Полный текст (65 431 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فيها لنا تبر وفي حانها … صحبةُ أبناء الكرام الجياد
كاللبن الخالص في حِله … ما خرجت عنه سوى بالسواد
وقال آخر:
وقهوة لا غم تُبقي إذا … قابلك الساقي بفنجانها
لا يوجد الغم بحاناتها … قد خضع الغم لسلطانها
بمائل نغسل أكدارنا … ونحرق الهم بنيرانها
يقول من أبصر كانونها … أُفٍّ على الخمر وأدنانها
ولم تكد تستقر القهوة في الشرق العربي حتى تسربت إلى أوربا عن طريق القسطنطينية والبندقية في القرن السابع عشر الميلادي. وأنشئ أول مقهى في إنجلترا عام ١٦٥٢م، ولم تلق القهوة في الغرب ترحاباً خالصاً كله، فقد قامت في وجهها معارضة شديدة على نحو ما عانته في الشرق، ففي ألمانيا كان لا بد لتحميص البن من رخصة يعطيها الحاكم، وفي إنجلترا حاول شارل الثاني أن يحرِّم المقاهي باعتبارها مراكز للقلاقل الثورية والنزعات الحادة السياسية. ولكن القهوة شاعت برغم ذلك ولعبت في الحياة الاجتماعية الأوربية في القرن السابع عشر فالذي يليه دوراً ذا خطر كبير. ومن أوربا انتشرت القهوة في كل بلاد الله، وكانت اليمن مصدر البن الوحيد إلى مختتم القرن السابع عشر، فأصبح بعد ذلك يزرع في بقاع كثيرة من أفريقية الحارة، وفي الهند الغربية، وفي الهند الشرقية، ولا سيما في البرازيل فهي البلد الذي ينتج الآن نحواً من ثلثي محصول العالم، والبن له كالقطن لمصر، وربما كان أشد خطراً.
والبن بذور لثمر شجرة دائمة الاخضرار، قد تطول إلى ستة أمتار والسبعة في منابتها الطبيعية، ولكنها تقصر عن ذلك كثيراً إذا هي زرعت، ولهذا الشجر زهر أبيض ناصع يكتسي به عند ازدهاره، فيكون له رونق وجمال يزيد فيها ما ينفح منه من عطر وطيب، لذتان للعين والأنف لا يطولان، فعمر الزهر بالغ في القصر. إلا أن الشجر يزدهر مرتين وثلاثا وأكثر من ثلاث في العام الواحد. وتطيب الثمرة بعد ازدهارها ببضعة أشهر، فيحدث من ذلك أنك تجد على الشجرة الواحدة ثمرات من ازدهارات متلاحقة، بعضها وليد وبعضها بالغ. والثمرة خضراء وهي فجَّة، فإذا أخذت في النضوج اصفرَّت ثم تستحيل الى لون
стр. 597
أحمر قرمزي شديد. وتجنى الثمرة باليد انتقاء أو تترك حتى تسقط من الشجرة بهزها. وهي بعد ذلك تجفف بفرشها على الأرض في الشمس الحارة، وقد تترك حتى تجف على أغصانها. ثم يزال عن بذور البن القشر فالذي يليه من غشاء شديد اللصوق بالبذور كان لباًّ فجف وانضمر وذلك بالدق الخفيف في الهواوين، أو بضرب البذور بالمطارق. وحتى الفرك باليدين يكفي لتخريجها، وهذه طريقة اليمن وما جاورها من البلاد، ولكن بالبرازيل طرق أحدث من هذه لا تستدعي تجفيف الثمرة بل تدهك بالآلات دهكا فتفصل البذور بذلك عن لب الثمرة الطري.
ثم تحمص البذور على ما هو معروف في اسطوانات دوارة فوق النار فتفقد بذلك مقداراً من وزنها لا يزيد على الخمس، والمفقود ماء وبعض أبخرة تنشأ من تخلل الدهن والسكر الذي بالبذر وشيء من الأصل الفعال بالبن المسمى (بالقهوتين) وحرارة التحميص يجب أن لا تزيد على ٢٠٠ْ درجة مئوية بكثير وإلا فقد البن الكثير من عطره. وإذا انتهى تحميصه وجب الإسراع في تبريده. ثم يطحن بعد ذلك. ويجب أن لا يطحن البن بل ألا يحمص قبل طبخه بزمن طويل فإنه يفقد عطره سريعاً، ويجب كذلك حفظه في أواني مغلقة فإنه شديد الامتصاص للأبخرة والروائح كريهة كانت أو عطرة فيمتص رائحة الجاز والجبن الفاسد. وأهم أغراض التحميص اثنان: أولهما توليد الطيب فيه وتوليد النكهة التي تُشهَّي القهوة إلى النفوس، فالبن الأخضر خال منهما، وثاني الأغراض تهشيش الحب ليسهل دقه، فالأخضر جامد مستعص، والتحميص صناعة لا يَحذِقها إلا القليلون.
ويحتوي البن على مواد كيمياوية عدة منها عطر ودهن، وهو كالشاي يحتوي التنين والقهوتِينَ الذي إن شئت أسميته الكافيين وأن شئت فالشابين، وهو الأصل الفعال في القهوة والشاي كليهما، ومن أجله يُشربان، وهو لا يتغير في القناة الهضمية وإنما يمتص كما هو في الدورة الدموية فيذهب إلى المخ فيكون له الأثر المحمود على نحو ما فصل في مقالة الشاي السالفة: من زيادة في قوة الفكر وإصابة الحكم وامتلاك النفس، ولكن استحالة الأفكار إلى أفعال قد تتعطل به، فيعتري الإنسان ترددُ، وذلك ليقظة العقل الشديدة، ويزيد حس الإنسان بكل ما سر وساء، وهو ينعش الجسم ويزيل التعب عضلياً كان أو نفسيا، ويؤخر النوم ويدر البول. هذه بالطبع فوائد كلها قد تنقلب مضار بزيادة المشروب من القهوة،
стр. 598
فالقهوتين عُقَّار سام يصحب التسمم به تلهف إلى الماء وألم في المعدة والأمعاء، وقيء شديد وإسهال ودوار في الرأس وارتعاد في الأطراف. ويتضح أثر القهوتين من حالة رجل أدخل مستشفى (بلفي) بنيويورك به أعراض شديدة من سوء في الهضم بالغ، وفقر دم متناه، وعجز تام في الحركة، وأزمة في القلب بالغة، وضيق في الصدر شديد. كان هذا الرجل يشرب في اليوم ٣٠ فنجانا من الشاي بلا طعام.
سباع البحر كادت تكسب الحرب
مات في الأسابيع الماضية القبطان الإنجليزي (ودوارد) مات في بلدة (رامزجات) بإنجلترا وله من العمر ٨٢ سنة. وهو الرجل الذي خطر له في مدة الحرب أن يجري تجربة عُدّت في أول الأمر عرضا من تلك الأعراض التي تأتي للإنسان وقد أشتد خياله واحتد وتهيأ لدخول البيمارستانت، ولكنها عدت في آخر الأمر تجربة لو ساعدها الحظ لأنهت الحرب وحقنت الدماء ولو بغلبة فريق على فريق.
تلك التجربة هي رياضة سباع البحر على تتبع الغواصات الألمانية، وهذه السباع تشبه عجول البحر غير أنها أكبر منها، وله عُرف بيِّن وآذان كبيرة وحظ من الذكاء وافر.
بدأ هذا الرجل باستئذان السلطات الحكومية، والسلطات في العادة مرتابة حذرة جامدة محافظة، ولكن خطر الحرب يحرك الجامد ويذهب بالحذر، فأذنت له وحشرت إليه ما في البحر من آساد، فبدأ بدراسة الأصوات التي تصوتها الغواصة في الماء، ثم اجتهد فاخترع آلة تئز مثل أزيزها، وفي بحيرة راض هذه الآساد على إتباع هذا النغم أين سار في الماء، فأصبحت تتبعها أحسن اتباع، وفاقت في دلالتها على اتجاه الغواصة كل الآلات الطبيعية المعروفة، ووضعت على رءوس هذه الحيوانات البحرية كمامات من أسلاك الحديد تمنع أسماك البحر أن تقترب منها خشية أن تسترعي انتباهها فتحيد عن غرضها، ونجحت التجربة نجاحاً باهراً. ولكن. . . عرف الألمان ذلك بطريق الوحي أو الإيحاء فأجروا غواصاتهم مثنى وثلاث ورباع فهوشوا على السباع الآذان، وخيبوا التجربة للقبطان.
стр. 599
القصَص
يوم عصيب في جبل المقطم
للأستاذ محمد الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات
بوزارة المعارف
- ٢ -
(في المقالة الأولى وصف الكاتب كيف ظل هو وصديقه في جبل المقطم حتى اهتديا بعد الغروب إلى واد لهما به معرفة سابقة، وهو وادي دجلة، فاتخذا طريقهما فيه نحو مدخله.)
مضت ساعة على هذه الحال ولم نصل بعد إلى مخرج الوادي، فقال صاحبي ألا من نهاية لهذا الوادي؟ فقلت لم يبق إلا ساعة واحدة، فقال وماذا بعد ذلك؟ قلت إما أن نقصد (طره) ونركب القطار إلى باب اللوق، وأما أن نذهب إلى المنشية عن طريق البساتين ومدافن الإمام الشافعي. فقال أنه يفضل الطريق الأخير، فقلت لا بأس وعلى كل حال فالزمن اللازم لقطع المسافة في الحالتين لا يقل عن ساعتين من مدخل الوادي، فتضجّر صاحبي ونظر إلى ساعته ثم قال. . أننا لن نصل إلى بيوتنا قبل نصف الليل. فلم أجبه بشيء، وبعد سكون طويل عاد وسألني: هل من خوف علينا في هذه الجهات النائية الموحشة من الوحوش أو اللصوص؟ فقلت كن مطمئنا فالله معنا وهو يحمينا. فقال: كيف ذلك وليس معنا ما ندفع به عن أنفسنا غير هذه العصا (مشيرا إلى عصا قصيرة كنت أحملها في يدي) وقبل أن أجيبه عن سؤاله عثرت قدماه بحجر كبير فكاد يسقط، فتألم وتضجر ثم سكت، وغشينا سكون عميق، لا نسمع فيه غير وقع أقدامنا على أرض الوادي الصخرية وصفير الريح في صدوع الصخور وثقوبها.
ولا أطيل القول. فقد كانت الساعة التاسعة عندما وصلنا مدخل الوادي. وما كدنا نتجه نحو بلدة البساتين حتى أمطرتنا السماء مدرارا مرة أخرى، واشتد الظلام حتى لا نرى أمامنا أكثر من نصف المتر، ولكن ذلك لم يمنعنا من الاستمرار في السير والجد فيه، ثم أخذنا نرتقي أول تل في طريقنا وهو يرتفع عن السهل نحو ٥٠ مترا. وحدث هنا أمر كان يقضي علي لولا لطف الله في تلك الليلة الليلاء، فعندما كنا نتسلق التل إلى ظهره صاح بي صاحبي مستنجدا فالتفت فجأة إلى الوراء لأتبين ما حل به، وكنت متشبثا بكلتا يدي بحجر
стр. 600
في جدار التل، فلم أشعر إلا وقد زلقت يداي واختل توازني وأخذ جسمي يتدحرج بعنف إلى الأرض، ولكن قدرت لي السلامة، فصدمني حجر آخر منعني من الهبوط بعد أن أصبت في رأسي وركبتي إصابة بسيطة، ولما استعدت توازني انتصبت واقفا وأنا أكاد لا أصدق بالنجاة، ثم سمعت صاحبي يناديني وقد بلغ ظهر التل، فاتكأت على عصاي وأخذت طريقي إليه وفي رأسي دوار من أثر الصدمة، وعندما أدركته استرحنا قليلا وقد سرى عني بعض الغم، ثم لحظت الريح تهب من الجنوب الغربي فاستغربت ذلك وأدركت السر في وجودنا مكان يبعد عن الغابة المتحجرة الكبرى بنحو ١٢ كيلو مترا جهة الجنوب الغربي مع أن سيرنا منذ الظهر كان في اتجاه الشمال حسب ظني. فلما تغير اتجاه الريح من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي درنا معها في منحنى واسع من غير انتباه. فلما استرحنا قمنا متجهين نحو البساتين فبعد أن قطعنا في التل مسافة طويلة أخذنا ننحدر نحو القرية، وهنا انقشعت السحب وصفا أديم السماء وظهرت النجوم فألقيت نظرة على ما حولي ولشد ما دهشت حين وجدتنا لا نزال نسير أمام مدخل وادي دجلة قاطعين عرض المدخل من الجنوب إلى الشمال؛ فكظمت دهشتي وحيرتي وعدلت اتجاهي مرة أخرى. وعدنا فارتقينا التل مرة أخرى وبعد قليل تبين لي أيضاً أننا لا نزال نسير أمام وادي دجلة. أمر غريب محير لم أر في تعليله إلا شيئا واحدا وهو أن رأسي فقد الاتجاه! فلما صرت إلى هذه الحال أشرت على صاحبي بالجلوس للراحة، فقال ولماذا؟ فقلت له قد ضللنا الطريق مرة أخرى! فما كاد يسمع هذه الكلمة حتى خارت قواه وسقط على الأرض، وأخذت جسمه رعدة شديدة، وأقسم أنه لا يبرح مكانه، ثم استولى عليه النعاس فنام نوما عميقا، فجلست بجانبه وأخذت أفكر في الأمر وأنا حزين بائس، وقام بعقلي أن أعود إلى الوادي ملتمسا لنا ملجأ نأوي إليه حتى الصباح. بيد أني رأيت قبل تنفيذ هذه الفكرة أن أقوم بمحاولة أخيرة، فخلعت سترتي وألبستها عصاي وغرست العصا بالأرض بجانب صاحبي لتكون علما أستدل به عن مكانه عند عودتي، ثم صعدت أعلى قمة بالقرب منا مستكشفا ما حولنا، فأدرت بصري في الجهات الأربع فلمحت جهة الغرب وراء الأفق ضوءا ساطعا ظننته أول وهلة ضوء مصانع شركة الأسمنت بالمعصرة. فهرولت إلى صاحبي أزف إليه هذه البشرى فأيقظته من نومه قائلا لقد أبصرت ضوءا قويا جهة الغرب سوف يهديني
стр. 601
طريق السلامة. فلم يكترث لقولي. ويظهر أن النوم كان قد أراح عقله وجسمه نوعا، فنهض في نشاط وقال: هيا بنا مغمغما بكلمات لم أتبينها، ثم اعتمد على كتفي بإحدى يديه وأخذنا نسير وقد عولت هذه المرة أن أتبع مسيل الوادي من غير انحراف، فأخذت طريقي مع مجرى السيل خطوة خطوة، وكان جسمي وعقلي متعبين. وعيناي غائرتين ضعيفتين. وعلى الجملة كانت حالتي سيئة، وكنت أشعر بيده على كتفي كأنها حجر ثقيل. فكنت أنقلها من كتف إلى كتف من غير أن أزعجه في سكونه. بعد أن سرنا على هذه الحال ساعة ونصفا انكشفت أمامنا أضواء شديدة ساطعة انشرح لها صدر صاحبي وعاودته بشاشته، فأخذ يمزح ويعيب هيئتي الرثة، فوجهي مغبر شاحب، وطربوشي من الأمطار فقد شكله وأصبح متهدلا كاسيا رأسي حتى أذني، وبدلتي تقلصت وضاقت؛ فارتفع طرف بنطلوني إلى قرب ركبتي واسترخى جوربي، فغطى حذائي وامتلأ الحذاء بالماء والوحل، وعلى الجملة فإن شكلي كان مضحكا وهيئتي تدعو إلى الشفقة والرثاء.
بعد أن فرج صاحبي بعض كربه بأمثال هذه المهاترة سألني فيم أفكر؟ فقلت أني أستغرب وجود هذه الأضواء الشديدة في هذه البقعة؛ فقال مازحاً: لا تستغرب فربما كان الجن قد نصبوا لهم هنا عرسا، فقلت تعوّذ بالله فحسبنا ما أصابنا هذا اليوم. وبينما نحن في هذا الحوار سمعنا صوتا غريبا يرن في الفضاء، فوجمنا لهذه المفاجأة الجديدة ثم أنصتنا بشدة خلت معها أني أسمع دبيب الحشرات في بطن الأرض، وأخذنا نحدق يمينا وشمالا عسى أن نهتدي لمصدر الصوت فلم نر شيئا. وبينما نحن في اضطراب وحيرة رن الصوت في الفضاء ثانية، وكان في هذه المرة جليا: سمعنا (هولت!) (هولت!) فقلت لصاحبي بلهفة: قف! فقال ما الخطب؟ قلت يظهر أننا في وسط معسكر للجنود الإنجليزية، فقال يا سوء المصير! فقلت له اطمئن ولا تخف، وبعد قليل تقدم إلينا ثلاثة من الجنود الإنجليزية مدججين بالسلاح وسألونا هل معكم سلاح؟ فأجبنا مأخوذين ليس معنا سوى هذه العصا. فقالوا تقدما، فتقدمنا ثم قادونا إلى خيمة قريبة مضروبة بالقرب من المعسكر فوجدنا بها ضابطا شابا على كرسي وأمامه منضدة وهو مشغول بالقراءة في كتاب أمامه. فلما لمحنا نظر إلينا شزراً وسألنا وهو يتثاءب: هل أنتما هاربان من المعسكر؟ فأجبت: لسنا جنودا، فقال بخشونة: أقصد أنكما أسيران هاربان من المعسكر، فقلت: عفوا لسنا من الأسرى،
стр. 602
فقال وهو يحملق فينا: من أنتما إذن؟ فقلت: أنا فلان ووظيفتي كذا وزميلي فلان ووظيفته كذا، فكتب ذلك في ورقة أمامه، ثم قال: ما خطبكما؟ فقصصت عليه حكايتنا بإيجاز، فلم يكد يسمع طرفا منها حتى اعتدل في كرسيه وألقى الكتاب جانبا، وأصغى إلينا بانتباه، وما كدت أنتهي حتى مد يده إلينا مصافحا ثم غمرنا بلطفه وكرمه، أمر لنا بكرسيين من القماش فجلسنا، ثم أمر لنا بقدحين من الشاي وبعض البسكويت فشربنا وأكلنا، وبعد أن شكرته على إحسانه وجميل عواطفه قال أن واجبه يقضي عليه بعد أن سمع قصتنا، وتحقق من صدقنا أن يخلي سبيلنا، ولكنه يرى أننا في غاية التعب والضعف، فهو يدعونا لنكون في ضيافته حتى الصباح، فشكرته كثيرا على معروفه واعتذرت إليه ثم رجوت منه أن يأمر لنا بمرشد يقودنا إلى محطة السكة الحديد، فقال ولماذا لا تمكثان هنا هذه الليلة؟ فقلت ألا ترى يا سيدي أننا في الساعة الثانية صباحا ولا بد أن أولادنا الآن في قلق شديد على مصيرنا. وقبيح بنا أن نطيل عذابهم أكثر من ذلك، فاطرق قليلا ثم أمعن النظر فينا وقال: حسنا هيا بنا. فأركبنا سيارة أقلتنا إلى محطة طره، ثم ركبنا القطار إلى باب اللوق، ومنها قصدنا منزلينا شاكرين لله سبحانه فضل العناية والرعاية.
стр. 603
المبارزة
للكاتب الروسي اسكندر بوشكين
مرت السنون، ودعتني مصلحة الأسرة للعيش في هذه القرية المظلمة في مقاطعة (يرنا)؛ وكم تمنيت لو أتيحت لي العودة إلى حياة الجندية وما كان لي فيها من متعة الاجتماع ولذة الشباب؛ وكانت حياتي هنا مملة في تشابه أيامها قاتمة لندرة حوادثها، أقضي وقتي حتى الغداء في التحدث إلى المالك أو في مراقبة العمال ومشاهدة المباني الجديدة، فإذا جن المساء (وخصوصا أمسيات الشتاء والربيع الطويلة المزعجة) لم أجد ملهاة ولا تسلية، فقد قرأت الكتب القديمة الموجودة كلها، واستعدت من خادمتي العجوز (كربلوفنا) القصص التي تحفظها أكثر من مرة، ولم أكن أميل إلى أغاني القرويين لما فيها وفي معانيها من الحزن والألم والحسرة، وحظي من هذا كله كثير. أما الشراب فقد كنت أتجرع كل ما تصل اليه يدي على رداءة نوعه وحدة طعمه، وقد تمنيت أن أكون سكيراً كهؤلاء الذين تكتظ بهم هذه القرية الغريبة.
وكان جيراني الأقربون جماعة من السكيرين، حديثهم زفرات متصلة وأنات متقطعة. فكيف لا أوثر الوحدة على الاجتماع بهؤلاء؟ ولم أجد حلاً لهذا السأم سوى التبكير في اليقظة، والتأخير في تناول الغداء. حتى يطول نهاري ويقصر ليلي.
وعلى بعد أربعة فراسخ من منزلنا توجد المقاطعة الجميلة التي تملكها (الكونتس بيروفنا) ويسكن هذه المقاطعة وكيل السيدة، أما هي فلم تزرها غير مرة واحدة في الشهر الأول من زواجها.
وفي يوم من أيام العام الثاني لحياتي في هذه القرية سمعت أن الكونتس وزوجها سيقضيان الصيف في مقاطعتهما، ولقد وصلا حقا مع حاشيتهما في النصف الأول من شهر يونية.
وليس من شك في أن قدوم جار غني يعتبر حادثا هاماً في حياة الريف. وقد تحدث الناس عن هذا الحادث قبل حدوثه بثلاثة أسابيع، ولا يزالون يتحدثون فيه حتى اليوم مع مرور ثلاثة أعوام عليه. أما أنا فلم يثر فيّ غير الشعور بقرب سيدة شابة رائعة الجمال، حتى إذا جاء الأحد الأول على إقامتهما تناولت غدائي وأسرعت إلى قصرهما لأقدم نفسي للسيدة بصفتي جارها القريب وخادمها المطيع.
стр. 604
قادني الحاجب إلى المكتبة فبهرني أثاثها البديع ومساحتها المتسعة، هنا رفوف صفت الكتب والمجلدات فوقها على كل منها اسم مكتوب بالبرنز، وهناك تماثيل ومرآة، وعلى الأرض بساط أخضر عليه سجاجيد عجمية رائعة النقوش، ولما لم أكن متعوداً هذه المناظر المترفة شعرت بضآلة مركزي وضعة شأني، وداخلني شعور غريب فيه من الحيرة والخجل ما فيه، وأصبحت كالفلاح الساذج الذي يطلب مقابلة الوزير!
فتح الباب ودخل رجل في الثانية والثلاثين أو يقاربها، فما رآني حتى هش لي وابتسم في وجهي. . . أخذت أسرد عبارات التحية المعروفة كأن أقول أنني مسرور بلقائه وأن. . . وأن. . . ولكنه وقفني عند حدي بحديثه الطريف ورحب بي.
وما أن استعدت هدوء نفسي أمام ابتسامته وتواضعه حتى فتح الباب ودخلت الكونتس، هنا اصطكت ركبتاي وانعقد لساني. . . لقد كانت آية من آيات الجمال والرشاقة، وكم حاولت أن أجيبها فلم أستطع ولاحظ الكونت اضطرابي فراح يقدمني إلى زوجته في أسلوب عادي كأنني صديق قديم.
وجلت بنظري في المكتبة حتى استقرت عيناي على الصور ولم أكن من غواة الصور أو نقادها، ولكن صورة واحدة استوقفتني لا لما تمثله من المناظر السويسرية الساحرة ولكن لأن طلقتين اخترقتاها واحدة فوق أخرى!
إلتفت إلى الكونت وقلت (ما أجمل هذه الصورة!) فرد مبتسما (نعم! وهي على جمالها لها عندي مركز خاص. هل تحسن إطلاق الرصاص؟)
فأجبت على سؤاله مسرعاً لأنني وجدت فرصة سانحة للتحدث في موضوع أفهمه (أجل!. وأنا أستطيع إصابة بطاقة على بعد ثلاثين خطوة) وهنا تدخلت الكونتس (حقا!. . وأنت يا عزيزي هل تستطيع إصابة بطاقة على بعد ثلاثين خطوة؟)
فأجاب الرجل: (لا أدري! لقد كنت ماهراً في الرماية أيام شبابي. . وقد مضى علي أربع سنوات لم ألمس فيها بندقية)
قلت (صدقني يا سيدي أنك لا تستطيع إصابة البطاقة على بعد عشرين خطوة وأنا أراهنك على ذلك، لأن الرماية تحتاج إلى مران مستمر. . وأذكر أنني لم أستعمل بندقيتي شهرا كاملا أيام كنت في الجيش لأنها كانت عند مصلح الأسلحة. . أتدري ماذا حدث؟ لقد
стр. 605
أخطأت زجاجة على بعد خمس وعشرين خطوة لا مرة واحدة ولكن أربع مرات متتابعة! وكان لفرقتنا قائد يحب المزاح دائما فقال: أظنك تحترم الزجاجة أيها الصديق! فالتمرين واجب. . وأذكر أن أمهر من قابلت في هذا الضرب من ضروب الرياضة رجل غريب كان يتدرب على إطلاق الرصاص ثلاث مرات قبل الغداء على الأقل. . وكما أنه لا يستطيع نسيان الكونياك لا ينسى بندقيته مطلقا!).
ورأيت الزوجين يعجبان من حديثي ويقبلان على الإنصات.
سألني الكونت (وما طريقته؟). فأجبت (سأقص ذلك عليكما. . كان إذا رأى ذبابة على الحائط. . أنت تضحكين يا سيدتي؟ أقسم لك أن ما أقوله حق لا ريب فيه. . ثم ينادي خادمه. كوسكا هات بندقيتي! فيأتي له بها ثم. . طراخ! فإذا بالذبابة منبطحة على الحائط!)
فصاح الكونت: (يا لها من مهارة! وما اسمه؟) فأجبت (اسمه سيلفيو يا سيدي) فانتفض الرجل واقفا وهو يقول (سيلفيو؟ وهل عرفت سيلفيو؟)
قلت (أعرفه؟ لقد كنا صديقين. . وكان سيلفيو معي في الفرقة؛ وها قد مضت خمسة أعوام على ذلك. . هل تعرفه أنت؟)
فقال الكونت (أجل أعرفه تماما. أو لم يخبرك عن حادث فريد وقع له؟)
- (أخبرني كيف لطمه شاب وقح على وجهه في مساء أحد الأيام)
- (وهل ذكر لك اسم هذا الشاب الوقح؟)
(لا لم يطلعني على اسمه. . آه!) وهنا استدركت لأنه يغلب على ظني أن الشاب هو الكونت وقلت (عفوا سيدي. . لم أكن أعلم!. ولكن يغلب على ظني أنه أنت!) أجاب الكونت في ارتباك: (أجل هو أنا. . وهذه الصورة ذات الثقب نتيجة لقائنا الأخير!)
هنا اعترضت الكونتس قائلة (نشدتك الله يا عزيزي ألا تتحدث في هذا الموضوع، إن مجرد التفكير فيه يرعبني حتى اليوم!) ولكن الكونت لم يحقق رجاءها بل قال (يجب أن يعرف السيد كل ما يتصل بالموضوع، فهو يعلم كيف أهنت صديقه فمن الواجب أن نروي له كيف انتقم ذلك الصديق.)
ودعاني الرجل إلى الجلوس قريبا منه في مقعد ذي مسند وأخذت أنصت لهذه القصة.
تزوجنا منذ خمسة أعوام وقضينا شهر العسل في هذا المنزل؛ وفي الحق لقد كانت أهنأ أيام
стр. 606
حياتي لو لم تعكرها هذه الحادثة المزعجة.
وفي مساء أحد الأيام ركبت مع زوجتي للنزهة ولكن الجواد جمح بنا حتى ارتاعت زوجتي ورجتني أن أعود بالعربة إلى الإسطبل أما هي فستعود سيرا على الأقدام، ولم أكد أصل إلى الدار حتى رأيت عربة سفر أمام الباب. وقيل لي أن إنسانا لم يذكر اسمه ينتظرني لمهمة خاصة في المكتبة. . أسرعت إلى هناك فوجدت رجلا لا يزال في ثياب السفر له لحية طويلة، وأخذت أتذكر أين رأيته قبل ذلك. .
وقال الرجل: أولا تذكرني أيها الكونت؟، وكان صوته مضطربا. . فصحت عند ذلك: سيلفيو!
وأقول الحق لقد وقف شعري من الرعب. وقال صاحبنا جئت لأطلق رصاصتي. فهل أنت مستعد؟، ورأيت بندقيته بين طيات ثيابه وعددت اثنتي عشرة خطوة ورجوته أن يسرع في مهمته لأن زوجتي في الطريق إلى المنزل؛ ولكنه قال أريد النور أولا، لذلك طلبت الشموع.
ثم أغلقت الباب وأمرت ألا يسمح لأحد بالدخول، ورجوته مرة أخرى أن ينجز مهمته فرفع بندقيته وأخذت أعد الثواني ولم أكن أفكر في غير زوجتي حتى إذا انقضت دقيقة كاملة خفض بندقيته وقال (أنا آسف جداً لأن بندقيتي ليست محشوة ببذور الكريز! والرصاص كما تعلم صعب الاحتمال! ولكن تعال نفكر في المسألة مرة أخرى. . لا أرى مبارزة فيما أنا مقدم عليه. . بل هي أقرب ما تكون إلى القتل، وليس من عادتي إطلاق الرصاص على شخص أعزل من السلاح، هيا نبدأ المبارزة من جديد فنرى أينا يبدأ. . . وأعددنا ورقتين كتبتا في الأولى رقم ١ وفي الثانية ٢ ووضعناهما في القبعة التي أصبتها في المبارزة الأولى. . . وتناول كل منا ورقة دون أن ينظر فيها فإذا بورقتي رقم واحد وهنا صاح سيلفيو ((لا أنكر أيها الكونت أن حظك حسن كحظ الشيطان!))
لم أفهم غرضه وأجبرني على أن أطلق رصاصتي التي لم تصبه بل أصابت الصورة التي تراها!
وأشار الرجل إلى الصورة التي استرعت انتباهي أول جلوسي وصار وجه الكونت أحمر قرمزيا وأصبح وجه زوجته كوجوه التماثيل الرخامية البيضاء. أما أنا فقد تعثرت بين
стр. 607
شفتي أنة خافتة وأتم مضيفي قصته:
أشكر الله لقد أخطأته رصاصتي: أما هو فقد كان رابط الجأش ثابتاً ينتظر. . فتح الباب فجأة ودخلت زوجتي فلم تكد ترانا على هذه الصورة حتى ألقت بنفسها عند أقدامي، وهنا استعدت شجاعتي وقلت لها، عزيزتي، ألست ترين أننا نمزح؟ اذهبي واشربي قدحا من الماء ثم عودي الينا، وعند عودتك سأقدم إليك صديقي وزميلي القديم، ولكنها لم تصدقني وسألت سيلفيو في رهبة وتأثر، هل أصدق زوجي فأعتقد أنكما تمزحان، فأجاب، انه يمزح دائما يا سيدتي، اتفق مرة أن صفعني وهو يمزح، وأصاب قبعتي برصاصته وهو يمزح، ومنذ دقائق أخطأني وهو يمزح أيضا، والآن جاء دوري لأضحك قليلا!، ثم استعد، ولكن زوجتي جثت بين قدميه. . . عندئذ قلت لها، انهضي يا عزيزتي! ألا تخجلين من نفسك؟؛ ثم وجهت حديثي إليه وقلت هل تريد أن يغشى على هذه السيدة؟ فلتطلق رصاصتك! قل نعم أو لا! فأجاب: لن أطلق رصاصتي فقد تم غرضي، ها أنت ذا ترتعد من الخوف وها هو وجهك كوجوه الموتى، وهذا كل ما أطمع فيه. . ولكن أذكر أنني أعطيتك فرصة ثانية وكنت أظن أنك لن تخطئني. . . لن تنساني بعد الساعة. . سأتركك لضميرك يرى رأيه فيك!.
واتجه نحو الباب، ثم التفت إلى الصورة دون أن يستعد وأطلق رصاصته فوق رصاصتي تماما! وهنا أغمي على زوجتي ولم يستطع الخدم الوقوف في وجهه وقد كانت الأبواب تفتح أمامه في سرعة حتى وصل إلى عربته ومضى. . أما أنا فلم أعد إلى نفسي إلا بعد مدة طويلة.
إلى هنا انتهى حديث الكونت، وهكذا سمعت هذه القصة الرائعة ولم أر بعد ذلك سيلفيو ولم أسمع عنه إلا أنه قاد جماعة من الثوار في الفتنة التي أشعلها (اسكندر ابسلانتي) وأنه قتل فيها عندما كان العدو في (سكولياني). . .
عبد الحميد يونس
стр. 608
قصة مصرية
حكمت المحكمة!. . .
عم الأسف رجال القرية ونساءها عندما علموا بوفاة ابنة عبد الدايم المسعودي (وهو من الأعراب الذين يسكنون الخيام في أرضهم) فأما الرجال فقد أشفقوا على عبد الدايم لأنه فقدها وفقد أمها في عام واحد، فلم يبق له من بعدهما من يرعى غنمه ويعنى بشئون بيته. وأما النساء فقد ذكرن أن سلمى ماتت فجأة فلم تمرض كغيرها، وأنشأن يترحمن على شبابها وحلو ابتساماتها. . . وتدافع الأهالي وراء نعشها يشيعونها إلى مقرها الأخير. ثم أقبلوا على والدها يعزونه بكلماتهم المحفوظة وهو يرد عليهم بمثلها، فهو (عظم الله أجره) وهم (شكر الله سعيهم) ورجع الجميع إلى بلدتهم ليقيموا ليالي المأتم الثلاث وليسمعوا ما تيسر من القرآن، وعند الغروب خرج أهالي كفر المعداوي كل (بطبليته) إلى المأتم وعليها عشاؤه الممتاز استعدادا لإطعام المعزين من البلاد المجاورة، وجلسوا بعد الصلاة، وقد تنحنح المقريء إيذانا بقراءة القرآن، فأنصتوا وأطفئوا سجائرهم ثم بدأ القارئ بصوت منخفض غير مسموع تدرج به قليلا قليلا حتى أصبح يغطي على همس بعضهم بالتحية لبعض، ويخفي أحاديثهم عن الشئون الزراعية (وقد بدءوها بعد أن بدأ الفقيه بقليل) بنغمات يطرب البعض لها فيمص ويردد لفظ الجلالة اعتبارا واستحسانا. أما عبد الكريم الدايم فقد كانت تبدو على سيماه علامات التفكير العميق والحزن الدفين، ولكنه كان يتجلد للقادم فيسلم عليه ويتقبل تعزيته شاكرا.
وانقضت ليالي المأتم. . . . وتلفت عبد الدايم حوله فلم يجد إلا غنمه ونفسه فقبع في خيمته لا يزور أحدا، وإنما كان يزوره من فاته العزاء في حينه. وانتقد أهل القرية فيما بينهم إبراهيم أفندي لأنهم لم يروه في المأتم، ولكنهم علموا بسفره إلى القاهرة منذ أيام فلما عاد لحظوا أنه لم يقم بواجب التعزية لعبد الدايم، فبرموا بغطرسته واستكباره، ولكن ما حيلتهم وهو ابن العمدة!
مرت الأيام بعد ذلك سراعاً فأوشكت بفعلها أن تصرف أذهان الناس عن مصاب عبد الدايم لولا أنهم رأوا عجبا. رأوه وقد طوع للموسى أن تجذ شاربيه الطويلين وتعبث بلحيته المستعصية حتى أسفرت ذقنه بعد احتجاب طويل، مع أنهم يعرفون في الأعراب تمسكهم
стр. 609
بشواربهم ولحاهم، ولم ينسوا مبالغة عبد الدايم في هذا، فلم يبق إلا أن الحزن قد أساء إلى عقله فحسن له جنونه أن يظهر على هذه الصورة الجديدة.
وذهب الحاج عبد المطلب وهو أحد مشايخ البلد إلى (دوار) العمدة في المساء جريا على عادته فوجده جالسا في عدد من حاشيته يتحدث إليهم في السياسة عن مصطفى كمال وكيف طار وراء الإنجليز، ويعرج على الاقتصاد فيعلل لهم نزول الجنيه الإسترليني بتعليلات ما أنزل الله بها من سلطان. ولما انتهى العمدة من حديثه اتجه بنظره إلى الحاج عبد المطلب وسأله عن جديد، فأنشأ شيخ البلد يسرد له صنوفا من الأخبار ويتبسط في شرح تفاصيلها إلى أن قال وما رأيكم في عبد الدايم المسعودي؟ يظهر أن الرجل قد جن بعد وفاة ابنته، ولم يكن العمدة على علم بما جرى للحية عبد الدايم فهز رأسه من اليمين إلى اليسار هزات سريعة مستفسراً، وتسابق الجميع إلى إجابته فحدثت جلبة وضوضاء نفذ لهما صبر العمدة فوصفهم بوصف البرابرة: واحد يسمع ومائة يتكلمون، وأشاح عنهم بوجهه إلى الحاج عبد المطلب يسأله عما جرى فلما أخبره بأن عبد الدايم أصبح حليق الذقن والشارب تردد في تصديق ذلك ولكنهم أكدوا له صحة الخبر فرفع حاجبيه في عجب ودفعه حب الاستطلاع إلى أن يأمر شيخ الخفراء باستدعائه.
وجاء عبد الدايم بعد قليل فدهش العمدة عند مرآه وسأله عن سبب حلقه للحيته فأجاب ساخرا إنه رأى واحدا من أهل القرية يضحك منها فآثر أن يزيلها. وقابل أحد الجالسين سخريته بمثلها فقال: (وكيف استغنيت عنها مع أنك كنت تمسح فيها يديك بعد أكل الثريد؟) فتجهم وجه الأعرابي وجحظت عيناه وقال (لما اتسخت أزلتها) فقال العمدة (وما ذنب شاربك؟) فأجاب (صغرت في نظر نفسي فحلقته) وخرج مغيظاً محنقاً. . .
وكان بالمجلس شيخ معروف في القرية بالنباهة ودقة الملاحظة فقال للعمدة (إن لم تخني فراستي فلا بد أن أحدا اعتدى عليه اعتداءاً خطيراً أقسم بعده، كما هي عادة بعض الأعراب، ليحلقن ذقنه وشاربه تشبها بالنساء حتى يأخذ بثأره). فأخذت هذه الملاحظة مكانها من نفوس الحاضرين وصار كل منهم يعلق عليها بما يؤيدها، أما العمدة فقد همه الأمر وحسب لتهديد عبد الدايم حسابه، فهو داهية شديد البأس وتداول الأمر مع مشايخ البلد فأفهمه الشيخ عبد المطلب (وكان على جانب من العلم) أن من واجبه العمل على منع
стр. 610
الجرائم قبل وقوعها واطمأن العمدة إلى هذا الرأي فعزم على تبليغ المركز وقام إلى التليفون واتصل بالمعاون.
وعلم المأمور بالأمر فضحك من عقلية عمدة المنشية الذي يجد في حلق رجل لحيته وشاربه خطرا على الأمن العام خصوصا وأنه كان يرى فيه من قبل سذاجة وقلة حيلة، فأمر ملاحظ البوليس أن يستدعيه ليوبخه على تصرفه ويطلب إليه أن يكون في حكمه على الحوادث أبعد نظرا وأكثر رزانة. ورجع العمدة ونفسه تفيض أسفا على تبليغ الأمر للمركز بعد ما راعته ضربات الملاحظ على المكتب، وجرحت عزته شتائمه فكان يسب مشايخ بلده الذين حسنوا له التبليغ ويخص منهم الشيخ عبد المطلب وهو المتحذلق الذي أشار إليه بالعمل على منع الجرائم قبل وقوعها. ولكنه كان يحاسب عقله فلا يجد في عمله مأخذا، ويستشير ضميره فيلقاه راضيا عن قيامه بواجب وظيفته، ثم يرجع بذاكرته إلى الماضي القريب فيذكر أنه لما قتل في قرية بجوارهم سويلم العربي حلق ابنه جويفل لحيته وشاربه حتى أخذ بثأر أبيه فأطلقهما في السجن، وهكذا اختصمت أفكاره فضاع صوابه. . . .
أسدلت يد الأيام ستار النسيان على هذا الحادث حتى جاء يوم فرفع الستار. . . . في صبيحته امتطى إبراهيم أفندي صهوة جواده يقصد السوق فعاد الجواد يعدو إلى مربطه بعد قليل وكان العمدة مطلا من شباك داره فلما رآه انخلع فؤاده لأن ذلك معناه أن سوءاً حل بولده. ونزل يجري في الطريق الموصل إلى السوق منفعلا هائجا فلحق به أهل القرية من كل صوب ولم يذهبوا بعيدا حتى وجدوا إبراهيم أفندي ملقى بجوار مزرعة للقصب يتلوى ألما ورأوا أن رصاصة استقرت في فخذه.
يا لهول الفاجعة!! حتى أبناء العمدة يعتدى عليهم!! ولم تحم الشبهات إلا حول عبد الدايم فانبث الخفراء في أزقة القرية يبحثون عنه بعد أن لم يجدوه في خيمته، واهتزت الأسلاك تنقل الخبر إلى النيابة؛ أما الجريح فقد نقل إلى مستشفى الزقاقيق ليسعف بالعلاج. وبعد برهة وصل وكيل النيابة ثم تبعه ضابط المباحث على رأس قوة من البوليس ففتشوا بيت عبد الدايم فلم يجدوا شيئا يفيد التحقيق، فخطر لضابط المباحث أن يفتش مزرعة القصب لأنه استبعد أن يظل عبد الدايم محتفظا ببندقيته، ورجح أن يكون قد ألقاها فيها فبعثر رجاله في أنحائها وإذا برجل منهم يعثر على بندقية. . وإذا بالبندقية حديثة الطلق. . . . وإذا بكل
стр. 611
من رآها يشهد أنها لعبد الدايم.
اكتفت النيابة بهذا الدليل فقبضت على عبد الدايم ولكن سر الجناية ظل غامضا حتى وصل إليها بلاغ من مجهول يقول فيه (لقد علمت من أحد المصادر أن سلمى عبد الدايم المسعودي لم تمت ميتة طبيعية وإنما قتلها أبوها لأنه علم باتصالها بإبراهيم أفندي بن عمدة كفر المعداوي. وقد كان يمكن كشف هذه الجناية في حينها لو أن طبيب المركز رأى الجثة قبل دفنها، ولكنه صرح بالدفن مكتفيا بقول حلاق القرية إنها ماتت بسكتة قلبية) فانتقل وكيل النيابة فوراً مع الطبيب الشرعي إلى قبر سلمى وأمر بإخراج جثتها وقال الطب كلمته فإذا بها ماتت خنقا. . . . وختمت النيابة أبحاثها وبدأت التحقيق. . . . .
س - إبراهيم أفندي يقول أنه رآك تطلق عليه الرصاص.
ج - أبداً
س - وماذا تقول في البندقية التي عثرنا عليها في القصب وهي لك؟
ج - لم تعد لي بندقية منذ أخذها الإنجليز مني وهم يجمعون السلاح في سنة ١٧.
س - وابنتك سلمى؟ لدى النيابة شهود يقررون أنها لم تمرض مطلقا وأنهم رأوها أمام خيمتها قبل أن تموت بقليل؟ فهل مرضت وشكت واحتضرت وأسلمت الروح في أقل من ساعة؟
ج - هو كذلك، فإنها ماتت بسكتة قلبية.
س - ولكن الطبيب الشرعي أثبت أنها ماتت خنقا.
ج - إذن تكون قد خنقت نفسها.
س - ولماذا حلقت ذقنك وشاربك بعد موتها؟
ج - خطر لي أن أتزوج فحلقتهما كي أبدو صغير السن.
س - ولكنك قلت في مجلس العمدة كلاما يستفاد منه أن أحدا اعتدى عليك فحلقتهما حتى تأخذ بثأرك.
ج - لم أقل ذلك وإنما كنت أسخر من قوم رأيتهم يسخرون مني.
س - لقد وصل إلى علم النيابة أنه كان بين ابنتك وبين إبراهيم علاقة وأنك من أجل هذا قتلتها وأردت أن تقتله.
стр. 612
فضرب الأعرابي جبهته في عصبية ويأس ورمى وكيل النيابة بنظرة شزراء ثم اندفع يقول إذن فاسمع. إني اعترف بأني قتلت ابنتي وإني أطلقت الرصاص على إبراهيم. خذني إلى السجن فإني أريد أن أتلهى بأشغاله الشاقة عن لؤم الناس وظلم القانون.
واقفل المحضر بعد أن تليت عليه أقواله فأقرها وأمضى. . .
السيد أبو النجا
стр. 613
الكتب
ضحى الإسلام أو أحمد أمين
- ٢ -
ضحى الإسلام كصاحبه شديد الوضوح، سديد المنهج، غزير البحر، جم التواضع، تقرأه فتتسابق معانيه إلى فهمك، وتتساوق أغراضه إلى ذهنك، فلا تشك في أن مؤلفه قد استبطن دخائل موضوعه، وأحاط بأصول بحثه وفروعه، لأن المعنى إذا اتضح في الذهن واتسق في الشعور أسفر عنه البيان في إشراق وسهولة وقوة، وما يتعقد الأسلوب إلا من غموض الفكرة أو طموس الصورة أو ضعف الملكة.
اسمع صاحب الضحى أو اقرأه تجده في حاليه واضحا صريحا ثقة، لأنه يتكلم عن روية، ويشرح عن فهم، ويكتب عن تفكير، ويؤلف عن دراسة، أما فترة الشك والتردد فنهايتها بداية عمله.
موضوع الكتاب الحياة العقلية للمسلمين في القرن الأول من العصر العباسي، والعقلية الإسلامية يومئذ كانت أشد العقليات تركيباً، وأكثرها تعقدا، وأوفرها نتاجا، لأنها مزيج عجيب من آثار شتى لجنسيات متعددة، وحضارات متنوعة، وثقافات مختلفة، فتحليل هذا المزيج إلى عناصره الأولية كما يفعل الكيميائي، ورد هذه القوة الناتجة إلى قواها البسيطة المحركة كما يفعل الميكانيكي، أمر لم يضطلع به إلى اليوم غير أحمد أمين، لأن الوسائل التي تهيأت له من مواهبه ومكاسبه وبيئته وعصره لم تتح مجموعة لأحد من قبله، فلو أنه اجتمع لمؤرخينا السالفين مع سلامة الفطرة، ونفاذ البصيرة، وسعة الاطلاع، الوقوفُ على علوم الاجتماع، ومذاهب النقد ومناهج البحث، لما تركوا لنا التاريخ على هذه الحال المضنية من النقص والمبالغة والفوضى، ولكن هذا التاريخ الذي قنع بأخبار الحرب والفتح، والولاية والعزل، والولادة والوفاة، واغفل الكلام في تبدل الأحوال والأطوار، وتغير الميول والأفكار؛ وتطور العادات والمعتقدات، في طبقات الأمة، هو نفسه الذي استخلص منه احمد أمين كتابيه فجر الإسلام وضحى الإسلام على هذا النهج الواضح والنسق المطرد! فاعتبر في نفسك أي عقل إستجلى هذا الغموض، وأي فكر استغل هذا النقص، وأي صبر ساعد هذا الجهد!
стр. 614
سار المؤلف في تحرير كتابه على خطة سديدة، وتبويب متناسق. فجعله جزئين متساويين: بسط في الأول العوامل التي أثرت في العقلية الإسلامية وهو الذي ظهر، وفصّل في الثاني الآثار التي نشأت عن هذه العقلية نفسها وهو الذي سيظهر. ثم كسر كلا من الجزئين على بابين: فالأول على الحياة الاجتماعية وعلى الثقافات الدينية والمدنية، والثاني على الحركات العلمية ومعاهد العلم وحرية الفكر، ثم على المذاهب الدينية وتاريخ حياتها وأشهر رجالها وأهم أحداثها.
فموضوع الجزء الذي في يدينا الآن إذن هو العوامل المؤثرة في الحياة العقلية الإسلامية في شباب الدولة العباسية، وهذه العوامل أما مادية نشأت من طبيعة الاجتماع كاختلاف الأجناس، وصراع الطوائف، ونظام الرقيق، ومظاهر الترف من مجون ولهو، ونتائج البؤس من يأس وزهد، إلى غير ذلك مما أسبوعيته فصول الباب الأول الستة وأما أدبية نشأت من تداخل الثقافات الفارسية، والهندية، واليونانية، والعربية، واليهودية، والنصرانية، وما يتبع ذلك من تمازج الآداب والمعتقدات والأنظمة، وقد استقصى المؤلف أطرافها في فصول الباب الثاني الستة.
وهذا الوضع المنطقي المحكم قد ضمن لآراء الكتاب أن تطرد، ولأجزائه أن ترتبط، ولأبحاثه أن تجتمع، فجاء من حيث التأليف مدمج الفصول، مرسوم الوجهة، محدود الغاية، بريئا مما يجره عدم الخطة أو فسادها من استطراد مشت في جهة، وإخلال مرهق في جهة أخرى، وتلك مزية قل أن تجدها في كتاب.
صاحب ضحى الإسلام شديد اليقظة، مستقل الرأي، لا يعرض قولاً دون مناقشة، ولا بحثا دون تقدمة، ولا رأيا دون دليل، ولا تشعر وأنت تقرأه أن هناك رأياً معينا تسلط عليه، أو فكرة سابقة أثرت فيه، فهو يخطِّئ (جولد زهير)، كما يخطّئ ابن خلدون، ويعرض الثقافات الدينية المختلفة بميزان واحد ولسان واحد.
تبدو هذه اليقظة، ويتجلى هذا الاستقلال، منذ الكلمة الأولى في الكتاب؛ إذ يفطن إلى الخطأ الذي جره على بعض المؤرخين الكسل والتقليد في تصويرهم سقوط الأمويين وقيام العباسيين حداً فاصلا بين حياتين مختلفتين للأمة الإسلامية، تبتدئ الثانية عند انتهاء الأولى، ثم يتجليان في سائر الفصول وعلى الأخص في الشعوبية والاسترقاق والزندقة،
стр. 615
فليس وراء ما كتبه فيها مراغ لمستزيد.
وصاحب ضحى الإسلام أديب بارع، وعالم ضليع، يظهر أدبه في الصور التي رسمها كصورة الرشيد، والتراجم التي وضعها كترجمة ابن المقفع، وتلك الصورة وهذه الترجمة نموذجان عاليان لكاتب التاريخ ومؤرخ الأدب. ويتحقق علمه في كثرة المصادر التي رجع إليها، ووفرة النتائج التي حصل عليها، وعرضه للثقافات، ولا سيما الهندية، عرضا ينم عن اطلاع واسع واستقراء دقيق وصبر نادر.
وكل ذلك والتواضع الأصيل في الطبع يأبى للمؤلف أن يصدق ما يقوله العلماء، والمستشرقون من أنه مثال الباحث الجامعي الحق، وكتابه نموذج البحث العلمي الصحيح.
الزيات
стр. 616
جولة في ربوع أفريقية لمحمد ثابت
بقلم الدكتور محمد عوض محمد
ليس من السهل أن نجد في هذا القطر كله لمحمد ثابت ضريبا ولا
شبيها في حبه للرحلات البعيدة، وفي التضحية بوقت نفيس وبمال
أنفس، في سبيل إرضاء هذه الرغبة السامية، التي تدفعه في كل صيف
إلى أطراف العالم، لكي يرى بعينيه تلك الأقطار البعيدة التي طالما
سمع عنها وتاقت نفسه لمشاهدتها. . وأي امرئ لا يملك الإعجاب
الشديد حين يرى محمد ثابت ينفق من ماله القليل الذي ادخره بكثير
من حرمان النفس، ينفق عشرين جنيها كاملة من أجل رحلة بالسيارة
من (كمبالا) على بحيرة فكتوريا إلى (فورت بورتال) على سفح
رونزوري (مسافة لا تزيد كثيرا على ما بين القاهرة والإسكندرية)
لكي يمتع الطرف بالتأمل في تلك الجبال الشامخة ساعات قلائل، وقد
اختفت قللها تحت غشاء كثيف من السحاب والضباب. ثم يعود أدراجه
إلى كمبالا لكي يستأنف سياحته الطويلة.
وفي المصريين كثير ممن ينزحون عن قطرنا صيفا. . . ولكن هؤلاء لهم شأن غير شأن صديقنا ثابت، وقصة غير قصته. فهؤلاء قبلتهم إما فيشي أو كارلسباد يتداوون بمائها الشافي بما أنزلوه بأجسامهم من نتائج الإفراط أو التفريط. أو قبلتهم باريس حيث يحيون حياتهم في القاهرة، يجلسون النهار كله وشطرا من الليل في مقاهي مدينة النور (وهم لا يرون من نورها شيئا) يقضون وقتهم قعودا كسالى يتحدثون وهم في ميدان الأوبرا بذلك الصوت المصري الجهوري فيسمعهم جميع من بالبوليفارد، يعلنون عن أنفسهم، وما في أنفسهم شيء يستحق الإعلان، ومنهم من هو شر من هذا. . وأي شر؟ ولكن مالي أكدر نفسي بالكلام عن هؤلاء وأنا أريد أن ينشرح صدري بالكلام عن محمد ثابت؟
стр. 617
منذ ثلاثة أعوام جال محمد ثابت في ربوع أوربا، فلم يزل ينتقل من قطر إلى قطر حتى بلغ جزيرة أيسلندة وكان من الدائرة القطبية قاب قوسين أو أدنى. . . وفي الصيف التالي يمم شطر المشرق وجال في بلاد الهند والصين واليابان؛ وفي الصيف الماضي حملته السفينة باسم الله مجراها ومرساها إلى شرق أفريقية وجنوبها. فاخترق خط الاستواء للمرة الأولى (إذ لا أظنه اجتازه في جولته الآسيوية) ثم عاد إلى مصر بطريق البر والنهر (نهر النيل) مجتازا بلاد كينيا وأوغندة والسودان المصري.
وإني ليحزنني أن إعجابي الذي لا حد له بالرحالة محمد ثابت لا ينصرف إلى الكتاب الذي بين يدي الآن (جولة في ربوع أفريقية) فإن شخصية المؤلف لم تنصف شخصية الرحالة. ولم تقم بالواجب نحوها.
فتحت (جولة في ربوع أفريقية) وأنا أتوقع أن أطالع كتابا يصف لي رحلة المؤلف وحركاته وسكناته بدقة، ويصور لي كل شيء رآه، وما مر به من الحوادث. لكي أشعر أنني معه ألازمه في رحلته أسافر كما يسافر وأرى ما يرى. وهذه هي اللذة الخاصة التي أجدها في مطالعة كتب الرحلات. لكن محمد ثابت لم يفعل هذا بل أخرج لنا كتابا يتضمن بيانات (لا أنكر أن أكثرها نافع مفيد) عن جغرافية شرق أفريقية، وقد ضاع حديث الرحلة بين الفصول الجغرافية كما تضيع قطع الذهب وسط أكوام من التراب فكنت أجده لأقل المناسبات يترك موضوع الرحلة تماما، ويأخذ في كتابة فصل جغرافي في شيء من الإسهاب، ولكنه خارج عن موضوع الرحلة. ففي صفحة ٧٦ بيان طويل عن السكر وزراعته لا في أفريقية وحدها بل وفي غيرها من الأقطار، ويتكلم في صفحة ٥٦ و٥٧ عن بلاد روديسيا والكنغو مع أنه لم يرهما ولم يمر بهما، ويكتب فصلا طويلا عن جبل كلمنجارو مع أنه رآه عن بعد مائة كيلو متر، وفصلا عن تاريخ أوغندة أو عن نقل السفن إلى بحيرات فكتوريا منذ عشرات من السنين. وبيانا عن الكركدن ولم يره، وفصلا طويلا عن الشلوك اقتبسه من دراسته الخاصة لا مما رآه في رحلته.
وهذه التفاصيل الخارجة عن الرحلة قد طغت على حديث الرحلة حتى لم يبق منه إلا القليل. وإني أريد أن أذكر لصديقنا الفاضل أن أمامنا كتبا كثيرة نستخلص منها تاريخ أفريقية وجغرافيتها!. ولكن الذي بنا إليه شغف شديد، والذي يستطيع هو وحده أن يعطينا
стр. 618
إياه، هو كتاب عن رحلة محمد ثابت. ولهذا كان أمتع فصول الكاتب على الإطلاق هو ذلك الجزء الذي يصف لنا فيه كيف منع من دخول جنوب أفريقية، وكيف جنت عليه مصريته في تلك الأقطار النائية. هذا الفصل للقارئ هو بمثابة الجوهرة وسط الأحجار.
ويخيل إلي أن محمد ثابت لم يكن يكتب مذكرات (يومية) أثناء رحلته. ولو فعل لكان لديه محصول وافر يغنيه عن تلك الفصول الجغرافية. وإنك لتقرأ الكتاب فلا تستطيع أن تستبين منه تفاصيل حركات السائح. فقد دخل (نيروبي) ولكنه لا يذكر لنا في أي تاريخ نزل بها. وبات ليلة في (ناكورو) فلا يخبرنا أين بات. ويمر بأوغندة ويقضي بها أياما، ولكنك لا تعرف متى دخلها ومتى خرج منها. ولست أستطيع أن أعزو هذا الإغفال إلا لشيء واحد هو أنه لم يكتب مذكرات يومية أثناء السياحة. ولهذا أرجو منه في سياحته المقبلة ألا ينام ليلة قبل أن يدون مشاهدات يومه. وسيرى القراء الفرق بين الكتاب الجديد والقديم.
بقى أني وجدت هفوات يسيرة أريد أن أنبه المؤلف الفاضل اليها وهي (ص٦) أن لفظ عنوان كتاب لا أسم أحد المؤلفين، وشيبا وسبأ كلمة واحدة (ص٧) فيقال بالإنجليزية ملكة شيبا وبالعربية ملكة سبأ وهي بعينها السيدة الفاضلة التي دخلت صرح سليمان وحسبته لجة. . . ونهر النيل (ص١٦٩) لم يعد أعظم نهر في العالم، لا من حيث الطول ولا من حيث ما يجري فيه من الماء. . ويطليموس الجغرافي (ص١٦٩) لم يعش قبل الميلاد بل في القرن الثاني بعد الميلاد، وغابات ايثوري في الناحية الغربية لجبال رونزوري فلا يمكن أن ترى من حصن يورتال. والغورلا يا سيدي ثابت حيوان ليس له ذنب (ص١٩٧) فقد اضطر إلى أن يستغني عن هذه الزائدة استعدادا لأن يكون إنساناً مثلي ومثلك ومثل كواكب السينما، وأخيرا لا أوافق المؤلف على أن قطن الجزيرة يزرع في الشتاء ويحصد في الربيع. . بل يزرع في أواخر الصيف (ابتداء من أغسطس) ويحصد في الشتاء ابتداء من يناير. (ص٢٦٩)
وإني لأرجو من صديقنا السائح الفاضل رحلة سعيدة في الصيف الآتي وأن يتحفنا بعدها بكتاب عن تلك الرحلة وعن نفسه لا عن شيء آخر.
стр. 619
العدد ٨ - بتاريخ: ٠١ - ٠٥ - ١٩٣٣
стр. 620
شروح وحواشي
عام ١٣٥٢ أشرقت الشمس على الدنيا شمس محرم في اصفرار يشبه الكسوف أو انكسار يقارب المذلة! كأن صبحه الضاحي لم يغرق الكون بالنور، ويخرج العالم من الضلالة! وكأن يومه الأغر لم يغير وجه الزمان وينتصب علما في تاريخ الخليقة! أو كأن الهجرة التي يشع هذا اليوم بذكراها لم تدفع الإنسانية في طريق الكمال آلافاً من المراحل وهي على بعيرين هزيلين يتنكبان الجواد ويمشيان على كلال ووجل! وكأن الفلك لم يدر به القرون الطوال على دين حرر العقول، وملك طبق الأرض، وحضارة مدنت العالم! ولكن ليت شعري لم لا تنكسف شمس المحرم، وهي إنما تطلع اليوم على أطلال من المجد والملك والخلق لا تبعث في العين غير الدموع، ولا في النفس غير الكآبة؟!
لقد أصبحنا وما نملك لذكرى الهجرة إلا مظهرا وضيع الشأن قاصر
الدلالة: عطلة رسمية في الحكومة، وحفلة كلامية في جمعية الشبان!
أما المظهر الشعبي الذي يغمر الشعور بالبهجة، ويعمر القلوب بالعزة،
فكأن نفوسنا لم تتهيأ له بعد!
وفي العراق (وا أسفاه) يستقبلون المحرم بلدم الصدور بالأكف، وضرب الظهور بالسلاسل، وإقامة المناحات في الشوارع والمنازل، فيضيع بذلك عيد المجد النبوي في مأتم السبط الشهيد، وتأبى هذه المصادفة المشئومة على حكومة بغداد، أن تجعل يوم الهجرة عيداً من الأعياد.! وفي سائر البلاد الإسلامية يمر هذا اليوم المسكين فلا يعلنه تقويم ولا يحفله أحد!
رحماك اللهم! فأين الشرق من الغرب!! وأين المحرم من يناير؟!
نهضة العراق: كثر اليوم حديث الصحف المحلية عن العراق ونهضة العراق، وفي ذلك رضا للعاطفة التي أحملها لهذه البلاد الكريمة يدفعني إلى إعلان هذا الفوز. فوزارة المعارف تريد على ما روت إحدى الصحف أن تستعين بما وضعته معارف العراق من الأناشيد، في تقرير هذا النظام الجديد. وتنشر الصحف أن لجنة ألفت في وزارة المعارف العراقية (لتغيير) الأناشيد المدرسية! فتقدم إليها على الفور جمعية الرابطة الأدبية في بغداد ثلاثين نشيداً منها: تحية العلم، الحرية، تربية الطفل، المطر، تدبير المنزل، تحية الملك: نشيد النهضة، نشيد الوحدة، نشيد الحماسة، نشيد الفتاة، النشيد الوطني، الرياضة، الكشافة،
стр. 621
العلم والعرفان: ويقرأ هذا الخبر شعراؤنا الفحول فيسألون الله السلامة، ويتضاءل في نفوسهم الرفيعة معنى الزعامة! وتضرى الخصومة السياسية عندنا فتمزق العلائق والأعراض فيضرب الكتاب المثل الأعلى بالخصومة النبيلة التي تقع بين ساسة العراق فلا تتعدى أندية الأحزاب ولا دواوين الحكم. وتحس الصحافة المصرية حز القيود فتغبط الصحافة العراقية بحريتها الجديدة، وتشكر لحكومتها السعي في تقرير نقابتها العتيدة.
والحق إن في الشعب العراقي أفضل ما في الشعوب الناهضة من حيوية وطموح ومرونة ورجولة، فإذا أضفت إلى هذه الخلال انه جذ من ورائه تقاليد النظام القديم، وإن معاهدته الجديدة قد قللت من الاستشارة الأجنبية المعرقلة، وإن حكومته بسيطة الآلة ضيقة الدائرة، حتى لتسنح الفكرة للمدير العام (وكيل الوزارة) في مجلس من المجالس أو تقترح عليه فتصبح قانونا أو لائحة، أدركت سر القوة الحافزة في نهضة العراق. أما الحكومة الملتوية المعقدة ذات الزوايا والحنايا فأن المقترح أو المشروع يضل فيها بين توزع المسؤولية وتقسم الرأي فيخرج من مكتب إلى مكتب حتى يدركه الإعياء فيرقد في درج أو سلة!!
الأدب المصري الحديث أدب ثرثرة: هكذا قالت (العاصفة) في بيروت، ثم تفضلت على الصديق طه فنصبته زعيما على هذا الأدب! وقالت: (إن الأدب الحديث الناشئ في مصر أدب لا يزال بحاجة إلى صقل وتهذيب فهو أشبه بالحجارة غير
المنحوتة) ثم قالت في موضع آخر (وأصدق قول ينطبق على القسم الأعظم من هذا الأدب الذي يتحفنا به أدباء مصر انه أدب ثرثار ورجاله حائرون بين الابتكار والتقليد فيشوقهم أن يكونوا من المبتكرين وأن يسيروا في التيار الغربي فإذا القديم يغلب عليهم. . . . . . ومقال العاصفة على (ثرثرته) إندفاعة نفس شابة لاتزن الكلام ولا تبالي التبعة، وهي لا تملك والله الحمد ميزان القضاء ولا أهلية الحكم. فالدفاع أمامها دفع بعدم الاختصاص. على أن من الخير لنا ولها أن تقف قليلا عند قولها: (ولم تشعر مصر بروح الأدب العالي تجول فيها إلا يوم أرتادها أدباء لبنان وسورية. . . فالأدب الذي حمله إلى مصر تقلا ونمر وصروف وإسحاق واليازجي وحداد وزيدان والرافعي والمطران وسواهم هو الأساس في نهضة مصر الأدبية الحديثة ولولاه لم يكن حافظ ولا شوقي ولا العقاد ولا المازني ولا طه حسين ولا ولا الخ. نعم نقف قليلا عند هذه الجملة الطائشة لنقول للكاتب وأمثاله: إن
стр. 622
الزمان لم يدع في أيديكم وأيدينا من المجد المشترك إلا هذه اللغة وهذا الأدب، فلم تأبون إلا أن تقسموهما على البلدان وتوهنوا أسبابهما بهذا الهذيان! تلك نعرة بدوية ونغمة مملولة. والعاصفة التي أثارت هذا الموضوع الجاهلي تتشدق بالتجديد! فهل علمت ما يشبه ذلك بين الأدباء في فرنسا وسويسرا وبلجيكا، أو بين الأدباء في إنجلترا وأمريكا؟ وماذا يضيرها إن تركتنا متآخين متحابين على هذا المنهل الباقي ننعم جميعا بريه ومائه، ونحرص جميعا على فيضه وصفائه؟؟
شاعر وشاعر:
هو الحظ غير البيد ساف بأنفه … خزامى وأنف العود بالذل يخذم!
في اليوم الذي تحتفل فيه لبنان بذكرى (لامرتين) في الشرق تجيء أخبار الموصل بأن بلديتها هدمت قبر أبي تمام! فأما تكريم لبنان لذكرى الشاعر الفرنسي فلم يخرج عن سنن العرب في تمجيد الأدب وأهله، والاعتراف بإحسان المحسن وفضله. وأما تكريم الموصل للشاعر العربي بهدم ضريحه وطمس أثره فذلك ما لم نفهمه لا من طبيعة الشيء ولا من سياق الخبر ولا من احتجاج العرب ولا من روح العراق. فهل يكون السبب أن مدينة (الخالدين) عدنانية وأبا تمام من قحطان، أم السبب إنها عراقية والطائي من قرى غسان؟!
قرية الأدباء: من أنباء موسكو أن الحكومة الروسية قررت بناء قرية للأدباء بالقرب من لينغراد وصدرت لها من مالها ما يساوي مائة ألف جنيه ذهبا وستحظر على غير الأدباء دخولها الا بإذن رسمي خاص. وغايتها من ذلك بالطبع استخدام الأدب في تأييد الحكم السوفيتي ونشر المذهب الشيوعي. والذي يعنينا من هذا الخبر انه تنفيذ سخي لقلم الشعراء الذي يقترحه على وزارة المعارف صديقنا الهراوي، وتحقيق لفكرة (المدينة الفاضلة) التي خططها في الخيال أستإذنا الفارابي!!
أحمد حسن الزيات
стр. 623
من غير عنوان
للأستإذ أحمد أمين
أكلت أكلة ساء هضمها، فانقبضت نفسي، وغاضت بشاشتي؛ وتقطب ما بين عيني. . .، وسئمت كل شيء حولي، وبرمت بمخالطة الناس كما برمت بالعزلة عنهم، وكرهت السكوت كما كرهت الكلام.
ونظرت إلى العالم فتجهمته، رأيته ثقيل الروح، فاسد المنطق، يمج السمع نغماته، ويعاف الطبع منظره، وتأخذ بخناقي ألاعيبه وأحداثه.
أي شيءفيه يسر؟ إن هو إلا جيفة تنبحها الكلاب، وميتة يتساقط عليها الذباب، عدو كل ألفة، ومصدع كل شمل، يبلي الجديد ولا يجدّ البالي. ليست لذته إلا ألماً مفضضاً، ولا مسرته إلا حزنا مبهرجا!
ودعوت ربي بالسلامة جاهدا … ليصحني فإذا السلامة داء
ما حال من آفته بقاؤه … نغص عيشي كله فناؤه
أليس عجيباً ألا تكون لذة حتى يحدها ألمان، ولا راحة حتى يكتنفها عناءان؟!
سعيد وشقي، وفقير وغني، وذكي وغبي، ليست إلا ألفاظا اصطلح عليها، فإن أنت تأملتها لم تجد كبير فرق بين مدلولاتها:
ما الظارون بعزها ويسارها … إلا قريبو الحال من خيابها
أكبر الناس قيمة، وأضاعها الموت وتفاوتوا في الجاه والثراء وسوى بينهم القبر!
ومن ضمه جدث لم يبل … على ما أفاد ولا على ما اقتنى
يصير ترابا سوا علي … هـ مس الحرير وطعن القنا!
ليست الدنيا إلا قطرة من شهد في بحار من علقم، وذرة من سعادة في جبال من شقاء يلح الدهر ببؤسه وعنته حتى إذا استيأست النفوس وبلغت الروح التراقي سخا بقبس من نعيم أطفأه برياح عاتية من عذاب!
قد فاضت الدنيا بأدناسها … على براياها وأجناسها
وكل حي فوقها ظالم … وما بها أظلم من ناسا
نظام كله فوضى! وحياة كلها فساد. رذيلة تسعد وفضيلة تشقى!
стр. 624
والناس شتى فيعطي المقت صادقهم … عن الأمور ويعطي الكإذب الملق
بحار تشكو الري. وصحراء تشكو الظمأ، وماء ولا شارب. وشارب ولا ماء!
تباركت أنهار البلاد غزيرة … بعذب وخصت بالملوحة زمزم
غنى عقيم، وفقير عائل:
سبحان من قسم الحظو … ظ فلا عتاب ولا ملامة!
أعمى وأعشى ثم ذو … بصر وزرقاء اليمامة!
عيش كله هذيان، أعاليل بأباطيل، والدنيا تلعب بنا لعب الكرة!
ترينا الدجى في هيئة النور خدعة … وتطعمنا صاباً فنحسبه شهدا
كذب المؤرخون فسموا زمنا سلما وزمنا حربا، وما السلم الا حرب صامتة شر من الحرب الناطقة! كل شيءفي العالم مفترس، أسد يفترس ذئبا، وذئب يفترس حملا. إنسان يفترس كل شيء حتى نفسه!
قوم سوء فالشبل منهم يخول الليث … والليث راح أكل شبله!
كان العالم عالم سوء فتوج الإنسان شروره
كلما أنبت الزمان قناة … ركب المرء في القناة سنانا
عالم كله أحاجي وألغاز، وعقل قاصر عنيد، منذ خلقه الله يحاول أن يفهم، يحوم حول العالم يريد أن يعرف الغرض منه فلا هو يصل ولا هو يعدل
نفارق العيش لم نظفر بمعرفة … أي المعاني بأهل الأرض مقصود؟
الله صورني ولست بعالم … لم ذاك، سبحان القدير الواحد!
حياة حار فيها الحكيم وضل فيها الفيلسوف، مبادئ تتضارب، وصور تتنازع، وكلام مزخرف. ظاهره جميل وباطنه مزيف كلما ظنوا أن حلوا مشكلة نجمت مشاكل - وقديما قضى الفلاسفة حياتهم في الجوهر والعرض والكمية والكيفية وأيس وليس، ثم عادوا آخر المطاف يعترفون بالفشلويقرون بالعجز ويقولون مع القائل:
نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا إذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
стр. 625
زاد تلبك معدتي، فزادت من الحياة نقمتي!
فيا موت زر أن الحياة ذميمة … ويا نفس جدي أن دهرك هازل
تناولت دواء هاضما فأخذت أهش للحياة وأبش، وبدأت أنظر إلى العالم بوجه منطلق، ومحبباً منبسط - هاهو ذا قد تألقت صفحته. وأسفرت غمته، وانقشعت غمامته.
الحق أن العالم جميل، فهذا نسيم يعطر الجو بعرفه، ويحيي النفوس يرقته ولطفه، وهذا الربيع نزهة العين ومنطق الطير. وهذه حديقة عقد منظوم. ووشي مرقوم.
أصبحت الدنيا تروق من نظر … بمنظر فيه جلاء للبصر
والأرض في روض كأفواف الحبر … تبرجت بعد حياء وخفر
كل شيءحولي يضحك! ليس في الأمكان أبدع مما كان.
قلبي وثاب إلى ذا وذا … ليس يرى شيئاً فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي … ويرحم القبح فيهواه
إن الحياة غنية باللذائذ، وليست الآلام فيها إلا توابل تهيؤ لاستمرار اللذة.
والشوك في شجرات الورد محتمل
ما لدنيا إلا قيثارة يوقع عليها شجى الألحان! أو مائدة شهية صففت عليها صنوف الألوان!
وقد تخمد الشمس الصباح بضوئها … تفاوتت الأنوار والكل رائق
إن كان في الدنيا سخف وهذيان، فكن الفيلسوف الضاحك، وليس الفيلسوف الباكي!
وإن كانت الدنيا ألغاز وأحاجي، فكم نجح العقل في حلها واستجلاءغامضها. وكل يوم تتسع دائرة المعلوم، وتضيق دائرة المجهول. والعقل يلذه البحث ولو لم يصل. ويشعر بالغبطة ولو لم ينل. وفي نجاحه فيما أدرك، عدة له فيما لم يدرك.
رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يغير وجه العالم ويحيل السواد بياضاً، والشقاء سعادة، والقبح جمالا، والظلام نوراً، والحزن سروراً، فأين الحق!
стр. 626
التجديد في الأدب
حول مقال الأستاذ أحمد أمين
للدكتور عبد الوهاب عزام
قرأت في (الرسالة) مقالا للأستاذ الفاضل أحمد أمين عنوانه (التجديد في الأدب) فرأيت آراء بينة استحسنتها، وألفيت رأيا آخر لم أقبله، وقد هممت أن أكتب مجاملا الأستاذ ثم بدى لي أن أرجئ الكتابة إلى حتى يتم مقالاته، فلما قرأت المقال الثاني زاد الخلاف بيني وبينه. ثم عرفت أنه سيتلبث قليلا فلا يكتب عن هذا الموضوع في العدد الآتي فسارعت إلى الكتابة وأنا اشعر أن الذي يحبب إلى مجادلة الأستاذ حبي واعظامي وتلمسي محادثته كلما وجدت إليها سبيلا في المجالس أو في صفحات المجلات.
قابلت الأستاذ بعد أن قرأت المقال الأول فقلت: سأنتقد مقالك أو اشرحه. فقال مازحا: قبل أن تقرأه؟ فقلت نعم. ذلك أنني أنشأت أنا وصديقي الأستاذ العبادي في بعض الأسفار أبياتا وسميناها (القصيدة المكتمة) وكتمناها الأستاذفقال: لا أبالي هذا الكتمان، وسأشرحها دون أن أراها. وأذكر أني قابلته مرة فقلت: (سؤال) فقال قبل أن يستمع إلى سؤالي: (جواب) أتريد أن أجيب قبل السؤال أو بعده؟ ولكن ليطمئن أستاذنا وليعلم أني قرأت مقاله قبل أن أكتب عنه، وهو أمامي الآن أقرأه وأكتب ما يبدو لي فيه.
أعجبني قول الأستاذ عنالمجددين: (فإذا سألت المجددين ماذا يريدون بالتجديد، وما ضروبه وما مناحيه وماذا يقترحون أن يدخلوه على الأدب العربي؟ جمجموا في القول وأتوا بكلمات غير محدودة المعنى ولا واضحة الدلالة) وأنا أزيد علىهذا أن التغيير ليس فضيلة ينبغي الحرص عليها والتنافس فيها والتفاخر بها، وإنما يستحسن التغيير أو التجديد حين تدعو الحاجة إليه. والكاتب النابغ إذا أحس الحاجة إلى التجديد بدّل وغيّر وابتدع في غير صخب ولا سخرية ولا مباهات، ثم عرض على الناس نتاج رأيه، وثمرة ابتكاره فيرضونها، أو يجادلون في أمر وضحت معالمه واستبانت حدوده. الكاتب المجدد حقاً هو الذي يمضي في سبيله قدما، مبيناً عن آرائه ومشاعره على الأسلوب الذي يفي بهذا البيان. والخطة التي يؤثرها ويفصلها لا يتكلف الإغراب والشذوذ ليقال انه مجدد. والشاعر المطبوع هو الذي يسير على فطرته مخلصاً لنفسه مبيناً عنها لا يبالي أن يكون قد لزم الجادة المطروقة أو
стр. 627
حاد عنها، ثم يعرض على الناس شعره فيما اختار من موضوع وأسلوب في الوزن والقافية. فإذا ثار الناس عليه جادل عن نفسه وأوضح حجته. والأدب فيما أحسب يؤثر فيه الاستطراف، فقد يغير الشاعر أسلوبا طال عليه العهد ومله الناس، وقد يرجع الناس إلى الأسلوب المهجور بعد حين فيستطرفونه. فالتغيير في الأدب واسع المجال ولكن ينبغي أن تحسن الحاجة إليه وتستبين سبله.
الأدب العربي تقلب في أطوار مختلفة. وابتدعت فيه بدع كثيرة ولكن لم نسمع إن المبتدعين مهدوا لابتداعهم بمعركة كلامية في القديم والجديد، نظم ابن المعتز موشحه، وافتن المغاربة في الموشحات افتنانا خرج بها عن الأوزان والقوافي المألوفة، ومضى الناس على هذا ولم يمهد لهذا الابتداع بثرثرة في التجديد، ولم يكن للمجددين من حجة إلا أن ألقوا إلى الناس موشحاتهم تحتج لنفسها. وكذلك نظمت قصص كليلة ودمنة وغيرها في القافية المزدوجة، ولم يكن هذا معروفا من قبل، وكتب بديع الزمان الهمذاني مقاماته وهي طريقة جديدة، وما عرفناه أن تقدم هذا وذاك جدال أجوف ذو دوي كالذي نسمعه في هذا العهد والمتنبي ذهب في الشعر المذهب الذي ارتضاه ثم قال:
أنام ملء جفوني عن شواردها … ويسهر القوم جراها ويختصم
المعري ملأ شعره بالفلسفة وأمور لم يألفها الشعر من قبل وكتب رسالة الغفران على غير مثال فما دعا إلى طريقته ولا جادل فيها أحدا. وما أحسب لامرتين الشاعر الفرنسي حين نشر (التأملات) قد أجهد نفسه في الدفاع عن نفسه، والهجوم على مخالفيه. هذه هي الطريقة المثلى التي تجنبنا المعارك الضالة والكلام المتهاتر، والحجج المبهمة، حين يدور الجدل علىأمر مشهود بين يمد الكلام، ويقصر النزاع، ثم يكون المثال الجديد حجة لنفسه تسد السبل على المعاندين والمغالطين. هذه هي الطريقة المثلى. وأما الجعجعة بغير طحن، أو جعجعة في طحن الكلام، وإثارة الخصام جناية على القارئين، ومضلة للباحثين.
إنما يكثر تحدث الإنسان عن صحته حين يعتل، وأما الصحيح القوي فهو عامل جاهد، ماض في سبيله لا يقيس كل خطوة بنصح الأطباء، ولا يزن كل أكلة بما أعطي من الدواء. وكذلك أعجز الناس عن الابتكار والإتقان أكثرهم ضوضاء وسخرية وافتراء وادعاء. أعود إلى مقال الأستاذ احمد امين، بعد أن ند القلم في الكلام عن التجديد
стр. 628
والمجددين، وأترك للأستاذ المقدمةالتي ذكر فيها (العناصر الثابتة) في الأدب و (العناصر المتغيرة) وأتصدى لكلامه في تجديد الألفاظ. هو يرى أن التجديد فيها على ضربين: الأول (اختيار الألفاظ التي تناسب العصر، ويرضاها ذوق الجيل الحاضر) وضرب الأستاذ مثلا كلمة هبيخ وبعاق وكنهور. وأنا لا أريد أن أناقش الأستاذ في الأمثلة فقد قرأنا في كتبنا القديمة أن (المناقشة في المثال ليست من دأب المحصلين) ولكني أخالفه فيما سماه ذوق العصر وأعرض نفسي لحكمه حين يقول: (وهذا بديهي لا يحتاج إلى إطالة. وكل من جهل هذه الحقيقة لا يفلح أن يكون أديبا) أخالفه في أن يجعل الذوق حكما ولا سيما ذوق الجيل الحاضر على قصوره في اللغة والأدب. وأخشى أن يقتصر هذا الذوق على ما ألف من الكلمات فيعد كل كلمة غير مألوفة نابية عن الذوق ثقيلة على السمع، فإذا أراد كاتب أن يدل على الهواء بين السماء والأرض فقال (السكاك) أو (السمهى) ضحك منه أهل الذوق. وإذا أراد أن يدل على الهواء بين جبلين فقال (النفنف) سخروا منه، وإذا قال صفقت الباب وأجفته بمعنى أتممت إغلاقه أو تركت فيه فرجة (رجلته) اشمأز الذين لم يسمعوا بهذه الكلمات، على إن البيان في حاجة إليها. إن الذوق يسقم ويصح. والأديب النابغة يستملي فطرته فيلائم الذوق العام أو يسيره حيث يشاء ولا يقف نفسه أسيرا تتصرف به الأذواق. إن أمر الألفاظ أجل وأخطر من أن يحكم فيه الذوق وحده. إن الحاجة خلاقة الألفاظ ومبقيتها، والحاجة لا تباليبالأذواق. فعلى كل أمة وكل جيل أن يأخذ من لغته الألفاظ التي يحتاج إليها ويخلق الألفاظ التي لا يجدها، غير مبال بالغرابة أو الثقل الذي يبدو أول الأمر، فان الاستعمال جدير باستئناس الكلمة الملاءمة بينها وبين أذواق الناس. وكم من كلمة أجنبية ثقيلة استعملها الناس فألفوها، ولميجادلوا فيها. فبعض كتابنا يقول البروباجندا والديموقراطية والأرستقراطية والميتافيزيقية على بعدها عن طبيعة لغتنا وأوزإنها، أنا أعرف أن القدماء من أدبائنا غلوا في الظرف وأخذوا على المتنبي وغيره كلمات سموها نابية أو حوشية. وقد تجلى هذا الظرف في كتاب المثل السائر وغيره ولكن هذه الرقةلا يقام لها وزن عند الحاجة الملحة. بعض ألفاظ اللغة محاكاة الأصوات، وبعضها فيما أظن، تخيل المعاني في الأصوات: حاكت اللغة صوت الريح والرعد والطير وأنواع الحيوان ونحوها ومثلت المعاني الأخرى في ألفاظ تلائمها، فليس لنا أن ننفر من الألفاظ الشديدة
стр. 629
ونتجنبها إن أردنا أن ندل على المعاني الشديدة. فالعقنقل والحقف والكثيب والجلمودوأشباهها ملائمة لمعانيها. ولا بد من استعمالها لندل على هذه المعاني. ولكن الذوق الحاضر يؤثر الألفاظ اللينة الحفيفة الجرس المألوفة، ويترك مثل هذه الألفاظ على شدة الحاجة إليها.
ينبغي أن تؤثر الألفاظ القوية الشديدة لمعانيها، والألفاظ الخفيفة لمعانيها، دون إنصات إلى حكم الأذواق، بل ينبغي أن يعمل الأديب لإحياء الألفاظ الطبيعية الشديدة كلما نزعت بالأمة رخاوة الحضارة إلى نسيإنها، وينبغي أن تعالج اللغات بالألفاظ القوية التي تبدو ثقيلة غير مألوفة، كما يعالج ترف الحضارة بضروب السياحات والرياضات الشاقة. والاستعمال جدير بتذليل كل صعب، وأستأنس كل وحشي. يجب أن يحكم موضوع الكلام لا ذوق المترفين. فالشاعر في القاهرة أو باريس إذا وصف الجبال أو الحروب، وهي بعيدة من إلفه، ساغ له أن يأتي بالألفاظ التي تثير الروعة والهيبة. إن اللغات العامية في البلاد العربية نتيجة الأذواق المختلفة، ولغة الأدب الموحدة في هذه البلاد نتيجة مقاومة هذه الأذواق بالتعليم، ورفعها إلى مستوى أرفع وأقوم.
أضرب للأستاذ الفاضل قول مسلم بن الوليد في وصف الصحراء
ومجهل كاطراد السيف محتجز … عن الإدلاء مسجور الصياخيد
تمشي الرياح به حسرى مولهة … حيرى تلوذ بأكناف الجلاميد
ما رأيه في (مسجور الصياخيد) و (أكناف الجلاميد)؟ أهي ملائمة لذوق الجيل الحاضر؟ وهل يرى غيرها أجدر بمكانها في هذا الشعر؟ إنها لا ريب حسنة في موقعها، بالغة ما أريد بها من وصف الصحراء حين تشتعل فيها الهواجر. فإن كان علم الجيل الحاضر باللغة ينفر به عن أمثال هذه الكلمة فليس على الكاتب أن يتحرز عنها، ولكن على الناس أن يألفوها. ثم ماذا يرى الأستاذ في قول ابن هانئ الأندلسي:
فحياضهم من كل مهجة خالع … وخيامهم من كل لبدة قسور
من كل أهرت كالح ذي لبدة … أو كل أبيض واضح ذي مغفر
طردوا الأوابد في الفدافد طردهم … للأعوجية في مجال العثير
ماذا يرى إن كان جهل جيلنا الحاضر باللغة ينفر بذوقه من قسور وأهرت والأوابد والفدافد
стр. 630
والأعوجية. وهل ينبغي أن يهجر قول الشريف الرضي:
من القوم حلوا بالربى وأمدهم … قديم المساعي والعلاء القدامس
تحلهم دار العدو شفارهم … وترعيهم الأرض القنى المداعس
بها ليل أزوال، بكل قبيلة … ملاذع من نيرانهم ومقابس
أو ينبغي أن يهجر ذوقالجيل الحاضر ان نفر من مثل هذا الشعر؟
أرى أن حاجة الكتاب إلى الإبانةوالإعراب والإبداعتسوغ لهم أن يتخيروا من اللغة ما يشاءون، ويطبعوا ذوقالأمة كما يبتغون، وأرى أن الذوق ربما يكون وليد الجهل وفساد الطبع، والاستكانة إلى كل هين يسير، والركون إلى كل سفساس مبتذل.
للذوق الحكم حين يتسع العلم باللغة والأدب، وتعرض ألفاظ عدة لمعنى واحد فيختار الذوق واحداً منها. وللاختيار أسباب كثيرة، فقد يختار (هبيخ وبعاق وكنهور) وقد يختار غيرها. وإنما الفظاظة والثقل أن يعمد الكاتب إلى كلمات غير مألوفة فيؤثرها على المألوف إغرابا وتعمقا وشذوذاً ومخالفة للذوق دون جدوى.
ثم يقول الأستاذ: (لذلك أصبحت في معاجم لغتنا ألفاظ كثيرة ليس لها قيمة الا إنها أثرية تحفظ فيها كما تحفظ التحف في دار الآثار) وأنا أقول بعد الذي قدمت: ما أشد حاجتنا إلى كثير من هذه الألفاظ المهجورة، فإنها مجدية على من يعرفها ويستعملها. وعسى أن تصير ملائمة لذوق الجيل الحاضر حين يعرفها فيقضي بها حاجته من الإبانة عما يريد.
ربما يقول الأستاذ بعد قراءة هذه الكلمة. إن الذوق في رأيي هو الذوق الذي تخلقه الحاجة والمعرفة والتمكن من اللغة والأدب، وبلوغ الغاية مما نريد لا الذوق الذي يكون على العلات في كل حين. فان يكن هذا الذي أراده أستاذنا فقد شرحته وبينته وبررت بوعدي حين لقيته فقلت: (سأنقد مقالك أو أشرحه) وأما الأستاذ الثاني وهو أجدر بالمجادلة فموعدنا بنقده (الرسالة الآتية)
стр. 631
روح الإسلام
للدكتور محمد عوض محمد
منذ سنوات كنت اطلب العلم في جامعة لفربول. . . . . .
وفي ذلك الزمن كنت قد عاهدت نفسي وعصبة من الرفقاء، منذ نزلنا بلاد الإنكليز على ألا نألوا جهدا في إفهام القوم أمر بلادنا، واطلاعهم على مالنا من تاريخ مجيد وثقافة جليلة. فكنا نرحب بكل من جاء يستطلع منا خبرا، أو يستفتينا في أمر يمت إلى الشرق بسبب.
وفي يوم من أيام الشتاء، بعد انصرافي من إحدى المحاضرات، ابتدرتني طالبة من الطالبات بالسؤال الآتي: هل تستطيع أن تخبرني في كلمة واحدة أو في كلمات قلائل ما روح الإسلام؟ أدهشني السؤاللأول وهلة، ونظرت إلى السائلة نظرة الحائر المستفسر. فأدركت أن في السؤال شيئا من الغموض. فقالت: (اننا، مثلاً، نرى أن روح المسيحية يتمثل في لفظ واحد وهو الحب. فهذا هو لب لباب ديننا، والأساس الذي شيدت عليه صروح المسيحية كلها. فما من عقيدة ولا شعائر ولا تعاليم إلا والحب محورها الذي تدور حوله. ولا تكترث لما قد تراه مخالفا لذلك فما هو من المسيحية في شيء.) فقلت: (إنك إذن تريدين مني كلمة واحدة أو كلمات قلائل، تكون من الإسلام بمثابة كلمة الحب من المسيحية؟.) فقالت: (أجل فقد يكون روح الإسلام مثلا العدل أو القوة. .)
فأطرقت قليلا، وأنا أمعن في التفكير، لعلي أهتدي إلى جواب ترضاه وأرضاه. وخطر لي أن أشرح لها أن للإسلام أركانا خمسة. . لكني ذكرت إن في المسيحية أيضا صلاة وصياما. وخشيت أن تقول لي إن هذا من الدين بمثابة الجسم وإنها تبحث عن الروح.
قلت لها في صراحة: (إنني ما خطر لي يوما أن أبحث عن كلمة واحدة تؤدي كل ذلك المعنى الجليل الخطير. . وأنتم معشر الإنكليز قوم تحبون تبسيط كل مسألة. . ومع هذا أمهليني أتدبر الأمر، أو أسأل أهل الذكر. فلا خير في جواب عاجل لا ينطوي على الصواب.)
في مساء ذلك اليوم جلست في حجرتي مطرقا، مسندا رأسي على يدي، محدقا في مصطلى تشتعل فيه النار. كأنما كنت ألتمس الإلهام من لهيبها المندلع وقبسها المضطرم. وأطفأت المصابيح كي لا يلهيني عن التفكير ما بالحجرة من أثاث أو صور. . . . . .
стр. 632
لم أكن (علم الله) من الملمين بعلم الدين. وكنت أحس من نفسي عجزا وقصورا، عن معالجة تلك المسألة، ولكني رغم هذا رأيت أن أحاول معالجتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. . وجعلت أجهد فكري أيما إجهاد. وخيل لي أني أرى أمامي سبلا كثيرة فجعلت أسلك كلا منها، ولا أزال أتبعه إلى نهايته، ثم أعود فأسلك طريقا آخر فأجتازه إلى غايته: وكانت كل خطوة تدفعني إلى خطوة أخرى حتى أبلغ نهاية المرحلة. . .
وهكذا سلكت في تفكيري وبحثي طرقا شتى. وعجبت إذ ألفيتني أصل في كل مرة إلى غاية واحدة، ويسلمني البحث إلى شيء واحد. . فقد كان ينتهي بي التفكير دائما إلى التوحيد. . . . . .
لعل روح الإسلام إذن هو التوحيد. . وهل أراني بلغت الغاية حين رست بي سفينة الفكر على ذلك الساحل الأمين؟ أليس التوحيد أن يقصد الناس بجسدهم وبروحهم وجه الإله، ولا ينصرفوا عنه إلى سواه؟ وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله؟. . وأن نرتفع بأنفسنا عن عبادة المال والتكالب على جمعه. . وعبادة الشهوات التي تسترقنا وتذلنا. . أليس التوحيد إذن هو الذي يعلو بأنفسنا عن كل دنيء مهين، ويرقى بنا إلى سماء كلها طهر وصفاء؟
فيم التردد إذن؟ إن روح الإسلام هو التوحيد.
جالت بنفسي هذه الخواطر، وجعلت أرددها في صدري مرارا فلا تزداد إلا ثباتا ورسوخا. وخيل إلي إني اهتديت إلى إجابة صريحة (لا لبس فيها ولا إبهام) على السؤال الذي سألته صباح ذلك اليوم.
وكنت أخشى ألا ألتقي بصاحبة السؤال إلا بعد أيام، فأردت أن أرسل إليها الجواب في طي كتاب فتناولت قلما وورقا، وأوقدت المصابيح، وجعلت أسطر ما جال بخاطري في شيء من الإسهاب والتفصيل، كي لا يبقى في صدر القارئة ذرة من الشك في صحة ما استقر عليه رأيي.
وأعدت تلاوة الكتاب مرارا، واطمأننت إلى إنه يؤدي كل ما جال بنفسي أحسن الأداء. وكنت بهذا فرحا طروبا. ثم طويت الكتاب، ونهضت لأحمله إلى دار البريد.
في تلك الساعة كان المطر ينهمر مدرارا. فجلست إلى جانب النافذةانتظر عله يكف أو
стр. 633
يسكن قليلا. . وجعلتانظر إلى خارج الدار. أتأمل الغيث إذ يتساقط على أحجار الشارع الملساء، والضباب الخفيف وقد انتشر في سائر الأرجاء. والمصابيح وهي تبدو ضئيلة فاترةخلال الضباب والغيث. وكأنها أشباح اليقين وسط دياجير الشك.
لم يطل تأملي لذلك المنظر حتى عاد بي الخاطر إلى موضوع الكتاب الذي بيدي. . وانتقل بي التفكير من الإسلام إلى البلاد التي تدين بالإسلام. وجعلت أنظر بعين الوهم إلى تلك الأفكار، التي يفصل بيني وبينهاآلاف الأميال. وأخذت ترتسم أمامي صورتها شيئا فشيئا. .
ليت شعري ماذا في بلاد الإسلام من روح الإسلام؟ وماذا في بلاد التوحيد من التوحيد؟
غشيني شيء من الذهول. ورسم الوهم أمامعيني صورة مروعة مفظعة هائلة، لتلك الأقطار القاصية. .
رأيت البلاد. قد حلق فوقها عقاب البغي، باسطا عليها جناحيه، ومنشبا فيها أظفاره، وقد خضعت لسلطانه الرقاب، وعنت لخشيته الوجوه! وهلعت الأفئدة. وذلت الأعناق، ورغمت الأنوف! وانطلقت الأفواه تسبح بحمده، وتمجده، وهو لا يزداد إلا بغياً وعتواً، والأعناق لا تزداد إلا خشوعا وذلا.
وتبدلت الرؤيا بعد ذلك. . فأبصرت هيكلا عظيم البناء، لا يبلغ الطرف مداه. ورأيت الناس منطلقين إلى أبوابه الكبيرة، ليقيموا الشعائر. . زمر تسعى إثر زمر. . جموع تتجاذب وتتدافع، ويموج بعضها في بعض. . ولا تكاد الأبواب تحتويهم على سعتها. . . . . .
ثم انكشف الغطاء وأبصرت ما بداخل الهيكل. . فإذا أوثان هائلة، قد نصبت في أرجاء الهيكل. ومن دون كل صنم مذبح عظيم تقدم إليه القرابين، ويحرق عنده البخور. والناس من حولها بين قائم وقاعد وركع وساجد. .
نظرت ذات اليمين فإذا صنم جبار أصفر اللون، براق لامع، ما شككت في إنه (مامون) إله النضار. إن لم تنم عنه صورته فقد نم عنه رواده وقصاده. جنود مجندة وكتائب محتشدة. قد أقبلت على عبادته بأيد ممدودة، ووجوه تفيض شرهاً وجشعا.
وقد حمل كل عابد قربانه: هذا يقرب الشرف، وذاك يذبح الدين، والآخر يقدم الوفاء والميثاق، وذلك يقرب وطنه الذي نماه وغذاه، وصاحبه يقدم الأهل الذين أنجبوه. . . . . .
стр. 634
وها هنا شخص يحرق ضميره ومبدأه بخورا.،. وهناك آخر يضحي بما لديه من عفاف وكبرياء. . . . . .
وكأن ليس في العالم شيء أعز وأكبر من أن يكون قربانا لذلك الصنم الهائل الدميم. الذي كان يقبل القربان حيناً، ويزور عن عباده أحيانا. فلا يزيدهم نفوره وازوراره إلا تهالكا عليه، وغلواً في عبادته، وإكثاراً من الضحايا والقرابين. . . ثم نظرت إلى أطراف الهيكل، فأبصرت جموعاً أخرى عاكفة على أوثان أخر: ها هنا إله الشهوات وقد احتشدت عبيده من حوله. وهنالك وثن المناصب والجاه والناس من حوله ركع سجود. . . وفي هذه الناحية وتلك شكول وضروب من أصنام يكاد يخطئها العد، ويعجز عنها الوصف.
وألفيت نفسي بعد قليل أتنفس الصعداء، وقد إنجابت عن عيني تلك الرؤيا، ولم يبق أمام ناظري سوى الغيث المنهمر، والضباب المنتشر، وضوء المصابيح الضئيلة.
ولبثت برهة واجماً ساكنا: وقد امتلأت نفسي خزنا وغما. . . . . .
ثم نهضت ببطء شديد، وأغلقت النافذة وأسدلت الستر. وعدت إلى مجلسي بجانب الموقد. . . . . .
وأمسكت بيد مرتجفة ذلك الكتاب الذي تعبت في تسطيره وتحبيره. . . . . .
وبيد مرتجفة ألقيت به في النار. . . وجعلت أحدق فيه إذ يحور لهيبا ودخانا. . .
وأحسست بقطرات تنحدر على خدي. . فتناولت منديلي ومسحتها. . . . . . ولعلها من قطرات ذلك الغيث أصابت وجهي وأنا جالس لدى النافذة!
ألفيت الفتاة بعد أيام فأعادت السؤال فقلت لها إن كان روح النصرانية الحب، فأن روح الإسلام التوحيد.
стр. 635
الشعر والحياة الحديثة
لشاعر الهند رابندرانات تاغور
يعيش العالم الآن في عصر ثورة. فاعتقاده القديم وميله حتى نفوره في تغير وتبدل. ولم يشهد التاريخ تطوراً أصابه من التقلبات السريعة المفاجئة ما أصاب هذا التطور البادي في عقلية الجماعة والفرد. فالأخلاق تختلف، والآراء تتغاير، والاعتقادات تتباين. والجيل الجديد قد دفعته الرغبة الملحة إلى تجربة كل شيء في الحياة حتى نسي فن الحياة، فلا يملك الوقت للتفكير والتأمل، ولا يجد الفراغ للسرور الهادئ الذي يمتع به نفسه، ولا فرصة للقراءة يغذي بها روحه، وشدة الزمان وعنف الجهاد لا يسمحان لامرئ أن يفاكه شيئا لا رادة فيه ولا ثمرة، لذلك كان فن الشعرأبعد ما يكون عن الازدهار والانتشار. فالشعراء قليلون. وروائع الشعر نادرة، لأن طبيعة العصر تقتضي ذلك.
أنا لا أزعم إني أفهم ميول العصر، ولكني أسجل ما عليه الشعر العصري من حاضر سيئ وحال أليمة. ليكن السبب في ذلك متصلا بأي صورة من الصور بالحرب وأثرها في نفوس الشعوب التي صليت بنارها (وذلك ما لا أجرؤ على تأييده) فإن الأمر الواقع أن ازدهار الشعر في هذه الساعة من أصعب الأمور.
ومما لاشك فيه أن الناس لا يجدون لثقافة الشعر فراغا تركه السينما الناطق وموسيقى الجاز وذلك الحرص على أن يزدردوا في أربع وعشرين ساعة مقدارا من التجارب والاختراعات والاحساسات كان يغذي آباءنا الأولين شهوراً عدة.
على أن هذا الحال من الظواهر الطارئة التي لا تلبث أن تزول، فأن في الإنسان جزءاً جوهريا يقتضي الشعر ويتطلبه. أما وقت زوالها فذلك ما أجهله، ولكنه على أي حال لا يكون اليوم، لأن الناس أصبحوا غير أهل لتقدير العمل الفني، وإذا استطاع المسافر في قطار سريع أن يحسن التقدير لمنظر من المناظر، استطاع الرجل الذي يحيا هذه الحياة المحمومة أن يزن الحكم على قصيدة من القصائد. أن للحياة نسقا موزونا إذا أعجلته في حركته عرض الوجود كله للخطر. وقد نسى رجال اليوم ذلك فأصبحوا يركمون الإحساس فوق الإحساس دون استمتاع ولا تذوق، كالأكول الشره يبتلع اللقمة دون استمراء ولا مضغ ففاتهم بذلك خير ما في الحياة! تلك هي الحال الغالبة على كل شيء.
следующие страницы →