من العصور السابقة لعصرهما، غير محتويتين إلا على شيء يسير من الجغرافية

стр. 5553

المعاصرة لهما. لعل القارئ يتساءل الآن عن مقياس الرسم للخريطة الأدريسية، وهنا أقول إن مقياس الرسم بالمعنى الحديث الذي نعرفه والذي بمساعدته يستطيع الإنسان أن يعرف مساحة جهة من الجهات بقياس مساحتها فوق الخريطة، مقياس الرسم بهذا المعنى لا نجده في خريطة الإدريسي، وهو طبعاً لم يوجد في جميع الخرائط القديمة، وإنما وجد بعد وضع خريطتنا بمئات السنين. على أن الإدريسي قد أشار إلى طريق الوصول إلى معرفة مثل هذا المقياس الحديث. الإدريسي ذكر درجات العرض وقدر الدرجة بخمسة وعشرين فرسخاً، والفرسخ بثلاثة أميال، وعليه فالدرجة ٧٥ ميلاً، ولكن الذي لم يذكر قدره الإدريسي هو الميل، فان قدرنا الميل بما كان معروفا عند الروم وهو كيلو متر ونصف تكون الدرجة مقدرة عنده بـ ١١٢. ٥ كيلو متر، وبهذا يكون الإدريسي أعطانا مقياس الرسم لخريطته بشكل واضح. في الختام أريد أن أذكر لحضرات القراء بعض المميزات التي تزيد في قيمة الخريطة الإدريسية، وقيمة شرحها نزهة المشتاق: (١) تجنب الإدريسي ذكر الخرافات التي كانت شائعة في العصر المتوسط، والتي تورط في ذكرها غيره من المؤلفين. ولقد كان من حنكته أنه إذا ذكر شيئاً خارجا عن حدود العادة نسبة إلى ناقله، ثم أعقبه بكلمة احتياط كقوله: والقادر على كل شيء أعلم بما في هذا من الحقيقة. ولم يرسم ما كان شائعاً رسمه عند علماء الجغرافية مما يمثل الغرائب الخرافية، وطبعاً كان لتعاليم الإسلام الفضل الأكبر في هذا. (٢) انفردت خريطة الإدريسي بأنها هي الخريطة الوحيدة التي تعطينا صورة صحيحة عن البلاد الواقعة حول البحر القزويني وصحراء العجم في مدة من الزمن تبلغ نحو قرن، هذه المدة التي لولا خريطة الإدريسي لظلت حلقة مفقودة في تاريخ هذه البلاد. (٣) إن خريطة الإدريسي وحدها هي التي مثلت لنا دولة الإسلام العربية وهي في عصرها الذهبي، تلك الدولة التي كان حظها حظ المائدة الفضية التي علم خبرها والتي قضى عليها في وقت وجيز على يد التتار والمغول. فما لم تصل إليه يد جنكيز خان بالتدمير من المدن الغربية وحضارتها إلى عام ١٢١٩ ميلادية صعقته يد هولاكو التتري يوم ضرب العواصم الإسلامية، وترك جنوده يعيثون في بغداد فساداً في فبراير سنة ١٢٥٨ سبعة أيام كاملة،

стр. 5554

قتلوا فيها أهلها، وخربوا عامرها، وحرقوا كتبها أو أغرقوها. ومن هذا الوقت تغيرت العواصم، وتبدلت الأسماء وخلفت الدولة العربية دول المغول والأتراك، وأخذت الخرائط التي وضعت بعد ذلك وجهاً آخر جديداً. فالخريطة الإدريسية إذن هي آخر تمثال لدولة العرب الغابرة يلهمنا العظة ويحدثنا عن فتوحهم وعن مجدهم وفخارهم بأنصع عبارة وأجلى بيان. وإنني في الختام أدع الحكم على قيمة هذا العمل العلمي الكبير، وعلى مجهودات الإدريسي ورجار المشكورة لرجل خبير درس الخريطة وشرحها (نزهة المشتاق) دراسة وافية، لرجل لم يجر في عروقه الدم العربي، ولا مجال لاتهامه بالتحيز في حكمه، ذلك هو الأستاذ (كونراد ميللر) إذ يقول في آخر بحث أجاره لشرح الخريطة ما معناه: (إن رجار الثاني والإدريسي بوضعهما لهذه الخريطة قد وضعا أهم حجر أساسي في تاريخ انتشار العلم الإنساني) واليكم عبارته بالنص الألماني: , , , أما كلمتي أنا فأني أوجهها إلى ورثة الأمة العربية، وأخص شباب مصر الناهض وأبناءها البررة العاملين، أوجهها إلى هؤلاء جميعاً بعد أن نشرت بين أيدي القراء صحيفة ناصعة من صحائف أسلافنا الأمجاد، وبعد أن عرضت عليهم بعض ما يجعلنا نعتز بتاريخنا، ونفخر بماضينا، وأناشد هذا الشباب المصري ليجدَّ في العمل كل في ناحيته راجياً أن نوفق في مسعانا، ونربط حاضرنا بماضينا لنصل بوطننا العزيز بمشيئة الله وعونه إلى مكانه الذي أخذه فوق ذروة المجد، وعلى قمة العلياء تحت قيادة مليكنا المحبوب قائد النهضة وحامل لوائها في مصر والشرق. محمد عبد الله ماضي

стр. 5555

لننشد الجمال! للأديب حسين شوقي في مقدور شبابنا اليوم ولاشك أن يتعلموا في مصر تعلماً صحيحاً بفضل الجهود التي بذلتها حكوماتنا في السنوات الأخيرة لاستجلاب الفنيين والأساتذة الأعلام من الخارج. . حتى زادت بفضل ذلك نسبة المتعلمين في مصر زيادة عظيمة، وهو أمر محمود بطبيعة الحال، ولكن. . . مما يؤسف له عدم اكتراث أولياء الأمور المسيطرين على تربية النشء بتنمية الذوق. . . أجل، الذوق أهمل أمره في مصر إهمالاً شائناً. . . إنهم يزوّدون الشباب بمختلف العلوم، ليدخلوا بها الحياة، ولكنهم لا يحببونهم في الحياة نفسها. . إنهم لا يرشدون الشباب إلى ما في الحياة من أسباب الجمال، مع أن الحياة الخالية من الجمال هي طعام خالٍ من الملح. . . يجب أن يتذوق الناشئ ما في الطبيعة التي تحيط به من جمال رائع، لأنه كلما أنعم النظر فيها، وتذوق جمالها، ازداد عبادة للخالق تعالى وتقرباً منه، فاستقامت بذلك أخلاقه بلا حاجة إلى واعظ أو مرشد. . . على طالب النبات قبل أن يدرس السماد الكيماوي الذي يزيد في إنتاج زهرة ما، أن يشم عبق هذه الزهرة، وأن يملأ ناظريه من ألوانها البهجة. . كذلك على طالب علم الفلك المنهمك في تقدير عمر القمر، أن ينظر قبل هذا إلى جمال خيوط القمر الفضية وهي منعكسة على سطح الماء، أو على رمال الصحراء، وقد تلألأت كالماس النقيّ. كذلك يجب أن يرشدوا النشء إلى ما في الطبيعة من تآلف رائع غريب في الألوان، سواء في الزهور أو في الحيوان. . حتى إذا كبر الطفل. . صار ذوقه سليماً، فلا يلبس مثلاً حذاء أبيض على رداء أسود. . . كذلك ليتهم أرشدوا الأبناء إلى العناية بالطعام! يجب أن يتعوّدوا تنسيق المائدة بالأزاهير الناضرة، حتى يدخلوا الغبطة على قلوبهم. أليس لنا أسوة في آبائنا الأولين - المصريين القدماء - الذين كانوا يتناولون الطعام على أنغام الموسيقى الشجية. تلك العادة اللطيفة التي ورثها عنهم الأوربيون؟. .

стр. 5556

كذلك يجب اهتمام النشء برشاقة أجسامهم، فحذار ثم حذار من السمن الذي يشوه الشباب، فضلاً عن أنها مضرة بالصحة إذ تسبب مع الزمن أمراضاً كثيرة للجسم. . ويا حبذا لو شجعوا ميول الشباب منذ الحداثة إلى الفنون الجميلة!. فإذا آنسوا مثلاً ميلاً في طفل إلى عادة التصفير لقّنوه الموسيقى. . وإذا رأوا في آخر حب إقتناء الصور علموه الرسم. . اذكر بهذه المناسبة الواقعة المؤلمة الآتية التي حدثت منذ سنوات قليلة لأحد طلبة الطب الشرقيين في لوزان: كان هذا الطالب يكشف على مريض تحت إرشاد أستاذه، فلم يرق للأستاذ طريقة نقر الطالب على بطن المريض، بل وجدها غليظة فقال له: انقر على بطنه كأنك تلعب على البيانو. . فأجاب الطالب: ولكني لا أعرف البيانو. . - إذن أي فرع من الموسيقى تعرف؟. - لم أتعلم الموسيقى بتاتاً!!. - إذن كيف قضّيت شبابك؟. فخجل الطالب ولم يعرف كيف يجيبه. . كذلك علينا أن نوفر على النشء في المستقبل، مشاهدة بعض المناظر المؤلمة في مجتمعنا الحاضر. . ويا لله مما في مجتمعنا من مضحكات!. هذا مغرم بالمظهر. . يقتني سيارة فخمة تبهر الأنظار، بينما الدجاج يسرح في حجر داره. . وأثاثه ليس له طراز معروف، وإنما هو طراز (الشيخ أحمد) كالذي يفرش في المآتم والأفراح. . وذاك يبني داراً فخمة، فلا يترك مكاناً لحديقة، إذ ماله ومال الأزهار والأشجار وهي لا تزيد على كونها حشائش في نظره تنبت بكثرة في أطيانه الواسعة؟. . كرمة ابن هاني حسين شوقي

стр. 5557

في الأدب الدرامي ٩ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم أحمد حسن الزيات الملهاة تعريفها: الملهاة تمثل حادث منتزع من الحياة العامية يبعث اللهو ويثير الضحك. وموضوعها الجهة الوضيعة من طبائع الناس وعادات المجتمع ونقائص الحياة. أما جهة الإنسان الرفيعة ونكبات الدهر الفظيعة وجرائم الهوى السفيه فموضوع المأساة. ويخيل إليّ أن الفرق بين الملهاة والمأساة لا يزال غير واضح ولا محدد، فيحسن هنا أن نفصل القول فيه. فالملهاة تختلف عن المأساة في المبدأ والواسطة والغاية. فمبدأ المأساة حساسة الإنسان وشعوره، وواسطتها التأثير، وغايتها الرهبة من الهوى المضل، والرعب من الجرم الفظيع، والرغبة في الخلق الكريم. وأما الملهاة فمبدأها خباثة الإنسان وضعفه، وواسطتها السخرية والضحك، بأن تنظر إلى عيوب الناس نظرة الضاحك الساخر مادامت غير مؤلمة فتثير الرحمة، ولا محنقة فتثير البغض. ولا مخطرة فتثير الفزع. ثم تصور هذه النقائص بمهارة ودقة، وتستعين على تقوية هذه الصورة بالمفارقات والمفاجآت لتكون مثاراً للاستهزاء والضحك. ولا ريب انه كان أجدر بنا وأنفع لنا أن نقابل عيوب الناس بالرثاء الأخوي والنظر الفلسفي بدلاً من هذه الضحكة الهازئة، ولكنهم وجدوا أن أقرب الطرق وأنجع الوسائل أن يستخدموا فساد بعض الناس في إصلاح فساد الآخرين، كما تستخدم ذبابة الحجر من الماس في صقل الماس نفسه. وإصلاح العيوب بالعيوب هو غاية الملهاة. ومن الناس من يفرق بين الملهاة والمأساة بكيفة الأشخاص وكمية العواطف، فيقولون إن أشخاص المأساة من طبقة الخاصة، وأشخاص الملهاة من طبقة العامة، وإن درجة العواطف في الأولى قوية وفي الأخرى ضعيفة، وذلك فرق لا يميز ولا يوضح، لأن الآلهة والملوك قد يتخذون في بعض الأحيان أضاحيك كما ترى في رواية (امفتريون) لمولير، ولأن اليأس القاتل الذي استولى على بخيل موليير حينما فقد خزانة ماله، لا يقل في درجته وشدته عن يأس فيلوكتيت سوفوكليس حينما خطفوا منه سهام هرقل.

стр. 5558

إن النوازل الفادحة والمهالك الجائحة والعواطف الخارقة مرايا المأساة ودلائلها، ولكن المنافع الخاصة والأخلاق العامة والعيوب الشائعة كيان الملهاة وخصائصها، فالأولى صورة من التاريخ، والأخرى صورة من المجتمع، والرذيلة تدخل في باب الملهاة إلا وهي مضحكة محتقرة. فإذا كانت ممقوته مضرة دخلت في باب المأساة. فموليير جعل المنافق المحتال شخصاً مضحكا في (ترتوف)، وشكسبير جعله شخصاً محزناً في (جلوسستر)، وذلك بالطبع راجع إلى طبيعة النفاق والحب في الحالين. سبب الضحك في الملهاة: سبب الضحك هو خطأ حقيقي أو ادعائي لا ضرر منه ولا تبعة له. فنحن وإنما نضحك إذا لحظنا بين الشيء وبين الواقع اختلافاً لا يكون فيه مضرة لأحد. فالرجل المفلس الذي يظن نفسه كفؤاً لأن يعلم الناس جمع الثروة، والشيخ المتهدم الفاني الذي يتصابى في مشيته، ويتظرف في لهجته، يبعثان على الضحك ويستوجبان السخرية، لأنهما يريان الأشياء على غير حقيقتها. والدمامة في ذاتها ليست مضحكة، وإنما تصبح كذلك إذا ظن الدميم نفسه جميلاً، أو رجا أن يظنه الناس كذلك. ولهذا السبب نفسه نضحك من اريجون بخيل موليير حين يطبق على خزانته ما يقوله له فالير عن ابنته، وكذلك نضحك من (مينالك) لابرويير حين أخذ نعله وهو يحسبه كتاب القداس، كما حدث لأحد إخواننا من المعلمين الكهول إذ وضع (دفتر التحضير) في شباك المرحاض بجانب قطعة بالية من قفة خوص. ولما قضى أمره سها فأخذ (البرش) بدل الدفتر، ودخل به الفصل فكركر التلاميذ في الضحك من هذا السهو الغريب. على أن حدوث السهو أو الخطأ من إنسان لا يكفي في حدوث الضحك، بل لابد أن نلحظ ذلك الخطأ منه، وندرك التباين بين فكرته عن الشيء، وبين حقيقة ذلك الشيء نفسه. فإذا اتفق أن أحد الناس لم يفطن إلى هذا الخطأ لفتور ذهنه أو قلة علمه بقى جاداً لا يضحك ولا يبتسم. وذلك سبب ما نرى من أن الشيء يضحك بعض الناس ولا يضحك البعض الآخر. ولا يلزم أن يكون الخطأ المضحك حقيقياً، بل يكفي أن نراه نحن كذلك، أو يتظاهر

стр. 5559

المضحك بأنه غلط في شخص أو في شيء. والمازح إذا أراد أن يمزح فإنما يدعى الحماقة والسذاجة وهما مصدر السهو والخطأ. كذلك يجب ألا يكون لهذا الخطأ تبعة محزنة ولا نتيجة مشئومة كما ذكرت من قبل، وإلا أثار الرعب والإشفاق، بدل أن يثير الجذل والضحك. فميروب حين أخطأت في ولدها فظنته قاتلاً، وأرادت أن تقتله لم يضحكنا ما تفعل، وإنما ملأ قلوبنا رعباً وخشية؛ والمتكبرون لا يضحكون من أنفسهم إذا أخطأوا، لأنهم يجدون في هذا الخطأ جدعاً لكبرهم وإهانة لصلفهم فيتألمون. ومنشأ الخطأ الذي يولد الضحك إما نقص في الخلق، وإما ضعف في الذكاء، وإما ظروف خارجة عن شخص المخطئ. والخطأ يستتبع في أكثر الأحوال أقوالاً وأفعالاً تخالف المرعي من العادة أو العرف أو القوانين أو الذوق؛ وتلك هي السمات التي تحدد لك أخلاق الملهاة. ففي ملهاة (المتوحش) لموليير تجد كل ما يقوله (ألسِسْت) ويفعله مناقضاً للعادة الجارية، لأنه فقد قوة الحكم على الأشياء، فبالغ في تقدير الفضيلة إلى حد أن يرى فيما أجازه العرض وأمضاه خطورة ليست فيه. أنواع الملهاة: الملهاة ثلاثة أنواع: وهي الملهاة الإشكالية ' وتؤلف من الحوادث المضحكة الغربية المتشاكبة المعقدة التي تأخذ على المشاهد أنفاسه وتملك حواسه، حتى تنتهي بحل مرغوب غير متوقع. فالحوادث روحها وقوتها. أما وصف العادات، وتصوير الأخلاق، فهما في المحل الثاني منها، كملهاة المريض الواهم، والطائش، والحضري الشريف لمليير، والملهاة الاجتماعية وتؤلف من الهزؤ بخيال الناس وسخف المجتمع، وتصوير ما أحدثته العادات السيئة في الأخلاق من تشويه ومسخ، وذلك في طبقة خاصة وعصر معين. ويجب أن يكون كل شيء فيها مهيئاً ليظهر مع غيره عيباً من عيوب الاجتماع. فالحوادث تختار عن قصد لبلوغ هذه الغاية، والظروف ترتب بدقة لأحداث هذا الأثر، والفرد يكبر ويعظم حتى يتضمن الجنس بأسره، والحوار يجري على طريقة تبرز فكرة المؤلف واضحة في كل خطاب وجواب، كالمتحذلقات السخيفات لموليير، ونصف العالم، ومسألة النقود، والأب المبذر، لاسكندر دوماس الصغير. والملهاة الخلقية وهي تهاجم العيوب والنقائص المسيطرة على الأخلاق في كل زمان ومكان، ونزعتها إلى الإفادة والإمتاع أقوى منها إلى السخر والإضحاك. كالبخيل، وترتوف، والمتوحش لموليير. وهذا

стр. 5560

النوع أنفع الأنواع الثلاثة وأقواها وأصعبها. فأما أنه أنفع، فلأنه يرجع إلى مصادر العيوب وأصولها فيهاجمها في مبادئها ومناشئها؛ وأما أنه أقوى فلأنه يقدم إلى الناس المرآة فيخجلهم من صورهم ويضحكهم من أنفسهم، وأما أنه أصعب فلأنه يطلب من المؤلف دراسة عميقة للأخلاق، وبصيرة نافذة في الملاحظة، وخيالاً قوياً ليجمع شتات الملحوظات الكثيرة في نقطة واحدة. هذه هي أنواع الملهاة الثلاثة، دون أن نعد منها تلك الأنواع التي تعتمد في الإضحاك على النكات اللفظية، أو على المواقف الخليعة المجونية، فإنها بضاعة الأذهان الكليلة، والأذواق السقيمة. ولها مع ذلك اسم غير هذا الاسم وموضع غير هذا الموضع. على أن هناك نوعاً رابعاً هو أسمى من تلك الأنواع وأقوى. ذلك هو الملهاة المختلطة التي تستوعبها جميعاً. فتجمع إلى هزل المواقف هزل الأخلاق والعادات، فترى فيها الأشخاص مدفوعين بضعف عقولهم، أو مرض قلوبهم إلى أن يقفوا مواقف مخزية تعرضهم إلى سخر المشاهدين واحتقارهم. . كالموقف الذي وقفه أرباجون بخيل موليير مع ولده حينما أقبلا يتعاملان بالربا دون أن يعرف أحدهما الآخر، فكانت مقابلة الأب المرابي والابن المبذر من سخريات الحياة وغرائب الأمور. ماذا يجب في عمل الملهاة: إن الغرض الذي يتوخاه واضعو القواعد للعمل الروائي هو التقريب بين الافتراض والحقيقة. وأقوى الوسائل إلى هذا التقريب هي قاعدة الإمكانية. ولما كان عمل الملهاة منتزعاً من العادة المألوفة، والأخلاق المعروفة، والنكتة الحاضرة، كان بعده عن الحقيقة، ومخالفته للواقع أمراً سهل الملاحظة صعب الاحتمال. لذلك وجب أن تراعى القواعد في الملهاة مراعاة شديدة، وعلى الأخص وحدة العمل، واستمرار الخلق، وسهولة الأسلوب، وبساطة التقعيد، وطبيعة

стр. 5561

الحوار، وصدق العاطفة. وقوة الفن في إخفاء الفن، بحيث يكون كل ما يحدث ويقال على المسرح صورة ساذجة للمجتمع حتى ينسى المشاهد أنه في مشهد من مشاهد التمثيل، لأن الصورة إذا رسمتها يد عاجزة اتجه فكرك فيها بعد النظرة الأولى إلى الرقعة والألوان والإطار. قبل أن يتجه إلى التدوير والنتوء والبعد. يتبع (الزيات)

стр. 5562

بين فتاتين فصل من رواية لم تنشر للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني أفاقت (خيرية) - في غرفتها - على صدر (سارة)، أو لعل الأصح والأقرب إلى الصواب أن نقول إنها استعادت سكينة نفسها فيما ترى العين، بعد أن اسلبت ملء حفنةٍ من الدموع روت بها زهور خديها النضيرين، وأصارت أرنبة أنفها كالجزرة. وفي قليل من البكاء شفاء للصدر وجلاء للبصر، وغنى عن المساحيق! وأحست (سارة) بانتظام أنفاسها فضمتها إليها في رفق وحنان، فجاوبتها (خيرية) بضغطة خفيفة. وطاف برأسها وهي تفعل ذلك أن لو كان هذا صدر شاكر!؟! وتنهدت كالمتحسرة، وذهبت تتصور ساعديه القويين على خصرها يهصرانه، وثدييها يُعْصران على ثندوتيهما، وأنفساه على شعرها، وكلامه العذب في أذنها. فأخذها من هذا الخاطر مثل الدوران في رأسها، وأظلمت عيناها، وشعرت بمثل النار تندلع في أحشائها وترقي إلى صدرها ونحرها وتأخذ بكظمها، على حين كانت تحس بالبرد في قدميها. وشدت (سارة) على خصرها في هذا اللحظة الحافة بالاحتمالات، فرفعت (خيرية) وجهها المضطرم ونظرت إلى صاحبتها بعين ثابتة الحملاق إلا أن عليها كالضباب فهي لا تبصر، وأقبلت على فمها تقبله - قبلة حارة طويلة عصرت فيها روحا ونسيت نفسها، وإذا (بسارة) تهتز وتنتفض وترسل راحتها تتحسسّ علواً وسفلاً، و (خيرية) كالسكرى: تضم، وتئن، وتبوس، وتمسح الخد بالخد، وعينها مغمضة، وأصابع يمناها تتقبض على لحم (سارة) والأخرى تعبث بشعرها وتتخلله وتشده، وهما في عناقهما تميلان يمنة ويسرة، وتقبلان إلى الأمام تارة، وتنثنيان إلى الخلف طوراً، وتزحف كل منهما إلى صاحبتها كأن بينهما متسعاً فتتزحزحان على الطارقة حتى تهاوتا فتحاجزتا، وصار صدراهما كالخضم المضطرب. وقالت (سارة) بصوت يذوب من الرقة: (أحسن؟) فدانت (خيرية) بين جفونها وألقت إلى صاحبتها - بمؤخر عينها - نظرة فيها من الرضى والشكر والرجاء معانٍ، وكانت كلتاهما مضطجعة، فمدت (سارة) يدها وتناولت راحة

стр. 5563

(خيرية) وأطبقت عليها أصابعها - في صمت - وظلتا هكذا برهة، ثم شخصت (سارة) إلى السقف وقالت كأنما ترى من تخاطبه فيه (ليتك كنتِ أخاك!) ثم ثنت إلى (خيرية) وجهاً ينضح بالبشر ويغري بالعبث والمصارحة، فرفعت (خيرية) حاجبيها وأمالت رأسها على الوسادة ثم ردت وجهها إلى سارة وقالت: (إنك سعيدة يا سارة. . .) فسألتها (سارة): (وأنت؟. .) قالت خيرية (موزعة. .) - موزعة؟ - نعم!. . . وعسى أن أكون واهمة. . . ولكنه يخيل إليّ أحياناً أني أحب (عبدة) وهو لاشك يحبني. . . على طريقته. . . حباً صامتاً. . . أخرس. . . يحيرني. . . أعني يا سارة انه يحرك نفسي لحظة ثم يدعها فارغة لا أثر فيها له. . . ليس عنده كلام يقوله. . . ينظر إليّ كأنه يشتهي أن يأكلني بعظامي. . . فهو يخيفني ويفزعني، ويسحرني أيضاً ويجذبني حين يفتح عليّ عينه بهذه النظرة المنهومة، ولكنه يخيفني أكثر مما يسحرني. . . آه لو كان ينطق. . .! ولكنه لا يعرف الكلام. . . ولا المغازلة. . . . جسمه ضخم ولسانه أبكم. . . فهو قوة مرعبة. . . لو كان يرق فينفي الخوف! . . . لو كان يشعرني أن الحب يلينه أو يذيبه قليلاً!؟. . . ولكنه ليس مثل. . .) وأمسكت، ونزعت يدها من يد سارة، وظلتا مفترقتين برهة وهما تفكران في الغزل! (خيرية) في بكم عبدة وفي خلو حبه من هذا العنصر الذي يلطف الوقدة، ويخفف الحدة، ويسلب العاطفة المشبوبة لذعها وكيها، ويجعل الحديث أحلى من التقبيل والعناق. أما (سارة) فقد فتح لها كلام (خيرية) باباً جديداً من التفكير أعانتها دراستها العلمية على ولوجه، فراحت تقول لنفسها إن الغزل ليس عبثاً ولا تكلفاً، وإن الرقة فيه واجبة وليست ضعفاً، وإن الطبيعة لا تزال تطلب التوازن وتسعى له وتحدثه، فلولا رقة الرجل القوي، في غزله، لأرعب المرأة حبُّه ولما احتملته، وهو حين يجثو أمامها ويريح خده على ساقها، أو يناجيها بهواه ويشكو إليها ضعفه عن احتماله، ويصف لها ضيق صدره بما يجن، وقلبه

стр. 5564

بما يجد، ويتذلل لها ويتوسل إليها، وإنما يفعل ذلك بغريزته ليعتدل الميزان، فيذهب عن المرأة الخوفُ من قوته، وتَشعر أن فيه موضع ضعف تستطيع أن تستغله وتقاوم به طغيان القوة، وعلى قدر ما يبدي الرجل من الرقة في موقف الغزل والمناجاة تحس المرأة أنها قوية وأنها كفء له، فتطمئن وتعتقد أنها نده، وإن كان في ظاهره أقوى، وتبادله حباً بحب غير مكرهة ولا محمولة على ذلك، ولا شاعرة بتفريط في كرامتها أو تضييع لشخصيتها أو محو لإرادتها. . ولم يشعرا أن الصمت طال بينهما أو أن الحديث انقطع لما قالت (سارة) بعد ذلك: (ولكنك تحبينه. .! لاشك في ذلك) فقالت (خيرية) بلهجة المفكر لا المستفسر. (هذا ظنك؟) قالت (سارة): (لقد كنت تفكرين فيه ونحن متعانقان) فاعتدلت (خيرية) في جلستها، وواجهت (سارة) وقالت بلهجة حازمة: (كلا. . أبداً) فوضعت سارة يدها على كتف صاحبتها وقالت: (تعالي. . تعالي. . اطرحي عن صدرك هذا العبء. . . لماذا لا تبادلينني حبي؟) فسألتها خيرية وهي تضحك: (أتحبينني؟) (أتسألين؟) (أعني كحمادة؟) (لا أزعم ذلك ولكني أحببتك) (من أجله؟ لأني أخته؟) (لذاتك) (صحيح؟) (أتشكين؟)

стр. 5565

(لا أشك. . ولكني غيره. . أعني أني فتاة مثلك) (وما دخل هذا؟ ما قيمته؟ ألم نكن نتعانق على حب قبل دقائق؟ قد يختلف الغرض من الحب أو نوع الإحساس به ولكنه يظل حباً) (سارة!) (نعم) (لا أدري كيف أقول. . إني لم أعرف من هو إلا الليلة) ودفنت وجهها في راحتيها فصاحت بها (سارة) (أهو ذاك؟) فرفعت (خيرية) رأسها كأنما تتحدى الدنيا والناس وقالت وهي تسوي شعرها وترد عن جبينها خصلة. (نعم. وقد عرفت الآن) فقالت (سارة) بإخلاص: (يا حبيبتي هذا أسعد يوم في حياتي. أنا لأخيك. وأنت لأخي) فقالت (خيرية) وهي تكاد تبكي: (كيف يمكن؟ كيف يمكن؟ إنه لم يرني قبل اليوم إلا مرة واحدة!) فسألتها (سارة) وهي تنظر إليها نظرة من يُحْيي ذكرى تمعن في الغمض: (قبل اليوم؟ أتعنين. .؟) قالت (نعم كنت خارجة من سمعان فعثرت. .) فصاحت بها سارة وقد صح ظنها: (هو أنت؟) (أهو أنا؟ ماذا تعنين؟) أعني أنك فتاته التي يحبها ويبحث عنها. . يا لسعادتي) فتعلقت بها خيرية وأمطرتها وابلاً من الأسئلة، وسارة تضحك ولا تعرف كيف تجيب، وإذا بحمادة ينقر ويسأل قبل أن يسمع الأذن بالدخول. (سارة! ما هذا الذي يقول عبدة؟)

стр. 5566

فوثبت الفتاتان ووقفتا مبهوتتين من المفاجأة، واحتاج حمادة أن يعيد سؤاله (أهو صحيح؟) فقالت (سارة) وهي تبتسم له وترف: (ماذايا روحي؟) فأذابته ابتسامتها وراح يتلعثم . . . أ. . . أ. . . فقالت سارة (تعال يا حبيبي. . . أم نخرج؟؟ أظنه آن لي أن أخرج. يكرهني يا روحي. . . فتعال احملني إلى سيارتك. . . وفيها. . . إلى بيتي) فنسى حمادة ما أفضى به إليه عبدة. . . إبراهيم عبد القادرة المازني

стр. 5567

من الأدب الأندلسي: ٢ - التوابع والزوابع بقلم محمد فهمي عبد اللطيف دخل ابن شهيد وادي الجن، ورغب في البدء بلقاء الشعراء على ما بيَّنا في المقال السابق، وقد حدَّثنا الرجل أنه طلب من صاحّبه زهير بن نمير أن يقدمه أول ما يقدمه إلى تابع امرئ القيس، وإنما حق له هذا، أولاً: لأن امرئ القيس سابق في عمر الزمن، وحساب الأيام؛ وثانياً: لأن النقاد جميعاً على أنه أمير الشعراء في العصر القديم، وشيخهم الذي أوضح لهم الطريق، فهو مقدم بالطبع والوضع كما يقول المناطقة، ولم يرد ابن شهيد أن يخرج على ما قضت به الأيام، وما تواضع عليه النقاد، فأنزل الرجل منزلته المقررة، ووضعه في مكانته المعلومة، ولذا قدمه على نفسه في الإنشاد، ووصفه بتطامح الطرف، واهتزاز العطف، علامة الغرور والثقة، وأخذته الهيبة منه، فهم بالحيصة والهرب من أجازته، لولا أن شدَّ في قوى نفسه، وأنشده ما أنشد. وعلى هذا النهج راح ابن شهيد يتحدث عن توابع الشعراء واحداً بعد واحد، ويقرر ما وقع له معهم، وما جرى بينه وبينهم من الإنشاد والمساجلة، وهو في أثناء ذلك يعرض بالتصور لأحوال الشعراء، ويهتم بوصف نفسياتهم وميولهم ويشير إلى ما اشتهر عنهم في أخلاقهم وسلوكهم وآرائهم، تارة بالتلميح، وطوراً بالتصريح، ومن حين لآخر تجده يجمل كلامه بالنادرة المستملحة، فيجعل القارئ يقبل عليه في سرور وائتناس، أستمع إليه وهو يحكى ما وقعه له مع (بغلة) من التوابع أقبلت تحكمه في شعرين لبغل وحمار أختلف فيهما الفريقان، فقال لها حتى أسمع، فقالت الشعر الأول لبغل من بغالنا وهو: على كل صب من هواه دليل … سقام على جد الهوى ونحول ومازال هذا الحب داء مبرحا … إذا ما اعترى بغلاً فليس يزول بنفسي التي أما ملاحظ طرفها … فسحرٍ، وأما خدها فأسيل!! تعبت بما حملت من ثقل حبها … وإني لبغل للثقال حمول! وما نلت منها نائلاً غير أنها … إذا هي بالت بلت حيث تبول والآخر لدكين الحمار وهو:

стр. 5568

دهيت بهذا الحب منذ هويث … وراثت إراداتي فلست أريث كلفت بألفي منذ عشرين حجة … يجول هواها في الحشا ويعيث وغيرّ منها قلبها لي نميمةٌ … نماها أحم الخصيتين خبيث وما نلت منها محرماً غير أنها … إذا هي راثت رثت حيث تروث قال ابن شهيد: (فاستضحك زهير وتماسكت، وقلت للمنشدة ما هويث؟ قالت: هويث بلغة الحمير؛ قلت والله أن للروث لرائحة كريهة، ولقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعرين، فقالت فهمت عنك) ثم يتفكه ابن شهيد في القول اكثر فيقول (وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت لو كان ثم علامة، فأماطت لثامها فإذا هي بلغة أبي عيسى، والخال على خدها فتباكينا طويلا! وقد أخذنا في ذكر أيامنا فقالت: ما أبقت الأيام منك؟ قلت ما ترين! قالت: شب عمرو عن الطوق! وما فعل الأحبة، قلت شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الأخلاق ومن إخواننا من بلغ الأمارة، وانتهى إلى الوزارة؛ فتنفست الصعداء، وقالت؛ سقاهم الله سبل العهد، وان حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود. .) فالرجل كما ترى فكه ظريف، وفي رسالته كثير من الفكاهات النوادر، وكلها على غرار هذه الفكاهة ملاحة وخفة وطرافة، وإنما براعة الرجل تظهر أكثر في تصويره - كما قلنا - لأحوال الشعراء والكتاب، ووصف ميولهم، والتحدث عما جرى له معهم، ولعل من أعذب ماله في ذلك، وصفه لما جرى بينه وبين صاحب أبي نواس، ذلك الشاعر الذي قطع العمر في نشوة السكر، وشرك الخمر، واستطراده في الحديث عن (دير حنة) مقام هذا الشاعر وما أشتمل عليه من الرهبان والغزلان!! فقد أجاد الرجل في ذلك وأبدع؛ أنظر إليه وهو يصور ذلك فيقول (ثم قال لي زهير فمن تريد، قلت صاحب أبي نواس قال هو (بدير حنة) قد غلب عليه الخمر، فركضنا ساعة، وجزنا في ممرنا بقصر، فقلت لمن هذا القصر يا زهير؟ قال لطوق بن مالك أبي الطبع صاحب البحتري، فهل لك أن تراه؟ قلت: أجل، إنه من أساتيذي وقد كنت أنسيته، فصاح يا أبا الطبع، فخرج لنا فتى على فرس أشهب وبيده قناة، فقال له زهير: إنك موفق، قال لا، صاحبك أشمخ مارنا من ذلك لولا تنقصه!! قلت يا أبا الطبع إن الرجال لا تكال بالقفزان، وأنشدنا من شعرك فأنشد: (ما على الركب من وقوف الركاب)

стр. 5569

حتى انتهى منها، ثم قال هات أنت شيئاً فأنشدته: (هذه دار زينب والرباب) حتى أتيت فيها إلى قولي: فكأن النجوم بالليل جيش … دخلت للكمون في جوف غابها وكأن الصباح قانص طير … قبضت كفه برجل غراب فكأنما غشى وجه أبي الطبع قطعة من الليل، وكر راجعاً إلى الوراء دون أن يسلم، فصاح به زهير أأجزته؟ قال أجزته لا بورك فيك من زائر!! قال ابن شهيد (ثم سرنا حتى انتهينا إلى (دير حنة) فضرب زهير الأدهم، فسار بنا في قنته، ففتق سمعي قرع النواقيس فقلت فصحت عن منزل أبي نواس ورب الكعبة، وسرنا نجتاب أدياراً وكنائس وحانات إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتضوع نوافحه، فوقف زهير ببابه وصاح به: سلام على أهل (دير حنة) فأرقلت نحونا الرهبان مشدودة الزنانير، قد قبضت على العكاكيز، مبيضّة الحواجب واللحى! مكثيرين للتسبيح، عليهم هدى المسيح، فقالوا أهلا بك يا زهير من زائر، وصاحب أبي عامر، ما بغيتك؟ قال (حسن الدنان)، قالوا: إنه لفي شرك الخمر منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به، فقال وعليّ أنا ذلك، ونزلنا وقادني إلى بيت قد اصطفت دنانه، وعلفت غزلانه، وفي دير حنة شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث الزهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة وحواليه صبية كالظباء، فصاح به زهير: حباك الله أبا الإحْسان، فجاوب جواباً لا يعقل لغلبة الخمر عليه، فقال لي زهير: اقرع أذنيه بإحدى خمرياتك، فانه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد: ولربّ حان قد شممت بديره … خمر الصبا مزجت بصرف عصيره في فتية جعلوا السرور شعارهم … متصاغرين تخشعاً لكبيره!! والقس مما شاء طول مقامنا … يدعو بعود حولنا بزبوره وترنم الناقوس عند صلاتهم … ففتحت من عيني لرجع هديره فصاح من حبائل نشوته. أأشجعي؟ قلت: أنا ذاك، فاستدعى ماء قراحا فشرب منه وغسل وجه فأفاق، واعتذر إليّ من حاله، فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله لمكانه من العلم

стр. 5570

والشعر. .) فهذه صورة دقيقة، تشتمل على حال أبي نواس كأنك تراه، وتمثل أمامك (دير حنة) بغزلانه ورهبانه تمثيلا رائعاً كله براعة وقوة، والواقع أن ابن شهيد لم يستمد هذه الصورة من خياله، ولكنه صورها من الواقع، ونقلها كما رأى وأبصر، فقد كان هذا الرجل ولوعاً بالتردد على كنائس النصارى في قرطبة لا يتحرج من المبيت فيها مع الرهبان، يرشف الكأس، ويبهج النفس، ومن ذلك (أنه بات ليلة بإحدى كنائس قرطبة، وقد فرشت بأضغاث آس، وعرشت بسرور وائتناس، وقرع النواقيس يبهج سمعه، وبرق الحميا يسرج لمعه، والقسّ قد برز في عبدة المسيح، متوشحاً بالزنانيير أبدع توشيح، قد هجروا الأفراح، واطرحوا النعم كل إطراح: لا يعمدون إلى ماء بآنية … إلا اغترافا من الغدران بالراح وأقام بينهم يرشق حميا، كأنما يرشف من شفة لميا، وهي تنفح له بأطيب عرف، كلما رشف أعذب رشف، ثم ارتجل في وصف ذلك هذه الخمرية، التي قرع ببعضها سمع أبي نواس، فتنبه من حبائل نشوته، وصحا من سكرته!! وابن شهيد يذكر أنه تقابل في طريقه بصاحب البحتري بعد أن قد أنسيه مع أنه من أساتيذه. ويذكر أنه أجازه فخذله حتى لقد هرب بخزي (وكر راجعاً إلى الوراء دون أن يسلم) وهذه شنشنة ابن شهيد مع كثير من الشعراء والكتاب، خصوصاً شعراء المشارقة وكتابهم، فهو يحدّث أنه التقى (بزبدة الحقب) تابع بديع الزمان، وبعد أن تمَّ التعارف بينمها، طلب منه ابن شهيد أن يجري على سمعه وصفه للماء، فتطاول زبدة بذلك الوصف، وقال إنه من العقم بحيث لا يبلغه أديب، ثم انطلق يقول، (أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور، انتخب من الفرات، واستعمل بعد البيات، فكان كلسان الشعمة، في صفاء الدمعة) فعارضه ابن شهيد فقال (انظر يا سيدي كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح، ينصب من إنائه، انصباب الكوكب الدريّ من سمائه، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصرة ضربت من ورق، يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا) فلما سمع ذلك زبدة غار في الأرض، وهو مبهوت خجل!! وقد حسب الدكتور زكي مبارك ذلك غروراً من ابن شهيد وعَذَره في هذا الغرور نظراً
следующие страницы →