← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

فوثبت الفتاتان ووقفتا مبهوتتين من المفاجأة، واحتاج حمادة أن يعيد سؤاله (أهو صحيح؟) فقالت (سارة) وهي تبتسم له وترف: (ماذايا روحي؟) فأذابته ابتسامتها وراح يتلعثم . . . أ. . . أ. . . فقالت سارة (تعال يا حبيبي. . . أم نخرج؟؟ أظنه آن لي أن أخرج. يكرهني يا روحي. . . فتعال احملني إلى سيارتك. . . وفيها. . . إلى بيتي) فنسى حمادة ما أفضى به إليه عبدة. . . إبراهيم عبد القادرة المازني

стр. 5567

من الأدب الأندلسي: ٢ - التوابع والزوابع بقلم محمد فهمي عبد اللطيف دخل ابن شهيد وادي الجن، ورغب في البدء بلقاء الشعراء على ما بيَّنا في المقال السابق، وقد حدَّثنا الرجل أنه طلب من صاحّبه زهير بن نمير أن يقدمه أول ما يقدمه إلى تابع امرئ القيس، وإنما حق له هذا، أولاً: لأن امرئ القيس سابق في عمر الزمن، وحساب الأيام؛ وثانياً: لأن النقاد جميعاً على أنه أمير الشعراء في العصر القديم، وشيخهم الذي أوضح لهم الطريق، فهو مقدم بالطبع والوضع كما يقول المناطقة، ولم يرد ابن شهيد أن يخرج على ما قضت به الأيام، وما تواضع عليه النقاد، فأنزل الرجل منزلته المقررة، ووضعه في مكانته المعلومة، ولذا قدمه على نفسه في الإنشاد، ووصفه بتطامح الطرف، واهتزاز العطف، علامة الغرور والثقة، وأخذته الهيبة منه، فهم بالحيصة والهرب من أجازته، لولا أن شدَّ في قوى نفسه، وأنشده ما أنشد. وعلى هذا النهج راح ابن شهيد يتحدث عن توابع الشعراء واحداً بعد واحد، ويقرر ما وقع له معهم، وما جرى بينه وبينهم من الإنشاد والمساجلة، وهو في أثناء ذلك يعرض بالتصور لأحوال الشعراء، ويهتم بوصف نفسياتهم وميولهم ويشير إلى ما اشتهر عنهم في أخلاقهم وسلوكهم وآرائهم، تارة بالتلميح، وطوراً بالتصريح، ومن حين لآخر تجده يجمل كلامه بالنادرة المستملحة، فيجعل القارئ يقبل عليه في سرور وائتناس، أستمع إليه وهو يحكى ما وقعه له مع (بغلة) من التوابع أقبلت تحكمه في شعرين لبغل وحمار أختلف فيهما الفريقان، فقال لها حتى أسمع، فقالت الشعر الأول لبغل من بغالنا وهو: على كل صب من هواه دليل … سقام على جد الهوى ونحول ومازال هذا الحب داء مبرحا … إذا ما اعترى بغلاً فليس يزول بنفسي التي أما ملاحظ طرفها … فسحرٍ، وأما خدها فأسيل!! تعبت بما حملت من ثقل حبها … وإني لبغل للثقال حمول! وما نلت منها نائلاً غير أنها … إذا هي بالت بلت حيث تبول والآخر لدكين الحمار وهو:

стр. 5568

دهيت بهذا الحب منذ هويث … وراثت إراداتي فلست أريث كلفت بألفي منذ عشرين حجة … يجول هواها في الحشا ويعيث وغيرّ منها قلبها لي نميمةٌ … نماها أحم الخصيتين خبيث وما نلت منها محرماً غير أنها … إذا هي راثت رثت حيث تروث قال ابن شهيد: (فاستضحك زهير وتماسكت، وقلت للمنشدة ما هويث؟ قالت: هويث بلغة الحمير؛ قلت والله أن للروث لرائحة كريهة، ولقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعرين، فقالت فهمت عنك) ثم يتفكه ابن شهيد في القول اكثر فيقول (وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت لو كان ثم علامة، فأماطت لثامها فإذا هي بلغة أبي عيسى، والخال على خدها فتباكينا طويلا! وقد أخذنا في ذكر أيامنا فقالت: ما أبقت الأيام منك؟ قلت ما ترين! قالت: شب عمرو عن الطوق! وما فعل الأحبة، قلت شب الغلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرت الأخلاق ومن إخواننا من بلغ الأمارة، وانتهى إلى الوزارة؛ فتنفست الصعداء، وقالت؛ سقاهم الله سبل العهد، وان حالوا عن العهد، ونسوا أيام الود. .) فالرجل كما ترى فكه ظريف، وفي رسالته كثير من الفكاهات النوادر، وكلها على غرار هذه الفكاهة ملاحة وخفة وطرافة، وإنما براعة الرجل تظهر أكثر في تصويره - كما قلنا - لأحوال الشعراء والكتاب، ووصف ميولهم، والتحدث عما جرى له معهم، ولعل من أعذب ماله في ذلك، وصفه لما جرى بينه وبين صاحب أبي نواس، ذلك الشاعر الذي قطع العمر في نشوة السكر، وشرك الخمر، واستطراده في الحديث عن (دير حنة) مقام هذا الشاعر وما أشتمل عليه من الرهبان والغزلان!! فقد أجاد الرجل في ذلك وأبدع؛ أنظر إليه وهو يصور ذلك فيقول (ثم قال لي زهير فمن تريد، قلت صاحب أبي نواس قال هو (بدير حنة) قد غلب عليه الخمر، فركضنا ساعة، وجزنا في ممرنا بقصر، فقلت لمن هذا القصر يا زهير؟ قال لطوق بن مالك أبي الطبع صاحب البحتري، فهل لك أن تراه؟ قلت: أجل، إنه من أساتيذي وقد كنت أنسيته، فصاح يا أبا الطبع، فخرج لنا فتى على فرس أشهب وبيده قناة، فقال له زهير: إنك موفق، قال لا، صاحبك أشمخ مارنا من ذلك لولا تنقصه!! قلت يا أبا الطبع إن الرجال لا تكال بالقفزان، وأنشدنا من شعرك فأنشد: (ما على الركب من وقوف الركاب)

стр. 5569

حتى انتهى منها، ثم قال هات أنت شيئاً فأنشدته: (هذه دار زينب والرباب) حتى أتيت فيها إلى قولي: فكأن النجوم بالليل جيش … دخلت للكمون في جوف غابها وكأن الصباح قانص طير … قبضت كفه برجل غراب فكأنما غشى وجه أبي الطبع قطعة من الليل، وكر راجعاً إلى الوراء دون أن يسلم، فصاح به زهير أأجزته؟ قال أجزته لا بورك فيك من زائر!! قال ابن شهيد (ثم سرنا حتى انتهينا إلى (دير حنة) فضرب زهير الأدهم، فسار بنا في قنته، ففتق سمعي قرع النواقيس فقلت فصحت عن منزل أبي نواس ورب الكعبة، وسرنا نجتاب أدياراً وكنائس وحانات إلى دير عظيم تعبق روائحه، وتضوع نوافحه، فوقف زهير ببابه وصاح به: سلام على أهل (دير حنة) فأرقلت نحونا الرهبان مشدودة الزنانير، قد قبضت على العكاكيز، مبيضّة الحواجب واللحى! مكثيرين للتسبيح، عليهم هدى المسيح، فقالوا أهلا بك يا زهير من زائر، وصاحب أبي عامر، ما بغيتك؟ قال (حسن الدنان)، قالوا: إنه لفي شرك الخمر منذ أيام عشرة، وما نراكما منتفعين به، فقال وعليّ أنا ذلك، ونزلنا وقادني إلى بيت قد اصطفت دنانه، وعلفت غزلانه، وفي دير حنة شيخ طويل الوجه والسبلة، قد افترش أضغاث الزهر، واتكأ على زق خمر، وبيده طرجهارة وحواليه صبية كالظباء، فصاح به زهير: حباك الله أبا الإحْسان، فجاوب جواباً لا يعقل لغلبة الخمر عليه، فقال لي زهير: اقرع أذنيه بإحدى خمرياتك، فانه ربما تنبه لبعض ذلك، فصحت أنشد: ولربّ حان قد شممت بديره … خمر الصبا مزجت بصرف عصيره في فتية جعلوا السرور شعارهم … متصاغرين تخشعاً لكبيره!! والقس مما شاء طول مقامنا … يدعو بعود حولنا بزبوره وترنم الناقوس عند صلاتهم … ففتحت من عيني لرجع هديره فصاح من حبائل نشوته. أأشجعي؟ قلت: أنا ذاك، فاستدعى ماء قراحا فشرب منه وغسل وجه فأفاق، واعتذر إليّ من حاله، فأدركتني مهابته، وأخذت في إجلاله لمكانه من العلم

стр. 5570

والشعر. .) فهذه صورة دقيقة، تشتمل على حال أبي نواس كأنك تراه، وتمثل أمامك (دير حنة) بغزلانه ورهبانه تمثيلا رائعاً كله براعة وقوة، والواقع أن ابن شهيد لم يستمد هذه الصورة من خياله، ولكنه صورها من الواقع، ونقلها كما رأى وأبصر، فقد كان هذا الرجل ولوعاً بالتردد على كنائس النصارى في قرطبة لا يتحرج من المبيت فيها مع الرهبان، يرشف الكأس، ويبهج النفس، ومن ذلك (أنه بات ليلة بإحدى كنائس قرطبة، وقد فرشت بأضغاث آس، وعرشت بسرور وائتناس، وقرع النواقيس يبهج سمعه، وبرق الحميا يسرج لمعه، والقسّ قد برز في عبدة المسيح، متوشحاً بالزنانيير أبدع توشيح، قد هجروا الأفراح، واطرحوا النعم كل إطراح: لا يعمدون إلى ماء بآنية … إلا اغترافا من الغدران بالراح وأقام بينهم يرشق حميا، كأنما يرشف من شفة لميا، وهي تنفح له بأطيب عرف، كلما رشف أعذب رشف، ثم ارتجل في وصف ذلك هذه الخمرية، التي قرع ببعضها سمع أبي نواس، فتنبه من حبائل نشوته، وصحا من سكرته!! وابن شهيد يذكر أنه تقابل في طريقه بصاحب البحتري بعد أن قد أنسيه مع أنه من أساتيذه. ويذكر أنه أجازه فخذله حتى لقد هرب بخزي (وكر راجعاً إلى الوراء دون أن يسلم) وهذه شنشنة ابن شهيد مع كثير من الشعراء والكتاب، خصوصاً شعراء المشارقة وكتابهم، فهو يحدّث أنه التقى (بزبدة الحقب) تابع بديع الزمان، وبعد أن تمَّ التعارف بينمها، طلب منه ابن شهيد أن يجري على سمعه وصفه للماء، فتطاول زبدة بذلك الوصف، وقال إنه من العقم بحيث لا يبلغه أديب، ثم انطلق يقول، (أزرق كعين السنور، صاف كقضيب البلور، انتخب من الفرات، واستعمل بعد البيات، فكان كلسان الشعمة، في صفاء الدمعة) فعارضه ابن شهيد فقال (انظر يا سيدي كأنه عصير صباح، أو ذوب قمر لياح، ينصب من إنائه، انصباب الكوكب الدريّ من سمائه، كأنه خيط من غزل فلق، أو مخصرة ضربت من ورق، يرفع عنك فتردى، ويصدع به قلبك فتحيا) فلما سمع ذلك زبدة غار في الأرض، وهو مبهوت خجل!! وقد حسب الدكتور زكي مبارك ذلك غروراً من ابن شهيد وعَذَره في هذا الغرور نظراً

стр. 5571

لنبوغه وعبقريته، والواقع أن الغرور صفة تكاد تكون ملازمة لكل أديب، وقد يكون ابن شهيد مغروراً في نفسه إلى أبعد حد، ولكن كلفة بالتفوق على الشعراء والكتاب لم يكن مبعثه الغرور، كما حسب الدكتور مبارك، فان الرجل كما قلنا كتب رسالته في جماعة من معاصريه، حطوا من قدره حسداً له، وغمطوه فضله حقداً عليه، فأراد أن يطلعهم على مكانته في الأدب، وأن يبين لهم قدرته حسداً له، وغمطوه فضله حقداً عليه، فأراد أن يطلعهم على مكانته في الأدب، وأن يبين لهم قدرته في الشعر والنثر، ولذلك فهو يحصر على الظهور أمامهم بالتفوق والتغلب، ليس في إجازة الشعراء والكتاب فحسب! بل إنه ليذكر أن التوابع والزوابع احتاروا في أمره، وشدهوا لقدرته في الشعر والنثر والخطابة، وأن أحدهم فتن ببيت من شعره فقام ينشده ويرقص، وأنه قرأ عليهم رسالته في وصف الحلواء فأعجبوا بها أيما إعجاب، وقالوا (إن لسجعك موضعاً من القلب، ومكاناً من النفس، وقد أعرته من حلاوة طبعك، وحلاوة لفظك، وطلاوة سوقك، ما أزال أفنه، ورفع غبنه، وقد بلغنا أنك لا تجاري في أبناء جنسك) وأظن في الجملة الأخيرة ما يكفي للفصل بيننا وبين الدكتور زكي مبارك. على أن ابن شهيد لم يقف عند هذا الحد من التعالي وإظهار التفوق أمام معاصريه، بل راح يحط من قدرهم، ويتهكم بعلمهم وأدبهم فوصفهم ببلادة الطبع، فهم - كما يقول - ينحتون عن قلوب غليظة كقلوب البعران، إلى فطن حمئة، وأذهان صدئة لا منفذ لها في الرقة، ولا مدبّ في شعاع البيان، كل بضاعتهم من الأدب، كلمات من غريب اللغة، وبعض مسائل من النحو والصرف لا يفهمون منها إلا ما يفهم القرد اليماني في الرقص على الايقاع، والزمر على الألحان. . . قال ابن شهيد: (ومن خلق هذه العصابة أنهم إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملق، وهم منطوون على الحسد والحنق، فإذا جمعتنا المحافل، وضمتنا المجالس، نراهم إلينا مبصبصين، وإنما يتبين تقصير المقصر، وفضل السابق المبرز إذا اضطكت الركب، وازدحمت الحدق، واستعجل المقال. (للكلام صلة) محمد فهمي عبد اللطيف

стр. 5572

الغد المجهول للأديب سيد قطب يا ليتَ شعري، ما يُخِّبئهُ غدي … إني أروحُ مع الظنونِ وأغتدي وأُجيلُ باصِرَتي بها وبصيرتي … أبغِي الهُدَى فيها، وما أنا مهتدِ حتى إذ لاحَ اليقينُ خِلالَها … أشفقتُ من وجه اليقين الأسود وأشحْتُ عنه، ولو أَطقتُ دعوتُه … وطرحتُ عنَّي حيرتي وتردُّدي فكأنني الملاَّح تاه سفينةٌ … ويخافٌ من شطٍّ مُخِيفٍ أجردِ ماذا سيولَدٌ يومَ تٌولَدُ يا غدي؟ … إني أحِسُّ بهولِ هذا المولد! سيُصَرِّحُ الشكُّ الدفينُ بمهجتي … فأبِيتُ فاقِدَ خَيِرِ ما ملكتْ يدي ستروغُ من حولي عواطف لم تزلْ … تُضْفيِ عليَّ بعطفها المتودد ستَجِفُّ أزهارٌ يفوح عبيرُها … حوِلي، وينفحُل بها الأرَجُ الندى والمشعَلُ الهادي سيخبو ضوؤه … ويَلُفُّني الليلُ البهيمُ بمفردي ماذا تُخَلِّفُ يومَ تذهبُ يا غَدِي … لاشيء بعد الفقدِ للمتفقِّدِ ستخلِّفُ الأيامَ قاعاً صَفْصَفاً … تذرو الرياحُ بها غُبارَ الْفَدْفدِ لا مُرتجَى يُرْجى ولا أسفٌ على … ماضٍ يضيعُ كأنه لم يُوجد أبداً، ولا ذكرى تجدَّد ما انطوى … حتى التألمُ لا يعودُ بمشْهَدِي! ربَّاه إني قد سئمتُ ترُّددي … فالآن فلتقدْم بهوِلك يا غدِي

стр. 5573

إلى طائر. . . للأديب فايد العمروسي إلى أي وادٍ ترسل الصوت يجتلى … سرائر هذا الليل والليل ساهرٌ وفي أي معنى تبعث اللحن صارخاً … فتطويه في جوف السكون الدياجر وقد غفلت عين الحياة وأسدلت … على الكون من وهم الظنون ستائر هتكتَ حجابَ الليل يا طير فاتَّئدْ … ورفه، فقد هاجت بنفسي خواطر هنالك أعشاش على دوح شاطئ … يمازجها طيب من الروض عاطر تداعبها الأهواء وهي عوازف … وتهفو بها الأرواح وهي فواتر هنالك أفراخ إذا ملت نحوها … تثنت ومالت نحو فيك المناقر فرُدْها، وخلِّ الليل عنك لشاعر … يطوف بها سهران والفكر حائر وفي أي واد في الظلام مقدس … هتفت به يا طير والقلب ثائر أذلك وادي الدهر يقضي شؤونه … على الخلق والأقدار فيها سواهر تطل على الأكوان في غفلاتها … فتكشف عما خبأته السرائر إلا حدِّث الأقدار يا طير وائتني … بما حجبته في الغيوب المقادر وأكبر ظني والظنون خواطر … بأنك مثلي في المقادير حائر

стр. 5574

في النقد الألماني صفحة من كتاب اللاوكون طريقة التعبير عن الفن للنقادة ليسنغ للأستاذ خليل هنداوي وهكذا بعد الملاحظة وجدنا أن الفن في العصور القديمة كان يتمتع بمقاييس أكثر اتساعاً، وكان بإمكانه أن يتناول جميع الأشياء الطبيعية المرئية التي يُعد الجمال فيها جزءاً صغيراً، فكانت الحقيقة وطريقة التعبير هما فيه المطلب الأول. وكما أن الطبيعة تضحي في كل لحظة بالجمال بناء على نظرات لها سامية، فكذلك الفنان نفسه ينبغي له أن يخضع للطبيعة برسمه الموضوع دون أن يطمع في أكثر من الظفر بالحقيقة والتعبير، فإذا انقادا له فقد أوتي القدرة بهما على أن يُحيل القبيح في الطبيعة جميلاً في الفن. هبْ أننا نريد أن نتقبل بدون مجادلة - عمر لحظة واحدة - هذه الأفكار صالحة كانت أم سيئة، أفلا يبقى هنالك مجال فسيح لندرس سبب اضطرار الفنان إلى مراعاته مقياساً خاصاً في التعبير دون أن ينتخب الحالة التي يكون فيها الأثر المرسوم على أشد ثورته. ولكن مثل هذا الدرس سيكون رده سهلاً بدرس تلك اللحظة الواحدة التي تحدد أوضاعها الأوضاع الفنية. فإذا كان الفنان في الطبيعة المتقلبة دائماً لا يستطيع أن يلتقط منها إلا لحظة واحدة؛ وإذا كان المصور بعد ذلك لا يستطيع في هذه اللحظة نفسها أن يلتقط إلا جانباً واحداً من جوانبها، وإذا كانت آثار هذا الرسام إنما صُنعت لا ليمد إليها الناظر عينيه فحسبُ، ولكن ليتأمل فيها طويلاً، فان من الحق أن هذه اللحظة الواحدة قد انتخبها المصِّور ولم تكن مخصبة كثيراً. على أن المخصب حقاً هو ما يترك حقل المخيلة وسيعاً فسيحاً يجول فيه البصر كيف يشاء. وبقدر ما نرى الأثر الفني عميقاً يحتوي جوه على خاطرات كثيرة نرى قدرته على توليد الأفكار، وبقدر ما نرى توليده الكثير للأفكار نتصور أننا نرى فيه أشياء وخواطر كثيرة. في كل مظهر لعاطفة نرى ساعة احتدادها هي التي تنعم بهذا الامتياز وعملك على إبداء

стр. 5575

هذا التأثير المثير للعين هو أن تسلم بأجنحتك إلى المخيلة، فإذا لم يكن في استطاعة المخيلة أن تعلو فوق ما تريد لها صورة التعبير فهي ولابد هابطة إلى أوضاع دانية، ووراء هذه الأوضاع يُخشى عليها أن تتقيد (بإفراط في التعبير) فيقف بذلك مدى ارتفاعها وسموها. فإذا تنهد تمثال (اللاوكون) كان في استطاعة المخيلة أن تسمعه يصيح؛ ولكنه إذا صاح أصبحت المخيلة لا تستطيع أن تعلو درجة ولا أن تسقط درجة عما تفرضه الصورة، ولا تقدر أن تفرض جواً له أكثر احتمالاً وإن كان بنتيجته أكثر أعزاء. وإنما هي مضطرة إلى حالتين: فإما أن تسمعه ينوح وإما أن تراه يموت. وبما أن هذه اللحظة الواحد قد اكتسبت بواسطة الفن خلوداً لا يتغير فلا يجب عليها أن تُعبر إذ ذاك عن شيء يعرض ويزول. فان كل الحوادث التي تحكم عليها بطبيعتها تبدو وتتوارى فجأة، والتي لا يمكن تمثيلها بحقيقتها إلا لحظة واحدة؛ هذه الحوادث مهما كانت طبيعتها إنما تمثل على قدر الخلود الذي وسمها به الفن منظراً غير طبيعي؛ كلما مددنا إليه أبصارنا ضعف تأثيره فينا حتى لا يبقى بعد ذلك من هذا التأثير وهذا المنظر إلا الملل والسأم. أنظر إلى تمثال (ديموقريطس) الفيلسوف اليوناني الضاحك من جنون الإنسان، فإنه لا يضحك إلا للوهلة الأولى حين تراه، ثم يغدو الفيلسوف بليداً وضحكته تشنجاً ملتوياً، وكذلك الحال في الألم الشديد الذي يرافقه الصياح، فهو إما أن يهدأ، وإما أن يشوه وضع المتألم ويذهب بجماله، وإذا كان الإنسان الجلد القوي لا يقدر على مواصلة الصياح بصورة دائمة، فكذلك الأمر في الصورة التقليدية الفنية تحيل مواصلة الصياح فيها ضعفاً لا يأتيه إلا الأطفال في ساعات الألم. وهذا ما تحاشاه رسام (اللاوكون) في نفس اللحظة التي لا يضر الصياح فيها مظاهر الجمال، وفي نفس اللحظة التي تبيح له قواعد فنه أن يمثل الألم بدون الجمال. قد أدرك الرسام (تيموماك) بين معاصريه الأقدمين مقاماً سامياً لحذقه التعبير عن الأهواء الجامحة. فللخلود صنع صورة (اجاكس الغاضب) وصورة (ميدي) الساحرة وهي تقتل أولادها. وبعد هذه الأوصاف التي جئنا بها نقول: قد اتضح أن الفنان قد وقف على تلك اللحظة التي ترك فيها الناظر سارحاً في تأملاته يدرك من معاني التمثال هذه القسوة العنيفة

стр. 5576

الملتهبة أكثر مما يرى. . . . فهو لم يأخذ (ميدي) في اللحظة التي قتل فيها أولادها، ولكنه رسمها قبل لحظات حين كانت تتنازعها عاطفتا الأمومة والغيرة. وإنما نحن نتنبأ نهاية المعركة، ونحن نضطرب إذا نراها في ثورة غضبها ونقمتها. ومخيلتنا قد تذهب في مسارب أبعد غوراً قبل أن يحملنا الرسام على النزول في مساريه في مثل هذه الساعة الهائلة. وبهذا وحده نرانا أمام هذا (البقاء) الذي يفرضه الفن لحيرة هذه الأم كمن أرتطم بشيء. إذ نريد أن يكون الوضع في الطبيعة كهذا الوضع، حيث لا تنتهي معركة الأهواء في النفس، وإذا قدر لها الانتهاء انتهت ناضجة حتى يستطيع الزمن وإدمان التأمل أن يضعفا الغضب ويخففا غرب الحدة، ويحققا انتصار عاطفة الأمومة. وحكمة هذا الرسام قد رفعته مقاماً عالياً، ووضعت مرتبته فوق مرتبة رسام غيره مجهول، إذ أراد هذا المجهول أن يرسم (ميدي) وكان غير فطن؛ فرسمها في ثورتها العنيفة، فأعطى هذه الثورة الحالية من صفة البقاء ما يتجاوز الحد الطبيعي، وهنالك شاعر نظر إلى هذه الصورة وقد انتقدها بعقل صائب، وناجى الصورة: (هل أنت ظمأى إلى الأبد لدماء أبنائك؟ هل هنالك ولد جديد وابنة جديدة، تجدين من أجلهما غضبك وتصبين سوط نقمتك؟ إلا فاذهبي إلى الشيطان وأنت بهذه الهيئة المرسومة). والصورة الثانية صورة (اجاكس الغاضب) لم يمثله الرسام في غضبه العنيف حين كان يُقيد البهائم ويقتلها بدل الناس، وإنما رسم هذا الرجل بعد هذا العمل الوحشي وقد أنهكه التعب وغلب عليه الوجوم وهو يتأمل في عاقبة عمله. . هذه الصورة تمثل حقاً (اجاكس الغاضب) لأنها تمثله في سورة غضبه، ولكن لأنها مثلته بعد غضبه، ولأن الناظر يدرك بواطن هذا الغضب من وراء الوجوم الذي يراه مرتسما على وجهه، واليأس البادي على ملاحمه؛ ألا يرى الناس العاصفة إذا رأوا الخرائب التي دمرتها والجثث التي بعثرتها على التراب؟ (بيروت) خليل هنداوي

стр. 5577

العلوم ٣ - بحث في أصل الإنسان بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية مهارة الإنسان الأول: لم يكن الإنسان الأول إنسان عقله وتركيبه فقط، بل كان إنساناً تميزه حقائق أخرى كثيرة عرفناها عنه. وإن الأدوات الحجرية التي وجدت عن ذلك الوقت الغابر لا تدل على مدى تفكيره فحسب، بل تدل على ميل للفن والمهارة في الصناعة. وقد وجد المستر داوسون قطعة مستطيلة من العظام المتحجرة شكلتها يد الإنسان القديم له بوظيفة صنعها من أجلها، وتشبه في شكلها شكل مضرب اللعبة المعروف (بالكريكيت) وحالة التحجر ودرجته تماثل تماماً ما وجد في أقدم عصور إنسان البلتداون. وعند فحص هذه القطعة العظيمة اكتشف أنها قد اقتطعت من عظمة فخذ نوع من أنواع الفيلة الضخمة البائدة التي تشبه الماموث كانت تعيش في إنجلترا في أوائل عصر البليستوسين؛ فإنسان البلتداون كان ذكياً ماهراً إلى حد ما، أو لدرجة أوصلته إلى أن يشكل من عظام فخذ هذه الفيلة أسلحة مشوهة الشكل، ومن العدل حينئذ أن نضيف إلى ذكائه ومهارته شجاعته وقدرته في الصيد والقنص. سبق أن بينت أن إنسان الكهوف كان أسير التقاليد والأزياء. وكيف كان نوعٌ وشكل واحد من أنواع الأدوات أو الأسلحة أو غيرها يعم استعماله القارة كلها، وكيف أن بقاء الزي الواحد كان لمدة أطول بكثير مما هو عليه الآن. وإذا نحن بعدنا إلى عصر الأودية فإننا نجد براهين أخرى على ما ذكرنا. حقيقة لا يمكننا معرفة وقت بدء استعمال هذه الآلات والأدوات الحجرية سواء في عصر الأشيلية والشيلية أو البريشيلية، إلا أنه يمكننا مع ذلك أن نقول واثقين كل الثقة أن المرأة كانت تحمل نفس الشعور والحواس النفسية التي تدفع أي امرأة في أي عصر من العصور إلى طريق العبودية للأزياء. وفي الوقت الحاضر بما فيه من وسائل مواصلات حديثة، يكفي الزي الواحد أسابيع قلائل كي ينتشر ويعم استعماله العالم أجمع، ولو أنه سريع الذهاب قليل البقاء أو الثبات، وهذا الأمر هو ميزة العصر الحالي، عصر السرعة والتقلب في كل

стр. 5578

شيء. بعكس القديم الذي نحن بصدده، والذي ذكرنا في فقرتنا السابقة أن انتشار الزي الواحد كان يلزمه وقت طويل، ولكنه عند ما ينتشر يستمر عشرات آلاف السنين دون أن يتغير. قد استطعنا من الآثار والمخلفات التي وجدناها في المقابر والكهوف وسواها أن نتتبع تاريخ حياة الإنسان من نحو مائتي ألف سنة، وبذلك وصلنا إلى عصر من العصور سماه علماء الجيولوجيا عصر البليستوسين ولدينا من البراهين القوية ما يثبت أن الإنسان في هذا العصر قدُ وجد كامل التكوين جسما وعقلا، ولذلك نجد أنفسنا مضطرين لأن نرجع إلى ما قبل هذا العصر، إلى عصر أطلق عليه اسم عصر البليوسين وبذا نجد أن مخلفات العصر السابق ليست ذات أهمية لنا، ونجد ضروريا أن نبحث عن آثار أقدم. وقد وجد أن الأنهار الشمالية ومنها التيمس والرين والألب وغيرها تحفظ في قاعها وبين طبقات شواطئها من مخلفات العصر الذي نحن بصدده ما يجعلها تفوق في الأهمية أي متحف جيولوجي أو طبيعي. كانت مصبات الأنهار الشمالية تصل إلى أقاصي القارة الأوربية وتصب في بحر الشمال. وكانت إنجلترا تتصل بباقي أوروبا عن طريق سهل فسيح جداً ممتد بينها وبين القارة. إلا أن هذا السهل قد ذهب ضحية عوامل الانخفاض في القشرة الأرضية فغمرته المياه ولم يبق منه إلا شريط مستطيل رفيع يمتد في شرق انجليا. وإنك لترانا مازلنا في بحثنا عن إنسان البليوسين نعتمد على مخلفات الأنهار وما تحفظه المجاري المائية بين طبقات قاعها أو كهوف سواحلها. وحقيق بي أن أذكر هنا عبارة حين قال: , وهذا معناه أن الأنهار تحفظ لنا بين ثناياها التاريخ الصحيح لقديم الزمان، وعلى العالم الجيولوجي أن يقرأن لنا هذا التاريخ ويفسر ما التبس منه وما غمض. قلنا إن شرق انجيليا يكون جزءاً من سهل بحر الشمال البليوسيني، فإذا كان هناك إنسان قد عاش في أوربا وسكنها في ذلك العصر فلابد أن نجد آثاراً أو مخلفات تدل على سابق وجوده. وقد حدث أن المستر ريد موير بدأ يبحث في طبقات البليوسين في شرق انجيليا تلاحظ أنه على أعماق مخصوصة وجد قطعاً صخرية صماء دلَّته دلالة نقض فيها على إنُها من عمل الإنسان. وبعد سنوات عديدة أمكنه أن يكوّن مجموعة من هذه الصخور

стр. 5579

تختلف اختلافاً بيّناً في الشكل والنوع عما وجُد من مخلفات عصري البريشيليان والشيليان. ثم وجه بحثه وراء إنسان البليوسين فبحث في شواطئ سفولك ونورفولك، حيث تكشف الأمواج المتلاطمة عن طبقات الربوات العالية البليوسينية. وقد ساعده الحظ في العثور على صخور نارية دلت على عمل الإنسان وقدرته على التشكيل والابتكار. لكنه لم يعثر ولم يعثر غيره على هيكل متحجر من هياكل ذلك الإنسان الذي صنعها وشكلها في تلك الأزمنة السحيقة المتناهية القدم وهي عصر البليوسين. وقبل أن نتقدم بعيداً عن ذلك نقف لحظة هنا لنقدر عمراً لهذا العصر. قال العلماء إن سمك طبقات البليوستوسين يبلغ ٤٠٠٠ قدم، وأن سمك طبقات البليوسين ٥٠٠٠ قدم. فإذا علمنا أنه يلزم لتراكم طبقات البليوستوسين (٤٠٠٠ قدم) ٢٠٠ ألف سنة فانه من الممكن أن نقول إن طبقات البليوسين (٥٠٠٠ قدم) تحتاج إلى ٢٥٠ ألف سنة أي ربع مليون سنة. وهذا ما يمكن أن نقدره عمراً لعصر البليوسين. وقد كانت أقدم جهة وجد فيها ريد موير مخلفاته الصخرية تقع في خمسي المسافة، فإذا اعترفنا بذلك وجب أن نعترف أنه من مدة تبلغ نحو ١. ٣٠٠ ألف سنة كان يسكن العالم عنصر بشري كان له من الذكاء والمقدرة ما كشف له عن طريق عمل واستخدام الآلات والأسلحة. ولم تكن صخور ريد موير التي وجدها في شرق انجيليا أقدم آثار لعصر البليوسين، لأن هناك جهة تعرف باسم لوحظ أن بها مناطق لا تجري فيها مجار مائية في العصر الحالي وإنما تدل الدلائل على أنه كانت توجد بها أنهار سريعة الجريان. وذلك من البقايا الرسوبية التي وجدت. في هذا الجهة بدأ بنيامين هاريسون بحثه في عام ١٨٦٤ فوجد أدوات صخرية نحتتها يد الإنسان، وقد سميت هذه الصخور باسم ويعترف ريد موير أن هذه الصخور أقدم مما وجده في شرق انجيليا. وقد وجد مدير دار الآثار الملكية البلجيكية في أمثلة أخرى كثيرة لمحاولة الإنسان الأول تشكيل الصخور واستعمالها أدوات وأسلحة. ولم يقتصر البحث على مخلفات الطبقات الجيولوجية لمناطق بحر الشمال البليوسينية، بل تعدها إلى كل أنحاء العالم. ففي هبترلاند وفي السهول الشمالية لأواسط آسيا دار البحث والتنقيب عن إنسان البليوسين. ولعل الدكتور هنري فيرفيلن أوزبورن كان يتوقع العثور في آسيا على الحلقة المفقودة

стр. 5580

لسلسلة تطور الإنسان في مخلفات عصر البليوسين. وبرغم الأبحاث المتوالية والجهود الجبارة التي قام بها العلماء في مختلف جهات العالم، لم يعثر إلا على بقايا فرد واحد من العنصر الذي عاش في عصر البليوسين، وجد في منطقة ترتفع عن مستوى سطح البحر بنحو ٥٠ قدماً وتقع على الساحل الشرقي لنهر بنجوان في أواسط جاوة، وقد عثر عليه شاب هولندي طبيب ذهب إلى جاوة سنة ١٨٩١ واثقاً من عثوره على ما يدله على خطوات التطور الإنساني في هذه الجهة. وكانت شواطئ نهر البنجوان غنية بالهياكل المتحجرة لحيوانات بائدة، ولذلك استرعت هذه الجهة نظر الطبيب الشاب فوجه بحثه إليها. الحلقة المفقودة وبعد بحث وحفر طويلين وجد هيكلاً لمخلوق غريب أطلق عليه اسم أي الإنسان القرد، إذ أنه قد ظن أنه وجد بقايا من يتكلم عنه الناس أجمع ولم يروه، ألا وهو الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان. وقد ظهر أن هذه الطبقة الأرضية التي وجدت بها بقايا هذا العنصر أو المخلوق لم تتكون إلا في أواخر عصر البليوسين، ولذلك يمكننا أن نقول أنه إذا كان هذا الإنسان القرد عاش هو وأخوته وأعمامه وأخواله وكل أفراد عائلته في جزيرة جاوة في العصر الذي تم فيه تكوين طبقات شرق انجيليا، فإنه يمكننا أن نقدر لعصره عمراً يتراوح بين ٢٠٠ و٣٠٠ ألف سنة. بعد أن قدرنا هذا العمر لهذا المخلوق العجيب يجب علينا أن نبحث لنعرف نوع هذا المخلوق وأصله. فما الذي وجدناه منه؟ كل ما عندنا من آثار: غطاء الجمجمة، عظمة فخذ، ثلاث أسنان منها ضرس من أضراس العقل. فلندرس هذه كلها، ولنر ما يمكن أن تكشف لنا عنه. (يتبع) نعيم علي راغب

стр. 5581

البريد الأدبي ذكرى الفردوسي تحتفل الحكومة الفارسية في هذه الأيام بذكرى الفردوسي الشاعر الفارسي الكبير بمناسبة مرور ألف عام على مولده. ولا يعرف تاريخ مولد الفردوسي بالتحقيق، ولكنه يوضع عادة بين سنة ٩٣٥ وسنة ٩٤٠م؛ وكانت وفاته نحو سنة ١٠٢٠م. واسمه الحقيقي هو أبو القاسم منصور، وأما الفردوسي فهو اسمه المستعار. وأعظم آثاره قصة (الشاهنامة) الشهيرة، وضعها نظما، واستمد موضوعها وحوادثها من تاريخ فارس القديم. وترجمها بالعربية نثراً الفتح بن علي البنداري. وقد ترجمت الشاهنامة إلى بعض اللغات الأوربية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية وظهرت منذ أوائل القرن الماضي. وظهرت الترجمة العربية مكملة محققة منذ عامين بعناية الدكتور عبد الوهاب عزام، أستاذ الفارسية بالجامعة المصرية. وقد اهتمت الحكومة الفارسية بتنظيم هذا المهرجان الأدبي اهتماماً عظيما، ودعت معظم الحكومات والجامعات والهيئات العلمية لشهوده بصفة رسمية؛ وسينزل المندوبون الرسميون ضيوفاً على الحكومة الفارسية منذ دخولهم الحدود الفارسية؛ وتنظم الحفلات والزيارات الأولى ما بين الثالث والثامن من أكتوبر. ثم يفتتح جلالة الشاه الاحتفال الرسمي الكبير في الثاني عشر من أكتوبر في مدينة طوس حيث يرقد الشاعر العظيم، وسيكون الافتتاح برفع الستار عن أثر تذكاري أقيم تخليداً لذكراه. وقد وفد على فارس مئات من العلماء والمستشرقين ممثلين لحكوماتهم وجامعاتهم؛ وانتدب لتمثيل مصر في هذا المهرجان العظيم الأستاذان عبد الوهاب عزام وعبد الحميد العبادي. وقد بلغ عدد المدعوين إلى حفلة ذكرى الفردوسي الألفية من أوربا وأمريكا ٩٠ عالماً، ومن الشرق الإسلامي ٢٤، وأعدت لهم الحكومة جميع مظاهر الضيافة والكرم، وسيعودون إلى بلادهم في ٢٥ أكتوبر إذ تنتهي الاحتفالات القومية الفارسية. وترجو الرسالة أن توافي قراءها بتفاصيل شائقة عن هذا المهرجان وعن الخطب التي ستلقى فيه. ألمانيا تحتفل بذكرى الفردوسي احتفل في برلين بذكرى مرور ألف سنة على مولد الفردوسي شاعر الأمة الفارسية

стр. 5582

بحضور بعض سفراء الدول الأجنبية وأساتذة الدراسات الشرقية من الألمان. وقد تكلم المستشار وهلن باسم وزير المعارف فقال: إن الفردوسي قد أثبت القرابة الموجودة بين أوائل الفرس وأوائل الجرمان، وتكلم سفير فارس فقال إن الفرس سعداء فخورون لأن كلمة إيران التي تطلق على بلادهم معناها: وطن الشعوب الأرشية الآرية الأوربية. اللغة الفارسية يدور في محافل وزارة المعارف الإيرانية أن هناك فكرة ترمي إلى عقد مؤتمر لغوي فارسي بعد الاستئناس بآراء المستشرقين الموجودين في طهران لحضور حفلات الفردوسي. والغرض من هذا المؤتمر هو: الأصلح أن يستمر تقدم اللغة الفارسية في طريقها الحاضر مع إحياء المفردات القديمة، أم اقتباس طريقة مصطفى كمال في جعل اللغة التركية مجردة من الألفاظ العربية وسواها؟ ويؤيد الرأي الأول فريق الشباب. أما المعارضون فهم أكثرية الشعب الإيراني لاعتبارات دينية وتقليدية. اللغة التركية إن المؤتمر اللغوي التركي قرر أن يكون يوم ٢٦ أغسطس من كل سنة، وهو اليوم الذي انعقد فيه المؤتمر الأول، عيداً قومياً للغة التركية في جميع أنحاء الوطن التركي، وكانت الجمعية قد احتفلت بهذا العيد في العام الماضي احتفالاً اقتصر على إقامة مأدبة رسمية في مركز الجمعية في أنقرة. أما في هذه السنة فان النية اتجهت إلى صبغ هذا الاحتفال بالصبغة القومية العامة، وفي اليوم المقرر يلقي أعضاء لجان حزب الشعب الخطب والمحاضرات بواسطة الراديو لتعميم فكرة استقلال اللغة القومية، وفي هذا اليوم تصدر الصحف التركية أعداداً خاصة تتناول فيها الموضوعات المتعلقة بمسألة اللغة القومية وتركيزها. أول مؤلف في اللغة اليابانية عن الإسلام نشر في طوكيو أخيراً كتاب جليل باللغة اليابانية اسمه (تطور الأمم الإسلامية) عنى بتأليفه ونشره الأستاذ أوقوباشي خدمة للإسلام، ويجمع هذا الكتاب بين دفتيه خمسمائة صفحة من الحجم الكبير زين معظمها بالصور الشمسية التي تمثل نواحي الحياة والعادات في بلاد

стр. 5583

الإسلام. والكتاب يحوي كثيراً من المعلومات العامة عن الإسلام وأهله، وقد اعتنى مؤلفه بعالم الترك اعتناء عظيما فنشر فيه مقالات وفصولاً طويلة في تاريخ الترك والمدنية التركية، وأحصى الدول التي أنشأها الأتراك، وأعرب عن وحدة المدنية التركية بوضوح تام، ثم وضع الانقلاب التركي الأخير في مكان رفيع، وشرحه للأمة اليابانية شرحاً وافياً كما شرح أحوال الأتراك المقيمين في روسيا والصين، وأسهب في الكلام عن المسلمين عامة، وزين الكتاب بصور عظماء المسلمين من أتراك وغيرهم كما زينه بصور زعماء ايديل أورال وتركستان وقريم وقوقاز. البحث عن أصل النوَر سبق أن نشرنا بحثاً مستفيضاً عن النوَر (الغجر) وخواصهم، ومازالت آراء البحث الحديث متضاربة في أصل ذلك الشعب البدوي الجوال؛ وأكثر الباحثين على أنهم نزحوا في الزمن الغابر من الهند إلى الشرق الأوسط، ثم تسربوا بعد ذلك إلى مختلف الأقطار الأوربية. ومازالت منهم جموع عظيمة في المجر ورومانيا وبولونيا وتركيا وأسبانيا وغيرها. وتعني معظم الحكومات بتحضيرهم وتهيئة عوامل الاستقرار لهم لتجعلهم من الرعايا الخاضعين للقانون. ولكنها لم تنجح حتى اليوم في تحقيق هذه الغاية. وقد ألفت أخيراً لجنة علمية دولية لتقوم بالبحث عن أصل النوَر، وعن منشئهم الأول، في الهند ذاتها، وفي نفس المنطقة التي يظن أنها كانت موطنهم الأصلي، وهي منطقة تسمى (زجر بستي) وتقع بين نهري الكنج والسند. وتتألف هذه البعثة من عضو إنكليزي هو الأستاذ فرنك فيلو، وعضو أمريكي هو الأستاذ جاكوب كوركي، وعضو روماني هو الأستاذ لازوريكا وهو نورَي الأصل، وعضو بولوني؛ ويصحب البعثة الأستاذ فالني كانجا الروماني، وهو علامة في اللغة السنسيكرتية التي يظن أنها أصل اللهجات النورَية؛ وسيقوم ببحث الوثائق التي يمكن الحصول عليها من المعابد والأديار البوذية والبرهمية بمعاونة الحكومة الهندية، وقد يكون فيها ما يلقي الضياء على حياة النوَر الأصلية وهجرتهم من موطنهم فراراً من اضطهاد المغول أيام جنكيز خان وتيمورلنك؛ وستزور البعثة إقليم مالا بار حيث توجد طائفة تتكلم لغة فيها كثير من العبارات والألفاظ التي توجد في لهجات النور. وستنشر البعثة خلاصة مباحثها عن

стр. 5584

النور في كتاب لا ريب أنه سيثير عند ظهور كثيراً من الاهتمام. سر الحياة قرئت أخيراً أمام أكاديمية العلوم الفرنسية وثيقة غريبة أودعها بالأكاديمية نائب وعلامة اقتصادي يدعى فرنسيس لور في ٥ سبتمبر سنة ١٨٩٥، واشترط ألا تفتح ألا في ٥ سبتمبر سنة ١٩٣٤، وكثيراً ما تودع بالأكاديمية أمثال هذه الوثائق، وتحترم الأكاديمية رغبات مودعيها. وإليك نص هذه الوثيقة الغربية: (أعتقد أني قد استطعت وضع طريقة لإطالة الحياة. ولكني لما كنت مهندساً، فأني لا أعتقد بالنظريات إلا إذا تحققت بالعمل. ولهذا فأني أعلن اليوم أنني أريد أن أعيش حتى يوم ٥ سبتمبر سنة ١٩٣٤ على الأقل، وفي هذا التاريخ أكون قد بلغت سن التسعين، وهي سن أرجو أن أبلغها، إذا كنت مصيباً في طريقتي لإطالة الحياة). وقد توفي المسيو فرنسيس لور في شهر مايو الماضي، أعني قبل الميعاد الذي حدده لوفاته بأشهر قلائل فقط. ومعنى هذا انه بلغ أمنيته ومات معمراً في سن التسعين. ولكن الذي يؤسف له أنه لم يرفق تصريحه ببيان طريقته، وعلى أي حال فسواء أكان هذا العمر الطويل نتيجة نظام غذائي أم أية تحوطات صحية أخرى، فانه مما يدعو إلى الدهشة أن يؤكد هذا المعمر أنه سيعيش أربعين سنة ثم يعيشها حقاً. وقد أحيلت وثيقته إلى القسم الطبي بالأكاديمية لبحثها.

стр. 5585

القصص مُقَطَّفَة للأستاذ إبراهيم بك جلال وكيل محكمة أسيوط الأهلية كنا في حاضرة صغيرة في صعيد مصر، يجري في سفحها النيل زاخراً فياضا، وينطلق بين أغوارها رعاة الماشية في إثر الكلأ، وتستقيم على أنجادها بواسق النخيل يسطع بريق الضحى من سعفها كالأسنة في متون القنا. وكان في أقصى المدينة خليج صغير يأخذ من النيل، يجري فيه الماء غديراً رقيقاً، يفيض بركة ويمناً حول ربوة عالية فيها أكواخ بالية لقبيل من الناس، عدتهم بين العشرين والثلاثين، فيهم الشيخ والطفل، وبينهم حفنة دون العشرة أهل باس ونجدة. وتمتد أكواخهم في ذرى النجد كالحة الجدران، تنساب بين شعابها عنزات عجاف، وتنيخ بأفنائها الأباعر، وتسبح في أفقها أسراب الحمائم. ولأهل ذاك القبيل حقل صغير فوق الربى العالية عزّ على القوم سقياه، فشقوا له في السفح ثلاثة (شواديف)، يستقي أدناها من ماء الخليج فيسقي الذي يليه، وذاك يحمل ما تعلل به من البلل إلى الثالث، وذلك يلقى سقياه إلى الحقل. ويتناوب أهل النجد تلك الشواديف؛ فهم أبداً جاثمون تحت السعير المتقد من جمرة الصيف في أثمال كشفها البلى عن سواعد دونها الفولاذ، فيشتدون في ساريات الشواديف جذباً ودفعاً حتى يستوفي الحقل رياً، فيُفيئون إلى صفصافة في الحي بها ظل وارف. وكنا في دهشة الحرب العظمى، فخيم حول المدينة طائفة من جنود بريطانية يحرسون شعاب الصحراء ومفاوزها من أشياع السيد السنوسي، فكنا نصطبح بفرسانهم دارعين يمشون إلى المصاف ثم يعرجون إلى المضارب. وجاء فيض النيل غمراً كأحسن العهد بالوفاء، وجرى الماء كثيفاً في خليج أهل القبيل، فاندفع الغلمان يسبحون فيه، وتوافد النساء يرتعن ويلعبن. وكان بالنجد عذراء فتية، لونها الخمر إذا صفا، وغرتها البدر، وخطرتها الظبي، وحدقها المها، تسري بين الربى في قميص قُدَّ من قُبل في غير إثم ولا حرج، وفي خصرها نطاق من نسيج قرمزي كبرزخ الحسن، يعلو بك صعداً إلى معاقد ما بين ثدييها حيث الفتنة

стр. 5586

نائمة، ثم يهوي بك إلى كثيب تنوء به ساقاها. ونشأت (مقطَّفَة) في حمى اليتم، فكفلها أخواها تحت جناحيْ رحمة، وجمعا لها زخرف الثياب والعقود والأقراط، وجمَّلا قدميها بخفين فيهما كل طلىّ من صنع المدينة، وضربا لها خدراً كريماً بين الحمى، فإذا أقلها الخدر وربض أخواها ببابه بات عريناً دونه جبهة الأسد. وكرّت مقطفة إلى مشرع الخليج وحولها أتراب من الغواني، فأشرق النجد أغواره ورباه، ونضت ثيابها عن قامة كالغصن، فغمرها مدلا بروعة حسنها، ونسج الأتراب من معاصمهن حولها شفقاً رقيقاً كالذي نراه عند مغيب الشمس، فكانت غرّتها تشرق بينهن ثم تغرب في دجى فرعها. وقدمت فصيلة من جنود الإنجليز إلى الخليج أفراداً وجماعات حتى أكملوا المائة، فنزعوا نعالهم الغليظة، وبعثروا فوق الثرى قلانسهم ومناطقهم، ثم نضوا بقية الثياب وافترشوا أديم الأرض، يستقبلون النيل في فورته واندفاعه إلى الخليج، وكانوا بمعزل عن أهل الحي تحجبهم هضاب وشعاب. وخرج من صفوفهم فتيان يسبحان في الماء، وظلا في مرح واستباق وتراش بالماء، حتى رنت في أفقهما أغاريد بنات الحي من أقصى الخليج، فهوى أحدهما إلى القاع يسترق الخطى ويسبح الهوينا، حتى كشف له عذاري النجد كالحلقة المفرغة حول (مقطفة). فخلب لبه ما صاغ المشرق من الحسن، فهو كامن في أفنان النخيل، وطيف النسيم العليل، وصفاء الماء السلسبيل، وملاحة ذلك القد الأسيل. وسرّح الإفرنجي حدق المأخوذ في دمية النجد وغانية الحي، وبهره وضح جبينها ودقة تكوينها، وسولت له الفتنة أن يستقي حميا ذلك الثغر المصفى. ونم على الذئب حر أنفاسه فنفر الظباء في ذعر وفَرَق، وتخلفت مقطفة تجمع أشتات العقود والعصائب، وأسبلت قميصاً فضفاضاً يجري ماء الحسن من جيبه إلى ذيله، وهمت في إثر أترابها لولا أن لاحقها الإفرنجي فرأت بشراً من غير معدنها في قميص مندى يكاد يلوكها بماضغ عينيه، ويعتصر جموح غريزته الملحة، فمد يمينه إلى جيدها الغضّ، ولكنها انتثرت كما ينتثر العقد بدراً، وفرت إلى خدرها تملأ الحي رجعاً موجعاً والرجل يشتد في إثرها، وتعلقت فتاة الحي بدروة خدرها ولوحت لأهلها بالعصائب القرمزية فكانت نفير

стр. 5587

النجدة. وأبطأ الفتى الجندي على رفاقه من الإنكليز، فحفوا في أثره وتسنموا ذرى النجد، فخرج عليهم من ظلال الصفصافة حفنة من الفتيان غضاباً للأعراض والأحساب الكريمة، يحملون ساريات الشواديف وفلولاً من أعجاز النخيل، وانهالت الساريات تدق الضلوع، وتفلق الهام، وتطهر باب الخدر بالدماء، واستعر لهب الملحمة واشتد أوارها، وصرع من عامة الجند نيف وثلاثون. وجاء النذير إلى دار الشرطة بالمدينة، فقدموا إلى ضوامر الخيل، وطوقوا الحي سهله ونجاده، وحُمل الجرحى إلى مضاربهم، وسيق الفتيان إلى السجن مصفدين في الأغلال. وحشر أهل المدينة في الدروب والمشارق يستعرضون تلك الفئة القليلة التي غلبت فئة كثيرة بأذن الله، فإذا هم بضعة نفر من البدو غرا محجلين، يمشون في سكينة وعزة ويقين، مشيئة آبائهم مفاتيح النصر إلى اليرموك والقادسية، حيث دكوا عروش الروم وفارس، وجاء على أعقابهم نساء النجد يبكون حماة الحريم ورفات المجد القديم، وفي طليعتهن مقطفة تندي النقاب، وتهتك الحجاب، وتندب الأهل والأصحاب. وعقد مجلس التحقيق فكان مستفيضاً، وطال أمده يومين كاملين. وجاءت البينات من جنود الإنجليز تشهد جراحاتهم وما تركت الساريات بأضالعهم وسواعدهم وأعجازهم وهامهم، وأنف حماة النجد من الكذب، وراحوا يصورون للقاضي ما كانوا فيه من دعة وسكينة بين الأهل والولد، حتى وثب الجند بالعقائل يستحلون المحارم ويستبيحون الخدور، فقامت سواعدهم بغريزة الذود وسجية الدفاع المشروع. وكشف للناس فرسان من الإنجليز يمشون في ركاب أمير الجيش إلى المحكمة، ودخل القائد مجلس التحقيق في عتاده وشارات حسن بلائه، فساور القوم قنوط ويأس وظنوا بالله الظنون، وظلوا واجمين بالباب محتسبين عند الله أكرم القرابين. ولهم معذرة، فان مصر كانت في أغلال عرفية لا خيار لها ولا سلطان. واستنار القائد بدخائل التحقيق وأسراره فنهض إلى الوثائق يجمعها ويطوي سجلها ويحكم رتاجها، ثم عاد إلى مضاربه وبين يديه الجارمون من أهل النجد. وهلل الفجر فغصت محاريب المساجد بأهل الدعاء، يرفعون العقائر ويعلنون السرائر،

стр. 5588

وتواري بعضهم بين الشعاب المفضية إلى المضارب يتسمعون دوى البنادق وزفرات الشهداء. فكشف الناس في أفق الصبح قوافل من السيارات تنوء بالعتاد والمضارب وفيها أشباح يخفقون، وهي تطوي ما بين المضارب والمحطة. وسارع الناس فرادى إلى الأفاريز فتبينوا بارقا من الرحمة، وتوسموا الخير كله في نواصي السيارات. فقد كان ركبها من الذين استباحوا حمى مقطفة وأهل نجدها، طوح بهم القائد إلى أطراف الديار. وذخر القطار يمشي بهم في غير ذمة الله تشيعهم من ناحية القائد عين ناقمة متبرمة. وأومأ أمير الجيش إلى سيارة موصدة فانفرجت عن فتيان النجد في أمن ودعة، واستمعوا حكم البراءة مهللين مكبرين، يلوحون بالعمائهم ويملؤون الأفق حمداً وثناء على مكارم القائد ونبله. وتقدمتهم إلى النجد مقطفة تلوي عصائبها القرمزية، وحولها حلقة مفرغة من بنات الحي يغنين نغم البيد، ويرتلن حلو الأغاردي. إبراهيم جلال

стр. 5589

الكتب ابنة الشمس بقلم فرنسيس شفتشي نشرت مجلة (الرسالة) الغراء في عددها الصادر بتاريخ ٢٤ سبتمبر الماضي نقداً لحضرة الأديب الفاضل (الخفيف) عن روايتي ابنة الشمس. وإني لأتقدّم بمصافحته، راجياً أن يكون ذلك بدء التعارف بيني وبينه، وأرى لزاماً في عنقي أن أشير قبل كل شيء إلى روح النزاهة التي بدت في نقده، وعدم تأثره بأية عوامل في إصداره ذلك النقد، وهو ما أرجو أن يتقبّل عنه مني خالص الشكر، غير أني قد رأيت أن أدفع المآخذ التي أخذها حضرته عليّ بما يأتي: قال حضرة الناقد المحترم: إن عقدة القصة مهمة، وإنني لم أوفق إلى انتخاب حادثة رئيسية، فهنا بنت أنات تحب بنطاؤر، وهنالك نيفرت تحب مينا، وهذا رئيس الكهان يشترك مع والي مصر في إثارة الشعب ضد الملك، وهذا يعاكر قائد الطليعة يريد أن يكيد للملك. ولعل حضرة الناقد يوافقني على أن الرواية المسرحية لا يجب أن يكون قوامها حادثة واحدة، ولكن محور واحد تدور عليه الحوادث المختلفة، وإن قليلاً من الإمعان في روايتي يبين للقارئ بسهولة: إن ذلك المحور هو النزاع القائم بين الكهنة والعرش. وأن جميع حوادث الحب والثورات والمظاهر المختلفة، وإنما تشعبت من ذلك الأصل. كما يوضح له أنني لم أحل العقدة التي كان أساسها ذلك النزاع إلا في الفصل الرابع من الرواية، أي في الفصل الأخير. وقبل ذلك كان لزاماً عليّ أن أحيط العقدة بغموض وإبهام كما يشير حضرة الناقد، حتى يكون المتفرج في شوق إلى معرفة الغاية التي أسير به إليها. إن الكهنة يتآمرون على العرش، وهم بحاجة إلى شخص يكون آلة في أيديهم، وهذا الشخص يجب أن يكون حاقداً على الملك، وهو قائد طليعته. فيجب إذن إيجاد سبب لذلك الحقد. هذا السبب هو حبه الشديد لنيفرت، وعدم توفيقه في الوصول إليها بسبب أوامر الملك. هذا من جانب واحد، جانب الهجوم - إذا صح هذا التعبير - أما من الجانب الآخر

стр. 5590

- جانب الدفاع - فقد كان الملك غائباً عن دياره، وحلّت ابنته محله في إدارة شؤون البلاد، وقد اطلعت بواسطة حبيبها بنطاؤر على دسائس الكهنة. فتعاونا معاً على كشف الجريمة واتخاذ التدابير الكفيلة بانتصار رعمسيس. وبسبب غياب رعمسيس وتنبه الكهنة إلى نفوذ ابنته كانت سياستهم موجهة ضدها، فاخترعوا لذلك قصة الدنس وما تفرع عن ذلك من الحوادث التي ليست في مجموعها إلا إطاراً زاهي اللون لذلك المحور الذي ذكرناه، وهو العامل السياسي، ولو خلت القصة من تلك الزخارف، فلا شك أنها تكون جافة لا يستسيغها القارئ ولا المتفرج، ولاسيما في التراجيديات الكبرى التي تتطلب جهداً وانتباهاً عظيمين. وبراعة المؤلف هي في حسن سبك هذه الحوادث وصبغها بصبغة الأهمية. وإعطائها اللون الذي يجعل لها في نظر المطلع عليها قوة الموضوع الأساسي وعظمته، وفي أن يشعره بأنها متصلة به اتصالاً وثيقاً. وهذا ما توخيته في روايتي. ولقد قال حضرة الناقد في موضع آخر من مقالة: إن كل منظر في الرواية يكاد يكون مستقلاً، فلعلي لا أكون مخطئاً إذا لفت نظر حضرته إلى أن القاعدة الفنية المعمول بها في معظم المآسي العالمية الكبرى هي التي أوحت إليّ السير على هذا النمط الذي أجده معقولاً، فان موضوع القصة يجب أن يقسم تقسيماً عادلاً بين الفصول، بحيث أن الحادثة أو جزء الرواية الذي يتناوله المؤلف في أحد الفصول يجب أن تكون جزئياته كاملة بحثي لا يسدل الستار على شيء أبتر والمتفرج فاغر فاه في انتظار شيء يشعر بلزومه. إن المتفرج يجب أن يشعر إزاء كل جزء من الرواية أنه إزاء رواية كاملة بجميع جزئياتها في دائرة جزء القصة المخصص لذلك الفصل، على أن يربط هذه الحوادث جميعاً بحوادث الفصل التالي للموضوع الأصلي، وهذا بالذات ما فعلته. أما قول حضرة الناقد أنني جعلت خاتمة المأساة متوقفة على نصيب رعمسيس في الحرب وأن هذا معروف للقارئ. فليسمح لي بأن أقول لحضرته إن المعروف للقارئ عن انتصار رعمسيس لم يتطرق إلى ذهنه بواسطة روايتي إلا في النهاية، ومعرفة القارئ هذا الانتصار من كتب التاريخ لا يقلل من أهمية القصة، بل بالعكس يجعل لها قيمتها التاريخية من حيث أن المؤلف مطالب بالاحتفاظ بروح التاريخ وإثبات الحوادث الكبرى المعروفة. فما يعتبره الناقد عيباً من هذه الناحية هو حجتي في الدفاع عن الرواية. إن المؤلف لا يبالي

стр. 5591

معرفة الجمهور بحادث تاريخي معين وإنما هو يسير في عمله على حسب ما يقتضيه سياق القصة وحسن سبكها، ومهمة المؤلف هي في إيضاح تلك الحوادث المعروفة وتصويرها بدقة وإلباسها الثوب القشيب الذي يجعل الجمهور يتقبلها بغير عنت ولا نفور. فإذا نجح المؤلف في ذلك فلا شك أن الاستمتاع بالعمل الفني يكون كاملاً. أما ما يأخذه عليّ حضرة الناقد من سذاجة الحوار في بعض الحوادث فان ذلك كان يتبع روح الأشخاص الذين كنت أتكلم بلسانهم. أما ما يتعلق برجوع بنطاؤر عن فلسفته بسرعة وانقياد إلى بنت أنات، فأني أوافق الناقد على انهما لم يكونا بصدد موضوع تافه بل بصدد موضوع خطير للغاية، ولكن بنطاؤر كان مدفوعاً بعدة عوامل أظهرناها جميعاً بجلاء تام في سياق القصة، وخلاصتها أنه كان يحب بنت أبات حباً مبرحاً منذ عام، وأنه كان يخالف في قلبه جميع معتقدات الكهنة ويدين بما تدين به حبيبته، وأنه خاف عليها أن يتولى عقيدتها الطاهرة الفساد. هذا فضلاً عن قوة الحجة التي أدلت بها بنت أنات في حضرة الكاهن وثورتها عليه ولين عاطفة بنطاؤر ونفسه الشاعرية الحسّاسة. لقد اجتمع لديه كل ذلك في وقت واحد فسلّم السلاح. على أن ضميره عاد يؤنبه بعد ذلك فكاشف صديقه نبسشت بعد تردد قليل بما يكنه قلبه. ولا غرابة في ذلك فان بنطاؤر ونبسشت صديقان حميمان وكلاهما يعد نفسه أمين سر للآخر وموضع ثقته وملاذه. وأما أنني جمعت بين التأليف والتمثيل بإشارتي إلى ما ينبغي حدوثه على المسرح فلا أظن في ذلك مايعيبني، ولاسيما أن هذه هي الطريقة المتبعة في كل المسرحيات الحديثة. هذا ما وجب أن أدفع به المآخذ الموجهة إلى روايتي، فلعلي أكون قد وفقت في بياني، والله يهدينا جميعاً إلى ما فيه السداد. فرنسيس شفتشي همام قرأت ما كتبه الأخ الأديب (م) عن قصة (همام) في (الرسالة) الغراء، وأشكره على حسن ظنه في تقريظه، وأدبه في نقده، وأرجو أن أكون أكثر إرضاءً له في المستقبل.

стр. 5592

وما أريد أن أعقب على شيء من كلمته إلا قوله: (تدور القصة حول محور واحد، ألا وهو حفلات الزواج في عاصمة الأحقاف) والواقع أنها تدور حول العادات السيئة بحضر موت وإصلاحها، ولم يرد وصف حفلة الزواج إلا عرضاً. ولابد لي من التنبيه على أن البيت (لولا انتصاف الكأس الخ. .) ليس لصاحب القصة، بل هو لصديق له من كبار شعراء الأحقاف، ورد اسمه في القصة تنويهاً بفضله وأدبه. علي أحمد باكثير

стр. 5593

العدد ٦٧ - بتاريخ: ١٥ - ١٠ - ١٩٣٤

стр. 5594

شوقي. . .! بمناسبة ذكراه الثانية للأستاذ عبد العزيز البشرى لقد خرج في هذه الدنيا شعراء ما أحسب أحداً منهم كان يستطيع إلا يكون شاعراً لقد تتصل الشاعرية بالطبع والجبلّة. وليس بملك المرء أن يخرج عن جبلته وطبعه. ولست أجد مثلاً اضربه لهذا الطراز من الشعراء أبلغ من أبي نؤاس في الغابرين واحمد شوقي في المحدثين واغلب اعتقادي أن الشاعر من هؤلاء حين ينزل عليه الشعر لا يقدر عليه على صرفه عنه أو حبس لسانه أو قلمه عن الجريان به إلا برياضة ومطاولة وجهد. هؤلاء يطلبهم الشعر اكثر مما يرتصدون له، ويتجردون في إصابته. وبحسبك أن تطالع دواوين شوقي - والحديث فيه اليوم - لتعلم انه لو كان رزق اعظم حظ من العزم والقوة والجبروت ما كان ليقوي على كتم شاعريته الفائضة الجياشة وهيهات للسد بالغا ما بلغ من المتانة والمناعة أن يكف النيل عن جريانه، وأن يكبح إذا طغى من طغيانه!. تقرا شعر شوقي فتتعاظمك هذه الكثرة الكثيرة من فاخر الشعر وبارع الصنعة ورائع البيان. أية قوة بدنية هذه التي احتملت كل هذا المجهود الفكري؟ وكيف تهيأ لهذا الرجل أن يعيش ما عاش!. . . والواقع الذي لا يتداخله الشك إن شوقي لم يكن على حظ كبير من صحة البدن، بل لقد تستطيع أن تقول إنه كان رجلا مضعوفاً مختل الأعصاب من أول نشأته. فإذا طلبت السر في شأنه، فالسر كله في أنه لم يكن يجهد في قرض الشعر لأنه لا يكلفه ولا يتعمل كما قلت لك في طلبه ولا يرهف في ذاك حساً ولا يحد عصباً، إنما هو الينبوع ينبثق فيجرى الماء دفقاً ما يحتاج إلى متح ماتح. نعم، لقد كانت تكاليف الحياة تقتضي شوقي كما تقتضي غيره أن يستفتح الشعر ويبعثه في مديح، أو رثاء تهنئه، أو في غير ذلك من الأسباب الخاصة أو العامة التي لا يرى بداً من القول فيها. على أنه لا يكاد يقبل على صناعة الشعر فيما طلبه، حتى تتحرك شاعريته، فتجرّه عما هو بسبيله جراً، وتملى عليه هي ما تشاء اكثر مما يملى عليها هو ما يريد ولست اطلب في هذا دليلا ابلغ من أن شوقي لم يمدح أحداً قدر ما مدح سمو الخديوي السابق. على أنه حين جرد تلك القصائد من ذلك المديح ليدخلها في ديوانه، ظلت سوية

стр. 5595

قوية رائعة بما فيها من رقيق غزل، أو من بارع وصف، ومن بالغ حكمة وجليل مثل، كأن لم تفقد شيئا، ولم يعوزها شيء!. . إذن كان شوقي شاعراً مطبوعاً أتم طبع، سرياً أجزل السراء، موفقاً إلى أبعد غايات التوفيق. تصرف في فنون الشعر كلها فما ضعف قط في واحد منها، بل قل أن يتعلق بغباره في أي باب من أبواب القصيدة شاعر، اللهم خلا الهجاء، فلم يؤثر عنه فيه بيت واحد. ولعل ذلك يعود، كما قلت في (مرآته)، إلى لطف نفسه، وأنفته من أن يشهر الناس ويطلب معايبهم، أو لعله يعود إلى الخوف والورع من أن يزيد في ثورة خصومه به، لعله فطن إلى أن الزمان سيعفى على هذا الضرب الحقير من الشعر. وأما احسبه لو عالجه إلا موفياً فيه على الغاية والإحسان على أن الله تعالى كان الطف به من أن يدليه في هذا الهوان. وإذا كان عجباً من كثير من الشعراء أن يكون حظهم من البراعة في فنون الشعر بدرجة سواء - فإن هذا من شوقي وأمثال شوقي غير عجيب. فالرجل، كما زعمت لك، لا يملك من شاعريته. اكثر مما تملكه شاعريته وما أن اجتمع لقول الشعر، ومضى يجيل الفكر ويطير الخيال، إلا ملكته تلك الشاعرية عن نفسه، وراحت تجوده بالهاتن الحنان من وحي القريض. فإن أصابت ما احتفل له، وإلا ففي فنون المعاني الآفاق العرائض. أرجوك أن تراجع شعر شوقي في كل ما يتورط فيه الشاعر، ولا ينبعث له من نفسه لو كان أمره كله إليه، لتزداد إيماناً بما أقول. وأرجوك إلا تحسبي غالياً ولا متزايداً إذا زعمت لك إن شعر شوقي كان في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان، يتخطى إدراكه العادي. أعني إنه لقد كان يصيب ألواناً من المعاني لو انك راجعته فيها غداة نظمها لاحتاج في فهمها إلى فكر وتدبير!. ولقد وقع لي اكثر من مرة إن راجعته في بعض شعره أرى أنه قد مس فيه معنى رفيعاً جداً، ولكن اللفظ اقصر من أن يطوله بواضح البيان، وإني لأضمر ما المح، وأحياناً ما كان يلمح غيري، فإذا هو بادئ الرأي كقارئة متحير متردد، وإذا هو في فهم مرامي الكلام في حاجة إلى حبس والى استخبار! وأريد أقول لك أن هذا الرجل لقد كان يفاض عليه ساعة وحي الشعر ما لم يكن لفكره في الحساب. ولقد ذكرت هذا من بضعة أيام لنفر من الأدباء

стр. 5596

ممن كانت لهم صلة بشوقي، فأكد لي بعضهم أنه وقع له مثله هذا أمير الشعراء. صنعة شوقي وإذا كان هذا الشاعر صنعة، أو كان له في شعره ما بعد من عمله، فهو للمعنى أولاً، فإن واتى اللفظ ولأن ونصع واشرق، وإلا فلأم هذا اللفظ الهبل!. لم يكن شوقي إذن يكلف بالديباجة، ولا يجهد في تسوية اللفظ وصقله، ولكنه مع هذا لقد يجيء بالعجب العاجب! بل لقد استحدث شوقي في العربية صيغاً أوفت على الغاية من حلاوة اللفظ، ومتانة النسج، وقوة الإشراق. وأحسب إن قوة المعاني هي التي أرادته على هذا ودفعته إليه دفعاً. ولقد مما يعدّ على شوقي أنه يكثر من الغريب قي شعره، حتى لقد كان يُضطر هو إلى تذييل ما يفشى من قصائده في الصحف بالشرح والتفسير. ولا أحسب هذا سائغاً في العصر الذي نعيش فيه، بل أني لأزعم أن محصول شوقي من متن اللغة لم يكن يواتي هذا القدر الذي يشعره استكثاره من الغريب في قصيدة، فلقد كنت تسأله معنى الكلمة المفردة تكون قد خلت في بعض شعره، فإذا هو لا يدريه في بعض الأحايين. وإنني لأرجح أن الرجل يكن يعمد بهذا للتكثير بسعة العلم، ووفرة المحصول من اللغة، ولكن لأنه كان يصيب من دقائق المعاني ما لا يتيسر له أداؤه باللفظ الشائع، كما كان يطيل أحياناً كثيرة في القصائد إطالة يحتاج معها إلى الكد في التماس القوافي، فكان يضطر في هذا وفي هذا إلى التماس الألفاظ من القواميس ينزعها انتزاعاً. التجديد والمجددون وهنا احب أن أقول شيئاً يسيراً في التجديد والمجددين، وإنني اوجه هذا الكلام، بنوع خاص، إلى الناشئين من المتأدبين. إذا كان من آيات الحياة في الكائنات تطورها، ونموها، وتجددها. فالأدب، ولاشك، من هذه الكائنات التي لا تكتب لها الحياة إلا على التطور والنمو والتجديد، وإلا كان ميتاً أو أشل على ايسر الحالين. ولكنني احب أن الفت في هذا المقام، إلى مسالة قد تدق أفهام الكثير أو القليل. وتلك إن

стр. 5597

هناك فرقا بين التربية والتحديد، وبين المسخ والتغير. ولست أجد مثلاً أسوقه في هذا الباب خيراً من حياة الطفل وحياة النبات. كلاهما ينمو ويربو، وكلاهما يطول ويزكو، حتى يبلغ الحد المقسوم لكماله؛ وقد تتغير بعض معارفه، وقد تخول بعض أعراضه، ولكنه، في الغاية، هو لا شيء آخر، فحسن الوليد، هو حسن الطفل، هو حسن الفتى، وهو حسن الشاب، هو الكهل، وهو حسن الشيخ، وتلك الفسيلة الصغيرة هي هذه النخلة الباسقة، كل نما وربا بما دخل عليه من الغذاء، وما اختلف عليه من الشمس والهواء لقد أصاب كل منهما ما أصاب من أسباب التربية والإزكاء، فاحتجز منهما ما واءمه وما تعلقت به حاجته، ونفى عنه ما لا خير له فيه وما لا حاجة به إليه. ثم أساغ ما أمسك وهظمه، فاستحال دما يجري في عرقه، ويزيد في خلقه. ولا شك في أن لأدبنا العربي عناصر، وله مقومات، وله شخصية بارزة معينة، فمن شاء فيه تجديدا - ومن الواجب الحتم على القادرين أن يجدوا - فليتقدم، ولكن من هذه السبيل. ولا شك في أن لأدبنا العربي عناصر، وله مقومات، وله شخصية بارزة معينة، فمن شاء فيه تجديداً - ومن الواجب الحتم على القادرين أن يجددوا - فليتقدم، ولكن من هذه السبيل. ولا تنسوا إن من أهم هذه المقومات، إن لم يكن أهمها جميعا، هو صحة العربية وتحري فصحها. فمن تهاون هذا وتجاوزه، فليس ما يصنع من الأدب في شيء أبداً. ومما يتصل بهذا المعنى ما لعلي لا أخطي إذا دعوته تقاليد العربية، فالعربية كسائر اللغات القوية تقاليد المأثورة على الزمان. وهنالك مقومات آخران لهما خطرهما العظيم، إلا وهما التخييل والذوق العام. ولا أحسبك تنكر أن للامة ذوقها الخاص بها في كثير من أسباب الحياة، ولقد تشارك غيرها من الأمم في بعض هذا، ولقد تفارقها في بعض فراقا شديداً أو يسيراً. أما التخييل فقد قلت لك في مقال مضى إن خيال المرء مهما حلق وعلا، ومهما أسرف وغلا، فهو لا يمكن إن يخرج عن كونه مجرد تلفيق من الحقائق المحسة الواقعة. وأنت بعد خبير بأن اصدق خيال وأروعه، وإن أحكم تشبيه واطبعه هو اشتقه الشاعر مما يحيط به وبقائه، ويقع لأسماعها ولأبصارهما جميعاً. وألا نبا عن السمع، ونشز على الطبع، ولو كان بالغاً غاية الغاية في بيئة أخرى.

стр. 5598

نعم، لقد يشهد الشاعر من مجال الطبيعة ما لم يشهد عامة قومه ولقد يظهر على كثير مما اتضحت به بلاغات آثمة البيان في الأمم الأخرى ولقد يتذوق هذا في لُغاهم، ويتأثر به إلى حد بعيد، ولقد يرى أن ينقل ما يطول من ذلك إلى معشره بإخراجه في لغتهم لينعّمهم ويلذذّهم ويرهف حسهم، ويفتق في أذهانهم، ويفسح في أدبهم بإدخال جديد عليه، وإضافة بديع من الآداب الأخرى إليه، فإن له من ذلك ما يجب، على أن يصوغه في صحيح لغته، ويطبعه على غرار أدبه، ويحتال على تسوية خلقه، حتى يصبح تام المشابه بما ألف قومه، حتى لا يحسوا فيه غربة، ولا يشعروا منه بوحشة، فإذا وفق الأديب إلى هذا وأجاده وأحكمه فهو المجدد التام. شوقي أمام المجددين: ولقد ضرب شوقي في الأرض كثيراً، ورأى من صور الطبيعة ومن بدائعها ما لم تتهيأ رؤيته لكثير. وقرأ في الفرنسية لأئمة البيان في الغرب ما لا يكاد يملكه الإحصاء. ولقد أساغ ما استعار، وجرى في أعراقه طلقاً، واستطاعت شاعريته الفخمة أن تجلو منه ما شاء أن يجلو عربياً خالصاً لا شك فيه. وهذه دواوينه تزخر بهذا البدع زخراً. فاللهم إن كان التجديد ما ذكرنا فشوقي أمام المجددين في هذا العصر غير مدافع. أما إن كان التجديد هو المسخ، واستحداث صور شائهة، وستكراه ألوان من المعاني لا تمت ألينا بسبب، على صيغ لا هي بالعربية ولا هي بالأعجمية، فاللهم اشهد أن شوقي ليس مجدداً بل ليس شاعراً أبداً. ولقد جال شوقي في كل غرض، وقصد كل قصد، وأصاب من كل معنى، وطال نفسه في اكثر قصيدة إلى ما لم يطله كثير من أنفاس الشعراء، فما ضعف ولا تخلخل ولا أسف، ولا فسلت أخليته، ولا شاهت معانيه، بل لقد يأتي أكثر ما يأتي بالجوهري الرائع من حر الكلام. وليس شوقي يستدل على مكانة بالبيت أو البيتين في القصيدة، أو بالقصيدة والقصيدتين في الديوان، بل إذا طلبت عليه دليلاً فهذه دواوينه، شق منها ما تشاء، وقع منها على ما تريد لك المصادفة، فلن تصيب إلا ارفع الشعر وافخر الكلام. وبعد، فلقد مات شوقي وإنحسمت جميع أسبابه من الدنيا، وفرغ من مودَّات الناس ومن

стр. 5599

عداواتهم، واصبح شعره حبساً على التاريخ، فمن كان يرى حقاً أن شوقي لم يبلغ هذه المنزلة، أو أنه لم يبلغ بعضها، أو أنه لم يكن شاعراً البتة، فهذا له رأيه، وعليه تبعته. ولا حيلة لنا ولا لغيرنا فيه. وأما من يقدر شوقي حق قدره، فينزله هذه المنزلة أو ما هو اقرب إليها، فمن واجب الذمة أن يشيد بقدره، ويدل على جلالة محله، لا قضاء لحق الأنصاف وحده، ولا أداء لشكر النعمة فحسب، فلقد كان شوقي نعمة عظمى اسبغها الله على أبناء العربية جميعاً، بل لاستدراج نشئ المتأدبين إلى استظهار شعره، وإنها لهم من أدبه، واتخاذه النموذج المحتذى إذا اجتمع أحدهم للبيان. هذا واجب الذمة للحق وللبيان جميعاً، وخاصة بعد هذا التبلبل الذي لا احسب أن البيان العربي شهد مثله في أي عصر من عصور التاريخ. وحسبي هذا، فما احب أن اقذف بنفسي في هذه الحرب الناشبة من أنصار قديم وأصحاب جديد. عبد العزيز البشري من قول شوقي يصف تمثال نهضة مصر ويشير إلى المرحوم المثال مختار: تعالوا تروا كيف سوى الصفاة … فتاة تلملم سربالها دنت من أبي الهول مشى الرؤوم … إلى مقعد هاج بلبالها وقد جاب في سكرات الكرى … عروض الليالي وأطوالها وألقى على الرمل أرواقه … وأرسى على الأرض أثقالها يخال لأطراقه في الرمال … سطيح العصور ورمالها فقالت: تحرك فهم الجماد … كأن الجماد وعى قالها وما الفن إلا الضريح الجميل … إذا خالط النفس أوحى لها وما هي إلا جمال العقول … إذا هي أولته اجمالها

стр. 5600

قصة زواج وفلسفة المهر للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال رسول عبد الملك: ويحك (يا أبا محمد) لكأن دمك والله من عدوك فهو يفور بك لتلج في العناد فتقتل، وكأني بك والله بين سبعين قد فغرا عليك؛ هذا عن يمينك وهذا عن يسارك، ما تفر من حتف إلا إلى حتف، ولا ترحمك الأنياب إلا بمخالبها. ههنا هشام بن اسماعيل عامل أمير المؤمنين، أن دخلته الرحمة لك استوثق منك في الحديد، ورمى بك إلى دمشق؛ وهناك أمير المؤمنين، وما هو والله إلا أن يطعم لحمك السيف يعض بك عض الحية في أنيابها السم؛ وكأني بهذا الجنب مصروعاً لمضجعه، وبهذا الوجه مضرجاً بدمائه، وبهذه اللحية معفرة بترابها، وبهذا الرأس محتزاً في يد (أبي الزعيزعة) جلاد أمير المؤمنين، يلقيه من سيفه رمى الغض بالثمرة قد ثقلت عليه. وأنت (يا سعيد) فقيه أهل المدينة وعالمها وزاهدها، وقد علم أمير المؤمنين أن عبد الله بن عمر قال فيك لأصحابه: (لو رأى هذا رسول الله ﷺ لسره) فإن لم تكرم عليك نفسك فليكرم على نفسك المسلمون؛ أنك ن هلكت رجع الفقه في جميع الأمصار إلى الموالي؛ فقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة إبراهيم النخمي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني. وإنما يتحدث الناس إن المدينة من دون الأمصار قد حرسها الله بفقيهما القرشي العربي (أبي محمد سعيد ابن المسيب) كرامة لرسول الله ﷺ . وقد علم أهل الأرض إنك حججت نيفاً وثلاثين حجة، وما فاتتك التكبيرة الأولى في المسجد منذ أربعين سنة، وما قمت إلا في موضعك من الصف الأول، فلم تنظر قط إلى قفا رجل في الصلاة؛ ولا وجد الشيطان ما يعرض لك من قبله في صلاتك ولا قفار رجل؛ فالله الله يا أبا محمد، إني والله ما أغشك في النصيحة؛ ولا أخدعك عن الرأي، ولا انظر لك الأخير لنفسي؛ وإن عبد الملك ابن مروان من علمت؛ رجل قد عم الناس ترغيبه وترهيبه، فهو آخذك على ما تكره إن لم تخته أنت على ما يحب؛ وأنه والله يا أبا محمد، ما طلب إليك أمير المؤمنين الو أنت عنده الاعلى، ولا بعثني إليك إلا وكأنه يسعى بين يديك، رعاية لمنزلتك عنده وإكباراً لحقك عليه؛ وما أرسلني اخطب إليك ابنتك لولي عهده إلا وهو يبتذل

стр. 5601

نفسه إليك ابتذالا ليصل بك رحمة، ويوثق آصرته؛ وإن يكن الله قد أغناك ان تنتفع به وبملكه ورعا وزهادة فما احوج أهل مدينة رسول الله ﷺ أن ينتفعوا بك عنده، وان يكونوا أصهار (الوليد) فيستدفعوا شراً ما به عنهم غنى ويجتلبوا خيرا ما بهم غنى عنه؛ ولست تدري ما يكون من مصادر الأمور ومواردها. وإنك والله إن لججت في عنادك أصرت إن تردني إليه خائبا، لتهيجن قرم سيوف الشام إلى هذه اللحوم ولحمك يومئذ من أطيبها ولأمير المؤمنين تارتان: لين وشدة وأنا إليك رسول الأولى، فلا تجعلني رسول الثانية. . . وكان أبو محمد يسمع هذا الكلام وكأنة لا يخلص إلى نفسه إلا بعد أن تتساقط معانيه في الأرض، هيبة منه وفرقاً من أقدامها عليه؛ وقد لان رسول عبد الملك في دهائه حتى ظن عند نفسه أنه ساغ من الرجل مساغ الماء العذب في الحلق الظامئ، واشتد في وعيه حتى ما يشك أنه قد سقاه ماء حميماً فقطع أمعاءه والرجل في كل ذلك من فوقه كالسماء فوق الأرض، لو تحول الناس جميعا كناسين يثيرون من غبار هذه على تلك لما كان مرجع الغبار إلا عليهم، وبقيت السماء ضاحكة صافية تتلألأ. وقلب الرسول نظره في وجه الشيخ، فإذا هو هو ليس فه معنى رغبة ولا رهبة، كأن لم يجعل له الأرض ذهباً تحت قدميه في حالة، ولم يملأ الجو سيوفاً على رأسه في الحالة الأخرى؛ وأيقن أنه من الشيخ كالصبي الغر قد رأى الطائر في أعلى الشجرة فطمع فيه فجاء من تحتها يناديه: أن انزل إلى حتى آخذك والعب بك. . . وعد قليل تكلم أبو محمد فقال: (يا هذا، أما سمعت، وأما أنت فقد رأيت، وقد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقسه إلى هذه الدنيا كلها، فكم - رحمك الله - تكون قد قسمت لي من جناح البعوضة. . .؟ ولقد دعيت من قبل لي نيف وثلاثين ألفاً لأخذها فقلت: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم. وهأنذا اليوم أدعى إلى أضعافها وإلى المزيد معها؛ أفأقبض يدي عن جمرة، ثم أمدها لأملأها جمراً؟ لا والله ما رغب عبد الملك لابنه في ابنتي، ولكنه رجل من سياسته إلصاق الحاجة بالناس ليجعلها مقادة لهم فيصرفهم بها؛ وقد أعجزه أن أبايعه، لأن رسول الله ﷺ نهى

стр. 5602

عن بيعتين، وما عبد الملك عندنا إلا باطل كابن الزبير، ولا ابن الزبير إلا باطل كعبد الملك، فانظر فإنك ما جئت لابنتي وابنه، ولكن جئت تخطبني أنا لبيعته. . . قال الرسول: أيها الشيخ، دع عنك البيعة وحديثها، ولكن من عسى أن تجد لكريمتك خيراً من هذا الذي ساقه الله إليك؟ انك لراع وإنها لرعية وستسأل عنها، وما كان الظن بك أن تسئ رعيتها وتبخس حقها، وأن تعضلها وقد خطبها فارس بني مروان، ولن لم يكن فارسهم فهو ولي عهد المسلمين، وان لم يكن هذا ولا ذاك فهو الوليد بن أمير المؤمنين؛ وأدنى الثلاث أرفع الشرف فكيف بهن جميعاً، وهن جميعاً في الوليد.؟ قال الشيخ: أما إني مسؤول عن ابنتي، فما رغبت عن صاحبك إلا لأني مسؤول عن ابنتي. وقد علمت أنت إن الله يسألني عنها في يوم لعل أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين وألفافهما إلا يكونون فيه إلا وراء عبيدها وأوباشها دعها وفجارها. يخرجون من حساب هؤلاء إلى الحساب على السرقة والغضب، إلى حساب هؤلاء إلى حساب التفريط في حقوق المسلمين. ويخف يومئذ عبيدها وأوباشها ودعارها وفجارها في زحام الحشر، ويمشي أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ومن اتصل بهما، وعليهم أمثال الجبال من أثقال الذنوب وحقوق العباد. فهذا ما نظرت في حسن الرعاية لابنتي، لو لم أضن بها على أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين لأوبقت نفسي. لا والله ما بيني وبينكم عمل، وقد فرغت مما على الأرض فلا يمر السيف مني في لحم حي. ولما كان غداة غد جلس الشيخ في حلقته في مسجد رسول الله ﷺ للحديث والتأويل، فسأل رجل من عرض المجلس، فقل يا أبا محمد أن رجلا يلاحيني في صداق ابنته ويكلفني مالا أطيق. فما اكثر ما بلغ إليه صداق أزواج رسول الله ﷺ وصداق بناته؟ قال الشيخ: روينا أن عمر ﵁ كان ينهى عن المغالاة في الصداق ويقول: (ما تزوج رسول الله ﷺ ، ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم) ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله ﷺ وروينا عنه ﷺ انه قال: (خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا.)

стр. 5603

فصاح السائل: يرحمك الله يا أبا محمد، كيف يأتي أن تكون المرأة الحسناء رخيصة المهر، وحسنها هو يغليها على الناس؛ تكثر رغبتهم فيها فيتنافسون عليها؟ قال الشيخ: انظر كيف قلت. أهم يسامون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من أمرها شيء إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟ إنما أراد رسول الله ﷺ إن خير النساء من كانت على جمال وجهها، في أخلاق كجمال وجهها؛ وكان عقلها جمالاً ثالثاً؛ فهذا إن أصابت الرجل الكفء، يسرت عليه ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنساناً يريد إنساناً لا متاعاً شارياً، فهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلاً على ارتفاع القيمة في عقلها ودينها؛ أما الحمقاء فجمالها يأبى إلا مضاعفة الثمن لحسنها، أي لحمقها؛ وهي بهذا المعنى من شرار النساء، وليست من خيارهن ولقد تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث البيت، وكان الأثاث: رحى يد، وجرة الماء ووسادة من أدم حشوها ليف. وأولم على بعض نسائه من شعير، وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين سويق وما كان به ﷺ الفقر ولكنه يشرع بسنته ليعلم الناس من عمله أن المرأة للرجل نفي لنفس لا متاع لشاربه والمتاع يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل ان تحمل إلى داره ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يوماً فيوماً، فلا تزال بذلك عروساً على نفس رجلها ما دامت في معاشرته أما ذلك الصداق من الذهب والفضة فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى أفلا ترى هذه الغالية - إن لم تجد النفس - قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟! وما الصداق في قليلة وكثيرة إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها، فهو إيماء ولكن الرجل قبل، ولكن الرجل قبل. إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفاً والسيف إيماء إلى القوة غير انه ليس كل ذووي السيوف سواء وقد يحمل الجبان في كل يد سيفاً ويملك في داره مائة سيف؛ فهو إيماء ولكن البطل قبل، ولكن البطل قبل. مائة سيف يمهر الجبان بها قوته الخائبة لا تغني قوته شيئاً ولكنها كالتدليس على من كان جباناً مثله ويوشك إن يكون المهر الغالي كالتدليس على الناس وعلى المرأة كي لا تعلم ولا يعلم الناس انه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت المرأة لباهت النساء بيسر مهرها فإنها بذلك تكون قد

стр. 5604

تركت عقلها يعمل عمله، وكفت حماقتها أن تفسد عليه فصاح رجل في المجلس: أيها الشيخ، أفي هذا من دليل أو أثر؟ قال الشيخ: نعم؛ أما من كتاب الله فقد قال الله تعالى (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) فهي زوجة حين تجده هو لا حين تجد ماله وهي زوجه حين تتممه لا حين تنقصه؛ وحين تلائمه لا حين تختلف عليه: فمصلحة المرأة زوجة ما يجعلها من زوجها، فيكونان معاً كالنفس الواحدة، على ما ترى للعضو من جسمه، يريد من جسمه الحياة لا غيرها. وأما من كلام رسول الله ﷺ فقد روينا (إذا أتاكم مَنْ تَرضَوْن دِينَهُ وأمانته فزوجوه. إلاَّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير). فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضياً لا أي ذلك كان ثم اشترط الأمانة وهي مظهر الدين كله بجمع حسناته؛ وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أميناً وعلى حقوقها أميناً، وفي معاملتها أميناً، فلا يبخسها، ولا يعنتها، ولا يسيء إليها لأن كل ذلك ثلم في أمانته. فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من اجل المهر - تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت لفتنة، وفسدت المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميع، وأهمل من لا يملك وتعنست من لا تجد ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سبباً في منعه، ويتقارب النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج ويبقى المعطل منه هو اللفظ والشرع. هل علمت المرأة إنها لا تدخل بيت رجلها إلا لتجاهد فيه جهادها، وتبلو فيه بلاءها، وهل يقوم مال الدنيا بحقها فيما تعمل وما تجاهد؛ وهي أم الحياة ومنشئتها وحافظتها. فأين يكون موضع المال ومكان التفرقة في كثيره وقليله، والمال كله دون حقها؟. ولن يتفاوت الناس بالمال تختلف درجاتهم به وتكون مراتبهم على مقداره، تكثر به مرة وتقل مرة - إلا إذا فسد الزمان، وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب الشرع، وأصبحت السجايا تتحول، يملكها من يملك المال، ويخسرها من يخسره؛ فيكون الدين على النفوس كالدخيل المزاحم لموضعه، والمتدلى في غير حقه؛ وبهذا يرجع باطل الغي ديناً يتعامل الناس عليه، ودينُ الفقير بَهَرجْاً لا يروج عند أحد. وليس هذا من ديننا دينِ النفس والخلُق، وإن ألف بعير يٍقنوها الرجل خالصة عليه ثابتةً له لا تزيد في منزلة دينه قدر نملةٍ ولا ما

стр. 5605

دونها. والحجران: الذهب والفضة - قد يكون في هذه الدنيا أضوآ من شمسها وقمرها، ولكنها في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخُذها الرجل من تحت قدميه، ويذهب يزعم لك انهما في قدر الشمس والقمر. وهلاك الناس إنما يُقضي بمحاولتهم أن يكونوا أناسًا بعيونهم وذنوبهم؛ فهذا هو الإنسان المدبرُ عن الله وعن نفسه وعن جنسه؛ لا يكون أبوه أباً في عطفه، ولا أمه أما في محبتها ولا ابنه ابنا في بره ولا زوجته زوجة في وفائها؛ وإنما يكونون له مهالك كما روينا عن رسول الله عليه وسلم (يأتي على يد زوجته وأبويه وولده، يعيرونه بالفقر وبالفقر، ويكلف مالا يطيق؛ فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك). وصاح المؤذن، فقطع الشيخ مجلسه وقام إلى الصلاة، ثم خرج إلى داره فتلقته ابنته وعلى وجهها مثل نوره، قالت يا أبت، كنت اتلو الساعة قوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه). فما حسنة الدنيا؟ قال: يا بنية هي التي تصلح أن تذكر مع حسنة الآخرة، وما أراها للرجل إلا الزوجة الصالحة، ولا للمرأة. . . وطرق الباب فذهب الشيخ يفتح، فإذا الطارق (أبو وداعة) وكان يجالسه ويأخذ عنه ويلزم حلقته، ولكنه فقده أياماً. فدخل فجلس. فقال الشيخ: (أين كنت؟) قال: (توفيت أهلي فاشتغلت بها) قال الشيخ: (هلا أخبرتنا فشهدناها؟) ثم أخذ يفيض في الكلام عن الدنيا والآخرة. وشعر أبو وداعة أن القبر ما يزال في قلبه حتى في مجلس الشيخ، فأراد أن يقوم؛ فقال (سعيد): (هل استحدثت امرأة غيرها؟) قال: (يرحمك الله، أين نحن من الدنيا اليوم، ومن يزوجني وما املك إلا درهمين أو ثلاثة؟) قال الشيخ: (أنا. . . . . . . . . . . . . .) أنا، أنا، أنا. . دوي الجو بهذه الكلمة في إذن طالب العلم الفقير، فحسب كأن الملائكة تنشد نشيداً في تسبيح الله يطن لحنه: (أنا، أنا، أنا. . .) وخرجت الكلمة من فم الشيخ، ومن السماء لهذا المسكين في وقت واحد، وكأنها كلمة زوجته إحدى الحور العين. فلما أفاق من غشية إذنه. . . قال: (وتفعل؟)
следующие страницы →