Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
لا يتصلون عند مقدمهم إلى هذه البلاد بكثير من المصريين المستنيرين، إذ يتلقفهم الأجانب والفنادق الأجنبية، ويأخذون معظم معلوماتهم عن مصر من الأجانب؛ وليست هذه المعلومات دائماً دقيقة ولا نزيهة. فإذا أتيح للمصريين أن يتصلوا بطبقات السياح عن غزو ميدان السياحة، فإنهم يستطيعون أن يقدموا لضيوفهم عن بلادهم كل المعلومات المطلوبة، وأن يذيعوا بذلك مآثرها ومحاسنها بين السياح من مختلف الأمم، فيكون لها بذلك حسن الذكرى في كثير من البلاد.
هذه كلمة أوحى بها إلينا إقبال موسم السياحة الذي يتجدد كل عام في مثل هذا الفصل؛ والذي ما يزال الأجانب يستأثرون بمغانمه باسم مصر؛ نرجو أن يكون لها بعض الصدى والأثر.
(ع)
стр. 5672
قُبحٌ جميل
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
دخل أحمد بن أيمن (كاتب ابن طولون) البصرة، فصنع له مسلم بن عمران التاجر المتأدب صنيعاً دعا إليه جماعة من وجوه التجار وأعيان الأدباء، فجاء ابنا صاحب الدعوة، وهما غلامان، فوقفا بين يدي أبيهما، وجعل ابن أيمن يطيل النظر إليهما، ويعجب من حسنهما وبزتهما وروائهما، حتى كأنما أُفرغا في الجمال وزينته إفراغاً، أو كأنما جاءا من شمس وقمر لا من أبوين من الناس، أو هما قد نبتا في مثل تهاويل الزهر من زينته التي تبدعهما الشمس، ويصقلها الفجر، ويتندى بها روح الماء العذب. وكان لا يصرف نظره عنها إلا رجع به النظر، كأن جمالهما لا ينتهي فما ينتهي الإعجاب به.
وجعل أبوهما يسارقه النظر مسارقة، ويبدو كالمتشاغل عنه، ليدع له أن يتوسم ويتأمل ما شاء، وأن يملأ عينيه مما أعجبه من لؤلؤتيه ومخايلهما. بيد أن الحسن الفاتن يأبى دائماً إلا أن يسمع من ناظره كلمة الإعجاب به، حتى لينطق المرء بهذه الكلمة أحياناً، وكأنها مأخوذة من لسانه أخذاً، وحتى ليحس أن غريزةً في داخله كلمها الحسن من كلامه فردت عليه من كلامها.
قال ابن أيمن: سبحان الله؛ ما رأيت كاليوم قطُ دميتين لا تُفتح الأعين على أجمل منهما؛ ولو نزلا من السماء وألبستهما الملائكة ثياباً من الجنة ما حسبتُ أن تصنع الملائكة أظرف ولا أحسن مما صنعت أمهما.
فالتفت إليه مسلم، وقال أحب أن تعوّذهما. فمد الرجل يده ومسح عليهما، وعوّذهما بالحديث المأثور، ودعا لهما، ثم قال: ما أراك إلا استجدْت الأم فحسُن نسلك، وجاء كاللؤلؤ يشبه بعضه بعضاً، صغاره من كباره؛ وما عليك ألا تكون تزوجت ابنة قيصر فأولدتها هذين، وأخرجتهما هي لك في صيغتها الملوكية من الحسن والأدب والرونق، وما أرى مثلهما يكونان في موضع إلا كان حولهما جلال المُلك ووقاره، مما يكون حولهما من نور تلك الأم.
فقال مسلم: وأنت على ذلك غير مصدّق إذا قلت لك إني لا أحب المرأة الجميلة التي تصف، وليس بي هوى إلا في امرأة دميمة هي بدمامتها أحبّ النساء إليّ، وأخفّهن إلى قلبي، وأصلحهن لي، ما أعدِل بها ابنة قيصر ولا ابنة كسرى.
стр. 5673
فبقى ابن أيمن كالمشدوه من غرابة ما يسمع، ثم ذكر أن من الناس من يأكل الطين ويستطيبه لفسادٍ في طبعه، فلا يحلو السكّر في فمه وإن كان مكرراً خالص الحلاوة. ورثى أشد الرثاء لأم الغلامين أن يكون هذا الرجل الجلف قد ضارها بتلك الدميمة أو تسرّى بها عليها. فقال وما يملك نفسه: أما والله لقد كفرتَ النعمة، وغدرتَ وجحدتَ وبالغتَ في الضُّر، وإن أم هذين الغلامين لامرأة فوق النساء، إذ لم يتبين في ولديها أثر من تغير طبعها وكدر نفسها، وقد كان يسعها العذر لو جعلتهما سخنةَ عين لك، وأخرجتهما للناس في مساوئك لا في محاسنك، وما أدرى كيف لا تندّ عليك، ولا كيف صلُحت بمقدار ما فسدتَ أنت، واستقامتْ بمقدار ما التويتَ، وعجيب والله شأنكما! إنها لتغلو في كرم الأصل والعقل والمروءة والخلق، كما تغلو أنت في البهيمية والنزق والغدر وسوء المكافأة.
قال مسلم: فهو والله ما قلتُ لك، وما أحب إلا امرأة دميمة قد ذهبتْ بي كل مذهب، وأنستني كل جميلة في النساء، ولئن أخذتُ أصفها لك لما جاءت الألفاظ من القُبح والشّوهة والدمامة؛ غير إنها مع ذلك لا تجئ إلا دالة على أجمل معاني المرأة عند رُجلها في الحظوة والرضا وجمال الطبع. وانظر كيف يلتئم أن تكون الزيادة في القبح هي زيادة الحسن وزيادة في الحب، وكيف يكون اللفظ الشائه، وما فيه لنفسي إلا المعنى الجميل، وإلا الحس الصادق بهذا المعنى، وإلا الاهتزاز والطرب لهذا الحس؟
قال ابن أيمن: والله إن أراك إلا شيطاناً من الشياطين، وقد عجّل الله لك من هذه الدميمة زوجتك التي كانت لك في الجحيم، لتجتمعا معاً على تعذيب تلك الحوراء الملائكية أم هذين الصغيرين، وما أدرى كيف يتصل ما بينكما بعد هذا الذي أدخلتَ من القبح والدمامة في معاشرتها ومعايشتها، وبعد أن جعلتها لا تنظر إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمةٌ هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئاً؟
فضحك مسلم وقال: إن لي خبراً عجيباً: كنت أنزل (الأُبُلّة) وأنا متعيّش فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلا هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقلّ، وكنت في ميْعة الشباب وغُلَوائه، وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلتُ: إن في ذلك خلالاً؛ فأرى الأمم في بلادها ومعايشتها، وأتقلّب في التجارة، وأجمع المال والطرائف،
стр. 5674
وأفيد عظةً وعبرة، وأعلم علماً جديداً، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علوّ فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا للسَبَق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة ولا في البصرة امرأة بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح لي، فأتزوج بها. وطمعت أن استنزل نجماً من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت (بلخ) من أجلّ مدن خراسان وأوسعها غلّة، تحمل غلّتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ كان عالمها وإمامها (أبو عبد الله البلخي) وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته وأكثر الكتابة بها عن الرواة العلماء؛ فاستخفّتني إليه نزّية من شوقي إلى الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلْقته، وسمعته يفسر قول النبي ﷺ : (سوداءُ ولود خيرٌ من حسناء لا تلد) فما كان الشيخ إلا في سحابة، وما كان كلامه إلا وحياً يوحى إليه. سمعت والله كلاماً لا عهد لي بمثله، وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء وأداخلهم في فنون من المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعاً حتى أتى عليّ ما سأحدّثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا.
قال ابن أيمن: إطو خبرك إن شئت، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلّقت نفسي به.
قال سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو من معجزات بلاغة نبينا ﷺ ، وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما علمت أحداً تنبه إليه؛ فإنه ﷺ لا يريد السوداء بخصوصها، ولكنه كنى بها عما تحت السواد، وما فوق السواد، وما هو إلى السواد من الصفات التي يتقبّحها الرجال في خلقة النساء وصورهن؛ فألطف التعبير ورقّ به، رفعاً لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيهاً لهذا الجنس الكريم، وتنزيهاً للسانه النبوي؛ كأنه ﷺ يقول: إن ذِكر قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يُتخيّل في الحسن تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدباً أو عقلاً أن توصف هذه المرأة بالقبح.
أما إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلاً ألا يصف امرأة بقبح
стр. 5675
الصورة البتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، موصوفاً به هذا الجنس الذي منه أمه: أيودّ أحد أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة الجارحة؟
وقد كان العرب يفضلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظاً كثيرة؛ إذ كانوا لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية. أما أكمل الخلق ﷺ ، فما زال يوّصي بالنساء ويرفع شأنهن، حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات كان يتكلم بهن، إلى أن تلجلج لسانه وخفي كلامه؛ جعل يقول (الصلاة. . الصلاة. وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ اللهَ اللهَ في النساء.)
قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت رعايتها وتلقيها بحقها. وقد ذكرها بعد الرقيق، لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة، لأن الزواج في حقيقته نوع عبادة.
قال الشيخ: ولو أن أماً كانت دميمة شوهاء في أعين الناس لكانت مع ذلك في عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقاً في حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما، فقد انتفى القبح إذن، وصار وصفها به في رأى العين تكذيباً لوصفها في رأى النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضا فلا جمال ولا دمامة.
قال الشيخ وأما في معنى الحديث، فهو ﷺ يقرر للناس أن كرم المرأة بأمومتها، فإذا قيل: إن في صورتها قبحاً فالحسناء التي لا تلد أقبح منها في المعنى. وانظر أنت كيف يكون القبح الذي يقال إن الحسن أقبح منه. . .!
فمن أين تناولت الحديث رأيته دائراً على تقدير أن لا قبح في صورة المرأة، وإنها منزهة في لسان المؤمن أن توصف بهذا الوصف، فإن كلمات القبح والحسن لغة بهيمية تجعل حب المرأة حباً على طريقة البهائم، من حيث تفضلها طريقة البهائم بأن الحيوان على احتباسه في غرائزه وشهواته لا يتكذب في الغريزة ولا في الشهوة بتلوينهما ألواناً من خياله، ووضعهما مرة فوق الحد، ومرة دون الحد.
فأكبر الشأن هو للمرأة التي تجعل الإنسان كبيراً في إنسانيته، لا التي تجعله كبيراً في حيوانيته، فلو كانت هذه الثانية هي التي يصطلح الناس على وصفها بالجمال فهي القبيحة لا الجميلة، إذ يجب على المؤمن الصحيح الإيمان أن يعيش فيما يصلح به الناس، لا فيما
стр. 5676
يصطلح عليه الناس؛ فإن الخروج من الحدود الضيقة للألفاظ إلى الحقائق الشاملة هو الاستقامة بالحياة على طريقها المؤدي إلى نعيم الآخرة وثوابها.
وهناك ذاتان لكل مؤمن: إحداهما غائبة عنه، والأخرى حاضرة فيه، وهو إنما يصل من هذه إلى تلك، فلا ينبغي أن يحصر السيماوية الواسعة في هذه الترابية الضيقة. والقبح إنما هو لفظ ترابي يشار به إلى صورة وقع فيها من التشويه مثل معاني التراب. والصورة فانية زائلة، ولكن عملها باقٍ؛ فالنظر يجب أن يكون إلى العمل. فالعمل هو لا غيره الذي تتعاوره ألفاظ الحسن والقبح.
وبهذا الكمال بالنفس، وهذا الأدب، قد ينظر الرجل الفاضل من وجه زوجته الشوهاء الفاضلة، لا إلى الشوهاء، ولكن إلى الحور العين. إنهما في رأى العين رجل وامرأة في صورتين متنافرتين جمالاً وقبحاً؛ أما في الحقيقة والعمل وكمال الإيمان الروحي فهما إرادتان متحدتان تجذب إحداهما الأخرى جاذبية العشق وتلتقيان معاً في النفسين الواسعتين، المراد بهما الفضيلة وثواب الله والإنسانية؛ ولذلك اختار الإمام احمد بن حنبل عوراء على أختها، وكانت أختها جميلة، فسأل: من أعقلهما؟. فقيل: العوراء. فقال: زوجوني إياها. فكانت العوراء في رأي الإمام وإرادته هي ذات العينين الكحيلتين، لوفور عقله وكمال إيمانه.
قال أبو عبد الله: والحديث الشريف بعد كل هذا الذي حكيناه يدل على أن الحب متى كان إنسانياً جارياً على قواعد الإنسانية العامة، متسعاً لها غير محصور في الخصوص منها - كان بذلك علاجاً من أمراض الخيال في النفس، واستطاع الإنسان أن يجعل حبه يتناول الأشياء المختلفة، ويرد على نفسه من لذاتها، فإن لم يسعده شئ بخصوصه، وجد أشياء كثيرة تسعده بين السماء والأرض، وإن وقع في صورة امرأته ما لا يعدّ جمالاً، رأى الجمال في أشياء منها غير الصورة، وتعرّف إلى ما لا يخفى، فظهر له ما يخفى.
وليست العين وحدها هي التي تؤامر في أي الشيئين أجمل، بل هناك العقل والقلب، فجواب العين وحدها، إنما هو ثلث الحق. ومتى قيل (ثلث الحق) فضياع الثلثين يجعله في الأقل حقاً غير كامل.
فما نكرهه من وجه، قد يكون هو الذي نحبه من وجه آخر، إذا نحن تركنا الإرادة السليمة
стр. 5677
تعمل عملها الإنساني بالعقل القلب، وبأوسع النظرين دون أضيقهما (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا.)
فوثب ابن الأيمن، وأقبل يدور في المجلس مما دخله من طرب الحديث ويقول: ما هذا إلا كلام الملائكة سمعناه منك ياْبن عمران. قال مسلم: فكيف بك لو سمعته من أبي عبد الله؛ إنه والله قد حبب إلي السوداء القبيحة والدميمة، ونظرت لنفسي بخير النظرين، وقلت: إن تزوجتُ يوماً فما أبالي جمالاً ولا قبحاً، إنما أريد الإنسانية كاملة مني ومنها ومن أولادنا، والمرأة في كل امرأة، ولكن ليس العقل في كل امرأة.
قال: ثم إني رجعت إلى البصرة، وآثرت السكنى بها، وتعالم الناس إقبالي، وعلمت أنه لا يحسن بي المقام بغير زوجة، ولم يكن بها أجلّ قدراً من جد هذين الغلامين. وكانت له بنت قد عضلها وتعرض بذلك لعداوة خطابها، فقلت: ما لهذه البنت بد من شأن، ولو لم تكن اكمل النساء وأجملهن ما ضن بها أبوها رجاوة أن يأتيه من هو أعلى، فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على خلوة. . .
فقطع عليه ابن أيمن وقال: قد علمنا خبرها من منظر هذين الغلامين، وإنما نريد من خبر تلك الدميمة التي تعشّقتها.
قال: مهلاً فستنتهي القصة إليها. ثم إني قلت: يا عم، أنا فلان بن فلان التاجر. قال: ما خفي عني محلك ومحل أبيك. فقلت: جئتك خاطباً لابنتك. قال: والله ما بي عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، وإني لكارهٌ من إخراجها عن حضني إلى من يقوّمها تقويم العبيد. فقلت: قد رفعها الله عن هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك، وتخلطني بشملك. فقال: ولابد من هذا؟ قلت: لابد. فقال: أُغد عليّ برجالك.
فانصرفت منه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور في غدٍ. فقالوا: هذا رجل قد ردّ من هو أثرى منك، وإنك لَتُحرّكنا إلى سعى ضائع. قلت لابد من ركوبكم معي. فركبوا على ثقة من أنه سيردهم.
فصاح ابن أيمن، وقد كادت روحه تخرج: فذهبْت فزوجك بالجميلة الرائعة أم هذين، فما خبر تلك الدميمة.
قال مسلم: يا سيدي قد صبرتَ إلى الآن، أفلا تصبر على كلمات تنبئك من أين يبدأ خبر
стр. 5678
الدميمة، فإني ما عرفتها إلا في العرس.
قال: وغدونا عليه فأحسن الإجابة وزوجني، وأطعم القوم ونحر لهم، ثم قال: إن شئت أن تبيت بأهلك فافعل، فليس لها ما يُحتاج إلى التلوّم عليه وانتظاره.
فقلت: هذا يا سيدي ما أحبه. فلم يزل يحدثني بكل حسن حتى كانت المغرب، فصلاها بي، ثم سبّح وسبّحت، ودعا ودعوت، وبقي مقبلاً على دعائه وتسبيحه ما يلتفت لغير ذلك، فأمضّني - علم الله - كأنه يرى أن ابنته مقبلة مني على مصيبة، فهو يتضرع ويدعو. ثم كانت العتَمة فصلاها بي، وأخذ بيدي فأدخلني إلى دار قد فُرشت بأحسن فرش، وبها خدم وجوار في نهاية من النظافة. فما استقر بي الجلوس حتى نهض وقال: أستودعك الله، وقدّم الله لكما الخير وأحرز التوفيق.
واكتنفني عجائز من شمله، ليس فيهن شابة إلا من كانت في الستين. . . فنظرت فإذا وجوه كوجوه الموتى، وإذا أجسام بالية يتضام بعضها إلى بعض، كأنها أطلال زمن قد انقضّ بين يديّ.
فصاح ابن أيمن: وإن دميتك لعجوز أيضاً. . .؟ ما أراك ياْ ابن عمران إلا قتلت أم الغلامين. . .!
قال مسلم: ثم جَلَون ابنته عليّ وقد ملأْن عينيّ هرماً وموتاً وأخيلة شياطين وظلال قرود؛ فما كدت أستفيق لأرى زوجتي، حتى أسرعْن فأرخين الستور علينا؛ فحمدت الله لذهابهن، ونظرت.
وصاح ابن أيمن وقد أكله الغيظ: لقد أطلت علينا فستحكي لنا قصتك إلى الصباح، قد علمناها، فما خبر الدميمة الشوهاء؟.
قال مسلم: لم تكن الدميمة الشوهاء إلا العروس!
فزاغت أعين الجماعة، , اطرق ابن أيمن إطراقة من ورد عليه ما حيره. ولكن الرجل مضى يقول: ولما نظرتها لم أر إلا ما كنت حفظته عن أبي عبد الله البلخي، وقلت: هي نفسي جاءت بي إليها، وكأن كلام الشيخ إنما كان عملاً يعمل فيّ ويديرني ويصرّفني. وما أسرع ما قامت المسكينة فأكبّت على يدي وقالت:
(يا سيدي، إني سر من أسرار والدي، كتمه عن الناس وأفضى به إليك إذ رآك أهلاً لستره
стр. 5679
عليه، فلا تُخفِر ظنه فيك. ولو كان الذي يُطلب من الزوجة حسن صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها لعظمت محنتي. وأرجو أن يكون معي منهما أكثر مما قصّر بي في حسن الصورة؛ وسأبلغ محبّتك في كل ما تأمرني. ولو أنت آذيتني لعدَدْتُ الأذى منك نعمة، فكيف إن وسعني كرمك وسترك؟ إنك لا تعامل الله بأفضل من أن تكون سبباً في سعادة بائسة مثلي. أفلا تحرص يا سيدي على أن تكون هذا السبب الشريف؟)
ثم إنها وثبت فجاءت بمال في كيس وقالت: يا سيدي، قد أحل الله لك معي ثلاث حرائر وما آثرْته من الإماء؛ وقد سوّغتك تزويج الثلاث وابتياع الجواري من مال هذا الكيس، فقد وقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط.
قال احمد بن أيمن: فحلف لي التاجر: إنها ملكت قلبي ملكاً لا تصل إليه حسناء بحسنها، فقلت لها: إن جزاء ما قدمتِ ما تسمعينه مني (والله لأجعلنّك حظي من دنياي فيما يؤثره الرجل من المرأة، ولأضربن على نفسي الحجاب ما تنظر نفسي إلى أنثى غيرك أبداً) ثم أتممت سرورها فحدثتُها بما حفظته عن أبي عبد الله البلخي. فأيقنت والله يا أحمد أنها نزلت مني في أرفع منازلها، وجعلت تحسن وتحسن كالغصن الذي كان مجروداً ثم وخزته الخضرة من هنا ومن هنا.
وعاشرتُها فإذا هي أضبط النساء، وأحسنهن تدبيراً، وأشفقهن عليّ، وأحبهن لي؛ وإذا راحتي وطاعتي أول أمرها وآخره؛ وإذا عقلها وذكاؤها يظهران لي من جمال معانيها ما لا يزال يكثر ويكثر، فجعل القبح يقل ويقل، وزال القبح باعتيادي رؤيته، وبقيت المعاني على جمالها؛ وصارت لي هذه الزوجة هي المرأة وفوق المرأة.
ولما ولدت لي جاء ابنها رائع الصورة، فحدثتني أنها كانت لا تزال تتمنى على كرم الله وقدرته أن تتزوج وتلد أجمل الأولاد، ولم تدع ذلك من فكرها قط، وألف لها عقلها صورة أجمل غلام تتمثله وما برحت تتمثله. فإذا هي أيضاً كان لها شأن كشأني، وكان فكرها عملاً يعمل في نفسها، ويديرها ويصرّفها.
ورزقني الله منها هذين الابنين الرائعين لك؛ فانظر أي معجزتين من معجزات الإيمان.
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 5680
صفحة من التاريخ
ميدان القَبَق
بين السعد والنحس
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
صف لي ملاهي قوم من الأقوام أصف لك خلقهم ونصيبهم من الحياة - وإذا أخطأني حظ الإصابة مرة لم يكن الخطأ إلا مؤقتاً، ويكون تطاول الأيام كفيلاً بتحقيق ما أتوقع - وليس ذلك ناشئاً من أن الله قد وهبني ما لم يهب سواي من قدرة على التكهن أو التنبؤ، بل هي مجاري الأقدار تنساق في سبيل لا حيلة في الحيد عنها، ولا وسيلة إلى الانفلات منها. .
وقد علمت أن الرومان أقبلوا على ملاهٍ يقشعر بدن الإنسانية من تصور ما كان يجري فيها من فظائع. . وأيمن الحق ما كان لامرئ أن يتنبأ لشعب الرومان إلا بالانحدار والانحلال مادامت نفوسهم لا تهتز إلا بسفك الدماء، ولا ترتاح إلا إلى مناظر الوحشية. وقد رأيت ما تنم عليه آثار مدنية بومبي من هُوى إلى سحيق الدعارة، وما كان لك أن تتطلع في مستقبل ذلك الشعب إلا إلى نزول وهبوط، إذ إن النفوس لا تلهو إلا بما مرنت عليه واطمأنت إليه وسرى في عاداتها وتغلغل في حياتها. وللحياة القوية مطالب وتكاليف، إذا اعتادت النفوس القيام عليها صارت لذتها في مباشرتها. ودونك من الشعوب القوية ما يوضح ذلك أتم إيضاح، فذلك شعب الإنجليز ترى لذة شبانه وكهوله في ممارسة الرياضة بأنواعها، والجولان في البحر والبر والهواء، يجدون اللذة القصوى في مقارعة الأخطار ومقابلة العقبات. وإذا شئت مثلاً آخر فلا تعوزك المثل؛ فالشعوب القوية ولله الحمد كُثر في كل عصر، ولن ترى شعباً قوياً تنزو به الحياة وتثب به القوة إلا رأيت لذته في مثل مقارعة الخطوب ومنازلة قوى الطبيعة. ولقد كان لنا آباء ﵏ لم يكونوا من المتخلفين في ميدان الحياة. بل كانوا حماة عصرهم وسادة جيلهم. ولست أتردد في أن أسميهم بالآباء، على أنهم قد لا يكونون لي آباء. كما أنني لا أتردد في أن أسمي الفراعين آبائي، ولعلهم لم يكونوا من آبائي. فإنني لا تجري فيّ دماء الملوك. ولئن كان فيّ شئ منها فقد جهلته. فالملوك الأقدمون منذ خلدوا على صفحات التاريخ قد أصبحوا اليوم آباء لنا في أنهم كانوا
стр. 5681
الحفظة لمُثلنا العليا، والقوّام على آمالنا القومية. فهم آباؤنا في التراث القومي وإن بعدت بيننا علاقات النسب. لا، بل وإن اختلفت ألوان الدماء وتباينت مواطن الشعوب.
في جانب القاهرة المعزية من الشمال الشرقي حي اسمه الآن حي العباسية الشرقية، ومن ورائه من ناحية الجبل مساحة عظيمة مسطحة لا تكاد ترى فيها نشزاً. وقد اختطت في بعض جهات هذا المتسع في أيامنا الحاضرة مدافن حديثة شقت ما بينها الشوارع وأنشئت الحدائق، وهذا السهل يتصل إلى جنوب القاهرة فيما يلي قلعة الجبل لا تكاد ترى في كل هذه المسافة تلاً تعكر سهولة السطح، وهذه المساحة هي بعينها الميدان القديم الذي أنشأه أحد أجدادنا العظام الذين قدمت الإشارة إليهم، وهو الملك العظيم الظاهر بيبرس البندقداري؛ وكان اسم هذا الميدان الفسيح في تسمية العامة: (الميدان الأسود) أو ميدان السباق. وكان في تسمية الخاصة: (ميدان القَبَق).
أما القبق فهو آلة من آلات التمرين الحربي، وهو عبارة عن قرص كبير من الخشب يوضع فوق سارية عالية، ويوضع وراءه هدف يرمي إليه الجنود سهامهم؛ وكان الرمي بالقسي والسهام من أكبر وسائل الرياضة عند أهل ذلك العصر من سني القرن الثالث عشر الميلادي أو القرن السابع الهجري.
وكانت مصر حينئذ قلب الشرق الإسلامي وكنانته. إذ كانت بلاد ما بين النهرين قد أكلتها نيران التتار، وأصبحت دامية صريعة تئن تحت سنابك خيل أحفاد جنكيز خان. وكانت بلاد الشام لا تزال تعاني بقايا الفتح الأوربي الذي اعتراها في مدة الحروب الصليبية، وكانت أوربا لا تزال في أول أدوار النهضة بعد أمد العصور الوسطى، ولا تزال على عقليتها القديمة التي دفعتها إلى الحروب الصليبية تحاول ما استطاعت أن تبطش بدول الإسلام.
فكان على دولة مصر أن تحفظ مدنية الإسلام، وتراث العلم والنور من موجة التتار المخربة المدمرة من جانب الشرق، وأن تدفع عادية أوربا المحنقة الثائرة من جانب الغرب. ولهذا كان لا مفر من أن تكون مصر على رباط دائم، وفؤاد يقظ حديد.
وكان بيبرس ممثل الدفاع في القرن الثالث عشر الميلادي؛ حمل الراية مدة حكمه الطويل فكان بطلاً موفقاً مجدوداً.
стр. 5682
لم تكن أعوامه تخرج عن عام غزو في بلدة من بلاد الشام، أو عام موكب انتصار عقب فتح من الفتوح. وما كانت مواسم مصر على يديه إلا تلك المواسم النابضة بالحماسة، الجياشة بمعاني الرجولة والحياة القوية.
وكان ميدان القبق مشهد أكبر للمواسم وأحبها إلى الناس، سواء في ذلك العامة والخاصة. وها نحن أولاء نصف واحداً من تلك المواسم البيبرسية التي سادها السعد والتوفيق؛ فكان مبعث سرور للآلاف من الناس وآية مجد وجلال للدولة ورجالها.
كان ذلك في يوم شديد الحر في شهر رمضان؛ وكانت العادة أن ترش أرض الميدان الأسود بالماء قبل أن يبدأ فيه الاحتفال؛ فرأى السلطان الجليل (بيبرس) إن رش هذا الميدان الفسيح في مثل هذا اليوم القائظ وفي شهر الصيام فيه تكليف شاق على الناس. وأشفق أن ينالهم من ذلك أذى، فأمر أن يكف الناس عن الرش وأن يتحمل جنوده مشقة الاحتفال في القيظ بغير ترطيب الأرض بالماء.
وأبى الله أن يجزى مثل هذا العطف بغير جزائه. فكان من دلائل سعد السلطان ويمن أيامه أن ساقت الرياح غمامة في ذلك اليوم على غير عادة في مثل ذلك الوقت، فأمطرت الميدان حتى رطبت أرضه، ثم أقلعت. وما أتى وقت الاحتفال حتى رأى بيبرس وفرسانه ميداناً دهساً غير ملبد ولا زلق.
دخل السلطان العظيم على رأس قواته وجنوده، فكلف كبارهم بإظهار ما عندهم من البراعة في الرماية. ووقف الناس ألوفاً حولهم يعجبون بما يرون، وتثب قلوبهم سروراً بما يعجبون به، إذ رأوا حماتهم جديرين بما أولوهم من زعامة في الدفاع المجيد.
ثم ركب السلطان في قمة الصف، واصطف وراءه القواد والجنود بحسب المراتب المرسومة، وحمل كما يحمل إذ يكون في ميدان الحرب وحمل وراءه أتباعه كباراً وصغاراً، كأنما هم رجل واحد، ولهم إرادة واحدة. فإذا كر السلطان كانت الألوف وراءه كجزء منه، وإذا لف كانت الألوف من خلفه كأنما هي قطعة واحدة - وتعالت عند ذلك أصوات الإعجاب والحماسة، واختلطت بزفرات الدعاء والولاء، فلقد كان بيبرس العظيم مليكاً على الناس مسيطراً على الأفئدة.
وانتهى اليوم على ما ابتدأ به من السعد، ووزعت الهبات والصلات، وتتابعت العطايا
стр. 5683
والهدايا، ونال الناس من بر ذلك اليوم ما لم يفت طبقة من الطبقات، فقد قرت أعين الأمراء بالتكريم، وأثلجت صدور الفقراء بالعطاء.
وما كان مثل عصر (بيبرس) ليذهب بغير أثره، فقد أصبح الناس جميعاً ولا همة لهم إلا في تقديس أبطال الفرسان، ولا مسرة إلا ما تبعثه مناظر الكر والفر، وأصبح بفضل هذا الروح في مصر جيش من أبطال مازالوا مضرب الأمثال في النظام والشجاعة والمهارة، وأصبح الشعب وذهنه منصرف إلى ناحية حياة الرجولة والدفاع والنضال، لا يقبل على لهو إقباله على شهود أيام الاحتفال. قال المقريزي في وصف ذلك: (وصارت تلك الأمكنة لا تسع الناس وما بقى لأحد شغل إلا لعب الرمح ورمي النشاب).
غير إن ذلك الميدان لم يشهد السعد وحده، بل شهد بعض ساعات من النحس بعد أن تغير الزمان وتبدل الحال. ولم يكن في الإمكان أن يجود الزمان بالأفذاذ يتبع بعضهم بعضاً بغير انقطاع. وإلا فلم سمي الأفذاذ أفذاذاً؟
فحكم مصر في أواخر القرن الثالث عشر المسيحي سلطان آخر يمتاز عن بيبرس بأنه من سلالة ملكية، إذ كان أبوه سلطاناً قبله غير أنه لم يكن في مثل قوة بيبرس ولا في مثل توفيقه وسعده، وذلك هو السلطان الأشرف خليل بن قلاوون.
أراد يوماً أن يحتفل احتفالاً مجيداً كمن سبقه من السلاطين العظام، واختار ميدان القبق لذلك الاحتفال، وأراد أن يجعل ذلك الاحتفال على ما شاء له الملك الضخم والغنى الواسع وبيت العز الجليل. وكانت الخاتون الجليلة زوجة السلطان على وشك أن تضع ولداً. وكان أكبر أمل الملك العظيم أن تلد له غلاماً يكون وارثاً لملك جده وأبيه، وسبق السلطان الأقدار إلى إعداد العدة لاستقبال المولود السعيد المنتظر، وكان يرجى أن يكون يوم ذلك الاحتفال هو يوم الوضع الموعود.
ومهد الميدان ورشت جوانبه، وجهزت أدواته وآلاته، وزينت طرقه وحواشيه، وأقبل السلطان في موكبه الفخم وركابه المهيب. وابتدأ الاحتفال يباهي الأيام الماضية بجلاله وضخامته، غير شئ واحد كان غير ماثل فيه، وهو جلال بيبرس العظيم وتعلق قلوب الشعب والجنود به. وجرى كل شئ على سننه المعتاد غير أمر واحد، وهو سعد السلطان بيبرس العظيم وتوفيقه. فما هي إلا جولة حتى أغبر الجو وأظلمت السماء، وثارت عاصفة
стр. 5684
هوجاء يكاد الواقف فيها لا يرى جاره أو يستبين ما حوله. فتحول اليوم من احتفال وعيد إلى فوضى واختلال، وهدم في ساعة ما قضى السلطان في إعداده أياماً طوالاً وبذل في سبيله أموالاً طائلة. ثم وضعت الخاتون طفلها أنثى، ولم يتحقق أمل السلطان في وارث يحفظ الملك عقبه في بيته.
وهكذا تجري الأقدار في مسالكها الغامضة، وإنما يرى الناس منها الآثار التي تدهش لها الألباب وتعشى منها الأبصار، بغير أن يستطيعوا رؤية ما وراء ذلك من تدبير القضاء، فكان ذلك اليوم آخر ما شهده ميدان القبق من جليل الاحتفال. حقاً لقد عاد إليه بعض الملوك حيناً وأرجعوا إليه الحلبة، غير إن الروح لم يعد إليه، والروح سر عجيب لم تستطع البشرية أن تسمو إليه، فإنه يحل فلا تعرف أنه حل إلا من آثاره، ثم يذهب فلا تدرك ذلك إلا من آثار ذهابه، ولكنه غامض غموض المغيب المحجوب. ومن أعجب ما فيه أن السعد إنما يقبل مع إقباله، والنحس إنما يحل عند إدباره، وإنه إذا كان أدبر يوماً فلا جرم أنه يدبر لكي يعود في يوم آخر، ولو بعد حين.
محمد فريد أبو حديد
стр. 5685
القتل السياسي
جريمة مرسيليا المروعة
عرض تاريخي لظروفها وبواعثها
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم يشهد العالم منذ مقتل الأرشيدوق فرنز فردينند ولي عهد الإمبراطورية النمسوية في يونيه سنة ١٩١٤، جريمة سياسية أشد روعة وأبعد أثراً من تلك الجريمة التي وقعت في التاسع من هذا الشهر في مرسيليا، والتي ذهب ضحيتها المرحومان الملك اسكندر ملك يوجوسلافيا، ومسيو لوي بارتو وزير الخارجية الفرنسية. وقد كان مقتل الأرشيدوق فرنز فردينند فاتحة الأزمة الدولية الخطيرة التي انتهت بنشوب الحرب الكبرى، وكانت من أسبابها المباشرة. ومن المحقق إن جريمة مرسيليا ستحدث أثرها في شئون يوجوسلافيا الداخلية، وفي سير السياسة الأوربية بوجه عام؛ ومن الصعب أن نقدر منذ الآن مدى هذه الآثار، وإن كنا نشهد منذ الآن نذرها ومقدماتها.
كان الاغتيال وما زال على مر العصور وسيلة لتحقيق مآرب السياسة. وجريمة الأمس جريمة سياسية وقومية كما كانت جريمة سنة ١٩١٤. وقد شهدت أوربا في العصر الحديث طائفة حافلة من الجرائم السياسية الرنانة؛ وكان الملوك، والملوك الطغاة بنوع خاص هدف هذه الجرائم، ولم تكن هذه الجرائم شخصية، ولم تقع على الملوك أو الطغاة لمجرد أشخاصهم، ولكن لأنهم يمثلون في نظر الجناة نظاماً أو فكرة لا تتفق مع مثلهم القومية أو الديموقراطية. وكانت (النهليزم) الروسية أعظم مصادر الوحي للقتل السياسي خلال القرن التاسع عشر؛ وفي ظلها وبتدبيرها ارتكبت عدة جرائم رنانة على أشخاص القياصرة وأعوانهم من الطغاة؛ وذهب ضحية هذه الجرائم قيصران: اسكندر الثاني سنة ١٨٨١، واسكندر الثالث سنة ١٨٨٥، وعدة من أكابر الحكام والساسة. ولما خبت ريح النهليزم في أواخر القرن الماضي خلفتها الدعوة اللاحكومية (الانارشي) في تنظيم الجريمة السياسية؛ وذهب ضحية هذه الدعوة عدة من الملوك والأكابر مثل كارنو رئيس الجمهورية الفرنسية، والإمبراطورة اليزابيث النمسوية، وماكفللي رئيس جمهورية الولايات المتحدة، ثم الملك
стр. 5686
أومبرتو ملك إيطاليا الذي قتل سنة ١٩٠٠ بعد عدة محاولات دموية مروعة. ووقعت في الأعوام الأخيرة على الملوكية عدة محاولات جديدة دبرها اللاحكوميون أيضاً، كان منها الاعتداء الذي وقع على الفونسو الثالث عشر ملك أسبانيا السابق (سنة ١٩٢٦)، والاعتداء الذي وقع على جلالة ملك إيطاليا (سنة ١٩٢٨).
هذه أمثلة قليلة من ثبت القتل السياسي الحافل الذي شهدته أوربا في العصر الأخير. ولكن جريمة مرسيليا تختلف عما تقدم في ظروفها وبواعثها؛ فهي جريمة قومية عنصرية كما سنرى؛ وهي أثر بارز من آثار ذلك الصراع الجنسي الذي تضطرم به أمة ينقصها التناسق الجنسي، والتضامن القومي، وتمثل فيها اقليات قومية غير راضية عن مركزها ومصايرها؛ وهي كذلك أثر من آثار ذلك الطغيان الحديدي الذي تعيش في ظله يوجوسلافيا منذ ستة أعوام، والذي تشعر بوطأته الأقليات الساخطة بنوع خاص. والقاتل بتروس كاليمن كرواتي الأصل، ينتمي إلى الشعب الكرواتي، أو إلى تلك الأقلية القوية التي ترزح تحت حكم الأغلبية الصربية ولا تشعر نحوها إلا بعواطف الغيرة والسخط. وقد وقعت الجريمة المروعة في ظل هذه المعركة الجنسية المضطرمة، واندفع الجاني أو الجناة في طريقهم بوحي الفكرة الجنسية التي تسيطر على شعب يعتقد أنه مغبون مضطهد مسلوب الحقوق.
ويجب لكي نفهم ظروف الجريمة وبواعثها الحقيقية أن نعود بضعة أعوام إلى الوراء، ففي سنة ١٩٢٨، وقع الفصل الأول من حوادث هذه المأساة في بلغراد في بهو الجمعية الوطنية (اسكوبشتينا) ذاتها، وكان ذلك في مساء ٢٠ يونيه، وكانت المناقشة تدور حادة بين نواب الأكثرية من الصرب والسلوفين، ونواب الاقلية المعارضة، وهم نواب الشعب الكرواتي حول العلائق اليوجوسلافية الإيطالية وموقف الحكومة منها، وكانت المعارضة ممثلة في حزب الفلاحين الكرواتي ورئيسه استيفان رادتش زعيم كرواتيا الوطني، والحزب الديموقراطي المستقل وزعيمه بربتش فتش؛ فلم تلبث المناقشة أن تحولت إلى نوع من السباب والتراشق المقذع؛ وعندئذ نهض أحد نواب الحزب الراديكالي الصربي، وهو حزب الأغلبية أو حزب الحكومة، وأطلق الرصاص على مقاعد حزب الفلاحين فقتل من نوابه اثنان أحدهما بول رادتش قريب الزعيم رادتش وأحد أقطاب الحزب، وجرح ثلاثة آخرون منهم استيفان رادتش نفسه زعيم كرواتيا الوطني. ووقع على أثر هذه الجريمة المروعة
стр. 5687
اضطراب لا يوصف في بلغراد وفي كرواتيا، وأوقفت جلسات الجمعية الوطنية واستقالت الوزارة القائمة، واستمرت الأزمة الوزارية نحو شهرين. ثم كانت الطامة الكبرى بوفاة استيفان راديتش زعيم كرواتيا متأثراً من جراحه بعد ذلك بأسابيع قلائل؛ فشيعه مواطنوه إلى قبره في مظاهرات فخمة مؤثرة تجلت فيها البغضاء الجنسية التي يضطرم بها الكرواتيون نحو الصربيين ونحو حكومة بلغراد.
كان لهذه الفاجعة الوطنية أثر عظيم في إذكاء الأحقاد الجنسية في مملكة يوجوسلافيا الجديدة، وهي أحقاد تقوم على تراث التاريخ، وتنافر العناصر التي تتألف منها. ذلك أن مملكة الصرب القديمة المتواضعة استحالت عقب الحرب الكبرى إلى مملكة جديدة تسمى مملكة الصرب والسلوفين والكروات؛ تضم مملكة الصرب القديمة، وأمارة الجبل الأسود، وسلوفينا، وكرواتيا، ودلماسيا، والبوسنة والهرسك، وبعض أنواع أخرى من إمبراطورية النمسا والمجر القديمة. والشعب الصربي هو الكثرة بين هذه الأجناس المتنافرة، وهو صاحب الحكم والسيادة، وإليه تنتمي الأسرة الملكية ومعظم الوزراء والحكام والقادة. وكانت كرواتيا أو بلاد الكروات بين الولايات الجديدة أشدها مراساً وأعرقها قومية وتعصباً. وتشغل كرواتيا نحو خمس المملكة الجديدة وعاصمتها (زغرب) أو (أجرام) مدينة قديمة سكانها نحو ربع مليون وبها جامعة. والكروات شعب جبلي فلاح ساذج يبلغ زهاء ثلاثة ملايين من مجموع قدره ثلاثة عشر مليوناً. وكان الشعب الكرواتي قبل الفتح التركي في القرن الخامس عشر يتمتع باستقلاله في ظل مملكة بلقانية قوية، ثم غدت كرواتيا كما غدت صربيا والمجر ولاية عثمانية، وضمت منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى النمسا والمجر. ولم ينس هذا الشعب الجبلي الوعر استقلاله ونزعته القومية، فكان في ظل الإمبراطورية النمسوية يجيش بالأماني الوطنية، ويطمح إلى الاستقلال الذاتي؛ ولم يقف إلى جانب آل هبسبورج أثناء الحرب إلا طمعاً في تحقيق شئ من أمانيه القومية. واستمرت تحفزه مثل هذه الأماني في ظل يوجوسلافيا الجديدة؛ وكان بطل كرواتيا الوطني استيفان رادتش رئيس حزب الفلاحين أقوى الأحزاب الكرواتية وأشدها نفوذاً؛ وكان هذا الزعيم القومي الذي كونه مزيج من الثقافات الألمانية والفرنسية والروسية يسيطر ببيانه الساحر وخلاله القوية على مواطنيه ويقودهم حيثما شاء؛ وكان حزب الفلاحين حتى سنة ١٩٢٥ جمهوري النزعة
стр. 5688
يطالب بالاستقلال الذاتي؛ وكانت كرواتيا تضطرم من حين لآخر بالقلاقل والمظاهرات القومية؛ فتخمدها حكومة بلغراد الصربية بمنتهى الشدة؛ وتذكى بذلك أحقاد الكروات الجنسية. وفي سنة ١٩٢٥ أدرك الملك اسكندر خطر هذه الحركة على وحدة يوجوسلافيا؛ فاستدعى الزعيم رادتش وتفاهم معه؛ وعقد اتفاق بين الصرب والكروات يمنح به الكروات بعض الحقوق والمزايا القومية؛ فهدأت حركة الكروات الاستقلالية نوعاً وأبدى الشعب الكرواتي شيئاً من الولاء نحو العرش والحكومة؛ واحتل الكروات مقاعدهم في الجمعية الوطنية؛ واشتركوا في حكم البلاد؛ وكان لهم في الجمعية ٨٥ كرسياً أي نحو ربع مجموع الكراسي. ولكن هذا التفاهم لم يلبث طويلاً؛ لأن الجبهة العسكرية المحافظة التي تحكم البلاد من وراء الملك اسكندر لم يرق لها هذا التسامح مع الأقلية؛ ورأى الكروات من جهة أخرى أنهم لم ينالوا بهذا التهاون كل ما يطمحون إليه من المزايا الاستقلالية؛ فعاد سوء التفاهم بين الفرقين مرة أخرى؛ واشتدت الخصومة بينهما منذ سنة ١٩٢٨؛ ووقعت في كرواتيا قلاقل جديدة؛ واتخذت المعارضة الكرواتية في المجلس اتفاقات (نتونو) التي عقدت يومئذ بين يوجوسلافيا وإيطاليا بشأن الحدود مادة لحملات قوية على حكومة بلغراد والملك اسكندر؛ واستمرت هذه الحملات في شدتها حتى ضاقت حكومة بلغراد وضاقت الأكثرية الصربية البرلمانية بها ذرعاً؛ ووقعت بين الفريقين في الجمعية مناقشات ومناظر عاصفة انتهت في ٢٠ يونيه سنة ١٩٢٨ بوقوع تلك المذبحة البرلمانية الرائعة، وسفك دم الزعماء الكروات في نفس المجلس الذي دعوا إلى الاشتراك في أعماله، ومصرع استيفان رادتش زعيم كرواتيا القومي ومعبودها الوطني.
وهناك أدرك الملك اسكندر خطورة الموقف، وحاول مرة أخرى أن يعمل على تهدئة الأحقاد القومية التي أثارتها الجريمة، ولكنه لم يستطع فيما يظهر أن يغالب نفوذ العسكرية المسيطرة على الحكم؛ فلم تتخذ حكومة بلغراد في شأن النائب أو النواب القتلة إجراءات جدية تهدئ الشعور المضطرم؛ وكان موقفها في ذلك كموقفها يوم مقتل الارشيدوق فردينند من عطف على الجريمة ورفق بالجناة؛ وأخمدت حركات زغرب عاصمة كرواتيا ومظاهراتها بشدة، وساد حكم الإرهاب في كرواتيا، وطورد زعماؤها وأبناؤها أشد مطاردة؛ وأبدت حكومة بلغراد وعمالها الصربيون في معاملة الشعب المغلوب منتهى الخشونة
стр. 5689
والقسوة؛ فتوجست العناصر الأخرى شراً واشتدت الأحقاد القومية، وتعقدت الأزمة، وكادت يوجوسلافيا تنحدر إلى الحرب الأهلية؛ عندئذ لجأ الملك اسكندر إلى إجراء خطير حاسم؛ ففي ٢٩ يناير سنة ١٩٢٩ أعلن إلغاء الدستور والجمعية الوطنية، وأعلن نظام جديد يقبض الملك في ظله على كل السلطات، وتؤلف الحكومة من ستة عشر وزيراً، يُسألون أمام الملك شخصياً؛ وألغى تقسيم يوجوسلافيا القديم إلى ولايات عنصرية، وقسمت إلى تسع ولايات جديدة لكل ولاية حاكم مطلق؛ وغير اسمها من مملكة الصرب والسلوفين والكروات إلى مملكة يوجوسلافيا؛ وحل حزب الفلاحين الكرواتي، وقمعت كل حركة ومظاهرة عنصرية بمنتهى الشدة. وساد على يوجوسلافيا كلها حكم مطلق حديدي حتى اليوم. ولكن الملك اسكندر أبدى في اضطلاعه بمهام الحكم المطلق كثيراً من الحزم وبعد النظر؛ فاستقرت السكينة في البلاد، وخبت الأحقاد والنزعات القومية المحلية أمام البطش؛ ولكنها لبثت كالنار تحت الرماد تسري في صمت، وتتربص فرص الاشتعال. وكان من المستحيل إزاء هذه المشاكل العنصرية الخطيرة، وإزاء استئثار العنصر الصربي بالسيادة والحكم أن تحكم يوجوسلافيا بغير الحكم المطلق؛ ولم يكن في تقاليد العسكرية الصربية التي تحكم من وراء العرش، ولا في تقاليد أسرة كاراجورج فتش الجالسة عليه ما يؤيد النظم البرلمانية، أو يفسح لها أي مجال حقيقي.
وقد تولت أسرة كاراجورج فتش التي ينتمي إليها المرحوم الملك اسكندر بوسائل عنيفة أيضاً. وكان العرش قبلها لأسرة أوبرينوفتش يتولاه الملك اسكندر أوبرينوفتش حتى سنة ١٩٠٣. وفي يونيه من هذا العام دبر الحزب العسكري بتحريض أسرة كاراجورج فتش مؤامرة كانت نتيجتها أن قال الملك اسكندر أوبرينوفتش وزوجته مدام دراجا ماشين التي أثار زواجه بها قبل ذلك بعامين ضجة كبيرة، في غرفة نومهما؛ وعلى أثر ذلك أعلن بطرس كاراجورج فتش، والد الملك اسكندر ملكاً؛ وعهد بمهام الحكم إلى الجناة الذين اشتركوا في مقتل سلفه، فدلل بذلك على إنه لم يكن بعيداً عن الجريمة. واستمر ملكاً حتى سنة ١٩٢١، وخاض غمار الحروب البلقانية والحرب الكبرى، وتولى ولده الملك اسكندر الحكم من بعده، وكان مولده سنة ١٨٨٨، وكان أثناء حياة أبيه يتولى أخطر المهام العسكرية والسياسية، فأبدى حزماً ومقدرة في قيادة يوجوسلافيا الكبرى، ولكنه لم يوفق إلى حل
стр. 5690
المشاكل العنصرية، ولم يستطع كبح جماح العسكرية كما قدمنا، وشاء القدر أن يذهب ضحية الأحقاد العنصرية على ذلك النحو المؤسي.
هذه هي حقيقة البواعث والظروف التي أدت إلى مقتل الملك الراحل، فالأحقاد القومية هي التي سلحت القاتل كاليمن وزملاءه الكرواتيين، وهي التي دفعتهم إلى ارتكاب جريمتهم الفظيعة انتقاماً لمصرع زعماء كرواتيا الوطنيين، وانتقاماً لما تلاقيه من آلام الاضطهاد المنظم. ومن المحقق أن سيكون للحادث أخطر الآثار في مصاير يوجوسلافيا، وإن كان من المستحيل أن نتنبأ اليوم بما سيكون. وقد تكون ثمت وراء الجريمة عوامل تحرض أجنبية عرفت أن تستغل الأحقاد العنصرية وأن توجهها، ولكن الجريمة تبقى مع ذلك جريمة عنصرية، باعثها الانتقام القومي.
إن المسألة الكرواتية تعتبر بالنسبة ليوجوسلافيا كالمسألة الأرلندية بالنسبة لإنكلترا، وستبقى خطراً دائماً على الوحدة اليوجوسلافية، مادامت العسكرية الصربية تأخذ بسياسة السيادة العنصرية، ومادام الشعب الكرواتي يشعر بأنه لم يأخذ حقه من العدالة والمساواة والاشتراك في أعباء الحكم.
أما المرحوم مسيو لوي بارتو، فقد كان ضحية بريئة للجريمة، ولم يقصده الجناة بالذات، وسيكون لمقتله أثر عميق في شئون فرنسا الداخلية، وربما في سياستها الخارجية.
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 5691
ابن من يا فاجرة؟
للدكتور احمد زكي
وكيل كلية العلوم
كانت فاجرة لأنها ادعت ابنها الوليد لغير أبيه، وهي تعلم أنه لأبيه. وكان الرجل المتهم في عرضه، المقدوح في طهارته، رجلاً من ذوي الثراء، جمع من المال ما جمع في أيام صباه، من أعمال واسعة النطاق، وأشغال استغرقت كل زمانه فألهته عن ملذات الجسم ومتع الشباب. وبلغته الشيخوخة على حين غفلة، فأراد أن يدرك الفائت، وأن يلحق بالهارب، وأن يذكر نفسه، ويسترجع حسه، ويستجمع بقايا شبابه، فطلب الأنثى الشابة، فجاءته إناث كثيرات، فعلم أنهن لم يردنه، وإنما أردن ماله، وكان كلما أنس من بعضهن إلى الجناب الرفيق والصدر الحنون، وكان يهم بالخِطبة، هتف في نفسه الهاتف يقول: جناب عن قريب ينبو، وصدر لا يلبث أن يخون. وظل على هذه الحال زماناً، يحدوه أمله، وترده سنّه، وقام ثراؤه يتهم كل امرأة ولو أخلصته النية، ورضيت صادقة برعايته وحضانته وبتمريضه بكل ما فيها من أنوثة.
وفي أثناء ذلك اتصل بأحد المقربين إليه من مستخدميه، فشكا له الوحدة عرضاً، فذهب هذا المقرب إلى زوجته تلك الليلة يذكر لها الشكوى. وفي الصباح أتت الثري من الزوجة دعوةٌ على طعام، وتلت تلك الدعوة دعوات، في حضرة الزوج، وفي غير حضرة الزوج، وكثيراً ما حضرها الشباب من الصحاب، فامتلأت البطون، واحتر الدم بالرقص والشراب، وكثيراً ما نسى الشيخ وقاره في تلك الأجواء الزائطة، فنال من الزوجة المضيافة القبلة بعد القبلة، فأعطت عن سخاء، على أعين ضيوف اليوم الفرحين، وشهود الغد المحرجين.
فلما ولد المولود، وهم الشيخ بالتبريك، جاءه رسول القضاة يعلن اتهامه. وانعقدت المحكمة، وجاءها الشهود كأنما كانوا على موعد، فأثبتوا روحاته وجيئاته، وأثبتوا اختلاءه، وأثبت الزوج تغيبه ولم يبق على استقلال الطفل بكل تلك الثروة الواسعة من بعد أبيه إلا حكم المحكمة.
وفي اللحظة الأخيرة طلب الدفاع بحدة العلم، والالتجاء إلى المعمل عسى أن تكون عنده الشهادة التي لا تُرد، وفي الغد أو الذي يليه احتكموا عند أحد الأخصائيين المحلفين إلى
стр. 5692
قطعة زجاج، وبعض سوائل في أنابيب، ثم إلى المكرسكوب - جمادات كلها لا تكذب إذا كذب الإنسان. وبذلك، وبذلك وحده، نجا الشيخ من الشرَك، ونذر ما عاش أن يبتعد عن الآنسات ميلاً، وعن المتزوجات أميالاً.
ثم غلب التهمة الملحة في نفسه واقترن بأرملة، باعدت عنه الريب وحملت عنه أعباء الحياة.
أما همنا اليوم ففي تلك الأشهاد من الجماد. وقصة ذلك إن الدم الإنساني يتركب من كرات حمراء وأخرى بيضاء، يسْبحن في سائل يسمى المصل، عديم اللون أو هو كلون زلال البيض، يحتوي عدة مواد ذائبة فيه. وقد كشف العلماء في الكرات الحمراء عن مادتين تسمى أولاهما ألفاً والثانية باء. ووجدوا فوق هذا أن الكرات الحمراء للرجل (أو المرأة) قد تحتوي على المادة ألف وحدها، وقد تحتوي على المادة باء وحدها، وقد تحتوي على كليهما معاً، وقد تخلو منهما جميعاً. وبناء على ذلك قسموا الناس إلى مجموعات أربع: مجموعة ألِفية، ومجموعة بائية، ومجموعة ألفبائية، ومجموعة صفرية، نسبة إلى الصفر في قولك رجل صفر اليدين أي خاليهما. فأنا وأنت وكل أحد لابد واقعون في أحد هذه الأقسام. وتعرف المجموعة التي ينتسب إليها الفرد من تفاعلات تقع بين الدماء عند خلطها. فهب أني أنا من المجموعة الألفية ولا فخر، وهب أنك أنت من المجموعة البائية ولا حط من قدرك، فلو أنك أخذت شيئاً من دمي، وفصلت عنه مصله ومزجته بنقطة من دمك لتجمعت كراتك الحمراء وتزاحمت في هلع وارتياع، كقطيع النعاج داهمها الذئب، فاتخذت تحت المكرسكوب شكل عنقود العنب. وسبب هذا أن بدمي مادة معادية خصيمة لكراتك الحمراء، أو بالأحرى للمادة البائية التي بها. وعلى هذا تسمى مادتي هذه بالخصيمة البائية.
ولو أنك مزجت مصل دمك بدمي لتعنقدت كراتي الألفية كذلك، لأن بمصلك الخصيمة الألفية. فبدمي إذن المادة الألفية والخصيمة البائية، وبدمك أنت المادة البائية والخصيمة الألفية، والزوجان في دمك وفي دمي بالطبع على غاية المحبة والوفاق وإلا لتعنقدت كراتنا جميعاً وودعنا الحياة، لأن تلك الكرات لابد من نفاذها في الشعريات الدموية الرفيعة التي تصل ما بين الأوردة والشرايين وهناك دم ثالث نستعير لشرحه صديقي الأستاذ الزيات، فدم الأستاذ تجمع كراته الحمراء المادتين ألفاً وباء معاً، فلو أنك خلطت نقطة من مصلي
стр. 5693
بقطرة عزيزة من دمه لتعنقدت كراته، ولو أنك خلطت نقطة من مصلك بتل القطرة لتعنقدت كذلك، فصديقي الزيات من المجموعة الألفبائية. أما الدم الرابع فخالية كراته من كلتا المادتين فهي لا تتعنقد لا بمصلي ولا بمصلك.
وتابع العلماء دراسة دماء الناس في نواحي المعمورة تقصياً في البحث، وامتحنوا دماء الصغار والكبار، والأبناء والآباء لآلاف من الأسر ليتعرفوا العلاقة التي قد تكون بين الولد والأصلاب والأرحام التي انحدر منها، فوجدوا قوانين مطردة على مقتضاها ينسل الناسل. من ذلك أنهم وجدوا أن الطفل الألفي يتحتم أن يكون من أبوين أحدهما على الأقل ألفي. وأن الطفل البائي يتحتم أن يكون من أبوين أحدهما على الأقل بائي. وأن الأب أو الأم إن كان أحدهما ألفبائياً ورّث كلاً من بنيه ألفاً أو باء. فالرجل الألفبائي لا ينتج طفلاً صفرياً. كذلك إن كان الطفل ألفبائياً تحتم أن يكون قد ورث ألفاً من أحد أبويه وباءً من الآخر؛ ومثل هذا الطفل لا ينتج عن أب صفري.
وفي قضية الشيخ المثري التي فات ذكرها امتُحن دم الزوجة بأخذ قطرة دم من أنملها، وقسمت القطرة قطرتين، مزجت إحداهما بمصل الخصيمة الألفية فعنقدت كراتها، ومزجت الأخرى بمصل الخصيمة البائية فلم تتعنقد الكرات، فقُضي بأن الأم من الفصيلة الألفية. وامتُحن دم الوليد على هذا النحو فكان من الفصيلة البائية، فلزم على هذا أن يكون أباه بائياً أو ألفبائياً. فامتُحن الزوج فكان بائياً. وامتحن الشيخ فكان صفرياً، فنجا.
على إن امتحان الدم قد لا يؤدي إلى نتيجة حاسمة. فلو أن الشيخ كان بائياً أو بائياً ألفياً لجاز أن يكون الوليد من صلبه، ولجاز أيضاً ألا يكون. وقد حسب حاسب عدد الحالات التي يمكن فيها الجزم بوالد الطفل منسوبة إلى الحالات جميعها التي يحدث فيها اشتباه، فوجد أنها تبلغ الثلث.
وأريد أن أنبه أن المعمل قد يبرئ، ولكنه لا يستطيع وحده أن يتهم أحداً. فهب أن الولد كان بائياً، والأم ألفية، وكان زوجها ألفياً، وامتحن الشيخ فكان بائياً، فهل يقطع بأبوة الشيخ من أجل شهادة المكرسكوب وحدها؟ كلا. فكم من الرجال بائيون! ولم لا تكون الزوجة اتصلت بأحدهم؟ وإذن كان يتحتم على الاتهام إثبات ما كان بين الشيخ والمرأة في مسالك الحياة.
احمد زكي
стр. 5694
عصران في دار
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
هي أسرة واحدة تعيش تحت سقف واحد، ولكن عصور أفرادها متباعدة، وثقافاتهم متعددة متفاوتة، والحضارات التي يمثلونها لا تنفك تتصادم وتحترب في دارهم. وقد عرفت بعضهم في لبنان وبقيتهم في مصر، وكنت أتمشى يوماً قبل الغروب في طريق (ضهور الشوير)، والشوير (ضيعة) كما يسمونها، أو قرية في واد يشرف عليه الجبل، فهذا هو (الضهور) أو (الظهور)، فملت إلى مكان هناك يسمونه (قهوة الحاج ياس) وهي قائمة بين بساتين فاكهة وزهر، فلمحت في طريقي من ظننتها واحدة ممن عرفتهن هناك، فحثثت الخطى إليها، فإذا هي فتاة لا عهد لي بها، ولي بنظري قِصر، ولكني كنت مطفلاً، وكانت الشمس قد اصفرت وضعف ضوؤها، وكان الشجر يحجب وجهها عني - أعني الفتاة لا الشمس - فلي العذر إذا أخطأت. وعلى أنه خطأ لم يسؤ وقعه في نفسي. بهذا أعترف. وكانت جالسة ترسم فأغراني هذا بها، فدنوت منها على أطراف أصابعي، ثم وقفت أتأملها - من وراء ظهرها - وهي مقبلة على اللوح. فلما طال ذلك عليّ، وهي لا تلتفت وراءها، تنحنحت، فأدارت وجهها بسرعة وقالت: (أوه!) ولم يكن في وجهها لا ابتسام ولا دهشة، كأنما كان من المألوف عندها أن تسمع الناس يتنحنحون وراءها وهي ترسم!.
فقلت وقد أحسست أن الفتيات عسراً:
(هل أزعجتك؟)
فقالت وهي ماضية في رسمها وغير ناظرة إليّ:
(أزعجتني؟؟ هل سمعتك تقول إنك أزعجتني؟)
وكانت لهجتها واشية باحتقار يحول الأدب دون ظهوره على وجهها، أو لعل الأصح أن أقول في اللهجة تهكماً خفيفاً حملته على محمل الاحتقار، فحقدتها عليها - في سري - غير أني لم أظهر ذلك لها واكتفيت بأن أقول:
(هذا ما كنت أخشى - فالحمد لله!)
فمضت في تخطيطها على اللوح وقالت: (إذا كنت تريد أن تتكلم فاجلس). فكانت هذه صدمة ثانية. فتلجلجت قليلاً وقلت (أ. . . أ. . . أجلس؟) فقالت وهي مكبة على اللوح (آه.
стр. 5695
معذرة. . ثيابك بيضاء نظيفة، والأرض بليلة. . . مفهوم).
فاجترأت وقلت: (هل تريدين أن تدعيني إلى الجلوس؟.)
فقالت: (وماذا أصنع بك جالساً أو واقفاً؟ معذرة! إن غرورك هو الذي أجرى لساني بهذا الكلام)
فسألتها وأنا مبهوت: (غروري؟)
فقالت بلا اضطراب: (أعني غرور الرجال. . . وكنت تستطيع أن تدرك قصدي ولا تحوجني إلى الإيضاح)
وكنت في أثناء هذا الحوار لم أبرح مكاني وراءها، فتحولت حتى صرت أمامها وقلت وفي صوتي نبرة غضب مكظوم:
(هل تستطيعين أن تدعي أن بيني وبينك ثأراً قديماً؟)
فأدهشني أنها أجابت ببساطة ومن غير أن ترفع وجهها إليّ:
(ثأر؟ أوه لا!. ولكن ألا ترى أن أمثالك لا خير فيهم لمثلي)
فقلت: (معذرة فإني غير فاهم!.)
قالت: (بالطبع! ولست وحدك الذي لا يفهم. . . كلكم هكذا. . . لأنكم تفكرون بعقول معطلة. . . أعني أن أهواءكم تغلبكم وتدفع عقولكم في مجراها، وتمنعكم أن تفكروا في حاجات غيركم مثل تفكيركم في حاجاتكم. قد يبدو هذا القول غريباً من فتاة مصرية، لأن الفتاة في نظركم ليست سوى مطية. . . لا تستغرب هذه الصراحة، فلستم وحدكم كل من تعلموا وذهبوا إلى أوربا ورأوا بعيونهم وفكروا بعقولهم. . . ما علينا من هذا. . . نعم الفتاة ليست عندكم سوى مطية. . . لا تجادل من فضلك. . . لا تحاول أن تكذب. . . كلا. . . لا تقاطعني. . . إنك هنا لتتحكك بي. . . هذا واضح. . . بالطبع! دعني أتمم كلامي، لقد كنت أقول حين هممتَ بمقاطعتي إنكم معشر الرجال تعتقدون أن الفتاة مطية، وإنها لكذلك، ولكنها غير ذلك أيضاً. . . إعترف بصراحة. . . هل خطر لك مرة واحدة أن الفتاة أكثر من مطية؟!)
فخجلت لأني لم أكن أنتظر أن أسمع هذه المحاضرة، وأورثتني المفاجأة اضطراباً فقلت:
(ولكن هل من موجب لهذا الكلام؟؟ إنني. . .)
стр. 5696
فقاطعتني قائلة (نعم فإنك ما جئت إلى هنا إلا وفي أملك أن تقضي دقائق لذيذة مع فتاة ترجو أن تؤاتيك وأن تنيلك دقائق أخرى ألذ منها وأعذب)
فهممت أن أقاطعها ولكنها أومأت إليّ فسكت، واضطجعت هي على الكرسي وقالت:
(لا تكابر. . . واسمع مني، ولا تعجب إلا إذا كنت غبياً. . . لا مانع عندي البتة أن أمنحك الدقائق اللذيذة لو كنت تستحقها في نظري. . فإني أنا أيضاً أطلب لنفسي دقائق لذيذة وأشتهي أن أتمتع بحياتي وأفوز بنصيبي من لذات الدنيا، ولكن هناك لذائذ أخرى تعدل هذه وتستبد بالنفس وتغلبها على أهوائها الأخرى. . . هذا التصوير هو مهنة لأكل العيش إلى حد ما، ولكنه أيضاً فن يزاول لذاته وبغض النظر عن المنافع المادية. . إني حرة. . فقيرة، نعم، ولكني أجد الكفاية، وقد استطعت أن أتعلم أرقى تعليم تسمح به مواردي، والباقي أحصله باجتهادي. . درست التصوير في إنجلترا ثلاث سنوات بينما كنت مبعوثة إليها لأدرس شيئاً آخر، ولكني لا أتكسب به. نعم أبيع بعض صوري، ولكني استخدم ثمنها في إتقان فني. . في تجويد أداته. . لقد بعدت عن الموضوع جداً. . . على الأقل في نظرك. . ولكن هذا الشرح كان لازماً لأمثالك حتى يستطيع أن يجتنب إساءة الظن حين أسأله. . هل تستطيع أن تكون أنموذجاً لصورة؟)
فصحت (إيه؟ أنمو. . .)
قالت مقاطعة (نعم، أنموذج لصورة. . إن جسمك ليس معتدلاً، وقوامك. . . غير حسن. . وهذا ليس غزلاً مقلوباً من فضلك. . ولكن لو أمكن أن أرسمك وأنت عار. . ولكن بالطبع لا تستطيع. . . كلا. . . لا تستطيع. . . لا فائدة. . . خسارة. . . إن في ذهني صورة تصلح لها، ولكن الحياء الكاذب. . كلا. . لا فائدة)
فكدت أجن من جرأة هذه الفتاة، ثم تصورت نفسي واقفاً أمامها - على رجل واحدة!. وأنا كما خلقني الله فقهقهت، فصعّدت إليّ طرفها مستغربة مستفهمة، فلم أكتمها ما دار في نفسي وتمثل لخاطري، ثم تعارفنا.
وفي مصر رأيت أباها، وهو شيخ في السبعين من عمره، تخرج في دار العلوم وزاول التدريس حتى أقعده الكبر، ولكنه لا يزال على ارتفاع سنه نشيطاً. ومن شذوذه أنه لا يقنع بأن ينفى العامية من كلامه، بل يفرض الكلام بالفصحى حتى على الخدم.
стр. 5697
كنت معه يوماً، وكنا جالسين في حديقة البيت، فبصر بالخادم، فصاح به (ليس هكذا؟)
فانتفض الخادم ودار حول نفسه، وقال بلهجة الممتثل لقضاء الله فيه ولاستبداد هذا المجنون به:
(أفندم؟)
قال الشيخ: (ليس هكذا)
فعاد الخادم يسأل (أفندم؟)
فقال الشيخ مفسراً: (أقول ليس هكذا. ارفع رأسك وافتح صدرك. ألم أنهك أن تمشي متخلعاً؟)
فقال الخادم معترفاً: (أيوه يا أفندم؟)
فصاح به الشيخ: (قل نعم يا جاهل! أو بلى)
فاستغرب الخادم وسأل بلهجة المنكر: (بلى؟)
قال الشيخ (بلى)
فعاد الخادم يسأل (بلى؟)
قال: (نعم بلى! ماذا تظنني أقول؟)
قال الخادم: (بلى!)
قال الشيخ: (إذن قلها)
فحاول الخادم أن يعيدها ولكنه نسيها فجعل يقول: (أ. أ. بـ. بـ. . . وحك رأسه.
فأنكر الشيخ ضعف ذاكرته وقال: (نسيت بسرعة؟)
فتذكر الخادم وقال: (أ. . . بلى)
فعاد الشيخ يصيح: (مدهش! قل (لا) في هذا الموضع)
فظن المسكين أن عليه أن يردد كل ما يسمع فقال: (لا في هذا الموضع)
فضجر الشيخ وصاح: (ماذا كنت قبل أن تجئ إلى هنا؟ ببغاء؟)
فكرّ الخادم مسرعاً إلى الأولى استرضاء للشيخ وقال (أ. . . أ. . . بلى)
فيئس الشيخ وقال وهو ينظر إليّ (لا فائدة. . . لا فائدة!)
وحسب الخادم أن الكلام له فقال: (بلى.)
стр. 5698
فصاح الشيخ. (اذهب. . . اذهب. . . وارم نفسك في بئر.) فظن المسكين أنه يحسن به أن يقول شيئاً آخر فقال:
(لا في هذا الموضع)
هذه هي الأسرة - أو على الأصح، هذا هو الأب، وتلك فتاته، وهما يعيشان في بيت واحد تحت سقف واحد، ولا أدري أيشعران أم لا يشعران بما بينهما من مسافة الزمن التي تحسب بالقرون، ولكن الذي أدريه أنهما على تباعد عصريهما سعيدان. وقد ساعد على ذلك وأتاحه سعة أفق الفتاة وما تمتاز به الشيخوخة من الحلم والجنوح إلى التسامح، أو الضعف إذا شئت. . .
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 5699
نبتون
للأستاذ راشد رستم
في ناحية من نواحي الحديقة المنسقة الواسعة، أنشأوا بحيرة صغيرة صافية، وحول هذه البحيرة الساكنة قامت الأشجار عظيمة السيقان، كثيرة الأغصان - تباعدت في الأرض جذوعها، والتقت في السماء فروعها - دوحة خضراء، نادرة المثال في هذا النوع من التنسيق والجمال، اتخذت منها الأطيار الوديعة أراجيحها اللينة، وأقامت فيها أعشاشها الآمنة.
وفي وسط هذه البحيرة الصغيرة أقاموا تمثالاً كبيراً لأله البحر الأعظم: نبتون بن زحل. . .
أقاموه في هذا المكان الهادئ، واقفاً يحمل في يمناه صولجانه مثلث الأسنان، ويمد يسراه في اطمئنان مشيراً إلى الماء الخاضع في هدوء عند قدميه، وكأنه يقول: هذا ملكي، هذا عرشي!
أي نبتون! مزعزع ركن الثرى
ما كنا لنجهل ملكك، أو نسلبك عرشك.
رمز لظلمات ذلك الخيال المضطرب لما رآك أجدادنا المتقدمون؛ ولذلك الرعب الآخذ بنفوسهم لما تركوك إلى برهم؛ ولذلك التعدي، وقد جهلوه منك، عندما حاولت أن تصل إليهم بمدك؛ ولذلك الفشل، وقد تمنوه لك، لما عدت عنهم خائباً بجزرك.
على أنك لا تزال تطغى ولا ترحم، وستهشم ما تصل إليه يدك في غدك، كما كنت تفعل في أمسك، وإن كنت تحوي الدر، وتؤدي خيراً، فإنك لا تدري إن هذا خير وذاك در.
إن هذه البحيرة الصغيرة الهادئة لا تستحق من أهل السلام وأهل الجمال، أن تقوم أنت وسطها على جزيرة لا تكاد تفي بموطئ قدميك، تقوم فيها بثقيل هيئتك، وكالح وجهك وخشن شكلك. وهنالك في المحيط الواسع جزائر عظمى، خذها مسكناً وصقيلاً، فعندها تجد لخشونتك مجالاً، ولوحشيتك ميداناً، وهنالك حيث أهلها وسكانها أقرب طباعاً لما يرضيك، فتتخذهم أعواناً أو عبيداً أو خلقاً جديداً، تسخرهم فيما تشاء من إغراق وإغداق، وتراهم يرتاحون لجوارك ويحافظون على سلطانك، وهم يرون في عتوك وجبروتك حماهم الذي
стр. 5700
لولاه لكانوا في الأرض أغناماً لسباعها، أو أسلاباً لناسها.
أيْ نبتون!
تضيع بهجة هذا المكان، وتذهب وداعة هذه البحيرة، مادمت قائماً فيها برمزك هذا الخشن.
وكأني بصاحب المكان فظاً غليظ الفؤاد، إذ يجعل جباراً يداعب ضعيف الجناب! أي ضعف في الذوق! وأي خشونة في الطباع أشد من أن يقيم المنسق رمزاً للخشونة الواضحة، والقسوة المتجددة، في المكان الساكن، ذي الروح الوديعة، والجو الهادئ. . .
كأني بهذا المنسق، وقد أقامك بين هدوء المكان وبهجته، بل وقد حبسك في هذا القفص الرطب. كأني به يستهزئ من قوتك، ويستنزل من شأنك، فيقيم الرمز الثقيل في بحيرة صغيرة، تكاد تكون نقطة في بحرك.
أم أن هذا المنسق حكيم بصير! أراد تغليب صفاتك القاسية على ميزات المكان اللينة، فيقول للناس بذلك، وهم وقوف عند البحيرة المسكينة المستسلمة - يقول: أحقاً أيها الناس أرباب العواطف، أحقاً تشعرون بجمال هذا المكان ووداعته، وهاهو ذا تمثال طاغية يذكركم بأمواج كالجبال، وطباع كالبحار، ودخيلة لا أمان لها؟ أتظنون أن طائر الرحمة والرضا، يأوي إلى القلوب، وهو يرى رمز القسوة والحماقة قائماً ماثلاً؟
أتظنون أيها الفنانون أن في هذا العالم جمالاً صافياً خالياً؟ جمالاً للجمال. . .
لا أدري حقيقة ما يقصد صاحب المكان، ولكن خطأ يا سادة أن تقيموا هذا الرمز الخشن في هذه الطبيعة الناعمة. إن من جمال النفس أن تجمع بين الماء والخضرة (والتمثال) الحسن.
وإن الذي يأتي إلى هذا المكان الهادئ، لا يقيم قليلاً حتى يمسه تيار قاتم من روح هذا الجبار العتيق. يشعر وسط هذا النعيم الأخضر بلفحات من جحيم الحياة القاسية.
فيا حراس المكان وحفظة السلام، ويا أهل الجمال، أزيلوا هذا الرمز الخشن، وردوه إلى حيث تتناسق صفاته وقسوة الطبيعة فتكونون قد صنعتم جميلاً، وأرضيتم أهل الخيال وأهل الحقيقة.
(حديقة انطونيادس)
إسكندرية
стр. 5701
راشد رستم
стр. 5702
٥ - الشخصية
للأستاذ محمد عطية الأبراشي
المفتش بوزارة المعارف
العناصر الرئيسية التي تتكون منها الشخصية القوية:
الثقة بالنفس والاعتماد عليها:
من العناصر الأساسية في تقوية الشخصية الثقة بالنفس أولاً، والاعتماد عليها ثانياً. ومتى وجدت الثقة بالنفس فمن السهل الاعتماد عليها في كل عمل ممكن من الأعمال، وفي التغلب على صعوبات الحياة. والسبب في كثرة الاعتماد على الغير أن الغريزة الاجتماعية قوية في الجنس البشري متأصلة فيه، وأننا اعتدنا التفكير الجمعي لا التفكير الاستقلالي. فينبغي أن نعود الأطفال الاعتماد على أنفسهم، والاستقلال في تفكيرهم من غير اتكال على أحد، حتى يستطيعوا في المستقبل أن يعيشوا معتمدين على أنفسهم. ولا نريد بذلك أن يعتزل الإنسان العالم وينقطع عن الناس، ويفكر في نفسه فحسب، فليس هذا من الإنسانية في شئ، بل إنهباعتزاله غيره يفقد كثيراً، ولا يربح إلا قليلاً. ولكننا نريد تعويد الأطفال الاستقلال الشخصي والقدرة على القيام بأعباء الحياة من غير اتكال على الغير في كل شئ، حتى يمكنهم أن يقوموا بواجبهم نحو أنفسهم ونحو المجتمع. والاعتماد على النفس يتطلب الثقة بالنفس، والدقة في العمل، والتحقق منه، حتى تكون أحكامنا صائبة، وأمورنا نافذة، وأقدامنا ثابتة. أما إذا انتفت الثقة بالنفس أو الدقة في العمل، أو التثبت منه، فالاعتماد على النفس حينئذ يكون عبثاً ومن قبيل الأحلام. والرجل الواثق بنفسه ثقة بعيدة عن الغرور والاستبداد، الواثق بقوله وفعله - يستطيع أن يقف وحده منادياً برأيه مبرهناً على سداده وصوابه. وليس من يستقل برأيه في أمر من الأمور يكون مخطئاً دائماً، بل قد يكون مصيباً في رأيه، وقد يسبق في آرائه المجتمع الذي يعيش فيه بعشرات السنين، كما هي الحال في المصلحين الذين يكونون غالباً في واد والمجتمع في واد آخر، لا يقدر رأيهم إلا بعد مماتهم. وبالمصلحين الذين يثقون بأنفسهم يحيا المجتمع. وإذا مدحنا الثقة بالنفس فلا نمدح الإفراط فيها؛ لأنه قد تكون علامة على الضعف لا على القوة، كما لا نمدح ضعف
стр. 5703
الثقة فإنه دليل على ضعف الشخصية.
المزاج:
من العناصر الهامة المؤثرة في الشخصية: المزاج؛ فالناس يختلفون في أمزجتهم كما يختلفون في شخصيتهم، فهذا متفائل، وذاك متشائم، هذا سريع التأثر، وذاك بليد لا يكاد يتأثر، هذا كثير التردد، وذاك كثير الإقدام. كل له مزاج خاص، وسلوك يختلف باختلاف ذلك المزاج. ولكن ما السبب في اختلاف هذه الأمزجة؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نذكر رأي العلماء قديماً وحديثاً، حتى تتضح لنا الأسباب التي من أجلها اختلفت الأمزجة فنقول:
إن العلماء قديماً حاولوا تقسيم الأمزجة إلى أربعة أقسام: دموي، وصفراوي، وبلغمي، وسوداوي. وبنوا هذا التقسيم على السوائل والإفرازات الجسمية. فالشخص الاجتماعي المتفائل الواثق بنفسه، الغيور على عمله، الصافي الذهن، الحاد الذاكرة، كانوا يعتبرونه كثير الدم، وبعبارة أخرى دموي المزاج. والشخص العنيد السريع الانفعال القوي الإرادة، كانوا يقولون إن لديه كمية زائدة من الصفراء، أو المِرة، ويدعونه صفراوي المزاج. والشخص الهادئ، الذي يغلب عليه الكسل، وتلوح عليه البلادة، الذي لا يبالي ولا يكترث كثيراً ولا يتأثر بسهولة، كانوا يحسبون أن عنده مقداراً زائداً من البلغم، ويسمونه بلغمياً.
أما الشخص الذي تنتابه الأحزان، وتلعب به الوساوس، وتتقاسمه الهموم والمخاوف من غير سبب ولأقل سبب، فكانوا يخالون أن لديه زيادة في المِرة السوداء أو الطحال، ويعدونه سوداوياً. وقد زاد بعضهم مزاجاً خامساً وهو المزاج العصبي الناشئ من وفرة السائل العصبي.
أما المحدثون من العلماء فيرون أن هذا التعليل قديم ولا قيمة له من الوجهة العلمية؛ لأنه مبني على الجهل بعلم وظائف الأعضاء، وعلى نقص في المباحث العلمية قديماً. وهم إن أنكروا هذا التعليل في اختلاف الأمزجة لا ينكرون اختلافها، ويسلمون بتعدد أنواعها، ويعتقدون أن هناك أسباباً أخرى لاختلاف الأمزجة كالوراثة، والبيئة، والغذاء، والمرض، وضعف الأعصاب، كما يعتقدون أن إفرازات الغدد لها أثر كبير في اختلاف الأمزجة؛ فمزاج الشخص يختلف باختلاف قوة إفراز الغدد أو ضعفه. فلهذه الإفرازات تأثير كبير في
стр. 5704
الجسم والعقل، وعنها وعن الأمر السابقة ينشأ الاختلاف في الأمزجة. فالمزاج في رأي المحدثين يتأثر بالمواد الكيميائية وإفرازات الغدد المختلفة التي يحملها الدم إلى المخ والعضلات، لا بوفرة الدم أو الصفراء أو البلغم أو السوداء كما يقول القدامى من العلماء. ومن هذه الغدد:
(١) الغدتان الخاصتان بالكليتين، ولمهما صلة بالانفعالات والعواطف؛ فإذا كان إفرازهما قوياً كان الشخص سهل التأثر، سريع الغضب، وإذا كان إفرازهما ضعيفاً كان حليماً بطئ التأثر قليل الغضب.
(٢) والغدد النكفية. وهي غدد صغيرة أسفل العنق، ولها صلة بالذكاء؛ فإذا كانت قوية الإفراز كان الشخص ذكياً، وبالعكس. ويرى (مكُدوجُل) وهو حجة في علم النفس أن الضعف العقلي قد ينشأ عن قلة إفراز الغدد النكفية أو عن عدم وجودها.
(٣) وغدة تفاحة آدم ولها صلة بنشاط الشخص ومثابرته على العمل، وبالتجربة رأى بعض الأطباء وعلماء وظائف الأعضاء أن للغد تأثيراً قوياً في الإنسان، وقالوا - ونرجو أن تثبت التجارب قولهم - إن العمليات الجراحية يمكن أن تنظم إفراز غدتي الكليتين، وتغيير سلوك الشخص وطباعه. وإذا ثبت أن للغد تأثيراً كبيراً في ذكاء الشخص ومزاجه فينبغي التفكير في معالجة الضعف العقلي، وحدة الطبع من الوجهتين الطبية والنفسية معاً.
ومجمل القول أن الشخصية القوية يجب أن تتحقق فيها العناصر الآتية:
(١) الجاذبية، (٢) النشاط العقلي أو الذكاء، (٣) المشاركة الوجدانية، (٤) الشجاعة، (٥) الحكمة، (٦) التفاؤل، (٧) التواضع وعدم التصنع، (٨) حسن مظهر الإنسان وقوامه، (٩) قوة البيان، (١٠) الثقة بالنفس والاعتماد عليها، (١١) اعتدال المزاج.
وهناك صفات أخرى كثيرة لابد منها في الشخصية. سنتكلم عنها فيما بعد عند التكلم على أنواع الشخصية والصفات الكمالية لها. ولكن العناصر المذكورة هي الأساسية في تقوية الشخصية الضرورية للنجاح في الحياة.
يتبع
محمد عطية الأبراشي
стр. 5705
بين فن التاريخ وفن الحرب
٤ - خالد بن الوليد في حروب الردة
للفريق طه باشا الهاشمي
رئيس أركان الجيش العراقي
(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)
خالد بن الوليد
الحركات الأولية:
والواضح من أخبار الرواة أن مناوشات طفيفة وقعت قبل أن يتسلم خالد بن الوليد قيادة الجيش للقضاء على أهل الردة في بلاد نجد.
والظاهر أن الرواة لم يتفقوا على أخبار هذه المناوشات جرياً على عادتهم، والروايات المنتهية إلى سيف بن عمر وهو الراوي الذي يستند إليه الطبري في ذكر الكثير من أخباره تبحث في قتال عنيف وقع بين المسلمين وأهل الردة قبل أن يزحف خالد بجيشه إلى طليحة بن خويلد الأسدي في بزاخة. أما الأخبار التي يرويها الواقدي والبلاذري فتذكر قتالاً طفيفاً جرى في ذي القصة أو البقعاء بين مقدمة المسلمين وعبس وذبيان انتهى بهزيمة المرتدين بعد أن رأوا أن كوكب (القسم الأكبر) جيش المسلمين وصل لنجدة المقدمة، وإن قسماً من هذا الجيش طاردهم إلى ثنايا العوسجة، ولما لم يلحق بهم عاد إلى المعسكر.
ولم يتفق الرواة على هذا القتال أجرى قبل عودة جيش أسامة بن زيد أم بعد عودته من بلاد الشام.
ومن الأخبار ما تروي أن كبار الصحابة أشاروا على أبي بكر ألا يرسل جيش أسامة بعد أن وردت الأخبار بارتداد العرب، إلا أن أبا بكر لم يقدم على تغيير ما أمره الرسول به في حياته. والذي اتفق عليه الرواة أن جيش أسامة لم يغب عن المدينة أكثر من شهرين، وكان الجيش متجمعاً في الجرف في شمال المدينة لما توفى الرسول. ومع أن أكثر الرواة يزعم أن أخبار الارتداد في الشرق وفي الشمال وفي الجنوب الشرقي وردت قبل حركة جيش
стр. 5706
أسامة - وذلك ما جعل كبار الصحابة يشيرون على الخليفة بإبقاء الجيش ليعتز المسلمون به في محاربتهم أهل الردة - إلا أن الواقع لا يؤيد ذلك إذ لا يعقل أن يصل نعي النبي إلى بلاد عمان والبحرين فيرتد أهلهما ويصل ذلك النعي إلى المدينة وجيش أسامة قاعد لا يحرك ساكناً. وإذا كان الخليفة يريد أن ينفذ أوامر الرسول فلماذا يؤخر حركة هذا الجيش طول هذه المدة؟ وتدل الأنباء على أن أول من أنبأ بالارتداد عامل مكة وأعقبه عامل الطائف بالخبر، ثم ورد عمرو بن العاص إلى المدينة بخبر ارتداد أهل عمان والبحرين ونجد، وكان الرسول بعد حجة الوداع قد أوفده إلى عمان، فلما بلغه نعي النبي قفل راجعاً إلى المدينة وأخبر بوضوح أن الغرب ارتدت من دبا إلى المدينة، والمدة التي تصل فيها أخبار الوفاة إلى عمان ليست قصيرة، كما إن السفر من عمان إلى المدينة أيضاً يتطلب عدة أيام، لأن المسافة بين عمان والمدينة ١٢٥٠ ميلاً (أعني مسيرة أكثر من عشرين يوماً على الذلول)
ومن الواضح أن كبار الصحابة لم يرتأوا إبقاء جيش أسامة بمجرد رؤيتهم قبائل فزارة وغطفان يرتدون، والأمر الذي لاشك فيه أن خبر امتناع بعض القبائل العربية القريبة من المدينة عن تأدية الزكاة وردت إلى المدينة قبل حركة جيش أسامة.
وإذا صح ادعاء الرواة بأن خبر ارتداد العرب في أقصى البلاد ورد إلى أبي بكر فأطلعه على حرج الموقف قبل سفر جيش أسامة، فيكون الخليفة قد جازف مجازفة خطيرة، بإيفاده الجيش شمالاً بينما كان الخطر يهدد المسلمين في عقر دارهم.
ومن الرواة من يزعم أن أبا بكر شرع في قتال أهل الردة بعد عودة جيش أسامة، ومنهم من يدعي أن قتال ذي القصة والربذة جرى قبل عودة الجيش.
أما نحن فنميل إلى الاعتقاد أن القتال وقع قبل عودة الجيش، إذ لا يعقل أن تتواطأ غطفان على الهجوم على المدينة، وتعلم بأن جيش أسامة مرابط في شمالها. بينما الروايات التي يستند إليها الواقدي والبلاذري تدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة في ذلك القتال.
الشروع في العصيان:
أول من شرع في العصيان خارجة بن حصن الفزاري من رؤساء بني فزارة، إذ أنه أوقف جابي الزكاة في طريقه إلى المدينة وأخذ منه ما في يده على بني فزارة ورجع الجابي إلى
стр. 5707
أبي بكر.
أما القبائل التي ثارت وتظاهرت بالعداء فهي: بنو أسد وغطفان والبعض من بطون طئ، فاجتمع بنو أسد في سميراء، وعلى رأسهم طليحة بن خويلد، واجتمعت فزارة في جنوبي طيبة، واجتمعت عبس وذبيان في الربذة والتف حولهم جماعة من كنانة، ولما كثر عددهم لم تحملهم البلاد لأن المياه شحيحة والمرعى قليل فتفرقوا إلى فرقتين، فأقامت فرقه بالأبرق بالقرب من الربذة والأخرى في ذي القصة، وأمد طليحة فرقة ذي القصة بقوة من بني الأسد. والداعي إلى تفرقهم هو أن الوقت كان صيفاً، لأن الرسول توفى في شهر ربيع الأول للسنة الحادية عشرة من الهجرة. وهذا التاريخ يوافق شهر حزيران سنة ٦٣٢ ميلادية. والمياه على ما نعلم تشح في الصيف، وكذلك المرعى تقل حينئذ. فبعثت غطفان وفداً إلى المدينة ليعرض على أبي بكر رغبتها في أن تقيم الصلاة وألا تأتي الزكاة، وكان عيينة بن حصن الفزاوي وأقرع بن حابس في الوفد.
فلم يلب أبو بكر طلبهم برغم إشارة بعض الصحابة عليه بالتساهل معهم إلى أن يعود جيش أسامة، إلا إنه في الوقت نفسه قدر خطورة الموقف لما عاد الوفد إلى أهله. وكان للوفد على ما يظهر مهمتان: عفو الزكاة، والإطلاع على قوة المسلمين في المدينة. وقد لاحظ أبو بكر ذلك، إذ لم يعد الوفد حتى جمع الصحابة وأطلعهم على حرج الموقف وكلفهم بحراسة المدينة ليلاً ونهاراً. فأقام رجالاً في الأبراج لمراقبة الطرق الممتدة إلى المدينة من جهة البادية ورتب قوة احتياطية في المسجد لتكون على استعداد للنجدة عند الحاجة، وحذر أهل المدينة بقوله (إنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد) يشير بذلك إلى قرب المسافة بين المدينة والقبائل المتحفزة للهجوم.
وقد يعجب الإنسان بصلابة أبي بكر في رفضه طلب الوفد بعد اطلاعه على أخبار عماله لدى القبائل وسماعه حديث عمرو بن العاص. وكانت جميعها تنبئ بارتداد العرب عامة أو خاصة ولا يوجد في المدينة سوى نفر قليل وجيش أسامة بعيد عنها.
ونظراً إلى ما ذكره الواقدي في كتاب الردة أن أبا بكر لم يكتف بالتدابير التي اتخذها في المدينة، بل طلب من القبائل العربية كأسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب أن تمده بالرجال فأسرعت إلى نجدته. فأخذ الناس يتوافدون إلى المدينة بسلاحهم، وأرسلت جهينة
стр. 5708
أربعمائة راكب.
وإذا صدقنا رواية سيف بن عمر التي نقلها الطبري، ظهر لنا أن ظن أبي بكر كان في محله، إذ لم تمض ثلاثة أيام على عودة الوفد حتى كان المرتدون قد غزوا المدينة ليلاً.
لابد أن الوفد بعد عودته أخبر القبائل المتحفزة للهجوم عن ضعف قوة المسلمين بالمدينة وشجعها على الهجوم وكانت من غطفان، وهي عبس وذبيان وفزارة على ما نعلم.
المواقع التي جرى القتال فيها:
وردت أسماء السميراء والربذة وطيبة والأبرق وذي القصة عند البحث في تجمع القبائل. ولا يوجد الآن من هذه الأسماء في الخرائط الحالية إلا السميراء. ولنا من الأخبار التي نستقيها من رواة العرب الأقدمين أن القبائل الساكنة في شرقي المدينة وعلى طرفي الطرق الذاهبة إلى العراق وخليج فارس هي بنو سليم وهي أقربها إلى المدينة في الشمال الشرقي، ثم يليها بنو كلاب إلى شمال بني سليم، ثم عبس وذبيان في شرقي حرة خيبر إلى الشمال.
أما قبائل طي فتسكن في جبليها أجأ وسلمى، وفي شرقي بني عبس وذبيان وفزارة من غطفان في وسط وادي الرمة وعلى جانبيه.
وتأتي بعدها قبائل بني أسد. وموقع سميراء على ما يظهر من الخريطة واقع إلى شمالي وادي الرمة، ويبدأ منه وادي السميراء الذي يصب في الوادي في جوار الحاجر.
الربذة:
يذكر ياقوت الحموي أن موقع الربذة على الطريق التي تصل موقع فيد بالمدينة. وفيد في حي طئ وهي قرية من قرى جبل شمر واقعة إلى شرقي جبل سلمى على الطريق التي تصل الكوفة بالمدينة ويمر بها طريق الحج، وهي بعيدة عن المدينة مسافة ست مراحل.
وتلتقي فيها عدة طرق من الجوف والعراق والمدينة وبريدة والرس.
والربذة على هذه الطريق، وهي تبعد عن المدينة أربعة وعشرين فرسخاً، وواقعة إلى شمالي شرقها، ولعل موقع حناكية الحالي هو موقع الربذة القديم أو قريب منه، لأن بعده عن المدينة زهاء ثمانين ميلاً. والفرسخ العربي طوله أربعة كيلومترات ونصف كيلومتر أو أربعة كيلومترات. والذي يجعلنا نميل إلى ذلك إن القوة لم تجتمع في الربذة بل في
стр. 5709
الأبارق، وكلمة أبارق إسم خاص لبعض المحلات تدل على أرض حجرية ورملية مختلطة.
وموقع الحناكية بالقرب من حدود حرة خيبر، والحرة على ما نعلم أرض بركانية خامدة وفيها محلات يتراكم الماء فيها. ومادامت القبائل مجتمعة فيها فلابد حينئذ من وجود الماء فيها. والحناكية واقعة في بطن وادي الحمض.
ذو القصة أو البقعاء:
والظاهر إن كلتيهما تدلان على موقع واحد في شرقي المدينة وقريب منها، وهو بلا شك على الطريق التي تمتد إلى المدينة في غربي الربذة أو في جنوبها، وهو أما الشقرة أو السابية.
والأخبار تدل على أن أبا بكر بعد أن هزم المرتدين في البقعاء طاردهم بخيله إلى ثنايا العوسجة بالقرب من الركبة، وهذا الموقع الأخير واد يصب في الرمة، ولعله وادي الركب الذي ينبع من حرة خيبر ويجري شمالا في شرق وثنايا العوسجة في المحل الضيق الذي يتسلق فيه الطريق صاعداً إلى رأس الوادي أو ينزل منحدراً منه.
أما موقع طيبة الذي اجتمع فيه غطفان وفزارة فلم نعثر عليه في معجم البلدان ولعله في شرقي الربذة أو في شماليه. أو إنه موقع طابة في سفح جبل سلمى الجنوبي في شمالي السميراء وهو من ديار غوث من طئ.
مباغتة المدينة:
لم يهجم المرتدون بكل قوتهم لأنهم أرادوا أن يكونوا خفافاً فتركوا قسماً منهم في يدي حسى بين ذي القصة والمدينة ليكون ردءاً لهم، واقتربوا ليلاً من المدينة ولم يباغتوها لأن العيون أخبرت المسلمين بدنوهم، فقاتلتهم الربايا الخارجية، وأسرع أبو بكر بمن في المسجد فأنجد الربيئات وهزم الهاجمين، ولم يكتف بذلك بل هاجمهم على الجمال التي تسقى الماء من الآبار لاسقاء مزارع المدينة، إلى أن نفرت الإبل من الجلود المنفوخة التي دهدهها الفارون من أعلى الروابي، فرجعت على أعقابها نافرة حتى دخلت المدينة.
والظاهر أن الهاجمين لم يكونوا في قوة كبيرة، ولا سيما بعد أن تركوا قسماً منهم في الخلف. ويظهر أنهم من بني عبس وذبيان. أما فزارة فبقيت في ذي القصة. وهكذا انقسمت
стр. 5710
القوة التي أرادت أن تهاجم المدينة إلى ثلاثة أقسام: قسم في ذي القصة وقسم في ذي حسى، والقسم الثالث أغار على المدينة. أما قوة المسلمين فلا شك في أنها كانت ضعيفة، ولعلها لم تزد على المائتين.
وتشجع المرتدون من فرار جمال المسلمين وظنوا بهم الوهن، وبعثوا إلى من بذي القصة بالخبر فلحقوا بهم.
يتبع
طه الهاشمي
следующие страницы →