Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
في الساعة أورنت - وهو خطيب آخر لسليمين مولع بقرض الشعر - فينتظر معهما. وهو أثناء ذلك يرجو منهما أن ينشدهما قصيدة من نظمه، فيستحسنهما فيلنت ويستهجنها ألست، ولكنه يمسك على ما في نفسه منها، ثم يلمح بما فيها من المآخذ، وينتهي به الأمر إلى التصريح بأنها سخيفة ركيكة، فيخرج الشاعر غضبان بتوعد. ويقول فيلنت لصديقه وهو يحاوره: هاك خصومة جديدة جلبتها على نفسك بإفراطك في الصدق وغلوك في الصراحة.
الفصل الثاني:
(بهو سليمين والغيبة). يلقى الست سليمين فيلومها على خلاعتها، ويريدها ان تصرح له بحقيقة حبها ورغبته قلبها، فينقطع عليها الحديث قدوم (آكاست) و (كليتاندر)، ثم (اليانت) و (فلينت) فيأخذون مجالسهم، ويخوضون في أعراض الناس، وتجيد سليمين وصف النفوس اللئيمة، فيعجبون بها ويصفقون لها ولكن الست ينكر ذلك منها، ولا يجرؤ على مجابهتها بالإنكار، فتنفجر مراجل غضبه على المراكيز لتصويبهم رأيها. فإذا ما تساير الغضب عن وجهه عاد إلى سليمين يسألها ان تعلن من اختارته من الخطاب، ولكن شرطياً يقتحم الباب فجأة ويدعوه إلى المحكمة للفصل في الخصومة التي بينه وبين أورنت.
الفصل الثالث:
(خبث الرياء وعبث الدلال) كذلك المركيزان آكاست وكليتاندر يريدام سليمين على أن تعلن من اختارته منهما، وتقبل (ارسيونيه) صديقة سليمين فيخرج المركيزان وتختلى الصديقتان فتتبادلان السباب في أسلوب المناصحة: تحكى أرسيونيه لسليمين في لهجة مرة ما يرميان به الناس في الأندية والمجامع من الخلاعة والتهتك؛ وتحكى سليمين لأرسيونية ما بتقوله الناس عليها من المراءاة بالحشمة وهي داعرة. ويدخل عليهما ألست فتخرج سليمين لتكتب رسالة وتتركه مع أرسيونيه فتنتهز هذه الفرصة لإيعاز صدر ألست على سليمين فتريه أنه مخدوع وأنها خادعة، وتعده أن تقيم له على خيانتها إياه الدليل.
الفصل الرابع:
(رسالة سليمين) يأتى فيلنت فيعلن أن الخصومة بين ألست وأورنت قد انتهت بالصلح، ويدخل من بعده ألست وهو ينتفض من الغضب، وفي يده كتاب غرام من سليمين إلى
стр. 5637
أورنت جاءته به أرسيونيه دليلاً على خيانة خطيبته فيقول: آه! لقد خاب الرجاء، وضاع الأمل، وظهرت الخديعة، وبان الغدر؟ فتترضاه سليمين بالدهاء، وتفثأ غضبه بالملاطفة، ويجري بينهما الحديث، ولكن خادمه يأتي مسرعاً إليه ينبهه إلى أن شرطياً جاء يقبض عليه في خصومة.
الفصل الخامس:
(المقاطعة) يخسر ألسست قضيته التي أهملها فينحى باللوم والسخط على فساد الحياة ولؤم الناس، ويعثر أكاست وكليتاندا على رسائل لسليمين فيقرآنها على ألسست ويستيقنون جميعاً بأنها تخونهم وتخدعهم وينصرف عنها المركيزان ويبقى ألسست مقيداً بسلاسل هواهها، فيعدها بالعفو عن ما سلف إذا رضيته زوجاً وعاشت معه في خلوة الريف، فترفض طلبه. فييأس المستوحش ويعتزل الناس وهو يقول:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى … وفيها لمن خاف القلى متعزل
ملحوظات عن الرواية:
الفصل الأول أية من آيات الفن، فقد عرض فيه المؤلف في حوار قوي على لسان فيلنت وألسست أسماء الأشخاص الأصليين وأخلاقهم وذكر غضب ألسست وغرامه، وبرودة قلب فيلنت، وخلاعة سليمين، واخلاص اليانت، ورياء أرسيونيه الخ.
أما التعقيد فيؤخذ عليه ضعفه وبطؤه، إلا أن العمل كاف وبسط الأخلاق متدرج. والحل يعيبه بعض النقاد بالنقص من غير حق. فإن سيليمين جوزيت على خلاعتها وخبها بأن هجرها خطابها جميعاً. والسست أعتزل العالم، والمركيزان ذهبا يعرضان زهوهما الأجوف في مكان آخر، وفيلنت واليانت يستعدان لحفلة الزفاف.
يتبع
(الزيات)
стр. 5638
في المعلقات أيضا
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
. . . . . ولابد من المضي في تكميل رأينا في المعلقات أن نعود إلى الكلام على مذاهب علماء الأدب، قدمائهم ومحدثهم في تسميتهم، فان الذي يراه أبو جعفر النحاس ليس كما ذكرناه في (الرسالة) وذكره غيرنا قبلنا فتأثرنا به، إن هذه القصائد سميت باسم المعلقات من قول الملك (علقوا لنا هذه وأثبتوها في خزانتي) فيكون أبو جعفر على هذا مشاركا لغيره من القدماء في قدم هذه التسمية، ولا يخالفهم إلا في توجيههم لها بأنها مأخوذة من تعليقها على الكعبة. ويذهب علماء العربية الأوربيون بفضل الرأي الراجح ألان في هذه التسمية، أنها حديثة مصنوعة في عصر التدوين أو قبله بقليل، وأنا ننقل هنا كلام أبي جعفر في ذلك لنرى مذهبه حقيقة فيه.
قال في افتتاح شرحه للقصائد السبع: (الذي جرى عليه أمر أكثر أهل اللغة في تفسير غريب الشعر، إغفال لطيف ما فيه من النحو، فاختصرت غريب القصائد السبع المشهورة، وأتبعت ذلك ما فيها من النحو، ولم اكثر الشواهد ولا انساب، ليخف حفظ ذلك ان شاء الله تعالى).
وقال في آخر شرحه لها: (فهذه القصيدة آخر السبع المشهورات، واختلفوا في جمع القصائد السبع، فقيل العرب كان أكثرهم يجتمع بعكاظ ويتناشدون، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوها وأثبتوها في خزانتي. فأما قول من قال إنها علقت في الكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة، وأصح ما قيل إن حمادا الراوية لما رأى زهد الناس في الشعر، جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم هذه المشهورات، فسميت القصائد المشهورة لهذا).
فهذا صريح في أن أبا جعفر لا يرى في المعلقات أيضا رأي من يذهب إلى تسميتها بذلك مأخوذة من قول الملك (علقوا لنا هذه) وإن كان يراه ارجح من رأى من يرى ان تسميتها بذلك مأخوذة من تعليقهم لها بالكعبة، فكلا الرأيين عنده مبني على ان هذه القصائد كانت مجموعة قبل جمع حماد لها، فكانت معروفة عندهم بهذا الاسم (المعلقات) أو غيره إن كان لها اسم غيره، لأن جمعها هو الذي يجعل لها وجوداً خاصاً تحتاج أن تتميز فيه إلى اسم من الأسماء.
стр. 5639
وأبو جعفر ينكر جمع هذه القصائد قبل جمع حماد لها، فهو عنده هو الذي جمعها، لما رأى زهد الناس في الشعر، فجمعها لهم من الشعر القديم، وحضهم عليها، وهذا الرأي آخر عند أبي جعفر غير ذينك الرأيين، وقد رآه أصح ما قيل في هذه القصائد فهناك لقدمائنا إذن في هذه القصائد ثلاثة آراء لا رأيان، وأصح هذه الآراء الثلاثة عند أبى جعفر أن هذه القصائد لم يكن بعضها يمت إلى بعض قبل جمع حماد لها، بل كانت مغمورة في الشعر العربي الجاهلي مثل غيرها من القصائد الجأهلية، ولم تكن تمتاز عليها باسم يجمعها من اسم المعلقات أو غيره، فلما جمعها حماد للناس قال لهم هذه المشهورات، فسميت القصائد المشهورة لهذا، وهو الاسم الذي ذكرها به أبو جعفر في افتتاح شرحه لها وفي آخره أيضاً. ولا شك أن تحاشيه ذكرها باسم المعلقات كما يسميها غيره ويوجهه بأحد ذنيك التوجيهيين دليل على انه لا يرى صحة تلك التسمية مستحدثة مصنوعة بعد الإسلام، وبعد جمع حماد لها، وهذا هو الذي ننسبه ألان ألي علمائنا الأوربيين ليذهبوا بفضله، وينسى فيه فضل أبي جعفر ﵀.
هذا وقد رأيت فيما رجعت إليه قبل كتابة هذا المقال من شروح المعلقات، وقد تعلقت نفسي باستقصائها حتى يجئ بحثي وافياً فيها من تلك الناحية، رأيت ما يتفق مع رأيي في المعلقات في مقدمة الطبعة المنيرية لشرح الخطيب التبريزي على المعلقات العشر، إذ جاء فيها: (وذهب فريق إلى ان وجه تسميتها بالمعلقات علقوها بأذهان صغارهم وكبارهم ومرءوسيهم ورؤسائهم، وذلك لشدة اعتنائهم بها) وهذا قريب من رأيي في المعلقات، وهو من عجائب توارد الخواطر، ولكنه في تلك المقدمة هل يذهب من يرى هذا في المعلقات إلى أن تلك التسمية على توجيهه قديمة أو مصنوعة، والظاهر انه يراها قديمة، وهو خلاف ما نراه فيها على توجيهنا لها.
وقد جمعت هذه القصائد السبع بعد جمع حماد لها جمعاً آخر مع قصائد أخرى يبلغ جميعها تسعاً وأربعين قصيدة، قال عنها المفضل الضبي إنها عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وانفس شعر كل رجل منهم، وهي التي جمعها أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي في كتابه جمهرة أشعار العرب.
ويخالف المفضل حماداً في أصحاب هذه القصائد السبع، فهم عند حماد: أمرؤ القيس،
стр. 5640
وطرفة، وزهير، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، ولبيد بن ربيعة. وهم عند المفضل: أمرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. وقد تبع المفضل في هذا أبا عبيدة، وقال عن الشعراء السبعة: (هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب السموط، فمن قال أن السبع لغيرهم فقد خالف ما اجمع عليه أهل العلم والمعرفة). ثم ذكر بعد هذا السبع المجمهرات، والسبع المنتقيات، والسبع المذهبات. والسبع المرائي، والسبع المشوبات، والسبع الملحمات.
وإذا كان المفضل يخالف حماداً في هذا فهو يوافقه في انه لم يرد فيما رواه أبو زيد القشرشي عنه تسمية هذه القصائد السبع بالمعلقات، ولم يذكر إلا أن العرب تسميها السموط، فإذا كان يعني الأقدمين فهي تسمية جاهلية، وإذا كان يعني العرب في عصره فهي تسميه إسلامية. وقد كانت العرب قبل الإسلام تطلق هذا اللفظ على غير هذه القصائد السبع، ومن ذلك ما رووا إن علقمة الفحل كان يأتي مكة فيعرض شعره على قريش، وكانت العرب تعرض شعره على قريش، وكانت العرب تعرض أشعارها عليهم، فما قبلوا منها كان مقبولا، وما ردوا كان مردودا، فاتاهم مرة فعرض عليهم قصيدته:
هل ما علمتَ وما استُودعت مكتومُ … أم حبلُها إذ نأتْك اليومَ مصرومُ.
فقالوا: هذا سمط الدهر، ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم قصيدته في مدح الحارث الغساني، وكان اسر أخاه شاساً فرحل إليه يطلبه:
طَحا بك قلب في الحسان طَروب … بُعيْد الشباب عصر حان مشيبُ
فقالوا هاتان سمطا الدهر
ويمكننا بعد هذا أن نجزم بأن اسم السموط كان يطلق عند العرب على قصائد غير هذه القصائد السبع، ولا يدل ما ذكره المفضل على حصر هذه التسمية (السموط) في هذه القصائد السبع، وإنما معناه أنها كانت تسميتها السموط فيما كانت تسميه بذلك من قصائدها، فلا يدل ذلك على إنها كانت مجموعة متميزة عند العرب بهذا الاسم قبل جمع حماد لها، بل يتفق هذا أيضاً مع ما رجحه أبو جعفر النحاس من أن حماداً هو الذي جمعها، ولا يخالفه في شئ من المخالفة.
هذا وقد كانت وفاة حماد الراوية سنة ١٥٥ هـ، ووفاة المفضل الضبي سنة ١٦٨ هـ،
стр. 5641
ووفاة أبي زيد القرشي صاحب الجمهرة سنة ١٧٠هـ، فنستطيع مع هذا أن نحكم بان هذه القصائد السبع ما كانت تعرف باسم المعلقات إلى سنة ١٧٠هـ، وإنما كانت تسمى القصائد المشهورة آخذاً من قول حماد فيها بعد جمعها هذه القصائد المشهورة، وكان يقال السموط كما كان يقال لبعض قصائد أخرى، فلم يكن اسماً خاصاً بها، وقد سماها المفضل السبع الطوال فيما نقله أبو زيد في الجمهرة عنه.
وقد نقبنا في المقدمة التي ذكرها أبو زيد في جمهرته قبل القصائد السابقة التي أوردها فيها، فلم نجد فيها ما يمكن أن يؤخذ منه أن السبع الأولى كانت تسمى في عصره باسم المعلقات. وكان الواجب على طابعي الجمهرة أن يلاحظوا ذلك فلا يضعوها تحت اسم المعلقات، ولا يذكر قصيدة امرئ القيس (قفيناك) تحت اسم معلقة امرئ القيس، ولا قصيدة زهير (أمن أم أوفى دمنة لم تكلم) تحت اسم معلقة زهير، وهكذا في باقي السبع، وهو خطأ ضاهر، وتسمية لهذه القصائد بما لم يسمها به صاحبه الجمهرة، فان كان هذا في الأصل الذي طبعوا منه فهو خطأ من ناسخه قطعاً. ولعلنا نظفر بعد هذا بأول من سماها باسم المعلقات في الزمن الذي بين زيد القرشي وأبي جعفر النحاس وهو الذي أورد فيها ما نقلناه عنه من ذلك الخلاف.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 5642
من طرائف الشعر
شوقيتان لم تنشرا
١ - قصيدة لم تتم للمرحوم شوقي بك في (سعد) والثورة
يا شبابُ اقتدوا بشيخ المعالي … فالمعالي تَشَبُّهٌٌ وتحدي
هو لو لم يكن له من الفضل إلا … هذه كان غايةَ الفضل عندي
قد تصدّى لنائبات حقوق … غيرُ سهلٍ لمثلهن التصدّي
حزَنَتْه بلادُه وهي صَيْدٌ … بين نابَيْ مُظّفَّر الناب وَرْد
أمَّةٌ من غرائب النصر نَشْوَى … تَسلُبُ المُلْكَ مَنْ تشاء وتُسدى
أخْرَستْ أفصحَ القياصر سيفاً … بأساطيلَ في الخصومة لُدِّ
جاءها سعد شاهرَ الحق يدعو … سيفها المنتضَى لُخِطَّة رُشد
أعْزَلَ المنكبْين إلا من الحق … ومن حجة كنَصْل الفِرِنْدِ
خاطبَ النارَ وهي في شَفَة المِدْ … فع والسيفَ وهو في غير غمد
غَمْرةٌ يُشفق الضياغِمُ منها … خاضها لم يَهَبْ عواقب وِرْد
فنَفوْا فانتفى فصادف حظاً … حبذا الجِدُّ ان أعينَ بِجَدّ
وإذا مصرُ كاللبوءِةِ غَضْبى … لابنِها تبذُل الدماء وتفدى
٢ - قصيدة أخرى للمرحوم لم تتم في (موليير) الشاعر
الفرنسي
. . وأن (مُولْيير) نجمٌ لا أُفولَ له … وان تغيِّب في الأحقاب واحتجبا
شريعة من بيان الغرب صافية … وان يك الشرق أحياناً بها شربا
وآيةُ الأدب الروميّ في لغة … لم تخل من سرها عجماً ولا عرباً
لو استطاع ذووها من عنايتهم … بنشرها علّموها الجنَّ والشهبا
فاحفظ لسانك وأجهدْ في صيانته … كما يصون الكريمُ العرضَ والحسبا
كأنما كانت الدنيا على يده … يصورّ الناس عنها كلما كتبا
إذا مضى يعرض الأخلاق عارية … أراك من كل نفس صورةُ عَجَبا
стр. 5643
يأتي النفوس فينضو عن طبائعها … ستراً ويهتك عن أهوائها الحجبا
فربما ازددتَ علماً بالبخيل وإن … نشأت تلقاه جَدَّاً أو تراه أبا
وقد يزيدك بالكذاب معرفةً … وأنت تُضحى وتُمْسِى تسمع الكَذِبا
وقد يريك أخا الوجهْين منكشفاً … وأنت تلقاه في الإخوان منتقبا
ومن جيد ما نشره المرحوم من الشوقيات قوله يعتب على بني وطنه اختلافهم وتنازعهم:
وأين الفوز لا مصر استقرت … على حال ولا السودان داما
وأين ذهبتمو بالحق لما … ركبتم في قضيته الظلاما
لقد صارت لكم حكماً وغماً … وكان شعارها الموت الزؤاما
شببتم بينكم في القطر ناراً … على محتله كانت سلاما
إذا ما راضها بالعقل قوم … أجد لها هوى قوم ضراما
تراميتم فقال الناس قوم … إلى الخذلان أمرهمو ترامى
وكانت مصر أول من أصبتم … فلم تحص الجراح ولا الكلاما
إذا كان الرماة رماة سوء … احلوا غير مرماها السهاما
وقال يوجه الخطاب إلى توت عنخ آمون عقب كشف قبره:
قل لي: أحين بدى الشرى … لك هل جزعت على العرين؟
آنست ملكاً ليس بالشا … كي السلاح ولا الحصين
البر مغلوب القنا … والبحر مسلوب السفين
لما نظرت إلى الديا … ر صدفت بالقلب الحزين
لم تلق حولك غير (كر … تر) والنطاسيَّ المعين
أقبلت من حجب الجلا … ل على قبيل معرضين
تاج الحضارة حين أشر … ق لم يجدهم حافلين
والله يعلم لم يرو … هـ من قرون أربعين
стр. 5644
حصن طارق
للأستاذ فخري أبو السعود
أقام على شط الجزيرة مفرداً … ورانت عليه وحشة وسكون
على الصخرة الصماء يصخب دونه … من اليم لج زاخرٌ ومُتُون
مُضِبٌّ، يجيش الشرق والغرب حوله … صَمُوتٌ على كرِّ العصور مبين
به صَدْفَةٌ عَمَّا يَرَى في زمانه … وفيه إلى ماضي الزمان حنين
تغيرتِ الدنيا، وبادَ قَبِيلُهُ … وغيَّرَهُ دَهرٌ مضى وقُرُون
وقَطَّبَ لَمَّا أَنْكَرَ العَصْرَ حوله … وسارت بما لا يشتهيه شؤون
وأَنْكَرَ خيلاً حوله وأعاجماً … تقرُّ لهم تلك الرُّبى وتَدينُ
تَدِين لرئبالٍ بكل مفازةٍ … له في أقاصي العالمين عَرين
تَعَطَّلَ مِن بَعد اعتصامٍ ومَنعة … أسيرٌ بأيدي الغالِبين رَهين
وكان يصون القومَ فارتَدَّ أعزلاً … وأصبحَ حتى النَّفْسَ ليس يَصون
إذا لم تكنِ همَّاتُ قومٍ حصونَهم … تداعتْ وراسٍ دونهم وحصون
حَوَتْ منِ تلاد المجد صخرةُ طارقٍ … على الدَّهر مالا يحتويه رَقينُ
تعالتْ بها، الله أكْبَرُ، مَرَّةً … فمادتْ سهولٌ دونَها وحُزُون
وسالتْ شعابٌ بالصوارم والقنا … وأُحرق خلف الفاتحين سفين
وقامتْ بأطرف الجزيرة دولةٌ … وأزهَرَ عِرفانٌ وأشرق دين
جَلا أمسِ عنها آلهاً، وبَنُوهُمُ … عَلَى الضَّفَّةِ الأخرى الغَدَاة قَطِين
فَمنْ لي بمن يُنبي الجدودَ بأَنَّنا … وقد عزَّ عُبدانُ الجُدود نهون؟
وأَنَّا إذا اعْتَمْنَا رُسُوم عَلائهم … تناهبتِ القلبَ الحسيرَ شجون
خشعتُ وعادتْني لدى حصن طارق … همومي وابْتَلَّتْ لديه جفونُ
لشعبٍ يُسيغ الذلّ مٍن بَعد ماسَمَا … له في الورى مُلك أشَمُّ مكِين
القاهرة
فخري أبو السعود
стр. 5645
الوحيد المريض
محمد خورشيد
سالَ ذَوْبُ الفؤاد في أَنَّاتِهْ … وتَلاشى بُكاهُ في آهَاتِهْ
ساكِنُ الطّرفِ لا يرفُّ لهُ جَفنٌ … ولا يعزفُ الضَّنَى عن أَذَاتِهُ
واجفُ الصدرِ، شاحب الوجه خُطَّت … نفثاتُ الأسى على قسماتِه
كادت الروح تستحيل أريجاً … تتملّى الجِنانُ من نَفَخاتِه
وظلامُ المنون مَدَّ رواقَيْهِ … ليطوِى في الليلِ فجرَ حياتِه
وأبُوهُ المرور ضَمَّ إلى الصد … ر فتاهُ ليفتديهِ بذاتِه
حابساً ما استطاع أنفاسَ صدرٍ … شَبَّ جمرُ اللأواءِ في جَنَباته
ولو استطاعَ اسكت القلبَ حتى … لا يَضِجَّ الصغيرُ من خفقاتِه
كلما أرسل ابنه زفراتٍ … كاللظى خالَها صدى زفراته
كلما أسبل الدموعَ فتاهُ … كالآلى تَشِفُّ عن حسراته
ظنَ وجهَ الفطيمِ أصبحَ مرآ … ةً أرتهُ المدرارَ من عَبَرَاته
باتَ قلبي طيَّ الضلوعِ سجلاً … لجَنَانِ الوحيدِ في نبضاته
أن هفا مسرعاً حكاه ابنُ جَنْبِي … أو تأنَّي شاكلتُهُ في أنَاتِه
وضميري ناجَي الحبيبَ فأصغَى … وهو رهنُ الضَّنَى إلى همساته
قد حُرمتُ السُّباتَ والدَّاء يقظ … انُ يُوالي مُسَدِّداً رَمَياته
حارَ إذا عادنا الطبيبُ ولمَّا … يدرِ أيَّا يَطبُّه بأدائه
أ (نزاراً) وقد ذَوتْ مُقلتاهُ … أم أباهُ والرُّوح قُربَ لَهاتِه
أن سُقمَ الأبناءِ أقسَمَ إلا … أَن يكونَ الآباء مرمى تِراتِه
يا رسولَ الردى أماناً فهذا … قد عقدنا المُنى على بسماتِه
أن أردتَ الفداَء دونك روحي … تلكَ عند الشبابِ أغلى هِباتَه
يَرِثُ التاجَ أولياء العُهودِ الصِّيدُ … والمجدُ مُوقِعٌ نغماتِه
فاعفُ عنّي، وليَّ عهدي، لأني … خِفتُ دهري فكنتُ من أقواتِه
لم أُورِّثكَ غيرَ شعرٍ شجىٍ … سال ماءُ الفؤاد من أبياتِه
стр. 5646
أصبحَ البؤسُ تَوْأَمَ الشعرِ عندي … يزدهيني بندبهِ وشَكاتهِ
إنّ وحيَ الأسى المروِّعِ يحبو الشاعِرَ … الفذَّ مُجتَبى خَطَرَاتِه
القدس
محمد خورشيد
стр. 5647
توماس كارليل ١٧٩٥ - ١٨٨١م
بقلم عبد الكريم الناصري
- ١ -
(العبقرية الحق، هي التي تعمل ولا تشبع، وتجد في الألم لذة، وفي الموت من أجل العمل حياة، ولا تحسب يوماً أنها وجدت ما تنشده وتصبو إليه!. .)
(العبقرية الحق، هي التي تخلق وتنشئ، وتنظر دائماً إلى الممكن والى المستقبل؛ هي باذرة بذور الخير والحب والطيبة والجمال في الوجود، والطامحة دائماً إلى ألحسن، والآخذة بالناس من الظلمات إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية. ويخلد العبقري بقدر ما تترك رسالته من أثر على وجه البسيطة؛ فكلما كانت رسالة العبقري إنسانية، كالإعجاب بها شديداً والثناء عليها قوياً.)
ولد توماس كارليل في قرية (اكلفكان) - بأقليم أناندال - بجنوبي اسكوتلندة، في تشرين سنة ١٧٩٥. وكان أبوه بنّاء، وهو الذي بنى البيت الذي ولد فيه ابنه؛ وكان صلب الرأي، ميَّالاً إلى الجد والعمل. أما أمُّه فكانت امرأة صالحة حنوناً طيبة القلب. أدخله والده - أول الأمر - في مدرسة القرية، فتلقى فيها مبادئ العلوم، ثم في مدرسة قرية (نان). ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره دخل جامعة ادنبرج. وفي سنة ١٨١٤ عينّ مدرساً للرياضة بمدرسة أمان. وكان قد بلغ التاسعة عشرة من عمره. ولم تمض عليه ثلاث سنواتٍ حتى صار رئيس مدرسةٍ ببلدة (كركالدي).
وفي سنة ١٨١٨ ترك حرفة التعليم متبرماً بها، ساخطاً على المنتسبين إليها؛ وذهب إلى ادنبرج باحثاً عن عمل يعيش منه؛ ودرس هناك علم المعادن الذي أفاده فائدة كبيرة إذا اضطره إلى تعلم الألمانية (التي كانت من أسباب ظهوره ورفعته.) مع أنه كان يمقته مقتاً شديداً. وكان يتقن الفرنسية أيضاً ويترجم عنها مقالات علمية فيتكسب من ذلك. . .
- ٢ -
. . . اجتمعت في كارليل صفات أبيه وأمه ورث عن أبيه صلابة الرأي، ومضاء العزم، وخصب الخيال، وقوة التصور؛ وورث عن أمه دماثة الخلق، وسلامة النية، وطيبة القلب،
стр. 5648
وكثرة الحنان، وخفة الظل.
وفيه أيضاً اجتمع فيه هدوء الإنكليزى ووطنيته الصادقة، واعتزاز الألمانى بقوميته، واعتداده بنفسه واستبداده برأيه، وفكاهة الفرنسي ومزاحه.
كان فيلسوفاً نابغة، ومؤرخاً مدققاً، وناقداً صائب الرأي قوي الحجة ساطع البرهان، وكاتباً بليغاً ساحر البيان، عجيب التصور للحقائق، مدهشاً في عرضها على قارئيه أو سامعيه واضحة جلية، وكان خياله يشبه النافورة التي يتدفق ماؤها فيسقي هياكل الأبطال القدامى العظيمة، ويحيلها إلى أناسي مثلنا يتحركون ويضطربونِ!. . .
كان في كتاباته جاداً وهازلاً، مكتئباً وضاحكاً، تلمح من خلال سطور كتاباته نفساً هادئةً، مؤمنةً، قنوعاً ولكن تجده أحياناً ليثاً كاسراً، غضوباً متمرداً. . . وكان متبرماً بالوظائف والحرف المقيدة لحريته، ولما ترك مهنة التعليم صاح محتداً ساخطاً: (لا طاقة لي بعد بهذه الحرفة الممقوتة!. . .).
وأرى أنه كان في آرائه وأقواله قومياً ومتعصباً أحياناً، , إنسانياً أحياناً أخرى. يتعصب حين يحدثك عن (كرومويل) أو عن فريديريك الكبير ملك بروسيا، فيغرق في مدحهما والإشادة بذكرهما، ويحملك على تصديق أقواله بسحر بيانه وقوة برهانه، لأن الأول إنكليزى، والثاني بروسي، وكان كارليل حريصاً على إرضاء البروسيين. ويقول الكاتب الناقد الإنكليزى ج. ك. تشسترتون: (لقد سلط كارليل تيار خياله القوي المتدفق على شخصية هي كالجمجمة جفافاً ويبوسة وصلابة (أي فرديريك)، وسكب عبقريته الخلاقة المبدعة ليخلق من أسفل وادنى وأوحش شخصية عرفها التاريخ إنساناً شهماً، كريماً عظيماً!.).
فهو إنساني حين يحدثك عن محمد ﷺ والإسلام مثلاً، فيقول: (لقد أصبح من اكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وان محمداً خداع مزور؛ وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً بنحو مليون من الناس.) أو حين يقول: (ما محمد بالكاذب ولا الملفق، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة، فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع). . .
стр. 5649
وقد قال (ريتشارد جازييت): (فلما كتب كارليل مقالته عن الإسلام ينافح فيها عن محمد ويناضل عن دينه، لم يبق هجاء أطلق يده في عرض محمد (ص) إلا قبضها مجذومة شلاء ولا فجاش ذلك الأديم الأملس، وتلك الصحيفة البيضاء بسهام السباب إلا وردت سهامه في نحره حتى راح شرف النبي في تلك الديار بفضل الفيلسوف الأكبر صحيح الأديم موفور الجانب. . .).
ومن هنا ترى أن الرجل كان يعتمد على ذكاءه وصفاء ذهنه، واستقامة منطقه القوي، وبلاغته وخياله أيضاً، في حمل الناس على اعتناق مذاهبه، والأخذ بآرائه، والإيمان بمعتقداته، وقد نجح في ذلك نجاحاً عظيماً وفاز فوزاً جباراً!. .
- ٣ -
وقد أحب ذلك الفيلسوف فتاة جميلة تدعى (مرغريت جوردون)، وقد ابتدأ ذلك الحب حين صار رئيس المدرسة التي ذكرناها ببلدة كركالدي. ووصفها في كتابه (فلسفة الملابس). وكان كارليل (يعبد الجمال ويكبر ملكات العالم (أي نساء) ويقدسهن، ويرى لهن جلالاً إلهياُ!) ولكن حظه منهن (لم يكن إلا حظ اللمس من الخيال، والغليل من الآل!)
لقد كان حبه عنيفاً جداً لمارغريت، ولا تكاد تقرأ بضع صفحات - بل بضعة أسطر - من كتابه فلسفة الملابس حين يصفها، إلا وتؤمن انه لم يكن هوى أو حباً، بل لاعجاً محرقاً، بل هياماً جنونياً، ولكن العبقري المسكين أخفق في ذلك الحب ولم يتزوج من بلومين (كما يسميها في ذلك الكتاب) لتعرض أصدقائها. . .
أسمعه يقول باكياً. . . (فكن للفتى (أي كارليل) كأنهن من الهواء مخلوقات، ومن الضياء مصوغات، أرواح في أشباح، وأذهان في ألوان. . .
وكأنهن ملائكة تحمل كل منهن معراجاً يرتقي فيه العاشق إلى مقامات الأبرار في الجنان، فليت شعري هل قضى الله للفتى المنفرد (يعني نفسه) أن يظفر يوماً ما بإحدى هذه الملكات؟ بل أين منه ذلك، هيهات هيهات!!).
(أما والذي خلق الهوى وجعله جنة المحب وجحيمه، لئن قضى الله للفتى أن تهبط عليه واحدة من تلك الخيالات المليحة، فتتحول له جسماً حياً ملموساً، وحقيقة محسة، ثم تلحظه بنظرة انعطاف وتودد، وتقول له بعينيها: (لك الآن أن تحب وتحب!) إذن فأي بركان هائج
стр. 5650
يثور، وأي جحيم كان يجيش ويفور!!).
(وقد اشتعل مثل هذا الحريق يوماً ما في فؤاد الفتى المنفرد اشتعالاً بركانياً؛ وكيف يكون الأمر غير ذلك والفتى مزاج رقيق، وطبع سريع الهياج - فيه (كاربون) الحدة، و (فسفور) الشهوة، و (كبريت) الانفعال - تنتظر أدنى شرارة من لحاظ دعجاء المحاجر، قتالة الألحاظ، فتتأجج وتشتعل؛ وما شرار اللحظ في هذا العالم بالشيء المفقود؛ فليت شعري إذا هبطت عليه من آفاق العزة مليحة حسناء، فرمت (كبريته) بشرارة من لحظها ماذا يكون المآل؟!. . . . . .)
وأسمعه يخاطب فتاته المحبوبة: (وما هي إلا هنيهة حتى قرب إلى الغادة وقدم لها! يا رعاك الله أيتها الآنسة! أنك لتشرقين بين أترابك من الفتيات، وتبهرين صواحبك من الغانيات؛ كأنك الكوكب الدري هبط من السماء فتوسط طائفة من المصابيح والشموع! يا أشرف الفتيات! وسيدة النساء! يا سبيت الخامل المسكين فتهافت عليك بدناً وروحاً؛ وهو مع ذلك منكس الجيد في حضرتك، من فرط هيبتك خاشع الطرف، تعروه لذة أليمة وتعلوه حيرة لذيذة، أحقاً أصبح الفتى المسكين يشهد مجلسك ويجتلي نور طلعتك، وبهاء غرتك، وحقاً تشرق عليه أشعة لحاظك!؟ وحقاً يتكلم فتنصتين، ويقول فتسمعين، ويمزح فتضحكين، ويعظ فترقين، ويشكو فتتوجعين؟ وحقاً كان الحب متبادلاً، والغرام متداولاً، والعطف متقارضاً، والود متقايضاً، والقطبان يخفقان للالتصاق، ويرجفان للاعتناق،؟!! وقلب العاشق المسكين يجيش ويثور كالبحر يزخر ويعب في حضرة القمر!؟ حقاً كان كل ذلك).
البصرة
عبد الكريم الناصري
стр. 5651
العلوم
٤ - بحث في أصل الإنسان
بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية
بدراسة الجمجمة التي وجدت في جزيرة جاوة، إحدى جزائر الهند الشرقية، وجد أنها تشبه جمجمة نوع من القردة، وهو المسمى جيبون وهذا القرد معروف أن نسبة مقاس جمجمته تتناسب تناسبا إطرادياً مع ارتفاعه وحجم جسمه. بمعنى أن مقاس كذا هو لقرد ارتفاعه كذا. . الخ.
فإذا نحن طبقنا هذه القاعدة على تلك الجمجمة التي وجدت خرجنا منها بنتيجة، هي إن ذلك المخلوق الذي تخلفت عنه هذه الجمجمة لابد وأن يكون في ارتفاع قامة الإنسان، على عكس قردة ذلك النوع المشار إليه فإنها لا تتعدى في القامة قامة ابن خمس سنوات من الأطفال.
وإذا لاحظنا أن سطح الجمجمة وعظام محاجر العين وشكلها تعين عدم وجدود جبهة لصاحب تلك الجمجمة، نجد لزاما علينا من ذلك ومن نتائج أبحاث العلماء أن نقول إن هذا الذي يمثل إنسان البليوسين كان عبارة عن قرد كبير، وتبين لنا بعد ذلك من قياس تلك الجمجمة أننا لم نكشف عن الإنسان القرد فحسب، بل كشفنا عن أحط درجة من درجات التطور الإنساني، وإذا كان للإنسان صفات تميزه ويختص بها عن سائر أنواع الحيوان، فإنما هي ذكاؤه وقابليته للتعلم، ثم حدة الشعور، وهذه كلها تأتي من المخ مصدر الشعور والوجدان.
وإن قصة تدرج الإنسان ما هي إلا تاريخ لتطور قواه العقلية. فعند ما كشف الأمر عن جمجمة إنسان النياندرتال عام ١٨٧٥، قال بعض من العلماء إنها بجمجمة أشبه منها بجمجمة الإنسان. لماذا؟. لأنه لوحظ بها البروز الكبير الظاهر في محاجر العين، وهو ما تمتاز به أنواع الغوريلا، كذلك لاحظ أن غطاء الجمجمة الأعلى واطئ منخفض ومفرطح. لكن الكشف الذي تلا ذلك دلنا على المقدرة والقوة الفكرية عند هذا النوع من الإنسان، وهو إنسان النياتدرتال. وأنها قد تفوق كثيرا من الأجناس البشرية في القدرة والمهارة والدقة والجمال في صناعة الأدوات الصخرية النارية.
стр. 5652
ولم يجد الدكتور أي أثر في طبقة الأرض التي وجد بين ثناياها الإنسان القرد، وليس هناك ما قد يلقي لنا ضوءا على مقدار ذكاء هذا النوع وقدرته، إلا أنه يمكننا أن نتكهن بشيء من ذلك من حجم فراغ جمجمته التي استطاع الدكتور دبوا أن يصورها لنا.
فأما من جهة حجم المخ فإن الإنسان القرد أو إنسان جاوة (كما سنسميه) يقع تحت أسفل درجة من درجات المخ الإنساني. فالابورجونيز سكان استراليا يتراوح حجم مخ القرد فيهم من ١٣٠٠ إلى ١٤٠٠ سم مكعب، ولو أن هذه النسبة تقل في نسائهم فتصل إلى ١٠٠٠ سم مكعب أو إلى ٩٣٠ سم (كما يبالغ السير وليام تيرنر) ولكي نقول إن الرجل أو المرأة يفكر أو يستطيع التفكير يلزمه مخ لا يقل عن ٩٥٠ سم مكعبا، ولكن أبحاث الدكتور ديبوا دلت على أن حجم مخ إنسان جاوة لم يتجاوز مقدار ٩٠٠ سم مكعب. برغم أن الأستاذ ج. هـ. ماك جريجوري يرتفع به إلى ٩٤٠ سم مكعبا. وهكذا نرى أن الإنسان المذكور لم يكن ليستطيع التفكير الصحيح كما نراه أو كما نعقله، إلا أنه قد اقترب وسار على عتبة باب الإنسان الحق بتفكيره وقوته العقلية.
وإذا قارنا إنسان جاوة بالغوريلا وجدنا أن حجم مخ الذكر من هذه القردة يبلغ في المتوسط ٥٢٠ سم مكعبا، ولو أنه قد يرتفع إلى ٦٥٠ سم مكعبا أو ينخفض إلى ٤٧٠ سم مكعبا بينما نجده يرتفع إلى ستة أمثاله عن حجم مخ هذه القردة برغم التشابه العظيم بين شكل سقف جمجمة إنسان جاوة وقرد الجيبون.
إلا أن هذا النوع الإنساني وهو إنسان جاوة إذا قورن بالإنسان الأوروبي الحديث وجد بينهما فرق كبير جدا. إذ أن الأخير يزيد في حجم المخ على الأول بما لا يقل عن ٥٦٠ سم مكعبا إذا ما قدرنا للأخير متوسطا قدره ١٥٠٠ سم مكعب.
أما عن حجم مخ إنسان البليوسين فإنه يرتفع كثيرا عن مستوى أكبر أنواع القردة المعروفة، ويصل إلى أسفل درجات الإنسانية، ونصل إلى نفس النتيجة إذا ما قارنا ببين مخ إنسان جاوة والغوريلا، أو مخ امرأة الأبوجيز الأسترالية. وبفحص مخ قرد من القردة لوحظ أن الطبقة الظاهرية منه وهي التي تتصل بالقدرة على السمع والإبصار والحس كاملة التكوين، وأن الطبقة الظاهرية التي تليها وهي التي تتصل بالقدرة على الفهم والتذكر تكاد تكون معدومة التكوين، بينما نجد أنها في إنسان جاوة برغم تناسب أجزائها وأتساعها
стр. 5653
لا تصل إلى تلك التي تعيش على سطح الأرض في عصرنا هذا. ولذلك أمكننا بفضل اكتشاف الدكتور العلامة ديبوا أن نعرف الماهية التفكيرية والمقدرة العقلية التي كان يتمتع بها الجنس الذي عاش في عصر البليوسين.
ونحن لا يمكننا مع ذلك كله أن نقرر ما إذا كانت عندهم القدرة على التخاطب والكلام. إلا أنه قد أمكننا أن نعرف من تلافيف المخ عند الإنسان المعروف بإنسان جاوة مقدار ما كان له من استعداد لذلك، وما قد وجد عنده من عوامل تساعده عليه، ومن المحتمل أنه قد تكلم وتفاهم، ثم عبر عما يجول بخاطره بعبارات صوتية غير منتظمة تعبر عن رغبة أو شعور، ولكنها لم تكن لتعبر عن فهم. ويمكننا أن نقارن بين قدرتهم على الكلام وقدرتهم على صناعة الأدوات والمرافق بما نسمعه من لغات اليوم وما نراه بين أيدينا من مرافق وأدوات كادت أن تبلغ حد الكمال.
ونحن إذا اعتبرنا أن إنسان جاوة بالقوى العقلية التي سبق الكلام عنها وشرحناها في الفقرات السابقة، هو الحد الذي وصل إليه الإنسان في أواخر عصر البليوسين، وأن إنسان البلتدون هو مثل لما قد وصل إليه الإنسان في أوائل عصر البلستوسيين، لوجب علينا أن نعترف أن هناك فترة تقع بين العهدين يمكن أن نطلق عليها فترة التطور العقلي للإنسان القديم. لأننا نعرف أن حجم مخ إنسان البلتدون الذي وصل إلى ١٤٠٠ سم مكعب يتناسب مع حجم مخ الإنسان الحديث، ويقترب به إلى الإنسانية الحق. بينما نجد أن إنسان جاوة بمخه الذي يمكننا أن نقدر حجمه بمقدار ٩٤٠ سم مكعبا ينزل إلى أسفل الدرجات، ولا يصل إلى أحط نوع من الأنواع البشرية المعروفة، وأن تلافيف المخ في إنسان البلتدون، ولو أنها لا تصل إلى ما نراه من تلافيف مخ الأنواع المنحطة من الأنواع الحديثة، إلا أنها تفوق وترتفع كثيرا عن مستواها عند إنسان جاوة.
وإذا كنا قد أوضحنا في مقالاتنا السابقة مدى أهمية فحص العلماء لمخ الإنسان وما كشفه لهم حجمه من حيث تاريخ تطوره، فيجب إلا ننسى أهمية فحصهم لأسنانه وما كشفت عنه الحفريات. فإنه قد لوحظ أن أسنان القرد كانت أسنانا إنسانية لا تختلف في شيء عن أسنان الإنسان الحاضر إلا من حيث كبر الحجم. ولا بد لنا أن نذكر مما قد سبق ذكره، أن إنسان البلتدون قد تمتاز بأنياب حادة مدببة، لا تختلف في شيء عن أنياب القردة، بينما نجد
стр. 5654
أنها تصغر عند إنسان جاوة، وتتناسب مع باقي أسنان الفم كما هو الحال في إنسان هيدلبرج وجميع الأنواع الإنسانية الأخرى. فهل يمكننا القول أن أسنان الإنسان بعد أن تعدل شكلها في عصر البليوسين قد رجعت فزادت حجما في عصر البلستوسين، كي ننكمش بعد ذلك وتناسب باقي نظام أسنان الفم في النهاية؟. . وهذا ستجد له شرحا وافيا في مقال قادم. وفي الوقت نفسه لا يمكننا شرح كل هذه الغرائب إلا إذا اعتبرنا أن الإنسان القرد وإنسان الهوموهيدلبورجينز يمثل كل منها فرعا من أصل الشجرة التي نشأ وتطور منها الإنسان، والتي لم تكتشف من فروعها إلا أغصان قليلة محطمة. . .
يتبع
نعيم علي راغب
دبلوم المعلمين العليا قسم الجغرافيا
стр. 5655
البريد الأدبي
القصة في الأدب الصيني
تناولت مجلة الأخبار الأدبية (نوفيل لترير) في عددها الأخير ذكر كتاب صدر أخيراً في باريس بالفرنسية عن (القصة الصينية) بقلم كاتب صيني هو مسيو (أواتاي). والقصة الصينية حديثة النشأة؛ وكانت القصة حتى عصرنا تعتبر في الأوساط الأدبية الصينية ضربا من العبث؛ وكان التاريخ والشعر والفلسفة وحدها تعتبر خليقة بجهود العلماء وذوي الذوق الحسن. أما كتابة الحوادث والمغامرات الخيالية، فقد كانت تعتبر خفة لا تليق برزانة العلم والأدب، وكانت تترك لصغار الكتاب والمتأدبين. أما اليوم فان الأدب الصيني يقتفي أثر الآداب الغربية في تقدير القصة ويتجه إليها، ويخرج في ميدانها أثاراً شائقة جديرة بالاهتمام.
على أن ما أخرج الأدب الصيني في ميدان القصة في القرن الماضي ليس مما يخلق إغفاله والحط من شأنه. صحيح انه لم يصل في السعة والتنوع إلى ما وصل إليه القصص الغربي، ولكنا نستطيع أن نحصى منه مع ذلك كثيراً من الآثار الشائقة الجميلة. وقد ظهرت بعض هذه الآثار في أوربا مترجمة إلى الألمانية والفرنسية والإنكليزية، فاستطاع العالم الغربي أن يقف على صفوة الأدب القصصي الصيني. . .
ويقول مسيو (أواتاي) في مقدمته إن القصة الصينية ترجع في أصلها إلى الحكايات والأساطير الدينية. ففي العصور الغابرة كان الشعب يشهد ظواهر الطبيعة الخارقة فلا يستطيع أن يدرك كنها ويعتقد أنها فوق مقدرة البشر، ثم يحاول أن يفسرها ويفهمها في شروح وأقوال غدت أصل الأساطير الصينية، ومن ثم تجيء أهمية عنصر السحر في القصة الصينية. وقصص السحر هي اقدم واغرب ما في الأدب الصيني من عنصر القصص، ثم تجيء بعد ذلك القصة التاريخية أو التي تقوم على بعض حوادث التاريخ، ثم القصة العاطفية، ثم القصص الإباحى؛ وقد كان هذا النوع مما يطارد ويحرق، ولكن نجا منه الكثير.
ومن أحب القصص إلى الذوق الصيني، ذلك الذي يعالج (المعرفة) وتعرض فيه المعلومات والمعارف الغربية، في صور قوية واضحة من البيان والعبارات الرشيقة. وللقصص
стр. 5656
الساخرة مكانة أيضاً، ولكن معظمها سياسي، ويرمي إلى بث دعوة معينة. أما قصص المغامرات الشائقة والحب والبطولة فقد ظهرت حديثاً ولم تتقدم إلا في القرن التاسع عشر؛ ومنها آثار خطيرة فياضة بالمخاطرات والعجائب.
وقد كان هذا التراث كله مغموراً حتى هذا العصر، ولكن الجيل الفتى يقبل عليه اليوم ويستكشفه، ويتذوق ما فيه من كنوز الطرافة والخيال والجمال. بل لقد أنشئت في الجامعات الصينية دراسات للقصص القديم، وهو ما لم يكن يتصور منذ خمسين عاماً.
أزمة الأدب
يظهر أن أزمة القراءة والكتب أخذت تشغل الأذهان في جميع الأمم المتمدنة؛ فقد ضعفت حركة القراءة وركدت ريح الأدب والكتب في الأعوام الأخيرة بدرجة محسوسة. وكان للراديو والسينما أثر كبير في ذلك التطور. وقد رأت الحكومة الإيطالية أن تعالج هذه الأزمة بالدعوى إلى القراءة عن طريق الراديو وإثارة الاهتمام بالآداب الإيطالية القديمة. ونشرت إحدى الصحف الأدبية الفرنسية فصلاً في ذلك الموضوع نوهت فيه بانحلال الذوق الأدبي، وانشغال الهيئات العلمية والأدبية بتنظيم الحفلات وتوزيع الجوائز، وإغفال الحكومة لكل ما يذكى شغف القراءة ويصقل الذوق الأدبي، حتى إنها لم تفكر يوماً في أن تنشى (وزارة للآداب) تقوم بالإشراف على الحركة العقلية، مع أنها تقوم بالإشراف على إدارة الشرطة وإدارة الجمارك. وتخلى الحكومة عن هذه المهمة يحول دون القيام بأي حركة منظمة لتوجيه الحركة الأدبية، وإحياء الذوق الأدبي بعد أن تولاه الذبول والضعف. ويرى الكاتب أن تنظيم المكتبة من أنجع الوسائل لمعالجة هذا المشكل، ويقترح ان تعنى إدارة معرض باريس الكبير الذي سيقام في سنة ١٩٣٧، بإنشاء مكتبة نموذجية يكون فيها من الطرافة وحسن الابتكار والتنسيق ما يذكى شغف القراءة ويبعث إلى الذوق الأدبي حياة جديدة.
حرارة الأزهار
نذكر أن العلامة الهندي جاجاديس بوز صاحب نظرية (حس النبات) زار القاهرة منذ بضعة أعوام، وعرض تجاربه العلمية النباتية على جمهرة العلماء والمثقفين؛ ورأى النظارة
стр. 5657
الذين شهدوا تجاربه كيف يرتجف النبات ويتأثر بمختلف العوامل، والآن يتقدم العلامة الفرنسي، بلار نجم، الذي قضى حياته في دراسة خواص النبات إلى أكاديمية العلوم الفرنسية بنتيجة مباحثه عن (حرارة الأزهار).
ويرى العلامة بلارنجم ان الأزهار كالإنسان والحيوان، يمكن ان تصاب بالحمى، وان حرارتها تختلف باختلاف درجة نموها وباختلاف الوقت. فمثلا يبدي معظم الأزهار حرارة اعلى من حرارة محيطها ببضع درجات، وتبلغ بعض الأزهار أقصى درجة حرارتها بين الساعة العاشرة والظهر. ولبعض الأزهار مثل النرجس واليقطين والهندباء أوقات تصاب فيها بالحمى، ويلاحظ مسيو بلارنجم أيضاً، أن الأزهار المذكورة في النباتات المزدوجة، أي التي تحمل أزهارها المذكرة وأزهارها المؤنثة كل على أعواد مختلفة، وفي النباتات الفردة، أي التي تحمل أزهارها مختلطة على نفس العود اكثر حرارة من الأزهار المؤنثة في نفس الشجرة. وهنالك أيضاً تختلف درجة الحرارة فيها باختلاف مواضعها؛ وغير ذلك من المشاهدات والحقائق المدهشة.
فلوبير والمسرح
لما وضع القصصي الفرنسي الكبير فلوبير قصته الشهيرة (مدام بوفاري) فكر أحد كتاب المسرح في اقتباسها وتقديمها للتمثيل، ونفذ فكرته بالفعل، وقدم الرواية إلى المسرح، وأرسل إلى فلوبير يستأذنه، فأبى بشدة أن يأذن له، وكان فلوبير قد عاف المسرح وحقد عليه، مذ فشلت قصته (الطالب) حين مثلت لأول مرة. واستمر فلوبير يعارض كل اقتراح بتمثيل (مدام بوفاري) حتى وفاته.
ولكن حدث بعد وفاته، أن ابنة أخيه ووارثته مدام جرول صرحت لأحد كتاب المسرح باقتباس بعض المناظر من مدام بوفاري لكي تمثل على المسرح، وكان ذلك سنة ١٩٠٦. ولكن القطعة لم تشتهر يومئذ، ولم تلق نجاحا يلفت الأنظار.
ومنذ أشهر قلائل عادت (مدام بوفاري) تلفت أقطاب السينما، وانتهى الأمر باقتباسها للشاشة البيضاء، وتلحينها للسينما الناطقة. ولن تمضي اشهر أخرى حتى يستطيع المعجبون بأدب فلوبير يشهدوا اعظم قصصه، وقد أخرجت في ثوب مسرحي بعد كتابتها نحو تسعين عاماً.
ويقال أيضاً إن قصة فلوبير التاريخية (سلامبو) ستظهر قريباً على المسرح السينمائي، وان
стр. 5658
العمل يجري بالفعل لإخراجها في وقت قريب.
أمير شرقي شاعر
في البريد الإنجليزى الأخير إن صاحب السمو نظام حيدر آباد عميد الأمراء المستقلين في الهند، واعظم رجالات المسلمين فيها ينظم الشعر ويجيده. وعما قريب يصدر في الهند الجزء الأول من ديوان سموه، وفيه قصيدة مطولة في مولد المسيح.
المستشرق شخت
وصل إلى القاهرة الأستاذ شخت ليشغل كرسي أستاذ فقه اللغة واللغات السامية بكلية الآداب بالجامعة المصرية خلفا للأستاذ شادة الذي انتهى عقدة وعاد إلى جامعة همبرج.
والأستاذ شخت أحد تلاميذ المستشرق الكبير المرحوم برجستراسر وقد درس اللغة العربية بجامعة برسلاو وعين مدرساً في جامعة فريبرج فاستاذاً بجامعة كونسبرج، ثم وقع اختيار الجامعة المصرية عليه ليشغل كرسي اللغات السامية.
وقد طاف الأستاذ شخت بلاد الشرق في طلب المخطوطات المجهولة فتمكن من العثور على عشرات الكتب في تاريخ العلوم الإسلامية ونشرها بعد أن ترجم بعضها إلى اللغة الألمانية منها:
١ - رسالته في كتاب الحيل والمخارج للخصاف وقد حصل بها على دكتوراه من جامعة برسلاو في عام ١٩٢٥.
٢ - ترجمة وشرح كتاب الحيل في الفقه للقزويني والمقارنة بينه وبين الحيل الحنفية.
٣ - المخارج للأمام محمد بن الحسن الحنفي.
٤ - كتاب الشروط للطحاوي.
٥ - كتاب جالينوس في الأسماء الطبية وقد اشترك مع الدكتور ماكس مايرهوف في ترجمته وشرحه وتقديمه.
٦ - كتاب بالألمانية عنوانه: مجموعة متون إسلامية. وفي هذا الكتاب جمع كثيراً من تاريخ العلوم الإسلامية. مبتدئاً بالأحاديث النبوية ومنتهيا برسالة التوحيد للشيخ محمد عبدة.
٧ - كتاب ملتقى الأبحر للشيخ إبراهيم الحلبي، وقد كان أصل هذا الكتاب عند المستشرق
стр. 5659
المرحوم برجستراسر ولم يتم شرحه وتقديمه.
٨ - أخبار القضاة لوقع.
جورج دوهامل مرشح الأكاديمية
منذ أشهر خلا بالأكاديمية الفرنسية كرسي بوفاة صاحبه المسيو كاميل جوليان المؤرخ الكبير. وقد تقدم للحلول في كرسيه عدة من مشاهير العلماء مثل الأستاذ شارليتي مدير جامعة باريس، ومسيو ركولي المؤرخ، ومسيو ليون بيرار الكاتب الشهير، ولكن أحداً منهم لم يظفر بالعدد اللازم من الاصوات. وسيعاد الانتخاب مرة أخرى. وفي هذه المرة يطرح مع المتنافسين اسم جورج دوهامل الكاتب والروائي الشهير، وقد رشح نفسه للكرسي الخالي بصفة رسمية. وجورج دوهامل طبيب سابق حمله تيار الأدب وصرفه عن المهنة؛ واشتهر برقة خياله وسحر أسلوبه وبراعة نقده. ويمتاز أسلوبه بالأخص بنزعة إنسانية مؤثرة، وعطف عميق على المنكوبين في الحياة. وتدور معظم نظرياته وفلسفته حول الدفاع عن الإنسان، ورفعة الفرد والأخلاق.
بنت مدام كوري تتابع أعمال أمها
- قالت (البتي جورنال) أن ابنة مدام كوري مكتشفة الراديوم وزوجها سيذيعان قريباً الطريقة المطلوبة منذ عهد طويل لإيجاد الراديوم الاصطناعي.
وسيعلنان هذه الطريقة لمؤتمر من العلماء في لندن وكمبريدج بين اليوم الأول واليوم السادس من شهر أكتوبر.
أسبانيا ترشح شاعرا لجائزة نوبل
اقترحت جامعة سلامنكا الأسبانية على الحكومة ترشيح العالم الشاعر ميجل دي أونا مونو لجائزة نوبل للآداب في العام الحاضر. فقبلت الحكومة اقتراحها.
стр. 5660
النقد
أصدقائي الشعراء!
بقلم معاوية محمد نور
ظهرت في الشهور الأخيرة عدة دواوين شعرية، فأثارت كثيراً من اللغط في الصحف، وكثرت عنها الكتابة الرديئة والحسنة، وشاع الحديث بمناسبتها عن الشعر والأدب.
ولقد كان في نيتى إلا أتعرض لهذه الدواوين بخير أو شر، لأن نفوس الأدباء بمصر تضيق ذرعاً بالملاحظة والنقد، ولا تتسع الصدور لكلمة الحق، ويقل التسامح، وتغلق أبواب النظر وسعة الفكر ورحابة العطف الفكري. ولأن معظم من يكتب أو ينظم الشعر يعتقد أن الأدب نوع من الملكية الفردية يسوء صاحبها إلا تقول كلمة الإطراء عن بضاعته.
غير أن الحديث قد تشعب في الآونة الأخيرة في الصحف والمجلات الأدبية عن هذه الدواوين. ويسوء الناقد المخلص أن يرى أن معظم ما كتب في هذا الموضوع لا يوجه القارئ الراغب في الفهم، ولا يصلح الأذواق الأدبية ويوجهها وجه الصدق وطريق الصلاح الأدبي.
وسبب آخر كان ينأى بها عن الكتابة في هذا الموضوع، وهو إن صاحب (وراء الغمام) صديق عزيز علينا، اهدى إلينا ديوانه ليلة ظهوره، وكذلك فعل صاحب (الملاح التائه). وهما ولا شك ينتظران المديح والثناء من صديق يجلس معهما ويأنس صحبتهما. غير أن الموضوع في رأينا قد تعدى أخيراً هذين الأدبيين إلى ما هو اخطر وابعد شأناً؛ تعداه إلى الحديث عن طبيعة الشعر والكتابة، وان الأقلام قد خطرت في هذا الطريق بكلام نعد معظمه خطرا على الحركة الأدبية في مصر، وفهم الفنون الأدبية على الوجه الذي يفهم منها في الجيل الحاضر.
ولهذا رغبها في كتابة هذه الكلمة لا لنمدح أو نذم، ولكن لندلي برأي في الشعر كما نقرؤه ونفهمه، وكما ننتظر من الكتاب والقراء أن يقرأوه ويفهموه.
وأول ما يلاحظ على هاتين المجموعتين أن ديوان (وراء الغمام) يكاد ينحصر في الحب ومطالبه، وأن موضوعات (الملاح التائه) تكاد تنحصر في النظم عن مظاهر الطبيعة الكبرى كالبحر والليل، وان أكثر أخيلته وألفاظه هي عن النسائم والأمواج والشواطئ
стр. 5661
العامرة أو المهجورة، وما إليها من (الشعريات) التي تواضع العرف الدارج على أنها (الطبيعة). فأولهما إذن يمكن تسميته (بشاعر الحب) والثاني (بشاعر الطبيعة). فكيف يفهم صحابنا الأول الحب، وكيف يعي الثاني الطبيعة، والى أي شيء منها يلتفت ذهنه؟
والمفروض بالبداهة أن مثل هذا الشعر يكتب ليقرأه الرجل المصري أو العربي المثقف، الملم بشيء من حضارة هذا العصر وثقافته، الشاعر (بوعي) هذا الزمن الذي يعيش فيه، والذي تشغله مناظر وآراء ومسائل تثير شكوكه أو تبعثه على التفكير والتأمل والإنتاج الفني.
فلنتكلم عن الحب كموضوع شعري يتناوله أي شاعر عصري، يود أن يقرأه أي مخلوق حي شاعر في القرن العشرين، فليس ثمة شك في أن الحب كحاجة (فسيولوجية) هو كحاجة أي مخلوق حي إلى الأكل والنوم. وهو مظهر عادي تشترك جميع الإحياء فيه (ويمكن ان يقال ان النبات والجماد يعرفان الحب أيضاً والسلب والإيجاب من قوانين الكون بأجمعه) فلم يختص إذن بنظم الشعر والنشيد والأغاني؟
فإذا حدثني صديق أو عشير بأنه يحب امرأة بذاتها، وانه لا يطيق الابتعاد عنها، وأنها تثير لواعج أشجانه وأمراض نفسه، فقد يسمع مثل هذا الحديث ويحمل حينما أجلس إلى أي صديق هادئ فيحدثني عن متاعبه، وما يسمن من الآكال وما يستهجن، وعما يحب أو يكره من ألوان الثياب، ولكني لا أطيق كقارئ حي أن استمع إلى شعر لا يتعدى نفسه نغمة مثل ذكر هذه الأشياء الأولية، وإلا لكان كل فرد منا شاعراً، لان لكل فرد حاجاته وأذواقه وشؤونه التي تتعلق بالحب والآكل والنوم والمجيء والذهاب. فإنما هذه (أبجدية) كل إنسان.
أصدقائي!. . . إن هذا (الشيء) الذي نسميه شعرا والذي نود أن نقرأه نحن الأحياء العارفين لعالم الحبر والورق، هو خلاف (كلام الحسن) عن الأشياء العادية. إنه يتطلب وجود شاعر يأكل كبقية الناس ولا شك، ويحب مثلهم، ولكن نظره وأحاسيسه والتفاتات ذهنه وقفزات وعيه نحو هذه الأشياء العادية (غير عادي)؛ وهو شيء آخر خلاف ما يحس عامة الناس ويقفون عنده. ومن هنا كانت قيمة الشاعر الحق. أي انه (ولو أنني لا أود استعمال الكلمة ولكنها كبيرة الدلالة) فيلسوف. فالحب يصبح موضوعاً جديراً بالشعر كما
стр. 5662
تصبح أية حاجة إنسانية أخرى حينما يكشف لنا الشاعر معنى ونغماً وراء مظاهره المعروفة ومصاحباته العادية. وربما لا يقع من نفس القارئ هذا النغم وذلك المعنى، وقد يبدو سخيفا أو غير صادق، فالأمزجة تختلف، والثقافات تتباين وتفترق، ولكنه لا يخطئ في أن يبده أي قارئ محس بأن هنا شيئا جديراً بالالتفات والعناية.
أما الشاعر الذي يبدي ويعيد في الحديث عن ملذاته وآلامه وحسراته التي يثيرها شخص المحبوب أو ذكراه فحسب، (مهما اختلفت القافية وتعدد الإيقاع) لا يعد ان يكون إنسانا لم تتسع أنانيته إلى أكثر من حاجته البسيطة المتعارفة، وهو يشبه العليل الذي اكتشف لذة الخبر لأول مرة، أو الرجل الصحيح الذي حيل بينه وبين النوم، فيفرح الأول حينما يتناول وجبة فاخرة، ويتألم الثاني لذلك النوم الهنىء الذي طلقه الآن، وهذه ولا شك أشياء إنسانية عادية لا غبار عليها ولا نقد فيها، ولكن ليس فيها ما يبرر وضعها فناً يسترعي اهتمام القارئ الصحيح، وربما يصلح مثل هذا الشعر ويجمل عند أناس هم دون طبقة هذا (الكوكب الجديد) الذي اكتشف (قارة الأكل) أو (قارة المرأة) وثم وقف يسبح بحمدها.
والدكتور ناجي بعد كل هذا قد قرأ بعض قصائد (لورنس) (وت. س. ايليوث) واضربهما من الشعراء المحدثين والقدماء عن الحب، أولئك الشعراء الذين نراهم جاهدين يفتشون عن الله، ويبحثون في الجنس ونشوة العفاف الروحي، ثم يعود كل منهما (وحقيبة وعيه) ملأى بالأحاسيس المختلفة، والأفكار المريرة أو العذبة، ملاى بالثعأبين التي تبرق كاللؤلؤ، وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقاً للأجسام والأرواح، وبالذهول الذي تعقبه اشد فترات الحرب تمزيقاً للأجسام والأرواح، وبالذهول الذي يسموه إلى طبقات السماء، وبالسخر الذي (يرى القمر في أمسية حب أشبه ببالون يلعب به صغار الأطفال)، ثم يذكر أن المساء ينام كرجل عليل ينتظر مبضع الجراح، وبالاختصار (بمعنى) أو (لا معنى) عظيم أو (بتيار وعي) ربما يرى في أنامل الحبيب أقطاراً متسعة ولو أنها بادية التناقض، أو بأحاسيس متناقضة بعيدة، حالكة الظلمة، أو شديدة الوهج.
ونحن لا نريد من هذا الحديث أن يقلد أي أديب أحاسيس غريبة عن نفسه بعيدة عن مطارح فكره، ولكن كقراء مخلصين نطلب منه إذا لم يكن لديه ما يؤلم ويحير، ويسعد ويشقي الشاعر والمفكر والقارئ المعاصر، أن يريحنا ولا يكلف نفسه هذا الجهد. ففي
стр. 5663
الحياة من التفاهات اليومية، وفي اطراد هذه الحاجات التي نشعر بها في صباحنا ومسائنا ما يجعلها عسيرة الاحتمال، ويضاعف مشقة العيش، فليس بنا ثمة حاجة إلى أن نقرأها في عالم الحبر والورق.
والشاعر العصري - سواء في مصر أو في الصين - الذي لا تثيره تيارات الفكر المعاصر، واكتشافاته ومتاعبه، والذي ليس له وجدان يتغير ويتفاعل بما يسمع ويقرأ ويفكر ويشاهد من عيوب نظام حياتنا الحاضرة، أو نشوز في أنغام فكرنا المعاصر، أو ألوان تسترعي الاهتمام في نسيح الثوب الذي يلفنا، أو فراغ في إنسان بادي الامتلاء، أو أغنية في زاوية من زوايا بيتنا المعنوي، ليس له، بل لنا الحق في إلا نعده في عدد الشعراء المخلصين.
والظاهر أن شعراءنا يعيشون في أجسام محدودة الفكر والإحساس بحدود جسدها وغرفتها التي تسكن، وأن الأشياء منه أو هو لم يعرفها قط. إن نظرة واحدة حيث يتقاطع شارع عماد الدين بشارع فؤاد الأول مثلاً في أي مساء لحرية بأن تبعث في الفنان أحاسيس وأفكاراً تصلح لأن تكون قصيدة جيدة إذا كان له من الشعر نصيب.
والذي يبدو لي من قراءة هؤلاء الشعراء والحديث معهم أيضاً ان ليس في حياتهم الفكرية والشعورية أي شيء يشبه الصحاري العارية الجرداء، أو الظلمات الحالكة، أو البريق الخاطف، أو الحيرة الشاعرة، أو أي اشتغال جدي بناحية من نواحي حياتنا الراهنة، وان الشكوك والمذاهب والقيم الفكرية التي تحرك الفنان العصري في أوروبا إلى الثورة حيناً، والى السام حيناً آخر. أو إلى أي فلسفة أو (عدم فلسفة) يكتشفها الفنان المرهف الإحساس، الواسع العطف، القدير الفهم، وراء مظاهر الحياة اليومية من عمل ونوم، وأكل وحب، ومال وجنس، ما يجعله يقف وقفة قصيرة أو طويلة يحاسب نفسه ويحاسب العالم باجمعه، أو يجرؤ على حوار مع الطبيعة أو الأحياء أو ما رواءها، لم تدن منه أو هو لم يعرفها أبداً.
ليس الشعر أيها الأصدقاء بالمادة الكاملة الصنع التي يمكن أن نشتريها جميعاً من الحانوت. أو يمكن صنعها كما تصنع الثياب على هذا الطراز أو ذاك. إنما الشعر هو (تجربة حية) يحسها شخص حي، ويبصرها وجدان نير، وهي تجربة فردة لم تحصل ولم تر إلا كما
стр. 5664
حصلت وكما رآها ذلك الشخص الحي، ثم يحاول نقلها وإيصالها عن طريق الكلم والإيقاع - عل قدر مهارته - إلى أمثاله من الأحياء الشاعرين.
وشعر صديقنا ناجي ما زال نغماً واحداً بسيطاً لا يتعدى - بعد زخرفة النظم - إحساس رجل عادي حينما يرى وجهاً مشرقاً، أو جسماً جميلاً أو عملاً عظيماً. فيقف مشدوهاً ويقول: (ما احلى ذلك الوجه، وأي ألم أحس به لحرماني من ذلك الشكل البديع) إلى آخر الأحاسيس التي تحسها أي مادة تحس، وإنها لتبدو لي في بداءتها وطفولتها بما يسمى (رد الفعل) وليصدقني القارئ أن هذا هو كل ما يخرج به الإنسان من شعر ناجي بعد تجريده من صناعة (الكلم) ورنين القافية. أما الرنين (والكلام العالي) كما يسمونه، فقد افضل ان اسمع الأول من (الجازبند) والثاني من الخطابة، ولا اهرع للشعر لا سمع شيئاً من ذلك!
بقية المقال في العدد القادم
стр. 5665
الكتب
ابن سعود سياسته. حروبه. مطامعه
بقلم مصطفى الحفناوي
كتاب كبير يقع في نحو مائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير، افتتحه مؤلفه بمقدمة بليغة عن بلاد العرب منذ عصورها القديمة حتى ظهور جلالة الملك عبد العزيز بن سعود، ثم تكلم عن والد الملك وعن البيئة التي نشأ فيها، واخذ يسرد بعد ذلك تاريخ ابن سعود، فشرح كيف استولى على الرياض، ثم كيف اصبح أمير نجد وأما الوهابيين، وتكلم عن حالة بلاد العرب، وظروفها قبيل الحرب العظمى، وموقف الإنكليز منها، وموقف الملك حسين من هذه الظروف وما لعبه من الأدوار، إلى أن أرانا ابن سعود مل الحجاز ونجد، ثم صوره لنا بطل بلاد العرب، وأخيراً اخذ يشرح لنا إصلاحاته ومقاصده إلى أن اختتم الكتاب بملحق عن الحرب الأخيرة بين الحجاز واليمن، وما آل إليها أمرها.
فأنت ترى أن الكتاب حافل بالمعلومات التي يتوق إليها من يميل إلى معرفة سيرة ابن سعود وبلاد العرب، والحقيقة أن حاجة مصر إلى هذه المعرفة حاجة شديدة، ولذلك كان اغتباطي بهذا الكتاب عظيما، ولقد وضع صاحب السعادة محمد علي علوية باشا مقدمة قيمة له، تحدث فيها عما شاهده في بلاد العرب أثناء سفره في مؤتمر الصلح، وإني أشاطر الباشا رأيه إذ يدعو مصر (أن يكون لها هناك صوت مسموع ومشورة نافذة، وان تتبوأ المركز الذي وضعتها فيه العناية الإلهية في الأقطار الشرقية، وفي مقدمتها مملكة العرب).
ولقد قرأت هذا الكتاب القيم النافع، فبرزت لي فيه بعض مظاهر، رأيت مع احترامي لآراء مؤلفه الفاضل، وتقديري لمجهوده أن أشير إليها أشارة وجيزة.
الكتاب شيق جذاب، لن تضعه حتى تتمه، ومن حسناته البارزة كثرة ما احتوى عليه من المعلومات، مضافا إلى ذلك حسن ترتيبها ومهارة سياقها، غير إنني آخذ على المؤلف موقفه في الغالب موقف من يكتفي بسرد الحوادث، ولعل هذا يفسر لي ما أشار إليه المؤلف في نزاهة وصراحة على غلاف الكتاب من أنه عن (وليمز وآرمستنج بتصرف) فان إعجابه بابن سعود أولاً، وبما كتبه هذان المؤلفان ثانياً، قد حفزه إلى وضع كتابه، فحماسته فيه ظاهرة، وتحيزه إلى الملك واضح، لذلك اكتفى كما ذكرت بسرد الحوادث، ولم أجده برغم
стр. 5666
استعداده وما يتجلى في عباراته من آثار ذكائه، يعلق عليها معللاً استحسانه إذا استحسن، أو استنكاره إذا استنكر، وأظن ذلك أمراً جوهرياً في صدد الكتابة عن بطل من الأبطال، فالمؤرخ في مثل هذه الحالة مطالب بان يشرح الحوادث شرحا علمياً، مفنداً اوجه الصواب أو الخطأ مع ذكر الأدلة العلمية والأمثلة التاريخية كلما أمكن ذلك، وبهذا تظهر شخصيته، ويصبح لكتابه إلى جانب ما يحوي من معلومات قيمته العلمية. كذلك ليسمح لي الأستاذ أن أعيب عليه هذا التحيز لابن سعود، فهو لا يرى في إلا بطلاً، فان إعانته الظروف ارجع الفضل إليه، أو اكتفى بقوله انه نصر من عند الله، وان اخطأ استخدام الظروف، أشاد بعبقريته ونفوذه. ومما لاحظته بنوع خاص ان المؤلف يحمل على الإنجليز حملات مباشرة مشيراً إلى أطماعهم ومظالمهم في عبارات سطحية أشبه بمقالات الجرائد، وكان خيراً له فيما اعتقد واجدى عليه، ان يوضح أطماعهم، ويترك للقارئ التعليق عليها، فالأبحاث العلمية يجب ان تطبع بطابع الهدوء والرزانة، ولن يعدم المؤلف القدير أن ينال من أعدائه بهدوئه ومهارته أضعاف ما يناله بحدته وضجيج عبارته.
على إن هذه المآخذ لن تغير من جوهر الكتاب، ولن تقلل من نجاح المؤلف النابه فيما قصد إليه، ولئن قدرت كتابه بما ترك في نفسي من أثر، فضلا عما احتوى عليه من شتى المعلومات، فأني اشهد أني استمتعت بقراءته واستفدت منه كثيراً، وإنى أدعو كل أديب إلى قراءته موقناً أني ادله على اثر نافع طريف.
الخفيف
стр. 5667
أصول التدريس الحديث
عن كتاب (التربية الممارسة) لشاريه
تعريف واقتباس سامي الدهان
يبحث هذا الكتاب في طريقة تدريس المواد المختلفة، وهو مطبوع طبعة جيدة في مطبعة الجدي بحلب، على ورق جيد، ويقع في نيف ومائتي صفحة من القطع المتوسط. تعرض مؤلفه لطرق تدريس الأخلاق، والقراءة، والخط، واللغة، والإملاء، والمحادثة، والإنشاء، والتاريخ، والجغرافيا، والتدبير المنزلي، وانك لا تكاد تقلب صفحاته حتى تشعر بمتانته ودقته، وتحس بما لمؤلفه من خبرة ومران وسعة اطلاع، ودقة بحث.
خذ لذلك مثلا: أصول تدريس الخط، فترى المؤلف قد ألم بجميع نواحي الموضوع، فهو يتكلم عن درس الخط وفائدته، ثم يتكلم عن الخط والصحة مشيراً إلى مساوئ الجلسة المعوجة، ومحاسن الجلسة المستقيمة، ثم يذكر كيفية تدريسه، والى فائدة النماذج الخطية. . . الخ.
من ذلك ترى مقدار اهتمامه بموضوعه. ولقد أعجبني بنوع خاص ما ذكره عن تدريس التاريخ فتساءل أولاً عن فائدة هذه المادة، ثم بين فوائدها الوطنية والاجتماعية والخلقية، وشرح أهمية التاريخ من وجهة الثقافة العقلية، وبين مقدار ما يجب أن يوزع منه في المناهج بحسب الفصول الدراسية، وأخيراً ذكر طريقتي تدرسيه. ولقد تبينت في بحثه الروح الفنية العلمية، التي تميز الراسخين في العلم من سواهم، لذلك اقرر أن الأديب الفاضل سامي الدهان قد احسن إلى اللغة العربية والناطقين بها بنقل هذا الكتاب إليها، واعتقد أن المدرسين سيجدون فيها فائدة عظيمة، فإنى وأن كنت اعتقد إن الطرق الخاصة بتدريس المواد تختلف في مملكة عنها في أخرى، بل وفي مدرسة عنها في مدرسة، فضلاً عما يطرأ من الظروف المحلية والمؤقتة، مما يجعل التمسك بطريقة خاصة أمراً مستحيلاً، أقول إني على الرغم من هذا اعتقد ان القواعد لابد منها، والمدرس الكفء جدير بان يستأنس بها وان يكيف ظروف على ضوئها، ولهذا احمد للمعرب مجهوده، واثنى على مقدرته في التعريب، ولا شك أنها نتيجة لصحة فهمه ما عرب وصدق ميله إليه.
الخفيف
стр. 5668
العدد ٦٨ - بتاريخ: ٢٢ - ١٠ - ١٩٣٤
стр. 5669
في سبيل التحرير الاقتصادي
موسم السياحة
أقبل موسم السياحة. ولمصر موسم للسياحة مشهور في جميع أنحاء العالم، لا لأنها أغنى بقاع الأرض من الناحية الأثرية فقط، ولكن لأنها تتمتع أيضاً في الشتاء بجو بديع وطبيعة ساحرة. وفي جميع الأمم التي تشتهر بتراثها الأثري أو جمالها الطبيعي، يوجد موسم أو مواسم للسياحة؛ وتنظم هذه المواسم بحيث تغدو موارد ينتفع بها أهل القطر من الناحية المادية؛ بل توجد أمم وبقاع تعيش على السياحة كسويسرا مثلاً وبلاد التيرول، وساحل الريفييرا والبندقية وغيرها. وتعتبر السياحة في مصر أيضاً مورداً له قيمته وأهميته، وتبذل الحكومة لترويجه كثيراً من المال ومن وسائل الدعاية؛ ولكن هل استطاعت مصر أن تنظم موسم سياحتها على نحو يكفل مصالحها ومصالح أبنائها الذين يتصلون به كما تفعل جميع الأمم؟ وهل تجني مصر ويجني المصريون منه ما يحق لهم أن يجتنوه من المزايا المادية والمعنوية؟ الجواب معروف، وهو أن مغانم موسم السياحة المصري مازالت نهباً للأجانب، يستغلونها باسم مصر والمصريين، ولكن دون مصر والمصريين؛ وما تفيده الحكومة من أجور السكك الحديدية وتذاكر الآثار، وما يفيده بعض المصريين المتصلين بالموسم لا يعد شيئاً بالنسبة لما تحققه الفنادق ووكالات السياحة الأجنبية من الأرباح الوفيرة.
هذه حقيقة لا ريب فيها، ولكن هناك حقيقة أخرى هي أن تبعة هذه النتيجة المؤلمة تقع على عاتق مصر حكومة وشعباً. فالحكومة لم تفعل حتى اليوم شيئاً جدياً لتنظيم موسم السياحة على نحو تراعي فيه المصالح المصرية، ويوضع فيه حد معقول للاستغلال الأجنبي؛ والمصريون من جانبهم لا يفكرون في العمل على استثمار هذا الموسم الذي تهيئه لبلادهم مزاياها الأثرية والطبيعية. فمن المعروف مثلاً أن الفنادق تستأثر بأهم موارد الموسم، وأن هذه الفنادق كلها أجنبية؛ ولكن هل فكرنا نحن في إنشاء فنادق يستطيع أن يؤمها السياح؟ إن إنشاء الفنادق صناعة لها قيمتها وأهميتها ولاسيما في مراكز السياحة المشهورة؛ ففي سويسرا مثلاً تعتبر صناعة الفنادق من أهم الموارد القومية، وقد عرف الأجانب في مصر هذه الحقيقة بإنشاء الفنادق واحتكروا صناعتها، ولكن المعروف أنهم
стр. 5670
يذهبون في استغلالها إلى حدود مرهقة، حتى إن كثيراً من السياح الذين يفدون على مصر يضجون بالشكوى من غلاء الأجور والأثمان التي تفرض عليهم. وهذا بلا ريب عيب في موسم السياحة المصري له أثره السيئ في سير الموسم، وهو بلا ريب يصرف الكثيرين من متوسطي الحال عن القدوم إلى مصر والتمتع بآثارها وشتائها.
ونذكر أن الحكومة قدرت خطر هذه المسألة منذ أعوام وفكرت فعلاً في إنشاء فندق كبير فخم يقتضي من السياح أجوراً معتدلة، ولكن الفكرة ماتت في مهدها ككل فكرة يخشى منها على المصالح الأجنبية في مصر. وإذاً فليس لنا إلا أن نعتمد على الجهود الخاصة في غزو هذه الصناعة التي يحتكرها الأجانب في بلادنا، ويجنون منها الثروات الطائلة، وهي صناعة لا تقتضي فنوناً أو مواهب خارقة، ولا تقتضي سوى الإقدام وموهبة التنظيم وحسن الذوق؛ وهي ليست أجل خطراً من الشئون المالية الدقيقة التي استطعنا أن نغزوها وأن نبرع فيها على يد بنك مصر وشركاته القوية الميمونة. ولقد أتيح لهذه المؤسسة القومية العتيدة أن تبدأ بالفعل بغزو ميدان له صلة وثيقة بالسياحة وموسمها؛ فقد أنشأت شركة للمواصلات الجوية وأسطولاً جوياً يقوم اليوم بنصيبه في الموصلات المحلية؛ وأنشأت شركة للملاحة لها اليوم أسطول بحري لا يزال في مستهل حياته، ولكن يشق اليوم عباب البحر الأبيض، ويربط مصر بالقارة الأوربية؛ وإذا كنا ننبه اليوم على تقصيرنا في العمل على استثمار موسم سياحتنا والأخذ بنصيبنا في صناعة الفنادق المحلية، فإنما نتجه في تلافي هذا التقصير بادئ بدء إلى بنك مصر أيضاً، وإلى تلك العصبة الميمونة من زعمائنا الاقتصاديين الذين أتوا في الميدان الاقتصادي بالعجائب، فهم أحق الناس بأن يتولوا الزعامة في هذه الناحية أيضاً، فينشئوا لنا شركة مصرية حقيقية تقوم بإنشاء بضعة فنادق فخمة تشترك في استثمار موسم السياحة لحساب المصالح المصرية، وتفتح بذلك باب هذه الصناعة واسعاً أمام المصريين، فيقتدون بها في الإقدام والعمل؛ ولا ريب إن صناعة فنادق مصرية إذا أقيمت على أسس مستنيرة تلقى نصيبها الأوفر من النجاح، نظراً لقناعتها واعتدالها.
هذا وفي وسع المصريين أن يحققوا بغزو هذه الصناعة، فضلاً عن الأرباح المادية لبلادهم، مزايا أدبية جليلة عن طريق الاتصال بموسم السياحة؛ فالسياح من مختلف الأمم،
стр. 5671
لا يتصلون عند مقدمهم إلى هذه البلاد بكثير من المصريين المستنيرين، إذ يتلقفهم الأجانب والفنادق الأجنبية، ويأخذون معظم معلوماتهم عن مصر من الأجانب؛ وليست هذه المعلومات دائماً دقيقة ولا نزيهة. فإذا أتيح للمصريين أن يتصلوا بطبقات السياح عن غزو ميدان السياحة، فإنهم يستطيعون أن يقدموا لضيوفهم عن بلادهم كل المعلومات المطلوبة، وأن يذيعوا بذلك مآثرها ومحاسنها بين السياح من مختلف الأمم، فيكون لها بذلك حسن الذكرى في كثير من البلاد.
هذه كلمة أوحى بها إلينا إقبال موسم السياحة الذي يتجدد كل عام في مثل هذا الفصل؛ والذي ما يزال الأجانب يستأثرون بمغانمه باسم مصر؛ نرجو أن يكون لها بعض الصدى والأثر.
(ع)
стр. 5672
قُبحٌ جميل
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
دخل أحمد بن أيمن (كاتب ابن طولون) البصرة، فصنع له مسلم بن عمران التاجر المتأدب صنيعاً دعا إليه جماعة من وجوه التجار وأعيان الأدباء، فجاء ابنا صاحب الدعوة، وهما غلامان، فوقفا بين يدي أبيهما، وجعل ابن أيمن يطيل النظر إليهما، ويعجب من حسنهما وبزتهما وروائهما، حتى كأنما أُفرغا في الجمال وزينته إفراغاً، أو كأنما جاءا من شمس وقمر لا من أبوين من الناس، أو هما قد نبتا في مثل تهاويل الزهر من زينته التي تبدعهما الشمس، ويصقلها الفجر، ويتندى بها روح الماء العذب. وكان لا يصرف نظره عنها إلا رجع به النظر، كأن جمالهما لا ينتهي فما ينتهي الإعجاب به.
وجعل أبوهما يسارقه النظر مسارقة، ويبدو كالمتشاغل عنه، ليدع له أن يتوسم ويتأمل ما شاء، وأن يملأ عينيه مما أعجبه من لؤلؤتيه ومخايلهما. بيد أن الحسن الفاتن يأبى دائماً إلا أن يسمع من ناظره كلمة الإعجاب به، حتى لينطق المرء بهذه الكلمة أحياناً، وكأنها مأخوذة من لسانه أخذاً، وحتى ليحس أن غريزةً في داخله كلمها الحسن من كلامه فردت عليه من كلامها.
قال ابن أيمن: سبحان الله؛ ما رأيت كاليوم قطُ دميتين لا تُفتح الأعين على أجمل منهما؛ ولو نزلا من السماء وألبستهما الملائكة ثياباً من الجنة ما حسبتُ أن تصنع الملائكة أظرف ولا أحسن مما صنعت أمهما.
فالتفت إليه مسلم، وقال أحب أن تعوّذهما. فمد الرجل يده ومسح عليهما، وعوّذهما بالحديث المأثور، ودعا لهما، ثم قال: ما أراك إلا استجدْت الأم فحسُن نسلك، وجاء كاللؤلؤ يشبه بعضه بعضاً، صغاره من كباره؛ وما عليك ألا تكون تزوجت ابنة قيصر فأولدتها هذين، وأخرجتهما هي لك في صيغتها الملوكية من الحسن والأدب والرونق، وما أرى مثلهما يكونان في موضع إلا كان حولهما جلال المُلك ووقاره، مما يكون حولهما من نور تلك الأم.
فقال مسلم: وأنت على ذلك غير مصدّق إذا قلت لك إني لا أحب المرأة الجميلة التي تصف، وليس بي هوى إلا في امرأة دميمة هي بدمامتها أحبّ النساء إليّ، وأخفّهن إلى قلبي، وأصلحهن لي، ما أعدِل بها ابنة قيصر ولا ابنة كسرى.
стр. 5673
فبقى ابن أيمن كالمشدوه من غرابة ما يسمع، ثم ذكر أن من الناس من يأكل الطين ويستطيبه لفسادٍ في طبعه، فلا يحلو السكّر في فمه وإن كان مكرراً خالص الحلاوة. ورثى أشد الرثاء لأم الغلامين أن يكون هذا الرجل الجلف قد ضارها بتلك الدميمة أو تسرّى بها عليها. فقال وما يملك نفسه: أما والله لقد كفرتَ النعمة، وغدرتَ وجحدتَ وبالغتَ في الضُّر، وإن أم هذين الغلامين لامرأة فوق النساء، إذ لم يتبين في ولديها أثر من تغير طبعها وكدر نفسها، وقد كان يسعها العذر لو جعلتهما سخنةَ عين لك، وأخرجتهما للناس في مساوئك لا في محاسنك، وما أدرى كيف لا تندّ عليك، ولا كيف صلُحت بمقدار ما فسدتَ أنت، واستقامتْ بمقدار ما التويتَ، وعجيب والله شأنكما! إنها لتغلو في كرم الأصل والعقل والمروءة والخلق، كما تغلو أنت في البهيمية والنزق والغدر وسوء المكافأة.
قال مسلم: فهو والله ما قلتُ لك، وما أحب إلا امرأة دميمة قد ذهبتْ بي كل مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذتُ أصفها لك لما جاءت الألفاظ من القُبح والشّوهة والدمامة؛ غير إنها مع ذلك لا تجئ إلا دالة على أجمل معاني المرأة عند رُجلها في الحظوة والرضا وجمال الطبع. وانظر كيف يلتئم أن تكون الزيادة في القبح هي زيادة الحسن وزيادة في الحب، وكيف يكون اللفظ الشائه، وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحس الصادق بهذا المعنى، وإلا الاهتزاز والطرب لهذا الحس؟
قال ابن أيمن: والله إن أراك إلا شيطاناً من الشياطين، وقد عجّل الله لك من هذه الدميمة زوجتك التي كانت لك في الجحيم، لتجتمعا معاً على تعذيب تلك الحوراء الملائكية أم هذين الصغيرين، وما أدرى كيف يتصل ما بينكما بعد هذا الذي أدخلتَ من القبح والدمامة في معاشرتها ومعايشتها، وبعد أن جعلتها لا تنظر إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمةٌ هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئاً؟
فضحك مسلم وقال: إن لي خبراً عجيباً: كنت أنزل (الأُبُلّة) وأنا متعيّش فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلا هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقلّ، وكنت في ميْعة الشباب وغُلَوائه، وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلتُ: إن في ذلك خلالاً؛ فأرى الأمم في بلادها ومعايشتها، وأتقلّب في التجارة، وأجمع المال والطرائف،
стр. 5674
وأفيد عظةً وعبرة، وأعلم علماً جديداً، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علوّ فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا للسَبَق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة ولا في البصرة امرأة بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح لي، فأتزوج بها. وطمعت أن استنزل نجماً من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت (بلخ) من أجلّ مدن خراسان وأوسعها غلّة، تحمل غلّتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ كان عالمها وإمامها (أبو عبد الله البلخي) وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته وأكثر الكتابة بها عن الرواة العلماء؛ فاستخفّتني إليه نزّية من شوقي إلى الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلْقته، وسمعته يفسر قول النبي ﷺ : (سوداءُ ولود خيرٌ من حسناء لا تلد) فما كان الشيخ إلا في سحابة، وما كان كلامه إلا وحياً يوحى إليه. سمعت والله كلاماً لا عهد لي بمثله، وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء وأداخلهم في فنون من المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعاً حتى أتى عليّ ما سأحدّثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا.
قال ابن أيمن: إطو خبرك إن شئت، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلّقت نفسي به.
قال سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو من معجزات بلاغة نبينا ﷺ ، وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما علمت أحداً تنبه إليه؛ فإنه ﷺ لا يريد السوداء بخصوصها، ولكنه كنى بها عما تحت السواد، وما فوق السواد، وما هو إلى السواد من الصفات التي يتقبّحها الرجال في خلقة النساء وصورهن؛ فألطف التعبير ورقّ به، رفعاً لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيهاً لهذا الجنس الكريم، وتنزيهاً للسانه النبوي؛ كأنه ﷺ يقول: إن ذِكر قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يُتخيّل في الحسن تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدباً أو عقلاً أن توصف هذه المرأة بالقبح.
أما إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلاً ألا يصف امرأة بقبح
стр. 5675
الصورة البتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، موصوفاً به هذا الجنس الذي منه أمه: أيودّ أحد أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة الجارحة؟
وقد كان العرب يفضلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظاً كثيرة؛ إذ كانوا لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية. أما أكمل الخلق ﷺ ، فما زال يوّصي بالنساء ويرفع شأنهن، حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات كان يتكلم بهن، إلى أن تلجلج لسانه وخفي كلامه؛ جعل يقول (الصلاة. . الصلاة. وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ اللهَ اللهَ في النساء.)
قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت رعايتها وتلقيها بحقها. وقد ذكرها بعد الرقيق، لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة، لأن الزواج في حقيقته نوع عبادة.
قال الشيخ: ولو أن أماً كانت دميمة شوهاء في أعين الناس لكانت مع ذلك في عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقاً في حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما، فقد انتفى القبح إذن، وصار وصفها به في رأى العين تكذيباً لوصفها في رأى النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضا فلا جمال ولا دمامة.
قال الشيخ وأما في معنى الحديث، فهو ﷺ يقرر للناس أن كرم المرأة بأمومتها، فإذا قيل: إن في صورتها قبحاً فالحسناء التي لا تلد أقبح منها في المعنى. وانظر أنت كيف يكون القبح الذي يقال إن الحسن أقبح منه. . .!
فمن أين تناولت الحديث رأيته دائراً على تقدير أن لا قبح في صورة المرأة، وإنها منزهة في لسان المؤمن أن توصف بهذا الوصف، فإن كلمات القبح والحسن لغة بهيمية تجعل حب المرأة حباً على طريقة البهائم، من حيث تفضلها طريقة البهائم بأن الحيوان على احتباسه في غرائزه وشهواته لا يتكذب في الغريزة ولا في الشهوة بتلوينهما ألواناً من خياله، ووضعهما مرة فوق الحد، ومرة دون الحد.
فأكبر الشأن هو للمرأة التي تجعل الإنسان كبيراً في إنسانيته، لا التي تجعله كبيراً في حيوانيته، فلو كانت هذه الثانية هي التي يصطلح الناس على وصفها بالجمال فهي القبيحة لا الجميلة، إذ يجب على المؤمن الصحيح الإيمان أن يعيش فيما يصلح به الناس، لا فيما
следующие страницы →