← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

أسامة - وذلك ما جعل كبار الصحابة يشيرون على الخليفة بإبقاء الجيش ليعتز المسلمون به في محاربتهم أهل الردة - إلا أن الواقع لا يؤيد ذلك إذ لا يعقل أن يصل نعي النبي إلى بلاد عمان والبحرين فيرتد أهلهما ويصل ذلك النعي إلى المدينة وجيش أسامة قاعد لا يحرك ساكناً. وإذا كان الخليفة يريد أن ينفذ أوامر الرسول فلماذا يؤخر حركة هذا الجيش طول هذه المدة؟ وتدل الأنباء على أن أول من أنبأ بالارتداد عامل مكة وأعقبه عامل الطائف بالخبر، ثم ورد عمرو بن العاص إلى المدينة بخبر ارتداد أهل عمان والبحرين ونجد، وكان الرسول بعد حجة الوداع قد أوفده إلى عمان، فلما بلغه نعي النبي قفل راجعاً إلى المدينة وأخبر بوضوح أن الغرب ارتدت من دبا إلى المدينة، والمدة التي تصل فيها أخبار الوفاة إلى عمان ليست قصيرة، كما إن السفر من عمان إلى المدينة أيضاً يتطلب عدة أيام، لأن المسافة بين عمان والمدينة ١٢٥٠ ميلاً (أعني مسيرة أكثر من عشرين يوماً على الذلول) ومن الواضح أن كبار الصحابة لم يرتأوا إبقاء جيش أسامة بمجرد رؤيتهم قبائل فزارة وغطفان يرتدون، والأمر الذي لاشك فيه أن خبر امتناع بعض القبائل العربية القريبة من المدينة عن تأدية الزكاة وردت إلى المدينة قبل حركة جيش أسامة. وإذا صح ادعاء الرواة بأن خبر ارتداد العرب في أقصى البلاد ورد إلى أبي بكر فأطلعه على حرج الموقف قبل سفر جيش أسامة، فيكون الخليفة قد جازف مجازفة خطيرة، بإيفاده الجيش شمالاً بينما كان الخطر يهدد المسلمين في عقر دارهم. ومن الرواة من يزعم أن أبا بكر شرع في قتال أهل الردة بعد عودة جيش أسامة، ومنهم من يدعي أن قتال ذي القصة والربذة جرى قبل عودة الجيش. أما نحن فنميل إلى الاعتقاد أن القتال وقع قبل عودة الجيش، إذ لا يعقل أن تتواطأ غطفان على الهجوم على المدينة، وتعلم بأن جيش أسامة مرابط في شمالها. بينما الروايات التي يستند إليها الواقدي والبلاذري تدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة في ذلك القتال. الشروع في العصيان: أول من شرع في العصيان خارجة بن حصن الفزاري من رؤساء بني فزارة، إذ أنه أوقف جابي الزكاة في طريقه إلى المدينة وأخذ منه ما في يده على بني فزارة ورجع الجابي إلى

стр. 5707

أبي بكر. أما القبائل التي ثارت وتظاهرت بالعداء فهي: بنو أسد وغطفان والبعض من بطون طئ، فاجتمع بنو أسد في سميراء، وعلى رأسهم طليحة بن خويلد، واجتمعت فزارة في جنوبي طيبة، واجتمعت عبس وذبيان في الربذة والتف حولهم جماعة من كنانة، ولما كثر عددهم لم تحملهم البلاد لأن المياه شحيحة والمرعى قليل فتفرقوا إلى فرقتين، فأقامت فرقه بالأبرق بالقرب من الربذة والأخرى في ذي القصة، وأمد طليحة فرقة ذي القصة بقوة من بني الأسد. والداعي إلى تفرقهم هو أن الوقت كان صيفاً، لأن الرسول توفى في شهر ربيع الأول للسنة الحادية عشرة من الهجرة. وهذا التاريخ يوافق شهر حزيران سنة ٦٣٢ ميلادية. والمياه على ما نعلم تشح في الصيف، وكذلك المرعى تقل حينئذ. فبعثت غطفان وفداً إلى المدينة ليعرض على أبي بكر رغبتها في أن تقيم الصلاة وألا تأتي الزكاة، وكان عيينة بن حصن الفزاوي وأقرع بن حابس في الوفد. فلم يلب أبو بكر طلبهم برغم إشارة بعض الصحابة عليه بالتساهل معهم إلى أن يعود جيش أسامة، إلا إنه في الوقت نفسه قدر خطورة الموقف لما عاد الوفد إلى أهله. وكان للوفد على ما يظهر مهمتان: عفو الزكاة، والإطلاع على قوة المسلمين في المدينة. وقد لاحظ أبو بكر ذلك، إذ لم يعد الوفد حتى جمع الصحابة وأطلعهم على حرج الموقف وكلفهم بحراسة المدينة ليلاً ونهاراً. فأقام رجالاً في الأبراج لمراقبة الطرق الممتدة إلى المدينة من جهة البادية ورتب قوة احتياطية في المسجد لتكون على استعداد للنجدة عند الحاجة، وحذر أهل المدينة بقوله (إنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد) يشير بذلك إلى قرب المسافة بين المدينة والقبائل المتحفزة للهجوم. وقد يعجب الإنسان بصلابة أبي بكر في رفضه طلب الوفد بعد اطلاعه على أخبار عماله لدى القبائل وسماعه حديث عمرو بن العاص. وكانت جميعها تنبئ بارتداد العرب عامة أو خاصة ولا يوجد في المدينة سوى نفر قليل وجيش أسامة بعيد عنها. ونظراً إلى ما ذكره الواقدي في كتاب الردة أن أبا بكر لم يكتف بالتدابير التي اتخذها في المدينة، بل طلب من القبائل العربية كأسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب أن تمده بالرجال فأسرعت إلى نجدته. فأخذ الناس يتوافدون إلى المدينة بسلاحهم، وأرسلت جهينة

стр. 5708

أربعمائة راكب. وإذا صدقنا رواية سيف بن عمر التي نقلها الطبري، ظهر لنا أن ظن أبي بكر كان في محله، إذ لم تمض ثلاثة أيام على عودة الوفد حتى كان المرتدون قد غزوا المدينة ليلاً. لابد أن الوفد بعد عودته أخبر القبائل المتحفزة للهجوم عن ضعف قوة المسلمين بالمدينة وشجعها على الهجوم وكانت من غطفان، وهي عبس وذبيان وفزارة على ما نعلم. المواقع التي جرى القتال فيها: وردت أسماء السميراء والربذة وطيبة والأبرق وذي القصة عند البحث في تجمع القبائل. ولا يوجد الآن من هذه الأسماء في الخرائط الحالية إلا السميراء. ولنا من الأخبار التي نستقيها من رواة العرب الأقدمين أن القبائل الساكنة في شرقي المدينة وعلى طرفي الطرق الذاهبة إلى العراق وخليج فارس هي بنو سليم وهي أقربها إلى المدينة في الشمال الشرقي، ثم يليها بنو كلاب إلى شمال بني سليم، ثم عبس وذبيان في شرقي حرة خيبر إلى الشمال. أما قبائل طي فتسكن في جبليها أجأ وسلمى، وفي شرقي بني عبس وذبيان وفزارة من غطفان في وسط وادي الرمة وعلى جانبيه. وتأتي بعدها قبائل بني أسد. وموقع سميراء على ما يظهر من الخريطة واقع إلى شمالي وادي الرمة، ويبدأ منه وادي السميراء الذي يصب في الوادي في جوار الحاجر. الربذة: يذكر ياقوت الحموي أن موقع الربذة على الطريق التي تصل موقع فيد بالمدينة. وفيد في حي طئ وهي قرية من قرى جبل شمر واقعة إلى شرقي جبل سلمى على الطريق التي تصل الكوفة بالمدينة ويمر بها طريق الحج، وهي بعيدة عن المدينة مسافة ست مراحل. وتلتقي فيها عدة طرق من الجوف والعراق والمدينة وبريدة والرس. والربذة على هذه الطريق، وهي تبعد عن المدينة أربعة وعشرين فرسخاً، وواقعة إلى شمالي شرقها، ولعل موقع حناكية الحالي هو موقع الربذة القديم أو قريب منه، لأن بعده عن المدينة زهاء ثمانين ميلاً. والفرسخ العربي طوله أربعة كيلومترات ونصف كيلومتر أو أربعة كيلومترات. والذي يجعلنا نميل إلى ذلك إن القوة لم تجتمع في الربذة بل في

стр. 5709

الأبارق، وكلمة أبارق إسم خاص لبعض المحلات تدل على أرض حجرية ورملية مختلطة. وموقع الحناكية بالقرب من حدود حرة خيبر، والحرة على ما نعلم أرض بركانية خامدة وفيها محلات يتراكم الماء فيها. ومادامت القبائل مجتمعة فيها فلابد حينئذ من وجود الماء فيها. والحناكية واقعة في بطن وادي الحمض. ذو القصة أو البقعاء: والظاهر إن كلتيهما تدلان على موقع واحد في شرقي المدينة وقريب منها، وهو بلا شك على الطريق التي تمتد إلى المدينة في غربي الربذة أو في جنوبها، وهو أما الشقرة أو السابية. والأخبار تدل على أن أبا بكر بعد أن هزم المرتدين في البقعاء طاردهم بخيله إلى ثنايا العوسجة بالقرب من الركبة، وهذا الموقع الأخير واد يصب في الرمة، ولعله وادي الركب الذي ينبع من حرة خيبر ويجري شمالا في شرق وثنايا العوسجة في المحل الضيق الذي يتسلق فيه الطريق صاعداً إلى رأس الوادي أو ينزل منحدراً منه. أما موقع طيبة الذي اجتمع فيه غطفان وفزارة فلم نعثر عليه في معجم البلدان ولعله في شرقي الربذة أو في شماليه. أو إنه موقع طابة في سفح جبل سلمى الجنوبي في شمالي السميراء وهو من ديار غوث من طئ. مباغتة المدينة: لم يهجم المرتدون بكل قوتهم لأنهم أرادوا أن يكونوا خفافاً فتركوا قسماً منهم في يدي حسى بين ذي القصة والمدينة ليكون ردءاً لهم، واقتربوا ليلاً من المدينة ولم يباغتوها لأن العيون أخبرت المسلمين بدنوهم، فقاتلتهم الربايا الخارجية، وأسرع أبو بكر بمن في المسجد فأنجد الربيئات وهزم الهاجمين، ولم يكتف بذلك بل هاجمهم على الجمال التي تسقى الماء من الآبار لاسقاء مزارع المدينة، إلى أن نفرت الإبل من الجلود المنفوخة التي دهدهها الفارون من أعلى الروابي، فرجعت على أعقابها نافرة حتى دخلت المدينة. والظاهر أن الهاجمين لم يكونوا في قوة كبيرة، ولا سيما بعد أن تركوا قسماً منهم في الخلف. ويظهر أنهم من بني عبس وذبيان. أما فزارة فبقيت في ذي القصة. وهكذا انقسمت

стр. 5710

القوة التي أرادت أن تهاجم المدينة إلى ثلاثة أقسام: قسم في ذي القصة وقسم في ذي حسى، والقسم الثالث أغار على المدينة. أما قوة المسلمين فلا شك في أنها كانت ضعيفة، ولعلها لم تزد على المائتين. وتشجع المرتدون من فرار جمال المسلمين وظنوا بهم الوهن، وبعثوا إلى من بذي القصة بالخبر فلحقوا بهم. يتبع طه الهاشمي

стр. 5711

في الأدب الدرامي ١١ - الرواية المسرحية في التاريخ والفن بقلم احمد حسن الزيات تحليل موجز لأشهر ملاهي موليير (البخيل ' موضوعها وصف البخيل، وأهم أشخاصها أرباجون البخيل أبو كليانت وإيليز وعاشق مريان، وكليانت بن أرباجون وحبيب مريان، وإيليز بنت أرباجون وحبيبة فالير بن أنْسِلم، ومريان بنت أنسلم وحبيبة كليانت ومحبوبة أرباجون، وأنسلم أحد الأغنياء وأبو فالير ومريان، ومترجاك طباخ البخيل وسائقه، وفرسين امرأة محتالة، ولافيش خادم كليانت، وسيمون سمسار. وقد وقعت حوادثها في بيت أرباجون بباريس. الفصل الأول: (كنز أرباجون ومشروع زواجه) يتنكر فالير حبيب إيليز، ويقيمه البخيل وكيلاً على بيته، فيعلن إلى ابنته غرامه، ويشكو إليها بثه، فتعده بالزواج. ويدخل كليانت فيفضي إلى أخته بحبه لفتاة فقيرة شريفة تدعى مريان. ويشكو إليها عجزه عن مساعدتها لبخل أبيه، فهو يبحث عن مرابٍ يقترض منه ما يصلح به حالها. ثم يدخل أرباجون البخيل وهو يشاجر خادمه (لافيش) في عنف ويتهمه بالسرقة، فيقرره ويعزره ويبحث في جيبه ومطاوي ثوبه ثم يطرده، وهو لا يتحرج أن يعامل ولديه معاملة العدو، ويتهمهما بالتبذير. وحينما يريد الولدان أن ينبئاه بمشروع زواجيهما يفاجئهما هو بأنه عقد العزم على الزواج من مريان، وأنه فكر في مستقبل ولديه فخطب لكليانت أرملة غنية، ولإيليز أنسلم المثرى، لأنه قبل أن يتزوج منها من غير مهر تسوقه إليه. ثم هو لا يقبل جدلاً ولا يريد مشورة. ويدخل فالير فيتخذونه في الموضوع حكماً. الفصل الثاني: (ربا أرباجون) يريد كليانت أن يقترض خمسة عشر ألف فرنك فيجدها له السمسار سيمون بشروط فادحة

стр. 5712

وربح خمسة وعشرين في المائة. ويقبض منها كليانت اثني عشر ألف فرنك عيناً، ثم يأخذ بباقيها مجموعة من الأثاث البالي. على أن أغرب ما في المسألة أن السمسار يطلب هذا القرض من أرباجون، فيقف الابن أمام الأب موقفاً غريباً يتبادلان فيه ألفاظ التقريع على بخل أحدهما وتبذير الآخر، فلا يخرجهما من هذا الموقف الحرج إلا دخول (فرسين) المحتالة تعلن إلى أرباجون أن أم مريان قبلت أن تزوجه من ابنتها، وهي تطلب منه مقداراً من المال يسيراً تستعين به على كسب قضية لها في المحكمة، فيبادر إلى الخروج قائلاً: آه! إن أحد الناس يدعوني. . . الفصل الثالث: (إعداد المأدبة) دعا أرباجون أنسلم وابنته مريان إلى العشاء. فهو يوزع العمل على خدمه: فيأمر كلود أن تنظف البيت، ويحذرها أن تحك الأثاث بقوة مخافة أن يبلى، ويخصص (براندافوان) (والامرلوش) للشراب، وينهاهما أن يقدماه إلا إلى من به ظمأ شديد، ويوكل إيليز بملاحظة المائدة، ويأمر الطاهي جاك أن يهيئ الطعام بثمن زهيد. ولكن المترجاك يؤدي عمل الطاهي وعمل الحوذي

стр. 5713

معاً، فهو باعتباره الأول يطلب مالاً كثيراً، فيغضب أرباجون ويرشده إلى صنع المآكل التي تصد النفس وتميت الشهوة، ويرفض باعتباره الثاني أن يشد الخيل إلى العربة، لأن الجوع قد أضناها والتعب قد أنهكها، ويلوم سيده على شحه القبيح فينهال عليه البخيل ضرباً بهرواته. الفصل الرابع: (سرقة الكنز) يعثر الخادم (لافيش) على كنز سيده البخيل مدفوناً في الحديقة فيأتي به إلى كليانت. ويحاول الابن أن يحول بين الأب وبين زواجه من مريان، فيرميها عنده بالخلاعة والجفاء والغباوة، ويرتاب الأب في نصيحة ابنه، فيتظاهر بأنه يريد أن يزوجه منها حتى يحمله على الإقرار بحبه إياها؛ فتثور ثائرة البخيل، ويلوح له بالعصا، ويحاول أن يصده عن حبها فيأبى كليانت فيخرجه الأب من ميراثه ويلعنه، ثم يفتقد الكنز فلا يجده، فينسى مشروعاته الجميلة، ويصيح بملء صوته: يا لي من اللص!! يا لي من القاتل! يا لي من السفاك!. ثم يفزع إلى القضاء يريد أن يشنق كل الناس، حتى إذا لم يجد كنزه شنق نفسه. وهذا الموقف من أبدع مواقف الرواية.

стр. 5714

الفصل الخامس: (وجود الكنز): يحضر رجال الشرطة فيسألون (الأسطا جاك) فيتهم الوكيل فالير. ويدخل الوكيل فيشهر به أرباجون ويقول له: أريد أن تخبرني عن المكان الذي خطفتها منه، فيظن فالير أنه يكلمه عن إيليز فيجيبه: إني لم أخطفها، ولا تزال عندك في منزلك. ويستمر هذا الخطأ بينهما طويلاً، ثم ينتهي بأن يبوح فالير بحبه إيليز، ويدخل حينئذ أنسلم فيعرف ابنه فالير وابنته مريان، وقد فقدهما منذ ست عشرة سنة. ثم يقترح أن يتزوج فالير من إيليز وكليانت من مريان، فيقبل البخيل على شرط أن يردوا إليه كنزه، وألا يغرم صداقاً إلى ولديه، وأن يفصلوا له ثوباً جديداً يوم الزفاف. وتنتهي الملهاة بقول أرباجون: ولنذهب لنرى كنزي العزيز! هذه الملهاة متقنة محكمة، فحركة العمل فيها سريعة قوية، والأخلاق تبدو ظاهرة جلية، والحوار طبيعي حي يملك الذهن ويسترعي الأسماع. ولكنهم يأخذون عليها أن الموضوع محزن وان الحل ضعيف. (النساء العالمات موضوعها تحذلق النساء وتركهن تدبير البيت، واشتغالهن بالفلسفة والحساب والفلك. وأهم أشخاصها: كريزال وزوجته فيلامنت، وابنتاه ارماند وهنرييت، وأخوه أريست وأخته بيليز

стр. 5715

وخادمته مارتين، ثم كليتاندر حبيب هنرييت وتريسوتين أحد الأذكياء، فاديوس أحد العلماء. وقد وقعت حوادثها في منزل كريزال بباريس. الفصل الأول: هنرييت ترغب في الزواج من كليتاندر، ولكن أختها أرماند المتحذلقة تنصح لها أن ترفض هذا الزواج وتعكف على دراسة العلم فإن ذلك أخلق بالمرأة اللبقة الذكية، وتضرب لها المثل بأمها وخمولها في الأندية والمجامع لجهلها، فتتهمها هنرييت بالغيرة وتناقشها في الموضوع بحضرة كليتاندر، فيفصل في هذه المسألة بتصريحه أن الدكاترة من النساء لا يلائمن ذوقه، وأنه يفضل أن تكون المرأة مستنيرة فاهمة، لا متشدقة عالمة. هو إذن يختار هنرييت، ولكنه لا يجرؤ على مكاشفة أمها فيلامنت بحبه، لأنها مولعة بالمدعي تريسوتين، وهو يحتقره لادعائه وحذلقته. وتدخل بيليز فيستميلها إليه ويصارحها بأمره، فتظن أن هذا الحب لها لا لغيرها. الفصل الثاني: يأخذ على نفسه أريست أخو كريزال أن يخطب هنرييت لكليتاندر، فهو يقول لأخيه: إن كليتاندر فقير من المال ولكنه غني بالفضيلة. فيجيبه كريزال إلى طلبه، ثم يذهب إلى زوجته يقنعها به، وفي تلك الساعة تطرد فيلامنت خادمتها مارتين، لا لأنها كسرت وعاء أو سرقت إناء، ولكن لأنها أهانت النحو والقواعد. ويضعف كريزال أمام امرأته فيقر هذا الطرد، ولكنه يسخط كل السخط على حمق النساء العالمات، ويختصر شكواه في هذا البيت الجميل: إنني أعيش بالحساء الجيد … لا بالإنشاء البليغ! فإذا ما كلمها في زواج هنرييت من كليتاندر تأبى الأباء كله، وتعلن إليه أنها ستزوجها من الشاعر الأديب تريسوتين. ويحرض أريست أخاه على المقاومة حتى يرفع عن كاهله نير هذا الظلم الفادح. الفصل الثالث: يقرأ تريسوتين للعالمات فيلامنت وأرمان وبيليز موشحاً وأهجية من نظم الأميرة (أوراني)

стр. 5716

فيملك عليهن حواسهن وأنفاسهن، إلا هنرييت فتظل فارغة البال من كل ذلك. لم يكتب هؤلاء المتحذلقات شيئاً، ولكنهن يردن أن يتعمقن في العلوم، وينشئن أكاديمية لهن كأكاديمية الرجال. ويقبل المتفيهق فاديوس فيصفه ترسوتين للنسوة بأنه أعلم الفرنسيين باللغة اليونانية، وأبرع الأدباء في صناعتي النظم والنثر. ويبادله المتحذلقات صنوف التحية وضروب التعظيم، ثم ينتقد فاديوس موشح الأميرة (أوراني)، دون أن يعلم أنه من نظم تريسوتين، فيتخاصم الرجلان ويتسابان بأفحش السباب. ويخرج فاديوس محنقاً يتحدى خصمه بقوله: (إني أدعوك لمساجلتي في النظم والنثر واللاتينية واليونانية). وتعزي فيلامنت صديقها تريسوتين عن هذه الفضيحة بأن تقدم إليه ابنتها هنرييت لتكون له زوجة، ويصر كريزال على أن يزوج ابنته من كليتاندر. الفصل الرابع: تتلهب فيلامنت من الغيظ، فتقسم أن تقطع زوجها عن عزمه، وتنفذ إرادتها على هنرييت، ويلقى إليهما تلك الساعة كتاب من فاديوس يتهم فيه تريسوتين بالنفاق والطمع في ثروة هنرييت، فلا يضعضع ذلك من عزم فيلامنت فتبعث في طلب المأذون (المسجل)؛ ولكن كريزال يصمم على رأيه فلا يتقهقر. الفصل الخامس: تسخر هنرييت من تريسوتين، وتريده على أن يرفض زواجها، وأبوها يرغى ويزبد موغر الصدر على أمها، ويقول إني أريد أن أعلمها كيف تعيش، ولقد أرجعت مارتين إلى الخدمة على الرغم منها. وتدخل حينئذ فيلامنت وفي أثرها المأذون وتريسوتين، ويصل الأمر في العقد إلى تسمية الزوج فتقول الأم: تريسوتين. ويقول الأب: كليتاندر. فتغضب فيلامنت وتنتصر الخادم مارتين لسيدها فلا تزداد السيدة إلا عتواً وإصراراً ويوشك كريزال أن يسلم الأمر إلى امرأته لولا أن يدخل أخوه أريست، فيخبرهم بالكذب أن أسرتهم قد أفلست لخسرانها قضية كبيرة. فلم يكد يسمع تريسوتين النبأ حتى يدير لهم ظهره ويخرج فيظهر نفاقه وأثرته، وينتهي الأمر بانتصار كريزال وتحقيق أمل كليتاندر. يتبع

стр. 5717

(الزيات)

стр. 5718

إلى الفردوسي أتينا محتفلين للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي (ذهب شاعر الفراتين ممثلاً للأدب العراقي في الاحتفال الألفي بالفردوسي، فألقى على قبر الشاعر الخالد هذه القصيدة الخالدة) ١ أنت في شعرٍ كان فتحاً مبينا … واحدٌ من أولئك الخالدينا بعد ألفٍ من السنين أتينا … بك يا فردوسيّ محتفلينا وإلى قبرك الذي فيه تغفو … نحمل الورد الغضّ والياسمينا ولو أن الإحداث ألفى مساغا … جعل القوم حجّ قبرك دينا لك في تأريخ الملوك كتابٌ … يحمل الوحي والهدى واليقينا قمت في نظمه ثلاثين عاما … ثم لم تسأم طول تلك السنينا حزت حينا تجلّةً واحتراما … وتألمتَ للمصائب حينا ٢ شاعرٌ أنت جامعٌ للمزايا … خالدٌ لا تدنو إليك المنايا أنت في دولة البيان بحقٍ … ملكٌ ذو عرشٍ ونحن الرعايا جاء ما قد نظمته من كتاب … تحفةً فارسيةً للبرايا ولقد أهديت الكتاب إلى مَن … لم يكن ذا علم بقدر الهدايا وألمّت بك الرزايا ولكن … أنت ما كنت عابئاً بالرزايا يا إمام القريض بعدك فينا … نفد الشعر الجزل إلا بقايا قد طلبنا التحرير للشعر حتى … كثرت في الطلاب منا الضحايا ٣ إن ما قد قصصته من حروب … سوف يبقى تأثيره في القلوب أنت شمسٌ لها البيان شعاعٌ … لم تمل في طريقها للغروب

стр. 5719

ما لإلياذةَ التي حبّرتها … يد هومير مثلُ ذا الأسلوب تلك ليلٌ جهمٌ وهذا صباحٌ … مسفرٌ ما بوجهه من شحوب كنت تمشي إلى الأمام حثيثا … بخطىً لم تخلق لغير الوثوب يهتف اليوم الوافدون من الأقطار أفواجاً باسمك المحبوب جلّ ما قد نظمته في مزايا … الفارسيين عن جميع العيوب ٤ أنت في شعرك البليغ إمام … فسلام عليك ثم سلام حبذا ما نظمتَه من كتاب … أكبرته الشعوب والأقوام أنت للشرق شاعرٌ عبقريٌّ … تتغذى بقوله الأفهام (لست أدري وليتني كنت أدري) … أهو السحر أم هو الإلهام كنت للناس كوكباً ذا بهاء … أينما ألقى النورَ زال الظلام في رياض الآداب غرسك يحكى … شجراً من أثماره الآلام حُلُماً كان ما أملتَ ولكن … بعد ألفٍ قد صحّت الأحلام ٥ أنت يا من بهرتَ بالشعر عيني … شاعرُ المشرقين والمغربين أنت لو تمسك الثريا بأيدٍ … شعراءٌ، أمسكتَها باليدين أنت مما تشعّه من ضياء … يملأ العين، ثالث القمرين ما كتاب الملوك إلا بلاغ … من أبي قاسمٍ إلى المَلَوَين كلما جئت منه أقرأ فصلا … أسبلت عيني فوقه دمعتين تحفةٌ من بلاغة وشعورٍ … قد جَلَتْ ما بخاطري من رَيْن جمعت بعد أن مضى ألف عامٍ … بينه لُحمةُ القريض وبيني ٦ إن ما ناله الردى من حياتك … لم ينله للعجز من كلماتك أنت في شعرك البليغ نبيّ … وكتاب الملوك من معجزاتك

стр. 5720

لك فيه بلاغة أدهشتنا … أي روحٍ نفختَ في أبياتك كُلُ ما كنا قد نظمناه قبلاً … نظرةٌ في الحياة من نظراتك كل ما عندنا من النظم والنث … ر قبسناه من سنا آياتك كل ما قلناه في هذه الذك … رى ثناءً عليك بعضُ صفاتك قيل لي أنت في حفيرٍ ولكن … لم أجد في الحفير غيرَ رفاتك ٧ قصّرت في تقديرك الآباء … فتلافت ما فاتها الأبناء بعد ألفٍ من السنين أقامت … لك نيروزاً أمةٌ شمّاء لك يا حجة البلاغة شعرٌ … عجزت عن تقليده الشعراء بمصابيح شعرك ازدانت الأر … ض كما ازدانت بالنجوم السماء نمّقته يراعةٌ ذات حَوْلٍ … وبه لوّحت يدٌ بيضاء وإذا ضِيم الشاعر الحر يوماً … في بلاد جلاه عنها الإباء بعد آمالٍ كنّ فيك خيالاً … فاجأتك الحقيقة السوداء ٨ يا كتاب الملوك أنت كتابُ … فيه للناس حكمةٌ وصواب خلق الفردوسيّ منك خِضمّاً … فاض يرغو كما يفيض العُباب بك للشرق ما اهتدى الشرق فخرٌ … بك للغرب ما ارتقى إعجاب بك في أمةٍ قد ازدادت الأخ … لاق طيبا وازدانت الآداب معجزاتٌ وراءها معجزاتٌ … آمنت إعجابا بها الألباب إنما في الشعر الحقيقة أصلٌ … والخيالات كلها أثواب وإذا أنكر النبوغ على الشر … ق فريقٌ فأنت أنت الجواب ٩ الذي لم يقم به الغَزْنَويّ … قام مستوفيا به البهلويّ ملكٌ من أرقى الملوك عظيم … لاسمه في سمع الزمان دويّ

стр. 5721

ملكٌ بالسياستين خبير … وله فيهما الطريق السويّ أخضع الأمة العظيمة بالحسنى فلله عطفه الأبويّ وإذا قوة الإرادة جلّت … جلّ فيهم تأثيرها المعنويّ والذي لا يرى الحقيقة أعمى … والذي ينكر الرشاد غويّ إنما اليوم ليس يصلح للمُلْ … ك على وجه الأرض إلا القويّ ١٠ إنك السيف في يد الأيام … قد نضته للحرب أو للسلام حاقناً للدماء بالمثل منها … في صدام الأقوام بالأقوام في يديك القويتين إذا الأمر … دعا حقّ النقض والإبرام وإذا ما بدأت يوما بأصلا … حٍ جديد فالبدء للإتمام حبذا إيرانٌ وعمرانُ إيرا … نَ وما في بلادها من نظام ولقد سرّني كما سرّ غيري … ما بها من نزاهة الأحكام زرتُ بالأمس الروضَ أمتِع عيني … وإذا الورد فيه ذو أكمام ١١ أهلُ إيرانَ والحديث شجون … أمةٌ ما بها يليق السكون شأنها في التاريخ أكبر شأنٍ … حبذا في التاريخ تلك الشؤون وعلى عين الشرق رانَ رقادٌ … دونه في غير الرجاء المنون ثم أنحى ينبّه الشرق منه … مَلِكٌ حدُّ سيفه مسنون إنه لما قام للمجد يدعو … شخصت عن بعدٍ إليه العيون طار بالشعب كله للثريا … صاعداً لو يكون ما لا يكون سيعود المجد القديم لإيرا … نَ فتفضي إلى اليقين الظنون ١٢ أيها الشعر إنك ابن شعوري … تغتذي من كآبتي وسروري حاملاً ضحكة الذي عيشه كا … ن رغيداً أو دمعةَ الموتور

стр. 5722

سالماً من ضعفٍ يريبك منه … خالياً من زوائد وقشور ليس شعراً ما ليس في شعورٌ … لا يهيج الشعورَ غيرُ الشعور وإذا الشعر لم تهزّك منه … روعةٌ فهو جامدٌ كالقبور إنما الشاعر الموفق يمشي … من خلودٍ على رقاب الدهور معجَبٌ بالهزار كل بني الأر … ض وإن لم يكن سوى عصفور جميل صدقي الزهاوي

стр. 5723

شوقي أيضاً قطعة كتبها الأستاذ البشري صدراً لحديثه في الراديو عن ذكرى شوقي، ثم بدا له أن يرتجل. سيداتي سادتي: في مثل هذا اليوم من عامين مضيا أذّن مؤذن أن البلبل قد سكت بعد طول سجعه وتغريده، وأن الزهر قد ذبل بعد إشراقه وتوريده، وأن النجم قد هوى فلم يعد يتألق، وأن الغدير قد غاض وهيهات له بعد الآن أن يترقرق. مات شوقي ولو كان شوقي كسائر الناس ما كان لموته جليل خطر. ولرب رجل يموت فلا يفرق المجموع بين موته وحياته. ولكن موت شوقي شيء آخر. . أرأيت إلى النهر إذا يبس وإلى المطر حين يحتبس؟ وارحمتا للسارين إذا لحق النجم الغروب، وقد تشعبت الطرق واختلفت رؤوس الدروب! . لقد كان شوقي نعمة من النعم العامة التي تفضل الله بها على هذه البلاد، بل التي تفضل بها على أبناء العربية جمعاء. فموته من المصائب العامة التي يحس خطرها كل امرئ يقدر روعة الفكر، ويحتفل لأبهى صور الجمال. ولو إن الله تعالى بعث الشعور في مظاهر هذه الطبيعة وأقدرها على النطق، لشارك في إحياء ذكرى شوقي البحر الخضم، والجبل الأشم، والفلك الدائر، والنجم المختلج الحائر، والعود إذا أورق، والزهر إذا نوّر وأشرق، ولاجتمعت لمأتمه كل سجوع من بنات الهديل، يقمن عليه المناحات بأحد النواح وأحر العويل. فلقد طالما أضحك وسرى، ولقد طالما أطرب وأشجى، ولكم جلا من صور الطبيعة فأجاد وأحكم، وأنطق الصخر في مرسخه لو كان الصخر يتكلم، ولكم لاغى الطير غادية ورائحه، ولكم لاعب الغزلان شاردة وسانحة، ولكم داعب الغصن حتى تثنى خصره، وغازل الزهر حتى تنفس بهواه أرجه وعطره! شوقي لم يمت، ومثل شوقي لا يموت أبداً، بل إنه ليزداد حياة على طوال الأجيال. هذا شوقي حي أقوى الحياة في بيانه القوي، وسيظل هذا البيان المشرع العذب النمير ينهل منه بنو العروبة ما قدّرت للعربية في هذه الدنيا حياة. سيداتي سادتي: وافقت ليلة حديثي ذكرى وفاة أمير الشعراء. ولابد من أن أقول فيه كلاماً، ولكن كيف لي

стр. 5724

بهذا الكلام، وقد جئت الليلة إلى المحطة وأنا متداع متهدم من أثر المرض، هذا فضلاً عن أنني لا أذكر أنني كتبت في إنسان مثل ما كتبت في شوقي. فلقد جلوت له من ثماني سنوات (مرآة) عريضة في السياسة الأسبوعية، وحللت تاريخه وشخصيته وشاعريته في كتاب المفصل المقرر للسنين الأخيرة في التعليم الثانوي. وكتبت فيه هذه الأيام كلاماً كثيراً سينشر هذا الأسبوع في مجلة (الرسالة) بمناسبة هذه الذكرى أيضاً، فلم يبق لي مع هذه الأحوال طاقة بجديد فيه الآن، فأرجوكم أن تعذروني إذا حدثتكم بعد هذا بنبذ مما سبق به القول، أقتبسها من هنا ومن هنا، ولعلها تجلو شوقي على من لم يدرسه بعض الجلاء. عبد العزيز البشري

стр. 5725

العلوم ٥ - بحث في أصل الإنسان بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية إذا قلنا إن الإنسان يمتاز من سائر الحيوان بقواه العقلية وقدرته على التفكير الحر فيجب ألا ننسى حينئذ أن من أهم مميزات الإنسان اعتدال قامته وعدم اعتماده على شئ عند المشي: لكنا مع ذلك لا نستطيع القول بأنه خلق كذلك، لأن صغار القردة تكون ذات جسم معتدل تحمل جسمها وكل عضلاته في صغرها على اتجاه عمودي، إلا أن أقدامها لا تساعدها على البقاء كذلك في سيرها، ولا يمكن لجسمها الاحتفاظ بتوازنه عليها، لأنها لا زالت تعد وتستعمل أداة للقبض، فانفرج ما بين أصابعها لهذا الغرض، بعكس الجنس الإنساني الذي تطورت حاملة قدميه، فصار في طاقته المشي عليهما وحدهما دون الاعتماد على يديه. هناك أجزاء ثلاثة: وهي القدم وعظام الفخذ والسلسلة الفقرية، وقد كان في تطورها والتغيرات التي حدثت بها أكبر مساعد على اعتدال قامة الإنسان وقدرته على المشي وحده. ولذلك يمكننا أن نحكم على أي مخلوق بالدرجة التي وصل إليها مقترباً من الإنسانية أو مبتعداً عنها بمجرد فحص عظمة فخذ أو عظمة من عظامه المتحجرة. كيف وقف إنسان جاوة إذا نحن دققنا البحث في عظمة فخذ إنسان جاوة وهي الأثر الذي تركه، نجدها طويلة دقيقة إنسانية في كل شئ، تدلنا على إن ذلك الإنسان أو المخلوق الذي صارت هي بقيته الباقية، لابد وأنه كان يسير مستقيم الظهر يعرف الجري والقفز. . . حقيقة هنالك بعض اختلافات في تكوين وشكل هذه العظام المتحجرة إلا إن هذه الاختلافات لا تبعدها عن كونها إنسانية ولا تقربها بأي حال من الأحوال من شكل عظم فخذ القردة. وبرغم أوجه الشبه بين الإنسان القرد والقرد فإنه كان إنساناً. ومن شكل وطول عظمة الفخذ هذه يمكننا أن نصور إنسان جاوة بأنه كان نحيفاً تبلغ قامته ٥ أقدام و٩ بوصات وأنه كان معتدلها يمشي كما

стр. 5726

نمشي نحن الآن تماماً. وهنا يمكننا أن نقول بكل ثقة إن الإنسان قد اكتسب هذا الاعتدال في القامة والمشي قبل نهاية عصر البليوسين وإننا إذا أردنا البحث عن حاله قبل ذلك فإنه يجب علينا حينئذ أن نتوغل في عصر جيولوجي أقدم من ذلك بكثير ولكن قبل أن نتقدم بذلك يحسن بنا أن نذكرك بالحقيقة الهامة وهي إن الإنسان قد اكتسب قوامه المعتدل قبل اكتسابه قوامه الفكرية كإنسان، وإنه قد ظل مطبوعاً بطابع القردة في شكل الفك والجمجمة حتى نهاية عصر البليوسين، وبدء عصر البلستوسين. وبواسطة تلك الآثار والمخلفات التي وجدناها في المقابر والكهوف ومدرجات الأنهار، أمكننا أن نتتبع تاريخ الإنسان إلى عصور سحيقة من عصور التاريخ متناهية في القدم. وعندما أردنا البحث في ذلك بدأنا البحث في بقايا العصور الحديثة، ومنها تعمقنا إلى ما هو أقدم منها، وطريقنا في ذلك سهلة للغاية، فإننا نبدأ بالعلومكي نصل إلى المجهول، وبالظاهر حتى نكشف عن الخفي، ولذلك فإنه بفضل تلك الأدوات والمخلفات الصخرية القديمة قد أمكننا أن نتتبع تاريخ الإنسان في عصر البلستوسين، ومنه تدرجنا إلى البليوسين. جولة في عصر ذوات الثدي (العصر الثالث) لذلك سوف نتعمق في أبحاثنا نحو عصر من العصور القديمة جداً، هو العصر الثالث أو الـ ولكن قبل أن نخوض في غمار ذلك البحث نجد لزاماً علينا نحو القارئ الكريم أن نعطيه فكرة عن ذلك العصر الذي ذكرناه. لازلنا نذكر أننا قد أعطينا في مقال سابق تحت عنوان مقال اليوم مقياساً تقديرياً لعصور الكهف ومدرجات الأنهار وتتابع الطبقات وأعمارها في كل منهما، وسنجد أنفسنا مضطرين لأن نفعل ذلك في ذلك العصر الذي نحن بصدده الآن. من الشكل (٨) يمكنك أن ترى تتابع عصر البلسوسين لعصر البليوسين، وهذان العصران يفصلهما حد زمني له أهمية في هذا المجال لأنه عند تخطي عصر البليوسين للعصر الذي يتبعه نجد اختلافاً كبيراً في شكل الحيوانات الثدية الموجودة به، ولذلك فإن علماء الجيولوجيا يعتبرون عصر البلستوسين أول مجموعة من المجاميع التي تكون حلقات تاريخ

стр. 5727

الأرض وتاريخ الإنسان الذي سكنها، وقد وضع لهذه المجموعة اسم وهي تبدأ بعصر البلستوسين وتنتهي حينما تراجع الخط الجليدي إلى الدائرة القطبية. أما الحلقة الثانية فقد بدأت (على قول العلماء) بعد ذلك بنحو عشرة أو اثني عشر ألف سنة، وفي إبانها أخذت الإنسانية تظهر بمظهرها الحديث، ويبدأ الإنسان بإعداد نفسه بصقل مواهبه وقواه الفكرية، ليغزو العالم ويسيطر على عرشه الذي قد أعده الله له. أما عصر البليوسين وهو الذي يقع في الجانب الآخر من هذا الفاصل فهو الرابع والأخير لمجموعة تكون إحدى حلقات السلسلة التي تكلمنا عنها، وهذه المجموعة هي التي أطلق عليها العلماء اسم وأما الحلقة الثالثة وهي عصر الميوسين فإنها تشمل مدة أطول من مدة عصر البليوسين. ولما كانت الطبقات التي تدل عليه وتحمل آثاره يبلغ سمكها ٩٠٠٠ قدم، بينما طبقات البليوسين لم تتجاوز ٥٠٠٠ قدم، وإذا كنا قد قدرنا عمراً لعصر البليوسين مقداره ٢٥٠ ألف سنة بالنسبة إلى سمك طبقاته، فإننا لا نغالي إذا قدرنا لهذا العصر من العمر ٤٥٠ ألف سنة. وأما ثاني حلقات عصر الـ وهو الأوليجوسين فإنها تغمر عصراً أطول من سابقتها، وقد بلغ سمك طبقاتها ١٢ ألف قدم، ولذلك فإنه لا يسعنا أن نقدر لها عمراً أقل من ٦٠٠ ألف سنة. نصل بعد ذلك إلى أولى وأقدم حلقات هذا العصر وهي الأيوسين ونقدر لها عمراً ٦٠٠ ألف سنة أخرى وذلك بالنسبة إلى سمك طبقاتها التي تساوي أو تقارب سمك الحلقة السابقة. هذه هي الحلقات التي يتكون منها العصر المسمى وهي في الدرجة الأولى من الأهمية في تطور الإنسان. إذ إنها تشمل فجر نشوء الحيوانات آكلة الخضروات، وهي التي ترضع صغارها، وهي كلها من ذوات الرحم عدا أنواع قلائل يمكن استثناؤها. وفي فجر هذا العصر بدأت ذوات الثدي في تغيير شكلها وتكوينها تغيراً كبيراً، وتغلبت في تنازعها البقاء والصلاحية على باقي الحيوانات الزاحفة القديمة. ولما كان الإنسان من ذوات الثدي، فإن من العبث أن ننتقل إلى عصر آخر أقدم من هذا لنبحث عن نشأة الإنسان، لأن العصر الذي يلي ذلك لا يشمل إلا كل زاحف. ومن الشكل

стр. 5728

(٨) نرى أن العصر الثاني وهو الشامل لعصر ذوات الثدي يمتد لفترة طويلة جداً قد يبلغ مقدارها نحو ٦ ملايين سنة كما يقول العلماء، وإني لا أريد أن يتبادر إلى ذهنك أنه عند الحد الفاصل بين العصرين قد حلت ذوات الثدي محل الزواحف دفعة واحدة، أو أن الأخيرة صارت من الأولى بتغيير سريع فجائي، لأن هذا التغير يلزمه وقت طويل مع بطء وتدرج، وقد وجد من حفائر العلماء في طبقات العصر الثاني آثار لزواحف كانت قد أخذت تتغير وتطور من شكلها وتكوينها كي تتناسب مع الوسط الذي كانت ستعيش فيه، وهو وسط ذوات الثدي ولتصير إحداها، وأن هذه الزواحف قد أخذت تتغير وتتشكل حتى نهاية هذا العصر واتسمت بسمات خاصة ميزتها في أوائل عصر الأيوسين. ولست أرى أية ضرورة لأن أتعمق أكثر من هذا العصر الجيولوجي الأول حيث تظهر قوة التطور في الأسماك والحيوانات البحرية حتى أمكنها أن تغير من شكلها في أواخره وتستطيع العيش على البر كما تستطيع العيش في البحر فأطلق عليها اسم برمائية. والآن وقد تكلمنا عن العصور الجيولوجية، وأعطيناك من المعلومات عنها ما فيه الكفاية، نعود بك إلى بحثنا الأصلي وهو أصل الإنسان. عندما تتبعنا آثار الإنسان القديم في الطبقات الجيولوجية القديمة في شرقي أنجليا أمكننا الوصول والتعمق بأبحاثنا إلى ما نريد بواسطة ما قد وجدناه من آثاره وأدواته الصخرية المتحجرة إلى وسط عصر البليوسين، وقد توصلنا بعد ذلك إلى الكشف عن بقايا مخلوق آخر أسميناه إنسان جاوه واعتبرناه أنموذجاً للكائن الذي كان يسكن هاته الجزيرة في ذلك العصر. وعرفنا أنه كان شبيهاً بالقردة في شكل الجمجمة فقيراً إلى تلافيف المخ، قليل الإدراك والتفكير، لكننا مع ذلك عرفنا أنه كان إنساناً في مشيته واعتدال قامته. ولذلك كان واضحاً جلياً أن يعمد العلماء إلى التعمق في بحثهم في عصر أقدم من ذلك العصر بكثير حين تطور الإنسان شكلاً وعقلاً من حال القردة. ومع أنه لم يوجد أي أثر لهذه الحلقة في التطور الإنساني في أي طبقة من طبقات الأرض، وذلك ما جعل العلماء في حيرة من أمرها، فقد وجد في الطبقات الأولى من عصر البليوسين ما ساعدهم على كشف سر هذا التطور والوصول إلى حلقتهم المفقودة. يتبع

стр. 5729

نعيم علي راغب

стр. 5730

البريد الأدبي مؤتمر الكتاب السوفييت وسير الأدب الروسي الحديث عقد أخيراً مؤتمر الكتاب السوفيتيين (الروسيين البلاشفة) في موسكو، فشهده زهاء ستمائة كاتب من مختلف الجمهوريات السوفيتية مثل: اليوكرين، والقوقاز، وبلاد الكرج، والتركمان، والغرغيز، ثم روسيا ذاتها؛ وهم يمثلون اثنتين وخمسين أمة مختلفة هي أمم الاتحاد السوفيتي، واثنتين وخمسين لغة وآداباً مختلفة؛ وشهده أيضاً جمهور كبير من كتاب الأمم الأخرى والصحفيين من مختلف البلدان؛ وألقى أعلام الأدب الروسي المعاصر مثل جوركي، وبوخارين، وإيفانوف، وبابل، وايرنبورج، واسكندر تولستوي، خطباً إضافية في وصف الروح الجديدة التي تسيطر على التفكير الروسي، وهي روح الحقيقة الاشتراكية. وخطب في جمهور الشباب الذين شهدوا المؤتمر الكاتب الفنان أوليخا، فتساءل عن الجيل الروسي الجديد ما هو؟ وماذا يغلب في توجيهه، أهي للعاطفة أم للعقل؟ وهل هو حساس يفيض حناناً ودمعاً؟ وماذا يشعر نحو المجتمع الاشتراكي الذي خلقه ورعاه؟ وكان من المناظر الشائقة أن خطبت صبية سيبيرية في الرابعة عشرة من عمرها؛ فتحدثت عن أماني الشباب نحو الأدب، وطالبت الكتاب الروس بمضاعفة نشاطهم في إخراج الكتب التي يحتاج إليها الشباب، ثم نوهت بما يلاقي الأطفال من رعاية في روسيا، وبأنهم ينعمون بما لا ينعم به الأطفال في أي بلاد أخرى من بلاد العالم. وقد ساد في المؤتمر على ما يصفه كاتب مشاهد، جو من الحرية والصراحة والإخلاص قلما يبدو في المؤتمرات العامة، وألقيت فيه الآراء المضمرة والظاهرة بحرية لم يحدها شئ، ولم يحجم الكتاب الضيوف عن إبداء آرائهم بمنتهى الصراحة؛ وتولى الرد عليهم أقطاب التفكير البلشفي مثل بوخارين وكارل رادك؛ وكان الجدل برغم احتدامه يطبعه كثير من الصراحة والولاء. ونقول بهذه المناسبة إن الفن والآداب الروسية لم تتأثر بالموجة البلشفية الهدامة بل ازدهرت في عهد الحكم السوفيتي، وعنى البلاشفة دائماً برعايتها وتشجيعها. ذلك لأن أقطاب البلاشفة كانوا كتاباً وأدباء قبل كل شئ. والاشتراكية تقوم على توجيه الفكر وتغذيته

стр. 5731

بالأدب والفن؛ وفي روسيا الآن نهضة أدبية وفنية تضارع أعظم النهضات المماثلة في البلاد الأخرى. وبزغ فجر النهضة الأدبية الروسية المعاصرة منذ سنة ١٩١٩ بعد أن خمدت الحركة الأدبية مدى عامين كانت روسيا تضطرم فيهما بنار الثورة والحرب الأهلية. وظهرت الروايات والقصص الأولى المطبوعة بروح الاشتراكية سنة ١٩٢٠؛ وبدأ الكتاب القدماء باتخاذ أساليب وصور جديدة تناسب الروح والأحوال الجديدة. وفي وسعك أن تتتبع مراحل البلشفية والمجتمع الجديد خلال الكتب. ففي المرحلة الأولى كانت المبادئ الثورية والاقتصادية الجديدة تطبع الأدب بطابع عميق؛ ولما تطورت البلشفية، وأبيحت الملكية الخاصة في حدود معينة، وظهر مجتمع (بورجوازي) جديد، ظهرت الميول (البورجوازية) مرة أخرى في الأدب الروسي ولكن بصورة مخففة. ونشبت هنا معركة بين الأدب الشيوعي المتطرف، والأدب المعتدل، وعاونت الحكومة دعاة التطرف في هذه المعركة؛ وسيطر الجناح الشيوعي على التوجيه الأدبي، وعاق بذلك تقدم الحركة الأدبية. ولكن مهمة الجناح الشيوعي الأدبية انتهت بتغلب السياسة الاقتصادية الجديدة. وفي أبريل سنة ١٩٣٢ أعلنت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حل جميع الجمعيات الأدبية، ومنها جماعة الحزب نفسه؛ وأعلنت إنشاء هيئة واحدة تضم كتاب الاتحاد السوفيتي جميعاً؛ واستمرت الهيئة الجديدة في طور الإنشاء مدى عامين؛ وهذا المؤتمر هو أول مؤتمراتها. المناعة ضد الحمى الصفراء اكتشاف طبي جليل قدمت أخيراً إلى أكاديمية العلوم الفرنسية مذكرة باكتشاف طبي خطير هو مصل جديد لمقاومة الحمى الصفراء. والحمى الصفراء من الأمراض الوبائية التي تجتاح المناطق الحارة في أفريقية وأمريكا الجنوبية، وتحدث من لدغ البعوض الذي يحمل ميكروبها، وهو المعروف في اللغة العلمية وقد وفق إلى هذا الاكتشاف الجليل الدكتور ليجريه من أطباء معهد باستور في تونس، والدكتور سيلاردس الأمريكي، ومذ اكتشف البعوض الذي يحمل الميكروب كانت مقاومة الحمى الصفراء تجرى بواسطة إتلافه في المدن الاستوائية الكبرى مثل ريودي جانيرو وهافانا وثغور أفريقية الغربية، ولكنه كان في الداخل يعصف بالسكان

стр. 5732

شر عصف. فعكف العالمان المذكوران على إجراء البحث لاكتشاف مصل يفيد في المناعة ضد الميكروب ويقي الإنسان نهائياً شر هذا البعوض الفتاك، وتوصلا إلى اكتشافه عن طريق القرد والجرذ. ذلك أن ميكروب هذا البعوض لا تمكن رؤيته بالميكروسكوب؛ وهو شديد الفتك بالقردة، ولكنه لا يؤذي الجرذان إلا إذا كانت الإصابة في المخ، فعندئذ يتحول فعل الميكروب ويغدو شديد الفتك بها، وقد لقح العالمان المذكوران الجرذ في المخ بدم البعوض، ثم استخرجا (الفيروس) (الميكروب) من الجرذ ولقحا به القردة فلم يؤثر فيها. ومن هنا نشأت فكرة المصل الواقي، وقد لقي الدكتور ليجريه صعاباً كثيرة، ومنع من إجراء تجاربه في البشر في معهد باستور، ولكنه استطاع أن يجريها في ثلاثة من التونسيين تطوعوا لذلك، فجاءت النتائج العملية تؤيد اكتشافه. فانتقل إلى أفريقية الغربية، وفاوض السلطات في دكار حتى سمحت له بتلقيح ثلاثة آلاف أوربي بالمصل الجديد؛ وكانت النتيجة باهرة، لأن ألفين لم يحدث لهم شئ؛ وأصيب الألف الباقي بشيء من رد الفعل والحمى اليسيرة؛ وكانت مناعة الذين لقحوا تامة ضد البعوض المعدي؛ وتأيدت بذلك صحة الاكتشاف وخطورته، وقدم بذلك مذكرة إلى أكاديمية العلوم لتتوجه بصفة رسمية. ويجري اللقاح المذكور على ثلاث دفعات بين كل منها عشرون يوماً، وتؤخذ مادته من ميكروب الجرذان الحي، ويمكن تجفيفه وتصديره إلى الجهات الحارة دون أن يفقد خواصه. ولا ريب أن سيكون لهذا الاكتشاف أثر عظيم في مكافحة الحمى الصفراء وانقاذ الملايين من فتكها الذريع. مؤرخ مسرحي توفي في أوائل هذا الشهر أديب ومؤلف فرنسي كبير هو فيلكس جاف، أستاذ الآداب بالسوربون، وكان مولده في سنة ١٨٧٤. وقد بدأ بتدريس النحو وفقه اللغة في السوربون؛ ولكنه شغف بالموسيقى والمسرح والفن؛ وعنى عناية خاصة بدرس تاريخ الفن والمسرح؛ وأصدر في سنة ١٩١٠ أول كتاب جامع عن (الدرامة)، وعنوانه (الدرامة في فرنسا) ثم أصدر كتاباً عن (المتناقضات في عصر لويس الرابع عشر) وشغل كرسي (تاريخ الأدب المسرحي) في كلية باريس أعوام طويلة، وكان حجة في كل ما يتعلق بهذا النوع من الأدب.

стр. 5733

ذكرى أناتول فرانسي كان يوم ١٢ أكتوبر الجاري هو الذكرى العاشرة لوفاة كاتب فرنسا الأكبر أناتول فرنس. وبهذه المناسبة عنيت جمعية تخليد ذكرى أناتول فرانس التي يرأسها الكاتب الكبير جول رومان بوضع لوحة تذكارية في قرية بشيليري التي قضى فيها فرانس أعوامه العشرة الأخيرة، وتوفي في ١٢ أكتوبر سنة ١٩٢٤، واحتفل بوضع هذه اللوحة في جمع حافل من أصدقاء الكاتب الكبير والمعجبين به. وهي خطوة من خطوات تزمع الجمعية اتخاذها لتخليد ذكراه. قبر سيرانودي برجراك للفرنسيين ولع شديد باكتشاف قبور عظمائهم التي طمست وغمرها النسيان، وفي فرنسا جمعيات أثرية كثيرة تعنى بالعمل في هذا السبيل. ومنذ أعوام قلائل استطاعت إحدى هذه الجمعيات أن تعثر بقبر الفيلسوف فولتير ورفاته تحت أقبية الكنيسة التي تذكر الرواية أنه دفن بها. ومنذ أشهر اكتشفت جمعية أخرى قبر الشاعر رونسار في بلدته التي دفن بها؛ وقد قرأنا أخيراً أن جماعة أثرية أخرى تعنى باكتشاف قبر (سيرانودي برجراك) وهو السيد الذي خلد روستان اسمه في روايته الشهيرة. والمعروف أن سيرانو حينما اشتد عليه المرض غادر باريس في سنة ١٦٦٥ إلى بلدته الأصلية (سانوا) ومات هنالك، ولا يزال اسمه مسجلاً في دفتر الوفيات بكنيسة القرية المذكورة. وقد أجريت مباحث في السهل الذي يوصف بأنه دفن فيه في ظاهر القرية. واكتشف بالفعل هيكل عظمي ظن بادئ بدء أنه هيكل سيرانو، ولكن ظهر من فحصه أن عظامه دقيقة كأنما هي عظام امرأة أو فتى لم يكتمل أطوار النمو. ولكن الباحثين لم ييأسوا، ولازال البحث يجري لاكتشاف رفات سيرانو ذي الأنف الضخم.

стр. 5734

النقد ٢ - أصدقائي الشعراء هذا لا يؤدى بقلم معاوية محمد نور وعندي أن السر في أن شعر علي محمود طه المهندس قد نال شيئاً من التقدير والثناء مرجعه لإجادة الصنعة والصقل، ولو أن مواده هي الأخرى تافهة بدائية المعنى، غير صادقة، يعوزها الشعور الفردي القوي، والنظر الأصيل الواحد. ثم لأن العرف الدارج والعقل الشعبي قد تعود أن يقرن الشعر بمظاهر الطبيعة المعروفة. . فيقول الناس عن ليلة مقمرة: أنها ليلة شعرية، أو عن روضة فيحاء: إنها تبعث على النشوة والسرور، وإنهما لكذلك. غير أن الشاعر الذي لا يتعدى في نغمه ووعيه الشعري سوى ترديد ما تواضع عليه الناس وأقروا به، إنما يدل على أن المحاكاة والتقليد والعرف الدارج هي أميز خواص فكره، وأخص ميادين لعبه الفكري. وعلي محمود طه يكتب عن الطبيعة ويستوحي النهر والبحر والغدير والقمر والأشباح والرياض والشفق، ويفهم أن (الطبيعة) التي يجدر بأن تنظم شعراً هي الطبيعة في أضخم مظاهرها وأعظمها، وأوقعها في الحس، وأشدها رائحة، وأهولها منظراً؛ وهو لا يفهم هذا الفهم ويتجه إليه لأن مزاجه هكذا، ولكن لأن هذه الأشياء قد كثرت في الشعر وأصبحت معروفة معترفاً على أنها تصلح موضوعاً للشعر، ولو لم يحس الأديب تجاهها بأي شعور غريب أو نظر حديث. وبديهي أن الشاعر المعاصر الذي لا يلتفت في عالم الطبيعة إلا إلى المظاهر التي التفت إليها خلافه من عهد آدم، يدل أولاً على أن تقدمه الذهني وقف هناك، وأن وعيه الفني لم يتطور؛ ففي الطبيعة خلاف البحر الذي يقف عنده القروي، وفي الطبيعة خلاف الشواطئ التي تقف عندها سفن البحارة، أشياء أخرى أدق وربما كانت ألصق بحياتنا وأجدر بالتفات الشاعر. فالحجر الصلد الذي يقف في طريقك، و (الشارع) الذي تصقله مصلحة التنظيم حيث يعمل جماعة المهندسين، والفأر الهارب من سفينة خربة، والذباب الذي يطن على

стр. 5735

جيفة عفنة، وقطعة الحديد التي أكلها الصدأ، والخشب الذي نأكل عليه، والزرع الذي نلبسه ثياباً، والعصفور الوحيد الذي ينتقل من بيت لآخر، والنمل، والنحل، وصوت الباخرة، وضجيج الترام، وخلافها من المظاهر التي نراها ونسمعها في غدوّنا ورواحنا هي أجزاء حية في الطبيعة، والالتفات إليها في وضع جديد أتى به نظام حياتنا الراهنة وحضارتنا المعاصرة، لأدلّ على فهم الطبيعة من آلاف القصائد عن البحر والشفق والنجوم!. ويجب ألا يفهم من هذا أننا ننكر على الشاعر أن يعنى بمظاهر الطبيعة الكبرى البدائية الجميلة أو المتوحشة، ولكن هنا يقل الإبداع، ولا يسلم الشاعر من الإسفاف والتفاهة، إلا إذا كان عملاقاً عظيم النظر فريد الشاعرية؛ كما إننا لا ننكر الالتفات إلى (المظاهر الرومانتيكية) التي يولع بها المهندس، ولكن هذا الالتفات وهذه العناية (بالربيعيات) يسهل فيه الغش، وتندر به الإجادة والتفرد؛ وهو أقرب طريق يلجه الأديب القليل الحيلة، المقلد الأسلوب، الذي لا تميزه شارة، ولا يستشف في تكوينه إصالة نظر أو عمق تفكير. وكثير من شعراء أوربا المعاصرين اقتربوا من الموضوعات الرومانتيكية بأسلوب جديد، فبدلاً من الحديث عن سحرها وخوفها وهولها، تراهم يحاولون تفسيرها والنظر إليها من خلال شعور وعقلية رأت وسمعت وقرأت ما يجعلها تنظر إلى هذا الجمال والهول والخوف من زوايا جديدة ليس فيها ذلك الجهل الناطق. فإن كل شئ لا يعرفه الإنسان يبدو له سراً تحار فيه الأذهان، ولو كان من أبسط البسائط! فالقروي الذي يزور القاهرة لأول مرة ويشاهد (المصعد الكهربائي) لا يمكنه إلا أن يذكر الله والأسرار، وتتملكه الحيرة والعجب، فإذا حاول مثل هذا الرجل أن ينظم قصيدة عن (المصعد) فقد تروق لأمثاله الذين لا يعرفون الميكانيكيات (وقوانين الطبيعيات). ولكن القارئ المتحضر لا يستطيع قراءة قصيدة تنسب إلى هذا المصعد أهوال الجن وعمل الشياطين! فالثقافة ووعي العصر الذي نعيش فيه لابد منهما لأي فنان يكتب ليقرأه الجيل الذي يعيش بينه، وذلك لأن الشاعر المصري المعاصر لا يعيش في (شبره) أو (ديوان حكومي)، ولكنه قبل ذلك إنسان حي يعيش في كل العالم، ويحس ببعض ما يدفع بالنفوس الآدمية إلى مناجاة النفس مثلاً في روسيا، أو الحركة والعمل في أسبانيا واليابان. والذي يستطيع أن يرى في

стр. 5736

شارع عماد الدين مثلاً وجوهاً وأجساماً وثياباً وآلات كاملة الصنعة مصقولة المظهر، يخبر مظهرها عن السكون والاطمئنان، غير إنها تفتح عوالم داخلية مروعة. وبالاختصار فإن الفنان الذي - لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من (تيار وعي) كامل يمكنه من رؤية التشابه في أشياء، ومظاهر بادية الاختلاف، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعاً لإخراج فكرة أو مظهر عادي مما نراه في حياتنا اليومية؛ ليس لديه تلك الملكة الشاعرة التي تستطيع أن تبني القصور من الرماد والهواء، أو تحلل السيارة الجيدة الصنع، الجميلة المظهر إلى عناصر حلم وغفوة إنسان وعصب حيوان، أو فقرات مادة سنجابية وجرح عامل فقير، ليس له ذلك الإحساس النافذ القدير على التكوين والتحليل، الذي يجبر القارئ على الإنصات له والاستماع لنغمه الشعري. وإني لأعجب كيف يعجب أي قارئ له حظ من الثقافة ودقة الحس بكلام مثل هذا: رب ليل مر أمضيناه ضماً وعناقا وأدرنا من حديث الحب خمراً نتساقى في طريق ضرب الزهر حواليه نطاقا وتجلى البدر فيه، وصفا الجو وراقا فإذا كان هنالك حب وضم وعناق، وزهر وبدر وجو رائق، فالإنسان العادي ليس به حاجة ليحس بنشوة آدمية حسية من غير أن ينظم له هذا الكلام شعراً. وإن أي أفريقي في أدغال أفريقيا، حينما يصفو الجو، وينمو الزهر، ويشرق البدر، ويحب امرأة يستطيع أن يقول هذا الكلام. وعند علي محمود طه أيضاً شعور غير محمود بأنه شاعر، ذلك لأنه قد ضم كل الشعريات وأحصاها في ديوانه. فقصيدة ميلاد شاعر مثلاً كلها تمجيد لهذا الرجل الذي يحسب نفسه شاعراً، لأن لفظة الشعر والشاعر والزهور والألحان تكثر في كلامه. والرجل الذي يستطيع أن يكتب - بعد معرفتنا الحاضرة وشعورنا المحدود الذي أتاحه لنا العلم والبحث العصري مثل هذه الأبيات الآتية، إنما أحسده لبساطته التي لا تحسد. وتجلى الصدى الهتوف الساحر … في محيط من الأشعة غامر وسكون يبث في الكون روعاً … وقفت عنده الليالي الدوائر (كذا)

стр. 5737

واستكان الوجود والتف الدهر … وأصغت إلى صداه المقادر (كذا) وقد يتورط محمود طه في غرامه (بالشعريات) برسمه صوراً مضحكة إذا لم تكن مستحيلة كقوله: ماؤه ذوب خمرة وسنا شم … س وريا ورد وألحان طائر وعنده إذا لم يجعل هذا الماء ذوب خمر وسنا شمس وريا ورد وألحان طائر في آن واحد فهو ليس بشاعر. وأي منطق يستطيع أن يفهم شيئاً يكون سنا شمس محرقة، وريا ورد، ثم يكون في نفس الوقت صوت طائر؟!. اللهم إن هذا إلا خلط قبيح لا نرضاه لصديقنا الشاعر. وليس أدل على فهم شاعرنا لطبيعة الشعر من قوله في رثاء شاعر: وهو شعر صورت ألوانه … بهجة الفجر وأحزان الشفق ونشيد مثلت ألحانه … همسات النجم في إذن الغسق. وفي قصيدة (الله والشاعر) بساطة مؤلمة في أن يأمر أديب الأرض بأن: مدى لعينيه الرحاب الفساح … ورقرق الأضواء في جفنه وأمسكي يا أرض عصف الرياح … والراعد المغضب في أذنه فهذا كلام لا يشرف أي طالب في مدرسة ثانوية، فضلاً عن شاعر عصري. والقصيدة ملآى بهذه الأشياء التي تواضع البسطاء على إنها الطبيعة التي لا طبيعة غيرها. مر بنهر دافق سلسبيل … تهفو القمارى حول شاديه في ضفتيه باسقات النخيل … ترعى الشياه تحتها غانيه فإذا كان هذا النهر ملحاً مثلاً، وكانت هنالك ضفادع على حوافيه، وأحجار تدمي الأقدام بدلاً من النخيل، فليس هنالك طبيعة تجدر بالشاعر والشعر!: حتى إذا شارف ظل الشجر … في روضة غناء ريا الأديم قد ضحكت للنور فيها الزهر … وصفقت أوراقها للنسيم فهذا الشاعر لا يكفيه أن تكون هنالك روضة غناء ريا الأديم ولكن لابد أن يضحك الزهر ويصفق النسيم لأول مرة! أما المسائل الفكرية التي أثارها الشاعر في حواره مع الله فهي أول ما يقرأ الطالب في

стр. 5738

العلوم الدينية في باب القضاء والقدر. إن مسألة الإثم والشر لا يعالجها فنان عارف بمثل هذه البساطة . وفي قصيدة (قيثارتي) مثل قوي لهذه النزعة نحو (الشعريات) التي حاولنا إيضاحها، وهذه هي أواخر الأبيات من غير تحوير ولا مبالغة، ولو أنها أشبه بالمبالغة والتحوير: الغور والآكام. الشعر والإلهام. مودتي وذمامي - قديم هيامي. قلبي الدامي. دمعي إلهامي. حبيسة الأنغام. إن مثل هذا الشعر ليوحي إلى القارئ الدقيق الحس كراهة الآكام والزهور والبحار والأنغام وما إليها لهذه النغمة المبتذلة الكثيرة التكرار، التي لا تحس معها بواقعة حال صحيحة، أو شعور نضر مباشر! وإنما أتينا بهذه الاستشهادات لندل القارئ على إننا لا نتعسف، وإلا فإن الديوان كله يصح أن يستشهد به، فما يخرج من ألفاظه ومعانيه عن هذه الألفاظ والأمثلة والمعاني. وقد كنا نظن أن أصدقاءنا من الجيل الجديد الذين يشتغلون بالشعر، يفهمون الشعر على حقيقته، وأنه ليس ألفاظاً ومبالغات عن عالم الطبيعة والزهر والحب وما إليه من الألفاظ والأخيلة التي يسهل على أي يد تحرك القلم أن تأتي بها. أصدقائي الشعراء، أقولها لكم مخلصاً: إن هذا عبث قبيح بالكبار. وأقبح ما فيه أن يأتي من جيل جديد له دعوى كبيرة نسمع عنها في الصحف، وهو على هذا التخلف المعيب في فهم الفنون والحياة. ولو أننا رأينا الاتجاه صحيحاً، وأن الطريق الذي تسلكونه مهماً كانت النظرة زائغة والنغم غير منسجم لتساهلنا، وكانت معالجتنا للموضوع غير هذه، غير أن الطريق من أوله خاطئ، وأن الفهم من أساسه غير صحيح، وأن هذا الطريق لا يؤدي أبداً، وأن الشيء الذي نسميه شعراً هو خلاف هذا في جملته وتفصيله، فمن شاء منكم فليرجع إلى نفسه يحاسبها، وينظر من جديد، ويقرأ ما يقول خلافه من الشعراء الفحول، وخاصة المعاصرين في أوربا ليرى في أي طريق تسير الأقدام، وأي عوالم يكتشف الفنان المعاصر، وأي المسائل يبحث النقاد، وأي (وعي فني) يجدر بالفنان الحي الذي يعيش في عالم الأحياء الشاعرين. معاوية نور

стр. 5739

القصص الأم الثانية للأستاذ محمد سعيد العريان كم كان نجيب أفندي وفياً لزوجه براً بأسرته؛ إنه لم يكن يسمح لنفسه أن يقضي خارج البيت قليلاً من الوقت لغير عمل؛ فأيان تلتمسه لا تجده إلا في الديوان أو في البيت، وفي فترات قليلة كان يجلس إلى أصحابه في النادي يستمع إليهم ويستمعون إليه، ولكنه كان حريصاً كل الحرص على الموعد الذي حدده لعودته إلى حيث يجد في الأنس بزوجه وولديه ما لا يجد جزءاً منه في مكان آخر. لقد كان من طراز غير طراز هؤلاء الكثرة من الرجال الذين لا يعرفون البيت إلا كما يعرفون الفندق أو المطعم، ولا يفهمون من واجبات الأسرة إلا كما يفهم المدين ألح عليه دائنه، ولا من حقوق الزوجة إلا ما تلهمه الغريزة، ولا من بر الوالد أكثر مما يفهم مدير ملجأ اليتامى. .! ولم يكن يعجب لشيء أو يرثي لأحد عجبه ورثاءه لهؤلاء الذين لا ينفكون يصرحون بالشكوى والألم من متاعب الزوجية وقيود الزواج؛ بل لقد كان يسيء الظن بهؤلاء الشاكين ويرميهم بالحمق وسوء التدبير في سياسة بيوتهم أكثر مما يرثى لهم ويعجب. ولكن هذه السعادة التي كانت تشرق عليه بالبشر والإيناس، وتعمر صدره بالبهجة وحب الحياة - لم تلبث أن زالت؛ وتبدل البيت من أنسه وحشة، وتحولت ضحكات الفرح والمسرة فيه إلى همسات حزينة باكية، وخيم الظلام الموحش الرهيب. . لقد ماتت زوجه. .! مَن لهذين الصغيرين يرعاهما ببره، ويسبغ عليهما من عطفه وحنانه ما يعوض عليهما بعض ما فقداه من بر الأم وحنانها؛ مَن لهذه الصغيرة (كريمة) يرتب شعرها ويغني لها في الصباح تلك الأغنية الجميلة التي كانت تدللها بها أمها وهي توقظها في رفق لتذهب مبكرة إلى المدرسة الإلزامية القريبة. ومَن للصغير (صلاح) وما تزال الأرض تجاذبه فما يمشي خطوات إلا معتمداً على الحائط، ثم يتم سيره حبواً على الأربع؛ ومن ذا يقطف من ثغره الزهرة الناظرة حين يبتسم، ويطبع على خده القبلة الناعمة حين يبكي؛ بل من ذا يجيبه حين يحرك شفتيه بالكلمة العزيزة التي لا يعرف غيرها: (أمي!) وقد ماتت أمه. ومن ذا

стр. 5740

يعوض على نجيب زوجه التي فقد بفقدها نضارة عيشه، وبهجة حياته، وأنس أليفه، وأم ولديه. .؟ إنه ما يزال يذكر ذلك الحديث القصير بينه وبين كريمته غداة حملوا أمها إلى حيث لا تراها، فتسأله: - أبي، أين أمي؟ - أمك عند أبيها يا كريمة. - لقد كنت أظنها عند الطبيب، وأين أبوها؟ إنني لا أعرف بيته - أبوها هناك. في مكان بعيد لا تعرفينه ولا أريد أن تعرفيه. - ولماذا لم تأخذني معها، لقد غابت كثيراً فمتى تعود؟! وأخفى الرجل دمعة تنحدر على خده، وأطبق فمه أن تفلت منه زفرة محبوسة؛ وقام يستحث الخادم على إعداد الطعام. . لقد ترك هذا الحديث في نفس نجيب أثراً عميقاً كان عسيراً عليه أن ينساه، وكان أليماً أن يذكره؛ وكلما أحس أن ابنته توشك أن تعود إلى مثله أسرع يقص عليها حكاية مسلية، أو يروي نادرة مضحكة ليصرفها عن الحديث. . وأنس الصغيران إلى أبيهما، ومرت يد الزمن رفيقة على رأسيهما فمحت منهما تلك الذكريات عن صاحبة الوجه الجميل التي كانا يدعوانها أمهما إلى قريب. ولكن هذا الزمن لم يستطع بأيامه ولياليه أن يمحو هذه الذكريات وذكريات أخرى عزيزة كان يحتفظ بها نجيب أثراً من ماضيه السعيد. وكلما مرت الأيام أحس نجيب بالوحشة والفراغ من حوله، وعاد يستذكر الماضي بما فيه، ويقلب حوله عيناً حزينة لا تقع على أثر من آثار ذلك إلا عادت ملأى بالدموع. ومضت خمس سنين وهو يعيش في هذا البيت عزباً يرعى ولديه، ويقوم بأمرهما قيام الأم والأب، تعاونه خادم صغيرة على إعداد الطعام وتنظيف البيت وقضاء حاجات الصغيرين. . وأتمت كريمة دراستها الأولية والتحقت بمدرسة ابتدائية قريبة من الحي، وأخوها يتأهب لأن يفارق معلم (الكتّاب) وعصاه إلى المدرسة، ونجيب ما يزال على عهده يشعر بالضيق من وحدته، ويتمنى لو يستطيع أن يظفر بزوج تعمر هذه الدار الموحشة، وتعيد إليها بهجة فقدتها منذ عهد طويل، بل تشرق بابتسامتها في وجهه العابث، وتمهد بيدها الناعمة فراشه الخشن، ولكنه. . . ولكنه يحب ولديه ويريد أن يؤثرهما بهذا الحب، وهو يرى أنه ليس

стр. 5741

في الوجود إلا أم واحدة لكل مخلوق وأب واحد وقد ماتت أمهما! وأنه ليخشى أن يفقدا في سبيل البحث لهما عن أم ثانية - أباهما الواحد؛ يخشى أن تستأثر به زوجه فلا يكون لهما أب ولا أم! وتعرّف إلى صديق جديد، هو زميله في الديوان، وتوثقت عُرى الودّ بينهما فاطمأن كل منهما إلى صاحبه، وتعاهدا على الوفاء فكانا روحاً في جسدين، واتحدا عاطفة وإحساساً فصارا - كالشخص وخياله - يبتسمان ويقطبان في مرآة. وعرف (إبراهيم) من حال صاحبه ما نعرف فنصح له أن يتزوج، وعرض عليه أخته زوجاً له وأماً لولديه. . . ومضى شهران زفّت بعدهما (زينب) إلى نجيب، فرأى من أدبها وإشراق طلعتها وحسن معاملتها لولديه - ما أعاد إليه بهجة الشباب. وكأنما تناول القدر مقصاً قطع به ذلك الجزء الباقي من صور الماضي القريب ليصل عهدين كلاهما له من السرور رونق ورواء. وعاد إليه أنسه، واطمأنت نفسه، واستروح نسيم السعادة وتفيأ ظل الاستقرار، ومضت أشهر. وقالت له زوجه: (البيت مدرسة الفتاة، فهلا احتجزنا كريمة عن مدرستها تعرف من شئون البيت ما عرفت من فنون العلم، وتجيد في الطهي ورفو الثياب ما تجيد من القراءة ومداعبة القلم؟) وتريث نجيب قليلاً ثم سمع لكلام زوجه، وبقيت كريمة من اليوم التالي في البيت تستمع إلى دروس جديدة من فن تدبير المنزل، وعرفت كيف تدير الملعقة في القدر، وكيف تقشر البصل وكيف تغسل الأطباق وترتبها على المائدة في نظام جميل. وكانت تفرح حين تكلفها (أمها) إعداد شئ، أو تطلب إليها مرافقة الخادم إلى السوق لقضاء حاجة، ولم يكن يسوءها شئ أكثر مما تسوءها سرعة اتساخ ملابسها الزاهية؛ لأنها كانت تغسلها بنفسها. . وخرجت الخادم مرة فلم تعد؛ لأن زينب طردتها. وقالت لزوجها: - إن هؤلاء الخادمات لا يحسنّ القيام بشيء غير طلب الأجر، وأكثرهن لا يعرف الأمانة ولا يشكر النعمة؛ فلا تتعجل في اختيار أخرى قد تكون شراً من سابقتها، وسأبحث على مهل عن خادم أمينة لا تضايقنا ما كانت تضايقنا تلك الفتاة الملعونة. . . وأسند عمل الخادم

стр. 5742

مؤقتاً إلى كريمة، ولكن هذا التوقيت لم يكن إلى نهاية. . .! فلم تعد تلك الفتاة الناضرة التي كانت، وانطفأ بريق عينيها، وذبل خداها، وعلت وجهها غبرة من الحزن كانت تواريه عن أبيها. . . وأخذت تعود إلى رأسها الصغير ذكريات بعيدة مشرقة، تبدو خلف ضباب البعد في فتنة الخيال - ذكريات عن أم أخرى رفيقة كانت دائماً تبتسم في وجهها، وكثيراً ما كانت تحتضنها إلى صدرها وتقبلها وتعنى بنظافتها وراحتها، فتصنع لها اللعب وتشاركها اللعب بها؛ وكانت إذا جاء المساء تروح تحدثها حديثاً عذباً، وتقص عليها حكايات لا تزال تذكر بعضها، فإذا جاء وقت النوم احتوتها بين ذراعيها، ثم لا تستيقظ في الصباح إلا على نغمات من صوتها النديّ الرقيق. أين ذهبت تلك الأم فلم تعد، ومن هذه الأخرى؟ لقد كانت أمها الأولى أرحب صدراً وأوسع عطفاً وأكثر حناناً.! وابتدأت الفتاة تتبرم بما تؤديه من عمل، وابتدأت زينب تشكوها إلى أبيها. وأول مرة سمعتها كريمة من بعيد تحدث أباها عنها ذهبت إلى غرفتها وجلست تبكي، فلم يسأل عنها أحد. ويوماً عاد صلاح من المدرسة في الصباح، فقد طرده الضابط لقذارته، وانهالت عليه (أمه) توبخهوتشتمه، وتركته منزوياً في جانب من الردهة يبكي حتى عاد أبوه في الظهر. ورفعت إليه الشكوى من (ولده) وتجاهلت أشياء واختلقت أشياء. وغضب الوالد، وهم بالولد يخيفه برفع يده، ووقفت كريمة في الطريق: (أبي، ما هذا؟ إن أخي لم يفعل ذنباً، أمي هي التي تهمله!) وسقطت يد الرجل بجانبه، لقد رأى كريمة في صورة أخرى، لكأنه لم يسمع صوتها منذ زمن طويل. هذا الصوت الذي تحدثه به لشد ما أثار في نفسه من ألم وأعاد إلى رأسه من ذكريات. ووازن بين صورتي ابنته أمس واليوم؛ صورتها أمس في طفولتها الجميلة وهي جالسة في حجره تعبث بشاربه وتربت بيدها على خده. لقد كانت مثل زهرة تفتحت في الربيع تتألق في حسن وتفوح بعطر - وصورتها اليوم! ماذا تلبس؟ إنها ثياب الخادم المطرودة. . . وحوّل وجهه إلى ناحية أخرى فأبصر ولده متجمعاً من خوف في زاوية المكان: صلاح. ووقف الولد يرتعد، وجذبه أبوه برفق، وطأطأ رأسه في ذلة، وانحدرت من عينيه دمعة: ولدي. وتهدج صوته فأمسك عن الكلام؛ وأحست زينب عاصفة توشك أن تنقضّ فانسحبت في هدوء.

стр. 5743

لم يتحدث نجيب مع زوجه في شأن العناية بولديه، فقد عرف معنى انسحابها، وأدرك أنها فهمت ما همّ أن يفعله. . . وعادت الحياة في البيت مطمئنة هادئة، فقد غيرت زينب سياستها في معاملة الولدين، ونسي نجيب ما كان، أو كاد. وليلةً جلسوا على المائدة للعشاء، ومد صلاح يده يتناول قطعة من الفاكهة، فانجذب إليه غطاء المائدة فتلف نظامها وسقط بعض الأطباق على ملابسه وملابس أخته في جواره، وغضب أبوه ونظر إليه نظرة، وتوقفت زينب عن الأكل لحظة تقلب بصرها في نظرات ذات معنى بين الولد وأبيه، وتألم الولد فقام عن المائدة يدعي الشبع، ثم نهضوا جميعاً. ولم يطل بهم السهر تلك الليلة فصحب الرجل زوجه إلى النوم، وترك الولدين يهيئان فراش نومهما في غرفتهما. ولما سكن الصوت قالت زينب: - نجيب! أرأيت ما فعل صلاح؟ لقد فقدت شهوتي للطعام حين رأيتك متألماً لما فعل، ألا ترى من الخير أن يأكلا وحدهما؟ - زينب! اسكتي. ونهض الرجل إلى الفراش ولكن لم يغمض له جفن، لقد تعاورته أفكار مظلمة، وأخذ يردد النظر بين حاضره وماضيه، لقد كان للأسرة معنى يحس وحدته في قلبه فأصبح لها في مرأى عينيه معنيان؛ في زوجه وولديه. ورجع أدراج الزمن يلاحق ذكريات عزيزة كاد يطمسها البعد الطويل؛ ثم أخذته إغفاءة الفجر، وخرجت له امرأته الأولى من فكره المضطرب وقلبه المتألم - طيفاً يعاتبه؛ وتخلت عنه حجة المعتذر؛ وأغضى حياءً من عنف تأنيب تينك العينين؛ ورأى ولديه يفران في رعب وفزع إلى حيث يلتمسان الأمان في صدر أمهما. وابتسم الطيف في رثاء وألم. . . واستيقظ، فارتدى ملابسه على عجل وخرج مبكراً إلى الديوان. ووقف إبراهيم أفندي على سر صاحبه، وآلمه من أخته أن تكون على ما وصف زوجها قسوة وغلظة، ولم يخش على عشها أن ينهدم أكثر مما يخشى على ما بينه وبين صديقه من ود أن تنفصم عروته، وينحل وثاقه، ويعبث في عقدة الإخلاص منه إصبع الشيطان أو إصبع امرأة. . . ودبرا أمراً وافترقا على ميعاد. في عصر ذلك اليوم دعا نجيب زوجه إلى نزهة، فركبا سيارة إلى بيت أخيها حيث استودعها نجيب إلى أن يعود. وأبدى إبراهيم لمقدمها شعور مرتاح وهو يخفي الغيظ في

стр. 5744

صدره، وتعلق بها أولاد أخيها يتجاذبون ثوبها في سرور ظاهر، واستقبلتها زوجه بقبلة وداد وعناق مشتاق؛ واستدارت بهم حلقة يتناولون من كل حديث طرفاً، ويتبادلون شتى ذكريات أمس وأنباء اليوم وآمال الغد: منذ أشهر لم تطأ زينب عتبة هذه الدار؛ منذ فارقتها إلى بيت زوجها تعترك في رأسها أحلام، وتصطرع في نفسها عواطف، وتعبث بطمأنينتها رهبة، وتتحرك في دمها غريزة امرأة، ترى ماذا تحقق من أحلامها وما أخفق وماذا تسعى إليه بعد، وأي حاليها كانت خيراً: حالها الآن وقد أصبحت ربة بيت وصاحبة أمر وسلطان، أم حالها أمس في تلك الغرفة من بيت أخيها ريانة شبعانة كاسية، ثم حسبها مما وراء ذلك من سعادة العيش أحلام لا تولد إلا في الظلام فلا تعيش تحت الشمس؟ وانتهت تأملاتها وقد زحف الظلام ولم يعد نجيب؛ ترى أي جليل من الأمر تلكأ به وهو الوفي إذا وعد! وهتف نفسها إليه، وهتف باسمه الشوق، وتحدثت إليه المنى: متى يعود.؟ ومد الليل رواقه ولم يعد، وراحت تتناهبها الأفكار، وتنوشها الهواجس، وتعبث بلبها مختلف الخواطر، وذكرت موقفها من ولديه أمس وموقفه، وخشيت أن يكون به ألم من بعض ما فعلت يريد أن يعاقبها عليه. . . وكأن لم يكن لها عهد بالأكل على مائدة أخيها فجلست تقلب بصرها في أنواع الطعام وفي وجوه الآكلين، لا تكاد تمد يدها أو تحرك فكيها. وقاموا عن المائدة، ثم أوشك الليل أن ينتصف ولما يعد نجيب. . . وغلبها الخوف والألم، وهمت أن تكاشف أخاها بما في نفسها فلم تفعل، وطوت صدرها على هم متكبر! وقام أخوها يتثاءب فدعاها إلى النوم هناك. . . في الغرفة التي ودعتها منذ أشهر يوم صحت من أحلامها تستقبل الحياة التي طالما تمثلتها وتخيلت أيامها ولياليها في كنف الزوج العزيز. . وسلخت ليلتها لم تنم على جنب واحد، وأقبل الصباح أقبح من ليل داج مخيف. ومضى يوم ويوم وأيام وهي تصبح وتمسي على حال واحدة، وأحست أنها ضيف مملول. وشعرت بالوحشة تكتنفها، واجتمعت عليها الأفكار السود، ولم تستبن في ظلام يومها ما يضمره لها الغد، وأيقنت بما هناك. . . أترى زوجها يقدم على ذلك وهو الذي كانت تعرف من حبه إياها أنه يشق عليه أن يفارقها لحظة، فهل يطيق أن يفارقها إلى الأبد؟ ولكنها لم تحرص على هذا الحب، لقد كانت تطمع أن يكون لها

стр. 5745

وحدها قلبه، وأن تستأثر بحبه من دون ولديه، ففقدت كل شئ ولم تظفر بشئ!! وقال لها أخوها وقد جلسوا للطعام: - لماذا لا تأكلين يا زينب؟ لعلك تخجلين أن تجلسي معنا على المائدة، فلا حرج أن تأكلي وحدك إن كان يحلو لك ذلك؛ وتستطيعين أن تطهي طعامك بيدك إذا أحببت ألا تأكلي من طعامنا. ونظر إلى زوجه ونظرت إليه. وسكتت زينب فلم تجب، ولم تأكل أيضاً، فقد ازدحمت في عينيها الدموع. وقامت عن المائدة فلم يلح عليها أن تجلس كما يلح على زوجه وأولاده حين يفرغون قبله من الطعام. أتراها ثقلت عليهم إلى حد أن يكرهوا أن تأكل معهم من طعام واحد؟ لقد هانت عليهم من قبل، حين أذنوا للخادم أن تسافر لزيارة أمها، وتركوها وحدها تؤدي عملها، فلم يساعدها أحد أو يشكر لها يداً، أي هوان! وخلت إلى نفسها تبكي وتدفن الزفرات في صدرها، ثم تحصي الزمن وتقدر حساب الغد. لقد طال بها الانتظار ونجيب لما يعد. . ومرت بها من الماضي صورة فذكرت. . لكم كانت قاسية جبارة في معاملة كريمة وصلاح، ما أقبح الجريمة وما أعدل الجزاء! وانحدرت على خدها عبرة الندم. لقد كانت عمياء فأبصرت، واشتملها إحساس عميق بالرثاء والعطف؛ كيف لم تدرك من قبل سوء ما كانت تصنع؟ إنه ذنب الصغيرين، ستكفّر عنه حين تعود، ولكن. . . هل تعود؟ وتركت كبرياءها في الغرفة وخرجت تحدث أخاها: - إبراهيم، ألم يقابلك نجيب؟ - بلى. - انه لم يحضر! - أعرف ذلك! - وهل تعرف السبب؟ - السبب؟! وتركها مطأطئة الرأس تبكي في حسرة وندم ومذلة، وراح يخفي علائم الظفر تبدو في أساريره؛ لقد أفلحت الخطة ونجح العلاج. وحين عاد في المساء كانت زينب لا تزال تبكي. لقد غلت القدر وتوشك أن تنفجر؛
следующие страницы →