← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

نفسه إليك ابتذالا ليصل بك رحمة، ويوثق آصرته؛ وإن يكن الله قد أغناك ان تنتفع به وبملكه ورعا وزهادة فما احوج أهل مدينة رسول الله ﷺ أن ينتفعوا بك عنده، وان يكونوا أصهار (الوليد) فيستدفعوا شراً ما به عنهم غنى ويجتلبوا خيرا ما بهم غنى عنه؛ ولست تدري ما يكون من مصادر الأمور ومواردها. وإنك والله إن لججت في عنادك أصرت إن تردني إليه خائبا، لتهيجن قرم سيوف الشام إلى هذه اللحوم ولحمك يومئذ من أطيبها ولأمير المؤمنين تارتان: لين وشدة وأنا إليك رسول الأولى، فلا تجعلني رسول الثانية. . . وكان أبو محمد يسمع هذا الكلام وكأنة لا يخلص إلى نفسه إلا بعد أن تتساقط معانيه في الأرض، هيبة منه وفرقاً من أقدامها عليه؛ وقد لان رسول عبد الملك في دهائه حتى ظن عند نفسه أنه ساغ من الرجل مساغ الماء العذب في الحلق الظامئ، واشتد في وعيه حتى ما يشك أنه قد سقاه ماء حميماً فقطع أمعاءه والرجل في كل ذلك من فوقه كالسماء فوق الأرض، لو تحول الناس جميعا كناسين يثيرون من غبار هذه على تلك لما كان مرجع الغبار إلا عليهم، وبقيت السماء ضاحكة صافية تتلألأ. وقلب الرسول نظره في وجه الشيخ، فإذا هو هو ليس فه معنى رغبة ولا رهبة، كأن لم يجعل له الأرض ذهباً تحت قدميه في حالة، ولم يملأ الجو سيوفاً على رأسه في الحالة الأخرى؛ وأيقن أنه من الشيخ كالصبي الغر قد رأى الطائر في أعلى الشجرة فطمع فيه فجاء من تحتها يناديه: أن انزل إلى حتى آخذك والعب بك. . . وعد قليل تكلم أبو محمد فقال: (يا هذا، أما سمعت، وأما أنت فقد رأيت، وقد روينا أن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فانظر ما جئتني أنت به، وقسه إلى هذه الدنيا كلها، فكم - رحمك الله - تكون قد قسمت لي من جناح البعوضة. . .؟ ولقد دعيت من قبل لي نيف وثلاثين ألفاً لأخذها فقلت: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان، حتى ألقى الله فيحكم بيني وبينهم. وهأنذا اليوم أدعى إلى أضعافها وإلى المزيد معها؛ أفأقبض يدي عن جمرة، ثم أمدها لأملأها جمراً؟ لا والله ما رغب عبد الملك لابنه في ابنتي، ولكنه رجل من سياسته إلصاق الحاجة بالناس ليجعلها مقادة لهم فيصرفهم بها؛ وقد أعجزه أن أبايعه، لأن رسول الله ﷺ نهى

стр. 5602

عن بيعتين، وما عبد الملك عندنا إلا باطل كابن الزبير، ولا ابن الزبير إلا باطل كعبد الملك، فانظر فإنك ما جئت لابنتي وابنه، ولكن جئت تخطبني أنا لبيعته. . . قال الرسول: أيها الشيخ، دع عنك البيعة وحديثها، ولكن من عسى أن تجد لكريمتك خيراً من هذا الذي ساقه الله إليك؟ انك لراع وإنها لرعية وستسأل عنها، وما كان الظن بك أن تسئ رعيتها وتبخس حقها، وأن تعضلها وقد خطبها فارس بني مروان، ولن لم يكن فارسهم فهو ولي عهد المسلمين، وان لم يكن هذا ولا ذاك فهو الوليد بن أمير المؤمنين؛ وأدنى الثلاث أرفع الشرف فكيف بهن جميعاً، وهن جميعاً في الوليد.؟ قال الشيخ: أما إني مسؤول عن ابنتي، فما رغبت عن صاحبك إلا لأني مسؤول عن ابنتي. وقد علمت أنت إن الله يسألني عنها في يوم لعل أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين وألفافهما إلا يكونون فيه إلا وراء عبيدها وأوباشها دعها وفجارها. يخرجون من حساب هؤلاء إلى الحساب على السرقة والغضب، إلى حساب هؤلاء إلى حساب التفريط في حقوق المسلمين. ويخف يومئذ عبيدها وأوباشها ودعارها وفجارها في زحام الحشر، ويمشي أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ومن اتصل بهما، وعليهم أمثال الجبال من أثقال الذنوب وحقوق العباد. فهذا ما نظرت في حسن الرعاية لابنتي، لو لم أضن بها على أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين لأوبقت نفسي. لا والله ما بيني وبينكم عمل، وقد فرغت مما على الأرض فلا يمر السيف مني في لحم حي. ولما كان غداة غد جلس الشيخ في حلقته في مسجد رسول الله ﷺ للحديث والتأويل، فسأل رجل من عرض المجلس، فقل يا أبا محمد أن رجلا يلاحيني في صداق ابنته ويكلفني مالا أطيق. فما اكثر ما بلغ إليه صداق أزواج رسول الله ﷺ وصداق بناته؟ قال الشيخ: روينا أن عمر ﵁ كان ينهى عن المغالاة في الصداق ويقول: (ما تزوج رسول الله ﷺ ، ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم) ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله ﷺ وروينا عنه ﷺ انه قال: (خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا.)

стр. 5603

فصاح السائل: يرحمك الله يا أبا محمد، كيف يأتي أن تكون المرأة الحسناء رخيصة المهر، وحسنها هو يغليها على الناس؛ تكثر رغبتهم فيها فيتنافسون عليها؟ قال الشيخ: انظر كيف قلت. أهم يسامون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من أمرها شيء إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟ إنما أراد رسول الله ﷺ إن خير النساء من كانت على جمال وجهها، في أخلاق كجمال وجهها؛ وكان عقلها جمالاً ثالثاً؛ فهذا إن أصابت الرجل الكفء، يسرت عليه ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنساناً يريد إنساناً لا متاعاً شارياً، فهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلاً على ارتفاع القيمة في عقلها ودينها؛ أما الحمقاء فجمالها يأبى إلا مضاعفة الثمن لحسنها، أي لحمقها؛ وهي بهذا المعنى من شرار النساء، وليست من خيارهن ولقد تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث البيت، وكان الأثاث: رحى يد، وجرة الماء ووسادة من أدم حشوها ليف. وأولم على بعض نسائه من شعير، وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين سويق وما كان به ﷺ الفقر ولكنه يشرع بسنته ليعلم الناس من عمله أن المرأة للرجل نفي لنفس لا متاع لشاربه والمتاع يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل ان تحمل إلى داره ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يوماً فيوماً، فلا تزال بذلك عروساً على نفس رجلها ما دامت في معاشرته أما ذلك الصداق من الذهب والفضة فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى أفلا ترى هذه الغالية - إن لم تجد النفس - قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟! وما الصداق في قليلة وكثيرة إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها، فهو إيماء ولكن الرجل قبل، ولكن الرجل قبل. إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفاً والسيف إيماء إلى القوة غير انه ليس كل ذووي السيوف سواء وقد يحمل الجبان في كل يد سيفاً ويملك في داره مائة سيف؛ فهو إيماء ولكن البطل قبل، ولكن البطل قبل. مائة سيف يمهر الجبان بها قوته الخائبة لا تغني قوته شيئاً ولكنها كالتدليس على من كان جباناً مثله ويوشك إن يكون المهر الغالي كالتدليس على الناس وعلى المرأة كي لا تعلم ولا يعلم الناس انه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت المرأة لباهت النساء بيسر مهرها فإنها بذلك تكون قد

стр. 5604

تركت عقلها يعمل عمله، وكفت حماقتها أن تفسد عليه فصاح رجل في المجلس: أيها الشيخ، أفي هذا من دليل أو أثر؟ قال الشيخ: نعم؛ أما من كتاب الله فقد قال الله تعالى (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) فهي زوجة حين تجده هو لا حين تجد ماله وهي زوجه حين تتممه لا حين تنقصه؛ وحين تلائمه لا حين تختلف عليه: فمصلحة المرأة زوجة ما يجعلها من زوجها، فيكونان معاً كالنفس الواحدة، على ما ترى للعضو من جسمه، يريد من جسمه الحياة لا غيرها. وأما من كلام رسول الله ﷺ فقد روينا (إذا أتاكم مَنْ تَرضَوْن دِينَهُ وأمانته فزوجوه. إلاَّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير). فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضياً لا أي ذلك كان ثم اشترط الأمانة وهي مظهر الدين كله بجمع حسناته؛ وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أميناً وعلى حقوقها أميناً، وفي معاملتها أميناً، فلا يبخسها، ولا يعنتها، ولا يسيء إليها لأن كل ذلك ثلم في أمانته. فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من اجل المهر - تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت لفتنة، وفسدت المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميع، وأهمل من لا يملك وتعنست من لا تجد ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سبباً في منعه، ويتقارب النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج ويبقى المعطل منه هو اللفظ والشرع. هل علمت المرأة إنها لا تدخل بيت رجلها إلا لتجاهد فيه جهادها، وتبلو فيه بلاءها، وهل يقوم مال الدنيا بحقها فيما تعمل وما تجاهد؛ وهي أم الحياة ومنشئتها وحافظتها. فأين يكون موضع المال ومكان التفرقة في كثيره وقليله، والمال كله دون حقها؟. ولن يتفاوت الناس بالمال تختلف درجاتهم به وتكون مراتبهم على مقداره، تكثر به مرة وتقل مرة - إلا إذا فسد الزمان، وبطلت قضية العقل، وتعطل موجب الشرع، وأصبحت السجايا تتحول، يملكها من يملك المال، ويخسرها من يخسره؛ فيكون الدين على النفوس كالدخيل المزاحم لموضعه، والمتدلى في غير حقه؛ وبهذا يرجع باطل الغي ديناً يتعامل الناس عليه، ودينُ الفقير بَهَرجْاً لا يروج عند أحد. وليس هذا من ديننا دينِ النفس والخلُق، وإن ألف بعير يٍقنوها الرجل خالصة عليه ثابتةً له لا تزيد في منزلة دينه قدر نملةٍ ولا ما

стр. 5605

دونها. والحجران: الذهب والفضة - قد يكون في هذه الدنيا أضوآ من شمسها وقمرها، ولكنها في نور النفس المؤمنة كحصاتين يأخُذها الرجل من تحت قدميه، ويذهب يزعم لك انهما في قدر الشمس والقمر. وهلاك الناس إنما يُقضي بمحاولتهم أن يكونوا أناسًا بعيونهم وذنوبهم؛ فهذا هو الإنسان المدبرُ عن الله وعن نفسه وعن جنسه؛ لا يكون أبوه أباً في عطفه، ولا أمه أما في محبتها ولا ابنه ابنا في بره ولا زوجته زوجة في وفائها؛ وإنما يكونون له مهالك كما روينا عن رسول الله عليه وسلم (يأتي على يد زوجته وأبويه وولده، يعيرونه بالفقر وبالفقر، ويكلف مالا يطيق؛ فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك). وصاح المؤذن، فقطع الشيخ مجلسه وقام إلى الصلاة، ثم خرج إلى داره فتلقته ابنته وعلى وجهها مثل نوره، قالت يا أبت، كنت اتلو الساعة قوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنه). فما حسنة الدنيا؟ قال: يا بنية هي التي تصلح أن تذكر مع حسنة الآخرة، وما أراها للرجل إلا الزوجة الصالحة، ولا للمرأة. . . وطرق الباب فذهب الشيخ يفتح، فإذا الطارق (أبو وداعة) وكان يجالسه ويأخذ عنه ويلزم حلقته، ولكنه فقده أياماً. فدخل فجلس. فقال الشيخ: (أين كنت؟) قال: (توفيت أهلي فاشتغلت بها) قال الشيخ: (هلا أخبرتنا فشهدناها؟) ثم أخذ يفيض في الكلام عن الدنيا والآخرة. وشعر أبو وداعة أن القبر ما يزال في قلبه حتى في مجلس الشيخ، فأراد أن يقوم؛ فقال (سعيد): (هل استحدثت امرأة غيرها؟) قال: (يرحمك الله، أين نحن من الدنيا اليوم، ومن يزوجني وما املك إلا درهمين أو ثلاثة؟) قال الشيخ: (أنا. . . . . . . . . . . . . .) أنا، أنا، أنا. . دوي الجو بهذه الكلمة في إذن طالب العلم الفقير، فحسب كأن الملائكة تنشد نشيداً في تسبيح الله يطن لحنه: (أنا، أنا، أنا. . .) وخرجت الكلمة من فم الشيخ، ومن السماء لهذا المسكين في وقت واحد، وكأنها كلمة زوجته إحدى الحور العين. فلما أفاق من غشية إذنه. . . قال: (وتفعل؟)

стр. 5606

قال (سعيد): (نعم) وفسر (نعم) بأحسن تفسيرها وابلغه، فحمد الله وصلى على النبي ﷺ ، وزوجه على ثلاثة دراهم (خمسة عشر قرشاً). ثلاثة دراهم مهر الزوجة التي أرسل يخطبها الخليفة العظيم لولي عهده بثقلها ذهباً لو شاءت. وغشي الفرح هذه المرة عيني الرجل وإذنيه، فإذا هو يسمع نشيد الملائكة يطن لحنه: (أنا، أنا، أنا. . .) ولم يشعر انه على الأرض، فقام يطير، وليس يدري من فرحه ما يصنع، وكأنه في يوم جاءه من غير هذه الدنيا يتعرف إليه بهذا الصوت الذي لا يزال يطن في إذنيه: (أنا، أنا، أنا) وصار إلى منزله وجعل يفكر ممن يأخذ، ممن يستدين؟ فظهرت له الأرض خلاء من الإنسان، وليس فيها إلا الرجل الواحد الذي يضطرب صوته في إذنيه: (أنا، أنا، أنا. .) وصلى المغرب وكان صائماً، ثم قام فأسرج، فإذا سراجه الخافت الضئيل يسطع لعينيه سطوع القمر، وكأن في نوره وجه عروس تقول له: (أنا، أنا، أنا. . .) وقدم عشاءه ليفطر، وكان خبزاً وزيتاً، فإذا الباب يقرع؛ قال: من هذا؟ قال الطارق: سعيد!. . سعيد؟ سعيد؟ من سعيد؟ أهو أبو عثمان؛ أبو علي؛ أبو الحسن. فكر الرجل في كل من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيَّب؛ إلا الذي قال له: (أنا. . .) لم يخالجه إن يكون هو الطارق، فان هذا الأمام لم يطرق باب أحد قط، ولم ير منذ أربعين سنة إلا بين داره والمسجد. ثم خرج إليه، فإذا به سعيد بن المسيب، فلم تأخذه عينه حتى رجع القبر فهبط فجأة بظلامه وأمواته في قلب المسكين وظن أن الشيخ قد بدا له، فندم، فجاءه للطلاق قبل أن يشيع الخبر، ويتعذر إصلاح الغلطة! فقال: (يا أبا محمد، لو. . لو. . لو - لو أرسلت إليَّ لأتيتك!) قال الشيخ: (لأنت أحق أن تؤتى) فما صكت الكلمة سمع المسكين حتى أبلس الوجود في نظره، وغشى الدنيا صمت كصمت الموت، وأحس كأن القبر يتمدد في قلبه بعروق الأرض كلها! ثم فاء لنفسه ونقدر أن ليس

стр. 5607

محل شيخه إلا أن يأمر، وليس محله هو إلا أن يطيع، وإن من الرجولة إلا يكون معرة على الرجولة، ثم نكس وتنكس، وقال بذلة ومسكنة: (ما تأمرني؟) تفتحت السماء مرة ثالثة، وقال الشيخ: (انك كنت رجلاً عزباً، فتزوجت فكرهت إنً تبيت الليلة وحدك؛ وهذه امرأتك!) وانحرف شيئاً، فإذا العروس قائمة خلفه مستترة به، ودفعها إلى الباب وسلم وانصرف. وانبعث الوجود فجأة، وطن لحن الملائكة في إذن أبي وداعة: (أنا، أنا، أنا. . .) دخلت العروس الباب وسقطت من الحياء، فتركها الرجل مكانها، واستوثق من بابه، ثم خطا إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فوضعها في ظل السراج كي لا تراها؛ واغمض السراج عينه ونشر الظل. . ثم صعد إلى السطح ورمى الجيران بحصيات؛ ليعلموا إنً له شأناً اعتراه، وإنً قد وجب حق الجار على الجار (وكانت هذه الحصيات يومئذ كأجراس التليفون اليوم) فجاءوه على سطوحهم وقلوا: ما شأنك؟. قال: (ويحكمّ! زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاء بها الليلة على غفلة.) قالوا: وسعيد زوَّجك! أهو سعيد الذي زوَّجك! أزوَّجك سعيد؟.) قال: (نعم) قالوا: (وهي في الدار! أتقول إنها في الدار؟.) قال: (نعم) فانثال النساء عليه من هنا وههنا حتى امتلأت بهن الدار. وغشيت الرجل غشية أخرى فحسب داره تتيه على قصر عبد الملك ابن مروان، وكأنما يسمعها تقول: (أنا، أنا، أنا. . . .) قال أبو وداعة: (ثم دخلت بها، فإذا هي من اجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله ﷺ وأعرفهم بحق الزوج.) قال: (ومكثت شهراً لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته فسلمت، فرد عليّ السلام، ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس وخلا وجهه، فنظر إليّ وقال:

стр. 5608

(ما حال ذلك الإنسان. . . . . . . . . . . .؟) أما ذلك (الإنسان) فلم يعرف من الفرق بين قصر ولي العهد ابن أمير المؤمنين وبين حجرة أبي وداعة التي تسمى داراً. . .! إلا إن هناك مضاعفة الهم، وهنا مضاعفة الحب. وما بين (هناك) إلى القبر مدة الحياة ستخفت الروح من نورٍ نورٍ، إلى إن تنطفئ في السماء من فضائلها. وما بين (هنا) إلى القبر مدة الحياة - تسطع الروح بنور على نور، إلى أن تشتعل في السماء بفضائلها. وما عند أمير المؤمنين لا يبقى، وما عند الله خير وابقى. ولم يزل عبد الملك يحتال (لسعيد) ويرصد غوائله حتى وقعت به المحنة، فضربه عامله على المدينة خمسين سوطاً في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وعرضه على السيف، وطاف به الأسواق عارياً في تبانٍ من الشعر، ومنع الناس أن يجالسوه أو يخاطبوه. وبهذه الوقاحة، وبهذه الرذيلة، وبهذه المخزاة قال عبد الملك بن مروان: (أنا. . . . . . . . . . . .؟) طنطا مصطفى صادق الرافعي

стр. 5609

الترجمة في الأدب العربي وتراجم عظمائنا المحدثين للأستاذ محمد عبد الله عنان في العام الماضي فكر جماعة من الأساتذة والكتاب في إصدار مجموعة من التراجم القوية المحققة لعظماء مصر في العصر الحديث. وكانت الغاية من إصدار مثل هذه المجموعة علمية قومية قبل كل شئ؛ فليس في تراثنا التاريخي المعاصر مثل هذه السلسلة؛ وما زالت سير الكثيرين من عظمائنا مجهولة مغمورة، وما زال شبابنا المتعلم يتوق إلى استعراض هذه السير في بحوث محققة ممتعة تغري بالقراءة والدرس فلا يجدها. وسير العظماء زينة التاريخ القومي، والتاريخ القومي غذاء للشعور الوطني. ولكن هذا المشروع العلمي الجليل لم يجز مع الأسف طور التفكير، وطوي كما طويت مشاريع مثله من قبل. إن تراجم العظماء تشغل في آداب الأمم العظيمة وفي تاريخها أسمى مكانة، فأقطاب الأمراء والساسة والقادة والعلماء والشعراء والأدباء والفنانين، هؤلاء جميعاً يأخذون مكانهم في التاريخ القومي العام، ثم يأخذون مكانهم في تراجم خاصة، تذهب أحياناً إلى البحوث النقدية المستفيضة التي تشغل مجلدات بأسرها وتخصص للمراجعة العلمية والدراسة العليا؛ وتقتصر أحياناً على صور موجزة، ولكن قوية ممتعة تخصص لدرس الشباب وللقراءة العامة. ويخص هؤلاء العظماء بالدرس في كل عصر ووقت، ويحظون بمختلف البحوث والدراسات، وقد تصدر عن أحدهم عشرات التراجم والسير، ولكل مقامها العلمي والأدبي. أما نحن فكما أن النقص يعتور تاريخنا القومي، وكما أن هذا التاريخ لم يكتب بعد بما يجب من تحقيق وإفاضة، فكذلك يعتور النقص لدينا هذه الناحية الخاصة، أعنى ناحية التراجم والسير المفردة؛ وقلما حظيت آدابنا التاريخية بترجمة محققة وافية لعظيم من عظمائنا المحدثين. على أن هذه الناحية الخاصة من الباحث التاريخية تشغل في الأدب العربي القديم مكانة هامة. وقد بدأت العناية بها في عصر مبكر جداً. فمنذ القرن الثاني للهجرة يعني الرواة والمؤرخون المسلمون بالسير والتراجم المفردة. وقد لبثت تراجم العظماء الخاصة حتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري تملأ فراغاً كبيراً

стр. 5610

في الآداب التاريخية العربية؛ ولم تقف الترجمة الخاصة عند نوع معين أو طائفة معينة من العظماء، بل تناولت رجال السيف والقلم، والملوك والوزراء، القادة والمفكرين، الكتاب والشعراء من كل ضرب؛ ومنها الموسوعات العامة، ومنها المجموعات الخاصة لطوائف معينة، ومنها التراجم والسير الفياضة، ومنها الموجزة. وفي الآداب العربية، ونهضت فيه الآداب الأخرى. غير أن هذا التراث الحافل يقف مع الأسف عند بدء تاريخنا الحديث، وينقطع سيره انقطاعاً تامًا، فلا نكاد نظفر في ذلك العصر بآثار قيمة في التراجم العامة أو الخاصة؛ وهذه ثغرة في آدابنا التاريخية لم نوفق إلى تداركها حتى اليوم. ويجدر بنا أن نستعرض بهذه المناسبة طرفاً من تراث التراجم والسير الخاصة في الأدب العربي، لنذكر شبابنا المتعلم بما خص به هذا الفن في أدبنا من العناية والاهتمام، وما انتهى إليه من النضج والتقدم. وما نذكره هنا هو على سبيل التمثيل فقط، إذ يقتضي الإلمام بجميع آثار هذا الفن فصولا بأسرها. وفي مقدمة هذه الآثار السيرة النبوية الكريمة، وأشهرها وأنفسها سيرة أبن إسحاق التي دونت في منتصف القرن الثاني من الهجرة. وكتب ابن النديم كتاب الفهرست الشهير في أواخر القرن الرابع، وألم فيه بطائفة كبيرة من تراجم الفلاسفة والمفكرين والكتاب وآثارهم حتى عصره؛ ومنذ القرن الخامس يعظم ميدان هذا الفن ويتسع، وتوضع فيه الموسوعات الكبيرة؛ فنجد الخطيب البغدادي المتوفى في أواخر هذا القرن يستعرض في كتابه الضخم (تاريخ بغداد) مئات من تراجم العظماء والخاصة في جميع الدول الاسلامية؛ وفي القرن السابع وضع القاضي الأجل شمس الدين بن خلكان موسوعته العامة (وفيات الأعيان) في تراجم العظماء من كل ضرب. ولا ريب أن معجم ابن خلكان من أنفس آثار الترجمة العربية إن لم يكن أنفسها جميعاً. فهو موسوعة شاسعة تحتوي على أكثر من ثمانمائة ترجمة لأعلام الأمم الاسلامية، ومنها تراجم ضافية تملأ جميعاً بالتحقيق ودقة التصوير؛ وقد عني ابن خلكان عناية خاصة بتحقيق الأسماء والتواريخ، ونستطيع أن نقول إنه أول مؤرخ عربي جعل من الترجمة فناً حقيقياً، وما زال معجمه إلى عصرنا من أهم المراجع التاريخية وأنفسها. وبلغ فن الترجمة ذروة ازدهاره في القرنين الثامن والتاسع؛ وظهرت فيه الموسوعات الغنية الشاسعة، وخص كل عصر وكل قرن بأعيانه وأعلامه، ونستطيع أن نذكر من آثار هذا العصر، كتاب (أعيان العصر

стр. 5611

وأعوان النصر) لصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ، وهو موسوعة كبيرة في تراجم الأعلام المعاصرين لم يصلنا منها سوى بضع مجلدات. وللصفدي أيضاً كتاب (الوافي بالوفيات)، وهو موسوعة عامة في تراجم أعلام الأمم الإسلامية من سائر الطبقات والطوائف منذ الصحابة إلى عصره، ولم يصلنا منها أيضاً سوى بضعة مجلدات؛ وقد ذيل عليها مؤرخ مصر أبو المحاسن بن تغري بردي بكتاب الأعلام منذ منتصف القرن السابع إلى عصره أي إلى منتصف القرن التاسع. ولدينا منذ القرن الثامن سلسلة متصلة من معاجم الترجمة، يختص كل معجم منها بقرنه، وأولها كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) للحافظ بن حجر العسقلاني؛ ثم كتاب (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) لشمس الدين السخاوي، وهو من أنفس معاجم الترجمة وأقواها من الوجهة النقدية؛ ثم كتاب (الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة) لنجم الدين الغزي العامري، ثم (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي الحموي؛ ثم (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) لأبي الفضل المرادي. وقد ترجم لنا عبد الرحمن الجبرتي مؤرخ مصر في عهد الفتح الفرنسي طائفة كبيرة من أعيان مصر في القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، وهو يصل بذلك سلسلة التراجم. وترجم لنا المغفور له العلامة علي باشا كثيراً من أعيان مصر في العصر الأخير في كتابه (الخطط التوفيقية)؛ ووضع المغفور له العلامة أحمد تيمور باشا عدة تراجم لبعض أعيان مصر في القرن الرابع عشر، وهي التي نشرتها (الرسالة) تباعاً في أعدادها الأخيرة. هذا عن التراجم العامة. وأما عن الترجمة المفردة التي تقتصر على سيرة شخص معين، والترجمة الخاصة التي تعالج طائفة خاصة من الأعلام، فلدينا منها الكثير أيضاً، ونستطيع أن نمثل للترجمة المفردة بسيرة عمر بن عبد العزيز لمحمد بن عبد الحكم المتوفى في أوائل القرن الثالث؛ وسيرة المعز لدين الله لابن زولاق المصري المتوفى في أواخر القرن الرابع، وقد ضاعت ولم يصلنا منها سوى شذور قليلة؛ وسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي من علماء القرن السادس، وتاريخ تيمورلنك المسمى (بعجائب المقدور) لابن عربشاه الدمشقي من علماء القرن الثامن؛ وترجمة المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون بقلمه؛ وترجمة الحافظ ابن حجر بقلم تلميذه السخاوي، وترجمة ابن الخطيب للمقرى، وغيرها.

стр. 5612

ولدينا الكثير أيضاً من تراجم الطوائف الخاصة كالفلاسفة والأدباء والقضاء والنحاة وغيرهم، مثل أخبار الحكماء للقفطي، وطبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ويتيمة الدهر للثعالبي، ومعجم الأدباء لياقوت، وقضاة مصر لابن حجر، وكثير غيرها؛ هذا عدا كتب الطبقات الخاصة بتراجم فقهاء المذاهب المختلفة وهي كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. والخلاصة أن الأدب العربي غني بتراثه في فن الترجمة، وقلما تنافسه في ذلك آداب أخرى، إذا استثنينا العصر الحديث. ولكن هذا التراث الحافل يقف مع السف عند بدء تاريخنا الحديث؛ ولو لم يوهب لمصر مؤرخها البارع عبد الرحمن الجبرتي في القرن الثاني عشر (القرن الثامن عشر الميلادي) ويتحفنا بموسوعته النفيسة (عجائب التراجم والآثار) لضاعت إلى الأبد حقائق ومعالم كثيرة عن تاريخ مصر في هذا العصر؛ ولطمست سير الكثيرين من أعلامه. نعم إن الترجمة العربية لم تعرف الأسلوب النقدي، ومنهج التحقيق العلمي، لأنها ازدهرت في عصر كان التاريخ فيه أقرب إلى الرواية؛ ولكنها مع ذلك تتمتع فضلاً عن غزير مادتها بكثير من التحقيق التاريخي، وفي وسع المؤرخ الحديث أن يستخرج منها نفائس مادته؛ وقد كان الجبرتي خاتمة هذا الثبت الحافل من مؤرخين عنوا بتدوين الحوادث والتراجم المعاصرة، ولم يقع لتراثنا مثل هذا الأثر النفيس منذ الجبرتي أي منذ أوائل القرن التاسع عشر. وقد تقدمت المباحث لتاريخية في العصر الأخير تقدماً واضحاً، وبدئ بكتابة تاريخ مصر الحديث؛ ولكنا حتى في هذه الناحية العامة ما زلنا في مستهل جهودنا؛ ومما يبعث على أشد الأسف واللم أن نجد عناية الكتاب الغربيين بكتابة تاريخنا الحديث سواءً من الوجهة العامة أو من بعض الوجوه الخاصة أوفر من عنايتنا، وان نجد في مختلف اللغات الأوربية من الآثار المتعلقة بتاريخنا أكثر مما نجده في لغتنا العربية. أما النواحي الخاصة في تاريخنا القومي، وأما سير عظمائنا، وهي التي أوحت إلينا بكتابة هذا الفصل. فما زالت مغمورة منسية. وأي نسيان، بل وأي نكران أشد من أن يبقى ذلك الثبت الحافل من عظمائنا ومفكرينا في لعصر الحديث دون ذكر محقق منظم؟ أليس مما يشين نهضتنا العلمية والأدبية أن يحرم رجال مثل عرابي والبارودي وعلي مبارك ومحمد عبده ومصطفى كامل وسعد زغلول وغيرهم من أبطال نهضتنا القومية من تراجم ضافية،

стр. 5613

نقدية محققة يقرأها الشباب والخلف؟ إن العظماء في الأمم المتمدينة يذكرون دائماً أثناء حياتهم بما يخلد ذكرهم بين مواطنيهم، فإذا توفي أحدهم صدرت غداة وفاته الفصول والكتب المحققة، هذا عدا ما يكون قد صدر منها أثناء حياته. أما نحن فننظر إلى التاريخ المعاصر نظرة الجمود والاستخفاف، ونكتفي يوم يذهب أحد عظمائنا بأن نشيعه إلى قبره ببعض المقالات والمراثي، ثم لا يلبث أن يغمره النسيان إلى جانب أسلافه! وهكذا يتكدس أمامنا ثبت عظمائنا فلا نتلقى من سيرهم وأعمالهم إلا صوراً مشوهة، بينما نعرف الكثير عن عظماء الأمم الأخرى، لأننا نجد في سيرهم كتباً محققة ممتعة تشوق قراءتها. ولا ريب أن معظم التبعة في ذلك الإهمال المشين ترجع إلى نوع الثقافة التاريخية الذي نتلقاه في مدارسنا؛ فهذه الثقافة ما تزال قاصرة، بعيدة عن أن تذكى الشعور الوطني في نفوس النشء. والشعور بالكرامة القوية هو أول دافع للشباب والباحثين على استقصاء سير عظماء الوطن ثم على تحقيقها وتدوينها. هذه كلمة أخرى نرسلها على صفحات (الرسالة) لننبه على إحدى مواطن الضعف في ثقافتنا وآدابنا التاريخية؛ ولنذكر بها إخواننا الذين فكروا منذ عام في وضع تراجم وافية محققة لعظماء مصر في العصر الحديث أن يعاودوا البحث في هذا المشروع العلمي الوطني الجليل، ولعلهم موفقون هذه المرة إلى تحقيقه وإخراجه؛ فيسدون بذلك ثغرة مشينة في تاريخنا القومي ويضعون سنة حسنة في آدابنا التاريخية، ويستحقون بذلك عرفان الجيل الحاضر والأجيال القادمة. محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 5614

بين فن التاريخ وفن الحرب ٣ - خالد بن الوليد في حروب الردة للفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي (لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء) خالد بن الوليد ٥ - أسلوب القتال: من الخطأ القول بأن ليس للعرب أسلوب في القتال قبل الإسلام. فان من تتبع أخبارهم في الجاهلية اتضح له أن للقوم مبادئ يسيرون عليها في قتالهم، وكانت هذه المبادئ ملائمة لاستعمال سلاحهم ومنطبقة على البيئة التي يقاتلون فيها. أجل، إن العرب لم تقاتل بالجموع التي يقاتل بها الفرس أو الروم الذين كانت جيوشهم كبيرة قد تربو على المائة ألف في بعض المعارك. وجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة وتعبئته فيها. فجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة وتعبئته فيها. فجيش أولئك الأعاجم كان ينقسم إلى راجلين وفرسان والى طاعنين وضاربين ورماة. وكانت الفيلة عند الفرس والعجلات الحربية عند الروم، تقوم مقام الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع الضخمة في يومنا هذا. فنظام القتال عند اليونان كان مستنداً إلى (الفيلق) (الفلانكس) وهو وحدة تعبوية يبلغ متوسط قوتها (٤٠٠٠) مقاتل، يصطف الجنود فيها على ستة عشر صفاً طول كل صف (٢٥٦) مقاتلاً. والجنود في (الفيلق) (الفلانكس) من المشاة مسلحون بالرمح والسيف والحربة والمغفر والدرع والترس. ويتكون من (الفيلق) القلب ويقف في الخط الثاني الذي يسبقه الخط الأول المؤلف من الرماة ويليه الخط الثالث. وتقف الخيالة في الميمة والميسرة لحماية الجانب. ويتألف الجيش عادة من أربعة فيالق (فلانكسات) متى تيسرت القوة فيه. فتقف الفيالق

стр. 5615

(فلانكسات) متى تيسرت القوة فيه. فتقف (الفيالق) جنباً إلى جنب وبينها فاصلات صغيرة تتراوح بين عشرين وأربعين خطوة. وكان هذا النظام لا يصلح للقتال إلا في الأرض السهلة المنبسطة، والمقدرة على الحركة فيه قليلة، ولا يستطيع تغيير الجبهة متى اقتضى الموقف ذلك، فضلاً عن أنه معرض للخسارة إذا أصيب برمي السهام. أما نظام القتال عند الرومان فكان مستنداً إلى (اللجيون)، وهذا ينقسم إلى الكراديس ومجموعها عادة عشرة. وكانت الكراديس سابقاً تُعبأ على خطين كل خمسة منها في نسق وبينها فاصلة جهة كردوس، على أن تقف كراديس الخط الثاني وراء فاصلات الخط الأول. ثم تطور هذا النظام في عهد يوليوس قيصر، فكان اللجيون يقف على ثلاثة خطوط: في الخط الأول أربعة كراديس، وفي كل من الخطين الباقين ثلاثة، وتبلغ قوة كل كردوس ألف مقاتل وتؤلف الكراديس القلب، ويقف أمامه الرماة الذين يرمون العدو بسهامهم أو بحرابهم قبل الاصطدام ثم ينسجون إلى المجنبات أما الخيانة فتحمى المجنبتين. وكان نظام الكراديس يفوق نظام (الفيلق) (الفلانكس) في المقدرة على القتال والحركة والسير بسهولة، وكان في استطاعة الكراديس أن ينجد بعضها بعضاً. والجانب في اللجيون قوى بخلاف جانب (الفيلق) (الفلانكس)، لأن كراديس الجانب متى غيرت ناصيتها استطاعت آن تقابل العدو الملتف حولها. وسار الروم أو البيزنطيون في قتالهم على نظام الكراديس فأخبار الفتوح الأولى تدل على انهم كانوا يبعثون قواتهم كراديس ويحمون مجنبتهم باليمنة والميسرة. وكانت قوة الجيش تختلف باختلاف عدد اللجيونات وتقف على خط واحد، فأما آن تؤلف القلب تؤلف الخيالة وحدها الميمنة، وأما آن تؤلف القلب والميسرة والميمنة وتكون الخيالة على الجانبين. وإذا كان عدد اللجيونات كثيرا يحتوي القلب عادة على أكثرها. وقد زادت قوة الخيالة على ما كانت عليه في زمن الرومان، لان الأقوام المتوحشة التي هاجرت من أسيا ودخلت أوربا باغتت رومية بجيوشها الخيالة الكبيرة، وجهزت الجنود لجيوش رومية زادت عدد الخيالة فيها واصبح للفارس شان خطير في القتال.

стр. 5616

ولا يختلف نظام القتال عند الفرس عن نظام القتال عند الروم إلا اختلافا يسيراً والجيش الفارسي ما يظهر كان منقسما إلى كتائب - والكتيبة تقتل الكردوس وتبلغ قوتها ألف مقاتل - وكان خط القتال فيه ينقسم إلى القلب والميمنة والميسرة، وكانت كتائب الخيالة تحمى الجانبين على ما هو شائع. وكانت الفيلة تتقدم في جبهة القتال وعلى ظهورها الجنود المسلحون بالحراب والقسى. والذي يلفت النظر انه كان للرماة شان خطير في الجيش الفارسي. ولعل المشاة كانوا جميعا مجهزين بالقسى وجد ماهرين في الرماية. ومن الأساليب التي كان الجيش الفارسي. يلجا إليها في حرج الموقف ربط الرجال بعضهم ببعض بالسلاسل لكي يثبتوا في محلهم مهما كلفهم الآمر. فإزاء هذه الأنظمة الشائعة بين الدول الكبرى المجاورة لبلاد العرب، كان طبيعيا ان يسير الحرب على أسلوب معين في قتالهم ولم ينزو العرب في عقر دارهم في السنوات التي سبقت الفتوح فالرواة يروون هجوم الحبشة على بلاد اليمن، وتوغلهم فيها بعد انتصارهم على الجيش اليماني، ويشيرون إلى التجاء تابعة اليمن إلى أكاسرة فارس وطلب النجدة منهم. فخاض الجيش الفارسي عباب البحر على أسطوله، وأرست سفنه على شواطئ اليمن، وحارب الأحباش وانتصر عليهم وطرهم من اليمن. والقصاصون ينقلون أخبار المناذرة والغساسنة في حروبهم ومساعدتهم لكسرى أو لقيصر في الحرب الطاحنة التي دارت رحاها بين الفرس والروم. وقد ورد في القرآن الكريم نتف من أخبارها أما مؤرخو الرومان فيد كرون انتصارا ملك تدمر إذنيه على الرومان واعتزاز زوجه الزباء (زنوبيا) بالعاصمة تدمر. فهذا الاحتكاك المستمر بين العرب والأمم المجاورة لهم والاشتراك في القتال مع الجيوش الأجنبية منجدين أو مستنجدين، والغارات المتوالية على أرض السواد في العراق أو ارض الشام كل أولئك حمل العرب على اقتباس بعض الأساليب الحربية الشائعة عند الفرس والروم، لذلك لا يأخذنا العجب إذا سمعنا ان للمناذرة كتيبتين، أي كردوسين: الدوسر والشهباء، وان بكر بن وائل قاتلت الفرس في يوم ذي قار على تعبئه ومن المبادئ الحربية التي كان العرب يتمسكون بها في قتالهم مبدأ المباغتة، والمقدرة على

стр. 5617

الحركة، والأمنية فالمباغتة من أخطر المبادئ التي كانوا يتوخون منها الفوز في جميع خططهم لذلك تدل أخبار أيامهم ووقائعهم في الردة على عنايتهم الزائدة بالاستطلاع فكانت العيون تسبق حركاتهم، فأما أن يباغتوا عدوهم بأخذه على غرة، أو أن يكمنوا له فيفاجئوه. أما مبدأ المقدرة على الحركة فظاهر من سيرهم على ظهور خيلهم أو جمالهم خفقاً مسافات بعيدة بسرعة فائقة وأما عنايتهم بمبدأ الأمنية فمعلوم من إيفادهم الأرصاد والعيون، ووضع الخيالة في المجنبة في القتال، ومراقبة جاني العدو مراقبة مستمرة للهجوم عليه عند سنوح الفرصة. ومن المحتمل إننا لا نرى في كتب التاريخ مثالا للحركة السريعة التي قام بها خالد بن الوليد حين أمره عمر بنجدة جيش سورية وهو يحارب في العراق فقطع ابن الوليد البادية بجيش يبلغ عدده آلاف مقاتل على ظهر الخيل والجمال، وابتدع وسيلة لضمان الماء اللازم لخيله، وذلك عمل يدل على نبوغ نادرة، وسنشير إلى ذلك عند البحث في فتح العراق. وفي غزوة أحد كانت قوة المسلمين ألف رجل، تختلف منها ثلاثمائة رجل. وكانت قوة قريش ثلاثة آلاف رجل، فنظر الرسول في كثرة قوة العدو، فأخلى المدينة وأنسحب إلى شمالها جاعلاً جبل أحد خلفه، للاستفادة من مناعة ومن وضعه المشرف على ما حوله ولما لم يكن الجانب الأيسر مسنوداً بقوة، وضع فيه مفرزة رماة بقوة خمسين رجلا لحمايته. أما جيش قريش فرتب صفوفه للهجوم بعد ان وضع قوة الخيالة على مجنبته، وكانت تبلغ مائتي رجل، وقدم الرماة في الخط الأول. وكان خالد على رأس خيالة قريش في الجانب الأول يراقب رماة المسلمين ويشاغلهم ويتحين الفرص للهجوم عليهم، لكي يقطع خط الرجعة على المسلمين. وفعلا استطاع ذلك لما سنحت الفرصة، فقلب فوز المسلمين إلى انكسار مروع. فهذا كله يثبت لنا إن للعرب أسلوبا في القتال، وان مبدأ الأمنية كنا من اخطر المبادئ التي ساروا عليها. وفي يوم ذي قار نرى بوضوح النظام الذي سار عليه العرب في قتالهم الفرس، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه. ولا يخفى ان معركة ذي قار وقعت بين غزوة بدر وغزوة أحد، فانتقم فيها العرب من الفرس، ونالوا ظفراً حاسما شجعهم على الاستهانة بقوة فارس، وساعدهم على غزو بلاد السواد غزواً متواصلاً، حتى آل الأمر إلى فتحهم تخوم العراق.

стр. 5618

ويروى لنا صاحب الأغاني أخبار ذلك اليوم بالتفصيل والواضح من ذلك ان العرب عبأوا صفوفاً وقسموها إلى كتائب، وجعلوا الطعن في الوراء ليحموه بقلبهم، وكان بمنزلة القاعدة التي يتمنون منها الجيوش في يومنا هذا وتوضع الخطط الحربية لحمايتها. وأقاموا قوة في الميمنة من بني عجل، وقوة في الميسرة من بني شيبان. أما القلي فالفته قبائل بني بكر بن وائل. ومن الأساليب لبتي ساروا عليها انهم لم يقدموا الصفوف للقتال دفعة واحدة لكي لا تصيبها سهام الفرس فتفتك بها وكان الفرس على ما نعلم ماهرين في الرماية والحقيقة إن تقديم الصفوف بأجمعها في وقت واحد يجعلها عرضة للسهام دفعة واحدة بينما البدء بالحركة بكتيبة واحدة يجعل الصفوف الأخرى في مأمن من ضررها. وهذا من الأساليب التي كانت تراعى في هجوم الخيالة على المشاة، إذ تبدأ الحملة بخط منتشر ضعيف من الخيالة وتليها الخطوط المنظمة. فالعرب على ما يظهر جلياً دخلت ميدان القتال بنظام لم يكن اقل شأنا من نظام الفرس. وكان منأمره أن هزومهم شر هزيمة، وطاردوهم إلى أرض السواد بعد أن غنموا أحمالهم وأثقالهم. ولعل الطريقة التي سار عليها الرسول (ص) في غزوة بدر تدل على فكرة التعبئة عند العرب. كانت قوة المسلمين تبلغ ثلاثمائة مقاتل. بينهم خيال أو خيالان فقط، بينما كانت قوة قريش تربو على الألف وفيها مائة خيال. وكان القصد من هذه الغزوة مباغتة قافلة قريش عند عودتها من الشام إلى مكة. ولما وصلت قوة المسلمين إلى مياه بدر علمت من الأسرى إن قريشاً أنجدت القافلة بقوة كبيرة كانت ثلاثة أضعاف قوة المسلمين. وكان لابد من الاصطدام، لأن انسحاب المسلمين دون القيام بعمل مما يؤثر في سطوة الإسلام ويشجع المنافقين على الشغب. لذلك قرر الرسول إن يقاتل قريشاً بقوته الضعيفة على ان يزيد مناعتها بالتدابير التعبوية الموافقة. فاختار موضعاً يهيمن على معسكر قريش وقسم قوته إلى ثلاثة اقسام، وجعل لكل قسم قائداً، ورتب الأقسام بعضها بجانب بعض، وعبأها صفوفا كالبنيان المرصوص، وعرض الصفوف بنفسه فقدم المتأخر من الجنود وأخر المتقدم فأصبحت الصفوف متراصة. ومنع المسلمين من رمى السهام ومن التفاخر، وطلب منهم أن لا يتقدموا من

стр. 5619

ملهم، ولا يرموا إلا بعد أن تدنوا قريش منهم على مسافة قريبة. وكان يقصد بذلك أن تصيب السهام قوة قريش الفائقة فلا تتبعثر. وبفضل هذه الترتيبات انتصر المسلمون على قريش مع قلة عددهم وضآلة سلاحهم ولاشك في أن القتال بالكر والفر كان شائعا عند العرب ولعلهم كانوا يستعملونه كثيراً في غزواتهم لأخذ الثأر أو لجر مغنم. وكان يقع بين متقاتلين يبلغ عددهم العشرات ولا يجاوز المئات ولما كانوا يقاتلون بالجوع في أيامهم الشهيرة أو في مقاتلتهم الفرس أو الروم كانوا بلا ريب يعبئون قواتهم صفوفاً. (يتبع) طه الهاشمي

стр. 5620

لبيك! لبيك!. . . للأستاذ كرم ملحم كرم رأى أديب دمشقي فاضل أن يسألني ماذا اعني بقولي: (إن للتوراة والإنجيل والقرآن من الرواية اكبر نصيب)، وعلى أن أوضح للأديب الكريم ماذا أعني وإن يكن فيما أوردت في مقال (ما هو أدب اليوم؟. . .) بيان مسهب جليّ. فقد تحدثت في أدب اليوم عن الرواية، وقلت أنها ركن الأدب في كل عصر وكل آن القصد منها فلا يعدو تغذية النفس بالمواعظ، والحث على الفضيلة، ومحاربة الفساد، وقد تخرج روايات كثيرة عن هذا الهدف، فينصرف قائلها أو واضعها إلى امتلاك سامعيه أو قرائه بحوادث رائعة مدهشة ترمى إلى التفكهة وقضاء الوقت، والوقوف على غرائب لا وجود لها في أحيان كثيرة في غير مخيلات ناسجيها. والرواية نوعان: منها التاريخية ومنها الخيالية. بل هي محبط واسع تشمل الحقائق والأكاذيب، تشمل الملموس المحسوس والخيالي المجهول. فمن حق الراوي أن يتفنن في سرد حكايته على ما شاء. له أن يستعين بالتاريخ وأن يسخر بالتاريخ. له أن يقدس الحقيقة وأن يعرض عنها. فهو حرّ مطلق في أن يقول ما شاء. وما يقول رواية تختلف قيمتها باختلاف قدر قائلها وقوة تركيبها ومن تتناول من الأفراد. والكتب المقدسة تحمل روايات عديدة. ففي كل فصل من فصولها رواية، ولنبدأ بالتوراة. ففي سفر التكوين رواية، وفي تمرد الملائكة وسقوطهم إلى الجحيم رواية، وفي عصيان آدم وحواء مشيئة الله وأكلهما الثمرة المحرمة رواية، وفي حكاية إبراهيم وهاجر رواية، وفي موقف عيسو من أبيه اسحق رواية، وفي حب يعقوب لابنة خله رواية، وفي حكاية يوسف وأخوته رواية، وكم من حكاية وحكاية في التوراة. فالكتاب يجمع بين دفتيه حكايات العهد القديم في معظمها. ولننتقل إلى الإنجيل. فالمسيح نفسه صارح سامعيه بأنه يخاطبهم بالأمثال لكي يفهموا. فحدثهم عن الابن الشاطر، وعن تجار الوزانات الخمس، وعن العاملين في الَكرْم الذين أقبلوا في أوقات متعددة ونقدم رب الكرم أجراً واحداً، وعن العذارى اللواتي يحملن زيتاً في مصابيحهن.

стр. 5621

وهناك حكايات لا نحصى ضربها المسيح مثلاً لتلاميذه وسامعيه. والقرآن ما خلا من هذه الحكايات. خصوصاً الحكايات الواردة في التوراة. من حكاية سفر التكوين، إلى حكاية سقوط الملائكة، إلى حكاية زكريا، إلى حكاية مريم بنت عمران وربك نفسه قال في سورة يوسف: (آنا أَنزَلناه قراناً عربياً لعلكم تَعقلُون. نَحْنُ نقص َعليكَ أَحسْن الَقصَص ِبما أَوحْينا ِإليْكَ هذا القُرآنَ وإن كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلينْ إذ قال يُوسُف لأبيهِ يا أَبت إني رأيتُ أَحدَ عَشَر كوْكباً والشَّمسَ والقمرَ رأيتهُم لي ساجدينْ) فان قول ربك: (نحن نقص عليك أحسن القصص) دليل ناطق على أن القرآن لا يخلو من الرواية. ولماذا يخلو من الرواية؟. أتكون الرواية نقيصة؟. أليس من شانها تهذيب النفس ورد الخاطئين إلى الله اتعاظا بما سبق ونال الضالين من عقاب وقصاص كما أتفق لعاد وثمود؟. . فلا غضاضة إذا على الكتب المقدسة، والقرآن منها، إذا حوت الروايات؛ وفي الروايات عظات بليغة. ولا حاجة لقول الأديب الدمشقي عن التوراة والإنجيل: (صاحب البيت أدرى بما فيه!. . .)، فلا مجال في بحثنا للطوائف والنيل من الأديان. فالحديث حديث أدب، والطائفية في واد ونحن في واد، وكل قصدنا مما قلنا أن الرواية تتغلغل في أي مكان، في الكتب المقدسة وفي سواها. كل قصدنا أن نقول إن الرواية انبثقت بانبثاق الكون، وأنها أدب كل يوم. كل قصدنا أن نحث أدباء العرب على الاشتغال بالفن الروائي، فان آثار هذا الفن تكاد تمحى في الأدب العربي. أما أن نكون رمينا إلى الحط من منزلة الكتب المقدسة، فذلك مما لا نفكر فيه ولا يحق لنا أن نفكر فيه، فنحن نحترم هذه الكتب، وكيف لا نحترمها والملاين من البشر تدين بتعاليمها، وتؤمن كل الأيمان بآياتها؟. . والكتب المقدسة تطبع العقول على الخير، وتثقف النفوس وتقودها في الطريق السوي، وإذا كان بعضنا يرتاب في أصلها وطريقة وضعها ورموزها فليس له أن يعلن هذا الارتياب لئلا. يؤثر في عقول العامة ويخرج بها عن إيمانها وتقواها، ويثير في قلوبها الشكوك. فلولا

стр. 5622

الدين لعم الإنسانية البلاء، وتفاقمت الشرور، وتعاظمت الويلات، وأنغمس الناس في الرذيلة، وعاشوا لأهوائهم، وباتوا كالأنعام!. فليطمئن الأديب الدمشقي إذا بالاً، نحترمه ونرغب في أن نصونه ممن يتاجرون به لو استطعنا إلى صونه منهم سبيلاً وما حديثنا عن الرواية في كتب الدين غير حديث اقتضاء الأدب لا الطعن على الدين. والأديب الفاضل رأى بعينه، مما أوضحنا له، أن للرواية من أي كتاب ديني أكبر نصيب. فليهدأ روعة القلق، ولتسكن حدته، ولينظر مرة أخرى في مقالنا. (ما هو أدب اليوم؟. .) فيثبت له أننا وضعنا الكتب الدينية على مسافة بعيدة جداً من روايات (فولتير) واعترافات (جان جاك روسو) وغراميات (لأمارتين). . . وعهدنا بالأديب الدمشقي تكفيه الإشارة! بيروت كرم ملحم كرم صاحب مجلة (العاصفة) -

стр. 5623

من ذكريات الصبى الذهاب إلى المدرسة للأديب حسين شوقي حينما أعيد على نفسي الآن بعض ذكريات صباي، أدهش من الشخصية المؤلمة التي كانت لي في ذلك العهد. كنت مضرباً أولاً عن الذهاب إلى المدرسة، برغم تقدمي في السن، وقد بلغت الثامنة. . وكان والدي يحبني كثيراً، فلا يعارضني في رغبتي، برغم إلحاح أفراد أسرتي جميعاً، وبخاصة مريبتي العجوز، وكانت امرأة شركسية شديدة المراس، تفشل معها حيلي وتوسلاتي. . كانت هذه المربية مغرمة بالمشاكسة، فإذا لم تجد من تشاكسه، عمدت إلى ضرب القطط والكلاب وكنا جميعاً نتحمل هذه المربية المتعبة، لأنها قديمة العهد عندتا إذ كانت مربية لوالدتي قبل أن تكون مربية لنا. وكان لا يروق هذه المربية أن تثير موضوع إرسالي إلى المدرسة إلا أثناء الطعام، فتنغص علي فكان والدي ﵀ يثور عليها، وينحى عليها باللوم القارس فتسكت، ولكن تعود فتتمتم شتائم - بالتركية - تتناول الجميع. . فكنت من جانبي أنتهز هذه الفرصة للثأر منها، إذ أعيد بالعربية في صوت عال هذه الشتائم. . فيهيج عليها الجمع ويضطرونها إلى مغادرة الحجرة مغضبة ثائرة. . ولكن لما تكررت منى هذه (الدسائس الشرقية) أفتضحأمري، وأخذت مريبتي تقابل دسائس بالدس لي، فألحت إلحاحاً شديداً في إرسالي إلى المدرسة حتى تمكنت من ذلك، للتخلص مني غالباً، لا حباً في العلم. أدخلت مدرسة الأباء اليسوعيين (بالظاهر) بالقسم التحضيري الذي تديره الراهبات. . وكان بين مريبتي وبيني نضال كل يوم في الصباح، إذ كنت أحاول إلا أذهب إلى المدرسة، متعللاً بالمرض. ز ولكن مريبتي الخبيثة كانت تفهم حيلتي، فتقول: حسين. . إذا كنت مريضاً فابق بالمنزل، ولكن عليك أن تأخذ مسهلاً، فكانت بقولها هذا تضعني بين أمرين أحلاهما مرّ. . وكنت في النهاية أفضل المسهل لأن المدرسة كانت سجناً؛ إذ أغادر المنزل الساعة السابعة صباحاً (وكنا وقتئذ نقيم في المطرية)، ولا أعود إلا في الساعة

стр. 5624

السابعة مساءً، أي أن النهار كان يولد ويموت وأنا بعيد عنه وعن ضوء شعاعه البهيج. . حقاً، ما أتعس حياة التلميذ. كان الخادم المكلف بمرافقتي من المدرسة إلى المنزل يتأخر أحياناً لدى الخروج، فكنت أجهش بالبكاء مخافة أن أقضي ليلى أيضاً بالمدرسة. . وكان لى رفيق بالمدرسة، مصري كذلك، يبكى مثلي إذا تأخر عنه خادمه، فيا لنا وقتئذ من جوقة ندابة أما داخل المدرسة فكان الراهبات الطيبات لا يألون جهداً في تحبيب الحياة المدرسية ألينا، فكن يغمروننا بالهدايا، من ورق ملون وحاوى وغيرهما. . ولكن برغم هذا كله كنت أطمح إلى استرداد حريتي المفقودة، فما أبعد الفرق بين حياة تقضى بين جدران أربعة في وسط الغرباء وبين حياتي الأولى التي كنت أقضيها في رياض المطرية الغناء، متنقلا بين الخضرة والزهور. إن الحرية لا تقدر في كل وقت وفي كل زمن؟ كم كان يرهقني في ذلك الوقت حفظ أشعار لافوتين؟ فكنت أبغض ذلك الشاعر المسكين، كما كنت اسخر منه، لأنه يجعل الحيوانات تتكلم شعراً. . من رأيي إلا يدرس لافوتين وأمثاله في مثل هذه السن التي لا يمكن فيها تقدير هذه النفائس الأدبية. . ولكن ذهابي إلى تلك المدرسة لم يدم طويلاً، فقد فصلت منها لكثرة انقطاعي عنها، فجيء لي حينئذ - بفضل تعضيد والدي - بمدرسين في المنزل فكان هذا بداية عهد سعيد، لم يطل مع الأسف، إذا نفينا بعده بأشهر قليلة إلى أسبانيا وأذكر من ذلك العهد أيضاً حادثاً يدل على مقدار حقد الطفل وعلى روح الانتقام الكامنة فيه، وذلك خلاف ما ينسب إليه من طهر وبراءة. اشترى والدي وقتئذ سيارة (توربيدو) ذات أربعة مقاعد، وكنت أطمح إلى أن أقودها مثل أخي وهو يكبرني بسنوات قليلة؛ ولكن السائق رفض لصغر سني، فرفعت الآمر كعادتي إلى والدي فلم ينصفني على خلاف عادته، بل أعطى الحق للسائق إشفاقاً منه على حياتي. . فأقسمت أن أثار من السائق، وإليك كيف أتيحت لي الفرصة أن أحقق هذه الأمنية:

стр. 5625

كانت هناك في المطرية في ذلك الوقت حانة تديرها أجنبية فاسدة، يحذروننا منها. فاتفق ذات يوم أنني كنت عائداً في المساء من المحطة المطرية إلى المنزل - مشياً على الأقدام - فاعترض في الطريق جنديان بريطانيان يستفهمان عن عنوان تلك الحانة، فأعطيتهما من فوري عنوان منزل السائق! فكان ما قدرته، إذ عندما جاء السائق - إلى منزلنا - في صباح اليوم التالي، كعادته، كانت عينه اليمنى زرقاء اللون، فقد تشاجر مع الجنديين البريطانيين ذيادًا عن عرضه!. حسين شوقي

стр. 5626

من ذكريات لبنان النفوس المغلقة للأستاذ أديب عباسي نهضت في الصباح الباكر ودعوت حمالاً يحمل الحقائب إلى المحطة. وكنت قبلها قد هممت مرتين في صباحين متوالين أن أسافر، ولكنني كنت كل مرة أصل المحطة متأخراً عشر دقائق أو نحوها. وكنت بالطبع ألقى اللوم على أصحاب الفندق الذين يتعمدون التلكوء عن تنبيهي صباحاً حتى يستنزفوا البقية من دراهمي! والحقيقة التي لا مراء فيها أن أصحاب الفندق لم يهملوا تنبيهي في الوقت الذي سألتهم أن يفهموني فيه، ولكنها الرغبة الكامنة في هذا البلد الجميل - لبنان - كانت كل مرة تتغلب على الإرادة الشاغرة فتغمض العينين بعد انفتاح، وتضرب على الإذنين بعد انتباه، وتهوم للشعور فيغفو بعد صحو وبقيت بعد حضور. وكنت بعد أن ابلغ المحطة وأحملق في القطار الذاهب في حنق مكذوب أعود أرضى نفساً وأوفر بشراً مما لو كنت لحقت بهذا القطار - قطار لبنان العجيب - ليحملني بين أنفاسه الفاسدة في أنفاقه المتعددة، وسيره المتخلع البطيء ويلفظني بعد مسيرة سبع ساعات على حال شر من الحال الذي خرج عليه يونان بعد ضيافة ثلاثة أيام قضاها في بطن الحوت في غير رحب ولا سعة. وسمعت، وآنا لا أزال في الطريق، مناديا ينادي؛ يا أفندي، تفضل! وأدركت إنني آنا المقصود بهذا النداء. فاستدرت ونظرت وإذا شاب حسن البزة واقف بجانب سيارته البديعة وعينه إلي ويديه تشير إلى السيارة. ودنوت أساله في تلكوء متكلف ماذا يريد أجابني متلطفا: أوتوموبيل جميل. وخير لك أن تسير فيه من أن تيسر في القطار. وبعد أن أستنزف بلاغته في صرفي عن السفر في القطار الجميل قال أنني لا آخذ إلا مثل ما آخذه من كل راكب. وذكر مبلغاً هو ضعف ما يؤخذ عادة أجراً على مثل هذه المسافة. وعندها أدركت أني البس سدارة، ومن هنا سيأتيني الخطر في هذه الصفقة، وبادرت أصلح الموقف على قدر ما يمكنني الإصلاح وقلت: لتعلم أن من غير العراقيين من يحب أن يلبس السدارة (وإخواننا العراقيين - سامحهم الله - يبعثون، حيثما حلوا، موجة من الطمع

стр. 5627

في نفوس الساقة والباعة. على أن السدارة من ناحية أخرى (حماية) وصاحبها لا يزرأ إلا في نقوده. وفيما عدا ذلك فهو من نفوس القوم حيث تشاء الكرامة ويسموا الأباء والعزة). وبعد مساومة قصيرة رضى صاحبنا بنصف القيمة التي ذكرها. ووقف السيرة أمام فندق جميل من فنادق (عاليه). وبعد نفخة أو نفختين من بوق السيارة أقبل راكبان: رجل وامرأة يجري أمامها طفلان صغيران. والرجل ربعة القامة، تخطى العقد الرابع من عمره، جامد الملامح، محني الظهر كأنه يحمل عبئاً ثقيلا. أما الفتاة ففي ربيع الحياة، في قامة هيفاء يخيل إليك أنها نحيلة وما هي بنحيلة؛ ضحوك المبسم في وجه صبوح، ونظرات تشع ذكاء، يكسر منها قليلاً خفر طبيعي ووداعة ملازمة. وانطلقت بنا السيارة في بطء ملحوظ. فكأن سائقها الذكي فهم من تلفتنا ونظراتنا الشائعة أننا نودع عزيزاً ونشيع غالياً، فلا تحمد السرعة في هذه الحال. وأطلت زوجة المزامل من نافذة السيارة، وأخذت تجيل الطرف في كل ما يمكنها من اتجاه. والتفت إليها زوجها ونصحها متراضياً بأن تكف عن النظر والالتفات، وإلا أصابها الدوار، ثم إذا كان لابد من النظر إلى الأمام فقط. والتفتت إليه الفتاة وقالت في وداعة ظاهرة: لست أرى أمامي إلا الزفت؛ فهل تريد لي أن أغادر لبنان وليس ما بقع عليه ناظري إلا الزفت؟ إنني أحب أن أشبع النظر من لبنان، وأشبع الخاطر من فتنته قبل آن أغادر. فبادرها بقوله: ماذا في لبنان مما يفتنك ويتصباك، ويجعلك تعرضين نفسك لخطر الدوار المؤكد؟ عندما خاطبته في شيء من التبرم وكثير من الأغراء في استثارته إلى مشاركتها في متعتها وقالت: الله! إلا ترى هذه الجبال كيف تهاوت صخورها عند الحضيض، وكيف شخصت برؤوسها الممدة كأنها أعسال رصت صفاً وراء صف؟ ثم إلا ترى إلى هذه الأخاديد، والوهاد كيف تقطعها تقطيعاً بديعاً فتجعل منها مثل ما تجعل الشوارع من المدينة؟ وإليك هذه الأشجار، منها الجبار يقف ثابتاً لا تلويه ريح ولا يثنيه إعصار تستكين إلى ظلها هذه الشجيرات الصغيرات كإنها الحجلان تفيء إلى جنح الأم وتلوذ بحنوها وتدنو قدر ما تدنو من قلبها

стр. 5628

الخفاق. إلا ترى في ذلك جمال أولاً جلالاً؟؟ وأي جمال وأية فتنة في هذه الجبال الجرداء الشامخة تقوم إلى جانبها هذه التلال الوطيئة في هذا الحقل من شجر الأرز، والسنديان يكلل رؤوسها، وكأن كل ربوة من رباها دوحة جبارة واحدة أغصانها جذوع هذه الأشجار وأوراقها أغصانها!! ثم هذه الغيوم ومنها الذي أسف إلى قعر الوادي وأختلط بأهله اختلاط الألفة، وجاورهم جواراً زالت معه الكلفة؛ ومنها الذي أبى إلا تصعيداً ومنافسة لأعلى هذه الجبال فيختم على رأسه إكليلاً من ذهب صباح مساء، ومن فضة فيما بين ذلك؛ ومنها الذي أبى إمعاناً في التحليق والتصعيد فوق ذلك، فجعلت من التيارات القوية ما يجعله النسر من ريش الطائر، وقد شد النسر عليه مخالبه وألهبه سعار الجوع؟ ثم هذا البحر المسجى من ورائنا، جاث عند ركبتي لبنان يبللها بزبده ويغسلها بموجه، ويهمس في إذنه أن خل مكانك، وتعال أبوئك الصدر بدل أن تكتفي مني بالزبد، والزبد دائماً يذهب جفاء. وقديمًا أغراء همس البحر السحري فتحرك وتناول خير ما أنبت، وبعث به جواري من الارزملء ضلوعها رجولة وقلوب كبيرة. . . أو نسيت الباروك وماءه القر النمير؟ أنسيت ينأبيع لبنان المثلجة وكيف كنا نتجرع ماءها قطرة قطرة لما كانت تفعل الجرع الكبيرة المتوالية في الأسنان؟ ثم هل نسيت البارحة وكيف أمطرتنا السماء وابلاً أتضطرنا أن نتعطف المعاطف كأننا من العام في شهر آذار؟ أمثل هذا يجتمع ويتيسر لغير لبنان من بقاع الدنيا؟ أوه! وماذا أقول في هذه المدن المنثورة المنورة، وقد ألهبتها في الليل مشاعل الكهرباء، فغدت نجوماً تومض على الأرض، وتتحدى السماء فتحار أيهما أجمل وأروع: تلك التي تحتك، أم هذه التي فوقك؟ وهذه البيوت المبثوثة هنا وهناك، لا هي بالقرى المتراصة ولا هي بالصوامع، المنعزلة، ترف عليها وحولها أغصان السنديان والصنوبر رفيفاً كأن يداً سحرية ترّوح عليها؛ وأخيراً هذه الحمائم البيضاء في عرض البحر تمد أجنحتها للريح تتلقى منه المدد، فتسير باسم الله مجراها ومرساها؟ أنسيت كل هذا لتسألني ماذا في لبنان من جمال وماذا أرى من فتنة؟ إلا يفتنك بالله هذا التعانق الشديد بين السماء والماء والغبراء، وهذه الألفة الفاتنة بين هذه العناصر حتى لكان هذا ما خلق إلا ليكمل ذاك، ولا ذاك إلا ليكمل هذا؟؟! وبعد أن غمرت فتاتنا فتاها بهذا السيل الجارف من الأسئلة صمتت ترقب وتتأمل. وفتح

стр. 5629

صاحبنا فاه. . أو تدري بماذا أجاب عن كل ذلك؟ قد تحسبه أضاف لوناً آخر إلى هذه اللوحة التي رسمها خيال فتاتنا بهذه السرعة الطائرة؟ لا! إن شيئاً من لم يحدث، إذ لم يزد صاحبنا أن قال: هذه الجبال قد رأيت مثلها وأعلى منها في البرازيل. والأشجار - كذلك - في البرازيل لفةّ منداحة تكاد لا تدع لأحد منفذاً. والبحر رأيت أضعافاً سعته في طريق إلى أمريكا. والمطر كثيراً أيضاً في تلك البلاد. والباروك يعد (حنفية) ماء بالنسبة إلى الأمزون. عندما كدت أنشق غيظاً، وهممت والله أن أتناول شيئاً واطرحه في وجه هذا الجلف الغليظ القلب، الذي لا يرى إلا أن يقيس الجمال بالأميال، ويكيله بالمكيال. وحاولت الفتاة محاولات يائسة أن تنبه من هذا الصخر مكامن الإحساس بالجمال، فكانت - كما يقولون - كالصاروخ في واد، وكالنافخ في رماد. وأدركت أخيراً من الفتاة ومن فتاها: هي شعلة من الذكاء والثقافة العالية، والإحساس العميق بالحياة، والتفطن إلى همس الجمال بله صوته. أما هذا الذي يجالسها فهو من هؤلاء الذين ذهبوا إلى أمريكا ورجعوا خلواً من كل شيء، إلا المال، فتقدموا بهذا الطعم المغري، فاصطادوا خير الفتيات جمالا ًوعلماً وذكاءً. وصاحبنا هذا - مع الأسف الشديد - ليس بالمثال النادر في الشرق ولا الشاذ، وإلا ما كنا نعني به ونغثى على القارئ الكريم بعرض صورته البغيضة، إنما هو يمثل لنا طغمة من الناس في شرقنا كثيرة كثرة مفزعة حقا، لا تتفتح نفوسهم على جمال ولا تنبسط لفتنة ولا تنشط لمتعة من متع الفن. يعيش الواحد من هؤلاء في بقعة ركم الجمال فيها ركماً، ولكنه يحيا - آن صح انه يحيا - ويموت، وكان هذا الجمال لا يعنيه بحال من الأحوال، وكأن هذه المفاتن لأناس من غير طينته، وفي عالم غير عالمه، وقد يصيب بعضهم من ينبه فيهم مراكز الجمال، والتفطن إلى مواطن الملاحة فتتبدل النفوس غير النفوس وتنقلب حياتهم انقلاباً شديداً، وتتفسح أمامهم متع الحياة إنفساحاً يمتد مداه على قدر ما تكشف لهم من مفاتن الطبيعة ومجالي الجمال، إلا أن السواد الأعظم منهم يظلون على جهودهم ونضوب أنفسهم مهما حاولت أن تثير فيهم مكامن الإحساس بالجمال، وتذوق الفن. وإذا رايتهم يستملحون أو يستظرفون فإنما يفعلونها من طرف لسان ومجاراة، خشية أن يرموا بتبلد الإحساس وعقم

стр. 5630

العاطفة، ولسنا نعزو هذا إلى نقص طبيعي في الإحساس، ونضوب معين العاطفة في الشرقيين؛ إنما نعزوه متأكدين إلى نقص في التربية وتقصير في التوجيه. فمدارسنا قلما تعنى بتنبيه مواطن الإحساس بالجمال الصغار، وإذا فعلت ففي صورة سطحية ميكانيكية، وهو تقصير يدفع الشرقيون؛ اليوم ثمنه غالياً - يدفعون ثمنه ضعفاً في الوطنية، وجموداً عن التضحية. وهل ترجو خيراً ممن لا يرى في جبال بلاده ولا في سهولها، ولا في حزونها ولا في أنهارها، ولا في ينأ بيعها ولا في أشجارها، ولا في أطيارها، ولا في سمائها، ولا في مائها سحراً ولا فتنة يربطانه بها بعرى من الشوق والهيام لا تنفصم ولا نهى؟؟ هذا الأوربي إجمالاً، والإنكليزى على التخصيص، أنظر كيف ينقل ذكرى جباله وأنهاره، وقراه ودساكره، ووديانه وينأ بيعه ومدنه إلى أمريكا وأفريقيا وأستراليا وغيرها من قارات العالم؛ لم يستطيعوا أن ينقلوا هذه الأشياء العزيزة عليهم بالذات فتقلوا ذكراها المحبة، فظلت تربطهم بها رابطة من الشوق والهيام يؤكدها التذكير ويديمها النوى. ولنعد إلى فتاتنا. فقد شاقني حقاً أن أتابع هذه الدراما الصغيرة إلى النهاية، أبت الفتاة إلا تطلعاً وإسرافاً في التطلع، برغم نصائح زوجها الغالية، فكأن حديثها السابق قد أذكى شعورها وفتح لها أفقاً أوسع للتفطن والاستشراف، وقد آلمني حقا ًأمر هذه الفتاة. فهي تشعر شعوراً عميقاً بهذا الجمال الغزير وتأبى إلا أن تشرك غيرها معها في هذا الشعور، وهي نزعة طبيعية ملحوظة في جميع الناس. فليس أحد يشعر بجمال الفن سواء أكان طبيعياً أم صناعياً. إلا يرغب أن يرى من يساهمه فيه الإحساس ويشاطره المتعة، ولعل المتع الفن هي المتع الوحيدة التي لا يحس بها ارهف الإحساس واحده، إلا إذا كان من يشاركه. فكان كثرة النازرين أو السامعين لآيات الفن، المرايا تتقابل خجول الصورة الأشباح وتزيد الصور. ويئس صاحبنا من صرف الفتاة عما تريد من النظر التلفت، فراح يتلهى بالصغيرين ويناغيهما، وانتهى به الحديث معهما والمناغاة إلى صيغته بعينها جعلها لازمة حيثه وهي: يا بابا صباح الخير يا بابا وراح يرددها ويدهورها في حنجرته طوال الطريق. وخيل إلى أن الرجل لن يكف عن ترديدها ولو أمسى المساء، وضاقت به الزوجة الوديعة ذرعاً (وللصبر حد) وطلبت إليه متوسلة ان يكف عن الحديث، أو يغير هذه العبارة التي يوشك

стр. 5631

أن يتبرم بها الصغيرين! وصمت قليلاً. فحيل إلينا إننا قد ارتحنا بهذا القليل من الجرأة من هذه القدر المقرقرة. غير انه ما عتم حتى عاد وكان عشرين ضفدعاً تنق في حلقه! ولعله خشى إذ صمت أن نحسبه ذل وخنس. فضاعف الصخب وزاد الجلب. وقلت: ليتك يا فتاتي لم تحاولي إسكاته، فقد زدته ضرامًا على ضرماً. على انه لم يمض حتى فاجأه أحد الصغيرين بقي شديد ملا صدره واحد يسيل إلى اسفل، وهنا عبس الأب وانقطع عن المناغاة، واضطر أن يشتغل بإماطة ما علق بصدره من هذا السائل المبارك، وقلت في نفسي: عوفيت معدة يا صغيري؛ فقد أبرأت سقمنا، وجازيته جزاء وفاقا، وليت معدتك أوسع قليلاً فقد نحتاج إليها مرة أخرى. وبلغت السيارة دمشق. وغادرتها وفي القلب ما فيه من غصة وألم بهذا الدهر الأهوج الذي يجمع بين الإنسان وشبه الإنسان. أديب عباسي

стр. 5632

في الأدب الدرامي ١٠ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم احمد حسن الزيات الملهاة في خلال القرون أول ما نال الملهاة الإغريقية من العناية كان في صقلية. وكانت يومئذ مقصورة على تصوير العادات العامة دون تلميح إلى السياسة. وكان عميدها في هذا القطر أبيكارم (٤٥٠ق م) فأما انتقلت إلى أثينا تقلب بها الزمن. فمر بها على أدوار ثلاثة: دور الملهاة القديمة، دور الملهاة الوسطى، ودور الملهاة الحديثة. فالقديمة تمتاز بكثرة النقد الشخصي الصريح، فتسمى الأشخاص وتعين الحوادث. وكانت تسمد موضوعاتها من الواقع اليومية. وتتمتع بالحرية المطلقة في مهاجمة العظماء. والوسطى ظلت كتلك تهاجم أشخاصاً معينين، ولكنها عفت عن ذكر أسمائهم، وأخذت تمثل أنماطاً من الناس وصوراً من الأخلاق، وأما الحديثة فلم تطلب الجاذبية والتشويق في الحوادث اليومية والأهاجي الشخصية، وإنما طلبتهما في تعقيد العمل الروائي، وتصوير الأخلاق العامة. واشهر من عالج الملهاة القديمة أرسطفان (٤٥٠ - ٣٨٧ ق. م) وقد كان معروفاً بصفاء الأسلوب، ومرارة الهزل، وشدة الوطنية. غير ان مناظره كانت خليعة فاحشة. أما الملهاة الوسطى والحديثة فلم يؤثر منهما غير قطع منثورة مشتتة، حتى سنة ١٩٠٧م، فعثروا على ملهاة تكاد تكون كاملة، وهي ملهاة التحكيم لميناندر. وكان للملهاة عند الرومان من العناية والحظ ما لم يكن للمأساة، فقد نبغ فيها كثير منهم أشهرهم (بلوت ٢٢٧ - ١٨٣ق. م) وقد سار على نهج أبيكارم، إلا أنه عرف بسرعة العمل الروائي، ونشاط الحوار، دون تصوير للمادة، ولا تحقيق للخلق. ثم (تيرانس) (١٩٢ - ١٥٩ق. م)، وقد قلد منيناندر، في هزله بالحرارة والأناقة والأدب وتنويع الأخلاق والصدق في وصفها. ثم هجرت الملهاة في القرون الوسطى، وخلفتها في الشهرة والذيوع الرواية الرمزية الخلقية والملهاة العامية والأحموقة فلم يدب فيها دبيب الحياة إلا في القرن السادس عشر. فعادت

стр. 5633

إلى الظهور في ثوب الملاهي الإغريقية والرومانية، غير أنها كانت مصبوغة باللون الحديث، مطبوعة بالطابع الفرنسي. ومازالت الملهاة تتردد بين الكساد والنفوق، وتترجح بين الهبوط والصعود، حتى جاءها موليير (١٦٢٢ - ١٦٧٣) فأقرها في نصابها، وشرع السبيل إلى كتابتها، وطبعها بطابع الملاحظة القومية والحرارة القلبية والذوق السليم. وقد عالج موليير أنواع الملهاة المختلفة بالنظم والنثر: فلهو غير الملاهي المجونية والاشكالية، ملاهي اجتماعية: كالمتحذلقات السخيفات، والنساء العوالم، والحضري الشريف؛ وملاه خلقية: كترتوف، دون جوان، والمتوحش، والبخيل. كان موليير يتناول العيب أو الحمق وهو في عنفوانه، فيصور منه مناظر طبيعية صادقة، ثم ينتهي من هذا التصوير ببيان عواقبه الوبيلة على صاحبه وعلى المتصلين به فتصوير العيوب هو أكثر ما في ملاهي موليير. أما التعقيد الروائي فهو ضعيف، والحل في جملته يعوزه الإمكان والمنطق، إذ ليس نتيجة طبيعية لحوادث العمل. ثم ذهب موليير وأعقبه رنيار (١٦٥٥ - ١٧٠٩) فكتب طائفة من الملاهي الإشكالية كالمقامر والذاهل، ولكن أخلاق أشخاصه ليست محددة الرسوم، وإنما ملئها بالنكات المضحكة، حتى قال فيه (جوبير) (رنيار يهزل هزل الخدم، وموليير يمزح مزاح السادة) ومر القرن السابع عشر، ولم يشتهر في الملهاة غير هذين الكاتبين. ولما جاء القرن الثامن عشر ظهرت فيه طائفة من الملاهي الجيدة. كملهاة تركاريه أو المالي، الكاتب لساج (١٦٩٨ - ١٧٤٧) فضح بها حديثي النعمة من المثرين، وحلاق اشبيلية، وزواج الفيجارو لبومارئيه (١٧٣٢ - ١٧٩٩) وهما ملهاتان قويتان إلا أنهما لم تراعيا حقوق الأسرة. ثم المسارات الباطلة، والوصية، والتجربة، لمارسيفو (١٦٨٨ - ١٧٦٣) وهي ملاهي عني فيها كاتبها بتفصيل الدلال، وتحليل الحب، دون العناية بتصوير الأخلاق ووصف العادات. ثم أشتهرالقرن التاسع عشر بنخبه من الملاهي القيمة لطائفة من نوابغ الكتاب. كبيار (١٧٦٩ - ١٨٢٨)، وسكريب (١٧٩١ - ١٨٦١)، ولأبيش (١٨١٥ - ١٨٨٨)، واوجيه (١٨٢٠ - ١٨٨٩)، وأسكندر دوماس الصغير (١٨٢٤ - ١٨٩٦)، وفيكتوريان ساردو (١٨٣١ - ١٩٠٨). وقد كان النوع الغالب على هؤلاء الكتاب هو الملهاة الاجتماعية مشوبة بالمذهب الطبيعي، فقد أخذ أوجييه ودوماس يقللان فيها من تعقيد أسكريب وجاء هنري بيك (١٨٣٧ - ١٨٩٩)

стр. 5634

مؤلف (الغربان) فمحا التعقيد وتوخى بساطة العمل وسذاجة الأسلوب. ثم أنقلب المذهب الطبيعي من هؤلاء إلى مذهب المسرح الحر، وهو مذهب سطحي الفكرة خامد الحركة، يهزأ بالقواعد المسرحية، ولا بتقيد بالعمل الروائي، وغنما يكتفي بتكثير المناظر المضحكة، وتصريف الحوار في مختلف النكات المستطرفة الحديثة. ولم يدم هذا المذهب الخليع إلا قليلاً، ثم أودى به إسرافه وتهوره. وظلت الملهاة الاجتماعية أو الجدية أو المبكية تسير مع الزمن، وتتطور مع أهله ونظمه، حتى حلت محل الدراسة الابتداعية وأصبحت اليوم موضوع المسرح الحديث كما سنبينه عند الكلام في الدراسة. تلك حال الملهاة في فرنسا. أما حالها في إيطاليا فقد ظلت خافتة الصوت ضعيفة الأثر قليلة النجاح حتى القرن الثامن عشر. فما كان يظهر منها قبل ذلك العهد إلا نوع غير مسطور، يرتجله الممثلون تبعاً لخطة مرسومة من قبل. فلما نبغ الكاتب (جولوديني) (١٧٠٧ - ١٧٩٣) وهو عند الإيطاليين كموليير عند الفرنسيين، أسس قواعد الملهاة ونهج سبيلها لبنى قومه: وأما في أسبانيا فملهاتها الوطنية كانت ملهاة المعطف والسيف وهي نوع من الرواية المنزلية، بطلها دعي من أدعياء الشجاعة الذين يسمونهم ماتامور (أي قاتل العرب) لأن الرجل من هؤلاء كان يملأ ماضغيه فخراً بكثرة ما قتل من العرب كذباً وادعاء وكانت عنايتهم في هذا النوع لتعقيد الحوادث أشد من عنايتهم بتصوير الأخلاق. وأشهر تلك الملاهي: الطاحون، وكلب البستاني، للوبي دي فيجا (١٥٦٢ - ١٦٣٥)؛ وساخراً أشبيلة، ونديم بطرس، لجبريل تلز؛ والحقيقة المريبة لرويز دالر كون (١٦٣٩) وهي التي أستمد منها موليير أخلاق ملهاة (الكذب). وأما في إنجلترا فلم بنبغ في الملهاة غير شكسبير (١٥٦٤ - ١٦١٦) فقد كتب: (ثرثارات وندسون الفرحات)، وجعجعة ولا طحن وتيمون الخ، وهذا كل ما تجده من الملهاة الأصيلة في الأدب الإنجليزي. أما غيره فقدا أكتفى باقتباس الملاهي الفرنسية أو تقليدها. وأما في ألمانيا فلم ينفق فيها غير الملهاة العامية في العاب (المرفع)، وهو نوع من التمثيل المضحك البذيء. أما الملهاة الأدبية فلم يؤثر عن الألمان منها إلا شيء قليل القيمة عديم الأثر، على رغم كوتزبيو وأمرمان، وبلوم، وبينديكس، وهكلندر من الفوز.

стр. 5635

تحليل موجز لأشهر ملاهي موليير كانت الملهاة قبل موليير تعتمد على قوة المواقف بدلاً من تصوير العواطف، وعلى المضحكات الخيالية بدلاً من المضحكات الطبيعية، وعلى أسماء الأشخاص، وعلى العمل الخارق المستحيل بدلاً من العمل الواقعي الممكن. فكانت خليطاً مهما من الأسماء، ومكارم ساقطة من السماء، عفواً في موضع الانتقام، ومزيجاً غريباُ من التقاليد الإغريقية والرومانية والأسبانية والإيطالية. فجاء الملهاة الفنية الحقيقة لجميع العالم، ولذلك نكتفي بان نحلل بعض ملاهيه نموذجاً لبناء الملهاة، وتقسيم فصولها، وتدبير عملها، وتدريج جاذبيتها. صورة لرجل طريم غالي في الصراحة والتشدد حتى كان موضع الهزء والسخرية، وهي من الملاهي الخلقية التي لا وجود للعمل الروائي فيها. أهم أشخاصها: ألست المتوحش، وهو خطيب سليمين، وفيلنت صديق ألست، وهو رجل لطيف المعاشر، إلا انه مفرط المزاح، وسليمين فتاة أرملة تسعى إلى الإعجاب من طريق الزهو والصلف، وأورنت حبيب آخر لسليمين، وليانت بنت عم سيليمن، وآكاست وكلتياندر مركيزان، وارسيونية صديقة سليمين. وقد وقعت حوادثها في باريس في قصر سليمين. الفصل الأول: السست وصديقه فيلنت في قصر سيلمين ينتظران خروجهما عليهما، وفي أثناء، ذلك يؤنب ألست صديقة فيلنت على أنه لقي رجلاً في عرض الشارع لا يكاد يعرفه، فبالغ تحيته وإكرامه. فهو يقول له: إن مثل هذا العمل لا يزكو بالحر ولا يتسع له العذر. فيلنت يجيبه في مداعبة ورفق: إن المرء مادام في الناس مقضى عليه أن يسايرهم بالمصانعة، وبعاشرهم بالموادعة، والحياة تحب التظرف، والعقل يكره التطرف. ولكن الست مسرف في بغض الناس فلا يستمع له، حتى أن له قضية منظورة في المحكمة لا يفكر فيها ولا يشغل باله بها إعتماداً على ظهور حقه، بل يتمنى أن يخسرها لتهيئ له أسباب السخط والحفيظة على ظلم الإنسان. على انه بالغرم من انقباضه واستحياشه يحب الفتاة أرملة تدعى سليمين، ولكنه يعترف بدلالها وخلاعتها، وبأسف لأنها تستقبل في بيتها كثيراُ من الخطاب والأحباب، وهو لذلك يريد أن يستطلع رأيها في الموضوع. ويدخل على الصديقين

стр. 5636

في الساعة أورنت - وهو خطيب آخر لسليمين مولع بقرض الشعر - فينتظر معهما. وهو أثناء ذلك يرجو منهما أن ينشدهما قصيدة من نظمه، فيستحسنهما فيلنت ويستهجنها ألست، ولكنه يمسك على ما في نفسه منها، ثم يلمح بما فيها من المآخذ، وينتهي به الأمر إلى التصريح بأنها سخيفة ركيكة، فيخرج الشاعر غضبان بتوعد. ويقول فيلنت لصديقه وهو يحاوره: هاك خصومة جديدة جلبتها على نفسك بإفراطك في الصدق وغلوك في الصراحة. الفصل الثاني: (بهو سليمين والغيبة). يلقى الست سليمين فيلومها على خلاعتها، ويريدها ان تصرح له بحقيقة حبها ورغبته قلبها، فينقطع عليها الحديث قدوم (آكاست) و (كليتاندر)، ثم (اليانت) و (فلينت) فيأخذون مجالسهم، ويخوضون في أعراض الناس، وتجيد سليمين وصف النفوس اللئيمة، فيعجبون بها ويصفقون لها ولكن الست ينكر ذلك منها، ولا يجرؤ على مجابهتها بالإنكار، فتنفجر مراجل غضبه على المراكيز لتصويبهم رأيها. فإذا ما تساير الغضب عن وجهه عاد إلى سليمين يسألها ان تعلن من اختارته من الخطاب، ولكن شرطياً يقتحم الباب فجأة ويدعوه إلى المحكمة للفصل في الخصومة التي بينه وبين أورنت. الفصل الثالث: (خبث الرياء وعبث الدلال) كذلك المركيزان آكاست وكليتاندر يريدام سليمين على أن تعلن من اختارته منهما، وتقبل (ارسيونيه) صديقة سليمين فيخرج المركيزان وتختلى الصديقتان فتتبادلان السباب في أسلوب المناصحة: تحكى أرسيونيه لسليمين في لهجة مرة ما يرميان به الناس في الأندية والمجامع من الخلاعة والتهتك؛ وتحكى سليمين لأرسيونية ما بتقوله الناس عليها من المراءاة بالحشمة وهي داعرة. ويدخل عليهما ألست فتخرج سليمين لتكتب رسالة وتتركه مع أرسيونيه فتنتهز هذه الفرصة لإيعاز صدر ألست على سليمين فتريه أنه مخدوع وأنها خادعة، وتعده أن تقيم له على خيانتها إياه الدليل. الفصل الرابع: (رسالة سليمين) يأتى فيلنت فيعلن أن الخصومة بين ألست وأورنت قد انتهت بالصلح، ويدخل من بعده ألست وهو ينتفض من الغضب، وفي يده كتاب غرام من سليمين إلى

стр. 5637

أورنت جاءته به أرسيونيه دليلاً على خيانة خطيبته فيقول: آه! لقد خاب الرجاء، وضاع الأمل، وظهرت الخديعة، وبان الغدر؟ فتترضاه سليمين بالدهاء، وتفثأ غضبه بالملاطفة، ويجري بينهما الحديث، ولكن خادمه يأتي مسرعاً إليه ينبهه إلى أن شرطياً جاء يقبض عليه في خصومة. الفصل الخامس: (المقاطعة) يخسر ألسست قضيته التي أهملها فينحى باللوم والسخط على فساد الحياة ولؤم الناس، ويعثر أكاست وكليتاندا على رسائل لسليمين فيقرآنها على ألسست ويستيقنون جميعاً بأنها تخونهم وتخدعهم وينصرف عنها المركيزان ويبقى ألسست مقيداً بسلاسل هواهها، فيعدها بالعفو عن ما سلف إذا رضيته زوجاً وعاشت معه في خلوة الريف، فترفض طلبه. فييأس المستوحش ويعتزل الناس وهو يقول: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى … وفيها لمن خاف القلى متعزل ملحوظات عن الرواية: الفصل الأول أية من آيات الفن، فقد عرض فيه المؤلف في حوار قوي على لسان فيلنت وألسست أسماء الأشخاص الأصليين وأخلاقهم وذكر غضب ألسست وغرامه، وبرودة قلب فيلنت، وخلاعة سليمين، واخلاص اليانت، ورياء أرسيونيه الخ. أما التعقيد فيؤخذ عليه ضعفه وبطؤه، إلا أن العمل كاف وبسط الأخلاق متدرج. والحل يعيبه بعض النقاد بالنقص من غير حق. فإن سيليمين جوزيت على خلاعتها وخبها بأن هجرها خطابها جميعاً. والسست أعتزل العالم، والمركيزان ذهبا يعرضان زهوهما الأجوف في مكان آخر، وفيلنت واليانت يستعدان لحفلة الزفاف. يتبع (الزيات)

стр. 5638

في المعلقات أيضا للأستاذ عبد المتعال الصعيدي . . . . . ولابد من المضي في تكميل رأينا في المعلقات أن نعود إلى الكلام على مذاهب علماء الأدب، قدمائهم ومحدثهم في تسميتهم، فان الذي يراه أبو جعفر النحاس ليس كما ذكرناه في (الرسالة) وذكره غيرنا قبلنا فتأثرنا به، إن هذه القصائد سميت باسم المعلقات من قول الملك (علقوا لنا هذه وأثبتوها في خزانتي) فيكون أبو جعفر على هذا مشاركا لغيره من القدماء في قدم هذه التسمية، ولا يخالفهم إلا في توجيههم لها بأنها مأخوذة من تعليقها على الكعبة. ويذهب علماء العربية الأوربيون بفضل الرأي الراجح ألان في هذه التسمية، أنها حديثة مصنوعة في عصر التدوين أو قبله بقليل، وأنا ننقل هنا كلام أبي جعفر في ذلك لنرى مذهبه حقيقة فيه. قال في افتتاح شرحه للقصائد السبع: (الذي جرى عليه أمر أكثر أهل اللغة في تفسير غريب الشعر، إغفال لطيف ما فيه من النحو، فاختصرت غريب القصائد السبع المشهورة، وأتبعت ذلك ما فيها من النحو، ولم اكثر الشواهد ولا انساب، ليخف حفظ ذلك ان شاء الله تعالى). وقال في آخر شرحه لها: (فهذه القصيدة آخر السبع المشهورات، واختلفوا في جمع القصائد السبع، فقيل العرب كان أكثرهم يجتمع بعكاظ ويتناشدون، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوها وأثبتوها في خزانتي. فأما قول من قال إنها علقت في الكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة، وأصح ما قيل إن حمادا الراوية لما رأى زهد الناس في الشعر، جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم هذه المشهورات، فسميت القصائد المشهورة لهذا). فهذا صريح في أن أبا جعفر لا يرى في المعلقات أيضا رأي من يذهب إلى تسميتها بذلك مأخوذة من قول الملك (علقوا لنا هذه) وإن كان يراه ارجح من رأى من يرى ان تسميتها بذلك مأخوذة من تعليقهم لها بالكعبة، فكلا الرأيين عنده مبني على ان هذه القصائد كانت مجموعة قبل جمع حماد لها، فكانت معروفة عندهم بهذا الاسم (المعلقات) أو غيره إن كان لها اسم غيره، لأن جمعها هو الذي يجعل لها وجوداً خاصاً تحتاج أن تتميز فيه إلى اسم من الأسماء.

стр. 5639

وأبو جعفر ينكر جمع هذه القصائد قبل جمع حماد لها، فهو عنده هو الذي جمعها، لما رأى زهد الناس في الشعر، فجمعها لهم من الشعر القديم، وحضهم عليها، وهذا الرأي آخر عند أبي جعفر غير ذينك الرأيين، وقد رآه أصح ما قيل في هذه القصائد فهناك لقدمائنا إذن في هذه القصائد ثلاثة آراء لا رأيان، وأصح هذه الآراء الثلاثة عند أبى جعفر أن هذه القصائد لم يكن بعضها يمت إلى بعض قبل جمع حماد لها، بل كانت مغمورة في الشعر العربي الجاهلي مثل غيرها من القصائد الجأهلية، ولم تكن تمتاز عليها باسم يجمعها من اسم المعلقات أو غيره، فلما جمعها حماد للناس قال لهم هذه المشهورات، فسميت القصائد المشهورة لهذا، وهو الاسم الذي ذكرها به أبو جعفر في افتتاح شرحه لها وفي آخره أيضاً. ولا شك أن تحاشيه ذكرها باسم المعلقات كما يسميها غيره ويوجهه بأحد ذنيك التوجيهيين دليل على انه لا يرى صحة تلك التسمية مستحدثة مصنوعة بعد الإسلام، وبعد جمع حماد لها، وهذا هو الذي ننسبه ألان ألي علمائنا الأوربيين ليذهبوا بفضله، وينسى فيه فضل أبي جعفر ﵀. هذا وقد رأيت فيما رجعت إليه قبل كتابة هذا المقال من شروح المعلقات، وقد تعلقت نفسي باستقصائها حتى يجئ بحثي وافياً فيها من تلك الناحية، رأيت ما يتفق مع رأيي في المعلقات في مقدمة الطبعة المنيرية لشرح الخطيب التبريزي على المعلقات العشر، إذ جاء فيها: (وذهب فريق إلى ان وجه تسميتها بالمعلقات علقوها بأذهان صغارهم وكبارهم ومرءوسيهم ورؤسائهم، وذلك لشدة اعتنائهم بها) وهذا قريب من رأيي في المعلقات، وهو من عجائب توارد الخواطر، ولكنه في تلك المقدمة هل يذهب من يرى هذا في المعلقات إلى أن تلك التسمية على توجيهه قديمة أو مصنوعة، والظاهر انه يراها قديمة، وهو خلاف ما نراه فيها على توجيهنا لها. وقد جمعت هذه القصائد السبع بعد جمع حماد لها جمعاً آخر مع قصائد أخرى يبلغ جميعها تسعاً وأربعين قصيدة، قال عنها المفضل الضبي إنها عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وانفس شعر كل رجل منهم، وهي التي جمعها أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي في كتابه جمهرة أشعار العرب. ويخالف المفضل حماداً في أصحاب هذه القصائد السبع، فهم عند حماد: أمرؤ القيس،

стр. 5640

وطرفة، وزهير، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، ولبيد بن ربيعة. وهم عند المفضل: أمرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. وقد تبع المفضل في هذا أبا عبيدة، وقال عن الشعراء السبعة: (هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط، فمن قال أن السبع لغيرهم فقد خالف ما اجمع عليه أهل العلم والمعرفة). ثم ذكر بعد هذا السبع المجمهرات، والسبع المنتقيات، والسبع المذهبات. والسبع المرائي، والسبع المشوبات، والسبع الملحمات. وإذا كان المفضل يخالف حماداً في هذا فهو يوافقه في انه لم يرد فيما رواه أبو زيد القشرشي عنه تسمية هذه القصائد السبع بالمعلقات، ولم يذكر إلا أن العرب تسميها السموط، فإذا كان يعني الأقدمين فهي تسمية جاهلية، وإذا كان يعني العرب في عصره فهي تسميه إسلامية. وقد كانت العرب قبل الإسلام تطلق هذا اللفظ على غير هذه القصائد السبع، ومن ذلك ما رووا إن علقمة الفحل كان يأتي مكة فيعرض شعره على قريش، وكانت العرب تعرض شعره على قريش، وكانت العرب تعرض أشعارها عليهم، فما قبلوا منها كان مقبولا، وما ردوا كان مردودا، فاتاهم مرة فعرض عليهم قصيدته: هل ما علمتَ وما استُودعت مكتومُ … أم حبلُها إذ نأتْك اليومَ مصرومُ. فقالوا: هذا سمط الدهر، ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم قصيدته في مدح الحارث الغساني، وكان اسر أخاه شاساً فرحل إليه يطلبه: طَحا بك قلب في الحسان طَروب … بُعيْد الشباب عصر حان مشيبُ فقالوا هاتان سمطا الدهر ويمكننا بعد هذا أن نجزم بأن اسم السموط كان يطلق عند العرب على قصائد غير هذه القصائد السبع، ولا يدل ما ذكره المفضل على حصر هذه التسمية (السموط) في هذه القصائد السبع، وإنما معناه أنها كانت تسميتها السموط فيما كانت تسميه بذلك من قصائدها، فلا يدل ذلك على إنها كانت مجموعة متميزة عند العرب بهذا الاسم قبل جمع حماد لها، بل يتفق هذا أيضاً مع ما رجحه أبو جعفر النحاس من أن حماداً هو الذي جمعها، ولا يخالفه في شئ من المخالفة. هذا وقد كانت وفاة حماد الراوية سنة ١٥٥ هـ، ووفاة المفضل الضبي سنة ١٦٨ هـ،
следующие страницы →